الثلاثاء، مايو 27، 2008

سوريا والمفاوضات والثمن الباهظ

د. عدنان بكريه

ثلاثة أحداث دراماتيكية تخيم على المشهد السياسي في المنطقة .. اتفاق الأطراف اللبنانية في قطر .. انطلاق المفاوضات السورية الإسرائيلية بشكل علني في (استانبول) والوساطة المصرية بين إسرائيل وحماس .
المتتبع للأمور يظن للوهلة الأولى بأن هناك انقلاب في السياسة يميل باتجاه إبرام اتفاقات وتسويات تغير وجه المنطقة العابس! لكن الأمور ليست بهذه البساطة .. فمن خلال قراءتنا للسياسة الإسرائيلية والأمريكية وعلى مر التاريخ ندرك بأن إسرائيل وأمريكا لا يمكنهما التنازل عن شيء دون مقابل... فهل سيكون المقابل هذه المرة رقبة حزب الله وحركة حماس وفرض حلا مؤلما على الشعب الفلسطيني وفرقعة تحالف قوى الممانعة في المنطقة ؟!
لا يخفى على احد بأن التحالف السوري الإيراني بات يقلق الولايات المتحدة وإسرائيل.. فهو تحالف مبني على قاعدة التصدي للمشروع الأمريكي الهادف إلى إطباق السيطرة على مقدرات شعوب المنطقة .
الولايات المتحدة وبعد فشلها الميداني الذريع في العراق بدأت تبحث عن وسائل أخرى تمكنها من فرض سيطرتها على المنطقة ... وصلت إلى قناعة بأنها غير قادرة على إقحام نفسها في عملية عسكرية ضد إيران أو سوريا فتجربتها في العراق وأفغانستان تشهد على ذالك لذا فهي تسعى باتجاه ضرب أركان هذا التحالف وفق خيارات أخرى ! عملية سلام هش تكون نتائجه ضرب التحالف الإيراني السوري وإقصاء حزب الله وحركة حماس من مسرح الأحداث وبالتالي الاستفراد بكل طرف على حدة ! فهل ستبتلع سوريا الطعم وتقبل بالجولان منزوعة السلاح تحت رقابة الأجهزة الأمريكية ؟!
إسرائيل وبالتحديد ايهود اولمرت غير مؤهل وغير قادر على التنازل فهو في وضع سياسي داخلي لا يحسد عليه ...ملفات الفساد تتأرجح كحبل المشنقة على حلبته السياسية ! وهو محاصر أيضا من اليمين الإسرائيلي وشركائه في الائتلاف الحكومي الذين لا يمكنهم التنازل عن هضبة الجولان ! وحتى أن التنازل يتطلب إلغاء قانون ضم الجولان الذي شرع في الثمانينات وبأغلبية ثمانين عضو كنيست ! وربما يطلب اليمين العودة إلى استفتاء شعبي الأمر الذي يجعل التنازل عسيرا للغاية.. وحتى لو تم تذليل العقبات القانونية،فان التنازل سيكون عن جزء بسيط من الهضبة يخضع لسيادة وسيطرة مشتركة وربما دولية أو أمريكية ! من هنا فان خيار السلام الذي تطرحه إسرائيل يبقى خيارا محاصرا بالعديد من عوامل الفشل !
إن تخوفنا نابع من أن هذا الخيار لا يعدو كونه حربا إعلامية إسرائيلية لكسب تأييد العالم تجاه أي خطوة عسكرية بديلة قد تطرح مستقبلا فيما لو فشلت المفاوضات وأهدافها ! ونشير أيضا إلى أن تحريك المفاوضات قد يهدف للضغط على حركة حماس بغية القبول بشروط التهدئة التي تطرحها إسرائيل وربما يكون مجرد استنزافا للوقت من قبل اولمرت المحاصر داخليا بهدف فك حصاره السياسي .ومن قبل سوريا التي تريد فك عزلتها عبر البوابة الإسرائيلية !
سوريا معنية أكثر من غيرها بالسلام كخيار استراتيجي شريطة استعادة أراضيها المحتلة ... فهي معنية بفك عزلتها الدولية عبر البوابة الإسرائيلية.. لكن ما يدعونا للقلق غياب مصطلح ( حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس) من أدبيات الحوار الجاري ! هذا المصطلح الذي ساد لهجة الدول العربية وبالذات سوريا على مدار أكثر من نصف قرن .
اشرنا سابقا إلى أن أي تسويات عربية منفردة لا تشمل حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لن تأت بالسلام كون القضية الفلسطينية لب الصراع العربي الإسرائيلي وأي تجاوز أو تقزيم للمشكلة الفلسطينية سيأزم الوضع أكثر ! ونوهنا إلى ضرورة دمج مسارات التفاوض أو على الأقل التنسيق بين الأطراف العربية وعلى المسارات المتعددة والخروج بموقف موحد..
دعونا لا نفرط بالتفاؤل ... فإسرائيل لا تقبل بالسلام دون أن يدفع الطرف الآخر ثمنا باهظا.. فهي معنية بسلام يبقي لها سيطرتها على هضبة الجولان...سلام يفتح أمامها أبواب التطبيع الرسمي والساخن مع العالم العربي ويخلصها من التحالف السوري الإيراني... سلام يضع حدا لحزب الله وحركة حماس ! فتصريح وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني "إن سورية يجب أن تنأى بنفسها عن إيران وتقطع العلاقات مع حزب الله اللبناني وحركة حماس إذا أرادت التوصل إلى سلام مع إسرائيل".
****
الغريب في الأمر تزامن بدء المفاوضات والإعلان عنها مع توقيع اتفاق الدوحة بين الأطراف اللبنانية إذ لهذا التزامن مدلولاته السياسية... فسوريا كان لها دورا في المرونة التي أبداها حزب الله وهي أرادت من وراء هذا الدور المؤثر إثبات قدرتها على الإمساك بالأوراق اللبنانية وبزمام المبادرة هناك... وبأنها قادرة على قلب العديد من الأمور في لبنان وغير لبنان بهدف التأثير على سير المفاوضات مع إسرائيل والضغط عليها !
كل المؤشرات كانت تشير إلى فشل الحوار اللبناني الداخلي لكن حصلت المفاجأة في اللحظة الأخيرة.. فهل كان هناك للقوى الكبرى وللتغيرات الجارية علاقة في تغيير وجهة الحوار باتجاه التسوية والمصالحة ؟! نحن نبارك لإخوتنا اللبنانيين هذا الاتفاق الذي قطع الطريق على حرب أهلية وتدخل قوى خارجية.
حذرنا من أن يكون العرض الإسرائيلي لسوريا مجرد خدعة لابتزازها سياسيا ولابتزاز الطرف الفلسطيني والضغط عليه !! ونحذر مرة أخرى من أن المناخ السياسي السائد في المنطقة لا يدفع باتجاه السلام ! فخطاب الرئيس بوش في الكنيست الإسرائيلي قضى على كل فرص السلام ! والحصار المفروض على غزة والتلويح باجتياحها يقلل فرص التسوية .. والاهم الوضع السياسي الداخلي الإسرائيلي المأزوم .سوريا لن تقبل بسلام مشروط ومنقوص وهي التي رسخت في عقلية وسلوك المواطن السوري التصدي والصمود وعدم التفريط والممانعة وقبولها بسلام لا يؤمن لها استعادة كاملة لأراضيها المحتلة يتطلب تغيير عقلية وتربية وسلوك ونهج حياة ترسخ عبر عقود من الزمن وهذا ليس بالأمر السهل !

ليست هناك تعليقات: