الخميس، نوفمبر 12، 2009

ما فسد قليله فأكثره فاسد

د. فايز أبو شمالة
كم كان رائعاً السيد عباس، تتبعت ما قاله أمام رجال الأعمال في مقر الرئاسة في رام لله باحترام شديد، وأعجبت بمنطق الرجل، وسلاسة سرده للأحداث، وهو يتحدث عن مرجعية المفاوضات التي حددتها خارطة الطريق، وعن عدم شرعية الاستيطان على أرضنا، وأن الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي كان قريباً جدا، إلى أن جاءت الحكومة الجديدة، وقالت: يجب أن نبدأ من الصفر، فكيف نبدأ من الصفر بعد كل هذه المفاوضات، والأمر المعروف دوليا؛ أن كل حكومة تسلم للحكومة التي تليها، ولا تبدأ من نقطة الصفر.
وكم كان صافياً كالثلج، عندما تحدث السيد عباس عن المصالحة الفلسطينية، وشكر مصر التي عملت بجد واجتهاد سنتين ونصف، وبالنهاية أجملت الآراء والمواقف، وقالت: إن لديها ورقة للمصالحة، عرضتها على خالد مشعل ومحمود الزهار، اللذان وافقا عليها، ومن ثم بعثوها لنا يوم 10/10 ، ونحن قبلنا بها، وبعثنا عزام الأحمد ليوقع عليها، ونحن نعرف أن هذه الورقة لا تنصفنا ولكننا نريد التوصل إلى نتيجة. ولكن في اللحظة الأخيرة زار خالد مشعل طهران وتراجع عن الموافقة، ماذا نعمل أكثر من ذلك؟.
قلت في نفسي: أعانك الله يا سيد عباس على حركة حماس، وتشددها غير المبرر، ورفضها للمصالحة تجاوباً لتعليمات طهران، ولاسيما أنني مواطن فلسطيني لا يمتلك تفاصيل الحوار، ولا ما دار فيه، ولست طرفاً في الانقسام الدائر بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية كي أنفي عن هذا التهمة، وألصقها بذاك، فواصلت الاستماع للسيد عباس باستمتاعٍ، وهو يشير إلى الدول المانحة التي تبرعت بأكثر من 4 مليار دولار لتعمير غزة، ومضى عام ولم يتم شيء لأن حماس تقول: إما أن يتم التعمير من خلالها أو لا يتم ذلك، واقترحنا أن يتم التعمير عن طريق رجال الأعمال أو المؤسسات الدولية، ولكنهم لم يوافقوا، ليبقى مئة ألف فلسطيني في العراء، فإلى متى، لا نعرف؟
إلى هنا زاد غضبي على حماس، وأشتعل قلبي كراهية لهؤلاء الناس الذين لا يرفضون المصالحة فقط، وإنما يرفضون تعمير غزة إلا من خلالهم! لأواصل الاستماع للسيد عباس بارتياحٍ شديد لهذه المصارحة، حتى وصل إلى تقرير "غولدستون"، وانتبهت وهو يقول: قامت الدنيا ولم تقعد، لأنه تم تأجيل التصويت على التقرير، وسبب التأجيل هو أن الأعضاء طلبوا قراءته لدراسته ليعرفوا على ماذا سيوقعون؟ وأضاف: إن التقرير يدين ضباط إسرائيليين ولكنه يدين بالمقابل حركة حماس، ونحن واجبنا أن ندافع عن حماس لأنها فلسطينية وجزء من شعبنا.
هنا ضاقت عليّ الدنيا؛ كيف ذلك يا سيد عباس؟ ونحن ما زلنا أحياء نتابع باللغتين العربية والعبرية كل حرف يصدر عن وسائل الإعلام، ونلاحق كل سلوك وتصرف وقرار، ولم تمض على محاولة دفن تقرير "غولدستون" حياً من طرفك أكثر من شهر!. فكيف أصدقك في هذه، وأنا شاهد على تفاصيلها؟ وأقسم أنني ذرفت دمعاً في تلك الليلة؛ وأنا استمع باللغة العبرية عن طلب ممثلكم تأجيل عرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان؟
بعد هذا، ألا يحق لنا يا سيد عباس أن نتشكك في كثير من كلامك عن المصالحة، وعن الوثيقة المصرية، وعن تعمير غزة، وعن مرجعية المفاوضات، وعدم شرعية المستوطنات وفق المقولة الفلسفية: ما فسد قليله فأكثره فاسد؟!.

يا حماس ويا فتح احذروا من هولاكو اليوم

خضر خلف
جميعنا نعرف عن الاجتياح التتري الثالث عندما تولى منكوخان زعامة دولة التتار وتفكيره في إسقاط الخلافة العباسية... واجتياح العراق... ثم بعد ذلك اجتياح الشام ومصر.. وهولاكو الزعيم التتري السفاح.. الذي لا يمتلك أية نزعة إنسانية.. الرجل الذي كان لا يرتوي إلا بدماء البشر.. تماماً كسلفه جنكيزخان، لعنهما الله..
كان هولاكو بعصره ويومه .. شخصية من أبشع الشخصيات في تاريخ البشرية.... فكان مجال نفوذه وبطشه البلاد الإسلامية.. وكانت معظم الدماء التي أراقها دماءً المسلمين.. ومعظم الآلام التي زرعها في قلوب الأمم والبشرية كانت في قلوب الأمة العربية والإسلامية ..... وجمعينا قرأنا التاريخ وأدركنا أهداف هولاكو.. إنه كان يريد بوضوح أن يُسقط بغداد عاصمة الخلافة العباسية... ثم يتجاوزها إلى ما بعدها.. كان رد فعل المسلمين لهذا في حينه ردا هزيلا استسلاميا....
و في حاضرنا ومنذ تسلم بوش إدارة البيت الأسود وهو يعد العدة لإسقاط العراق وعاصمته بغداد التي كانت فيها الخلافة العباسية زمن هولاكو.. و إعداد بوش كان مبني على الخديعة والزيف بان هناك خطرا عظيماً على المنطقة من بغداد .. فكان رد فعل العرب والمسلمين لهذا الإعداد تافهاً واستسلاما بحد ذاته حقيرا لان الأنظمة العربية كانت شريكة بذلك ً.. أراق بوش دماءً إسلامية في العراق كما فعل هولاكو واحتل العراق ...هكذا أراد هولاكو ... هكذا فعل البيت الأسود ...
فيا حماس ويا فتح إن الأنظمة العربية اليوم ولائها ليسس لله وإنما لهولاكو العصر ألا وهو البيت الأسود ... لا تتوقعوا في يوم من الأيام إن يعملوا لنصرتكم ويخالفون أسيادهم

نحن الفلسطينيين تعودنا على أدب الخطاب السياسي والتعبير ... ومارسنا النضال والوحدة الوطنية هنا وهناك ليكون هذا الأدب نموذجاً للبشر حين يتخاطبون ويتعاملون ... لكن اليوم للأسف تغير هذا التعبير بتعبيرات الواقع السياسي المكشوفة للجميع وأصبح هذا الأدب ألفاظ فاضحة .
ولا بد أن تقف حماس وفتح أمام هذه التغيرات والتعبيرات الزائفة التي تدل على استمرارية الخديعة والتأمر الأمريكي على شعبنا وقضيتنا.

أدركوا حقيقة دعوتكم وإبعادها وأهدافها فهي بحد ذاتها أعمق مما تعتقدون ومخاطرها على الوطن والشعب والقضية أعظم مما تتخيلون واكبر مما تتصورن تفرق وتعمق الشرخ ولا تجمع تدعوا إلى تمزيق جسد الوطن ... تبتعدون كل البعد عن الحكمة والموعظة الحسنة ... تتجاهلون المحبة الصافية الخالصة لله ...
تسيرون خلف دعوات عربية وإقليمية وعالمية تآمرية هدفها النيل من قضيتنا و أهدفنا لا حدود لها ...ولا لأحد منكم سلطان عليها ... إلا الموالى لهذا القطر العربي هذا أو ذاك. بالتشبث بسفا سف الأمور... وصلتكم رسالة البيت الأسود مفادها واضح كل الوضوح لا غباره عليه واشنطن قد تخلت عن شرطها بتجميد الاستيطان قبل استئناف عملية السلام ... ووصلتكم رؤية مقر رئاسة الجمهورية وزيرة الخارجية المصري التي تجسدت بالموافقة الفورية لمواقف البيت الأسود...

فشعبكم ووطنكم وقضيتكم ومقدساتكم في اشد الحاجة إليكم من أي وقت مضى فالكل يتآمر علينا وعلى قضيتنا و للنيل من عزتنا وكرامتنا وخناجر الغدر تغرس في ظهورنا...
وجب عليكم التمسك بالثوابت الوطنية والوحدة الوطنية والأصول
فلتوحدوا صفوفكم واجمعوا شملكم وانبذوا الخلاف و الفرقة وحققوا وجسدوا وحدتكم الوطنية كما أمرنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ...

الأربعاء، نوفمبر 11، 2009

إدارة أوباما.. والملفّ الفلسطيني

صبحي غندور

بدأ الرئيس الأميركي أوباما عهده في مطلع هذا العام مبشّراً برؤية مثالية للسياسة الخارجية الأميركية، فيها التأكيد على حقّ الشعوب بتقرير مصيرها، وفيها دعوة للتعامل بين الدول على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. كما كان في هذه الرؤية نقد مباشر وغير مباشر لما كانت عليه السياسة الأميركية في ظلّ الإدارة السابقة، خاصّةً لجهة الانفرادية في القرارات الدولية الهامّة ولاستخدامها أسلوب الحروب في معالجة الأزمات، وما رافق هذا الأسلوب أحياناً من أساليب تعذيب لمعتقلين وتعدٍّ على حقوق الإنسان.

وقد كان الملفّ الفلسطيني أحد الملفّات الهامّة في رؤية الرئيس أوباما حيث خصّص له فور تولّيه سدّة الرئاسة مبعوثاً خاصّاً هو السيناتور السابق جورج ميتشل المعروف بنجاحه في معالجة الأزمة الأيرلندية خلال حقبة الرئيس بيل كلينتون.

الآن، وبعد مضيّ أكثر من تسعة أشهر على وجود باراك أوباما في "البيت الأبيض"، نجد أنّ رؤيته المثالية لأميركا والعالم اصطدمت بواقع أميركي وبظروف خارجية دولية يعيقان معاً تنفيذ الكثير ممّا تطمح له "الرؤية الأوباميّة".

فالواقع الأميركي الداخلي يقوم على قوى ضغط عديدة تعمل باتجاه معاكس لبرنامج أوباما الإصلاحي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصحّي. هذا أمرٌ ظهر بوضوح كبير في معركة قانون الرعاية الصحّية وفي قرار إغلاق معتقل غوانتامو وفي ترشيح السفير فريمان لموقع رئاسة مجلس وكالات المخابرات وفي موضوع حجم القوات الأميركية في أفغانستان، كما هو حاصل أيضاً في العلاقات الأميركية/الإسرائيلية وفي اضطرار إدارة أوباما للتراجع عن شرط تجميد كل أعمال الاستيطان قبل استئناف المفاوضات الإسرائيلية/الفلسطينية.

ففي ظلّ حضور الضغط الإسرائيلي الفاعل داخل الولايات المتحدة، من خلال العلاقة مع أعضاء الكونغرس والهيمنة على معظم وسائل الإعلام، تصبح السلطة التنفيذية في أميركا أسيرة ضغوط السلطة التشريعية و"السلطة الرابعة" أي الإعلام. والمعضلة هنا أنّ الفرز لا يكون فقط بين حزب ديمقراطي حاكم وحزب جمهوري معارض بل يتوزّع "التأثير الإسرائيلي" (كما هو أيضاً في قوى الضغط الأخرى) على الحزبين معاً، فنرى عدداً لا بأس به من "الديمقراطيين" يشاركون في ممارسة الضغط على الإدارة الحاكمة لصالح هذا "اللوبي" أو ذاك علماً أنّ تعثّر "الرؤى الأوبامية" ليس سببه حصراً حجم تأثير "اللوبي الإسرائيلي"، فهناك طبعاً "مصالح أميركية عليا" ترسمها قوى النفوذ المهيمنة تاريخياً على صناعة القرار وعلى الحياة السياسية الأميركية، وهي قوى فاعلة في المؤسسات المالية والصناعية الأميركية الكبرى.

لكنْ هناك اختلال كبير في ميزان "الضغوطات" على الإدارة الأميركية لجهة حضور "الضغط الإسرائيلي" وغياب "الضغط العربي" الفاعل، ممّا يسهّل الخيارات دائماً للحاكم الأميركي بأن يتجنّب الضغط على إسرائيل ويختار الضغط على الجانب العربي، والطرف الفلسطيني تحديداً، وهو الطرف المستهدف أولاً من قِبَل إسرائيل، كما هو "الحلقة الأضعف" في سلسلة التحرّك الأميركي بالمنطقة.

وقد أصبحت معادلة "الضغوطات" تقوم على أنّ إسرائيل تضغط على واشنطن، فتبادر واشنطن بالضغط على الفلسطينيين والعرب. ويحدث هذا الأمر في كل مرّة يظهر فيها تحرّك أميركي جاد للتعامل مع ملفات الصراع العربي/الإسرائيلي، وهو ما حصل مؤخّراً أيضاً حينما أسقطت واشنطن شرط تجميد المستوطنات داعيةً السلطة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات بلا شروط ومطالبةً الدول العربية بخطوات تطبيع مع إسرائيل لتشجيع الطرف الإسرائيلي أيضاً!!

ويبدو أنّ إدارة أوباما أصبحت مستعجلةً الآن على تحقيق إنجاز سياسي في منطقة الشرق الأوسط، وهي تخلّت من أجل ذلك عن شرط تجميد المستوطنات آملةً بإحياء التفاوض من جديد على المسار الفلسطيني/الإسرائيلي لأنّه المدخل الأساس لعملية تسوية شاملة في المنطقة تريدها واشنطن لترتيب علاقاتها الجديدة مع كلٍّ من إيران وسوريا، وهما دولتان مجاورتان للعراق ولهما تأثير كبير في مستقبل أوضاعه السياسية والأمنية.

أيضاً، لكلٍّ من طهران ودمشق علاقات خاصّة مع قوى المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، فلا يمكن تحقيق استقرار سياسي وأمني في العراق ولبنان ومنطقة الخليج العربي من دون التفاهم الأميركي مع إيران وسوريا، ثمّ لا يمكن تحقيق هذا التفاهم بلا تسوية للصراع مع إسرائيل على الجبهتين السورية واللبنانية، وهذا ما لا يمكن الوصول إليه من دون التعامل أولاً مع الملفّ الفلسطيني ووضع قضاياه الكبرى (الدولة – الحدود- مصير اللاجئين- القدس) على سكّة التفاوض من جديد.

لذلك أعتقد أنّ ما نراه الآن من تراجع أميركي أمام الضغوطات الإسرائيلية لن يكون تخلّياً عن السعي الأميركي لتحقيق تسوية شاملة في المنطقة أو عن أولويّة التعامل مع الملف الفلسطيني.

ربّما يكون الرئيس أوباما (وأرجو أن أكون صائباً في ذلك) يعتمد أسلوب الالتفاف على الضغط الإسرائيلي من خلال استخدام واشنطن لأصدقائها في الضغط على حكومة نتنياهو. وقد حصل ذلك في الأشهر الماضية عندما سمع نتنياهو من الرئيس الفرنسي ساركوزي وزعماء أوروبيين آخرين كلاماً ضاغطاً باتجاه العمل لتحقيق دولة فلسطينية مستقلّة والمطالبة له بتجميد بناء المستوطنات.

وفي هذا السياق أفسّر أيضاً تصريحات ومواقف حكومة فياض حول تهيئة الإعلان عن دولة فلسطينية على الأراضي المحتلّة عام 1967. فمثل هذا الموقف لا يمكن أن يصدر دون تنسيق مسبق مع الإدارة الأميركية. وهو أمر يشكّل ورقة ضغط سياسية هامّة على حكومة نتنياهو للإسرع بالمفاوضات حول القضايا الكبرى قبل خريف العام 2011 وهو الموعد الذي أعلنته حكومة فياض لإعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد.

لقد تضمنّت كلمة أوباما في ذكرى اغتيال إسحق رابين إشارة مهمّة للإسرائيليين حينما قال إنّ الأمن لإسرائيل لن يتحقّق فعلياً طالما هناك يأس فلسطيني. كذلك كانت كلمة مستشار أوباما للأمن القومي جيم جونز في مؤتمر الإيباك حول أهمّية تسوية الصراع في الشرق الأوسط بالنسبة للاستراتيجية الأميركية الحالية.

حتّى إعلان محمود عباس عن عدم رغبته بالترشّح مجدداً لرئاسة السلطة الفلسطينية هو في تقديري جزءٌ الآن من أوراق الضغط الأميركية على حكومة نتنياهو، كذلك هي بعض المواقف العربية والتركية الرافضة الآن لتحسين العلاقات مع إسرائيل، كما هي أيضاً ظاهرة "جي ستريت" اليهودية في أميركا.

إنّ الإدارة الأميركية السابقة كانت على انسجام كامل مع الرؤى والمصالح الإسرائيلية ومع الحروب التي خاضتها إسرائيل طيلة عهد إدارة بوش.

أمّا في الإدارة الحالية، فإنّ تبايناً يظهر من خلال كيفية التعامل الأميركي مع الملف الفلسطيني، وفي الموقف من إيران وسوريا، وفي الرؤية المستقبلية للدور الإسرائيلي.

لكن في إطار هذا التباين نلمس تأثيراً إسرائيلياً فاعلاً على صنّاع القرار الأميركي، وحركة إسرائيلية ضاغطة في أكثر من اتجاه دولي، بينما تعاني الأوضاع العربية والفلسطينية من ضعف التأثير ومن حدّة الانقسامات الداخلية ومن غياب الرؤية العربية لمستقبل المنطقة العربية وقضاياها المصيرية.

المشكلة هنا انّ الأمّة التي لا يتوحّد ولا يتحرّك أبناؤها من أجل قضاياها، تنقاد حتماً لما سيقرّره لها الآخرون.

كابتن طيار نادر جنيد
عشرون برهاناً علمياَ من خلال علوم الطيران والفيزياء والميكانيك والرياضيات ومؤيدة في إحدى عشرة آيـة قرآنية بأن الأرض جامدة وثابتة لا تدور حول نفسها ولا تدور حول الشمس ويتضمن أوقات وزوايا الفجر في العالم قصة التقويم الميلادي والهجري شروط تحرِّي هلال الشهر الهجري مع ثلاثة فلم يشرح ذلك مترجم الى اللغة الانكليزية حيث يتم آذان الفجر وتصلي المسلمين الفجر قبل دخول الفجر بين نصف ساعة والساعتين في العالم
مع الأسف منذ أسابيع نقلت وكالة رويتر نباء بان دكتور أمريكي نفى نظرية داروين بأن أصل الإنسان قرد, ومباشرة تناقلتها وكالات الأنباء العالمية والعربية حيث تم تصديقه دون أن دون أن يناقش
أرجو إجراء لقاء أو إذاعة النبأ بان الأرض لاتدور حول نفسها ولا حول الشمس اطلبوا من الاتجاه المعاكس اجراء حلقة مع الدكتور فيصل قاسم
أقول لكم وبفضل الله اجمعوا من تشأوون من علماء الرياضيات والفلك والفيزياء وناسا ورجال فضاء ومن أطلق صاروخ إلى الفضاء ولينفوا 21 برهان وأهمهم وأوضحهم هذه الثلاثة
1. عند إنهاء محطة مير الفضائية الروسية إذا اخذوا في حساباتهم دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس وأسقطوها في المحيط الهادي فنظريتي خطأ والأرض تدور وإذا لم يدخلوا فنظريتي صحيحة
2. إذا كان التابع الصناعي التلفزيوني يدور باتجاه عكس عقارب الساعة مثل الأرض فنظريتي خطأ والأرض تدور وإذا كان اتجاه دوران القمر مع عقارب الساعة فنظريتي صحيحة
3. اذا كانت الأرض تدور والفلك ثابت فنظريتي خطأ والأرض تدور وإذا كان الفلك يدور فان الأرض ثابتة لاتدور حول نفسها ولا حول الشمس
أرجو عرض اللقاء الذي اجري في دمشق مع مندوب وكالتكم

البرهان الأول:

اعتمدت الفيزياء الحديثة والفيزياء النووية على قوانين كبلر بأن كل الأجسام في الكون تتحرك وأن بينها تجاذب وأن الجسم الكبير يجذب الجسم الصغير ؛ وبالتالي فإن الأرض تدور حول الشمس بفعل قوة جاذبية الشمس

والقمر يدور حول الأرض بفعل قوة جاذبية الأرض ,

وعلى هذا الأساس فإن جاذبية الشمس أكبر من جاذبية القمر.

*** فلو أن الأرض تدور حول الشمس بفعل قوة جاذبية الشمس؛ لظهرت تأثيرات جاذبية الشمس على الأرض مثل المد والجزر؛

حيث أننا نلاحظ حدوث المد والجزر عندما يكون القمر عمودي على الأرض, ولا نلاحظ المد والجزر عندما تكون الشمس عمودية على الأرض, وبالتالي فإن جاذبية القمر على الأرض أقوى من جاذبية الشمس على الأرض.

***كذلك تبعد الشمس عن الأرض حسب قول العلماء وسطيا" حوالي150000,000 كيلومتر
( حيث يكون البعد 147000,000 شتاء" ويكون 154 000,000 صيفا ؛ وبالتالي يكون الفرق بالبعد مابين الصيف والشتاء 7000,000 كيلومتر

وهذه الحقيقة تناقض قول علماء الفلك ( بأن الشمس لو اقتربت من الأرض مترا" واحدا" لاحترقت الأرض )،
ودليل على خطأ قوانين كبلر في تجاذب الكواكب فيما بينها وأن الأرض لا تدور حول الشمس .

*** كذلك اعتبر علماء الفلك أن مركبة الفضاء التي تدور حول الأرض في الفضاء ثابتة البعد عن الأرض بسبب أن القوة النابذة والناتجة عن دوران المركبة حول الأرض تساوي قوة جاذبية الأرض, وأن جاذبية الأرض موجودة على مركبة الفضاء ولا توجد داخل مركبة الفضاء حيث أن رجل الفضاء والأشياء بداخل مركبة الفضاء تتحرك بحرية
ومن المعروف أن الجاذبية الأرضية لا نستطيع عزلها عن بعض الأشياء

وهذا دليل على خطأ علماء الفلك بأن مركبة والأقمار الصناعية تستقر على مدارها بفعل تساوي القوة النابذة مع القوة الجاذبة .

البرهان الثاني:

لقد فسر علماء الفلك حركة محاور الأرض والقمر والشمس حسب نظرية كوبرنيكوس بطريقة حسابية خيالية وغريبة جدا"
وذلك حسب الشكل التالي :


جعلوا الشمس ثابتة في مكانها وجعلوا مدة طول اليوم 24 ساعة , وقسموا مدة اليوم إلى قسمين :
القسم الأول: أن الأرض تدور حول نفسها 360 درجة خلال 23 ساعة و 56 دقيقة و4 ثوان .
والقسم الثاني : أن الأرض تنتقل حول الشمس مسافة 2 450 000 كيلومتر خلال 3 دقائق و 56 ثانية على الطريق الإهليلجي المزعوم للأرض ، ويكون معدل سرعتها حول الشمس 2 مليار و 400 مليون كيلومتر بالساعة وهو رقم خيالي جدا"

وإذا تم تقسيم المسافة الانتقالية للأرض على مدار اليوم24 ساعة فسوف يكون معدل سرعة انتقال الأرض حول الشمس 100 000 كليلو متر بالساعة ، ويبقى هذا الرقم خيالي بالنسبة للأرض .

وكذلك مع هذا الانتقال تدور الأرض حول نفسها 0.98 من الدرجة , وذلك للمحافظة على عدد أيام السنة الميلادية 365,25 يوم .

ولو لم يجعل علماء الفلك هذا الرقم الخيالي بأن الأرض تنتقل حول الشمس 2 450 000 كيلومتر خلال 3 دقائق و 56 ثانية، ومع انتقالها حول الشمس تدور الأرض أيضا" حول نفسها 0.98 من الدرجة ؛ لكان عدد أيام السنة الميلادية 366.25 يوم
**** كذلك جعلوا القمر يدور مرة واحدة حول الأرض
ومرة واحدة حول نفسه كل 28 يوم, وينتقل القمر حول الشمس (مع الأرض ) أثناء دورانه حول الأرض خلال يوم واحد و14 ساعة و40 دقيقة , ليكتمل الشهر الهجري .
فإذا كانت الأرض تدور حول نفسها 360.98 درجة والقمر يدور12 درجة خلال 24 ساعة, فحسب قوانين الميكانيك فإن شكل وجه القمر بالنسبة للناظر إليه من الأرض سوف يتغير حسب زاوية النظر من الأرض, وهذا مخالف للواقع؛

حيث أننا نشاهد شكلا" واحدا" لوجه القمر, منذ شروقه وحتى غروبه بشكل دائم, ويظهر ذلك واضحا" خاصة ليلة منتصف الشهر الهجري.
وحسب فوانين المكانيك لا يتم ذلك إلا إذا كانت الأرض ثابتة وجامدة في مكانها , والقمر يدور حول الأرض وحول نفسه بسرعة زاوية متساوية .

البرهان الثالث :

حسب معلومات وكالة ناسا الفضائية اعتبروا أن الأرض والقمر يدوران حول مركز مشترك في الأرض
( يسمىCentral Bar ) باتجاه عكس عقارب الساعة بسرعة زاوية مختلفة ( والسرعة الزاوية هي عدد الدرجات المقطوعة خلال زمن محدد ) , حيث تبلغ السرعة الزاوية للأرض حول مركزها 15 درجة بالساعة , بينما تبلغ السرعة الزاوية للقمر حول مركز الأرض 14.50 درجة بالساعة ، فإذا كانت الأرض تدور حول نفسها فسوف تكون سرعة دورانها عند خط الاستواء حوالي 1667 كيلومتر بالساعة ( لأن محيط الأرض يساوي 40,000 كيلو متر تقطعها في دورة واحدة خلال 24 ساعة)،
وتكون سرعة دوران القمر حول مركز الأرض حوالي 80,000 كيلو متر بالساعة ؛ حيث يبعد القمر عن الأرض 350 000 كيلومتر .

وحسب قوانين الملاحة الجوية فإن نقطة الوصول على سطح القمر تتحرك وتدور مع حركة ودوران القمر حول الأرض ؛ وبالتالي لن تتمكن أي مركبة فضائية من الهبوط على سطح القمر إذا اقتربت من خلفه ؛ لان أقصى سرعة لمركبة الفضاء هي 27,000 كيلومتر بالساعة ، وسوف تصطدم مركبة الفضاء بالقمر وتتحطم إذا اقتربت للهبوط عليه من أمام حركته.

وبهذا تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد كذبت على العالم بأنها هبطت على سطح القمر ، وأن الصور التي أرسلتها هي من صنع مدينة هوليود السينمائية .
أما إذا كانت الأرض ثابتة لا تدور حول نفسها ولا حول الشمس فإن الطيران والهبوط على القمر ممكن في قوانين علم الملاحة الجوية ، وأن أمريكا قد هبطت فعلاً على سطح القمر.
وهذا يدل على أن الأرض ثابتة لا تدور حول نفسها ولا حول الشمس.
البرهان الرابع :

إذا كانت الأرض تنتقل حول الشمس بسرعة 100,000 كيلومتر بالساعة , والقمر يدور حولها بسرعة80,000 كيلومتر بالساعة ,

ونتيجة دوران القمر حول الأرض يتغير موقع القمر والأقمار الصناعية بالنسبة للأرض ؛ وهذا يؤدي إلى أن تكون سرعة القمر 100,000 كيلومتر بالساعة عندما يكون خلف الأرض ،

وأن تزداد سرعة القمر إلى180,000 كيلومتر بالساعة عندما تكون الأرض بين القمر والشمس .

وأن تنقص سرعته إلى 100,000 كيلومتر بالساعة عندما يكون القمر أمام الأرض .

وأن تنقص سرعته إلى 20,000 كيلومتر بالساعة عندما يكون القمر بين الأرض والشمس .

وأن تزداد سرعته إلى100,000 كيلومتر بالساعة عندما يعود القمر خلف الأرض .

هذه الدراسة تمَّت على أساس أن الأرض تنتقل حول الشمس بسرعة ثابتة بمعدل 100, 000 كيلومتر بالساعة .
ولكن حسب أقوال علماء الفلك فإن الأرض تنتقل حول الشمس بسرعات متغيرة , وهذا يحتاج من القمر والأقمار الصناعية أن تغير سرعة انتقالها بشكل دائم ؛ للمحافظة على موقعها بالنسبة للأرض .
ومن الثابت أن القمر والأقمار الصناعية لا تحتوي على قوة ذاتية تستطيع أن تزيد أو تنقص من سرعتها , وأن الجاذبية الأرضية لا تستطيع السيطرة على جميع الأقمار عند تغيير سرعة انتقال الأرض وهذا يثبت بأن الأرض لا تدور حول الشمس .

البرهان الخامس :

حسب نظرية كوبرنيكوس إذا كانت الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس , فان الغلاف الجوي يعتبر قطعة من الأرض , وبالتالي فإن الغلاف الجوي والأرض يدوران مع بعضهما حول مركز الأرض وحول الشمس فإذا كانت هناك طائرتان :
· الأولى طائرة عادية ضمن الغلاف الجوي .
· والثانية مركبة فضاء خارج الغلاف الجوي.
والاثنتان تطيران من لوس أنجلوس إلى دمشق وبنفس سرعة واتجاه دوران الأرض على ذلك الارتفاع الذي تطير عليه كل واحدة ( إذا كانتالأرض تدور ) وبعد 12 ساعة : فإن الطائرة التي ضمن الغلاف الجوي تكون قد وصلت إلى

رأس المال الفكري: مدخل الى التقدم

د. محمود ابو الوفا
خبير مالى واقتصادى وادارى
maw01000@yahoo.com
يذكر ان صاحب مصطلح " رأس المال الفكرى" هو رالف ستير مدير شركة جونسون فيلي للأطعمة حيث قال: " في السابق كانت المصادر الطبيعية أهم مكونات الثروة الوطنية وأهم الموجودات ، بعد ذلك أصبح رأس المال متمثلاً في النقد والموجودات الثابتة هما أهم مكونات المنظمات والمجتمع ، أما الآن فقد حل محل المصادر الطبيعية والنقد والموجودات الثابتة رأس المال الفكري الذي يعد أهم مكونات الثروة الوطنية وأغلى موجودات الامم" , ويقصد برأس المال الفكرى تلك الفئة من البشر التى تمتلك الخبرة والمعرفة والقدرة الإبداعية والمواهب الفطريه التى تمكنها من دفع عجلة التقدم على المستوى القومى , إن رأس المال الحقيقي الذي تملكه الامم هو " رأس المال الفكري" وما تتميز به امه عن اخرى هو القدر الذى تستطيع به تحويل رأس المال الفكري إلى قيمة من خلال ما تحدثه من الاختراعات والابتكارات فى شتى المجالات , ومما لاشك فيه ان قيمة رأس المال الفكري استثمار له عائد على المدى الطويل , ولكي يتحقق هذا العائد يجب أن تكون هناك تكاليف تتحملها الامه نظير حصولها على هذا العائد لاحقا , لذلك يجب ان تبذل من أجله كل الطاقات في سبيل الحصول عليه , ولكن يبدو ان واقع الحال مختلف تماما , حيث لايدرك كثير من القائمين على الامور ان أي فكرة أو معرفة لا تصبح ذات قيمة أوفائدة ما لم يتم تطبيقها ووضعها موضع التنفيذ , لقد كان مفهوم رأس المال الفكرى – ومازال- فى اذهان من نادوا به او من عملوا على تنظيره ينسحب فقط على منظمات الاعمال من الشركات والمؤسسات والهيئات ولكننى اعتقد ان هذا المفهوم جدير بالتطبيق على الامم والدول , وخاصة بالدول التى فى طور التقدم او التى تخلفت عنه .
ان نقطة الانطلاق الاولى لرأس المال الفكرى على مستوى الدول لابد ان تنبع من الاقتناع بانه الاساس فى النهضه والتنميه , ومدى هذا الاقتناع لابد ان يكون باتساع يشمل القمه والقاعده على حد سواء , ويقصد بالقمه النخب سواء اكانت الحاكمه ام المثقفه , ويقصد بالقاعده جميع الافراد فى سوق العمل , و برأيى ان البدايه يجب ان تكون باتجاهين متوازيين : الاول يتمثل فى النشأ بكافة المستويات التعليميه , اما الثانى فيتمثل فى كافة المفردات المكونه لسوق العمل . وبالطبع لن يكون كل هؤلاء من المبدعين , فليس من المتصور ان يكون هناك مجتمع بالكامل من المفكرين او المخترعين , لكن افراز مبدعين ومفكرين سيكون بالامر الهين ان توافرت البيئه الملائمه والتى تعنى فى المقام الاول اتجاه المجتمع بكافة طبقاته الى المعرفه كوسيله للتميز وتجاوز الكبوه الحضاريه التى يمر بها , والتى من ابراز دلائلها " الاستهلاك لا الانتاج – الاستيراد لا التصدير " , ان اتخاذ المعرفه طريقا لتجاوز الكبوه الحضاريه , وارتياد ركب التقدم لابد ان يكون على ثلاث محاور : المحور الأولى يشمل الاهتمام بتوفير التعليم كعامل من عوامل اكتساب وتطوير التكنولوجيا , المحور الثاني يتركز على ربط متطلبات سوق العمل بنوعية التعليم من حيث الكم والتخصصيه , المحور الثالث يتمثل فى حق كل فرد بالمجتمع فى الحصول على التعليم الكافى الذى يجعل منه قيمه انسانيه قادره على توجيه سلوكه للتكيف مع نفسه ومع مجتمعه , لكن حتى لو استطعنا الوصول الى صياغه جيده لتلك البيئه التى نصفها بالملائمه الا ان هناك عقبات كثيره ستقف حائلا بيننا وبين ما نصبو اليه , اهم تلك العقبات عدم وجود منظومه اصلاحيه تعمل جنبا الى جنب مع المنظومه التعليميه , ونقصد بالاصلاحيه تكييف النظم واللوائح والتعليمات لتتامشى فى نفس الخط , حيث يمثل الكثير منها حجر عثره امام التقدم والتنميه , وخاصة فيما يتعلق باسلوب عمل الجهات الرقابيه المختلفه , والتى لاتعى الدور المنوط بها , يواكب ذلك اسلوب الاختيار لاصحاب القرار فى الوظائف القياديه العليا وما يمكن ان تحدثه هذه القيادات من تغيير وتقدم ان كانوا من المبدعين والموهبين فى الاداره , او ما يحدثوه من تأخر وتخلف ان كانوا من اصحاب الاقلام المرتعشه التى تخشى اتخاذ او التوقيع على اى قرار خوفا من ان يقترفوا اخطاء بحق اللوائح او التعليمات , ان فكرة رأس المال الفكرى تحتاج لكثير من التأمل حيث تتشابك فيها الكثير من المحددات والمعطيات وتتعلق بكثير من القناعات فى اذهان المجتمع بكافة مستوياته , لكنها فكره تحتاج منا وقفه جاده مع انفسنا كأمه تريد ان تنهض من كبوتها الحضاريه.

2- الفقر الابداعى والفقر المعرفى

ان المكون الاول لثروات الامم والذى تقوم عليه نهضتها , رأسمالها الفكرى المكون من مجموعه من المبدعين فى شتى المجالات , وعلى ذلك فأن الامم التى اهتمت بهذا العنصر استطاعت ان تأخذ باسباب التقدم , لكن دائما كان هناك سدا منيعا يقف حائلا بين استغلال رأس المال الفكرى لدى الامم يمكننا ان نطلق عليه " الفقر الابداعى " ويتمثل فى عدم وجود طاقات ابداعيه بالمجتمع يمكن ان تبتكر او تخترع او تحدث نظريات جديده تؤدى الى تقدم العلوم او الاداب وبالتالى الى تقدم الامه , وظاهرة الفقر الابداعى يمكن ان نتأملها على مدار التاريخ بامتداد الحضارات المختلفه , بدءً من الحضاره الفرعونيه مرورا بالحضاره اليونانيه والفينيقيه والاشوريه والفارسيه والصينيه والرومانيه والاسلاميه ثم عصر النهضه الحديثه , فغالبا ما كان الفقر الابداعى يصاحبه – بل احد اسبابه – الفقر المعرفى , والذى يتمثل فى نقص او تشوه المعارف لدى الامه فيما يخص العلوم المختلفه , وظاهرة الفقر المعرفى تبدأ تتنامى فى فترات ضعف وتراخى الامم على المستوى الفردى والجماعى , وقد تمتد باتجاه جيل او جيلين او اكثر , حتى تنطفئ شعلة الابداع رويداً رويداً , و تغرق الامه فى ظلام الفقر المعرفى الشبه تام ويمتد فى الاجيال التاليه ضاربا بجذوره بامتداد تاريخا طويلا , ويصاحب الفقر المعرفى جميع انواع الفقر الاخرى - اقتصاديه واجتماعيه وصحيه ودينيه وسياسيه – ونتيجه لذلك كله تصاب الامه بالفقر الابداعى التام.
ومما يجدر ذكره ان مصطلح ادارة المعرفه ظهر على يد كارل ويج وذلك في ندوة لمنظمة العمل الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة عام 1986م , ولا يعنى ذلك ان ادارة المعرفه موضوع جديد , بل انه مفهوم قديم , حيث ان ممارسة إدارة المعرفه من الامور المتداوله على مر العصور , وادارة المعرفه هى مجموعة من الاجراءات التي تساعد فى الحصول على المعرفة واختيارها و تنظيمها واستخدامها ونشرها ، وتحويل المعلومات والخبرات والمهارات التي يمتلكها الافراد الى منظومه جماعيه تمثل الامه , حيث تكون الاساس الذى يبنى عليه الابداع الفردى والجماعى اللازم لصنع التقدم فى شتى مجالات الحياه , وتنقسم المعرفه الى قسمين احدهما المعرفة الضمنيه والاخرى المعرفة الظاهرية , وفى حين تهتم المعرفة الضمنية بالمهارات والتي هي مرتكزه في عقل وقلب الشخص , وهى معارف يصعب اكسابها أو تحويلها للآخرين , كما انه يصعب وضع المعرفه الضمنية في كلمات منطوقة وهناك مقوله معروفه: " أننا نعرف أكثر مما يمكننا أن نقول" , و تتعلق المعرفه الضمنية بالمهارات والخبرات الفنية والادراكيه , اما المعارف الظاهرية فتتعلق بما هو مدون فى الكتب او فى القصص المتوارث وغالبا ما يتمكن غالبية الأفراد من الاطلاع عليها او سماعها أو استخدامها , وتمثل القيم والصور الذهنية والحدس والاستعارات ونفاذ البصيرة جانبا مهما من جوانب المعرفه التي ينبغي الاعتناء والاهتمام بها لأنها تشكل جزءا مهما من الابداع , وفى مجال المعرفه يمكننا ان نفرق بين : نظرية المعرفه وعلم المعرفه , فنظرية المعرفة تتناول عملية تكون المعرفة الإنسانية من حيث الطبيعه والقيمه والحدود والعلاقه بالواقع، وعلى ذلك فانها تركز على الاتجاهات الاختبارية والعقلانية والمادية والمثالية , اما علم المعرفه ويطلق عليه " الإبستيمولوجية " وهو مصطلح إغريقي يتألف من كلمتين: epistemo وتعني المعرفة و logos وتعني علم , ويعني عند البعض " علم المعرفة أو علم العلم " , كما يعنى عند البعض: الدراسة النقدية للمعرفة العلمية , والإبستيمولوجية عملت على تحديد الأسس التي يرتكز عليها العلم ، والخطوات التي يتكون منها، وكذلك نقد العلوم والعودة إلى مبادئه الاساسيه , وقد حض على ذلك التقدم العلمى السريع والمتنامى، وظهور مبدأ التخصص كاساسا ثابتا فى الاعمال ، وكذلك تلك التغيرات الجوهريه في بنية منظومة العلوم , لكن موضوع الإبستيمولوجية ينحصر في دراسة المعرفة العلمية فقط دون سواها, كما انها تنظر فى وسائل إنتاج المعرفة , و تدرس المعرفة العلمية في وضع محدد تاريخياً، من دون أن تنزع نحو إجابات مطلقة , فى حين تنزع نظرية المعرفة الى تقديم اجابات مطلقة وعامة وشاملة , ان المعرفه سواء على مستوى النظريه او مستوى العلم تحتاج الى بيئه حاضنه مبنيه على اسس صحيحه وسليمه يمكن من خلالها ان تتشكل معارف الامه وبالتالى ينمو الوعى , والذى لابد ان يؤدى الى ولادة الابداع الذى لا محيص عنه للتقدم .
3- سياسات التعليم

ان الهدف الاساسى من تنمية رأس المال الفكرى هو افراز مبدعين ومفكرين فى شتى مجالات المعرفه النظريه والتطبيقيه , ويمكن تحقيق ذلك فى ظل توافر البيئه الملائمه والتى تبدأ يوم ان يتجه المجتمع بكل افراده وامكاناته نحو المعرفه كوسيله للتقدم , ويمثل التعليم حجر الزاويه فى منظومة المعرفه حيث يعتبره كثيرا من المتخصصين هدفا ووسيلة في آن واحد , وتتمثل ازمة الدول الناميه او المتخلفه فى عدم قدرتها على توفير متطلبات التقدم، بسبب عدم القدره على تسخير والاستفاده من المعرفة وما يتوافر لها من المعلومات والتكنولوجيا الحديثه , وعلى ذلك فان منظومة التعليم لابد ان تتعرض لاعادة الصياغه فيما يخص المجالات و المضمون والوسائل , والاهتمام بالتعليم يجب ان يبنى على ثلاث محاور اساسيه اولها يتمثل فى طرق ووسائل تنظيم اكتساب وتطوير العلوم وخاصة العلوم التكنولوجيه الحديثه , وثانيهما ربط التعليم باحتياجات سوق العمل سواء من حيث الكم او التخصص , وثالثهما حق كل مواطن فى اكتساب قدر كافى من التعليم يؤهله للقيام بدوره الفعال فى المجتمع , لكن حتى اذا استطعنا الوصول الى صياغه جيده لتلك المنظومه فلابد ان نوجد منظومه اصلاحيه تعمل جنبا الى جنب مع المنظومه التعليميه , وتتمثل المنظومه الاصلاحيه فى توفير بيئه حاضنه للتقدم وتبدأ من تكييف القوانين و النظم واللوائح والتعليمات لتتامشى مع المنظومه الجديده , بالاضافه الى توجيه كافة الطاقات والامكانيات الماديه والبشريه نحو الارتقاء المعرفى ,ويتطلب ذلك الدراسه الكامله لتجارب الدول التى اخذت باسباب التقدم المعرفى كمدخل للتقدم الشامل فى مختلف نواحى الحياه, وذلك فيما يخص السياسات او الخطط على المستويين الاستراتيجى والتكتيكى سواء فيما يخص المناهج او طرق التدريس او وسائل اعداد المعلم او المؤسسات التعليميه والعمل على تكامل دورها مع دور المجتمع سواء على مستوى الاسره او الافراد .
ان معظم الدراسات الخاصه بالتعليم فى الوطن العربى توصلت الى ان الخلل فى المنظومه التعليميه ادت الى تشوه كبير فى الهيكل المعرفى للمتعلمين متمثلا فى الانخفاض الشديد فى التحصيل المعرفى , وعدم وجود قدرات كافيه على مستوى التحليل والابتكار , فمن حيث المجالات فهناك خلل جوهري واضح تتمثل اهم مظاهره فى عدم وجود موائمه بين سوق العمل ومتطلبات التنمية من ناحية وبين ناتج التعليم من ناحية أخرى , وبالطبع يتضح ذلك فى ضعف إنتاجية الفرد بالاضافه الى وجود اضطراب كبير فى هيكل الأجور فى كثير من شرائح وقطاعات السوق , علاوه على انخفاض العوائد الاقتصاديه والاجتماعيه المتحققه من العمليه التعليميه , كناتج طبيعى للمعادله الصعبه المتوافره الان بالوطن العربى من كثرة الخريجين وقلة المقبول منهم فى سوق العمل لضعف مستواهم التعليمى والمهارى وبالتالى ارتفاع معدل البطاله , اما من حيث المضمون فيتمثل فى عدم قدرة النظام التعليمى الحالى على توفير المتطلبات الضروريه للاخذ باسباب التقدم , وقد ادى ذلك الى وجود هوه او منطقه عازله بين المجتمع والمعرفه الحضاريه والانسانيه , اما الوسائل والاساليب فهى متخلفه كثيرا فى اغلب المؤسسات التعليميه خاصة فى الدول العربيه كثيفة السكان او الدول ذات الامكانيات الماديه المتواضعه وذلك فى المؤسسات التعليميه الحكوميه , وحتى فى المؤسسات التعليميه الخاصه او المؤسسات التعليميه الحكوميه فى الدول ذات الدخل المرتفع الا ان جميعها تفتقر الى الاساليب والوسائل الناجحه لتعظيم قدرات المتعلمين وامدادهم بالمهارات اللازمه لسوق العمل , كذلك التوقف عن التعليم لمجرد حصول الفرد على المؤهل اللازم لالتحاقه بسوق العمل يمثل كارثه حقيقيه على المستوى المعرفى للمجتمع , حيث يتوقف التحصيل المعرفى لاولئك الافراد ويفقدون الاتصال بكل ما هو جديد وحديث على مستوى ما حصلوا عليه من تعليم او حتى على مستوى ما يقومون به من ادوار وظيفيه فى مجال اعمالهم , فلا يجب ان يكون التعليم بالمدارس او الجامعات هو نهاية المطاف للافراد ولايعد كافيا لتأهيل المجتمع وتنميته , بل يجب ان يكون التعليم مستمرا بامتداد عمر الفرد "مدى الحياة" , ويمثل التدريب الامتداد الطبيعى للتعليم المدرسى والجامعى وهو لا يختص بفئه دون غيرها وانما ضروريا لكافة الافرد فى سوق العمل او خارجه , فقد يحتاجه الفرد خارج نطاق تخصصه وايضا خارج نطاق عمله , فقد يحتاجه لتنمية مهارات اتصاله وتفاعله مع اولاده او مجتمعه على وجه العموم , وعلى ذلك فاننا نحتاج الى اعادة تاهيل لافراد المجتمع والمؤسسات التعليميه والتدريبيه وفق افاق جديده اكبر مما نحن عليه الان فى ظل فلسفه اقرب ما تكون الى مدخل متقدم للمعرفه فى اوسع معانيها , حتى لا نجد انفسنا فى معزل عما يدور حولنا من تغيرات وتحولات سريعه بعد ان فاتنا الكثير , فلابد لنا ان نتبنى منظومة اصلاحيه واسعه للتعليم فهو الاساس والخيار الاول للحاق بركب الحضاره.
4- القيم الانسانية

أن عقل الإنسان وفكره وما ينتج عنهما من ابداع هو المصدر الاساسى لرأس المال الفكري ووهناك نوع اخر من انواع رأس المال يطلق عليه رأس المال الاجتماعى , وهو يعنى قدرة المجتمع على الارتقاء ذاتيا من خلال تكامل مجهودات وعطاء أفراده دون التزام بقوانين وانما نتاج اقتناع كامل بضرورة المساهمه فى نهضة المجتمع , على ذلك فان رأس المال الاجتماعي مصدره الاساسى هو التنظيم المبنى على القيم الانسانيه , والمتأمل لمسيره الحضاره الانسانيه على مر التاريخ سيرى ان المجتمعات التى استطاعت ان توجد منظومه مستنده على قواعد قيميه , كانت الأكثر حظا في التفوق على غيرها من المجتمعات المعاصره لها , وان كان هناك استثناء فى بعض مراحل التاريخ الانسانى فلا تعدو عن كونها شواذ القاعده , وحتى وقت ليس بالبعيد لم يكن فى محيط النظريات الاقتصادية الحديثه او القديمه اى تنظير يشمل مجموعة القيم والأخلاق الاجتماعيه كمساهم في عملية التنمية ، ولم تعترف تلك النظريات الا بالمعايير المادية البحتة فى صياغات التنميه مثل متوسط دخل فرد ، والناتج القومي الإجمالي ، ومقدرة الدولة على زيادة الإنتاج بمعدلات اعلي من معدلات النمو السكاني , وغاب فى الفكر الاقتصادى البعد الإنساني فى علاقته بالتنمية ، وعلى الرغم من ان المجتمعات المتقدمه قد اخذت بمبدأ القيم الاجتماعيه الا ان ربط تلك القيم بالنظريات والمذاهب الاقتصاديه قد تاخر كثيرا فى الادبيات الاقتصاديه , وان بدا فى الافق بعضا منها مثل ما يعرف بالمسئوليه الاجتماعيه للشركات والذى يعنى فى مجمله ان تلعب الشركات دورا فى تنمية مجتمعاتها من خلال ما تقدمه من مال او جهد او مشوره فى تنمية بعض الفئات الغير قادره او البذل لبعض المجالات التى تقصر عنها جهود الدوله اوالتناغم مع امال الامه فى اتمام مشروعات مصيريه تدفع بها قدما الى الامام , ولا يتوقف الامر عند الشركات فقط بل هو مزيجا متكاملا فى كل نواحى الحياه , تقوده مجموعة من القيم والأخلاق الاجتماعية بما يسهل عمليات التفاعل الاقتصادي والسياسي على المستوى المؤسسى والفردى بما يشكل بنية أساسية للعلاقات الاقتصادية والسياسية والتنظيميه ، حيث تتجسد القيم والأخلاق من خلال هياكل وبنى اجتماعية لصالح كل افراد المجتمع مدعمه لمصالحهم ومقويه لتماسكهم , فتصبح الحياه ليست قاصره على تبادل السلع فقط ، بل يشملها تعزيز دور الموطنين كافراد او جماعات فاعله فى مجتمعاتها , فتتراكم فى المجتمع قيم التنظيم والعدالة والشفافية واحترام الآخر والنفع العام والمحافظه على مكتسبات الامه , فيصبح المجتمع قادرا على التغلب على مشكلاته الواحده تلو الاخرى , ومن الطبيعى ان ينتج ذلك تقوية للثقة في عمليات ومؤسسات التبادل الاقتصادي وبالتالى يزيد من كفاءتها وسرعتها، كما أنه يخلق علاقة قوية بين الدولة والمجتمع يمكن من خلالها مد جسور التفاهم المؤسسي للاشتراك فى تحديد الأهداف والسياسات المتعلقه بالتنمية , فالتبرع بالأموال لدعم المؤسسات والجهات التي تفيد المجتمع وكذلك التطوع بالوقت والجهد للمشاركة في بناء المجتمع هي اليوم من المسلمات فى كثير من البلدان المتقدمه , فما الذى يدفع بيل جيتس صاحب شركة مايكروسوفت للتبرع بأكثر من 30 مليار دولار تخصص للأعمال الخيرية في الصحة والتعليم , ويقررالتخلي عن مهام إدارة شركته ليسخر نفسه ووقته وفكره لخدمة المجتمع , لقد بلغت أوقاف جامعة هارفارد امريكيه اليوم أكثر من 30 مليار دولار, كما بلغت اوقاف جامعة تكساس أكثر من عشرة مليارات دولار, ولا يمر شهرعلى جامعة فلوريدا دون ان تتلقى تبرع يفوق المليون دولار لدعم نشاط من أنشطتها التعليمية أو البحثية , ان ذلك كله نتاج افعال افراد عاديين يستشعرون دورهم القيمى فى مجتمعهم ولا يقتصر الامر على رجال الاعمال فقط بل يتعداه الى شرائح المجتمع كلها فهناك مطربه امريكيه شهيره تتبرع باكثر من ثلثى دخلها لدعم المجتمع , انها منظومه قيميه ينصهر فى بوتقتها الكثير من الافعال التى تدفع بالتنميه قدما الى الامام.
5- مزيج من المعرفه والابداع وثقافه المجتمع

الاميرة فاطمة اسماعيل
اذا قرر المجتمع بكافة طبقاته الاتجاه الى المعرفه كوسيله للتميز وتجاوز الهوه الحضاريه التى وقع فيها , فلابد ان يبدأ من المعرفه والتى لابد ان ينطلق من طياتها الابداع , لكن هذا الابداع يحتاج الى امكانيات واليات , تتمثل فى موارد ماليه يتم من خلالها اقامة مراكز بحثيه جديده او تمويل المراكز البحثيه القائمه والتى تعانى الاهمال او البيروقراطيه المفرطه والتى يتحول بمقتضاها الباحثين الى موظفين قتلهم الاحباط وقضى على مواهبهم الروتين العقيم ودمر نفسياتهم رؤساء لا يجدون من يحاسبهم على انتاجهم او مخرجات مراكزهم البحثيه او مدى اجادتهم فى الادارة , واذا اعتبرنا ان اقسام الدراسات العليا بالجامعات والاكاديميات مراكز بحثيه عامه , فهل هناك خطة بكل قسم من الاقسام سواء تغطى الاجل القصير او الطويل , ولا اقصد بالخطط الكم اى اعداد المقبولين كل عام او كل فصل دراسى او عدد الابحاث وانما اقصد مواضيع البحث التى يتم التركيز عليها , فهل عمل القائمون على الدراسات العليا بدراسة احتياجات المجتمع المحلى او حتى العالمى لتحديد المواطن التى يجب التركيز عليها لتقابل هذه الاحتياجات , فتحل مشاكل التصنيع اوتكتشف طرق اواساليب جديده لتخفيض تكلفة منتج ما او اكتشاف علاج لمرض ما او صنع اله طبيه او هندسيه , او العمل على حل مشاكل ضعف الخبره والمهاره لدى الخريجين او تاهيلهم للدخول الى سوق العمل , او ابتكار نظريات اداريه جديده ؟ , وماهى الموازنات الماليه المرصوده لكى يتمكن الباحثون من انجاز فروضهم البحثيه ؟ , وما الذى يتقضاه الاساتذه المشرفين على الباحثين حتى يتمكنوا من متابعة عملهم ؟ اننى اعتقد ان هذه الاماكن هى اول منابع الابداع وهى ايضا التى تضع البذره الاولى للمعرفه , لكن هذه المراكز البحثيه ماذا قدمت للمجتمع ؟ وماذا قدم لها المجتمع حتى تتمكن من تقديم ما يعمل على تطويره سواء على مستوى الفرد او المؤسسات او حتى على مستوى الاسره ؟ ان التواصل بين منابع المعرفه والابداع والمجتمع تحتاج الى جسور قويه من التبادل والالمام بحجم المنافع التى ستعود على المجتمع باكمله , كما تحتاج الى الشفافيه التى يتولد عنها الثقه التى تجعل الجميع يعمل من خلال منظومه قوامها المصلحه والمنفعه المتبادله للجميع , ولقد ذكرنا من قبل ان الاوقاف التى رصدها المجتمع لجامعة هارفارد بامريكا تبلغ اليوم حوالى ثلاثين مليار دولار, مساهمه منه فى تمويل مورد من موارد المعرفه والابداع , فكم تبلغ التبرعات اواوقاف المجتمع اليوم لكل الجامعات المصريه او العربيه ؟ ومن الجدير بالذكر ان جامعة القاهره (والتى كانت تعرف باسم جامعة فؤاد الاول) اقيمت على ارض اوقفتها الاميره الأميرة "فاطمة إسماعيل" (1853-1920) حيث أوقفت مساحة من أراضيها الزراعية ليذهب ريعها إلى الجامعة فتضمن بذلك مصدرا للتمويل، كما تبرعت بجزء كبير من مجواهراتها كسيوله ماليه للبدء فى المشروع ، كما خصصت الارض المقام عليها الحرم الجامعى من حيازتها الخاصه ، وشاركت فى وضع حجر الأساس في الاحتفال الذي أقيم في 31 مارس 1914م ,وقد ساهم كثيرون غيرالاميره فاطمه فى استكمال بناء جامعة القاهره ,فقد تبرعت كافة طوائف الشعب بالمال واوقف اخرين ريع اراضيهم الزراعيه للصرف على استكمال البناء , لقد غابت هذه الروح واضحت منارات العلم والمعرفه لا تمثل للمجتمع وحتى للمنتسبين اليها الا تخريج الاف الشباب كل عام لينضم اكثرهم الى سوق البطاله , ومن انضم منهم الى سوق العمل ترك تخصصه الاصلى ليعمل فى مجال ليس له علاقه بما درسه فى الجامعه , بلاضافه الى بضعة الاف من الرسائل والابحاث العلميه التى يكون مآلها ارفف المكتبات او الارشيف , لاتفيد المجتمع ولايتلاقى اكثرها مع متطلباته , هذا هو حال منارات المعرفه فى اوطاننا , ناهيك عن الضعف التام فى اجور الاساتذه المفترض انهم يبدعون ويصنعوا المبدعين , هل درس القائمون على منارات العلم ببلادنا لماذا لم تحصل جامعاتنا على اى مراكز متقدمه فى التصنيف العالمى للجامعات( طبقا للتصنيف الامريكى او الاوربى) ؟ فى حين حازت دول مثل الهند وجنوب افريقيا على مراكز متقدمه فى التصنيف , وما هى الخطوات التى اتخذت للارتفاع بالمستوى الذى يؤهل جامعتنا لمنافسه حقيقيه مع الجامعات العالميه ؟ , اننى اعتقد ان الحكومات مسئوله بدرجه كبيره على توجيه نظر الجامعات الى التواصل مع المجتمع , كما انها مسئوله ايضا عن خلق ثقافه المعرفه لدى المجتمع , ان ثقافة المجتمع تنبع من وسائل كثيره يجب ان تكون متسقه معا لتحقق اهدافها , مثل القوانين والتعبئه العامه نحو موضوع ما, وعمل المنظمات الاهليه او ما يسمى منظمات المجتمع المدنى من جمعيات اهليه ونقابات مهنيه واحزاب سياسيه , ان التناغم والتوافق بين المعرفه والابداع وثقافة المجتمع هى البدايه الحقيقيه نحو التقدم واللحاق بركب الحضارة

شكرا لبطل الممانعة اللبنانية

سعيد علم الدين
شكرا يا أحلى وأطيب وأصلب وأعند رئيس حكومة من اجل مستقبل لبنان ومصلحة شعبه.
شكرا على كل ما قدمته لوطنك وشعبك يا ابن صيدون العريقة!
يا ابن الجنوب الشامخ في وجه العدو الإسرائلي!
يا ابن لبنان العنيد في سبيل الحق يا استاذ فؤاد السنيورة.
لم تكن رئيس حكومة ورجل دولة من الطراز الرفيع، بقدر ما كنت مدرسة سياسية لبنانية عربية ديمقراطية. التاريخ سيذكرك باحرف الذهب والخلود.
هالهم فؤاد السنيورة البطل الممانع للحفاظ على الدستور والجمهورية وهم صبيان الأزقة وزعران الحارات وكسالى الساحات وتنابلة الولي الفقيه فحاصروه وهو الصامد مع وزرائه الابطال. ننحني هنا لذكر الوزير الشهيد بطل حكومة انتفاضة الاستقلال الشيخ بيار الجميل.
هالهم فؤاد السنيورة المتواضع الطيب، لأنه كان خلال الأزمة المتفجرة التي افتعلوها لكي تعصف بلبنان بافراغ رئاسة الجمهورية وانتقال صلاحياتها اليه حسب الدستور، اكثر تواضعا من اجل خلاص لبنان من براثنهم.
فكان الأمين على البلد في اللحظات التي كانوا هم يعبثون كغلمان الحانات السكارى بالبلد ويضعونه في مهب الرياح.
الله يشهد، الشعب يشهد، العرب تشهد، والعالم يشهد، والتاريخ سيشهد بأن فؤاد السنيورة كان اكبر بكثير من فخامة رئيس مع احترامنا للرؤساء المحترمين فقط.
سيذكر التاريخ السنيورة باحرف الخلود لقيادته الفذة خلال أربع سنوات من المعاناة: صبره وحكمته وشجاعته وممانعته وليونته وصموده في وجه الإرهاب القاتل وحفاظا على الشرعية والقيم الديمقراطية والدستورية ومصالح الوطن والشعب العليا.
لقد كان السنيورة وسيظل كبيرا بتواضعه، شامخا بانحناءاته امام العاصفة، عنيدا بدبلوماسيته، عنيفا برقته، واكبر من رئيس لمجلس وزراء او لمجلس نواب.
لقد اثبت فؤاد السنيورة بجدارة انه رجل الساعة، حامل هموم الناس، وقائد دولة من الطراز الاول.
ولبنان كان وما يزال فى اشد الحاجة الى امثاله في ظروف مصيرية.
من أعماق قلوبنا نقول لك:
شكراً يا دولة الرئيس شكرا لك:
يا أطهر الناس! ويا أشرف الشرفاء! ويا أأمن الأمناء! ويا أوفى الأوفياء!
شكرا لك يا من حميت الدولة من الانهيار، وحميت السراي من عبث الاشرار.
شكراً لك يا من صبرت! و يا من جاهدت في وجه الظلم و الحقد والمؤامرات التي كانوا يحكونها في اوكارهم في الليل والنهار.
لقد كنت قلبا لبنانيا كبيرا يحمل هموم كل اللبنانين. وعندما فرغت رئاسة الجمهورية ووصلت الامانة الى يديك هرعت الى البطريرك صفير تطمئنه وتطمئن من خلاله ابناء الطافة الماورنية الكريمة والمسيحيين عموما بانه ليس لنا كمسلمين أطماع في رئاسة الجمهورية.
لقد قدمت مدرسة سياسية جديدة في الصمود والحنكة والليونة والعناد بالكلمة الحرة العقلانية العاطفية الواعية التي ستدرسها في المستقبل طلاب جامعات الحقوق والسياسة والتاريخ والادب.
فلولا السنيورة لما كان هناك نصر الهي يتبجح به نصر الله، ويمرح به بشار الاسد، ويترنح له نجاد، ويتمرجح به خامنئي على مرجوحة تصدير الفتنة والخراب الى العالم العربي.
ودليلنا ما قاله السفير الأميركي السابق لدى لبنان جيفري فيلتمان الى «الحياة» التي سالته ان هناك في قوى 8 اذار من يقول إن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة كان يريد استمرار الحرب. فهل لك أن تقول ما كان دور السنيورة؟
فرد قائلا : "أعتقد أن الحرب كانت ستكون أسوأ وأطول وأصعب معالجة لولا فؤاد السنيورة. وأعتقد بأن السنيورة لعب دوره في شكل ساعد على نهاية أسرع للحرب وحال دون اتجاهها نحو الأسوأ. ولا أتصور أن الأسرة الدولية كانت ستكون بمثل هذا السخاء في استوكهولم، للمساهمة في إعادة الإعمار لو أن السنيورة لم يكن على هذا المستوى من الوضوح في كلامه باعتباره ناطقاً باسم كل لبنان. وفؤاد السنيورة عارض الفصل السابع الذي كانت الإدارة الأميركية وسواها يفضلونه بالنسبة الى القرار 1701."
وتابع قائلا: فؤاد السنيورة مفاوض قاس، وهو الأقسى وكان يترأس حكومة بلد عرضة لحرب وهو لم يفسح لنا أي مجال لنسيان ذلك، ولا لنسيان أن هناك لبنانيين يتألمون ويقتلون ويجرحون بسبب هذه الحرب. ومن أسوأ الأمور المهينة في الهجمات التي تعرض لها السنيورة عقب الحرب، بعد أن دافع بقوة عن مواقف لبنان وعارض بشدة الفصل السابع لأن «حزب الله» كان يرفض الفصل السابع، هو أنه تم تناسي كل هذا. فكان يدرك أنه في حاجة الى ذلك لمواصلة الدفع باتجاه إنهاء الحرب على أسس تساعد لبنان. لكن الحملات التي استهدفت تصرفه في تلك الفترة كانت غير أخلاقية ومثيرة للصدمة، نظراً الى الدور الذي لعبه دولياً في تأكيد ضرورة إنهاء الحرب".
هالهم شفافية الأستاذ فؤاد السنيورة الديمقراطي الاصيل وهو يتقبل وجه نظر الآخر ويتحملها برحابة صدر: يناقش بهدوء، يحاجج باقناع، يستمع الى الاخر باحترامٍ ونِدِّيَّةٍ وأدب، ويتحمل الشتيمة والإساءة بصبر العظماء.
إن كل ما كانت تبثه قناة "المنار" من: تحريض وافتراءات، وفتح ملفات قديمة جدا للآباء لا يتحمل وزرها الأبناء، للنيل من نقاء صورة الأستاذ فؤاد السنيورة العائلية الذي رد عليهم فأفحمهم وترك الكلمة الفصل في قضية العقار للقضاء، وخَلْقِ أقاصيص تخوينية بحق الشرفاء، وفبركة تقارير من صنع بنات الخيال، وشتائم بذيئة ودعوة مفتوحة إلى الفتنة بين اللبنانيين، إنما يتحمل مسؤوليتها أيضا أمام الله والشعب والتاريخ حسن نصر الله ومن ورائه مرشد "المنار" الروحي خامنئي المعظم.
هالهم شفافية الأستاذ فؤاد السنيورة فشنوا عليه حملةً مبرمجةً شعواء!
فلم تستوعب عقولهم المقفلة على ولاية الفقيه أن يقوم رئيس مجلس الوزراء الديمقراطي فؤاد السنيورة، بكشف حقيقة التعويضات للمتضررين بالأسماء والوثائق والأرقام والحقائق، بشفافية ودقة لم يعهدوها في جمهوريات الفساد والإفساد في الأرض، لأنهم تعودوا على الفوضى والهدر واللفلفات والسرقات وتحميل شعب لبنان المليارات من الديون.
هالهم دقة الأستاذ فؤاد السنيورة الذي يتعامل بالأرقام والعقلانية والوثائق والمستندات والقانون والحقائق.
هالهم رقة الأستاذ فؤاد السنيورة الأب الرؤوف الرحوم الذي يتعامل ليس فقط بالسياسة بل بالعواطف والمشاعر والدموع رحمة بشعبه المنهك المظلوم.
هالهم صدق الأستاذ فؤاد السنيورة، كيف لا وهم تعودوا على الكذب وقلب الحقائق والتزوير والفجور والدجل.
هالهم وطنية الأستاذ فؤاد السنيورة، كيف لا وهم تعودوا على بيع الوطن ليكون ساحة مستباحة لحروب الآخرين فوق أرضه. وإعطاء الذرائع لإسرائيل في كل مرة لكي تدمر وتسفك دماء أبنائه.
هالهم عروبة الأستاذ فؤاد السنيورة كيف لا وهم تجار العروبة
هالهم شجاعة الأستاذ فؤاد السنيورة وهم الجبناء يختبئون تحت سابع ارض خوفا على ارواحهم.
هالهم نباهة الأستاذ فؤاد السنيورة وهم الاغبياء. "لو علمت برد اسرائيل لما خطفت".
هالهم ديمقراطية الأستاذ فؤاد السنيورة وهم الشموليون البائسون.
فشكرا لك يا يا بطل الممانعة اللبنانية في وجه سماسرة الوطن.

الخسارة تحت ستار الربح

الياس الزغبي

انقشع غبار معركة تشكيل الحكومة عن حقائق معاكسة للمطالب والشعارات التي رفعها أهل الحصص في الحقائب والمنافع � "الحقوق"، وخصوصا منهم بعض أطراف الاقلية، وتحديدا رئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" النائب ميشال عون.

- الشعار الوهمي الاول الذي تهاوى عشية ولادة التشكيلة كان شعار الاستقلالية وعدم الرضوخ للضغوط والتأثيرات، فكان المشهد المفجع في دمشق: تلقّي موفد عون بلاغاً سورياً بالحصّة العونية المتدنّية كثيرا عن المعلن، وفيها أكثر من وديعة مفروضة من خارج كوادر التيار العوني الغائص الان في احتجاج هائج، وفيها فصل قسري صادم بين حقيبة الاتصالات و"الوزير � الجوكر" جبران باسيل. وكان العزاء في العاصمة السورية عزاءً حقيقياً بالقرار المستقل و"المسألة السيادية" التي طالما شهرها عون في وجه الرئيس الحريري! وفي اليوم التالي اكتمل المشهد "السيادي" في الضاحية برئاسة قائد المعارضة وسيّد المقاومة!

- ما يحسبه العماد عون انتصاراً بفرضه توزير راسب واحد هو، في حدّ ذاته، انكسار، ليس فقط لأنه استبعد الراسبين الاخرين الناقمين، بل لأن حسابه السياسي القريب والبعيد سيتضمّن نقطة سوداء في سجلّه (قد لا تهمّه واحدة اضافية)، وستلاحقه لعنة السابقة السيئة حتى النهاية السياسية، خصوصاً أنه الطرف الوحيد الذي تفرّد بهذه "المكرمة" التي لن تكون مثار فخر واعتزاز بل دافع خجل، فهي لا تشكّل عرفاً ايجابياً بل وصمة سياسية ضد الديمقراطية والرأي العام، وهي ستكون حتماً عاملاً جديدا للتراجع الشعبي والسياسي مضافاً الى عوامل الشطط الوطني التي أدّت الى الانحدار الموصوف.

- يبدو ادّعاء عون دعم موقف مسيحيي 14 اذار للحصول على حقائب وازنة أشبه بقصّة "الركب والذبابة" في أقصوصات لافونتين، حين طالبت الذبابة بثمن الطنين واللسعات!

الحقيقة أنّ تشبّثه بالحقائب لم يكن لحسابات مسيحية ولا يمت بصلة الى حقوق المسيحيين، لأن ما حصل عليه من حقائب لم يأخذه من حساب المسلمين بل من الحساب المقطوع للمسيحيين ضمن معادلة المناصفة في مجلس الوزراء، وهي، أو ما يوازيها، من حق أي قوة سياسية تمثلهم، ولا منّة في ذلك من أحد. فللمسيحيين حقيبتان سياديتان وأربع أساسية وخمس عادية وأربع حقائب دولة، وقد تم توزيعها بالتوازن ضمن الكوتا المسيحية بين الجهات الثلاث: رئاسة الجمهورية وقوى 14 اذار وأطراف ثلاثة في تكتّل� "الاصلاح والتغيير"، وليس هناك أي فضل لهذا الزعيم أو ذاك في التوزيع العادل المنصوص عليه في الدستور واتفاق الطائف. أمّا احتكار الفضل فليس سوى ادّعاء ترويجي تسويقي لتغطية الالتحاق السياسي وتبرير التراجعات تماما كما كانت يافطة "الحقوق المسيحية" في قانون ال 60 غطاء للتراجعات في الدوحة.

يكفي أن تأتي الشهادة ب "انجازات" عون من الصحافة السورية ووسائل اعلام 8 اذار كي� ينجلي معنى العزاء، فيلمس الجميع عمليات نفخ الاحجام وتجميل الورم السياسي على حساب العافية السياسية والشعبية. وما يحصل في الجامعات والنقابات، وما سيحصل حتما في محطّات لاحقة على مسار 7 حزيران، يجعل من الواجب اعتماد المثل السائر معدّلا: يربح جيّدا من يربح أخيرا.

ذكريات.. العمر اللي فات: اولاً في مصر 6

انطوني ولسن

(ذكريات.. العمر اللي فات، هي محطة استراحة فكرية، انزل فيها من قطار الحاضر محاولاً الاسترخاء والتجوال في شوارع وحارات ومدن وحدائق حياتي.. اثناء تجوالي أحكي للقاريء حكاية من هنا او من هناك، اربطها بحكاية اخرى او حكايات، ان اقتضي الامر العودة الى قطار الحاضر. سأفعل ذلك لاستمرارية التفاعل مع الحاضر، الذي سيصبح يوماً.. ذكريات العمر اللي فات).

دعونا الآن نكمل الحكاية..

بدأ العمل بنظام البطاقات الشخصية الذي لم يعد يقتصر فقط على محافظتي القاهرة والجيزة، لكنه امتدّ الى جميع انحاء الجمهورية. اتسع المكان وأخذنا نستأجر شققا اكثر في عمارة الجندي مما حدا بالوزارة الى استعارة احد مباني فروع الوزارة القريب من المكان الذي كنا فيه.

في عام 1956 نعرف جميعا التحدي الذي حدث بعد تأميم قناة السويس. ونعرف ان عدداً كبيرا من العاملين بالمعسكرات الانجليزية في الاسماعيلية والسويس وبور سعيد بدأ توزيعهم على المصالح الحكومية. وكان لنا نصيب من اولئك العاملين الذين التحقوا بالعمل معنا وأحدهم عُين في قسم السكرتارية. حدث ان ذهبت لأستفسر عن اجازاتي المرضية والسنوية والعارضة، لكني لم اجده. ثلاث مرات في اوقات مختلفة ولم اجده. في المرة الرابعة سعدت برؤياه، فسألته بكل أدب واحترام عن اجازاتي المرضية والسنوية والعارضة فنظر اليّ باستعلاء وخرج الكلام من طرف أنفه في تكبر العظماء واصحاب السلطة والجاه، وطلب مني أن اتقدم بطلب رسمي وعليه طابع (دمغة) ثمنه خمسة قروش. في منتهى الهدوء عُدت الى مكتبي وارسلت الساعي لشراء طابع (الدمغة) وكتبت الطلب الرسمي مستفسرا عن اجازاتي. ذهبت الى الموظف ذاته وقدمت له الطلب. أمسك به باطراف اصابعه والقي به فوق مكتبه وطلب مني في صيغة الأمر ان اذهب الى عملي وسوف يبعث لي بخطاب رسمي عن طريق السكرتارية. بلغ السيف الزبى كما يقولون واصبحت روحي في (مناخيري) مدتت يدي الى الطلب المقدم مني وأطبقت عليه واخذت امزقه الى قطع صغيرة وأنا اصرخ فيه وأسبه، وكدت ان اطبق على (زمارة رقبته).. جرى اليّ الموظفون وابعدوني عنه. في وسط هذا الوضع وقع نظري على قصاصة الورق الملصق عليها طابع (الدمغة). التقطها بسرعة ودسستها في جيبي ورجعت الى مكتبي.

بعد ذلك بحوالي نصف ساعة استدعاني المفتش الى مكتبه. اخبرني بان سعادة المدير العام أرسل بطلب التحقيق معي في شأن ما حدث في السكرتارية وعليه.. اي المفتش ان يأخذني الى سعادته مع التحقيق للعرض عليه..

بدأت اجيب على أسئلة المفتش الى ان وصلنا الى سؤال كان ذلك الموظف قد إدعى عليّ بانه طلب مني ان اضع طابع (دمغة) على الطب ولكني رفضت وتشاجرت معه، تذكرت قصاصة الورق التي في جيبي. آخرجتها وقلت للمفتش الطلب امامك وقد جمعوه وهناك جزء مفقود منه، اليس هذا الجزء هو تلك القصاصة. وضعها وتطابقت بالطبع. فقلت له هذه اجابتي على سؤالك وان سبب كل ما حدث هو معاملته لي بتلك الطريقة المستفزة غير المحترمة.

انهى المفتش التحقيق وذهبنا سويا الى مكتب سعادة المدير العام. ولأول مرة في حياتي في ذلك الوقت أرى امرأة مرتدية فستانا مشقوقا من الجنب (أي مفتوح من عند الفخذ الى أسفل). ولأول مرة أرى امرأة ممسكة (بمبسم طويل في آخره سيجارة مشتعلة) كما تفعل ممثلات السينما، ولم تكن امرأة واحدة في الغرفة مع سعادة المدير العام، بل امرأتان. فوجئت بالمدير العام (لواء شرطة) يوجه اليّ الكلام بأسلوب تهكمي ساخر قائلاً (أنت ياافندي فاكر نفسك بتشتغل فين؟ بتشتغل عند الحمصاني؟). فما كان مني الا أن اجبته في لهجة اكثر سخرية وتهكم متسائلاً (هل غيرتم اسم المصلحة دون علمي؟). حدجني بنظرة مستغربة. وحدجته بنظرة متحدية. قال لنا .. المفتش وانا.. «اتفضلا اذهبا الى عملكما». ادرت ظهري وخرجت، بينما خرج المفتش (اسمه عبد السلام ولم يكن عسكريا بل كان مدنيا) وظهره الى الباب ووجهه ناحية المدير العام وضيفتيه الجميلتين الساحرتين. وقد كان هذا ثاني تحدٍّ مع المسؤولين في العمل. وهناك تحديات كثيرة وعديدة جدا أهمها التحدي التالي الذي غيّر مجرى حياتي وأثر فيها تأثيرا كبيرا، وكان سببا في فجوة دراسية زمنية مدتها تسع سنوات منذ حصولي على شهادة التوجيهية القسم العلمي عام 1955، الى حصولي على شهادة الثانوية العامة نظام ثلاث سنوات في سنة واحدة والقسم الأدبي عام 1964.

يبدو ان رئيس السكرتارية لم يعجبه حفظ المدير العام للتحقيق الذي أجريَّ معي وسبي لاحد موظفيه. فقد حدث في صباح ذات يوم انه كان يمر امام الغرفة حيث اوجد مع عدد 15 موظفا. توقف ومد يده وأطفأ الضوء الكهربائي وادار ظهره واستمر في سيره.. اسرعت وأضأت الضوء مرة ثانية ولا أعرف كيف عرف ذلك لانه عاد وواجهني وجها لوجه واطفأ الضوء وهو يقول لي ان الثورة تنادي بالاقتصاد. فما كان مني إلا ان أضأت الضوء مرة اخرى وقلت له انني انفّذ ما تنادي به الثورة، بدلا من ان يصاب الموظف بالعمى في فترة 5 سنوات يصاب به بعد 15 سنة. في غضب شديد أطفأ الضوء مرة اخرى وهو يضغط على مخارج الفاظه قائلا أن جمال عبد الناصر ينادي بالاقتصاد، عُدت وأضأت الضوء الكهربائي وانا في حالة ثورة وغضب وقلت له. (روح قول لسيادة المدير ان لا يرسل سيارات الشرطة لزوجات الضباط لشراء الخضروات وتوصيل الاولاد الى المدارس) أدار ظهره ومشى.

بعد حصولي على شهادة التوجيهية علمي عام 1955 التحقت، كما سبق وكتبت بكلية الحقوق جامعة القاهرة ارضاء لرغبة والدي، كان زميل الدراسة ناحوم قد رسب في التوجيهية علمي عام 1955، ليس لغباء، ولكن لحب المساعدة والظهور لضبطه عدة مرات وهو يقوم (بتغشيش) زملائه وطرد من لجنة الامتحان اكثر من مرة لنفس السبب. أعاد دراسة اثانوية العامة عام 1956. بعد الانتهاء من العام الدراسي كنت قد سمعت عن مدرسة الخدمة الاجتماعية بجاردن سيتي. بعد انتهاء العمل ذهبت الى المدرسة وتطلعت على الاعلانات المكتوبة والمواد الدراسية ووجدت بغيتي في هذه المدرسة التي تدرس الخدمة الاجتماعية وعلم النفس وغيرها من المواد المحببة الى نفسي. كان باب الالتحاق مفتوحا، وعلى راغب الالتحاق ان يشتري طلبا ثمنه (25 قرشا) يملأ البيانات ويجيب على الاسئلة والتي منها سؤال يطلب من الطالب سرد مشكلة اجتماعية ويسرد معها العلاج الناجع لها. وسؤال آخر تطلب فيه المدرسة من الطالب مقدم الطلب تلخيص احد الكتب التي قرأها حديثا سواء كان كتابا في الأدب او القصة او الشعر أو اي فرع من فروع الاجتماع وعلم النفس.

قمت بشراء طلبين (لي واحد ولناحوم آخر). ذهبت الى المنزل وبدأت في ملء الطلبين والإجابة على الاسئلة مرة باسمي وأخرى باسم ناحوم. في المساء عشية ظهور نتيجة الثانوية العامة كنت في منزل ناحوم. واتذكر جيدا تلك العشية. كنا ثلاثتنا (المرحوم عمي رياض وناحوم وانا) في البلكون نتحدث. قلت لناحوم انني اشتريت لك طلب الالتحاق بمردسة الخدمة الاجتماعية، وقد أجبت على كل البيانات والاسئلة التي في الطلب وما عليك الا ان توقع في نهاية الطلب.

صرخ فيّ عمي رياض وهو يقول لي (ولدي لن يدخل الا كلية الصيدلة).ووجدت نفسي اصرخ فيه وأقول له (ولدك لن يدخل الا كلية الحقوق وجامعة عين شمس وليس مثلي جامعة القاهرة، لأنه لن يحصل إلا على 50%).

تركني غاضبا الى الداخل، واشهد ان علاقتي به (عمي رياض) منذ ان تعرفت على ابنه ناحوم عام 1951 هي علاقة الحب والاحترام والتفاهم التام المتبادل بيننا. لذا عندما وجد مني هذا الاصرار في الحديث اقتنع وأيقن بصدق كلامي.

المهم في الموضوع ان ناحوم نجح في الالتحاق بمدرسة الخدمة الاجتماعية ورسبت انا بعد ان سحبت اوراقي من كلية الحقوق. وكان مكتب التنسيق قبل تسجيل ناحوم كما توقعت منتسبا يكلية حقوق عين شمس لانه لم يحصل إلا على 50% كما توقعت.

تقدمت في العام الذي يليه للالتحاق بمدرسة الخدمة الاجتماعية ورسبت للتحدي الذي اظهرته لاستاذ مادة علم النفس بالمدرسة اثناء اللقاء الشفوي، وايضا الخطاب الذي ارسلته له. كان عميد المدرسة أحد الممتحنين . وكان هو نفس الممتحن وحده في اللقاء الشفوي الذي أجريً لي في العام الماضي وقضيت معه ساعة وعشرة دقائق ، مما حدى بناحوم بعد خروجى من غرفة العميد أن يجري خارج المدرسة وهو يقول " ياعم مش ممكن أقدر على المقابلة زيك ". أعدته الى المدرسة ، دخل للمقابلة التى لم تستغرق سوى سبع دقائق فقط لا غير . لم ايأس وتقدمت مرة ثالثة ونجحت والتحقت بالمدرسة التي احببت موادها الدراسية والتي كنت اذاكرها سنة بسنة مع ناحوم.

أعود بكم الى حادثة اطفاء الضوء في غرفتي بالعمل واصراري على اضاءته والتحدي الواضح بيني وبين رئيس السكرتارية، وأكمل كل ما حدث. كان ذلك التحدي يوم سبت.. صباح يوم الثلاثاء من ذلك الاسبوع بعد ان انتهيت من توزيع العمل على الموظفين مع المفتش العقيد حامد المملوك، جاءني الى مكتبي احد سعاة المصلحة وطلب مني ان أذهب للقاء أركان حرب المصلحة.

تعجبت من الأمر.. أركان حرب المصلحة بالنسبة لنا نحن المدنيين لا علاقة له بنا الا في حالة الاستجواب لتقصير او شكوى ضد الموظف. وانا لا عندي تقصير في العمل ولا اعتقد ان هناك اي شكوى مقدمة ضدي. ذهبت اليه، قدم لي ورقة وطلب مني التوقيع عليها بالعلم بما هو مكتوب بها. قرأت ما هو مكتوب، وكان قرار نقلي الى قنا. لم أصدق عيني.. اعدت قراءة القرار أكثر من مرة، ثم القيت به فوق مكتب الاركان حرب وأنا اقول له.. هل انت متأكد من ان هذا القرار خاص بي؟!.. أجابني ببرود شديد.. اليس اسمك ولسن اسحق ابراهيم؟ اذن انت المعني بقرار النقل.

تركته واسرعت الى مكتب المفتش حامد المملوك رئيسي المباشر وقلت له في صوت مشحون بالغضب.. عايز اعرف من حضرتك ليه تنقلوني الى قنا!؟.. رد علي.. عن ماذا تتحدث؟، قصصت عليه ما حدث معي.

نهض من فوق كرسيه وتوجه الى غرفة المدير العام. بعد حوالي الربع ساعة عاد ووجهه الأبيض الممزوج باللون الأحمرـ لونه مصفر والعرق يتصبب منه. ما ان رآني حتى صرخ في وجهي قائلاً.. روح شوفلك واسطة واللا رشوة واللا داهية.. اسرع اليً العقيد فريد سلطان وأمسك بيدي متجها بين الى ركن بعيد وهو يخبرني بكل ما حدث بين حامد بك والمدير العام الذي حول المناقشة الى امر عسكري. ذهبت الى اركان الحرب وطلبت منه ضرورة مقابلة المدير قبل ان اوقع بالعلم على قرار نقلي..

(يتبع)

ستون بالمئة من 22 بالمئة

د. فايز أبو شمالة
60% من أراضي الضفة الغربية التي تمثل 22% من أراضي فلسطين فقط، هي آخر العروض الإسرائيلية للتوصل إلى حل، وهذه أقصى مراجل الفلسطينيين، ونهاية نضالهم ومقاومتهم، وانتفاضتهم، وانقسامهم أيضاً. وأيّ فلسطيني يدعي رجولة أشد، وبطولة أكثر من ذلك من خلال المفاوضات، ليذرف دمعة مع السيد عباس على "أولمرت ولفني" اللذان عرضا الانسحاب من 92% من الضفة الغربية، مع الموافقة على تبادل الأراضي، ولكن هذا العرض السخي صار فرصة ضائعة، وبدأت العروض الجديدة التي تتناسب المرحلة الجديدة!.
لما سبق توجب على قلب السيد عباس أن ينفطر من الغيظ، فبعد أن عمل بكل جهده للتوصل إلى سلام مع الإسرائيليين، وخاطر بكل شيء للوصول إلى نقطة النهاية لمفاوضات استمرت ستة عشرة عاماً، ووافق على التساوق مع الحلول السياسية المطروحة لحل القضية الفلسطينية ضمن حدود سنة 1967، جاءت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة لتفسد أمل السيد عباس بالتوصل لاتفاق حتى على 92% من أراضي الضفة الغربية، وعلى السيد عباس أن يبدأ المفاوضات من جديد، ومع قيادة إسرائيلية متطرفة تدعو الفلسطينيين لمواصلة التفاوض على ما بعد، بعد المتفق عليه مع الحكومة الإسرائيلية السابقة، على السيد عباس أن يبدأ التفاوض على سلام اقتصادي من وجهة نظر الليكود، أو على دويلة بحدود 60% من أراضي الضفة الغربية كمرحلة أولى من وجهة نظر من هم على يسار الليكود، ولعل هذه النسبة تصل إلى 92% بعد أن ينجح الفلسطينيون في الاختبار، ويثبتوا كفاءتهم، وحسن نواياهم، ويقيموا مؤسساتهم الفلسطينية.
هذه الخطة الإسرائيلية التي يتم تسويقها الآن لا تمثل وجهة نظر لأحزاب اليمينية المتطرفة مثل "إسرائيل بيتنا" أو حزب "أهدوت هتوراة"، إنها خطة معسكر السلام الإسرائيلي وعلى رأسه حزب العمل الذي صرح زعيمه أهود براك في برنامج "لندن وكرشينباوم" في القناة العاشرة، يوم الأحد 1/11/2009 قائلاً: "توجد فكرة ينبغي البحث فيها وهي إمكانية إقامة دولة فلسطينية في مرحلة مبكرة دون حدود نهائية، مع التعهد بإنهاء البحث في المواضيع الجوهرية مثل القدس، واللاجئين، والحدود، والأمن في غضون سنة أو سنتين، وحسب أقوال "براك" فان الأمر سيحسن موقف السلطة الفلسطينية حيال النظام في غزة".
الفكرة نفسها جاءت في خطة شاؤول موفاز الذي يطمع بأن يترأس حزب كاديما من خلال مشروع السلام هذا، والذي يعتمد حل القضية الفلسطينية على مرحلتين؛ تتضمن المرحلة الأولى إقامة دولة فلسطينية على مناطق "الف" و"باء" وتقدر مساحتها 60% من أراضي الضفة الغربية، وفي المرحلة الثانية تقام الدولة الفلسطينية على مساحة لا تقل عن 92% من الأراضي التي احتلت عام 67.
فإذا كانت هذه المقترحات الإسرائيلية التي يجري تنسيقها مع الإدارة الأمريكية سبباً في فجيعة السيد عباس، ونكبته التفاوضية، واضمحلال أحلامه بالسلام، وهي حجته لعدم ترشيح نفسه لانتخابات رئاسية قادمة. فما هي حجة أولئك الفلسطينيين الذين يصرون على مواصلة السيد عباس مشواره التفاوضي، ويصرون على أنه المرشح الوحيد إلى أبد الآبدين؟ وهل معنى ذلك؛ أنهم يوافقون على المقترحات الإسرائيلية الطازجة للسلام الهابط؟
fshamala@yahoo.com

عندما صرخ الحاخام.. وتمتم الشيخ

صالح النعامي

بعيد مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين ثارت في إسرائيل زوبعة كبيرة تركت أصداءً واضحة على الحلبة السياسية والنسيج الإجتماعي في الكيان الصهيوني. فقد تبين أن الحاخامات اليهود كان لهم الدور الأبرز والأوضح في التحريض على اغتيال رابين. بعض الحاخامات أفتى في حينه أن من يقتل رابين " سيكتب عند الرب صديقاً ". وقد حصلت كل من الشرطة وجهاز المخابرات الداخلية على أدلة دامغة تدين هؤلاء الحاخامات في التحريض على أول إغتيال سياسي في تاريخ الكيان الصهيوني. ومن المفارقة ذات الدلالة أن جميع الحاخامات الذين شاركوا في التحريض على قتل رابين هم موظفون في سلك الدولة، ويتقاضون رواتبهم من وزارة المالية الإسرائيلية. وقد تبلور إجماع غير مسبوق داخل الكنيست وفي الرأي العام حول ضرورة وضع حد لـ " تجاوزات " الحاخامات....فكيف ردت الحكومة على هؤلاء الحاخامات، هل زج بالحاخامات في غياهب السجون، هل دوهمت بيوتهم وروعت عوائلهم، هل حوربوا في أرزاقهم، هل تجرأت الدولة على مطالبة الحاخامات باتباع منهجاً محدداً في " العظات الدينية "؟ وهل فكر أحد في دوائر صنع القرار الصهيوني بأن يطلب من الحاخامات تلاوة " عظات " أعدت سلفاً من قبل وزارة الأديان الصهيونية؟ .......لم يحدث شئ من هذا القبيل على الإطلاق، بل على العكس تماماً، فقد شدد الجهاز القضائي الإسرائيلي العلماني على إلتزامه بمنح الحاخامات مطلق الحرية في التعبير عن وجهات نظرهم كما يملي ذلك فهمهم للنصوص الدينية.

تدليل الحاخامات

كان بإمكان الكيان الصهيوني إيذاء الحاخامات إيذاءً شديداً، فالحاخامات يتقاضون رواتب تعتبر خيالية، فالحاخامات يحلون بعد الوزراء والنواب من حيث حجم الراتب الذي يتقاضونه، فعلى سبيل المثال يتقاضى حاخام بلدة " نتيفوت " الصغيرة التي تقع جنوب غرب الكيان الصهيوني مبلغ 30 ألف شيكل في الشهر ( سبعة آلاف دولار )، وتقفز رواتب الحاخامات في مدن أخرى إلى خمسين ألف شيكل. واللافت أن الحاخامات لم يبدلوا ولم يغيروا، بل على العكس تماماً فإن معظم الحاخامات الذين أشير إليهم بإصبع الإتهام يواصلون التحريض تارة على الفلسطينيين وأخرى على العلمانيين اليهود، بل أن قيادة الجيش سمحت لكثير من غلاة المتطرفين من هؤلاء الحاخامات بتفقد قواعد الجيش ومعسكرات التدريب لإلقاء " العظات " الدينية التي تقطر تحريضاً وعنصرية.

وزن حاسم في صنع القرار

وعلى الرغم من أن المتدينين في إسرائيل يشكلون 30% فقط من الجمهور الإسرائيلي، إلا أنهم يلعبون دوراً حاسماً في صنع القرار السياسي للدولة. فرئيس الدولة شمعون بيريس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزعيمة المعارضة تسيفي ليفني وبقية قادة الدولة قدموا مؤخراً طلباً للقاء الحاخام عفوديا يوسيف زعيم حركة شاس، إلا أن مدير مكتبه حتى الآن لم يحدد لهم موعداً للقاء بحجة أن " جدول أعمال الحاخام ممتلئ !! ". وإن كان الملف النووي الإيراني هو من أخطر الملفات التي تهم الدولة، فإنه من المفارقة أن نتنياهو حرص قبل فترة على الإلتقاء بالحاخام يوسيف لوضعه في صورة استعدادات إسرائيل لمواجهة البرنامج الإيراني، بينما لم يجد شمعون بيريس بداً سوى الاستعانة بالحاخام إلياشيف زعيم التيار الأرثوذكسي الليتائي للدفاع عن مواقفه السياسية.

محظوظون حتى عند زعمائنا

لكن احترام الحاخامات لا يقتصر على مؤسسات الدولة ورجالاتها في إسرائيل، بل يتعداه إلى المسؤولين الأجانب. فالمبعوث الأمريكي للمنطقة جورج ميتشيل اضطر للانتظار ساعة على باب الحاخام عفوديا يوسيف، قبل أن يؤذن له بالدخول لمحاولة اقناعه بتأييد وجهة نظر أوباما المتعلقة بالتسوية. وعندما كان وزير خارجية أسبانيا الحالي ميجيلو موراتينوس يشغل منصب المبعوث الأوروبي للمنطقة أُضطر لاعتمار القبعة الدينية اليهودية وقصد يوسيف لكي يؤكد له أن أي تسوية سياسية ستضمن مصالح إسرائيل الإستراتيجية. ولعفوديا يوسيف مكانة خاصة لدى بعض الأنطمة العربية، حيث حرصت بعض الدول العربية على دعوته لزيارتها.وبالفعل زار يوسيف بعض العواصم العربية وجرت له احتفالات صاخبة وحرص قادة الدول التي زارها على استقباله، وكان من بين هؤلاء زعيم دولة عربية مهمة جداً، مع العلم أن هذا الزعيم لا يحرص على لقاء كبار العلماء، بل رفض الإلتقاء بوفد ضم أهم وأكبر علماء الأمة. والحاخام يوسيف عادة يصف العرب بـ " الصراصير والثعابين "، وهو الذي يحرم استخدام الإنترنت ويفتي بأن كل من يصوت لحركته سيحظى بـ " المكانة الخامسة في جنة عدن "، وغيرها من الخزعبلات والترهات.

الذي يبعث المرارة في النفس أنه لم يحدث أن طلب مسؤول أجنبي الإلتقاء برجال الدين المسلمين في غمرة الجدل حول مشاريع التسوية المختلفة لمحاولة تجنيدههم لدعم هذا الموقف أو ذاك، لسبب بسيط أن المسؤولين الأجانب يدركون أن رجال الدين والعلماء في بلدان العرب والمسلمين لا يحظون بتأثير يذكر على دائرة صنع القرار. فبخلاف العالم العربي، فإن النظام السياسي الإسرائيلي يمنح القوى المجتمعية قدرة على التأثير على صنع القرار، وهذا بالتالي يغري الأطراف الأجنبية لمحاولة الإلتقاء بالنخب التي تمثل هذه القوى، وسيما كبار الحاخامات والمرجعيات الدينية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألا يستحق العلماء والدعاء المسلمين معاملة تضاهي على الأقل المعاملة التي يحظى بها الحاخامات.