الأحد، مايو 18، 2008

الازمة اللبنانية في سياقها

نقولا ناصر

(لماذا ما زال لبنان منذ استقلاله عام 1943 عاجزا عن التخلص من نظام طائفي لا ينص دستوره عليه وهل ستنتهي الفرصة العربية الجديدة للحوار الوطني بترسيخ الطائفية مثلما رسخها اتفاق الطائف الذي انهى الحرب الاهلية قبل خمسة عشر عاما )

ان الزيارة التي قام بها الاسبوع الماضي للبنان القائد الانتقالي للقيادة الوسطى الاميركية الجنرال مارتن ديمبسي لمعرفة "احتياجات" حكومة فؤاد السنيورة والجيش اللبناني كما قال الناطق بلسان الخارجية الاميركية سين ماكورماك ، تلك الزيارة التي تزامنت مع وصول المدمرة الاميركية "كول" الى "شرقي" البحر الابيض المتوسط ، وتزامنت مع اعلان السكرتير الصحفي للبنتاغون جيوف موريل ان بلاده مولت القوات المسلحة اللبنانية بمبلغ (371) مليون دولار منذ ايلول / سبتمبر عام 2006 ، ثم صدور بيان من السفارة الاميركية ببيروت في الرابع عشر من الشهر الجاري تعلن فيه "عزمها اقامة خط جوي بين الخارج والسفارة" في عوكر عبر طائرات هليوكوبتر لتامين "الحاجيات واللوازم" طبقا لبيان الحزب الشيوعي اللبناني الذي ادان الاعلان والاجراء باعتباره "خرقا فظا لسيادة لبنان وامعانا ... في التعامل مع بلدنا كقاعدة تابعة للنفوذ الاميركي ... في سياق التدخل الوقح والسافر في الشؤون اللبنانية" ، ان كل ذلك وغيره ينبغي ان يضع الازمة اللبنانية الراهنة في سياقها الدولي والاقليمي الصحيح الذي يسعى الى تسعير الاقتتال الطائفي كساتر دخاني له .

ويلفت النظر ان كل هذه "الاعلانات" الاميركية تزامنت مع انفجار الازمة اللبنانية عنفا في بيروت وغيرها واعقبت بوادر نجاح وساطة جامعة الدول العربية في حلها وكانما تحاول واشنطن التخلص من احساس بالذنب و"اثبات" انها قامت بواجبها تجاه حلفائها الذين يشعرون بانها خذلتهم وبان جهودها لدعمهم في مجلس الامن الدولي فشلت مثلها مثل ضغوطها على حلفائها واصدقائها العرب لدفع الجامعة العربية الى موقف منحاز لصالحهم كما فشل حشدها العسكري البحري قبالة الشواطئ اللبنانية في ردع المعارضة .

ومن المؤكد ان الاميركيين يعدون الان ل"هجوم مضاد" قد لا يطول امده بحيث يتيح للمبادرة العربية ان تصل بلبنان الى بر الامان ، فقد جددت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس دعم بلادها لحكومة السنيورة بينما اعلن ناطق بلسان البيت الابيض "ان الولايات المتحدة تتشاور مع حكومات في المنطقة ومع مجلس امن الامم المتحدة حول الاجراءات التي ينبغي اتخاذها لمحاسبة اولئك المسؤولين عن العنف في بيروت" ، لذلك من المؤكد ان الاجراءات الاميركية المقترحة كانت على جدول اعمال بوش في اسرائيل اثناء زيارته لها الاسبوع الماضي وعلى جدول اعماله في شرم الشيخ والرياض .

ولا يمكن تفسير "النفوذ" الاميركي المتفاقم حاليا في لبنان فقط بالعلاقات العادية الثنائية بين أي بلدين ، ولا يمكن فصل الانحياز الاميركي السافر لاحد طرفي الصراع في الازمة الراهنة ، مما يعمق الانقسام ويفاقمه بينهما ، عن الاستراتيجة الاقليمية للولايات المتحدة خصوصا ما يتعلق منها بالصراع العربي – الاسرائيلي او ما يتعلق بالعراق وايران .

وليس سرا ان تحويل لبنان من قاعدة صديقة لسوريا وايران الى قاعدة صديقة للولايات المتحدة لخدمة استراتيجيتها في فلسطين والعراق على حد سواء هو هدف لواشنطن التي تسعى حثيثا لدعم هذه الاستراتيجية بغطاء الامم المتحدة عبر جهود غير ناجحة حتى الان لاستصدار قرار من مجلس الامن الدولي طبقا للفصل السابع من ميثاق المنظمة الاممية ضد سوريا وحزب الله (من الافكار المتداولة باقتراح من واشنطن فرض منطقة حظر جوي فوق سوريا وتوسيع دور قوات حفظ السلام الدولية من الجنوب الى بيروت - رويترز) ، يقطع الطريق على مبادرة الجامعة العربية ويكمل ما كان ناقصا في قراري مجلس الامن رقم 1701 و 1559 اللذين صدرا طبقا للفصل السادس عام 2006 .

وليس سرا كذلك ان "تاهيل" لبنان اميركيا ليكون بلد الطوق العربي الثالث الذي يوقع معاهدة سلام مع دولة الاحتلال الاسرائيلي بعد مصر والاردن وبالتالي استخدامه قاعدة ضغط على سوريا -- لهدفين الاول الاذعان لشروط السلام الاسرائيلية – الاميركية والثاني اغلاق النافذة السورية الوحيدة عربيا التي ما زالت مفتوحة ، وان مواربة ، على المقاومة الوطنية العراقية – كان يتطلب ازالة عقبتين الاولى القوات العربية السورية ، وقد تم فعلا خروج الجيش السوري من لبنان ، والثانية المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله وهذا هو الهدف الذي يدور حوله الصراع الراهن في لبنان والذي فجر الازمة الحالية .

ان فهم هذا البعد الاميركي – الاسرائيلي للازمة اللبنانية لا بد منه لوضع الازمة في سياقها . وفي سياق الازمة لا في سياق حلها يقول من سعروها حد الانفجار ان المنتصر في العتف الاخير كان حزب الله والمنهزم هي الحكومة في تحريض سافر للطرفين على بعضهما بهدف اطالة امد الازمة من ناحية وللتغطية على ما يصفه الاعلام الغربي وبخاصة الاميركي بانه نكسة للخطط الاميركية – الاسرائيلية في لبنان من ناحية ثانية وللتستر على خيبة امل الحلفاء المحليين لهذه الخطط الذين استجاروا باصحابها فلم يجيروهم من ناحية ثالثة .

ان الخاسر من انفجار العنف الطائفي هم اللبنانبون جميعا وهم كافة المنتصرون في حل الازمة وفي تجريدها من البعد الطائفي وهذا يقود الى وقفة عند سياقها الطائفي . ويلاحظ هنا ان خطاب المعارضة يصر على ان الازمة في بعدها اللبناني سياسية وغير طائفية بينما يصر خطاب الموالاة ولغة الاعلام الغربي وبخاصة الاميركي – الاسرائيلي الداعم لها على التركيز على حزب الله والطائفة الحاضنة له في معزل عن حلفائه العلمانيين من القوى الوطنية وعن التيار المسيحي الرئيسي الذي يقوده الجنرال السابق ميشيل عون المتحالف معه لاسناد وصفهم للازمة بالطائفية ويستعينون في ذلك بالدعم الايراني للحزب لتعزيز خطابهم .

غير ان مراقبا خارجيا مثل الاعلامي الاردني عريب الرنتاوي لفت نظره ان "الاعمدة الثلاث" ، وهي حزب الله وتيار المستقبل والتيار الوطني الحر ، التي تمثل "نصف اللبنانيين ان لم نقل ثلاثة ارباعهم ... وفقا لنتائج آخر انتخابات برلمانية في لبنان" تتميز بان ايا منها "لم يتورط بدماء اللبنانيين" و "في حروبهم الاهلية (الطائفية) او في حروب الاخرين عليهم" وانه "لا قيمة جوهرية تحسب للطوائف والمذاهب الاخرى" عداها ، كما كتب الرنتاوي في السادس عشر من الشهر الجاري ، ولا يمكن الا الاتفاق معه بان هذه "الاعمدة" السياسية اللبنانية ليست طائفية لا في سياساتها ولا في تحالفاتها الداخلية والخارجية بالرغم من ان كلا منها تحضنه طائفة .

لكن توافق الطوائف الذي اعقب الاستقلال على المحاصصة فيما بينها داخل مؤسسات الحكم تعرض لمتغيرات جوهرية منها على سبيل المثال ان المسيحيين لم يعودوا الاكثرية كما ان القيادات العائلية المتوارثة لهم قد تحداها قادة جدد ليسوا منها ، وان القيادة التقليدية للطائفة السنية قد انتقلت الى راسمالية تكاد تكون كوزموبوليتية ، وان الطائفة الشيعية التي انتقلت قيادتها من الاقطاع الى الحركة الوطنية الديموقراطية قبل ان تستقر الان في ايدي المؤسسة الدينية قد ازدادت عددا وقوة خصوصا بعد ان اصبحت وحزبها القائد عمودا فقريا للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي ، الخ.

وهذه المتغيرات وغيرها لم تنعكس تغييرا في ترتيبات المحاصصة القديمة في الحكم وعليه ، كما انها اخلت بالتوازن الطائفي القديم ، لذلك لا يمكن موضوعيا تجريد مطالبة حزب الله بدور حاسم لمعارضة هو عمودها الفقري في الحكم من دوافع طائفية وراءها قوى في الطائفة تدعمه لتامين دور للطائفة يتناسب مع المتغيرات الجديدة ، كما لا يمكن موضوعيا تجريد عصبية القيادة الجنبلاطية لطائفتها تجاه حزب الله من خوف طائفي من اخلاء الطائفة الدرزية لموقع الشريك الطائفي الثالث للمسيحيين والسنة في المحاصصة القديمة لصالح الطائفة الشيعية . وفي سياق هذه المعمعة الطائفية المدمرة لا يمكن كذلك استبعاد نظرية "التامر" من اوساط نافذة توارثت قيادة طوائفها وتخشى ان تفقدها نتيجة المتغيرات الجديدة ولذلك فانها تسعى الى ضرب الطوائف الصاعدة قوة او عددا او نفوذا ببعضها دون ان تتردد في الاستقواء بالاجنبي حتى لو كان اسرائيليا للبقاء في مواقعها ومن يريد شواهد على واقعية نظرية المؤامرة ما عليه سوى العودة الى التاريخ القريب للحرب الاهلية اللبنانية ودور بعض القيادات المسيحية التي بقيت على المسرح السياسي او عادت اليه بعد غياب .

ان المراقب الخارجي ، غير الخبير بشعاب بيروت مثل اهلها ، لا يسعه الا ان يستغرب مستهجنا لماذا ما زال لبنان منذ استقلاله عام 1943 عاجزا عن التخلص من نظام طائفي لا ينص دستوره عليه وما زال مثل سيف مسلط ما يكاد يرتفع عن رقاب اهله حتى يضرب مجددا وما زال ثغرة واسعة مثل بوابة جحيم للتدخل الخارجي الذي اكتوى عرب لبنان بناره اكثر من مرة بينما كل منهم يتهم الاخر بفتح الباب له ، بالرغم من ارتفاع مستوى الوعي السياسي ونسبة التعليم واعلام الفكر والثقافة واللغة وحتى السياسة الذين انجبهم لبنان ليسترشد بهم قطاع واسع من الراي العام العربي ؟

ولا يستطيع هذا المراقب تفادي التساؤل عما اذا كانت فرصة الحوار الوطني الجديدة التي اتاحتها وساطة جامعة الدول العربية لحل الازمة الراهنة سوف تنتهي بترسيخ الطائفية مثلما رسخها اتفاق الطائف الذي انهى الحرب الاهلية قبل خمسة عشر عاما .

ودون اغفال مصادر واهداف الحملة السياسية والاعلامية الخارجية التي تتحدث بالسنة لبنانية وتستهدف تقزيم العمود الفقري للمقاومة اللبنانية الى مجرد حزب فقهي وتستهدف حصره تحت سقف طائفي يجرده من أي نفوذ على مستوى "وطني" استحقه بجدارة نتيجة قيادته الناجحة للمقاومة التي دحرت الاحتلال وما زالت تتصدى له مما اهله ايضا لنفوذ عربي بعد ان انجز كحركة شعبية ، في ظل عجز الدولة اللبنانية ، ما عجزت دول النظام العربي عن انجازه ، ... دون اغفال ذلك لا يسع المراقب الخارجي تفادي التساؤل ايضا لماذا ما زال حزب الله اللبناني مستنكفا عن استغلال اوراقه الوطنية والعربية لكسر القمقم الطائفي الذي يحاولون سجنه فيه ليتحول الى مجرد ممثل لطائفة يتوارث قيادتها مثلما يتوارث قادة الطوائف الاخرى قيادتها منذ خمسة وستين عاما كرها او طوعا ، ولماذا لا يستغل نفوذه للنجاة من هذا المصير الذي يدفع اليه للضغط من اجل انهاء نظام الطوائف مرة واحدة والى الابد ولتفعيل الدستور اللبناني الحالي غير الطائفي فحسب دون أي طموحات اخرى ابعد من ذلك ؟

وعندما يستمع المراقب من خارج لبنان الى الجدل اللبناني حول سلاح المقاومة لدى حزب الله والمطالبة بنزعه بحجة مستوردة من القاموس الاميركي والاسرائيلي هي انه يمثل "دولة داخل الدولة" لا يسعه الا العجب والاستهجان والتساؤل اين توجد هذه الدولة التي ما كان للمقاومة ان تقوم بالدور الذي ينبغي على الدولة ان تقوم به في التصدي للعدوان الاسرائيلي لو كانت موجودة والتي يقول من تبنى هذه الحجة من اللبنانيين انها غير موجودة حتى الان بالرغم من وجود السلطة وانهم يريدون بناءها لكن "دولة حزب الله" تعيقهم ، دون ان يتطرقوا الى دول الطوائف التي تتوارث قياداتها العائلات نفسها وتتنازع فيما بينها منذ الاستقلال على السلطة والحكم ، حيث يوجد في كل مؤسسة تابعة لهما دويلات طائفية ولاؤها للقيادات الطائفية لا للسلطة ولا حتى للطوائف التي ينتمون اليها ، مما قاد الى تغييب الدولة اللبنانية ودستورها قبل ان يقود في النهاية الى انهيارها ليجد لبنان نفسه الان مطالب بالبحث عن الدولة واعادة بنائها لدى اولئك الذين هدموها !

ان الجيش اللبناني الذي انقسم فانحل نتيجة الحرب الاهلية السابقة بالكاد نجا من مصير مماثل في الازمة الراهنة غير ان هذا المصير سيظل يتهدده ، مثله مثل الدولة المطلوب منه حمايتها ، طالما ظل قائما على اسس طائفية ، والمفارقة ان الفضل في اعادة بناء هذا الجيش بعد الحرب الاهلية يعود الى سوريا التي يريد فريق لبناني منه الان ان يتخذ من العداء لها عقيدة قتالية له بدل العداء لدولة الاحتلال الاسرائيلي . اما المفارقة الثانية فتكمن في عجز سوريا "القومية" عن اعادة بنائه على اسس وطنية لا طائفية عندما كان الوضع الداخلي والاقليمي والدولي يمكنها من ذلك ، لتسجل الطائفية اللبنانية نصرا جديدا لها يضاف الى الانتصار الذي سجلته في اتفاق الطائف .

واذا كانت الاجوبة على هذه الاسئلة وغيرها ذات العلاقة بها ليس هنا مجالها فانها على كل حال تقود الى التطرق للسياق الاقليمي للازمة اللبنانية . ويقف الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين في راس العوامل الاقليمية الكامنة وراء الازمة الحالية كما كان مباشرة او غير مباشرة وراء الازمات السابقة ، فهذا العامل هو من اجتذب الدعم الايراني لمقاومته وهو الكامن وراء الحرص السوري على عدم تسليم ميسرة دفاعه الوطني الى قوة معادية تحتل جزءا من الوطن العربي السوري بينما ما زالت سوريا في حالة حرب معها او الى الراعي الاميركي لهذه القوة المعادية ، وهذا الاحتلال نفسه يقف وراء الضغوط الاميركية التي تحول الاختلافات العربية البينية – التي ستكون عادية مثلما هي بين الدول الاخرى لولا الاحتلال الاسرائيلي والدعم الاميركي غير المشروط له -- الى خلاف وانقسام حول لبنان .

ان استبدال ايران او سوريا باسرائيل كسبب في الازمة اللبنانية او استبدال "التطرف" في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي او "التطرف" الايراني – السوري في دعم هذه المقاومة بالاحتلال الاسرائيلي نفسه وعدوانيته التوسعية المتواصلة كصاعق رئيسي يفجرها مباشرة او بالوكالة الاميركية كلما انطفات نارها فيه اجحاف كبير ظالم بالحقيقة وفيه تضليل اعلامي قد ينطلي الى حين على الراي العام الغربي لكنه لا يصمد امام الحقائق على الارض التي يقف فوقها اهل المنطقة ، وما الوساطة العربية الجارية في الازمة اللبنانية الا مناسبة جديدة سرعان ما تكشف الجهود الاميركية لاجهاضها ، مثلما اجهضت سابقاتها الفلسطينية والعراقية والصومالية والسودانية وغيرها ، ما هي العوامل الحقيقية الكامنة وراء ازمة لبنان وغيرها من الازمات العربية .

* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*

ليست هناك تعليقات: