الثلاثاء، مايو 27، 2008

احذروا : سفاح يتجول في طرق غزة..!

محمد داود
أطفال بعمر الزهور يتحركون ببراءة وعفوية تقطعت بهم السبل، رغم المآخذ التي تنادي على أنهم عماد وديمومة المجتمع وتطوره راهناً ومستقبلاً. فالخاسر في أي حرب أو صراع هم الأطفال، وهذا ما ينطبق على قطاع غزة، نتيجة التصعيد الإسرائيلي وجرائم الحرب التي يقترفها من حصار جائر واستهداف مباشر بالقذائف المدفعية والصاروخية التي طالت العديد من الأطفال منذ أن أعلن الاحتلال عن تنفيذه المحرقة وحرب الإبادة التي بدأها في الأصل منذ عام 1948م، اشتدت رحاها في هذه الأثناء ضارباً بعرض الحائط كافة القوانين الدولية وحقوق الإنسان التي تكفل للأفراد والأطفال العيش بأمان وسلام.،... في ظل سلطة سياسية سيطرت على قطاع غزة بالقوة المسلحة، أتاحت الذرائع للاحتلال الإسرائيلي للإمعان في معاقبة الشعب الفلسطيني وكأن هذا ما ينقص شعبنا وأطفالنا، الذين دفعوا الثمن الباهظ بفعل فوضى السلاح والفلتان الأمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، تجسد بالقتل والتجويع والاهانة وغياب الأفق السياسي الواعي الحكيم، بعد أن أفرزت النتائج سلطة أمر واقع لا تستجيب ولا يعنيها تلبية الخدمات ومتطلبات شؤون المواطنين؛ فالمشهد هنا في غزة استثنائي إذ أصبحت الأماكن تعج بالشحاذين والمتسولين، والبطالة المقنعة يبحثون عن لقمة عيشهم بشتى الطرق، فتجد عمالة الأطفال والنساء والشيوخ بأعمار مختلفة، ولا غرابة أن ترى شباباً يتوسلون لشراء منهم سلعة بسيطة مقابل ثمن بخس، يطاردونك عند كل إشارة ضوئية غير مبالين من سرعة المركبات أو شدة أشعة الشمس الحارقة، وآخرين تجدهم في الأسواق والأماكن العامة، على أبواب البنوك والمحالات التجارية والمساجد، وحتى في الجامعات والمدارس، بل يطرقون بيتك في كل حين حتى تعطيهم ما تيسر، جاء بعضهم من مناطق بعيدة خشية التعرف عليهم، وهذا ما تحدثت عنه الصحف في غزة أمس الأول عندما كشفت النقاب عن رجل متسول يتخفى بزي امرأة، .. فيما انطلق بعض الأطفال والفتية بعد تجاوزهم الامتحانات وانتهائهم من الـموسم الدراسي حتى بدت عليهم ملامح الفرحة الغائبة، عيونهم مليئة بالأمل نحو غدٍ مشرق يعيش فيه الطفل متمتعا بكل حقوقه أسوة بأطفال العالم الحر، حتى وجدوا أنفسهم زجوا إلى الطرقات أو العمل على شاطئ البحر، وسط خشية من عدم تكرار الاستراحات والخيام و التنزه ... مخاوف من أن يتسم هذا العام بشح رواده نتيجة ظروف المواطنين المادية السيئة من جهة وتلوث مياه البحر بالمياه العادمة، التي تدفقت إليه بدون معالجة، بعد توقف العديد من المضخات عن العمل بفعل نقص الوقود من ناحية أخرى، ووسط شح في وسائل النقل والمواصلات المكلفة، فيما ينشغل الآباء متنقلين بين المؤسسات الاجتماعية والخدماتية سعياً في الحصول على مساعدة أو كابونة، لعلها تسهم على ما يسد رمق أسرته من لقمة العيش و توفير متطلباتهم. وفي الطرف الثاني تجري التحضيرات العسكرية الإسرائيلية لمواصلة العدوان الهمجي، لا سيما بعد فشل جهود صفقة التهدئة التي تسعى إليها حركة حماس لتثبيتها في قطاع غزة مع الجانب الإسرائيلي برعاية مصرية.
إن مشهد ألأطفال عند كلا الجنسين "الذكور والإناث" كان مثير للشفقة، عنوانه التسول، ولكنه أخذ أساليب مبطنة مختلفة للمحافظة على ما تبقى من معاني الكرامة وعزة النفس، بالتالي توزعت المهن والحرف لكنها تبقى في نفس الإطار، فمنهم من يتوسلك لشراء قطعة بسكويت أو علبة سجائر أو ولاعة أو لبان أو باكوا محارم، أو كممات واقية من دخان المركبات التي أصبحت تسير على زيت الطعام كوقود عوضاً عن المحروقات الأخرى، مما أحييت أمجاد وسائل قديمة على الانتشار مثل "العربة والكاروا"، فيما آخرين أعطوا الصبغة لعملهم من خلال إعداد تقارير طبية له أو لأحد أفراد عائلته بأنه معاق ويستحق الشفقة، أو تجد نساءً يحملن أطفالاً ويدعن أنهم معاقين أو أيتاماً. وآخرين اتخذوا علواً في المهنة فتجد من يلقون بأنفسهم أمام مركبتك في خطوة منهم لمسح زجاجها أو التوسل لأن تساعده بقدر حاجته، وآخرين أكرمهم الله "بقالون وقود أو أنبوب غاز" حصل عليه بعد مشقة بالغة ليتخذها مصدراً للبيع والرزق، لكن في جميع الحالات يبقى المعيار : إما بالنفور والرفض، أو القبول بالرأفة والإحسان، لكن الإهانة والإذلال سيدان الموقف، مما ترك أثاراً اجتماعية وتأثيرات نفسية لها تداعيات سلبية وصحية خطيرة مثل الخوف والرعب والقلق والحرمان وتوترات نفسية وعصبية، بل وصلت إلى حد الموت، وهو المشهد اليومي الواضح من الارتفاع الكبير على معدل الوفيات لا سميا الأطفال حديثي الولادة بفعل الحصار وعدم توفر إمكانات العلاج والدواء والأجهزة الطبية، بالإضافة إلى سقوط العديد من الشهداء الأطفال بفعل الاستهداف المباشر وعمليات القصف والاجتياح، والنقص الشبه التام في المكونات الغذائية الأساسية أدت إلى سوء التغذية و النقص عند الكثير من الأطفال لا سيما في ظل نقص شديد للأدوية والمستلزمات الطبية وخاصة أجهزة الحضانات الخاصة بالأطفال المولودين حديثاًُ والأجهزة الخاصة بعملية التنفس, الأمر الذي ضاعف من حالات الكساح و فقر الدم وغيرها من الأمراض الجديدة. هذا بالإضافة إلى انتشار غير مسبوق للأوبئة نتيجة تراكم النافيات وتدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع،.. واستخدام البدائل عن السلع التي أصبحت تختفي من الأسواق رويداً رويداً بفعل الحصار أهمها الحليب ومساحيق التنظيف و..، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأخرى التي أصبحت نادرة وإن وجدت فهي تُباع في الأسواق السوداء دون رقيب.
المشهد يدعوا للتدخل والعناية والاهتمام، فالأطفال الفلسطينيون يعدمون وتقتل معهم أحلامهم وتمزق أرواحهم وأجسادهم، .. محرومون من ممارسة أبسط حقوقهم الاعتيادية في الحياة واللعب واللهو، تطاردهم كوابيس وأشباح الموت، عالقون في سجن كبير محاط بأشواك وألغام وصواريخ كما يحاصرهم العنف والفقر والجهل، محرومين من الشعور بالأمان والهدوء في منازلهم و....الخ. وهذه العوامل التي أفرزتها تلك النتائج أوجدت ثقافة جديدة دخيلة على مجتمعنا أصابت الأطفال ألأبرياء على وجه الخصوص، هي : "ثقافة العنف والغضب" .. "نزعة الشر" والتسول واللامبالاة العاطفية، والجديد تفشي ظاهرة السرقة والاحتيال والقتل من أجل الحصول على المال، بالإضافة إلى المظاهر السلبية الأخرى التي تطرأ عليهم كالتدخين والإجرام، وهذا ما بات يعبرون عنه جلياً في ألعابهم، التي يقلدون بها مشاهد "الفلتان الأمني ومظاهر الملثمين والتعبئة الثقافة الحزبية الضيقة، أو التقمص بمشاهد الإرهاب الصهيوني وصواريخه القاتلة، والعجيب أنها انعكس بالإيجاب على نمو قدرات الأطفال العقلية والذهنية الواعية التي تفوق عمرهم، بالإلمام بأطراف الصراع.
وأخيراً أتساءل :
أليس من الأجدى أن نحمي جيلنا الناهض فلذات أكبادنا في لحظة تتنافس الشعوب وتتسابق فيما بينها مفتخرة بإبراز ما ينعم به أطفالها من حياة زاهرة تتسم بالرقي الصحي والذهني والنفسي والتربوي والثقافي ..، بينما أطفال فلسطين وخاصة أطفال غزة يسقطون ضحية الصراع بكل أطرافه ؟!
كاتب وباحث

ليست هناك تعليقات: