الاثنين، أبريل 28، 2008

الأسرى الفلسطينيون والثقافة

راسم عبيدات

..... الثورة بلا ثقافة،هي تماماً كما البندقية غير المسيسة،والشهيد القائد غسان كنفاني، يعلم انه لا ثورة بلا ثقافة،واستشعاراً لخطورة دوره ومكانته في هذا الجانب أقدمت إسرائيل على اغتياله في تموز عام 72 في بيروت، ومن بعده الشهيد ماجد أبو شرار وغيره من حملة الفكر والقلم،فالكلمة المقاتلة في الكثير من الأحيان تلعب دور الطلقة المقاتلة أو أكثر، ومؤسس حركة القومين العرب ومن بعدها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأحد أبرز قادة وأعمدة النضال الفلسطيني المعاصر، وحكيم ثورته الشهيد القائد القومي والوطني الكبير جورج حبش يقول أنه ليس بالكارثة أن نهزم عسكرياً وسياسياً، ولكن أشد واخطر أنواع الهزائم، هو أن نهزم على الجبهة الثقافية،والحركة الأسيرة الفلسطينية، منذ بدايات الاحتلال،ومع بداية تكون منظماتها الاعتقالية في سجون الاحتلال الإسرائيلي،وعت وأدركت هذه الحقيقة، واستشعرت أهمية وخطورة هذه الجبهة في إطار صراعها ومقاومتها للاحتلال،ولذلك بنت ونظمت أطرها وتنظيماتها الاعتقالية على أساس،تحويل السجون من مقابر للأحياء إلى مدارس وجامعات، تربي وتعلم وتؤطر وتنظم وتفولذ وتكسب الخبرات والتجارب للكثير من أعضائها في مختلف الميادين،وأضحى الكثير من أعضاء منظماتها الاعتقالية،ليسوا قادة للمعتقلات فقط، بل قادة في إطار الثورة الفلسطينية وفصائل عملها المقاوم، حيث القادة في العمل الحزبي والتنظيمي، وآخرين في إطار الفكر والتنظير والأدلجة،وغيرهم من القادة في السياسة والشؤون الاعتقالية والقضايا الأمنية والخبرة والتجربة في كشف مخططات إدارات السجون وأجهزتها الأمنية ،من أجل اختراق المنظمات الاعتقالية، عبر وخلال عملائها من المتساقطين ومرضى النفوس،والفصائل كانت تتنافس وتتسابق في إطار الثقافة،وقراءة الكتب،وعقد المسابقات الثقافية،وإصدار المجلات الحزبية الداخلية،والتي غالباً ما كانت صدي لأدبياتها الحزبية في الخارج(الهدف ،الحرية،فلسطين الثورة)،بالإضافة إلى عقد جلسات يومية،بمعدل جلستين إلى ثلاثة يومياً،في القضايا التنظيمية والمستجدات الوطنية والسياسية،وكذلك في القضايا الأمنية والداخلية، وانتظام الحياة الحزبية بشكل نسبي،أكسب الكثير من الأسرى خبرات وتجارب،في كتابة وصياغة التقارير الحزبية، والتعمق وهضم واستيعاب الأنظمة الداخلية لتنظيماتها،وكذلك الرد على تقارير هيئاتها الحزبية والتنظيمية،والقدرة على النقاش وامتلاك ناصية الموقف السياسي لهذا الفصيل أو ذاك، وحتى قبل مرحلة أوسلو بقليل،كان المصدر الأساسي للمعلومات هو المذياع،والتي توفر عدد منها عند التنظيمات بشكل مهرب ،قبل أن تشرعن من قبل إدارات السجون قصراً،على ضوء إضرابات وخطوات نضالية قامت بها الحركة الأسيرة،ودفعت ثمن الحصول عليها ،هي والتلفاز لاحقاً دماً ونضالات وشهداء، وهناك مصدر هام للأسرى في أمورهم الحزبية والداخلية، ما كان يصلها من تنظيماتها خارج الأسر بطرقها ووسائلها الخاصة، وكان ما يتم إدخاله من مواد حزبية وثقافية في سجن، يجري في زمن قياسي نسخه،"وكبسلته"،والاحتفاظ بعدة نسخ منه في أماكن آمنة، وإرسالها"مكبسلة" للسجون الأخرى،أما في الجوانب الفكرية والثقافية،فكان هناك وفرة في الكتب الثقافية والأدبية والسياسية،وكان في كل سجن مكتبة عامة فيها عدة مئات،بل ألاف من الكتب،والتي لم تكن تتوفر في المكتبات خارج السجون ،وانأ هنا لست في إطار السرد والتوثيق التفصيلي لذلك، وجانب هام آخر امتلكته المنظمات الحزبية الاعتقالية،هي كونها كانت تتسلح بإرادة حديدية،وثقة عالية بحتمية النصر والتحرير،وطاعة وانضباط لقياداتها،يصل حد التأليه وامتلاك الحقيقة المطلقـة،وعندما كان عضو من فصيل يتعرض بالنقد أو التجريح لهذا القائد أو ذاك تقوم الدنيا ولا تقعد،حتى جاءت أوسلو كاشفة العورات وكشفت حقيقة الكثير من هذه القيادات،والتي أصبحت محط سخرية وتندر الكثير من المناضلين،ولسان حالهم يقول"بنظن الباشا باشا وطلع الباشا زلمه" ،وإنصافا للحقيقة فإن القوي اليسارية الفلسطينية ،وتحديداً الجبهة الشعبية كانت الأكثر تميزاً على صعيد الاهتمام بالقضايا الثقافية،وأستمر العمل بهذه الوتيرة من مختلف فصائل العمل الوطني الفلسطيني،حتى بدايات مرحلة أوسلو،هذه المرحلة التي شكلت علامة فارقة،في انتكاس وتراجع دور الحركة الأسيرة الفلسطينية على كل الأصعدة،فأوسلو بقدر ما كان دماراً على الشعب الفلسطيني،فإنه كان دماراً مضاعفاً على الحركة الأسيرة الفلسطينية، حيث شعرت الحركة الأسيرة الفلسطينية، بأنها طعنت في الصميم، والسلطة القادمة لا تكترث بمصيرها، وما يهمها مصالحها وامتيازاتها،ومصيرها رهن بأيدي الإسرائيليين، ويتحكمون به من حيث إخضاع الأسرى لتصنيفات وتقسيمات،شبيهة بتقسيمات الأرض الفلسطينية(ألف وباء وجيم)،وأخرى مؤجلة للمراحل النهائية...الخ،هذا الواقع المرير قاد إلى حالة واسعة من الإحباط وانعدام الثقة في صفوف الحركة الأسيرة الفلسطينية، بل أن شدة التململ في صفوف الحركة الأسيرة الفلسطينية،دفعها لمخاطبة المفاوض الفلسطيني،بلغة جارحة وقاسية جداً،وهذا كان له أيضاً انعكاساته على الأوضاع الداخلية للحركة الأسيرة،حيث تفككت وتحللت منظماتها الحزبية، وتعطلت الحياة الحزبية الداخلية، وحلت المنظمات الأسيرة،ولم يعد هناك لا جلسات حزبية ولا ثقافية، وحتى العمل الاعتقالي،أصبح في إطار رفع الواجب، وتحولت المنظمات الأسيرة الى منظمات ديمقراطية،لا تدار وتقاد وفق الأسس والقواعد الحزبية،بل من خلال قوة العلاقة الشخصية والتأثير والشللية والبلدية والجهوية،وأصبح الهم الشخصي والذاتي طاغياً على الهم الجمعي والعام وأهملت الحياة الثقافية إلى أقصى حد،وأصبح الأسرى يخرجون الكتب على الزيارات إلى الخارج، وفي التأريخ للحركة الأسيرة،فإن مرحلة أوسلو من أسوء المراحل وأشدها ظلاماً وسوداوية في تاريخها،وفي الوقت الذي كان فيه المناضلون يقبلون على الجلسات بروح معنوية عالية، وجدنا عزوفاً شبه كلي عن ذلك، بل أصبح أن تقول لمناضل أن يأتي لحضور جلسة ثقافية أو تنظيمية بمثابة مسبة أو كفر، ومجال للتندر بالقول، هل تحضر جلسات كما يفعل البعض في الجبهة الشعبية؟، وهذا بدوره قاد إلى فقر وفراغ وخواء ثقافي وفكري وتنظيمي وقيادي،وأنت تتلمس هذا الفقر، في الأعداد الكبيرة من الأسرى التي دخلت السجون في الانتفاضة الثانية،فهناك جيش لا بأس به شبه أمي، يتحمل مسؤوليته ليس الحركة الأسيرة في السجون،والتي حاولت قدر الإمكان ،أن تعيد الهيبة للعمل الحزبي والتنظيمي والثقافي في السجون،بل كل فصائل العمل الوطني الفلسطيني،والتي أصبح شعارها الكم وليس الكيف،ناهيك عن صعوبة وخطورة المرحلة وتعقد الوضع الداخلي الفلسطيني ومأساويته.
هذه الحلقة المركزية ،ليس في حياة الحركة الأسيرة الفلسطينية،بل في حياة كل الشعب الفلسطيني،إذا لم يعاد لها الاعتبار،فإننا متجهين نحو المزيد من الانحدار والهزائم على أكثر من جبهة وصعيد.

Quds.45@gmail.com

ليست هناك تعليقات: