الجمعة، نوفمبر 20، 2009

لماذا يكرهون الإسلام؟

د. فايز أبو شمالة
لا أقصد اليهود؛ فمنطق الحياة على هذه الأرض أن يكره اليهودُ الإسلامَ، وأن يكرهوا العرب الذين حملوا رايته، وهذا يتناسب طردياً مع الصورة النمطية التي رسمها الإسلام لليهود، وإنما أقصد أولئك الفلسطينيين الذين يدينون بالإسلام وفق شهادة المنشأ، ويتكلمون اللغة العربية، ويسكنون بيننا على ما تبقى من أرض فلسطين، ولكنهم يكرهون الإسلام، وكأن الذي اغتصب فلسطين، وأهان الفلسطينيين هم المسلمون، ليصير عداؤهم للإسلام عداءً لكل فلسطيني يجهر بقول لا إله إلا الله، أو يلتقي بموقفه السياسي مع الحركات الإسلامية.
هؤلاء البشر ينتمون إلى توجهات فكرية مستوردة، واتخذوا من الدين الإسلامي عدواً لهم، وإن كانوا لا يتجرؤون على ذكر الإسلام بسوء، ولا يهاجمون المسلمين بشكل ظاهر، فهم يعرفون ردة فعل الشعب الفلسطيني تجاه كل من يمس عقيدتهم، وإنما ينفذون إلى غرضهم من خلال مهاجمة واقع الحياة في غزة، التي اختطفها أهل حماس، وقيدوها من أرجلها، وربطوا يديها خلف ظهرها، وجرجروها من شعرها، ليتواصل ذرف الدمع الزائف على حياة الناس في غزة البائسة. وعليه؛ فهم يصبون حقدهم صباً على حركة حماس، ويحملونها مسئولية الواقع المحاصر، متجاهلين عن عمد دور إسرائيل المجرم في حصار غزة.
. إنهم يسكنون بيننا، ويلطخون وجه غزة زوراً وبهتاناً، ويهاجمون الإسلام الذي غلق عليهم أبواب الرذيلة، وتقدم عليهم بمواقف حركاته التي كشفت عن ضحالة رؤيتهم السياسية، وسبقتهم في المقاومة درجات جعلتهم غير قادرين على المزايدة، وغير قادرين على المجاراة في التضحية، فصارت أسهل طريقة لهم للهجوم على الحركات الإسلامية تمر من بوابة واقع غزة المحاصر، وما يرسمونه من ظلال مشوهة لحياة الناس.
لا أقول ما سبق لأنني أصبحت واعظاً إسلامياً، وصرت خطيب مسجد، وإنما لأنني عربي مسلم أنتمي لهذا الوطن المعطاء، وألتقط بدقة ما تخفيه الأنفس، وما تبديه الأقوال، وأحدق بعين باحث يميز بين الحرف العبري الباطل والحرف العربي المحاصر، ويسخّف عقلي بعض الكتابات التي تهاجم الكاتب، وترتعب مما يكتب، وتهاجم الشخص وتعجز عن صد الفكرة التي آمن فيها، واقتحمت عليهم مخادعهم، ونامتْ في حضن أطفالهم، ونمتْ عشباً أخضر في قلوب أبناء غزة، وتساقط غيمها مطراً على شعب فلسطين العربي.
fshamala@yahoo.com

لماذا يكرهوننا؟

محمد فوزي عبد الحي
يتساءل العرب والمسلمون كعادتهم بقلوب طاهرة لا تعرف الحقد، وأنفس نقية لا تعرف الكراهية، وعقيدة خالصة لا تعرف المواربة، وصراحة حقيقية لا تعرف التقية بل بسذاجة لا تبحث الحقائق .. لماذا يكرهوننا؟ يكرهون حياءنا؟ كرهون عفافنا؟ يكرهون حجابنا؟ يكرهون لحانا؟ يكرهون نقابنا؟ يكرهون إنسانيتنا وتوحيدنا؟ يكرهون تاريخنا؟ يكرهون رسولنا؟ يكرهون ربنا؟
ولكن انظر إليهم في الشوارع، على المقاهي، في الحدائق، في العمل، على الشواطيء، تجارة الجنس والدعارة أربح أنواع التجارات لديهم، أفلامهم وقصصهم وخيالهم الجسدي لا يخرج من محراب العورة وعبادة اللذة، خيال إغريقي مريض جنسي ساقط، ثقافتهم ثقافة الخلع، ثقافة التعري، ثقافة الصفاقة، فلماذا لا نمنعهم من التعري؟ لماذا لا نميز ضد العاريات الخليعات اللاتي يجوبون مدن مصر وشواطئها ويدنسون مساجدها وآثارها؟
على نقيض ذلك، ثقافة الإسلام ثقافتنا ثقافة الستر، والحياء، والخصوصية، والعفاف، فلماذا يريدون منعنا من الحجاب؟ لماذا تسير الفرنسية عارية في شوارع القاهرة؛ بنت الأزهر ومعقل الإسلام؟ ولماذا لا يحق للمسلمة الفرنسة أن تدخل المدارس والمصالح الفرنسية وهي محتشمة شامخة ساترة طاهرة؟؟
لماذا تدخل الأوربية مسجد الحسين عارية؟ لماذا تدخل إلى الجامع الأزهر عارية؟ ولو تحلت بكامل الحياء ترتدي ملاءة خضراء لا تستر إلا القليل منها؟ وفي الحين نفسه تصرّ أوربا على محاربة الحجاب، ويميزون ضد العفيفات الطاهرات في أوربا؟ بل تعلن فرنسا – مهد الدساتير والحريات الأوربية - حربا ضروسا ضد الحجاب؟ أليست هذه ثورة أوربية ضد رموز الإسلام؟ لماذا يدخل العراة إلى مشيخة الأزهر ويضطهد المسلمات المنتقبات؟
لماذا يرون أسلحة وذخبرة وكراهية تحت شعر كل لحية مسلمة ولا يرون بشاعة أفعالهم ملحتين وحليقين؟ لماذا يكرهون الزواج المبكر ويستأجرون فرقا من الشواذ واللوطيين والمائعين والمهرجين ليكتبوا ويشنعوا على الزواج المبكر، بل يمنعون الزواج قبل الثامنة عشرة في حين أنهم يمارسون الجنس في الحادية عشر، ويقرفون منه ليتجهوا نحو السحاق واللواط، ويقرفون منه ليجامعوا الحيوانات والخنازير؟ لمذا يمارسون اللواط والسحاق ويأتون الحيوانات دون رادع؟
لماذا يريدوننا أن نتوقف عن الإنجاب وهم يكافئون كل طفل جديد في دولهم؟
لماذا يدعمون المستبدين ويساندون الدكتاتوريين ويقفون خلف الزعماء الأميين والملوك البصمجية، والأمراء المخنثين؟ لماذا يكرهوننا؟
لماذا يصمتون على اضطهاد الأحرار وقتل الأبرار؟ لماذا لم يعترفوا بحماس التي أتت بصناديق الانتخاب مع أنهم يعترفون ويدعمون اليمين اليهودي المتشدد حتى الجنون والمتعطش للدم مثل مصاصي الدماء؟ اليمين الصهيوني الذي يسرق أرض العرب وينهب ممتلكات العرب، ويهدم بيوت العرب، ويهود مدن وشوارع العرب ويمسخ تاريخ العرب؟ وبلغ حقده حتى الأسماء، يغير أسماء الأبطال ليضع بدلا منها أسماء مجرمي الحرب ومصاصي الدماء وقتلة الأطفال والنساء.
لماذا وأدوا انتخابات الجزائر عندما فاز بها التيار الإسلامي الإصلاحي، لماذا يساندون الملك العضوض في ممالك القهر؟ والرق السافر في جمهوريات الهوان؟ لماذا يدفعوننا للكراهية؟
قدسنا العظيمة، جرحنا الغائر، دموعنا الشاحبة، حزننا الولادي، نزفنا المستمر، لا نجد طبيبا يضمد الجراح، لا نجد زعيما يوقف الدموع، لا نجد بسمة حقيقية في غمار مأساة السقوط؟
ماذا سيكتب التاريخ يا عرب؟ ماذا سيكتب التاريخ؟
سيكتب التاريخ أن زعماءنا العظام وهبونا للصغار، هتكوا عرضنا، أكلوا أرضنا، سرقوا خيرنا، منحوا نفطنا، وسلموا أوراق تاريخنا القديم والحديث لثلة من الأراذل الفجار؟
ولكن التاريخ كما لن يرحم الزعماء الأغرار، كذلك لن يرحم الشعوب الساذجة، لن يرحم القوميات الزائفة، ما حدث بالأمس القريب في السودان وشرائط الردح الوطنية على الإذاعات والمواقع والتلفازات كلها تدل على أن هناك شيئا خفيا نستحق به أن يكرهوننا .. لقد تم مسخ الشخصية العربية المسلمة، لم نعد نستطيع الإقناع، تحولنا إلى مسخ إنساني لا يعرف أولوياته ولا يدافع عن قضاياه ولا يحترم أصالته، وإذا كنا أول الخائنين لقضايانا، والمتنصلين من تاريخنا، والناسين لأولوياتنا، والهادمين لشريعتنا وتراثنا وبنيتنا الحضارية، ألا نستحق أن يكرهوننا؟
faqeeh2life@yahoo.com

لعب فلسطيني في الوقت الضائع

نقولا ناصر

كانت القيادة التفاوضية لمنظمة التحرير الفلسطينية تصدر مؤخرا إشارات توحي في ظاهرها بافتراق عن نهجها السابق، مثل التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لكي يقرر في قضية من قضايا الوضع النهائي المتفق على التفاوض عليها بموجب الاتفاقيات الموقعة بين المفاوض الفلسطيني وبين دولة الاحتلال الإسرائيلي كقضية "الحدود"، ومثل خطة رئس وزراء سلطة الحكم الذاتي في رام الله سلام فياض التي أعلنها في السادس والعشرين من آب / أغسطس الماضي لبناء مؤسسات دولة أمر واقع فلسطينية خلال عامين بمعزل عن المفاوضات وخريطة الطريق واتفاقيات أوسلو، وغير ذلك من المؤشرات التي تدل على التخبط لا على التخطيط، وعلى الاستمرار في النهج الارتجالي السابق المحكوم بردود الفعل لا على افتراق حقيقي عن هذا النهج.

فالمفاوض الفلسطيني لا يمكن أن يكون قد تحول بين ليلة وضحاها من الرهان الكامل على الولايات المتحدة إلى البحث عن سند في المجتمع الدولي، أو انتقل من السعي لإقامة دولة فلسطينية بالاتفاق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى السعي لإقامة دولة فلسطينية بالرغم منها، فهذا المفاوض الذي لم يعتد على التحرك من جانب واحد من قبل لا يمكنه ممارسة قرار فلسطيني مستقل فجأة كرد فعل يائس على خذلان حلفائه وشركائه في "عملية السلام".

فهل المفاوض الفلسطيني يوشك حقا على تغيير نهجه لكي يخاطر بالدخول في مواجهة مع دولة الاحتلال والوسيط الأميركي والمانح الأوروبي و"معسكر السلام" العربي؟ إن مواجهة كهذه ستكون معركة ضارية، تقتضي أن يكون أي تحرك في اتجاهها جزءا من استراتيجية وطنية بديلة لا تشير كل الدلائل إلى وجودها بعد، وتقتضي أن يستند أي تحرك كهذا إلى وحدة وطنية مفقودة حتى الآن، ويقتضي كذلك تحالفات إقليمية ودولية غير تلك التي أسند المفاوض الفلسطيني ظهره إليها لتاريخه، وإلا سيكون هذا الافتراق ظاهريا وخادعا وبالتالي مضللا للرأي العام الوطني الفلسطيني.

لقد سوغت القيادة التفاوضية تحركها باتجاه مجلس الأمن الدولي -- في محاولة تعرف مسبقا بأن الفيتو الأميركي أو البريطاني سوف ينقضها ليحكم عليها بالفشل – لاستصدار قرار جديد بشأن "حل الدولتين" بحجة ملئ الفراغ السياسي الناجم عن وصول "عملية السلام" إلى الطريق المسدود الذي كان متوقعا لها منذ إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، وكما قال رئيسها محمود عباس" هل نبقى دون سلام؟ لهذا السبب أقدمت على هذا التحرك".

وبما أن هذا التحرك في حد ذاته هو إعلان صريح عن فشل "عملية السلام" يبدد أي أمل في أي سلام يمكن أن يتمخض عنها، فإن التفسير الوحيد لهذا التحرك الذي لا يزيد على كونه "لعبا" في الوقت الضائع لعملية السلام إنما يستهدف من ناحية خلق وهم بوجود حركة سياسية لدى الرأي العام الوطني الذي انقشعت عنه كل الأوهام المماثلة -- كون"شركاء السلام" الدوليين لا يمكن أن ينخدعوا بأي وهم كهذا وهم أصحاب براءة اختراع وهم "عملية السلام" نفسها -- ويستهدف من ناحية ثانية تسويغ بقاء هذه القيادة في مواقعها بعد أن أصبح التفاوض هو السبب الوحيد لاستمرارها في هذه المواقع، بالرغم من الفشل الذريع إلي انتهى برنامجها السياسي ونهجها التفاوضي إليه، وهو فشل يستتبع بالضرورة إفساح المجال أمام برنامج وطني جديد تقوده قيادة جديدة.

إن هذه القيادة التي سوغت انفرادها بالقرار الفلسطيني وسوغت تغييبها حتى للمؤسسات التمثيلية التابعة لها، ناهيك عن تغييبها للحركة الوطنية المعارضة لها، ب"الواقعية السياسية" تبدو اليوم نموذجا لانعدام الواقعية السياسية وهي تتحرك في اتجاه معاكس للواقع الدولي والإقليمي الذي يتناقض مع تحركها، لا بل إنه يتناقض مع المرجعية الدولية التي تتكرر الإشارة إليها في الخطاب الرسمي لهذا المفاوض عندما يشير باستمرار إلى قراري مجلس الأمن الدولي رقمي (242) و(338) اللذين ينصان على حدود آمنة يمكن الدفاع عنها ومعترف بها لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

فعلى سبيل المثال، عندما يحذر أحد المهندسين الإسرائيليين لاتفاق أوسلو مثل يوسي بيلين من أن رئيس وزراء دولة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو يسعى إلى تصفية ما تبقى من هذا الاتفاق لخلق "فراغ سياسي" يقود إلى تفكيك السلطة الفلسطينية المنبثقة عنه، ويقول محلل في الجروزالم بوست (لاري ديرفنر) إن نتنياهو منذ تولى السلطة "قد كنس تسع سنوات من التقدم في محادثات السلام"، ثم يخرج رئيس دولة الاحتلال شمعون بيريس ووزير دفاعه ايهود باراك بمشروع يقترحانه على الإدارة الأميركية لإقامة دولة فلسطينية مؤقتة على اقل من نصف مساحة الضفة الغربية المحتلة من نهر الأردن، فإن أي مراقب محايد، ناهيك عن الشعب الفلسطيني، لا يسعه إلا التساؤل عن واقعية أي استمرار فلسطيني في السعي وراء السراب، سواء عبر الأمم المتحدة أم عبر البوابة الأميركية، فتجربة عرب فلسطين مع كلا المعبرين غنية عن البيان.

فقد عارض "الشريك الإسرائيلي" توجه المفاوض الفلسطيني نحو مجلس الأمن كذلك فعل راعي السلام الأميركي والاتحاد الأوروبي، في تأكيد أميركي – أوروبي جديد على أن حدود 1967 ليست هي مرجعة "حل الدولتين"، وبالرغم من إعلان عباس بأن التحرك الفلسطيني نحو مجلس الأمن كان قرارا عربيا للجنة متابعة مبادرة السلام العربية، فإن إعلان مصر بأن التوجه إلى مجلس الأمن "ليس بديلا للمفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل" (حسام زكي الناطق باسم الخارجية المصرية) قد عبر عن الموقف العربي الواقعي الذي ما زال ملتزما بالتفاوض.

بعد إعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة "حل الدولتين" بقرارها رقم (43/177)، وفي سنة 2002 تبنى مجلس الأمن الدولي هذا الحل بقراره رقم (1397) ثم تبنى في العام التالي 2003 "خريطة الطريق" التي تنص على هذا الحل بقراره رقم (1515). فما الجديد الذي سيضيفه أي قرار أممي جديد تسعى قيادة التفاوض إلى استصداره بتحركها الأخير نحو مجلس الأمن الدولي؟ فسر رئيس دائرة شؤون المفاوضات في المنظمة صائب عريقات الهدف من التحرك بانتزاع اعتراف أممي بإضافة "حدود" الرابع من حزيران / يونيو عام 1967 كحد فاصل بين "الدولتين" المقترحتين، ثم بانتزاع اعتراف أممي بأن حل الدولتين هو الحل "الوحيد" للصراع العربي – الإسرائيلي في فلسطين.

ويكشف تفسير عريقات اعترافا صريحا متأخرا جدا وربما بعد فوات الأوان بحقيقة أن قيادة التفاوض الفلسطيني كانت تتفاوض طوال عشرين سنة تقريبا دون أي التزام مقابل من الاحتلال أو من "الرعاة" الأميركان وغيرهم لعملية السلام بأن "حدود عام 1967" هي الأساس لرؤية حل الدولتين، ويكشف خديعة الرأي العام الفلسطيني التي تكررت في كل خطاب رسمي للمفاوض الفلسطيني بان المفاوضات كانت تجري على هذا الأساس -- بالرغم من المعارضة الوطنية الواسعة لهذه الصفقة التي كان هذا المفاوض يسوقها بافتراض تبادل فلسطين 1948 بفلسطين المحتلة عام 1967 -- ليكشف المفاوض اليوم بأن هذا الافتراض لم يكن صحيحا، ولم يكن ملزما، وبأنه يحاول الآن أن يتدارك ذلك بانتزاع اعتراف أممي بأن هذه هي الصفقة فعلا.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com

الكرة.. مفرقة الشعبين.. وهادمة فرحة الأمتين

مريم الراوي
لم أكن أنوي الخوض في هذه الأحداث المؤسفة والتي عايشناها مجبرين، وليت الله لم يمد بأعمارنا لنشاهد شعوبنا تتقاذف الشتائم،وترشق السباب، وتقطع اواصر الإخوة بسبب "كرة"!!.. صحيح إن الرحلة الى المونديال ليست بالهينة، وكأس العالم حتماً مغري، لكن ليس على حساب عروبتنا وإخوتنا.. لذا لم يتبق منذ أن أهانوا عروبتنا سوى أن اوجه كلامي الى كل فرد إنساق خلف طوفان الكره والحقد الأعمى، الى كل من سقط وتهاوى بإسم الوطنية الى مادون مستوى العقل والإنتماء للوطن الأكبر.. الى اولئك الذين حملوا السكاكين،والى من جيشوا إعلامهم كجندي غير مجهول يقود الحرب الخاسرة والفاشلة.. حرب لا منتصر فيها سوى أعداء الأمة، حرب مع الأسف كان الشعب فيها هم السلاح من حيث يدري او لا يدري.. اتوجه الى كل هؤلاء، والى الشعوب العربية أجمع، بنداء، وندائي لايسعى لإستنهاض معاني العروبة في قلوبكم، ولا يأمل بتحقيق هدف عربي شعبي متأخي في مرمى الأعداء والمتأمرين،لكن ندائي ان تقفوا حداداً على أنفسكم لثانية واحدة فقط، لانكم لاتستحقون أكثر من هذه الثانية.. فأي شعب هذا يسعى لدفن اخيه في ام درمان ؟! وأي شعب يتنازل فنانيه عن جائزة فنيه من البلد الشقيق ؟! وأي نوع من الإعلام الذي يتهجم على شعب شقيق واصفاً إياه باقذع الأوصاف وأقحبها؟!
حسناً، وبلا مواربة تعتبر كرة القدم من أكثر الألعاب شعبية في الوطن العربي، بل والعالم أجمع، ولايمكن لأحد أن ينكر هذا، لذا من الطبيعي أن تكون حماسة الجماهير المتابعة للحدث مثارة وعلى أعلى مستويات الترقب، وكذلك من الطبيعي أن يحدث إحتكاك بين جماهير الفريقين، وحتماً كل شعب يتمنى فوز فريقه. وهذا الكلام لاغبار عليه، لكن الأحداث الأخيرة كانت قد برهنت أشياء أخرى تتعدى كرة القدم، ان الشارع العربي متتبع ممتاز للأخبار فأي شتيمة تكتب او تقرأ او تسمع يتم تداولها وأي برنامج وخبر يبث يتم نقده وتحليله..هذه كانت اولى الملاحظات وثانيها، ان الشعب العربي له صوت أعلى من صوت بنادق الجنود وهي موجهه صوب رؤوسهم وصدورهم، وثالث الملاحظات: ان الحكومات كانت في محل ظن شعوبها، ولم تبخل عليهم بالطائرات والتذاكر المجانية..اما رابع الملاحظات فهو الأخطر والأهم: حيث ظهر الإعلام العربي كسلاح دمار شامل وفتاك.. يمكن له إن وجه صوب هدف معين أن يصيب وبدقة متناهية،محاطاً بلفيف من الجنود المجهولين والغير مجهولين.
ومن الملاحظات أعلاه، يحق لنا وبصفتنا جزء من هذه الشعوب الثائرة أن نتسأل ببراءة: الم تسمع هذه الجماهير التي خرجت عن بكره ابيها وجدها بخبر سماح قطر للمنتخب الإسرائيلي باللعب على أراضيها؟! لماذا لم تخرج جحافل الجماهير استنكاراً لهذا الخبر؟! لماذا لم تجيش الإذاعات والمواقع الألكترونية والصحف والمجلات والصحفيين الثوار امكانياتهم ومواهبهم الخلاقة المبدعة في إصدار شعارات وكتابة مقالات وخروج مظاهرات ضد قطر؟! هل الصمت جاء نتيجة إعتبار اسراائيل دولة صديقة تربطهم بها روابط تأريخية وجغرافية لذا فإن روابط الإخوة والإحترام تحتم عليهم السكوت وانتعال الروح الرياضية مساراً وطريقاً مع الشعب الشقيق؟!
بعد رؤيتي لأفواج الأحرار والمؤلفة قلوبهم على "الكرة" تسألت وببراءة مرة أخرى:أين كانوا حينما كان يقصف العراق؟! اينهم من حصار دام 15 سنة؟؟ اينهم من ملجأ العامرية، وإحتلال العراق وابو غريب وبوكا وسجن سوسه؟! أين هذه الأصوات كانت مخبأه والعراق يسقط نخيله كل يوم، ويأن أمام عدسات المصورين، وتنقل أخباره وأشلائه ودمائه واوجاعه على الملأ دون أن يرتد صدى لصوت واحد منهم؟! وأينهم من فلسطين؟ وغزة؟! أين نحن من محمد الدرة؟!أينهم من صرخات الطفلة "هدى غاليه" وهي تستصرخ وتستغيث لإنقاذ والدها وعائلتها الذين تمزقوا امام أعينها وأمامنا نحن؟! أينهم من العدوان الأخير على غزة، وبقايا أحبائنا و أهلنا منثورة كحبات الزيتون على أرض ماارتوت سوى بالدماء؟! أينكم أيها العرب من الأقصى من القدس؟! أين انتم من نداءات الشيخ رائد صلاح،وهو يبحث عن بعض من وطن الذاكرة المتقدة؟!
في القدس هناك وفي بغداد هنا وفي السودان وفي الصومال وفي كل ارجاء الوطن العربي، إخوة كانوا بإنتظاركم، وبالأمس فقط شاهدوكم غير مكبلين غير آبهيين بالقيود، فبماذا الآن تبررون صمتكم؟!
أما الحكومات العربية التي ناضلت وجاهدت في سبيل ايصال الجماهير العطشى للحرية والنصر، فإني أشكرهم جزيل الشكر لأنهم لم يخيبوا ظني بهم، وكم كنت سعيدة وهم يرسلون عشاق الوطن ليساندوا فريقهم وإنتزاع النصر من فم القدر..
ياااااااه كم رخيصه شعوبنا وهي تشترى بثمن بخس، وكم ذكية هي حكوماتنا وهي تعزف على وتر الوطنية!!
بل كأن القضية الفلسطينية والقضية العراقية وكلا الشعبين وباقي الشعوب التي تأن الآن من هجمات الغرباء سواء في اليمن او بقية الدول التي يتوارى بها الغريب تحت عباءة التقيه، ليسوا دولاً عربية تستحق التضحية وارسال الجيوش الباسلة لتحريرها!!!
أما الإعلام العربي فحدث ولاحرج، وسؤال ليس برئ هذه المرة لكن سؤال يحتاج فعلاً لتوضيح وبيان، أي نوع من الإعلام والصحافة التي تشبه شعب غزة ب"الفئران"؟! و" حدة" هي أحد الأمثلة السيئة لهذا الإعلام المندس والموجهه. فحين لايتم محاسبة الإعلامية المبجلة على وصف "فئران" لشعب ضحى ويضحى من أجل العرب،فماذا نفهم؟!و حين يطلب منها الإعتذار تكتب سطرين "اعتقدت ان ماأذيع كان لفلسطيني غزاوي، ومادام أن الأمر غير ذلك فأرجو من الغزاويين قبول إعتذاري" ياسلام سلم، اول مرة اسمع كلمة "غزاوي" تطرح وكأنهم فئة ضالة من الشعب الفلسطيني، والأدهى انها "حدة" تعتبر إعلامية، وإحدى أهم صفات الإعلامي ان يكون محايد لامتعصب لجهة ما، وعليه ان يكون موضوعي ومنطقي، بمعنى وإن كان المواطن من أهل غزة فلماذا التعميم؟؟ فرد مثله مثل ذلك الذي بات يصرخ في العراء سأذبحهم، فهل نعمم وحشية هذا الفرد على باقي الشعب الجزائري؟! ام نصف المصريين جميعاً بغير المهذبين ان أخطأء شخص او شخصين في حق شقيقه الجزائري؟! لتكوني إعلامية عليك أن لاتنجري خلف نعيق التعصب والعنصرية..هذا وأتسأل للمرة الثانية عن معنى هذه "فلسطيني غزاوي"، هل يفرق عن الفلسطيني الضفاوي؟؟
ياليتها صمتت ولم تعتذر لإن إعتذارها فيه من الإهانة أكثر من وصف الفلسطينيين بال"فئران"..
هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى، نرى الشبكة العنكبوتية والبرامج التلفزيونية تضج بمدعي العروبة والإنتماء ، وبإسم الكرامة تنتهك كل معايير الإخوة، ويلقى بالموضوعية والروح الرياضية الى الجحيم.. ولماذا كل هذا ياهذا من أجل "كرررررة"!!!! هذا يشجب وذاك يدين، والإعلامي عمروأديب "مع ان هذه الكلمة بدأت تفقد مصداقيتها وهيبتها لأن كل من هب ودب بات يحملها" عودة على "الإعلامي" صاحب الطلة البهية الذي لم يكف عن الردح لاقبل ولااثناء ولابعد المباراة وكأنه في حالة حرب واما منتصر او خاسر؟!! ولاادري اين الخسارة والفريقين هم من ابناء الأمة العربية؟! أي نوع من الإعلاميين هذا وسواه وهو لايحترم كونه عربي ومصري؟!
و في الوقت الذي علينا نحنا كعرب ان نشعر بالفخر لوصول فريقيين عربيين لهذه المرحلة مع يقيننا بصعود العرب الى المونديال بأحد الفريقين، وعوضاً عن الوحدة في أبسط أشكالها وإن كانت وحدة رياضية"كروية"، ولقاء ودي يتسم بالإحترام والإخوة وفرحة مشتركه، إصطدمنا بجدار فصل عنصري مكتوب عليه بالفونت العريض" نحنا لعروبتنا بالمرصاد"..
ومبرووووك إسرائيل

ليفتي الولي الفقيه لنفسه

السيد محمد علي الحسيني

لم يکن نظام ولاية الفقيه الغريب اساسا على الفقه والفکر الاسلامي يهمه شئ مثلما يهمه بث روح الفرقة والاختلاف بين الامة الاسلامية من جهة وبين أبناء الطائفة الشيعية نفسها.

نظام ولاية الفقيه الذي سبب منذ بداية نشوئه الکثير من القلاقل والفتن والمشاکل والازمات في مختلف بقاع العالم، وکان کنظرية فکرية مبعث جدل وإختلاف ليس بين أبناء الامة الاسلامية برمتها وانما حتى بين أبناء الطائفة الشيعية ذاتها، لم يأل جهدا من أجل إسباغ هالة خاصة على نفسه بحيث تجعله يبدو مميزا عن غيره من المباني والافکار والقيم الاسلامية وحاول ويحاول من خلال ذلك إظهار مواقفه وطروحاته بأنها تمثل الاسلام (المحمدي الاصيل)کما يحلو له ان يطلق عليها وفي نفس الوقت يلمح وبطريقة خبيثة الى ان الطروحات الاسلامية الاخرى بإختلاف مشاربها بعيدة عن الاسلام الحقيقي وهو يريد من وراء ذلك دفع الامة الاسلامية للتشکيك بفقهائها ومراجعها العظام ولفت الانظار إليهم لوحدهم.

لقد سعى نظام ولاية الفقيه لأکثر من مرة وعلى أکثر من صعيد لإصدار فتاوى وإعلان مواقف متباينة مع تلك التي تتبناها أکثرية الامة الاسلامية وعقد العزم على إلتزام نهج يثير المتاعب والازمات ويشعل الفتن ونار الحروب هنا وهناك من أجل ضمان بقائه لفترة أطول في سدة الحکم ولاريب ان هذا النظام وبعد الرفض الشعبي الايراني الکبير له عقب تلك الانتخابات المشوهة للرئاسة سيلجئ للمزيد من الاعتماد على نهج التدخل الخارجي من أجل إشغال الرأي العام الايراني بقضايا بعيدة عن واقع أزماته وحياته المعيشية البالغة الصعوبة ونعتقد نحن في المجلس الاسلامي العربي ان النظام الايراني سيلجئ الى إثارة المزيد من الفتن والازمات هنا وهناك ليشاغل الامة الاسلامية ويدفعها بعيدا عن أهدافها الاصيلة والنبيلة وان الفتوى التي أصدرها الولي الفقيه الايراني بإعتبار الاول من ذي الحجة يصادف الخميس لم تأت إلا بعد ان أعلنت المملکة العربية السعودية والکثير من المراجع الشيعية ونحن في المجلس الاسلامي العربي ان يوم الاول من ذي الحجة يوم الاربعاء وبناءا على ذلك سيصادف إختلاف في تحديد اليوم الاول من عيد الاضحى المبارك حيث يکون بالنسبة لرأي أغلبية أبناء الامة الاسلامية يوم الجمعة فيما سيکون بالنسبة لنظام ولاية الفقيه يوم السبت وان هدف هذا النظام من وراء ذلك هو إجراء بدعته بجعل شعيرة الحج مناسبة سياسية لأهداف بعيدة عن الاسلام وروحه يوم الجمعة أي اول أيام العيد وهو تصرف في منتهى الخباثة و اللؤم ولايکن أي نوع من الاحترام والتوقير لرأي الاغلبية من الامة وبناءا على ذلك ندعو کمجلس اسلامي عربي الى عدم الاخذ بفتوى الولي الفقيه بهذا الخصوص واعتبارها فتوى خاصة به لوحده دون أبناء الامة الاسلامية واننا ندعو الامة الاسلامية بشکل عام والشيعة منها بشکل خاص الى أخذ جانب الحيطة والحذر وان يکونوا يقظين من خطط واحابيل هذا النظام ولا يرکنوا إليه بأي شکل من الاشکال وتحت أية تسمية من المسميات والعناوين وان يد الله مع الجماعة والفرقة والتشتت هي من أعمال والاعيب الشيطان واننا في المجلس الاسلامي العربي نحث أبناء الامة ان يلتزموا بکل مايصدر من جانب فقهائهم ومراجعهم الرشيدة بعيدا عن تأثيرات ودسائس وفتن نظام ولاية الفقيه وکل من تبعه واننا واثقون من أن المستقبل سيکون بعون الله سبحانه وتعالى للجماعة وان هذه الفرقة الضالة المضلة ستنتهي کأية سحابة صيف.

*الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان.

alsayedalhusseii@hotmail.com



الخميس، نوفمبر 19، 2009

ذكريات.. العمر اللي فات: اولا في مصر 7

انطوني ولسن

(ذكريات.. العمر اللي فات، هي محطة استراحة فكرية، انزل فيها من قطار الحاضر محاولاً الاسترخاء والتجوال في شوارع وحارات ومدن وحدائق حياتي.. اثناء تجوالي أحكي للقاريء حكاية من هنا او من هناك، اربطها بحكاية اخرى او حكايات، ان اقتضي الامر العودة الى قطار الحاضر. سأفعل ذلك لاستمرارية التفاعل مع الحاضر، الذي سيصبح يوماً.. ذكريات العمر اللي فات).

دعونا الآن نكمل الحكاية..

... ذهبت الى أركان الحرب وطلبت منه ضرورة مقابلة المدير قبل ان اوقع بالعلم على قرار نقلي، سُمح لي بذلك.

سألت المدير عن سبب نقلي.. هل هو تقصير مني في عملي؟ أم هو تأديب لي؟ وقف هاشا باشا وهو يقول لي لا هذا ولا ذاك. الامر في منتهى البساطة، مكتب بطاقات مركز قنا في حالة يرثى لها من الفوضى، وليس عندي افضل منك لتنظيم العمل، بعدها ستعود الى مكانك بيننا في المصلحة. خذ ما تريد من ايام لاعداد نفسك للسفر، ولن تحسب عليك لا من الاجازات العارضة ولا السنوية ولا المرضية. المهم ان تسافر وتصلح لي مكتب قنا وتعود. سألته ايضاً ألم يكن من الممكن ان ترسلني منتدبا عن المصلحة لمدة 3 شهور اعرف فيها انني عائد بعد انتهاء المدة المحددة واتقاضى اجرا اضافيا لذلك. زد على ذلك كما تعلم سيادتك انني ملتحق بمدرسة الخدمة الاجتماعية والدراسة فيها مسائية وتحسب للطلبة نسبة حضور وغياب.

اجابني وهو يبتسم.. بشرفي بعد ثلاثة شهور ستعود الينا والى مكتبك وعملك بالمصلحة.

مضت اكثر من ثلاث سنوات وانا في قنا. وتم رفدي من مدرسة الخدمة الاجتماعية لعدم الحضور.. وتحطم حلمي الذي ضحيت من اجله بكلية الحقوق جامعة القاهرة.

على الرغم من الحياة الجديدة التي عشتها في قنا والتجارب والخبرات التي تعلمتها. إلا ان القاهرة هي القاهرة.. والفضل يرجع الى وكيل عام المصلحة اللواء محمود أنور حبيب الذي منح احد الموظفين الجدد والمعينين بعقد غير مثبت بالوزارة، اقول منحه الدرجة التاسعة بعد ان قدم طلبا للعمل بقنا بدلا مني. لولاه ما كنت رأيت القاهرة إلا اذا قدمت استقالتي. على الرغم ان كل مرة كان يراني سيادة المدير يقسم لي بشرفه ان اسمي سيكون على قائمة حركة التنقلات التي ستصدر قريبا.

يتغير مجرى حياة الانسان بجرة قلم يخطها رئيسه، تنقلب الامور رأسا على عقب وتؤثر في حياة الموظف البسيط الذي لاحول له ولا قوة اذا كانت لديه الشجاعة في الوقوف امام ظلم وتحكم رؤسائه.

ظننا نحن طليعة شباب الثورة، ان ما كانت تنادي به من مبادئ شيء حقيقي. كنا نؤمن بكل شعار نادت به الثورة. وضعنا نصب أعيننا قدسية العمل فوق كل اعتبار. لان العمل الجاد والمخلص هو الطريق الوحيد لرفعة الدول والشعوب.

لكن مع الأسف تغيرت وجوه وجاءت وجوه جديدة ولم يهتم احد بالشعب وبسطاء الناس. بل كان جل همهم الاستمرارية في الحكم وتولي شؤون البلاد وخلقوا حولهم مجموعات بشرية ظلما اكثر من ظلم السابقين. هكذا بدأت اشعر بطعم مرارة الكأس. شاب في مقتبل حياته العملية.. طموحاته في خدمة بلده لا حدَ لهاً. يعمل بكل طاقاته من اجل وطنه. يدافع عن زملائه فيحكم عليه بالنفي الى قنا. لم اركب قطارا قبل ذلك.. غير مرة واحدة، فقد كنا اول مدرسة «مدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا» أرسلتها وزارة التربية والتعليم برحلة الى الاقصر واسوان عام 1955. انسان ما زالت اسرته في حاجة شديدة الى ما يتقضاه، فكيف يستطيع ان يوفق بين معيشته في قنا ومساعدة العائلة!. زد على ذلك لا اعرف من شؤون الطبخ او عمل البيت شيئا وهاءنذا اواجه الغربة وحدي. لا قريب لنا في قنا ولا صديق، ولا اعرف ما يخبئه لي القدر هناك.

ان نسيت، فلن انسى الليلة التي سبقت سفري الى قنا. امي (رحمها الله) في المطبخ تعد لنا طعام العشاء، دموعها الغزيرة المنهمرة، التي حاولت كثيرا اخفاءها عني، كانت بمثابة احماض كاوية تكوي قلبي وفؤادي ووجداني. بدأت اشعر بان الذنب ذنبي انا في تعذيبها، لكنه المكتوب يا ولدي.. لا لوم عليك يا ولدي.. لا تجعل من ظلم الانسان اداة تحطيم لما انت مؤمن ومقتنع بكل ما تفعله. في الغربة اجعل من بيتك ملجأ وملاذا لكل المغتربين امثالك. لا تظلم احدا يا ولدي، بل كن خادما للناس، يكونون لك اخوة واصدقاء، لا تخشى احد، الرب معك ويحافظ عليك ويمدك بالقوة والحكمة.. اذهب مع والدك واخوتك ، والعشاء دقائق يكون جاهزا.

اسمع صوتها في اذني وهي تحدثني هكذا عندما احتضنتها في المطبخ ومسحت بيدي دموعها.

حدث ايضا في تلك الليلة اننا كنا نستمع الى المذياع وغنى فريد الاطرش اغنية «سافر مع السلامة».. وأصبحت هذه الأغنية تلازمني في اي وقت اكون فيه في القاهرة وموعد عودتي الى قنا في اليوم التالي، نستمع الى فريد الاطرش واغنية «سافر مع السلامة.. ترجع لنا بالسلامة».

ركبت قطار رقم 88 المتجه الى اسوان والذي تحرك من (محطة مصر) في تمام الساعة الثامنة مساء. معي خطاب الى احد الموظفين بمكتب بطاقات بندر قنا.كتب الخطاب زميل في المصلحة يعرف ذلك الموظف . الخطاب كله مدح في كزميل، ويطلب من الزميل القناوي الاهتمام بي.

لم أذق طعم النوم او الراحة في القطار وأنا احاول ان ارسم صورة في خيالي عن قنا والعمل مع الناس في مكاتب البطاقات، منذ ان عينت وأنا اعمل في داخل المصلحة. كنت اذهب الى المكاتب في القاهرة فقط لخدمة الاقارب والاصدقاء ومساعدتهم في الحصول على بطاقاتهم الشخصية.

انا اصولي صعيدية، أبي من «كوم غريب» مركز طما محافظة سوهاج. وامي من «سوهاج» هاجرت امي مع اسرتها الى القاهرة ولم تتعد الرابعة من عمرها، هاجر أبي وعمره 18 عاما، نزل عند زوج خالته (جدي والد امي) للعمل في مصر (القاهرة)، تزوج امي التي ظلت تتكلم باللسان الصعيدي . ولدنا جميعا في القاهرة، لكن القدرة على التحدث باللهجة الصعيدية كنت اتقنها اكثر من اخوتي واخواتي.

قالوا الكثير عن الصعيد وأهل الصعيد.. فيه ما يخيف، وفيه ما يريح، كنت اتطلع الى التعامل معهم والاحتكاك بأكبر عدد من الناس، لأعرف حقيقة أهل الصعيد وقنا في الصعيد (الجواني). اي انها المحافظة قبل الاخيرة.

يبدا الصعيد بمحافظة الجيزة، الى الجنوب الغربي محافظة الفيوم، ثم العودة الى الجنوب محافظة بني سويف ثم المنيا، ثم اسيوط وسوهاج وقنا بعد سوهاج. تعتبر قنا اطول المحافظات. تبدأ بمركز «ابو طشت»، وآخر قرية على الحدود بينها وبين اسوان المحافظة التي تليها جنوبا، قرية «ابو حلة" التابعة لمركز اسنا.

بدأت شمس الصباح في البزوغ وانا في القطار. أبادت ضباب الفجر وأظهرت عنفوانها وقسوة حرارتها. بدأ خيالي يرسم لي صور الذين سألقاهم. بل بدأت أعد الحوار الذي قد يدور بيني وبين زملائي والمفتش رئيسي هناك. وسط هذا الخضم الكثيف الثقيل المليء بالصور والحوارات التي صورها لي خيالي، اتخذت قرارا واحدا قلت فيه لنفسي ما الذي سيكون ، علي ان اواجهه. اوقفت كل الهواجس والافكار الجميل منها والمخيف. يجب ان اتعامل مع كل موقف حسب ما سأواجهه دون فكر محدد من الآن قد يختلف مع واقع المواجهة والظرف والزمن ومن سأواجه.

وقف القطار عند محطة مدينة قنا عاصمة محافظة (قنا)، بعد السادسة صباحا بقليل. نزلت من القطار حاملا حقيبتي، اسرع الي احد (الشيالين) فحمل عني الحقيبة وسألني الى أين انا متجه. قلت له الى مركز شرطة قنا.. نظر الي في خبث واستفسر عن سبب ذهابي الى مركز الشرطة، اخبرته بأنني سأتسلم عملي هناك، فأنا رئيس مكتب بطاقات مركز قنا.. (لقب كبير على شاب لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره). فرح الرجل واخذني الى حيث عربات (الحنطور)، وضع الحقيبة فوق العربة وقال للرجل «وصل البيه لمركز جنا «قنا» حضرته رئيس مكتب بطاجات جنا».. أخرجت من جيبي «قرشين» واعطيتهما له، أخذهما بعد الحاح شديد لأنه رفض اخد اجر مني.

تمخطر الحصان وهو يجر عربة «الحنطور» في شارع قنا الرئيسي وانا ما بين الرغبة في متابعة يقظة المدينة في الصباح الباكر، وبين محاولة اللجوء الى الهدوء النفسي المصطنع الذي كان علي ان اعيشه في تلك الفترة الزمنية.

وصلت الى مركز شرطة قنا.. حمل عني الرجل الحقيبة.. قابلني احد جنود الشرطة مؤديا لي التحية العسكرية.. رددت عليه التحية.. حمل الحقيبة وسألني عن وجهتي.. قلت له أريد أن اعرف اين مكتب بطاقات مركز قنا. تراخي قليلا من عسكريته. لقد ظن انني ضابط شرطة. استمر في حمل الحقيبة الى حيث يوجد المكتب والذي كان بالطبع مغلقا.

لم تمض دقائق واذ بالساعي عسران يأتي الي مهرولاً مرحباً بالاحضان والقبلات.. وكانت اول مفاجئة لي. فعسران هو الساعي نفسه الذي وقع عليه المدير جزاء حسم 3 أيام عندما وجد «غبرة» على الحائط. سألته عن الزميل الذي احمل له خطابا. اخذني الى مبنى المديرية بعد ان صعدت كل هذا الدرج. اذ برجل قصير القامة متجهم الوجه يأخذني اليه عسران ويقدمني له. لم يرحب بي، ولم تبدوعليه ظاهرة ترحيب او شعور بانسان غريب قادم اليه. أخرجت الخطاب الذي معي والحامل اسمه. اخذ مني الخطاب ببرود شديد جدا. فتح الخطاب.. قرأه.. وضعه في جيبه ونزل الدرج دون ان يلتفت اليّ.

اخذني عسران الى حيث يوجد مكتب المفتش وجدت البلوك امين فتحي الذي نهض فرحا وسلم عليّ بحرارة واشتياق واخبرني انه لا المفتش ولا السكرتير قد حضرا الى العمل بعد. فعدنا الى المكتب، فوجئت هناك ان هذا الانسان يشغل الحجرة نفسها التي فيها مكتبي. فهو مسؤول عن البندر وانا مسؤول عن المركز، بدأت عملي مهملا وجوده.

انهمكت في العمل.. بعد فترة سمعت صوتا ينادي.. استاذ الفونس.. استاذ الفونس.. تعجبت من يكون استاذ الفونس هذا. التفت الى مصدر الصوت ووجدت المفتش وكان مدنيا، وكنت قد قمت بتدريبه في المصلحة على العديد من امور العمل. وكان معه سكرتيره الذي تدخل لحل اللغز المحير وهمس في اذن المفتش بصوت مسموع.. ليس هو الشخص الذي ظنناه قادما من القاهرة.

عرفت بعد ذلك ان قرار نقلي الى مكتب «ارمنت الحيط"، كان معدا وموقعا عليه لتنفيذه ساعة وصولي الى قنا.

(يتبع)

سجين وحاجز

د. فايز أبو شمالة
يكاد يكون السيد عباس قد حدد الأسباب التي من أجلها يعتزم اعتزال العمل السياسي، ومنها؛ إحراج كل أولئك الذي اتكؤوا عليه في مواصلة تهدئة الساحة الفلسطينية، وإلهائها بمفاوضات عبثية، وراح يربط بين التهديد بعدم ترشيح نفسه لانتخابات رئاسية مؤجلة، وبين غضبه من التشدد الإسرائيلي، وعتبه على اللامبالاة الأمريكية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، ولاسيما أن أمريكا هي صاحبة قدرة الضغط على إسرائيل وفق رأي السيد عباس الذي ساق في حديثه لفضائية المصري دليلين صغيرين على التشدد الإسرائيلي؛ الأول: أن إسرائيل لم تفرج عن سجين فلسطيني واحد، والثاني: أنها لم ترفع حاجزاً عن طرق الضفة الغربية.
حتى هذه اللحظة لم يأت تهديد السيد عباس بأي نتيجة، رغم أن الإسرائيليين يجمعون على اختلاف أحزابهم على أمرين؛ الأول: عدم جواز وقف المفاوضات مع الفلسطينيين، والتحذير من خطر تجميدها، وقد جاء حديث "تسفي لفني" زعيمة حزب كاديما في هذا الشأن، وحضها السيد عباس على مواصلة المفاوضات منسجماً مع التوجه العام للسياسة الإسرائيلية، والثاني: عدم التفريط بالسيد عباس، واعتراف الجميع أن غياب الرجل خسارة كبيرة لإسرائيل، وغياب السلطة الفلسطينية أقرب إلى جريمة بحق الأمن الإسرائيلي، وخراب بيت للمشروع الصهيوني، وعليهم أن يحرصوا على السلطة الفلسطينية إلى الحد الذي ذهب فيه موقع "دبيكا" العبري إلى القول: أن هنالك ثماني كتائب فلسطينية في طريقها للتدريب على يد الجنرال الأمريكي "كيت دايتون" سيقر الكونجرس الأمريكي تكلفتها المالية بمقدار 131مليون دولار، وأن هذه الكتائب سينفرط عقدها إذا نفذ السيد عباس تهديده.
يبدو أن السيد عباس يدرك ذلك، ويدرك تأثيره وهو يهدد بالاعتزال، ولم يستبعد في كلمته لفضائية المصري فكرة تبادل الأراضي بالقيمة وبالمساحة ذاتها، وإن أبدى ضيقاً لعدم الاستجابة لأدني مطالبه المتمثلة بإطلاق سراح أسرى، ورفع حواجز، فهل معنى ذلك أن السيد عباس يبقى الأبواب مفتوحة لعودته عن قراره بوقف المفاوضات، إذا استجابت الحكومة الإسرائيلية إلى طلباته الحياتية فقط، وتم إطلاق سراح عدة ألاف من الأسرى الفلسطينيين ذوي الأحكام القصيرة، وأقدمت إسرائيل على رفع عشرات الحواجز الثانوية، وأزالت بعض البيوت الاستيطانية المنعزلة، ولو بشكل إعلامي؟ وهل ستقوم الحكومة الإسرائيلية بمثل هذه الخطوات كي تنقذ المفاوضات، أم أن حسابات "نتانياهو" السياسية أبعد مدى من إجراء مفاوضات عبثية؟
هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.
fshamala@yahoo.com

قاتل الله "الكرة".. كم تفرق بين الأشقاء

علي عبدالعال

لكم الله يا أهل غزة... رأيناكم تذبحون ولم نتحرك، ونراكم محاصرون ولن نتحرك، لك الله يا قدس كم طال بك الأسر ولم نتحرك، لك الله يا أقصى كم دنسك اليهود ولم نتحرك، لك الله يا عراق، ويا أفغانستان، ويا صومال، ويا كشمير، ويا شيشان، ويا باكستان، وتركستان، ويا فطاني، ويا بوسنة، كم رأيناكم ونراكم في الأسر ولم نتحرك... يكفي الأمة أنها هبت لنصرة مقاتليها في ساحة الساحرة المستديرة، قامت ولم تقعد من أجل مباراة لكرة القدم.

ترى كيف ينظر المستضعفون إلينا، وقد كنا أعجز ما نكون عن نصرتهم وما زلنا، كيف يشعرون تجاهنا ونحن نبذل الغالي والنفيس من أجل نيل اللقب، ونحن نتقاتل من أجل الكرة، مع الاعتذار لكتائب المهووسين... إإلى هذا الحد وصل الحال بالأمة، تُجيش الطاقات خلف نصر موهوم، كالسراب لا يكاد يبدو حتى يتلاشى، ولم تكتف بكل هذه الأموال المهدرة والطاقات التي وظفتها في لاشيء والأوقات التي ضيعتها سدى، حتى شرع بعضها يستعدي بعضا.

قاتل الله الكرة وقاتل مهووسوها، كم تفرق بين الأشقاء، وكم تجيش النفوس وتتسبب في العداء... ظننت أنهم يتحدثون عن إسرائيل لا عن الجزائر الشقيق، لم يبق إلا أن يطالبوا بإعلان الحرب ردا على ما تعرض له المشجعون المصريون في السودان، هكذا بدى لعدد من الإعلاميين المصريين وهم يعلقون على ما جرى بعد إنتهاء المباراة الموعودة، حتى طالب رئيس تحرير صحيفة (مستقلة) بمعاقبة كل الجزائر على ما جرى.

لا يمكن لأحد أن يقبل بما جرى في السودان من بلطجة واعتداء وتحرش بالمشجعين المصريين على أيدي الأخوة الجزائريين، والحال نفسه بالنسبة للمصريين المقيمين في الجزائر، أو أي إهانة يمكن أن توجه لجزائري مقيم في مصر، أو بما يجري على شاشات التلفزة وصفحات الصحف من شتائم ومهاترات من الجانبين.. لكن ليس معنى حدوث مثل هذه التجاوزات أن يستعذب هذا الاستعداء المفزع بين الشعبين وهذا التجييش الإعلامي غير المسؤول والمشين.

تعددت المطالب من طرد السفير الجزائري وطرد الجزائريين المقيمين في مصر حتى وقف الاستثمارات المصرية هناك وسحب الشركات، وقد وجد الإعلام في المسألة مساحات من الترويج ينبغي له استثمارها فلم يقصر في صب الزيت على النار.

الأنظمة الحاكمة هي الأخرى لم تفوت الفرصة، في كلا البلدين، فبينما وجد نجلا رئيس الجمهورية الشقيقين جمال وعلاء مبارك في المسألة وسيلة مناسبة لإظهار التعاطف مع المشجعين الذين ذهبوا إلى السودان دون أدنى استعداد حكومي، لم يفوت نظام بوتفليقة المناسبة لإظهاره السعادة والحفاوة بالاعبين في هذا الجو الذي يتابعهم فيها شعب الجزائر من أقصاها إلى أقصاها، بوتفليقة أرسل ساعده الأيمن عبدالعزيز بلخادم لاستقبال العائدين من السودان في المطار، ولم يكتف بذلك بل أعلن الخميس ـ يوم الاستقبال ـ إجازة قومية مدفوعة الأجر حتى يتسنى للشعب أن يحتفل بفريقه المتوج بالنصر... أراني مقتنع تماما بكل ما يقال حول فوائد يجنيها حكام القهر من مثل هذه الأحداث، ولما لا هم ضالعون في كل ما يجري وأجهزتهم الإعلامية لاعب رئيسي في معركة الفتنة.

منذ اللحظة الأولى التي شرع فيها المتقاتلون (أقصد الغوغاء من الجانبين) يتوعدون بعضهم البعض كان الخلل في اهتمامات الأمة وأولوياتها واضحا، فالأمة التي لم تحرك ساكنا عندما اقتحم اليهود المسجد الأقصى ها هي تتقاتل على مباراة لكرة القدم، الأمة التي يرتع على ترابها المحتل الأجنبي من مشرقها إلى مغربها يشحذ الأشقاء فيها الهمم للتقاتل على الكرة من أجل الوصول لمونديال كأس العالم... هذا الخلل كافيا لأن يتحرك له عقلاء الأمة فيتداركون ما يجري بين أبنائها، هناك قضايا تكاد تعصف بمستقبل الأجيال هي أحوج لهذه الطاقات: ثغور محتلة، وعدو متربص، وأستبداد جاسم على الصدور، وحرمات منتهكة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علي عبدالعال
صحفي مصري
Ali Abdelaal
Egyptian journalist
0020126656895

لا يا صحيفة الفجر الجزائرية .... أبناء غزة ليسوا فئران

سامي الأخرس
صدفة وأنا أطالع الصحف العربية لفت نظري خبر على صدر صحيفة" الفجر الجزائرية" خبر بعنوان" حتى أنت يا غزة" لصحفية تدعى" حدة حزام" يدعى أن أحد الإذاعات المحلية أكالت السب والشتائم للجزائر بعد أحداث المباراة الأولى بين مصر والجزائر يوم السبت الموافق14/11/2009م والذي جاء بلغة مستفزة تشبه الفلسطيني عامة وأبناء غزة بالفئران، وتتهم اتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة، ولكن يبدو أن تسييس الرياضة قد أصاب بالعدوى الكثير من حملة الأقلام المسمومة، فتحولت لغتهم للغة هذيان وخزعبلات، تريد استمرار مسلسل الانقسام العربي الذي يريدون نقله للرأي العام الشعبي، والزج به في دائرة الانقسام الرسمي. وهنا لست بصدد الرد على كاتبة الخبر شخصياً أو على الصحيفة، ولكنني بصدد إيضاح الحقيقة من وجهة نظر شخصية تعبر عن صدمتنا العربية من استمرار الأحداث المؤسفة بين بلدين عربيين بحجم مصر والجزائر لأجل مباراة كرة قدم مدتها تسعون دقيقة، انتهت بفوز المنتخب الجزائري وصعوده لكأس العالم والذي سنشجعه بكل قوة وتعصب وحب، ونعتز به لأنه منتخب عربي لا نحتاج أحداًَ أن يعلمنا واجباتنا العربية، ويستغل فشله الفكري ومرضه النفسي ليزج بأبناء غزة في معركة وهمية.
فنحن تابعنا كجميع العرب المباراة بين بلدين عربيين لهما في القلب حباً لا يضاهى فالجزائر حاضنة ثورتنا الفلسطينية، وهي جزائر جميلة بوحريد، وجزائر إعلان الاستقلال، وجزائر التي ساوت بين الفلسطيني والجزائري، وما يربطنا بالجزائر دماء ممزوجة بالعز والافتخار، والتوحد. وما ينطبق على الجزائر ينطبق على مصر وجميع بلدان الوطن العربي.
فما ذكرته هذه الصحفية لا يصيب عشقنا للجزائر واعترافنا بالعرفان والحب للجزائر، وليس من باب الرد على خزعبلات هذه الصحفية، التي أعمى التعصب قلبها فأصبحت هائجة لا تفرق بين الخير والشر، وربما لشيء بنفس يعقوب.
فنحن لسنا فئران، ولا يوجد بيننا من دمائه يهودية أو تسري بعروقه دماء يهودية، بل إننا شعب عربي أصيل، يقاتل لفك حصاره الذي فرض عليه بتخاذل رسمي عربي، ونقاوم لأجل أن نعيش بكرامه، وتحدي... فلسنا فئران ...........
فالفئران سيدة " حدة" هم من يحاولون حفر الجحور بمزابل أقلامها لتنبث عثتها بين شبابنا العربي لتعميم العصبية والكراهية بين الشعوب العربية، ويبدو إنها المعركة القادمة بعدما نجحوا في ذلك على الصعيد الرسمي.
يبدو أن أحداث مباراة مصر والجزائر استغلها بعض الموتورين ممن يحقدوا على العروبة والقومية العربية، فوجدوا بها فرصة للانقضاض على هذا القاسم المشترك الذي يجمعنا بالحب والآخاء بعيداً عن التعصب والهمجية التي حاولت الكاتبة أن تلفت النظر بأن الجزائر ستعيد النظر بعلاقاتها العربية وبعروبتها، وكأنها تكشف عن حقيقتها، وحقيقة أهدافها الفعلية بعيداً عن مباراة كرة القدم.
في النهاية نرفع رؤوسنا بالجزائر شموخاً، وبمصر وبكل الوطن العربي دون تمييز، ولتخرس الألسنة التي تريد تسيس الرياضة لتحقق مآلها الخبيث ... فكما احتفلنا أمس بصعود الجزائر لكأس العالم، وخرجت غزة تحتفل بالجزائر وبفريقها، كانت جماهير غزة ستحتفل بمصر أيضاً وبأي بلد عربي .....
ورغم ما كتبته هذه الصغيرة بالعقل سنشجع منتخب الجزائر في كأس العالم وهاماتنا مرفوعة بهم........ لأنهم جزء منا ونحن جزء منهم.

الإسلام السياسي والسقوط المدوي 4

سعيد علم الدين
عندما كشرت حركات الإسلام السياسي عن أنيابها لحكم المجتمع بالعنف والاستيلاء على السلطة بالقوة مستغلة عواطف المؤمنين الطيبين المباحة والمستباحة، والشعارات الاسلامية البراقة في بناء دولة العدل والاحسان، وما أدراك ما العدل والإحسان!
حيث أثبتت الايام بأنها ما هي سوى دولة القمع والكراسي والبهتان، والقهر والفساد والطغيان، وكما هي الحال اليوم أمام أعيننا في دولة فوضى ولاية فقيه الاسلام السياسي الشيعي في ايران وقبلها في جارتها السنية دولة طالبان في افغانستان.
و عندما قررت حركات الإسلام السياسي تحقيق مشروعها العقيم من خلال المؤامرات الخفية، وبكل الوسائل الممكنة والإمكانيات المتاحة حتى ولو كانت فاسدة غير صالحة، وعنفية غير شرعية، وشريرة غير بريئَة، وعدوانية غير مسالمة، ومتطرفة غير معتدلة، وخفية غير ظاهرة، ودموية غير سياسية، ومسلحة بالمدفع والخنجر والبندقية وليس بالفكر المعتدل والعقيدة السوية، وإرهابية غير اسلامية، ومتوحشة غير انسانية: سقطت. نعم سقطت في الهاوية وكان سقوطها مدويا، وكما سقطت قبلها الخلافة العثمانية المريضة بالضربة الأتاتوركية القاضية الى غير رجعة!
وابشرها البشارة الكبرى:
بانها لن تقوم لها قائمة بعد اليوم. وفلولها مهزومة ومذعورة وخائفة ومرعوبة ومختبئة وفي كل انحاء العالم. وخلاياها النائمة هنا وهناك لن تستيقظ وان استيقظت فجيفة بلا رأس.
عندما عملت حركات الإسلام السياسي في السيطرة على المجتمع تحت ظلال شعارها الباطني الغير مرفوع: الغاية تبرر الوسيلة، سقطت. نعم سقطت وكان سقوطها في الجزائر مدويا بأكثر من مئة وخمسين ألف شهيد!
كيف لا وقد كانت هذه الوسيلة الدموية البشعة ذبح طفل، ونحر أمه، وقتل ابيه، وسبي اخته أمام عينية في سبيل هداية المجتمع بالقوة.
كيف لا وقد كانت هذه الوسيلة المنحطة الدنيئة ذبح عائلة او قرية أو حتى شعب بأكمله أو افتراسه في سبيل هدايته الى الإسلام.
ما حدث من مجازر رهيبة تقشعر لها الأبدان في الجزائر على يد هؤلاء وبكل خسة وتآمر وارهاب وقذارة وحقارة ونذالة ولصوصية تجعلنا نتأسف الى الدرك الاسفل من حضيض الحضيض الذي وصلت إليه حركات الاسلام السياسي. الهدف كان تركيع الشعب والدولة الجزائرية الديمقراطية التي انتصرت بمنطق الدولة على منطق الإرهاب.
لقد سقطت حركات الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي سقوطا تاريخيا مدويا لا قيامة لهم من بعده. وهم يتخبطون الآن تخبط الأعشى على غير هدى لما صنعته أيديهم بحق دولهم ومجتمعاتهم وأهلهم ومستقبل أطفالهم من مآسٍ وآلام وأزمات قاتلة غير مبررة وهزائم متتالية كنا في غنى عنها.
فهم لم يحاربوا أمريكا عدوهم الاكبر، بل استفزوها فدمرت العراق وافغانستان واحتلتهما.
وهم لم يحرروا فلسطين، بل قسموها بين غزة والضفة، مقدمين اثمن هدية لإسرائيل على يد حماس.
وهم لم يفتحوا بيت المقدس، بل ولم يحرروا مزارع شبعا وخسروا قرية الغجر فوقها في حرب تموز الخائبة. وها هو نتنياهو يبني مئات المساكن اليهودية في القدس الشرقية. وهم يوجهون صواريخهم مهددين بها الدولة اللبنانية.
وهم لم يحترموا القيم والاخلاق والمبادئ الاسلامية التي يتغنون بها، بل عاثوا في مجتمعاتهم خرابا، وفي دولهم تحطيما، وفي انسانهم اذلالا وتهجيرا وملاحقة وقتلا واغتيالا.
وهم لم يبنوا دولة اسلامية عادلة محترمة منظمة سليمة العقل والذهن . وامثلة التجارب الخائبة وما اكثرها تلاحقهم من ايران الى افغانستان الى باكستان الى الصومال والسودان.
كلها تجارب تثبت ان الاسلام السياسي لا يمكن ان يبني دولة، بل قادر على هدمها.
فهذه دولة السودان العربية الإفريقية الواسعة الأرجاء الكبيرة التعددية بأجناسها وأعراقها، والغنية بدياناتها وتراثها وشعوبها ومواردها الهائلة.
ابتلت باحلام وطموحات الاسلام السياسي في الاستيلاء على كرسي الحكم فيها فنكبها النكبة الكبرى على يد جماعات الاخوان المسلمين وعلى رأسهم مرشدهم الأكبر الشيخ المفكر فالق عصره وحافظ ذكره حسن الترابي الذي كان مع جماعته التي اسسها في الخمسينيات أحد أسباب بلاء السودان. فالطريقة التي أدارت بها جماعة الترابي الحكم بعد وصولهم اليه عبر الانقلاب العسكري من خلال اسلمة المجتمع لم تؤد الا الى اشتعال الصراعات والخلافات بينهم بالاضافة الى استعار الحرب في الجنوب وتمرد دارفور في الغرب. وانقلبوا على بعضهم كالعادة مذكرين بسقيفة بني ساعدة وبانقلاب المجاهدين الافغان على بعضهم. وزجوا مرشدهم الأكبر الترابي في السجن.
لقد حاول هؤلاء دعاة الإسلام السياسي أي الاسلام "دين ودولة" ان يبرهنوا من خلال التجربة السودانية على صلاحية "الإسلام لكل زمان ومكان"
وماذا كانت النتيجة او حصاد ما زرعوه؟
فشلا ذريعا ومحصولا فاسداً، ظلما وتخلفا، دما ودموعا، فقرا وجوعا، وحروبا ونزاعات وصراعات لا تنتهي لتبدأ من جديد.
وها هي دولة السودان الكبرى تسير بسببهم نحو الكارثة المنتظرة إلا اذا حصلت معجزة ما. أي نحو الشرذمة والتقسيم والمستقبل المجهول بعد ان كانت في الخمسينيات دولة حديثة ديمقراطية تعددية واعدة.
وها وللأسف رياح الاستقلال تعصف بالجنوب المسيحي لينفصل عن الشمال المسلم. بسبب محاولات الشمال المتكررة قهر الجنوب واسلمته وفرض الثقافة العربية القومية الاسلامية عليه.
وماذا عن دارفور؟ التي لن تكون مطالبتها بالاستقلال بعيدة في حال قيام دولة مستقلة في جنوب السودان.
أي بسبب الإسلام السياسي الذي أراد أسلمة كل السودان وفَرض الشريعة على أجزائه بالقوة، متسببا بقطع مئات بل الاف الارجل والايدي وبحرب أهلية طاحنة، نحن اليوم أمام واقع خطير يتهدد مستقبل هذه الدولة العربية الغنية الكبرى ويمزق شعبا كان من الممكن ان يعيش بصفاء متآخيا تحت ظلال دولة السودان العربية الافريقية الديمقراطية التعددية.
وماذا يفعل اليوم الإسلام السياسي في الصومال سوى الخراب والموت وجلب الوبال لشعب معذب مشرد مرتاع منذ عشرات السنين وهو يتعرض للجوع والقحط والعطش والحروب. وكلما اراد هذا الشعب ان ينعم بالراحة والهدوء والسلام تهب عليه عواصف الاسلام السياسي وحركاته العبثية المدمرة لتعيده مئات السنوات الى الوراء كما يحصل الان عبر حركة الشباب الأصولية المتطرفة التابعة لشراذم القاعدة.
وماذا يفعل الإسلام السياسي السني والشيعي في العراق مدعوما من سوريا وايران سوى نشر الفتنة والخراب وقتل الأبرياء وعرقلة الدولة العراقية الديمقراطية المستقلة عن النهوض بالبلاد.
وماذا فعل الاسلام الجهادي السياسي في مصر سوى قتل السياح الابرياء وارتكاب الجرائم والاغتيالات ضد العزل والمدنيين، وخلق جو سوداوي ما زالت مصر ترزح تحت ظلال شادوره ونقابه مما دفع بشيخ الازهر الى الانتفاض مانعا من ارتداء النقاب في معاهد الازهر.
وبعد ان تسببت حركات الاسلام السياسي من سفك دماء مصرية وغير مصرية بريئة اعلن شيوخها التوبة في السجون.
وما هو الدور الحقيقي لتنظيم الاخوان المسلمين السياسي سوى عرقلة قيام الدولة المصرية الديمقراطية عن النهوض بالمجتمع المنفتح الحر!
اما ما فعلته جماعة الأخوان المسلمين في سورية فقد تسبب في طحن الشعب السوري بمطحنة ال اسد بحجة مواجة ومحاربة الاخوان. بعد ان قدمت لحافظ الاسد الذريعة على طبق من ذهب. يتبع!