الاثنين، يوليو 21، 2008

تعالوا نتحاكـم أمام شعبنـا

د. عدنان بكريه
فلسطين الداخل


قلبي على وطني من أن يصبح خارج الزمن تتقاذفه أمواج الضياع ... قلبي على وطني من أن يغرق في لجج البحر ! ولن يعود بالإمكان إنقاذه وإخراجه ! قد يتساءل البعض ما سر هذا التخوف ؟

خاصة وان الشعب يقاوم ويحلم ولا بد أن يتحقق هذا الحلم الذي ولد مع ولادة كل طفل ونما مع نمو كل شجرة وزهرة ؟
خوفي نابع من أن يمل الشعب المقاومة في ظل غياب مشاريع وخيارات تخرجه من جحيم الحياة لأن المقاومة بحد ذاتها وسيلة وليست هدفا... وسيلة لإحقاق حقوقه المهضومة وانتزاع استقلاله ! فإلى متى سيحتمل الشعب الفلسطيني الوقوف على قارعة الانتظار دون بارقة تلوح في الأفق القريب أو البعيد ؟! والى متى سيبقى يعاني القهر والاضطهاد والجوع وهل هو قادر على الصمود والمقاومة إلى ما لا نهاية !؟ وليس هناك ما يوحي بتغييرات جذرية توقد شعلة الأمل في نفوس أبناء شعبنا ! وليس هناك بصيص أمل ينعش الصمود ويغذيه بمقومات الاستمرار بوجه الفقر والجوع والحصار اللئيم !
لا تفهموني خطأ ... أنا لا أدعو لليأس والقنوط ... ولا أدعو للاستسلام ... فالإنسان بطبيعته ضعيف وقد تقوده فطرته إلى الملل واليأس إذا لم ير في الأفق القريب بصيص ضوء وشارة أمل ! فالعالم كل العالم بات مغيب الضمير .. لا تهزه صرخات الأطفال ولا بكاء الثكالى ... أيها الفلسطيني .. آن الأوان لتدرك انك وحدك ، وما حك ظفرك مثل جلدك ! لا تراهن ... لا تساوم واقتل اليأس بسيفك .. إن لحظة الفرج آتية لا محال.
ليس صدفة أن يحن العديد من أبناء شعبنا إلى الاحتلال!! ليس حبا بالاحتلال لكن حبا بالخروج من زنزانة البؤس .. حبا بكسر قيود الفقر.. حبا بالخروج من مقابر الحياة التي أصبحت عنوانا لهم ! وعلينا ألا نلومهم.. لأنها أحاسيس خارجة من بركان غضبهم المتفجر ... علينا أن نلوم أنفسنا ونسأل .. ماذا قدمنا وقدمت قيادتنا لدعم صمود أهلنا في الأراضي المحتلة ؟! ولماذا نحرمهم من دعائم الصمود ؟ ولا نمدهم بما يجعلهم قادرين على الحياة في قلب الحصار ؟!
إن تخوفي نابع من أن تنطفئ جذوة المقاومة المتوقدة أمام صراخ الأطفال الجياع وأمام عويل الأمهات الثكالى وان يفقد المقاوم قابلية الاستمرار ، ليس ضعفا وهوانا وليس كفرا بالقضية وهو الذي صاغ ملحمة الصمود وسطرها بحروف من دمه.. بل حفاظا على حقن دم الأطفال الرضع وحرصا على كفكفة دموع الثكلى !
إن تخوفي نابع من أن تخوى البطون المحاصرة وتضعف الهمم .. بكلمات أخرى .. إن تخوفي نابع من أن يضعف الفلسطيني أمام بكاء الأطفال الجياع وليس أمام الدبابات والطائرات وتخوفي هو تخوف مشروع !
عندما قاوم الشعب الفلسطيني شحن روحه القتالية بالعقيدة والإيمان بلحظة الانتصار .. لم ينتظر العالم ليقاوم مكانه ... لم تتزعزع عقيدته التي دفعته للاستبسال حتى آخر قطرة دم وهو ما زال على العهد وفيا مخلصا..
أبت العوامل الذاتية والإقليمية والموضوعية إلا أن تعاكسه وهو الذي شاكس وعاكس القدر وهو الذي صنع أسطورة النضال خلال تاريخه المشرف ! وصار مثالا لحركات التحرر العالمية والعربية ! صار مثالا لكل شرفاء العالم ! وانقلبت اليوم الأمور ! فهل سيستعيد الفلسطيني هيبته ومكانته ودوره على قمة برج التاريخ ؟!
اليوم يقف شعبنا على منعطف حاد وخطير .. إما أن تنزلق مركبته على هذا المنعطف وإما أن يسلك الطريق الصحيح ... الطريق البعيد عن المهادنة والإذلال .. طريق العزة والكرامة والإصرار على استعادة الحقوق وقبلها استعادة الوحدة ... عليه اجتياز المطبات بحنكة وقدرة عالية والاهم ألا يقع في الحفر التي تعترض طريقه .
لقد أثبتت تجارب الماضي القريب بان الانقسام الداخلي كان له الأثر الأكبر على نفسية المقاوم الفلسطيني وكل الشعب الفلسطيني وجعلته رهينة للإحباط واليأس .... كل الحروبات التي خاضها لم تحط من عزيمته بقدر ما حط منها الانقسام الداخلي وشتتها وجعلها عرضة للآخرين الذين لم يدخروا جهدا في سبيل كسر شوكة الشعب وتطويعه وإخضاعه .
كل أدوات القهر والكبت والموت لم تستطع تركيع الشعب المقاوم ... فهل ستخضعه عاطفته اليوم أمام صراخ الأطفال وبكائهم ... أمام غياب قيادة حقيقية تسير بثبات وقوة خلف الشعب وليس أمامه أو فوقه !؟
لنبتعد قليلا عن الشعارات والعاطفة والتنظيرات ! ولنتناول الواقع المُعاش بكل جوانبه السياسية والحياتية والاقتصادية والمعيشية ! هل نستطيع أن نقاوم جيوشا من الأعداء والعملاء مدججة بكل الآليات العسكرية والتكنولوجية ووسائل الاتصالات المتقدمة بمقاومين لا يملكون قوت يومهم ؟! لا ننكر أن الإيمان يبقى المحفز الأقوى والحق يبقى بوصلة التحدي .. لكن علينا أن نعترف بأن ميزان الربح والخسارة يبقى منوطا بقدرتنا على المواجهة ، وإذا كنا لا نملك التقنية المتقدمة فدعونا نتلاحم ... فالتلاحم اقوي تقنية نضالية عرفها التاريخ ... فهل نحن قادرون على شحن قدراتنا المتواضعة وإعادة لحمتنا التي هي ركيزة الصمود ... فالشعب الفلسطيني صمد عندما كان موحدا واخضع أعداءه برغم قدراتهم العسكرية المتطورة.
نكذب على أنفسنا وعلى شعبنا إذا لم نتصارح ونكشف عن ضعفنا وزلاتنا .. نتعلم منها ونستخلص العبر ونحاول إيجاد مخارج مشرفة لتلك الزلات والقصورات ... لسنا بأحسن حال ما دمنا نستبدل الصدق بالكذب .. نكذب على شعبنا إذا توهمنا بان الشعب سيصمد إلى ما لا نهاية وإذا ظننا بأن الشعار سيقاوم طائرة ودبابة ! لكن الحق المشحون بالإرادة حتما سيهزم ألف هولاكو ! والاهم بان الحق بحاجة إلى راع أمين وبحاجة إلى تلاحم مصيري ! هذه هي أزمتنا .
نكذب على التاريخ إذا أنكرنا حقيقة ضعفنا وحتى لو كان هذا الإنكار من باب ( البروباغاندا ) السياسية والحرب النفسية ... نعم نحن ضعفاء بتشتتنا وضعفاء بعدم قدرتنا على إعادة هيكلة ذاتنا سياسيا واجتماعيا !
****
كل الخيارات التفاوضية التي خاضها الشعب الفلسطيني سقطت وانهارت أمام عنجهية وتنكر شركاء التفاوض وأمام ضعفنا وعدم قدرتنا على حسم وجهتنا وموقفنا بشكل حازم وصارم .. لا يمكننا أن نتهم الآخر ونتغاضى عن دورنا ... فالنقد الذاتي والاعتراف بالخطأ هو الأساس لتحاشيه مستقبلا وهو القاعدة الصلبة التي تبنى عليها المواقف المشتركة ... وعليه فإنني أطالب الفصائل الفلسطينية مكاشفة الشعب وتلخيص الحقبة الماضية بشفافية والاهم عدم الكذب لأنه سيزيد من حدة الانقسامات والتناحرات ... تعالوا نعترفْ بما اقترفنا من دواهي ومصائب بحق أنفسنا وقضيتنا ... تعالوا نتحاكمْ أمام الشعب ! تعالوا نكنْ صريحين إلى أقصى الحدود ونعترف بأننا ساهمنا إسهاما كبيرا بضرب قضيتنا في الصميم !
إنني أخشى من أن يصبح حق العودة مجرد شعار وحقنة مخدر لتخدير لاجئي شعبنا وما أخشاه أن يتم قبر حق العودة مقابل إحياء وإنعاش ملفات أخرى كملف الاستيطان أو التبادل السكاني الذي بدأ يطفو على السطح من جديد !
لا التهدئة باتت تهدئة ! ولا الحوار بات حوارا !! إنهم يحقنون الشعب بالمهدئات ويحقنون القضية بالمسكنات !
إنني أخشى من ضياع القدس والتي تعني ضياع الحلم وضياع الهوية فليس هناك شيء مستبعد في هذا الزمن المقلوب .. إنني أخاف على وطني من قادة شعبي .. فقلبي معك وعليك يا وطني .. فهل يا ترى سيتبدد خوفي ؟

dr.adnanb@hotmail.com

ليست هناك تعليقات: