الأربعاء، أبريل 30، 2008

التجربة الفلسطينية في لبنان...!

د. صلاح عودة الله
أكثر بلد عربي أحبّه الفلسطينيون ورغبوا في العيش فيه هو لبنان وذلك من خلال تجربتهم، مع ان هذا البلد لم يقدّم للفلسطينيين إلا النزر اليسير جداً من الحقوق المدنية والاجتماعية مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى كالأردن وسورية والعراق. ولعل مناخ الحرية والازدهار الذي ساد لبنان في الخمسينات والستينات من القرن العشرين كان السبب في تعلّق الفلسطينيين بهذا البلد وانشدادهم إليه.
ثم ان الفلسطينيين أنفسهم كان لهم شأن حيوي ومباشر في الازدهار اللبناني الذي بدأ فعلياً في سنة 1949 فصاعداً اي عقب النكبة مباشرة، ففي سنة 1948 و1949 تدفق على لبنان نحو 110 آلاف فلسطيني جراء سقوط فلسطين في أيدي الحركة الصهيونية. وهؤلاء حملوا معهم الملايين من الجنهات الاسترلينية، وهذه المبالغ المالية أطلقت ثورة اقتصادية ظلت تتردد آثارها حتى نهاية عقد الخمسينات تقريباً.
وفي هذه الفترة قيّض للشتات الفلسطيني أن يشهد تأسيس اثنتين من أهم الحركات السياسية العربية وأبعدها أثراً هما: حركة القوميين العرب وحركة "فتح".
خضع الفلسطينيون اللاجئون الى لبنان لشروط قاسية جداً أناخت بكلكلها عليهم في اماكن إقاماتهم. فكان ممنوعاً عليهم الانتقال من مخيم الى آخر إلا بإذن، وممنوعاً عليهم السكن في بعض المناطق المحاذية للحدود الفلسطينية، وتسلطت عليهم المخافر، علاوة على رجال المكتب الثاني أيما تسلّط. لكن، في 1/1/1965 آفاق الفلسطينيون في لبنان على البيان الاول لـ"قوات العاصفة" وهو يعلن انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني.
وكان هذا البيان إيذاناً بتحوّلات عاصفة سيشهدها لبنان والمنطقة العربية بأسرها. ومن الطبيعي ان يتجاوب الفلسطيني مع هذا البيان بفرح غامر، ولا سيما ان اسم حركة "فتح" كان يتردّد في أوساط اللاجئين منذ سنة 1960. ولا ريب في ان انطلاقة الكفاح المسلح منحت الفلسطينيين شعوراً بالزهو والإحساس بالكرامة، وتوقعوا ان تصبح قبضة المخافر عليهم أقل قسوة وأكثر تحناناً.
وهذ الأمر لم يتسنى له الخروج الى الحياة بالشكل المنشود. مرّ الفلسطينيون في لبنان بمراحل مختلفة من المستويات المعيشية تبعًا للأحوال السياسية، ويمكن تحديدها بأربع مراحل أساسية:
المرحلة الأولى: من عام 1948 إلى عام 1969 كانت المخيمات تخضع لقيود احترازية مشدَّدة، فكان يمنع على اللاجئين الانتقال من مخيم إلى آخر دون ترخيص، وكان محظورًا على أي مخيم التمدد خارج الإطار المكاني المحدد له. كما كان من المحظور بناء طابق ثانٍ فضلاً عن أن يكون سقف البيت من الأسمنت أو الحجارة، وبمقابل ذلك كانت خدمات الأونروا التعليمية والصحية أوفر بكثير مما هي عليه الآن.
المرحلة الثانية: من عام 1969 إلى عام 1982 وهي فترة صعود العمل المسلح الفلسطيني واكتسابه الرعاية العربية واللبنانية بعد التوقيع على اتفاق القاهرة عام 1969 الذي نظّم عمل الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان، وفي هذه المرحلة خاصة عاش الفلسطينيون فترة ذهبية، حيث تدفَّقت الأموال على منظمة التحرير التي نالت الاعتراف العربي أولاً، فتحسَّنت الأوضاع المعيشية، وقامت المؤسسات الاجتماعية، وانخرط عدد كبير من الشباب في المنظمات الفلسطينية المختلفة مما وفَّر للأسر الفلسطينية مورد العيش المتوسط، حتى إن كثيرًا من اللبنانيين الفقراء ومتوسطي الحال استفادوا من حال البحبوحة النسبية التي عاشتها المخيمات آنذاك.
لقد خفَّف ظهور المنظمات المسلحة القيود على عمل وحركة الفلسطينيين في المخيَّمات وخارجها، فلم تعد الأنظمة والقوانين تُطبق حرفيًّا، وقد حدث انفجار سكاني في المخيَّمات، فتمددت إلى الخارج والمناطق المحدَّدة لها، إلى أن صار الفلسطينيون يقيمون أمنهم الذاتي ويقيمون الحواجز ويدققون في هويات المارة، وخصوصًا بعد الغارة الإسرائيلية على بيروت عام 1973 حين قام كوماندوز إسرائيلي بقتل بعض قادة المنظمة، ونشبت أزمة سياسية حادة بين رئيس الجمهورية اللبنانية "سليمان فرنجة" ورئيس الحكومة "صائب سلام" حول المسؤولية عن الثغرة الأمنية، وفي ذلك الحين سُمح للفلسطينيين بإقامة أمنهم الذاتي، وتلك الخطوة الخطيرة أثارت حنق المسيحيين الذين انتظموا أيضًا في ميليشيات مسلحة، وقامت الحرب الأهلية اللبنانية كما هو معروف عام 1975 على خلفية إطلاق النار على "باص" فلسطيني في منطقة عين الرمانة المسيحية.
المرحلة الثالثة: من عام 1982 الى عام 1993 في صيف 1982 شنّ الجيش الإسرائيلي حربًا شاملة على منظمة التحرير الفلسطينية، فتعرَّضت المخيَّمات للتدمير الشديد، وسقط آلاف الشهداء من المدنيين والعسكريين على حد سواء، وانتهى حصار بيروت باتفاق رعاة الوسيط الأميركي اللبناني الأصل فيليب حبيب أدّى إلى خروج المسلحين الفلسطينيين من لبنان، وتُركت المخيمات الفلسطينية في عهدة الدولة اللبنانية، لكن اغتيال الرئيس المنتخب "بشير الجميل" دفع الإسرائيليين إلى اقتحام بيروت،
وأمنت الغطاء للميليشيات اللبنانية المسيحية بارتكاب مجزرة في صبرا وشاتيلا، وخضعت المخيمات إجمالاً لإرهاب تلك الميليشيات قبل أن تُحكِم الدولة سيطرتها مجددًا عليها لفترة لم تطل؛ إذ قامت انتفاضة السادس من فبراير 1984 في المناطق الغربية من بيروت، وكانت نتيجتها خروج المناطق الإسلامية من بيروت، والجنوب والشمال والجبل عن سلطة الدولة التي كانت خاضعة للقرار المسيحي. وحاولت المخيَّمات الفلسطينية الاستفادة من هذه الأجواء للخروج مجددًا إلى دائرة الضوء، لكن الحركة التصحيحية التي خاضها العقيد "أبو موسى" ضد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية "ياسر عرفات" أدت إلى انقسام الشارع الفلسطيني في المخيمات واندلاع معارك عنيفة.
كذلك تصدَّت حركة "أمل" الشيعية في ذلك الوقت للمخيمات الفلسطينية، وقامت خلال السنوات 1985- 1989 بمحاصرة مخيَّمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، فضلاً عن مخيَّمات الجنوب تحت شعار "منع الفلسطينيين" من العودة إلى عام 1982، وأدَّت المعارك بين حركة "أمل" والمخيَّمات إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، وتدمير المخيَّمات، مما ساهم في زيادة البؤس الفلسطيني. المرحلة الرابعة: ابتداءً من 1993 حتى الآن في سبتمبر 1993 وقّعت منظمة التحرير وإسرائيل اتفاق "أوسلو"، فانعكس ذلك فورًا على الخدمات التي يتلقاها عادة اللاجئون الفلسطينيون في لبنان فتدهورت تدريجيًا.
وبما أن اتفاقات "أوسلو" تنصّ على فترة انتقالية من الحكم الذاتي تمتدّ لخمس سنوات قبل الاتفاق على الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية المحتلة فقد أعلنت الأونروا أن الفترة الانتقالية تسمح لها بالإعداد لتصفية أعمالها في عام 1999، وبما أن مفاوضات الوضع النهائي تشمل قضية اللاجئين وإيجاد حلول لها، لكن الأونروا ما لبثت أن تراجعت بعد ضغوط شديدة مورست عليها في اجتماع عمان في آذار 1995، وذلك للاستمرار بتقديم الخدمات حتى التوصل إلى حل سياسي لقضية اللاجئين، وأنه لا يمكن التنبؤ بحصول ذلك خلال سنوات خمس.
وهناك ما يقرب من 400 ألف لاجئ فلسطيني يقيمون في لبنان، معظمهم أشخاص وصلوا في العام 1948 أو منحدرون منهم. وقد فروا أو طردوا من منازلهم أو أراضيهم الكائنة في ما يشكل الآن إسرائيل أو الضفة الغربية أو قطاع غزة، ولم يتمكنوا منذ ذلك الحين من العودة. وغالباً ما تبرر السلطات اللبنانية القيود التي تفرضها على حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالحفاظ على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة. فمثلاً، فيما يتعلق بحظر توسيع أو ترميم المخيمات الفلسطينية الحالية، يوضح تقرير الدولة الطرف الذي قدمه لبنان والذي نظرت فيه لجنة حقوق الطفل، بأن هذا الأمر يهدف إلى "منع تعزيز الوجود الفلسطيني في لبنان والقبول ضمناً بالتوطين القسري وتدمير المبدأ الكامن وراء حق العودة".
وهذه التبريرات عارية عن الصحة وتتعارض مع واجبات لبنان تجاه حقوق الإنسان. إن حق العودة هو حق يمتع بالحماية بموجب القانون الدولي؛ ولا تتعارض حقوق الإنسان الأخرى معه والوفاء بها لا يلغيه. ويجب أن يتمكن اللاجئون الفلسطينيون، بمن فيهم الموجودون في لبنان، من التمتع بحقوقهم الإنسانية إلى أقصى حد ممكن إلى حين إنفاذ حقهم في العودة.
وأي تأخير في وضع حد للتدابير القائمة على التمييز ضد اللاجئين الفلسطينيين يشكل انتهاكاً مستمراً للواجبات المترتبة على لبنان على صعيد حقوق الإنسان. وتواصل منظمة العفو الدولية حث الحكومة اللبنانية على اتخاذ كافة الخطوات الضرورية لوضع حد لجميع أشكال التمييز الفعلي والقانوني على السواء، ضد اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك تمتعهم بحق العمل والحقوق أثناء العمل والحق في سكن كاف والضمان الاجتماعي والتعليم.
وينبغي على السلطات اللبنانية أيضاً أن تتخذ دون تأخير جميع الخطوات الضرورية لتسجيل جميع اللاجئين الفلسطينيين الذين هم بلا هوية والتأكد من تمكُّن جميع الأطفال اللاجئين الفلسطينيين من التمتع الكامل بحقوقهم الإنسانية على قدم المساواة مع الأطفال اللبنانيين.
وأما احداث مخيم نهر البارد الأخيرة وقمع الجيش اللبناني لسكان هذا المخيم بحجة تصفية عناصر"فتح الاسلام" مع ان الفلسطينيين نفوا أية علاقة لهم بهذه الجماعة، فانها أكبر دليل على الحقد الذي يكنه بعض اللبنانيون لأبناء شعبنا الفلسطيني في المخيمات، وان تعالت بعض الأصوات الرسمية التي تقول بأن اللبنانيين والفلسطينيين في خندق واحد. هذا الجيش الذي برز كالأسد في قمع سكان هذا المخيم وكالأرنب في مواجهة العدو الاسرائيلي.
***
تم الرجوع لبعض المصادر في اعداد هذه القراءة.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

تحدث الكاتب عن لآثار التجربة الفلسطينية في لبنان على الفلسطينيين في لبنان ولم يتحدث عن لآثار التجربة على:
1)اللبنانيون قي لبنان.
2) الفلسطينيون خارج لبنان.
3)القضية الفلسطينية.
اثار التواجد الفلسطيني في لبنان مجموعة من الاعاصير الفكرية: الاممية؛ والقومية؛ والدينية؛ والطائفية؛ والاقليمية؛ والجبهوية؛ والحزبية... ومازال لبنان يعاني من آثارها .........
الفلسطينيون خارج لبنان وفي الدول العربية كامو دائما تحت المراقية و الملاحفة في كثير من الدول العربية والعالم.
ام بالنسبة للقضية الفلسطينية وخاصة بعد التفكير التفاوضي لقيادة المنظمة والاجتياح الاسرائيلي عام 1982 واضعاف القوة العسكرية للمنظمة وتوزيعها في البلاد العربية بعيدا عن العدو؛ ادى هذا الى الضعف العام للصورة النضالية والبحث عن الحلول التفاوضية مما ادى الى كم هائل من التنازلات وضياع القضية ضياعا تاما.