الأحد، يوليو 13، 2008

الحوار الفلسطيني ما زال ممنوعا وممتنعا

نقولا ناصر
(ما يزال "الفيتو" الاميركي المفروض على الحوار الفلسطيني سيفا مسلطا يهدد الرئاسة الفلسطينية وسقفا سياسيا لاي مبادرة حوار تدعو اليها وحكما مسبقا بالفشل على الحوار كما على أي وساطة عربية فيه)

بعد ما يقارب شهرا ونصف الشهر من اعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس اطلاق مبادرته الاخيرة للحوار الوطني ما زال الجدل يدور حول تحديد موعد لبدء الحوار وكلما تاجل هذا الموعد تضاءلت فرص نجاح الحوار لان الطرف المبادر للدعوة اليه يستغل الوقت الضائع كي يراكم شروطا جديدة تبعد موعد بدئه اكثر وتضع الطرف الاخر في موقف دفاعي يقوده الى التشكيك علنا في دوافع الدعوة اليه بينما يسعى الطرفان الى حشد دعم عربي لموقف كل منهما في بيئة سياسية عربية غير مواتية تجعل انطلاق الحوار بوساطة عربية امرا ممتنعا .

ويجري هذا الدوران الفلسطيني في حلقة الحوار المنشود المفرغة في اطار املاءات اميركية – اسرائيلية تعلن دون مواربة ان حوار الرئاسة الفلسطينية مع ما تصنفه "ارهابا" هو خط احمر فاصل بين اعادة فرض الحصار عليها وبين استمرار التفاوض على ما يسمى "عملية السلام" وكان رفض وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس لمطالبة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى في مؤتمر برلين اواخر الشهر الماضي برفع "الفيتو" الذي تفرضه بلادها على الحوار الفلسطيني احدث تاكيد على ان هذا الفيتو ما يزال سيفا مسلطا يهدد الرئاسة الفلسطينية وسقفا سياسيا لاي مبادرة حوار تدعو اليها وحكما مسبقا بالفشل على الحوار الفلسطيني كما على أي وساطة عربية فيه .

ان وقفة مدققة عند الزيارة الاخيرة التي قام بها الرئيس عباس لدمشق توضح مدى التعقيد في الموقفين الفلسطيني والعربي على حد سواء . فالرئيس السوري بشار الاسد الذي يراس الدورة الحالية لقمة جامعة الدول العربية التقى رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية خالد مشعل في اليوم السابق للقائه مع الرئيس الفلسطيني لكنه لم يستطع اقناع نظيره لا بلقاء ثلاثي معه ولا بلقاء ثنائي بين الرجلين ليغادر عباس العاصمة السورية دون اللقاء بمشعل لتكون نتيجة زيارته خلق بيئة سياسية فلسطينية اكثر توترا تجعل الحوار اصعب وموعد بدئه ابعد .

ولم تستطع الاشادة الفلسطينية بالنتائج الايجابية لنجاح زيارة عباس السورية وبحرص القيادة السورية على الوحدة الوطنية الفلسطينية اخفاء النتائج السلبية للزيارة فلسطينيا ولا اخفاء ان القيادة الفلسطينية بدل ان تكافئ دمشق على دورها الذي استحق اشادتها بانجاز فلسطيني يسجل لها ، حتى لو كان بروتوكوليا ، فانها مباشرة في اعقاب الزيارة بادرت الى توجيه الانظار الى القاهرة بالاعراب عن تقديرها للجهود المصرية في الحوار الفلسطيني وترحيبها بدور فعال للجامعة العربية ، التي تشغل دمشق نفسها رئاستها الدورية ، وكانما القيادة الفلسطينية تريد ان ترد عن نفسها اتهاما غير معلن بالانحياز الى هذا الطرف او ذاك في الخلافات العربية – العربية .

ان تحويل الانظار من دمشق التي تراس الجامعة العربية الى القاهرة التي تستضيفها لا يعبر عن انحياز فلسطيني بقدر ما يعبر عن وضع عربي يفتقد الحد الادنى من التنسيق والتضامن يحاصر القيادة الفلسطينية ، لا بل القيادتين ، بين موقفين احلاهما مر فاما الانحياز بين الاطراف العربية غير المتفقة او المناورة بينها ضمن الهامش المتاح لبقاء الخطوط الفلسطينية مفتوحة على الجميع وهذا وضع يسهل فيه الخلط بين المناورة وبين الانتهازية وبالتالي فانه يضع القيادات الفلسطينية في موضع الشبهة لمن يتعمد الاتهام .

ويتساءل الراي العام الفلسطيني كم كان وضع قياداته سيكون اسهل في حراكها العربي وكم كان بدء الحوار الفلسطيني سيكون اسرع ونتائجه اجدى لو تمكنت عاصمة المقر للجامعة العربية وعاصمة رئاسة قمتها من تجاوز مرحلة الاستقطاب العربي الذي سبق وزامن قمة دمشق وما زال في اعقابها يمثل عبئا على القضية الفلسطينية بدل ان يكون رافعة لها .

غير انه يمكن رصد بوادر ايجابية ايضا في هذا الوضع العربي السلبي الذي يتناقض مع ما يبدو انه "صحوة عربية" لدى القيادة الفلسطينية ، كما تدل تصريحاتها وتكثيف جولاتها ومشاوراتها العربية ، ولا فرق في ذلك بين طرفي الانقسام الفلسطيني خصوصا في الامال التي يعقدها كلاهما على دور عربي في انهاء الانقسام عبر وساطة عربية في الحوار بينهما ، اذ لم يتحفظ القادة الفلسطينيون في الاعراب علنا عن املهم في ان تتكرر معهم الوساطة العربية الناجحة في لبنان .

وللقادة الفلسطينيين اسباب غير النجاح اللبناني لعقد امالهم على دور عربي يساهم في انجاح الحوار بينهم اذ لهم في تاريخهم القريب قصص نجاح مع هذا الدور اثبتت ان العرب عندما يحزمون امرهم يستطيعون الانجاز بالرغم من الهامش الضيق لحراكهم الذي تتركه لهم ضغوط الاحتلالين الاميركي والاسرائيلي في العراق وفلسطين ، مثل اتفاق القاهرة عام 2005 واتفاق مكة بعد عامين واخيرا المبادرة اليمنية السنة الماضية قبل ان تعتمد قمة دمشق العربية هذه المبادرة اواخر اذار / مارس الماضي وتعتمد معها اتفاقي القاهرة ومكة التي تنص المبادرة عليهما .

وقد كانت قمة دمشق مناسبة اخرى تشجع الصحوة العربية لدى القيادات الفلسطينية لانها اثبتت ان القضية الفلسطينية تظل مركزية لدى العرب لكي يتغلب تضامنهم حولها على الاستقطابات بينهم ، كما اتضح من تفهم قطب الرياض – القاهرة للاسباب التي حدت بالرئاسة الفلسطينية الى المشاركة فيها وكما اتضح من حرص القيادة السورية في القطب الاخر على الحفاظ على مسافة واحدة بينها وبين كل من قطبي الانقسام الفلسطيني بالرغم من علاقاتها الثنائية الخاصة مع احدهما .

لكن العامل الذاتي الفلسطيني كما يبدو يبني على سلبيات الوضع العربي لا على ايجابياته . فقد تكرر الاعلان عن الحوار الوطني فاحبط وانتج هذا الحوار منذ عام 2005 خمس اتفاقيات (القاهرة والوفاق الوطني – الاسرى ومكة والمبادرة اليمنية واعلان صنعاء) فاجهضها العامل الذاتي ليضيف سببا فلسطينيا الى اسباب الارباك في الوضع العربي وها هي مبادرة الرئيس عباس الاخيرة تراوح مكانها بعد شهر ونصف الشهر تقريبا من اعلانه لها لان الرئاسة الفلسطينية تخلط في الموضوع بين حوارين كما تخلط بين الاطراف التي ينبغي ان تشارك في كل من الحوارين خلطا يقود في النتيجة الى تعطيل الحوارين كليهما ، بغض النظر عن سوء النوايا او صدقها ، بحيث يصبح ايجاد أي مخرج عربي للطريق المسدود للحوار الفلسطيني ممتنعا عمليا .

فاذا كان الانقسام ناجما عن برنامجين متضاربين للحركتين الرئيسيتين اللتين تقودان النضال الوطني احدهما لحماس والاخر لفتح التي تقود منظمة التحرير ، لماذا اصرار الرئاسة الفلسطينية على ان "لا" يكون الحوار ثنائيا ؟ واذا كانت فصائل منظمة التحرير تجمع على برنامج واحد ، أي مصداقية تبقى للاصرار على رفض ان يمثلها صوت واحد في الحوار خصوصا وانها ممثلة بصوت واحد في التفاوض مع دولة الاحتلال ؟

ان تعدد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية لا يعني باي شكل تعددا في برامجها بل هو مجرد تعددية عددية لا برامجية لان برنامجها واحد تلتزم به فصائلها جميعها ويمكن لاي فصيل منها ان يحاور نيابة عنها . فهذه الفصائل متماهية حد الاندماج بالبرنامج السياسي لقيادة المنظمة واستراتيجيتها وتكتيكاتها بحيث اصبح الجميع يتحدثون بالسنة عديدة لكن صوتهم واحد !

وربما كان انتداب الرئيس عباس لصالح رافت (فدا) لرئاسة وفد المنظمة الى محادثات المبادرة اليمنية في اذار / مارس الماضي هو افضل تعبير عن هذا الواقع ، لكن توقيع عضو الوفد عزام الاحمد كممثل لفتح ، وليس رافت ، على اعلان صنعاء الذي انبثق عن تلك المحادثات اعاد قضية الحوار الوطني الى اطارها الصحيح كقضية ثنائية سواء بين حماس وبين فتح ام بين حماس وبين منظمة التحرير الفلسطينية ، وتنسحب هذه الثنائية على موضوعي الحوارين .

ان الحوار الوطني المستحق هو في الحقيقة حواران ، واحد بين فصائل منظمة التحرير ذاتها وموضوعه تفعيلها واعادة صنع القرار فيها الى قاعدة الشراكة الوطنية والثاني حوار بين المنظمة وبين حماس والجهاد وغيرهما من القوى التي افرزها النضال الوطني وموضوعه انضمامهم الى المنظمة . والحواران متداخلان ومتكاملان لكن اذا كان الهدف من الحوار الاول هو تعزيز وحدة منظمة التحرير على قاعدة الشراكة فان الهدف من الحوار الثاني هو انهاء الانقسام الوطني وتعزيز الوحدة الوطنية ، ومن الواضح ان قيادة المنظمة او في الاقل بعض اركانها تخلط بين الحوارين عامدة متعمدة او دون قصد ، لكن النتيجة في الحالين هي ضرب هذا الحوار بذاك وتعطيل كليهما معا .

ومن ا لواضح ان الحوار الثاني هو الاهم لانه يدور بين حماس من جهة وبين فتح او المنظمة من جهة اخرى حول الانقسام الفلسطيني والبرنامج السياسي وتكتيكات النضال اولا ثم حول حصة كل من الحركتين في المؤسسات الفلسطينية الصانعة للقرار اما الحوار الاول فيدور حول منح دور الشريك لفصائل منظمة التحرير المتفقة على برنامجها السياسي والتي لا توجد أي خلافات بينها حول استراتيجية السلام بالتفاوض وان كانت بينها اختلافات حول العملية التفاوضية وما يسمى عملية السلام تمثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حدها الاقصى ويمثل حزب الشعب حدها الادنى ، لكن هذه الاختلافات في المحصلة تظل لفظية ولا انعكاس لها في المواقف العملية كما يتضح من الموقف المنحاز عمليا لهذه الفصائل بين طرفي الانقسام الوطني . ان الحوارات الجارية منذ ستة اشهر بين "الشعبية" والشعب" والجبهة الديموقراطية الساعية الى انبثاق قطب ثالث "يساري" مستقل قد يغير في معادلة ثنائية الاستقطاب الراهنة تعطي املا خادعا لانها ما زالت محكومة بالتزام الفصائل الثلاث ببرنامج اليمين المرتهن للعدو الاميركي لكل ما هو يساري في العالم.

على سبيل المثال كان صمت فصائل منظمة التحرير ، خصوصا تلك الملتزمة بالايديولوجيا القومية وبدعم المقاومة الوطنية العراقية ، عن دور "المعرف" الذي قالت تقارير الانباء ان الرئيس عباس لعبه فيما وصفته هذه التقارير بمصافحة اللقاء العابر بين نظيره الذي يعتبر رمزا سياسيا للنظام الذي انبثق عن الاحتلال الاميركي للعراق جلال طالباني وبين وزير حرب دولة الاحتلال الاسرائيلي ايهود باراك على هامش المؤتمر الثالث والعشرين للاشتراكية الدولية في اليونان اول الشهر الجاري مجرد مناسبة جديدة سلطت الاضواء على التناقض المزمن بين الايديولوجيات التي تنسب هذه الفصائل نفسها لها والمواقف الرسمية التي تعلن التزامها بها وبين مواقفها السياسية العملية .

لذلك فان الخلط بين الحوارين فيه ارباك للراي العام الفلسطيني وغير الفلسطيني يوهمه بان الحوار بين فصائل المنظمة هو الحوار المستحق وطنيا لانهاء حالة الانقسام وذلك ليس صحيحا لان الحوار بين هذه الفصائل لا يزيد على كونه حوارا داخليا للمنظمة مع نفسها ولا يعدو ان يكون حوارا مع الذات بين اصحاب برنامج سياسي واحد ذي السن متعددة يسارية وقومية وديموقراطية وليبرالية وشعبوية ، الخ ، وهو خلط يستهدف بصورة واضحة زج منظمة التحرير وفصائلها ، بعد ان طال تهميشها وتهميشهم ، في اصطراع وطني لم يكن لها ولهم فيه ناقة ولا جمل فقط من اجل الاستقواء بها وبهم على حماس .

ان استثناء حماس وخالد مشعل من اللقاءات الثنائية التي عقدها الرئيس عباس مع قادة الفصائل في دمشق يوم الاثنين الماضي انما كان استثناء للفصيل الوحيد الذي يجعل للحوار مغزى لعدة اسباب اولها انها ليست عضوا في منظمة التحرير وثانيها انه لولا الاختلاف بين المنظمة او فتح لا فرق وبين حماس لما كان هناك أي انقسام فلسطيني يستدعي الحوار اصلا وثالثها ان أي حوار فلسطيني لا يشمل حماس لن ينهي الانقسام ولا يبني وحدة وطنية ، وبالتالي فان استثناء حماس في الواقع وتغييب دورها الوطني او اغراقه في لجة تعددية شكلية غير موجودة عمليا ليس له الا تفسير واحد هو استبعاد الحوار الوطني نفسه .

صحيح ان الحوار بين فصائل منظمة التحرير حول اعادة تفعيلها كمرجعية فعلية لا شكلية لسلطة الحكم الذاتي وكقائدة للنضال الوطني في المنافي والمهاجر والشتات والوطن على حد سواء هو استحقاق قديم جديد لكنه استحقاق ينبغي الاعتراف بحقيقتين ازاءه ، اولاهما ان كل فصائل المنظمة المعنية به قد استكانت الى تجاهله من قبل قيادة المنظمة وفتح التي تقودها خصوصا منذ عودة قيادة المنظمة وفتح الى الوطن ، اما الحقيقة الثانية فهي ان ظهور حماس على الساحة الوطنية هو الذي خلق الظروف الموضوعية لوضع هذا الاستحقاق على جدول الاعمال الوطني بعد ان ادركت هذه الفصائل ان تجاهلها لهذا الاستحقاق قد افسح المجال لحماس كي تشغل الفراغ الناجم عنه .

وهناك حقيقة ثالثة لا ينبغي تجاهلها وهي ان قيادة المنظمة ما زالت تماطل في هذا الاستحقاق كما يثبت تهربها المتواصل من تطبيق اتفاق القاهرة اوائل عام 2005 ووثيقة الاسرى في العام التالي دون ان تبادر فصائل المنظمة المعنية الى أي تحرك عملي ملموس لتطبيقهما ينفي عنها تهمة الاستكانة للامر الواقع الذي همش المنظمة خصوصا منذ توقيع اعلان المبادئ في واشنطن عام 1993 بدل استفادتها من ظهور حماس على الساحة كعامل موضوعي يضغط على قيادة المنظمة من اجل اعادة الاعتبار لها كفصائل شريكة في المنظمة لا ملحقة بها كديكور للتعددية السياسية .

ومما لاشك فيه ان انجرار هذه الفصائل الى لعب هذا الدور غير السلبي في الاصطراع بين الحركتين قد جرهم ايضا بوعي او دون وعي الى الانحياز الى احد طرفي الانقسام الوطني بحجة غير مقنعة هي حرصهم على المنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني ليجروا معهم منظمة التحرير على علاتها الى الزج بنفسها طرفا كذلك ليتحولوا جميعا الى "غطاء" يمنح شرعية ظاهرية لاستمرار التملص من استحقاقات الوحدة الوطنية . ان التفسير المقنع الوحيد لانحيازهم هو التزامهم المستمر طوعا ببرنامج فتح الذي تبنته منظمة التحرير والذي قاد فشله بحكم الضرورة الى افراز اجتهادات وطنية جديدة عبرت عن نفسها تنظيميا (حماس والجهاد والمبادرة) وفكريا (بديل الدولة الواحدة) بينما يكاد برنامج فتح والمنظمة لحل الدولتين يلفظ انفاسه الاخيرة .

ان التشويش الناجم عن الخلط بين الحوارين لن يقود الا الى التملص من استحقاقات كليهما ، والى التغطية على حقيقة ان الحوار الوحيد الذي يمكنه ان ينهي حالة الانقسام الوطني لا بد بحكم الامر الواقع ان يكون حوارا ثنائيا سواء بين حماس وبين فتح ام بين حماس وبين منظمة التحرير الفلسطينية ، ويقود الى التغطية كذلك على حقيقة ان منع هكذا حوار هو املاء اميركي – اسرائيلي مسبق ومعلن لاستمرار ما يسمى "عملية السلام" لا يستطيع اي شريك فلسطيني يريد الاستمرار في هذه العملية التنصل منه !

*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*

ليست هناك تعليقات: