‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيثم البوسعيدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيثم البوسعيدي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، ديسمبر 22، 2009

جــمــيــلـة بـوحــيــرد.. وأمــة الأصـنــام

هيثم البوسعيدي

جميلة بوحيرد: ومن ذا الذي لا يعرف تلك الماجدة التي قدمت أعظم التضحيات في سبيل اخراج الأمة من ذل الاستعمار إلى عز الاستقلال، ومن ذا الذي لم يقرأ عن شجاعة هذه المناضلة التي هي مثال ناصع للمرأة العربية الاصيلة...إنها أم الجزائر وصفحة مشرفة في سلسلة الكفاح العربي عبر التاريخ.

ها هي أم الجميلات تخرج من عرينها بعد سنوات من التغييب والإقصاء، تطل علينا بعدما أهملها الجميع وأعتبروها في عداد الأموات..وبعد سنوات من الأهمال والنسيان..ها هي تشكو الألم وتتألم من قسوة المرض وتتطلق الصرخات في وجه أمة الاصنام التي لا تعير أي أهتمام للمناضلين والمبدعين وحملة العلم وأهل الإيمان..وكأنها تقول لازلت موجودة ولم أصبح بعد من مخلفات التاريخ.

حادثة مؤسفة تؤكد قسوة الأمة على أبنائها العظام ودليل قوي على صور المهانة والانحطاط العربي، ومثال ساطع على ما تتعرض له كنوز الأمة من قهر وظلم...فكيف بمن ضحى بنفسه واستبسل عن كل القيم ودافع عن أنبل المبادئ، فهل جزاءه أن يعيش الفاقة وتنزاح أعماله الجليلة من الذاكرة بهذه السهولة حتى لدى بسطاء الأمة.. وكيف تتغافل الأنظمة وتحتقرالمجتمعات هؤلاء العظام الذين هم بالاساس أسباب العزة ومصادر الكرامة وبقايا الصمود في خريطة أمة هي على مشارف الإنقراض وبدايات الضمور.

فأي أمة تأكل أبنائها في هذا العالم وأي أمة تحرق نفوس أولادها الخلص بهذه الطريقة غير أمة الأصنام التي لا تقدر سوى الجلادين واللصوص والمهرجين وأهل الرقص وباعة التسلية فتمنحهم أعلى الامتيازات من شهرة وأموال وسلطة وبهرجة وهم لم يقدموا أي شئ يذكر لنهضة الأمة ورقي الشعوب غير أستمرارية غيبوبة الأمة وأرجاعها إلى الخلف والوراء.

باحث عن الحقيقة

الثلاثاء، ديسمبر 15، 2009

هــل هـنـاك مـعـارضـة مـجـانـيـة؟

هيثم البوسعيدي
ليس معنى وجود شخص ينتقد هنا ويتهجم هناك أننا أمام معارض صادق، وليس كل ما يبثه المنتقد من إنتقادات غاضبة وشحنات عاطفية لأصحاب السلطة السياسية هو ناتج بدافع الذود عن هموم المواطن وقضايا الوطن.

كلام كهذا قد يوجه إلى أصناف كثيرة من أبناء الوطن الذين يعتقدون بصورة مباشرة أن كل من يتهكم عبر شاشات القنوات التلفزونية على نظام بلده وكل من يفرغ أفكاره الناقدة عبر المدونات والمنتديات والمواقع الالكترونية هو ينطلق من مبدأ وطني بحت.

يؤسفي أن أخالفكم هذا الرأي، في ظل ما نراه اليوم من وجود جملة ممن ينتقدون ما يحدث في عمان وهم في ذات الوقت يبتعدون أو يقتربون من دائرة الاحداث ، لنذكر أن مآرب جزء ممن يدعي المعارضة والانتقاد والمظلومية هي بالاساس غير منظوية تحت لواء المعارضة الصادقة والمصلحة الوطنية المخلصة ومنهجية الانتقاد البناء.

هذا يرجعنا مع اختلاف الفارق إلى طرح الأمثلة ومنا الدوافع التي وجهت مجموعة من الشخصيات والجهات المنتمية عبر التاريخ الحديث لجهة الإنتقاد والمعارضة العربية التي كانت أبرزها فيما مضى المعارضة العراقية وما مارسه جزء من المنتمون لهذه المعارضة من ازدواجية عفنة على كافة المستويات تمثلت في مصادقة الاحتلال والمتاجرة بدماء الأبرياء والتغذي على قوت وأموال الشعب، هذه المعارضة هي من احتلت الصدارة بمختلف شخوصها شاشات القنوات الفضائية لسنوات طويلة وطالبت بتحرير الوطن واقرار حقوق الإنسان وتنظيف البلاد من المرتشين والمفسدين، حتى انقلبت الموازين بعد فترة وأختفت في لعبة المصالح الشحصية والحزبية كل القيم والمبادئ والحقوق المتعلقة بالوطن والمواطن حتى لم يعرف أين موضع الحق وأين موقع الباطل .

وحال جزء ممن يدعون أفكار الانتقاد والمعارضة والرغبة في التغيير لا يختلف عمن سبقوهم في هذا المجال، حيث لا يخلو هذا الفريق ممن يتسلق قاصدا مطامع ذاتية وينطلق من مطلقات شخصية لا علاقة لها بحب الوطن وعشق ثراه ومحاورة نظامه، لان شريحة من هؤلاء هم أداوات في أيادي قوى الاستكبار وأوراق ضغط يستخدمونهم حيثما أبتعدت أو أقتربت مصالحهم، وهم في المقابل على استعداد لتقديم هذه الخدمات مادامت المكينة الأجنبية قادرة على توفير الدعم المادي والمعنوي لهم.

أخيرا يدفعنا هذا نحو القول أن قليل من يدعى المعارضة في أيامنا يعمل باخلاص للصالح العام والعمل الوطني الشمولي، ولو أن رشة خاطفة طالت أعلى رأسه لاسفل قدميه لتناثرت كل مبادئه وباع القضية بلمحة بصر، فهل يدرك من له عقل أن ليس كل من نعق بالتغيير والاصلاح هو مخلص وها هو التاريخ يطفح بكثير من الشواهد والامثلة لأن شريحة مما يسمى بجهة الانتقاد والمعارضة أنما يدورن أينما دار كأس السلطة ويلهثون وراء المال أينما خبأت صناديقه، لذا ليست كل المعارضات مستعدة لتقديم خدمات مجانية لأجل الوطن ومن أجل المواطن وليس كل المنتقدون أشراف وأطهار ووطنيون.

الخميس، أكتوبر 29، 2009

مــشـروع النــهــضــة الـعـربــيــة الـكـبـرى

هــيـثــم البـوســعــيــدي

مشروع النهضة العربية مشروع قديم تمتد جذوره إلى ما يقارب الـ 200 عاما حيث برز هذا المفهوم بقوة مع نشأت الدولة الحديثة في مصر في عهد محمد علي حاكم مصر آنذاك، بحيث تمكن هذا الرجل من تشكيل دولة جديدة مغايرة في الأنظمة والقوانين عن نمط الدولة العثمانية التقليدية التي أغرقت معظم الدول العربية في براثن الجهل ومستنقعات التخلف طوال حكم امتد لأربعة قرون ماضية، كما أنها لم تقدم أي انجاز علمي يذكر أو نبوغ فلسفي يخدم البشرية جمعاء طوال الفترات الماضية لتستحق في النهاية لقب " رجل أوروبا المريض"، ولكــن للأسف فإن الدولة الواعدة في مصر سقطت عبر فترات لاحقة بين مخالب الإستعمار وخضعت لكل مطالبه وشروطه واستفزازاته.

أما المقصود من مشروع النهضة العربية كما يؤكده فلاسفة ومروجي هذا الفكر أنها عملية واسعة ومهمة كبرى وحركة فكرية ونشاط عقلي يهدف لاخراج العالم العربي من مستنقعات الظلام والجهل إلى مشاعل التنوير والحرية والسعي الدؤوب نحو الإلتحاق بحركة العلم وتحقيق قفزات كبيرة في جميع المستويات والأصعدة الفكرية والمعرفية والإجتماعية حتى نقف على عتبة التغيير الحقيقي فنكون بذلك مؤثرين وفاعلين في حركة الحياة ومسار العلم وبذلك سنصل في نهاية المطاف لاحتلال الريادة بين أوطان وشعوب الكرة الارضية.

أما الموجة الأولى لهذا المشروع الضخم ظهرت بشكل واضح مع هجرة بعض المثقفون العرب للعالم الغربي عبر عقود متعددة والتي كانت من أجل التعرف على عالم الغرب عن قرب والاقتراب من إدراك المسببات الرئيسة لهذا التقدم والتطور، فأسماء مثل محمد عبده ورفاعة الطهطاوي وطـه حسين ذهبوا إلى الغرب في بعثات علمية وتعرفوا على التطور الحاصل في مجالات الفكر والأدب والعلم ومن ثم عادوا إلى بلدانهم وقد أصابتهم حمى الانبهار بما يحدث هناك في الغرب.

وفي نفس الوقت تكونت لديهم ردة فعل متابنية لما يجري هناك بعيدا عن أوطانهم ورغبة عارمة في التغيير والتحديث والتطوير، ومن هنا ظهرت الشرارة الأولى لهذا النهضة التي كانت بالأساس عملية احتكاك بين عالم متخلف وعالم متقدم أعقبتها تأثيرات نفسية وثقافية وفكرية وإجتماعية وحضارية جعلت العالم العربي بكل شعوبه ودوله ومجتمعاته يلهث وراء مشاريع التحديث والتطوير حتى هذه اللحظة دون أن يجني من هذا اللهاث التأثير العميق والتغيير الجذري في كافة المستويات والمجالات.

كما إن أسباب أخرى دفعت باتجاه ظهور مسمى النهضة بشكل قوي على الساحة العربية فمن قوى التنوير والاستعمار والانتداب وتصاعد الحركات الثقافية وتعدد الترجمات وشعور عام بحالات التخلف وتفشي صور الانحطاط المستشرية في الجسد العربي وتعدد مظاهر الحنق والغضب ضد المستعمر، مهد الطريق نحو ظهور جملة من الأفكار والشعارات التي صبت في بوتقة النهضة العربية مثل أفكار القومية العربية وأفكار العدالة وأفكار المساواة وأفكار التحرر وأفكار الثورة.

وفيما بعد تشكلت حركات وجهات أصبحت تنادي بهذه الشعارات بدون وعي فكري أو تخطيط منظم أو رؤية تصاعدية فلم تكن تسير هذه الشعارات الفضفاضة ضمن مشروع نهضوي عملاق أو استراتيجية شمولية تهدف إلى نقل الأمة والبلدان العربية من أدنى درجات الانحطاط إلى أسمى درجات التقدم، مع إن هذه الأفكار والمبادئ ساعدت الكثير من الحركات والشعوب العربية في جهود التحرر والانعتاق من قيود المستعمر وامتلاك مقاليد الحكم وزمام السلطات، ومكنتها أيضا من تحقيق جزء من الاستقلال الوطني والتنمية البشرية والاقتصادية والثقافية، بالإضافة إلى أن بعض الأنظمة العربية تبنت أحلام النهضة العربية كحلم " الوحدة " الذي تصدعت قواعده بمرور الزمان نتيجة تكاثر الأزمات وتعدد الإنشقاقات وانخفاض الحس القومي وتعاظم تأثير القوى الخارجية واطراد الخلافات والمآسي العربية لنصل في نهاية المطاف إلى ما يسمى اليوم "بمفهوم الدولة العربية الحديثة" بكل ما تحمله من سلبيات وتناقضات ومشاكل وأزمات معقدة.

وكنتيجة طبيعية لذلك فقد تخلت كثير من الأنظمة والقيادات العربية بفعل ظروف متابينة عن أحلام وطموحات النهضة العربية، فأصبحت فقط مشغولة بما يحدث في نطاق المجتمع والوطن المنتميه إليه فيما يمكن تسميته بحالة الإنكفاء على الذات والإنشغال بالهموم الداخلية.


وما سبق يؤكد أن تلك الأفكار بقت مجرد أفكار وشعارات تراوح مكانها ولم تكن فعل جاد ولا عمل حثيث ولا مطلب ضروري نحو تطوير شمولي وتحديث جذري للمجتمعات والدول العربية من القاعدة إلى قمة الهرم في كافة المجالات الفكرية والأدبية والسياسية والعلمية والقانونية، فعند البحث عن الأسباب الجذرية لهذه الأوضاع والظروف نكتشف حقيقة مهمة في مسيرة النهضة العربية، وهي أن علماء ومفكرين النهضة الأوائل لم يكونوا يمتلكون رؤية حقيقة لتطبيق شعارات وأفكار ومبادئ النهضة بحيث يمكن ترجمة نتائجها على أرض الواقع.

فعلى سبيل المثال لم يكن يهدف المشروع المزعوم إلى إصلاح ديني حقيقي ولم يكن يسعى لتطوير الثقافة العربية والوصول إلى صيغة تفاهم بين الحاضر والماضي فيما ما يمكن تسميته "بالمصالحة مع الماضي"، وهذه المسائل تعد من أخطر المسائل وأعقد القضايا لــذا كان من الصعب على مفكري النهضة الأوائل أن يواجهوا تلك القضايا الحساسة وجها لوجه في ظل مجتمعات متزمتة وأنظمة حكم بليدة وأوطان ضائعة منتهكة تعيش في أوضاع قهرية وظروف صعبة جدا.

كما أن الدولة العربية الحديثة لم تحتضن بين أركانها مشاريع متكاملة، إنما كانت مشاريعها عبارة عن أعمال بنائية ومجهودات تنموية ناقصة غير منظمة، فعند مراجعة الواقع العربي يتضح غياب التخطيط المنهجي في عملية تطبيق مبادئ وأفكار النهضة، ومنها أن الدولة كانت في بداياتها واقعة بين نموذجان للاقتباس وغير قادرة على السير على نهج أحدهما فأما الاقتباس من التجربة الغربية أو الانغماس في نموذج التجربة الإسلامية التقليدية، وهنا وقعت في إشكالية التخبط والعشوائية والأزدواجية في نواحي الحكم والسياسة والإقتصاد وإدارة المجتمع والتعامل مع الغرب لنصبح أمام أوطان تعاني أزمة في مواكبة مفاهيم الحداثة وبرامج التنمية بشتى أشكالها.

أضف إلى ذلك أن الدولة الحديثة ورثت كمية كبيرة من الأمراض المزمنة القادمة من الماضي السحيق ولم تستطع إيجاد العلاج الشافي لاستئصال هذه الإمراض من الجذور، فظهرت كل تلك الأمراض واضحة في الممارسات الفردية والسلوكيات المجتمعية من أعلى قمة في هرم السلطة حتى المواطن البسيط، إضافة إلى ذلك فإن الدولة العربية الحديثة خاضت حروب متباينة في الداخل والخارج من أجل إثبات الوجود وصناعة الاستقرار السياسي في ظل وجود قوى استعمارية وكيانات دخيلة عملت جاهدة لتحطيم بنية المجتمعات وخلخلة الأنظمة العربية الحديثة.

ومن ابرز هذه الكيانات " الكيان اليهودي" الذي مثل وجوده في الجسد العربي ضربة قاصمة لمشاريع النهضة العربية لأنه وجه ميزانيات وجهود الكيانات العربية الحديثة نحو مقاومة هذا المشروع الدخيل وخصوصا لدى الدول العربية الرئيسة في المنطقة، كما أن الدولة العربية الحديثة لم تستطع احتواء التفاعلات الناتجة عن ظاهرة الصحوة الاسلامية وتوظيفها بالشكل المطلوب لايقاظ الروح النهضوية العربية، وقيادة موجة جديدة في مشروع النهضة العربية الكبرى.

وما سبق ذكره يؤكد فشل الدولة العربية الحديثة في اشعال نيران المشروع النهضوي من جديد، وهذا بطبيعة الحال يؤدي بنا للاعتراف أن الدولة الحديثة عجزت عن توفير شروط النهضة العربية الكاملة وفقدت المرتكزات التي تقوم عليها متطلبات الحداثة وضرورات العصرنة، فالأحصائيات تشير إلى تدني عربي واضح في مجالات الصناعة والتوظيف والصحة والمشاركة السياسية والنمو الاقتصادي، بل إن الوضع الراهن في الساحة العربية أدى إلى ما يمكن تسميته بغياب التواصل الفكري الفعال بين فئات المجتمع ومكونات الدولة في الوطن الواحد بحيث أصبحت هناك حلقة مفقودة بين أهل السلطة والمثقفيين ورجال الدين وشرائح المجتمع الآخرى، هذا أدى بصورة مباشرة إلى انتصار الأصولية الفكرية التي أصبحت تـحتكر الحقيقة وتقمع الرأي المخالف مهما كان منبعه.

أخيرا يحق لنا أن نتسائل: هل بإستطاعة المجتمعات والدول العربية خلق حلقة جديدة من مشروع النهضة العربية في ظل فوضى الانقسام العربي وتكالب الأزمات العربية وذوبان مشروع النهضة في فضاءات العولمة ؟

في حقيقة الأمر نحن بحاجة لخطوات هامة وجهود حثيثة حتى يتمهد الطريق نحو انتهاج دروب النهضة وأهمها احداث زلزال قوي في ذاكرة العقل العربي واعصار مروع في قلوب قيادات الأوطان والمجتمعات العربية، لكن من بمقدوره احداث الزلزال وافتعال الاعصار؟

فنتائج تلك الكوارث الخلاقة ستحطم الجمود الذهني وستبدد الخمول الفكري وستجتث أشكال الهوان وأشجار الخوف الغائرة في القلوب منذ قرون سحيقة، وسندفع بالعديد من الأفكار النيرة نحو اتجاهات التنفيذ ومسارات التطبيق، وأولى هذه الأفكار السعي المخلص نحو ظهور فكر جديد ينفض الغبار عن التراث الديني والثقافة العربية التقليدية وليس ذلك معناه أن نمزج التراث بالحداثة أنما نسعى لتنقيح وغربلة التراث لتكوين فكر نقدي قادر على تدشين نهضة جديدة لا تقل أهمية عن نهضة القرن التاسع عشر، بل يحمل ضمن خططه وبرامجه رغبة جادة لإعادة قراءة التاريخ العربي بكل تفاصيله ومآسيه ويسعى من أجل التركيز على بناء الانسان العربي لاستئصال أمراضه المزمنة وآفاته التاريخية وإعطاء فرصة للعقل العربي للتفكير والانطلاق والتحليق عاليا لمسافات بعيدة.

أما الحكومات العربية فهي القيادات الرئيسة لهذا المشروع التوحيدي في عوالم التنفيذ، بينما تتبنى النخب الفكرية القيادة الرئيسة لهذا المشروع في عوالم التفكير والمعتقدات وهذا يستوجب على أنظمة الحكم العربي الاحساس بمقدار المسؤلية العظيمة وحجم المهمة الملقاة على عاتق الحكام والأنظمة العربية، ومن جانب آخر يتوجب على فئة المفكرين والمثقفين أن تتحلى بقدر من المرونة والواقعية الفكرية ليتسنى للمجموع العربي التوصل إلى اتفاق على أساس فكري ومصلحي مشترك .

كما أن هذا المشروع لن يفلح ولن يستقيم إلا إذا كان يحمل في مكوناته بذور الحل لموضوعات معقدة كالخلافات المذهبية والانشقاقات العرقية وحلحلة موضوع الهوية من أجل الاشتغال الجاد على توحيد الأمة العربية ووحدة المفتت والتركيز على الهوية الجامعة التي تجمع ولا تشتت لأنها مطلب ضروري ومبدأ أساسي تتكامل بواسطتها خصوصيات الوطن والدين والمذهب والأصول العرقية والإثنية، والأهم أن يكون المشروع قادر على توليد مجتمعات مدنية متمدنة مؤهلة حرة ديموقراطية تقبل التعددية وتكسر حواجز العنصرية المقيتة وتطفأ نيران النعرات القبلية والطائفية البغيضة وتسعى لترسيخ مبادئ المعرفة وتثبيت أصول الفكر الحر مع وجود سلطة مستنيرة تمكن المجتمع وشرائحه المختلفة من العمل الجاد والتعاون المثمر وتؤهله للقيام بالمهمة المنشودة والرسالة الحضارية.

وأخيرا فإن نجاح مشروع النهضة العربية الكبرى يتوقف على مبدأ " مركزية النهضة" حتى تكون نتائج المشروع ذات جدوى أكبر وتأثير أعمق، والوطن العربي الواعد الذي سيتمكن من تنفيذ مبادئ وافكار النهضة على أسس سليمة وقواعد متينة بفضل جهود نظامه وبسالة مجتمعه وتضحيات أفراده هو من يستطيع قيادة المشروع النهضوي العربي وتغذية نموه في كافة الأوطان العربية بل هو المصدر الوحيد والقائد المعنوي لكل أحلام الوحدة المنتظرة وأمنيات النهوض العربي.

الجمعة، أكتوبر 02، 2009

المجتمع، الدولة، وجذور الإصلاح

هـيـثـم البـوسـعـيـدي

المجتمع البشري تتشكل بنيته الأساسية من أفراد وفئات وجماهير ذات مستويات ومشارب متعددة ترتبط فيما بينها بجملة من الروابط والعلاقات المتشابكة، وتسعى المجتمعات بواسطة الروابط لتحقيق مصالح متعددة واحتياجات مشتركة، ويتميز المجتمع البشري بالقدرة الكبيرة على التغير والتطور والإنتظام بمرور الزمان، والانتقال من وضعية لأخرى عبر فترات زمنية طويلة وذلك من خلال جهود المؤسسات والجماعات المنطوية تحت لواءه بحيث تسعى لإحداث طفرات هائلة وتغيرات جذرية في هيئاته الإجتماعية ومساراته التنظيمية.

تعريفنا سلفا للمجتمع يقود إلى التمييز بين مفهومي المجتمع الفاسد والمجتمع الفاضل، حيث يكثر الحديث عن فساد وفضيلة المجتمعات في الشرق والغرب، وتتناول أدبيات المفكريين والمثقفين علامات فساد هذا المجتمع أو دلالات صلاح ذاك المجتمع، والمجتمع الفاضل إن وجد فهو مرحلة متقدمة للوصول إلى التطبيق الكلي للقيم الأخلاقية والمبادئ العليا التي أقرتها الأديان السماوية، وهو بمثابة البيئة التي تأخذ بمناهج المصلحيين وتتكاتف فيها الجهود من قبل جميع العناصر والمكونات والفئات بإتجاه تنفيذ الأوامر الإلهية والأخلاقيات الرفيعة.
أما المجتمع الفاسد إن وجد فهو مرحلة آخرى لإنحدار القيم والأخلاقيات بحيث تشير مجموعة من الظواهر والمؤشرات على زيادة حجم الفساد الاخلاقي والإنحطاط القيمي والذي يرتبط بعوامل متباينة يأتي على رأسها الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والظلم الاجتماعي، بالإضافة إلى تنافر المصالح وكـثرة الضغوط الخارجية وحدوث فجوة كبيرة في علاقة المجتمع بالدولة، فيسفر عن ذلك بمرور الوقت تصدع البنى الداخلية للمجتمع مما يجعله ضعيفا في مواجهة أخطار قادمة ستحول بينه وبين المحافظة على ما تبقى لديه من قيم ومبادئ وروابط.

ولا يصح إطلاق هذه التسمية أو تلك على أيا من المجتمعات الحالية، ولكن يوجد ما يمكن تسميته بالمجتمع المحافظ أو المجتمع المنفتح، والمجتمع في وقتنا الحاضر تنبثق من تصرفات أفراده وجماعاته مجموعة من الدلائل والعلامات والظواهر التي تشير إنه بإتجاه أن يصبح مجتمع فاسد أو مجتمع فاضل، بحيث إن نسبتي الفساد والفضيلة تختلافان من مجتمع لآخر، ويتباين وعي الجماهير والأفراد بحالات الانحطاط والرقي التي يمر بها هذا المجتمع أو ذاك.

والحديث عن المجتمع يبدو ناقصا إذا لم يتم التطرق لمفهوم الدولة وأهمية وجودها في وقتنا الحاضر، فالدولة منظومة شمولية تتألف من عدة عناصر ومكونات أساسية وهي الحكومة والشعب والإقليم، والدولة هي منظومة الحكم التي تملك سلطة تشكيل المؤسسات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في تلك المنطقة الجغرافية من العالم، وهي مكلفة بطبيعة الحال بتحقيق مصالح عليا وأهداف كبرى وذلك إلتزاما بالمبادئ والقيم المستمدة من القانون أو التشريع أو الدستور، وفي واقع اليوم فإن الدول تتنوع في أشكالها وأحجامها ووظائفها وأدوارها المختلفة، كما إن الحكومة في كل بلد هي الوسيلة التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها الحقيقية.

إذا هناك علاقة بين الدولة والمجتمع وهي علاقة قوية عند دراسة أوضاع الدولة وظروف المجتمع؛ لأن جل العناصر البشرية المكونة لأنظمة وأجهزة الدولة قادمة من مختلف طبقات وشرائح المجتمع، والمجتمع هو الحاضن والمستقبل لمشاريع ومخططات وسياسات الدولة، فالعلاقة بين الطرفين علاقة متشابكة وكلاهما يعتمد على الآخر.

والتأثير متبادل بيت الطرفين بحيث إن المجتمع يؤثر على الدولة والدولة أيضا تأثر على المجتمع، فالدولة من جانب لا تستطيع فرض قوانينها ومشاريعها بهذه السهولة وهي تتعارض مع قيم وعادات المجتمع، ولن تتمكن من تطبيق برامجها سواء كانت ذات أهدف إصلاحية أو إستبدادية خلال فترة قصيرة بدون الأخذ بالاعتبار بطبيعة المجتمع والبنية المكونة له وكمية الأفكار والمعتقدات التي يتمسك بها المجتمع، فكل ذلك يحتاج لعمليات تهيئة وخطط فعالة، فعلى سبيل المثال هل كان سهلا نقل المجتمع الخليجي من بيئة الانغلاق والبداوة وأنماط الحياة البسيطة إلى مستويات التطور الهائل في مجالات الاقتصاد والتعليم والسياسة؟ وهل تقبل المجتمع كل ما جاءت به طفرة النفط؟ وهل كان سهلا التخلص من بعض العادات البالية في مجتمعات ترتبط إرتباطا وثيقا بالماضي بكل ما يحمله من عادات وتقاليد متعددة؟

وعلى الضفة الأخرى فإن المجتمع قد يفرض كلمته وتتماسك أجزاء كبيرة من شرائحه لمواجهة مشاريع مطبوخة في بعض دوائر ومراكز الدولة، قد تستهدف المبادئ العليا والمعتقدات الراسخة في المجتمع وربما يؤدي تشدد الطرفين والرفض المتكرر إلى ظهور حالات الاصطدام بين الجماهير وأعوان الدولة، فالنظام الذي يخطط مثلا لتنفيذ استراتيجية كبيرة تتعلق بفصل الدين عن الدولة وعن الممارسات العامة في المجتمع سيصطدم بالكثير من العقبات والمعوقات والحصون المنيعة، ولن يستطيع ترويض الأفراد والجماعات خلال فترة بسيطة لقبول هذا المشروع، وهو يحاول الوصول إلى نسبة كبيرة من الأفراد في ظل مجتمع يشكل فيه الدين دورا مهما في تكوين عاداته وقيمه ومبادئه وروابطه الاجتماعية، وذلك الصراع المتوقع حدوثه بين الدولة والمجتمع سينتج عنه بعد مدة انتصار المجتمع وتشبثه بدينه، وقد يفشل النظام وتتراجع مخططاته للخلف وتضعف أجهزته بكل ما تتمتع به من وسائل صارمة وحيل خبيثة.

وترابط العلاقة بين المكونين لأي وطن: المجتمع والدولة يفرض أيضا تشاركهما في عمليات التغيير والإصلاح والتطوير التي قد تشمل جوانب محددة أو قد تطال جهات ومؤسسات كبرى في البلد، وتلك العمليات قد تنبع من عدة مصادر أهمها وجود ضرورات سياسية ومستجدات اقتصادية ومطالب مجتمعية تفرض نفسها بقوة لتجعل من الإصلاح بكامل أشكاله مطلبا ملحا للمجتمعات والدول، لذا فإن الإصلاح حاجة ضرورية في حياة المجتمعات والدول ومؤشر قوي لوجود مجتمع حي ودولة تمتلك إدوات التغيير وإرادة التطوير، فبعض الدول والمجتمعات تعيش حالات من التنمية في جوانب التعليم والاقتصاد وتتشارك الموارد الاجتماعية والمواهب الفردية والعلاقات الاجتماعية في هذه العملية، وتتفاعل معها المؤسسات الرسمية والجهات الحكومية وشبكات العلاقات غير الرسمية، وهنا يتفاعل دور الدولة ودور المجتمع وتتضح قدراتهما في عمليات التنمية.

والإصلاح المنشود في المجتمع والدولة عبارة عن عملية متواصلة واستراتيجية شاملة على فترات متباعدة وطويلة تمتد لكل الجوانب والأماكن ولا تقتصر على مجال دون آخر، وهي جملة من الإجراءات والقرارات والقوانين والسياسات التي تهدف بالأساس لخلق بيئة آخرى توفر كل ما هو جديد في المجالات السياسية والتشريعية والقانونية والدستورية، كما إن الإصلاح الذي يعتبر في الأصل شراكة بين عدة جهات ومؤسسات يمهد لظهور ظواهر صحية جديدة كحرية التعبير والتعددية ونزاهة الانتخابات والجدية في محاربة الفساد وتعميم مبدأ تكافؤ الفرص ونشر مفهوم عصرنة المؤسسات، بل يساعد في بروز مفهوم التنمية المستدامة بحلة جديدة بحيث يتعزز دور التعليم وتتعاظم الخطط الاقتصادية ويتعمق دور القطاعات الصناعية والتكنولوجية ويتنامى دور الفرد والمواطن سواء اكان رجل أو إمرأة في هذه العملية الحساسة.

ولكن هذا الإصلاح لابد أن يكون ذا طابع تراكمي وتدريجي بل له جذور متأصلة ومصادر رئيسة في أركان الدولة وخلايا المجتمع، بحيث يبنى بالأساس على قواعد صحيحة ومنطلقات سليمة حتى يحقق أهدافه المنشودة فينقل المجتمع والدولة من حال إلى حال، فما هي جذور الإصلاح وما هي منطلقات التغيير؟

جذور الإصلاح تكمن في خطوات التغيير الجادة التي تبدأ من أعلى سلطة في الدولة والمجتمع، خصوصا في مكونات النظام الذي يحكم العلاقات الدائرة في الدولة والمجتمع معا، وعند ذلك سيتمهد الطريق الوعر وستبدأ أولى مراحل التغير المطلوب.

فالنظام هو قائد مسيرة الإصلاح في أي وطن وحتى يمتلك صفات وخصائص القيادة فيجب عليه أولا أن يتمتع بالاستقلال السياسي الذي يتمثل في تأكيد حرية الإرادة السياسية من إمكانية وجود املاءات خارجية بالإضافة إلى قدراته الفذة في التعامل مع كافة الضغوط بحكمة وعقلانية، ومن ثم لابد أن يمتلك الرغبة الحقيقية للإصلاح والتغيير الداخلي الذي سيؤدي بمرور الزمن إلى بروز مرحلة الوعي بحجم الخلل الواقع في علاقة الدولة بالمجتمع، وهذا يؤكد أن من هم في النظام في هذه الحالة على درجة متقدمة من الإدراك والانفتاح والفهم الصحيح لما يطلق عليه بالدولة العصرية.

والإصلاح المنوط بالنظام يتطلب في مرحلة لاحقة البدء بإجراءات كثيرة لاصلاح أجهزة الدولة من الداخل كتحديث الإدارة وتعديل الدستور وإعادة النظر في عمليات اتخاذ القرار وتحديد أدوار المؤسسات الرسمية وإقامة التوازنات بين مختلف السلطات، كما أن تطويرالإدارة يحتم تغليب المصلحة العامة لا المصلحة الفردية، فكما هو واضح اليوم فإن تغليب المصالح الشخصية في أجهزة الدول يترتب عليه ضعف المسئولية السياسية والإدارية وبروز فجوة في عمليات نقل الخبرات بين أجيال قادة أجهزة الدولة واستبعاد الكفاءات وذوي النزاهة من تقلد المواقع العمومية‏، وتراجع مبدأ تكافؤ الفرص مما يساعد في تدهور أداء أجهزة الدولة‏ وعدم جدية برامج التدريب والتعليم وتخلف الفكر الإداري وضعف الطابع المؤسسي في إدارة الدولة لصالح أمور شخصية ومنافع ذاتية، لذا فكل ما سبق يحتاج من النظام عمليات إصلاح جادة وخطط تغيير فاعلة عبر فترات زمنية غير محددة لابد أن يقودها أشخاص مؤمنين بعملية الإصلاح والتغيير والسيرنحو الأفضل.

ثانيا: يأتي الحديث عن الخطوة التالية في عملية الإصلاح والتي تتطلب إعادة نظر جذرية و متأنية في علاقة الدولة بالمجتمع، ومعرفة مطالب المجتمع وحاجات أفراده التي يتم اكتشافها من خلال فتح حوار وطني منظم وواسع وعميق يهدف للمكاشفة ومعرفة مواطن الخلل ونقاط الضعف وتحديد الظواهر الشاذة وإدراك الأمراض التي تنخر خلايا المجتمع وأجهزة الدولة وتحديد المسؤوليات وتوزيع الواجبات.
من ثم كل ما سبق سيضمن بلورة عقد اجتماعي وسياسي جديد سيؤدي لجملة من الأمور الإصلاحية، تكون أولى بوادرها إفساح المجال للمشاركة الشعبية على الصعيدين السياسي والتنموي فيكون أفراد المجتمع عند ذلك أكثر قربا من الدولة ووعيا في التعامل معها وتحسسا بالقضايا المصيرية، بالإضافة إلى بروز قضية الهوية المدنية والتي لا تلغى الهويات الفرعية مع التذكير بأهمية التعاطي الإيجابي مع العلم والبحث العلمي والتكنولوجي والاستقلال الاقتصادي الذي يسعى لتوفير إمكانات التنمية الاقتصادية المعتمدة على الذات الوطنية.

كل ما سبق يمهد نحو تكامل أدوار الحكومة والمؤسسات الرسمية والجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب لنصل إلى تفعيل وجود المجتمع المدني الذي ينفخ الحس الطبيعي للإنسان، لتحوله من حس أهلي إلى حس مدني يدرك ذاته ويعي موقعه في مجتمعه وواجباته وحقوقه ودوره المهم في بناء الوطن.بهذه الاعتبارات وبتلك الإجراءات ستزداد اللحمة الوطنية وتصبح علاقات المواطن بالدولة علاقات قائمة على الثقة والتكامل والتعاضد والسعي نحو تحقيق مصالح الوطن المشتركة.

هذا يوصلنا إلى حقيقة أن الدولة وخصوصا النظام المكون لها هو صاحب القيادة في إحداث التغيير والتطوير ونقل الوطن من حال لحال آخر، وقياداته لن تتمكن بمفردها بطبيعة الحال من اشعال الحراك السياسي والثقافي والاقتصادي في الوطن بدون الرجوع لشرائح وفئات المجتمع المختلفة.
إما عندما يتخاذل النظام عن إحداث التغيير والإصلاح ويسكت عن كل ما هو سيئ ويصر على السيطرة على كل ما هو في الوطن بيدا من حديد فإن الهوة بين الدولة والمجتمع ستزداد، ولابد ان يأتي يوما سيدفع النظام الثمن وتضطره الظروف للتغيير وربما ينشئ تغيير جذري في الهيكل التنظيمي للدولة متمثلا في ظهور قيادات ومصلحون جدد يرغبون في إحداث طفرة في الوطن وتنفيذ اجراءات تخلص المجتمع والدولة من الكثير من الاسقام والامراض والظواهر السلبية، اما المجتمع فقد يقع في هذه الحالة في وضعية المستقبل أو المساند لكل هذه التحولات .

الأربعاء، سبتمبر 23، 2009

أهــلا بالأزمات

هيثم البوسعيدي

*أزمات كبرى تشتعل في أرجاء المعمورة، تختلف أشكالها وتتعدد مصادرها، فقد تكون بيئية أو صحية أوناتجة عن الفعل البشري كالحروب مثلا لكنها تأتي نتيجة الكوارث والمآسي التي تلحق الضرر بالإنسان والبيئة والمجتمع، ورغم آثارها المدمرة فإن للأزمات فوائد عدة فكما يقال " رب ضارة نافعة"، لأنها تكشف المستور وتعري القصور وتفضح المسكوت عنه وتظهر السلبيات كما هي وتسلط الضوء على السلوكيات المنحرفة، وتبرز مدى التلاحم أو التنافر بين الشعب وحكومته من جهة ومن جهة أخرى تتضح حقيقة أخرى ذات أهمية قصوى ألا وهي ضعف أو قوة الروابط بين شرائح وفئات المجتمع وما مدى قدرات هذه المكونات في التصدي لهذه الأزمة العابرة.

والأهم من كل ذلك ما تكشف عنه الأزمات من أمور وخفايا عدة لا تظهر على السطح إلا بشكل مفاجئ وفي أوقات الشدائد ولحظات المحن مثل ضعف الإدارة وتردي الأوضاع وسوء التنظيم والغفلة عن معالجة بواطن الخلل وتخبط القيادات في مختلف أجهزة الدولة وإخفاقها في التعامل مع مخاطر الأزمات.

هـنا تصبح القيادات في خبر كان ووضعية محرجة بحيث لا تستطيع التستر على النتائج السلبية للأزمات المستفحلة والتي يترافق معها مزيد من الخسائر المادية والبشرية والمعنوية بل تتضح حقيقة الفشل المدوي لكل السياسات المزعومة والخطط الكاذبة والأستراتيجيات المفتعلة.

وبمرور الوقت يكون الوطن بكامله أمام فضيحة بل أشبه بمهزلة لا يستطيع بسببها أهل المسؤولية من ستر العورة ووقف التدهور الحاصل في مختلف الاتجاهات وهم الذين حملوا الأمانة وسخرت كافة الإمكانيات لهم وخصصت لهم الميزانيات اللامحدودة، فأين الخطط؟ وأين البرامج وأين انجازاتهم المصطنعة؟ وأين القفزات المزيفة؟ وأين الاحساس بقيمة المسؤولية التي وضعت بين أياديهم؟ وماذا حققوا خلال الفترات الماضية للأوطان والمجتمعات غير تضخيم مصالحهم الشخصية والغرف من خيرات الوطن والالتصاق بالكراسي لسنوات طويلة.

لذا لن يتصدى مثل هؤلاء لأي كارثة قادمة أو أزمة عابرة لأن فاقد الشئ لا يعطيه، فالازمات والمحن هي في نظرهم حدث عابر لن يزعزع ما وصلوا اليه من مكانة وحظوة لعدم وجود مبدأ المحاسبة ومعاقبة المسئ ومسائلة المقصر، وعندما يسود هذا الفكر المدمر لن تصل تلك المجتمعات والدول إلى مرحلة مواجهة الأزمات بفعالية والتصدي للكوارث والمآسي بحزم وثبات إلا إذا اصبح أهل المسؤولية على درجة عالية من الأخلاق ومستوى كبير من الإيمان والإحساس بالمسؤولية والإدراك الحقيقي لمعنى الادارة وقيمة السلطة...وحتى تصل الأوطان لهذه المرحلة فلنقل للأزمات أهلا أهلا لأنها ستكشف الحقائق وستزيل الأقنعة وتعري الانتهاكات المرتكبة بحق الجميع*

الأربعاء، أغسطس 19، 2009

الصحافة المحلية وإهمال الأقلام المتميزة

هيثم البوسعيدي
سؤال يتبادر إلى ذهني: ماذا قدمت؟ وماذا تقدم الصحافة المحلية بكل صحفها ومجلاتها للكتاب الواعدين؟ وما مدى فعاليتها في استقطاب الأقلام الرائعة في هذا الموقع أو ذلك المنتدى؟

قصور كبير من قبل هذه الصحافة من ناحية الإهتمام بهذه الفئة المبدعة، وهذا ما نراه واضحا في تجاهل ما يكتبه مبدعو الإنترنت وما تخطه أناملهم من مقالات وقصص وأبحاث...بالله عليكم هل ملاك الصحافة في بلادنا يتتبعون أصحاب الأقلام المتميزة في المواقع الثقافية والمنتديات الادبية؟

طبعا لا...ما هي اعذار وعلل ومسببات هذا الإهمال؟ لا اجد أسباب مقنعة لهذا التهميش أو التنصل من تبني هذه الفئة المتميزة أم هي ادعاءاتهم المتكررة أن ما يكتبه كتاب الإنترنت مجرد: نسخ ولصق وصف لمجموعة من الحروف والكلمات.

في واقع الأمر هذا إدعاء مردود عليه فكم نسبة المنتمون لفئة التحريف والتزيف، وهل القارئ بهذه السذاجة والبساطة بحيث لا يستطيع التمييز بين الجيد والردئ والصدق والكذب وهو يتصفح عشرات المواقع والمنتديات وينتقل من هذا المقال إلى ذلك البحث.

إن أغلب الأقلام المتميزة تحمل فكرا واعيا وثقافة واسعة وعقلية فذة وهم من حملة الشهادات الجامعية بل لا تقل درجة وعيهم ومستوى تفكيرهم بما يجري من احداث ومجريات في الوطن والأمة والمجتمع عن ما يكتبه الكتاب والصحفيين المنتمين لهذه الصحف والمجلات.

ولكن المسألة بصراحة تتمثل في طغيان العلاقات الشخصية على عمل هذه المجلات والجرائد التي تتجاهل المبدعون وتمارس ضدهم أسلوب القهر والتغيب، ولكن في نفس الوقت تفتح الأبواب لمن هم أقل علما وكفاءة بل تهدي الأعمدة والصفحات لمن هب ودهب، فهذه الكاتبة من أقارب رئيس التحرير وهذا المبتدأ رئيس المركز الفلاني وذلك الكاتب عضو في ....، بل تعطى الأولية وتوهب الفرصة للقادمين من خارج الحدود وتقدم صفحات الجرائد على طبق من ذهب للأجانب ولا يمنح القلم الوطني فرصته لاثبات ذاته...إذا الأمر لا يتعلق بالشفافية والمصداقية وإتقان حرفة الكتابة إنما يخضع للعلاقات الشخصية والأهواء الذاتية والإتكال على مجموعة محددة من الكتاب المنغلقيين والمنعزليين عن ما يحدث خارج جحورهم الضيقة.

هذا يدعو لإثارة السؤال التالي: لماذا تقفل الأبواب في وجه الكتاب الواعدين؟ هل خياره فقط أن يبقى كاتبا في صفحة القراء يمارس أوليات الكتابة كما يمارسها المبتدئين وطلاب المدارس والحجة انه كاتب صعير وغير معروف كما هو حال كتابهم الكبار ولن يصل الى مرحلة الكتاب الكبار لتخصص له مساحات ضيقة في صفحاتهم إلا بعد مضي ردحا من الزمن، ويا لهذه المساحات والأعمدة الخاوية التي لا تعالج المواضيع الحساسة والقضايا المصيرية، لذا أيها الكاتب المغيب والأديب المضطهد أحمد الله الذي رحمك في هذا الزمن ووهبك مواقع الإنترنت لتسرح وتمرح بمقالاتك المميزة وقصصك الجميلة بعدما ضاقت أبواب الصحف ونوافذ المجالات بما تحمله من فكر وأدب.

أخيرا تيار كتاب الانترنت ليس منافس قوي لكتاب الصحف، إنما هذه الاقلام المميزة رافد لتطوير الصحافة الورقية والدفع بها نحو الامام لانها أقلام مخلصة ضحت ولازالت تضحي بالوقت والجهد والتفكير من أجل الكتابة وإيصال الأفكار النبيلة وتبذل الكثير والكثير بدون أن تنتظر مقابل مادي...إذا ألا تستحق هذه الاقلام الفرصة المناسبة لاخذ مكانتها الحقيقية في عالم الكتابة ...ام يجب ان يفوز احدهم باحدى المسابقات المحلية والجوائر العربية حتى تسلط عليه الاضواء وتهرول اليه الصحف للفوز بحروف كتاباته...والعار كل العار والخزي كل الخزي للصحف والمجالات المحلية عندما يسعى الإعلام القادم من خارج الحدود لاحتواء المبدع المغيب وإظهار انتاجه وصحفنا غافلة عن هذا القلم الفذ لنصل في النهاية سؤال محير: هل هذا قصور منه أو قصور من الصحافة المحلية؟

الثلاثاء، أغسطس 04، 2009

غول الواسطة في القطاع الخاص

هيثم البوسعيدي

غول الواسطة ينتشر في اتجاهات مختلفة، بل هو أشبه بانتشار النار في الهشيم، ولا دليل أوضح ولا مثال أبرز على " الواسطة" مما يحدث اليوم في أوساط الكثير من شركات ومؤسسات ما يسمى بالقطاع الخاص.

وإحدى صور هذا الواقع تتمثل في تجنب اختيار الكوادر المؤهلة من ناحية الخبرة والشهادة واللغة والأخلاق مقابل أختيار كوادر اخرى يتم تعيينها لأسباب مرتبطة بالواسطة.

ومن ناحية فهذه الشركات تتباهى يوم بعد يوم بتوظيف أهل الخبرة والكفاءة وذلك ما تنفيه الشواهد والأدلة، فالواقع يقول أن جل هذه الشركات تخضع لإدارة غبية كسولة هي بالأصل مجموعة من شلل المستثمرين الذين لا يعرفون من الإدارة أي شئ حتى الألف باء.

وهم فالحقيقة مجموعة من اللوبيات أو الاحزاب، فكل لوبي يوظف من يريده حسب هواه ومزاجه، والأفضلية طبعا تكون لمن ينتمي لطائفته أو قبيلته أو لمن له صله به من قريب وبعيد، بالإضافة إلى وجود كمية كبيرة من الأجانب والوافدين في إدارات هذه الشركات البليدة.

وبالنسبة لقضية جودة العمل وتطوير الإدارة فليست بذات أهمية لدى هؤلاء وربما هي موضوعة كخطط مستقبلية في أدراج مكاتبهم العفنة، ناهيك عن أمراض وسلبيات اخرى تنخر جسد هذه المؤسسات من الرأس الى القدم.

وأخيرا فإن من لديه جميع المواصفات المطلوبة ولكن تنقصه ورقة اليانصيب " الواسطة" فلن يتمكن من دخول جنتهم الموعدة والتي تزخر بشتى أنواع الخيرات، لذا فإنني أوجه له نصيحه أخوية: لا تتعب جسدك ولا يحتار فكرك ولا ترهق عينيك ولا داعي لرؤية وجوههم المقرفة، فالفائز بورقة اليانصيب معروف ومحدد ولا فائدة من جملة المقابلات المعقدة الصعبة عليك والسهلة على صديقهم الذي ستهل عليه قريبا رياح النعيم، لأن مقابلاتهم مجرد تسلية تسبقها إعلانات منمقة في الجرائد هي فالحقيقة أقرب إلى الضحك والهزل منها الى الجد والصدق.

الاثنين، يوليو 27، 2009

مأساة العقل العربي

هـيـثـم الـبـوسـعـيـدي
كثر الحديث عن أسباب التخلف العربي وجذور الفشل وعوامل الانحطاط، وما تعيشه الأمة من آثار سلبية في كافة الجوانب على الرغم من التغيرات البسيطة في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم التي تتباهى بها الأنظمة من المشرق حتى المغرب وتطلق عليها في ذات الوقت عدة مصطلحات مثل "إنجاز" و" نهضة" و " تقدم".

وهذا الفشل الذريع والتردي الذي تتحدث عنه كثير من الدراسات أرجعه كثير من المفكريين والفلاسفة العرب لعدة أسباب جوهرية، من أبرزها وأهمها ما يعيشه العقل العربي الفردي والجماعي من أوضاع صعبة وظروف متردية تمتد جذورها لفترات زمنية طويلة غير محددة.

والعقل بالأساس هو حصيلة الأفكار والقيم والمبادئ والمعتقدات والعادات التي ترتكز عليها الثقافة المنتمي إليها ذلك العقل، ونظرة سريعة لصفات وخصائص العقل العربي تدفعنا لاكتشاف ما يمر به هذا العقل من حالات حرجة وأوضاع متأزمة وذلك بسبب سيطرة جملة من الأفكار على جزء من تكوينه وتفكيره، لتؤدي بمرور الزمان لوضعه في حاله أشبه بالأسير القابع في سجن كبير لا يستطيع الخلاص من قيوده ولا الفكاك من قبضة سجانه.

فهذا العقل يتصف بأنه عقل ماضوي جامد يتغنى بالماضي والأمجاد العتيقة، ويتعلق بجزء من المعتقدات ذات الطابع التقليدي التي لا تجر معها سوى الويلات والحروب الطائفية والمشاحنات القبلية.

كما أنه يلتصق دائما بسلبية الرجوع للخلف والالتصاق بالتفسير الماضوي لحقائق العلم والتقدم دون إعطاء فرصة للعقل للانطلاق والتوسع في مجالات التفكير، لذا فإن التفسيرات المحددة والدوران في الحلقات المفرغة يجعله دائما محبوس في مساحات ضيقة وحدود مغلقة.

وهو من جانب آخر عقل غير واعي يعيش حالة من الغيبوبة والسلبية والتناقض وخصوصا أمام "التطور الحاصل في العالم" دون أن يتفاعل معه أو يستفيد منه بطريقة جديدة من أجل تحقيق قفزات واسعة وانتشال أوطانه ومجتمعاته من حالات الانحطاط إلى حالات الازدهار، وذلك راجع بالأساس لاعتقاده أن مفهوم المعاصرة والحداثة عبارة عن حرب ثقافية ضد قلاعه الفكرية وحصونه العقائدية وميراثه الحضاري مما جعله في وضعية المشتت بين الحفاظ على الهوية الموروثة أو تمزيقها أو البحث عن هوية مصطنعة أخرى دون إدراك الأسباب الرئيسة لحدوث ذلك التخبط.

فجزء من تلك الأسباب واقع في سوء تعامل العقل العربي مع الواقع وتغافله عن إدراك تفاعلاته وطبيعة القوى التي تتحكم فيه كما أن أحد أسباب حدوث ذلك التخبط هو سوء فهم الأحداث الجارية الآن في المجالات العلمية والإنسانية في العالم كله.

هذا أسفر عنه وجود مسافة واسعة بين العقل العربي ومفهوم المعاصرة والتقدم دفعته نحو تجاهل تحديات المستقبل والتغافل عن اقتناص الفرص وإهمال التوجه نحو مسارات التقدم والحداثة.

والنقطة الأبرز في معاناة العقل العربي تتمثل في وجود ثقافة أحادية الجانب تسيطر على تفكير الأفراد في كثير من المجتمعات العربية، وتسعى لتوزيع قيم القبيلة أو الطائفة أو الانغلاق عن الذات بين أفرادها، وقيم أخرى ذات طابع انعزالي ونزعة شيفونية، بل تدمن هذه الثقافة بعض اللعب الغبية من أمثال " أضحوكة المؤامرة ".

وهذه الثقافة تمتد جذورها لما قبل الإسلام بحيث ظلت لوقتنا الحاضر ولم تستفد من الثورة الفكرية التي أحدثها الإسلام، فقد أنقلب العقل العربي بعد فترة من ظهور الإسلام على أجزاء مهمة من القيم العظيمة والمبادئ العليا، وأبرز تلك المبادئ " العدل " الذي غاب عن بلاط الحكام مما نتج عنه افتقار الحياة العربية لمبدأ " العدل " في شتى شؤون ونواحي الحياة عبر قرون طويلة.

كل ذلك أدى لوجود مجتمعات متخلفة تملؤها العواطف الساخنة والأوهام الكاذبة لتنتج عن تلك السلوكيات عدة مساوئ وأضرار منها: سوء الإدارة، مركزية الدولة، تسلط الفرد، انتشار الفساد، أنظمة تعليم متهالكة، اقتصاديات هشة، أشكال مختلفة للتعصب، غلبة العاطفة في الأمور الاجتماعية والسياسية، بروز" الأنا " المتضخمة ضد المخالف للمذهب والعرق والطائفة والوطن، بالإضافة إلى طغيان ماضوية المذاهب والفرق التي أغرقت الأفراد والمجتمعات بمزيد من الخلافات الحادة والأحقاد المدمرة.

والمتأمل قليلا لحالة الأمة يثبت له صحة النقاط سالفة الذكر، فالأمة حاليا في وضع محرج بحيث أصبحت غير قادرة على استقبال قيم التعددية وقبول الآخر والإيمان بعالمية العلم والمعرفة، بل فشلت فشلا ذريعا في حسن التعامل مع حركة حقوق الإنسان وحقوق المرأة ومبادئ الديموقراطية، كما أن الأنظمة الرسمية العربية على اختلافها هي بالأساس نتاج دول مزيفة وهزيلة وهذا ما أكدتها حادثة احتلال العراق، ولم تصل إلى مرحلة البلادة السياسية والإنسانية التي تعيشها في الوقت الحاضر إلا بعدما عبثت بالأوطان والمجتمعات بشتى أشكال القمع السياسي والاضطهاد الفكري مما أسفر عنه مجتمعات ضعيفة القرار غير قادرة على المشاركة في صناعة الحدث، ليصبح بعد ذلك المواطن العادي ذا طبيعة انهزامية، يبتعد عن مطالب الحرية والعدالة والمساواة ويتخذ مواقف ذليلة خانعة في كل الأمور المفروضة عليه مقابل " لقمة العيش " وبضعة دراهم، وفي نفس الوقت تمارس هذه الأنظمة العربية دور الخانع الذليل ولكن أمام القوى الكبرى في العالم.

أما المجتمعات العربية فهي تعيش اليوم أشبه بحالة اللاوعي والخوف من طرح الأفكار التجديدية والاطروحات التنويرية، مع وقوف عقل النخب العربية في الظل بحيث أمست غير قادرة على ممارسة دورها في رسم إشارات التقدم ووضع خطط فاعلة للخروج بالعقل العربي من مأزقه. والأصعب من ذلك أن الفشل في مواجهة النظام العالمي الجديد أدى وسيؤدي لغياب الكثير من القيم النبيلة وإلغاء الكثير من معالم الشخصية العربية وتحطيم الواقع أكان سياسيا أو معرفيا أو جغرافيا، وسيمهد نحو بروز إشكالية المجتمعات الاستهلاكية غير المنتجة وربما نصل سريعا إلى مرحلة المجتمعات المادية مما يؤدي بشكل كبير لتشويه العقل العربي أكثر مما هو مشوه ووضعه في خانة أشد مأساوية.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل من سبيل لانتشال العقل العربي من مأساته ؟
الحل هو في إخضاعه لعميلة نقد واسعة ومراجعة دقيقة ودراسة متعمقة وتحليل منطقي يتم من خلالها مناقشة مجموعة الأفكار الحالية والمعتقدات والقضايا التاريخية القابعة في عقل الإنسان العربي لأجل غربلته من الشوائب وتنقيته من السلبيات مع الاحتفاظ بجزء من القيم الأصيلة والمبادئ العليا ذات الجذور الإسلامية والعربية، بالإضافة إلى أهمية قراءة التاريخ بنظرة دقيقة وفاحصة لفهم الحاضر والماضي والمستقبل والاهم من ذلك مناقشة تفاصيل اللحظة الراهنة بكل ما تحتويه من ظروف قاهرة وأوضاع مأساوية، وعندما يتحقق ذلك رغم استحالته سيتمهد الطريق نحو نقل العقل العربي من حالة الخمول إلى حالة النشاط بل سينقذ نفسه من وضعية التأزم إلى وضعية الانفراج، وسيكسر كافة القيود ويعبر كل الحواجز مهما كانت، وهنا ندرك في المحصلة النهائية أهمية نقطة تحرير العقل العربي التي هي أهم وسيلة لتخليص العرب بقياداتهم ودولهم ومجتمعاتهم ومثقفيهم وإفرادهم من قيود الانعزال والظلام إلى التنوير والانفتاح وتبني أفكار الحداثة التي تدعو لنشر مبادئ مرتبطة بالعقل والضمير والأخلاق والحرية والمساواة والإبداع في شتى المجالات.

الأحد، يونيو 07، 2009

الـوحـدة الـوطـنـيـة فـي مـهـب الـريـح


هـيـثـم البـوسـعـيـدي

هل من السهولة تدمير الوحدة الوطنية في أي بلد؟ طبعا الجواب لا لأن تفكيك الروابط والعلاقات الاجتماعية في أي مجتمع ليس بالأمر البسيط، كما إن المجتمعات ليست بتلك الهشاشة بحيث تعصف بها الرياح ويعبث بها العابثون.

ولكن عندما تتراكم التصرفات الغير المسؤولة وتتكاثر التصريحات الطائشة الصادرة من مراكز القوى التابعة للدولة وتتزايد نماذج التطرف والتشدد ضد هذه الفئة أو تلك، ويحرم المواطن من حقوقه العقائدية والوطنية.

فإن أعواد الكبريت ستشتعل وتغزو السلوكيات المنحرفة مرافق الدولة وأركان المجتمع وتنشر أمراض كالطائفية والتعصب والتمييز في جسد الوطن، لتتحول المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وبيوت الله ساحات لتأكيد هذه السلوكيات مما يؤدي إلى انعكاسات سلبية على مستقبل العلاقة بين الدولة وشرائح وفئات وطوائف المجتمع، ويتجه المجتمع أيا كان موقعه بصورة مباشرة بإتجاه خانة الضعف والتدهور والانكماش.

وتظهر مجموعة من الصور البغيضة مثل زيادة النعرات الطائفية وبروز أصوات التشكيك في الانتماء وحب الوطن، يرافق ذلك تمدد دوائر التشرذم والانقسامات وتكاثر حالات الخصام والنفور بين أفراد المجتمع على اختلاف درجاتهم ومستوياتهم، ويصاب المفكرين والعلماء والأدباء والقانونين والأعيان بداء الصمت وربما العقم الفكري، ويتغافل الجميع عن الأهم ألا وهو التعاون والتعاضد لأجل المساهمة في بناء دولة عصرية ومدنية قائمة على العدالة والمساواة والحرية والتنوع الفكري والثقافي والمذهبي، عندئذ تصبح الوحدة الوطنية خديعة يضحك بها الأباء على الأبناء، ونكتة يتشدق بها أهل الأعلام على المستمعين والمشاهدين.

ومن ناحية أخرى فإن السلطة الرسمية بكامل حراسها وجنودها وأجهزتها المختلفة تتخذ مواقف غريبة فإما تقف صامتة ومستفيدة مما يحدث من انقسام، وأما تارة تلوح بالتهديد والوعيد لمن يطالب بأدنى درجات التغيير والتجديد ولمن يسعى لكسر قيود القهر والعبودية ضد فئات وطوائف المجتمع وتخليص الناس من حالات الاحتقان، فمن سيعالج تلك المواقف الصعبة ومن بإستطاعته إيجاد حلول جذرية لتلك المشاكل بعدما تقاعست الدولة ودوائرها المغلقة عن إدارة الأزمات وأخذت تلعب دور المتفرج.

وفي نفس الوقت يتصدع المجتمع وتضعف بيئته الداخلية ولا تتمكن من صد الهجمات القادمة من كل جهة، وتصبح هشة غير قادرة على مواجهة العواصف الآتية من خارج حدود الوطن، ويجد العدو الخارجي المتربص بالبلد مهما كان لونه أو جنسه أو منبته أو أهدافه ضالته في مواطن الخلل ونقاط الضعف في المجتمع المبعثر والدولة الممزقة، ويكسب مزيد من العملاء ويشتري الكثير من الخونة، ويحيك المؤامرات بكل سهولة ويزرع بذور التناحر، ويرسل أوبئته المتعددة الأشكال والصور، ويركض جزء من المظلومين والمغيبين والمغفليين نحو المحرر والمخلص للإرتماء في عباءة الشيطان دون إدراك لهول ما هو قادم.

أخيرا فليفرح النظام وتعلو مصالح الطائفة أو العائلة أو المذهب أو الحزب فوق الوطن، ولتحصد ثمار الفرقة التي اجتهدت بمرور الزمان على تطبيقها وسعت بالتهميش والتغييب لإسكات كل أصوات العدالة والمساواة والحرية وضربت بعرض الحائط كل برامج الإصلاح وخطط والتغيير، ولينتهي شئ إسمه " الوحدة الوطنية" وتصبح في خبر كان بل في مهب الريح.

لنقول مرحبا للغزو والاحتلال الذي سوف يغرق سفينة الوطن ويرسل دولة الظلم إلى الجحيم ويورد المجتمع مواطن الهلاك ويهدم الحصون المزيفة ويحرق الحرث والنسل بنيران المآسي وكل ألوان العذاب، وحينها لن تضيع الوحدة الوطنية فقط ولكن سيضيع التاريخ والوطن والثوابت والمسلمات وتنقلب الحقائق ويولد جيل من البشر يحمل صفات الضياع والتشرد والتشتت.

الخميس، مايو 21، 2009

القدس في وجدان الإنسان العربي

هيثم البوسعيدي

لا يختلف اثنين على مكانة القدس في كل الأديان وخصوصا في الديانة الأسلامية بكونها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين والمكان الرئيس لوقوع حادثة الأسراء والمعراج، ولا يخفى على الجميع أن كتب المسلمين صدحت بالحديث عن أهمية هذه المدينة العظيمة التي تحتوي بين جنباتها الحكايات والقصص عن عهود السلام وأخبار الحروب.

حتى وقعت في نهاية المطاف في أحضان اليهود وأصبح العرب كالغرباء في هذه المدينة، أعقب ذلك حدوث سلسلة من التغييرات الجذرية والأحداث الصعبة في الستين سنة الماضية، أبرزها تخلي الأنظمة العربية تدريجيا عن قضية القدس وانسحاب فكرة أهمية القدس من أوليات المجتمع العربي مما ترتب عليه تراجع الأرتباط القوي بهذه المدينة في وجدان وذهنية الفرد العربي من المحيط إلى الخليج.

وتمثلت محنة القدس في الأحتلال الذي يسعى بكل ما يملك من أسلحة لمحو كل ما هو عربي، وتعمل دولته بكامل أجهزتها على بناء مدينة يهودية خالصة، أما القضية الأهم فهي غياب الإحساس بأهمية القدس حيث ساهمت جميع النخب الحاكمة في الوطن العربي بهذا الإتجاه من خلال الإهمال واللامبالاة لما يحدث من تدمير لتاريخ وهوية المدينة، مما انعكس سلبا على واقع الإنسان العربي الذي انكفأ على ذاته لينشغل بقضايا آخرى كالصراع على لقمة العيش والصراع من أجل الفوز بحرية الكلمة ومقاومة الحملات التي تسعى لهدم الروابط الإجتماعية والثقافية وتوجه الفرد العربي نحو الجري وراء كل أنواع اللهو والفساد والإنحلال، كما إن حدوث قضايا آخرى على الساحة مثل مأساة إحتلال العراق زاد الطين بلة، رافق ذلك تراجع غير مبرر من جهة المثقفين والمتعلمين ورجال الإصلاح في العالم العربي عن القيام بأدوارهم الفعالة في ترسيخ مكانة القدس في النفس والذاكرة العربية.

عندئذ أصبحت الحقيقة مرة لأن الواقع يشير إلى إنكماش الآلام القدس في كتابات الأدباء وقصائد الشعراء، وغياب القضية عن وسائل الإعلام العربية لتنفتح أبواب القنوات الفضائية أمام أغاني الساقطات وتفاهة المسلسلات التركية، بل لا نجد جهد سينمائي واضح يستثير في ذواتنا هموم الأقصى والإنسان المقدسي مقابل كذبة الهوليكوست وخزعبلات هوليود.

أين القدس؟؟؟؟ طمست قضيتها وحذفت من خطب العلماء وحرفت من شعارات السياسين وطردت من مناهج التعليم، وكل ذلك حتى لا يدرك الطفل والشاب واقع القدس الصعب وحجم الغصة ومقدار الصرخة وحرارة الوجع المقدسي الذي ينتظر بفارغ الصبر ضوء جديد يبشر بعهد الخلاص من جور الظلم والطغيان، إضافة إلى ذلك فإن صعوبة زيارة القدس وقفل الأبواب في وجه كل عربي عاشق لتراب بوابة السماء بسبب غطرسة وغرور الإحتلال اليهودي سيؤدي تدريجيا إلى تناقص الإرتباط الوجداني بالقدس لدى الفرد العربي عند مقارنته بقدرة الفرد على زيارة الأماكن المقدسة في السعودية أو العتبات في العراق.

أخيرا للأسف ضاعت القدس مثلما ضاعت أشياء كثيرة من بين أيدينا، لذا فإن نفوسنا تحتاج لصرخة قوية وهزة مؤثرة، تطال كل شئ وتسعى لتغيير كبير وإصلاح شامل يقرع قلوب الحكام والمحكومين ويستنهض عقول المعلمين والمتعلمين حتى نستطيع إستعادة أشياء كثيرة سلبت منا طوعا أو كرها ومن ضمنها مكانة القدس في قلوبنا، أو إننا سنبقى على هذا الحال لننتظر ما هو أفظع من إحتلال القدس حتى نستفيق من سباتنا العميق ونشهد الخيبة الأكبر وهي هدم المسجد الاقصى: فهل نترك القدس تغرق في بحر الاحزان؟ هل سنسمح بسرقة القدس من قلوبنا مثلما سرقت من بين أيدينا؟ ومن هو القادر على أحياء القدس في قلوبنا المخضبة بالأمراض؟

السبت، مايو 02، 2009

صــناعـــة الـــحب

هـــيثــم البوسـعــيدي

الحب قيمة كبيرة من قيم الحياة، ومصدر هام من مصادر الأمل، تزودنا معانيه بالخير وتدفعنا آثاره إلى نشر الفضيلة، ويفرض الواقع علينا البحث عن الحب في كل الاتجاهات وشحذ الهمم من أجل الظفر به لأن الحب هو السبيل لتماسك الأسر وترابط القلوب، وعامل مهم في تقوية العلاقات الإنسانية ضمن المجتمع الواحد، كما إنه الطريق السهل للفوز برضا الله عزوجل في الدنيا والآخرة. فيصبح الحب الدواء الشافي لمشاكل البشر والقاعدة الرئيسة لبناء الأسر ونهوض المجتمعات وتشييد الدول وتنمية البيئات.

والحب هو الإحساس الذي يتغلغل في أعماق الإنسان ليظهر ما بداخله من عمق الوصف والخيال وهو الشعور الذي يكشف حقيقة البشر وجمال النفوس وصفاء النيات، وعند بابه تنهدم صور الخداع والنفاق وزيف العلاقات وتتلاشى المصالح الشخصية والمنافع الذاتية وتبرز أروع الاخلاق مثل الأخلاص والتضحية والإلتزام بالمسئولية.

وليس الحب فقط الشوق والحنين واللوعة التي يشعر بها الحبيب تجاه حبيبه والتي نراها واضحة في كمية الأشعار ونوعية الأغاني التي لوثت أسماعنا ليلا ونهارا من قبل الشعراء والمغنيين، وحملت كلماتها طوفان العواطف وإرتعاش الأحاسيس وخطفت قلوب المراهقين إلى عوالم الأوهام وحلقت بأجنحة العشاق الهشة في مدارات الأحلام وسحب الأوهام، إنما الحب الحقيقي ذا معنى أعمق وأوسع من كل تلك القصائد الخاوية والأغاني الهزلية والحركات الجنسية التي تجعل الحب قرين الجنس مثلما هو حادث اليوم في عالم الغرب المظلم والذي يفتقر لنور الحب الحقيقي وتنحصر إهتماماته بالمادة وتغيب الأخلاق والقيم عن تعاملات أفراده.

ومن جانب آخر فإن الإساءات المتكررة والأخطاء الإرادية والسلوكيات المنحرفة التي نرتكبها بحق من حولنا، تؤدي تدريجيا إلى إختفاء حالات الحب في ممارسات الناس فيما بينهم كما إن إبتعاد الناس عن مبادئ الدين وقيم الأخلاق وأصول التربية السليمة ومناهج التعليم الصحيح تعتبر من معاول هدم الحب بل تسحب الإنسان بمرور الايام عن مشاركة الآخريين في أوجاعهم وهمومهم، ومن ثم تتهيئ النفوس لإستقبال أفعال وصفات قبيحة كالشجع والطمع والبخل والتكبر والظلم مما يمهد لظهور أمراض مختلفة مثل تغليب حب الذات والوقوع في وحل الرذيلة وتقديم النزوات الشخصية والمصالح الفئوية على كل المبادئ والقيم والأخلاق، ليعيش الحب حالة من الضمور والإنكماش في قلوب الناس ونفقد صوره الجميلة في علاقاتنا مع الله وعلاقاتنا المتعددة مع الوالدين والأخوان والأصدقاء والزملاء.

في النهاية مهما تكون صعوبة الأوضاع وقسوة الظروف وكثرة الإلتزامات فنحن بحاجة ماسة للحب وسط هذا الظلام الدامس والانهيار الواسع لكل القيم والمثل، ونحن فقط من نملك القدرة على صناعة الحب أو خلق الكراهية لأن نفوسنا تحمل بذور المحبة والكره على حدا سواء وتتحكم في زراعة تلك الأشجار لنجني الأشواك او الثمار وبأيدينا تنمو بذور الحب، لذا فإن هذا المقال دعوة حقيقة لزراعة بذور الحب وإقتلاع نباتات الكراهية وتطهير النفوس من كل الأمراض لأن الحب عملة نادره هذه الايام عند مقارنته بأمور أخرى في الحياة.

الأربعاء، أبريل 15، 2009

جــراح بـغـداد

هـيــثـم البـوسـعـيـدي

يقف أمام المرآة، يهتم بترتيب هندامه وتمشيط شعره، قبل أن يقذفه الهم نحو رحلة مملوءة بالتعب والمعاناة...هذا يومه الخامس منذ عودته من " دبـي "...لم ينم جيدا سوى ساعتين فقط..ليودع بذلك أيام الراحة والهدوء...بل آذاه انقطاع الكهرباء وأصوات الرصاص ...أشعلت القذائف سماء بغداد... لتشتعل في داخله نيران الأرق...يبتلعه الظلام الدامس ...يدثره السواد...ويزيد خوفه وحشة المكان.

لم يهمل المرآة كعادته، بل شده الغبار العالق على حوافها، ثم أمعن النظر إلى وجه المصاب بالذبول...تعجب من بروز صلعته وهو لا يزال على أعتاب الثلاثين..لم تدع له قسوة الظروف سوى شعيرات قليلة حتى توقظ أوجاعه الدفينة وتطرق أبوابه المغلقة، أكتشف إن أشياء كثيرة انسحبت من وجهه....أراد الهروب من مصارحة نفسه...لكنه أدار وجهه عن المرآة بسرعة...انتعل حذائه المهترأ....يتثاقل في المشي...ويستصعب الخروج من البيت...بغداد لم تعد آمنة في نظره...إذا لماذا قرر الرجوع، تتساءل نفسه: أهو الحنين إلى بغداد التي ترعرع في حواريها العتيقة ومدارسها التاريخية، أم هو الشوق إلى مقامات أوليائها ومراقد أئمتها.


لماذا عاد إلى بغداد؟ لا دفء أم ولا حنان أب ولا ضجيج أخوة ولا شوق حبيبة، أم هو البكاء على الأطلال الذي يتردد في أذنيه..كم تصدح جدران البيت بهرجهم ومرجهم ...أصوات أباه وأمه وأهله وجيرانه الذين قدموا من فلسطين منذ النكبة الأولى...عاشوا سنيين من الظلم والتشتت والقهر ليستقروا بعد طول ترحال في بغداد حينما أغراهم الأمان وجذبتهم طيبة القلوب.

لكن أين هم اليوم؟ تبزغ وجوه الموتى والأحياء أمام عينيه..غيب بعضهم الموت والإرهاب والتفجيرات، أما الآخرون فقد ارتحلوا إلى المجهول واصبحوا مبعثرين في المخيمات وبين الحدود، ولم يبقى منهم إلا قلة من الأفراد الذين تحدوا الخوف والإرهاب..أوجعه هذا الحال الذي آل إليه بني وطنه في بلاد الغربة، يحس بصوت غريب يخرج من جدران البيت..يناديهم..يشتاق لأحاديثهم..يحن لحفلات التشرد ورقصات الدبكة...يتوسلهم من أجل البقاء...لكن لا مجيب لهذا الصوت الحزين؟

رمق " أسامة" غرفة والدة بنظرة خاطفة..توقف لحظة ليشد انتباهه الصندوق الخشبي الذي يضم أقفال ومفاتيح بيوت حيفا القديمة..ظلت الأقفال والمفاتيح، لكن أصحابها رحلوا
...بجنب الصندوق هناك مجموعة كتب..تاريخ بغداد والقدس وحضارة ما بين النهرين...كتب "والده" الذي علمه تاريخ أجداده العظماء، وغذاه بعادات وتقاليد فلسطين، وزرع فيه حب العروبة، أوصاه بحق العودة لأرض الوطن مهما كانت قسوة الظروف وفضاعة الأحداث...لا ينسى أسامة كلمات والده عن بغداد وحرقة قلبه على احتلال المغول لها، كان يقول دائما إن بغداد قادرة على لملمت الالآمها وستظل شامخة حتى لو أدمتها الجروح.

قبل أن يفتح الباب، عصر الألم مشاعره لان مأساة العذاب والهجرة يراها الآن واضحة أمام عينيه...كانت فيما مضى مجرد أحاديث تتناقلها الألسن...يخرج من الدار...يحس بالصمت يطبق على الزقاق..يتساءل أين الأطفال؟ خلى المكان منهم ومن أناشيدهم الجميلة...يتراءى إليه طيف خالد ابن أخته، وهو يلعب مع أبناء الجيران...يقفز ..يركض..يلهو...لا يعرف خالد معنى الألم حتى جاءت قذائف وقنابل المغول التي أسكنت في قلبه الخوف والهلع.

يواصل أسامة السير في السكك الضيقة..تتشقق جدران البيوت عن ليالي مظلمة سالفة..تذكره "بخالد" الذي لم يتذوق طعم النوم بكل ما فيه من وداعة...تزوره الكوابيس...تقتل أحلام البراءة في عينيه...كان أسامة دائما يضمه لحضنه ويمسح دموعه البريئة...هو ابنه الذي لم ينجبه...بكى عليه بحرقة عندما جاءه الاتصال الذي أخبره بطرد عشرات الفلسطينيين من بيوتهم في حي البلديات ومن ضمنهم أخته وابنها خالد وابنتها غفران ليقعوا فريسة سهلة بين أنياب الإرهاب ومخالب الميليشيات.

يواجه أسامة الآن واقع صعب، يغرقه في بحور المعاناة، مهمته شاقة...يبحث عن امرأة معذبة وأيتام ينهشهم التشرد بعد أن ففقدوا الأب الذي زج به قدره إلى سجون بغداد، لا يجدون المأوى ..يتضورون جوعا...يطاردهم الموت..ويتسع المنفى في وجوههم.

سحبته ذكرى أخته وأولادها من أزقة الجعيفر الفقيرة لترميه في أحضان شارع حيفا...تمطر الأجواء وابلا من الرصاص...يختبأ في أحد الزوايا..يتوقف لبرهة..تاه نظره بعيدا..زرقة السماء..شدته إلى أيامه الخوالي في دبي حيث أخوه " صبحي" وأسرته، كان سفره خارج العراق بمثابة الهجرة نحو الجنة والابتعاد عن الجحيم، ولم يكن ذلك سهلا لأنه لم يستطيع الخروج من العراق إلا بجواز سفر مزور، وبمجرد وصوله " دبي " تراقص قلبه فرحا وانتعشت أحلامه الخامدة، وصعقه الأمان المنتشر في كل مكان: فلا احتلال ولا أصوات رصاص ولا دماء ولا قذائف مورتر.

مكث هناك أكثر من شهرين ليحس بثقل وجوده بعد أن أضناه التعب وهو يبحث عن عمل في شركات الأعمار والتعمير وهو الذي يحمل شهادة البكالوريس في هندسة التعمير، كان وضع أخيه يثير العطف والشفقة..صبحي يعمل طبيب في وزارة الصحة...نصف راتبه يذهب للسكن...يركض هو وزوجته المعلمة وراء العيش الصعب وسط غلاء الأسعار وتربية الأبناء ومدينة المباني الضخمة التي لا تعرف سوى اللاهثون وراء السراب.

سكت الرصاص فجأة ليستكمل " أسامة " طريقه نحو الشارع...تبتعث من الشارع روائح التاريخ..يشم رحيق الأصالة...يستدل من التراب على آثار العظماء...رغم أكوام الرماد وركام الدمار وحدة الأشواك التي تفترش ثراء القرى وتغوص بها الشوارع.

وقف على حافة الشارع، ينتظر الباص...يتعجب من بغداد..طوت تماثيل الصنم الأوحد...لتمتلأ الشوارع اليوم بأصنام وأحجار من نوع آخر...تأسره النخيل المزروعة في أنحاء مختلفة من بغداد، تلك النخيل تعانق الأرض...تظلل البشر ...تحنو عليهم...بل هي نخيل باسقة ...حية وصامدة في وجه الأهوال.. ترتشف جراح بغداد ..تدون الالالم ..وتغسل الاوجاع...وتطفئ النيران التي تحرق الالاف البؤساء والمحرومين.

توقف أمامه أحد الباصات...ركب سريعا ثم رمى بجسده النحيف على الكرسي الأمامي... التفتت يمينا وشمالا...نظرات خاطفة لكل من في الباص...يرى الوجوه ذابلة وجلة...الكل ينظر للآخر نظرة كلها قلق وارتباك..يحوي الباص قلة من الركاب..أشاح " أسامة " وجهه ناحية " دجلة "، ثم انتابه شعور غريب... يريد القفز من الباص...والركض مسرعا الى دجلة حتى يغمس قدماه في مياهه المغرية..كان يرافق أباه دائما إلى هناك...أباه الذي رآه غارقا في دمائه، وشهد انتحاره أمام عيناه ولم يستطع فعل أي شي...ففي إحدى الليالي السوداء ووسط المطاردات وعمليات الاختطاف، ذهب أباه لزيارة صديقه " أبو العبد " الذي أصيب بطلق ناري في إحدى رجليه...طالت الساعات والدقائق ولم يعود...خرج " أسامة " يبحث عنه في كل جهة...سأل عنه الأهل والجيران والأصحاب حتى أبو العبد نفسه...لكن بحثه كان بلا فائدة...تعوث الميليشات في كل مكان، لتحصد المئات والآلاف من الأرواح...يبحث في كل مكان لكن الفزع واليأس جعله يختبأ في البيت..تلاطمت الأفكار والمشاعر في داخله...لم ينم تلك الليلة وبدأ عملية بحث متعبة منذ صلاة الفجر..ليجد جثمان أباه كتلة لحم بلا معالم...والدم مختلط بأقراص الخبز..لا ينسى أسامة ذلك اليوم المشهود وتلك اللحظات الرهيبة حينما أطبق على شفتيه بقوة ...شعر بالقهر...صك أسنانه بشدة...أنخرط في بكاء هستيري لتنهمر دموع الضياع وتهذي شفتيه بكلمات كلها ألم ولوعة: مات الغريب..مات الغريب..لن يحلم بحيفا وفلسطين بعد اليوم ...كم مزق الظلم أركان نفسه وكم حملت دواخل نفسه غصة سوف تستمر معه لمدة طويلة لا يعلم بنهايتها إلا الله.

أفاق من تلك الذكرى المريرة..وضع يديه بين رأسه...شدته إحدى الخيام المنصوبة بعيدا عن الشارع..أعاد التفكر بمهمته الشاقة..أين يمكن أن يجد أخته وأطفالها؟ سأل كثير من الفلسطينيين في عدة أماكن في نادي حيفا الرياضي وحي البلديات والمنصور ولكن لم يجد لهم أي اثر...ينزف فؤاده الجريح دموع حارقة على مصير كل من يسكن على هذه الأرض المعذبة..الجميع يتقاسمون الألم والمعاناة...يتجه به الباص نحو شارع الرشيد لرؤية جاره السابق أبو علي ...يرن فجأة هاتفه..أنه صبحي..ملهوف لسماع خبر عن الأخت وأولادها...أراد " أسامة " الهروب...لم يجب على الاتصال..يقول لنفسه:كم الهموم التي سيتحملها صبحي ..هم عمله أو هم أسرته..أم هم الأخت المشردة وأولادها...أم هم الغربتين.

يشفق أسامة على أخيه...كان يراه يسهر لساعات متأخرة...ينقل معه الى البيت أعمال الوزارة لأن مدراءه يعاملونه مثل الآلة وهو من الذين يمشون بجانب الحائط .

تلفون صبحي نبش لحظات اليأس المنسية..يتذكر جيدا قرار العودة..يتذكر جيدا أقسى لحظة عاشها هناك..كان يمشي على الكورنيش في دبي ..يلفحه الهواء الحار..ويمتلأ المكان بالحركة وألوان البشر..نفذ صبره من الحصول على العمل..وتسلل الضعف إلى روحه..يئن قلبه لتشرد أخته وأولادها..يشتاق لقبر والده... أفكار وصور كثيرة تزاحمت في ذهنه المتعب..أعقبها فرار دمعة غالية من عينيه...ليقرر بداية رحلة العودة إلى بغداد.

يمر الباص على عدة نقاط تفتيش..ليقذفه الجسر إلى شارع الرشيد ...يتوق" أسامة" الآن للقاء جارهم القديم أبو علي الذي له علاقة بكثير من الفلسطينيين القاطنين في حي البلديات، كان في رحلة عمل إلى البصرة الأيام الماضية، لعله يرشده على مكان أخته وأولادها.

وصل " أسامة " إلى شارع الرشيد..تكثر في هذا الشارع المحلات والمقاهي..زفر بعمق وهو يهم بالخروج من الباص...أتجه إلى المحلات والمقاهي..أبصر أبو علي في أحد المقاهي...طفح تفكيره بالأمل...اتجه صوب المقهى...لوح أبو علي بيديه دلالة على رؤية أسامة...هو على بعدة أمتار من المقهى ...يعج المكان بالمارة...شخص غريب يلتف بالسواد بأكمله...يقترب قريبا من المقهى...يدخل المقهى...عيناه تشع الشرار..يرمق أسامة بنظرة كره...يركز أسامة انتباه على أبو علي ويفتح شفتيه على ابتسامة مصطنعة وكأنه يقول سوف أعرف الآن أين مكان أختي وأولادها.

فجأة يخرج من ذلك الجسد الملتف بالسواد كتلة كبيرة من النار والدخان...لتلف المكان بأكمله...تصطدم الكراسي والأشياء ببعضها...يلف المكان دخان وروائح كريهة...أصوات وأنات ...ترتطم الأجساد...يسقط " أسامة " مغشيا عليه بعد أن تلقى ضربات قوية من كل جهة ليدخل في عالم آخر...يصحو بعد دقائق ليجد جسده ملقى على الأرض..يخرج من فمه دم كثيف...يسمع أصوات الأحياء...تتراءى إليه أصابع يديه اليمنى الممزقة..تخمد أصوات الموتى...ويسمع صراخ الناس المذعورين...يرى أشلاء مبعثرة ورؤوس متدحرجة...يشم روائح الأجساد المشوية..شي ما يبلله بالكامل إنها الدماء تصدر من كل أجزاء جسمه...أحس بوجع قادم وسخونة قاتلة تأتي من رجليه...لمح رجليه فوجد رجله اليمنى مبتورة وتسبح في بركة من الدماء.

أحس بضياع كل شي...تطبق السماء على صدره ...في تلك اللحظات تمتزج دمائه بتراب بغداد..تعانق جراحه جراح بغداد..يضيع الأمل...وتدخل أوجاعه مرحلة أخرى لتبدأ رحلة شقاء أخرى وتستمر قصة الحزن الأبدية التي سيكون بطلها صبحي الذي سيواجه عاصفة من الهموم والكروب التي لا طاقة له بحملها.

الاثنين، أبريل 13، 2009

أحاســيــس الأحبـــاط

هــيثـــم البوســـعــيـــدي

من منا لم يمر بلحظات اليأس والخيبة والألم، كلنا عشنا تلك اللحظات والأحاسيس التي هي عبارة عن مزيج من عدة مشاعر مؤلمة (ضيق ، توتر ، كدر ،غضب ، قلق ،
شعور بالذنب ، شعور بالعجز ، شعور بالدونية (وهي نتيجة لعدة أسباب منها فشل أو سوء تخطيط أو خطأ أو ظروف صعبة تحيط بنا. وقد تتحكم تلك الأحاسيس في ذواتنا وتدفعنا إلى ارتكاب أفعال خاطئة وتصرفات غير مسئولة كالغضب والإساءة إلى الأخريين لتلتصق بنا بعد ذلك صفات قبيحة كالعنف والتوتر والعدوانية.

فهناك من يفشل في تحقيق مشروع مادي أو يخفق بالارتباط عاطفيا بمن يحب أو تتعسر ظروف زواجه أو يواجه صعوبة في البحث عن فرصة عمل أو تكثر أقاويل السوء والإشاعات عليه فيملئ حياته باليأس والإحباط التي هي بالاساس مشاعر لاشعورية عنيفة قد تطفو على السطح فجأة، لتبرز هنا قدرة الانسان في التعامل مع هذه الاحاسيس والمشاعر المتباينة، وتبرز هشاشة او قوة شخصيته وهل يستسلم او ينتصر على تلك الاحاسيس، لان جزء ليس بالقليل من الناس يستلم لما يواجهه في الحياة من مصاعب مما يؤدي ذلك إلى حدوث نتائج سلبية على صحته كالاكتئاب والانهيار النفسي وممارسة العادات السيئة أو يعكس صورة سلبية له أمام الآخرين في العمل أو المجتمع او حتى مع رفاقه واصدقائه.
وجذور تلك المشكلة تكمن في كوننا غير قادرين على الوقوف للحظات مع أنفسنا لأجل المراجعة والمحاسبة الدقيقة وتعليل حدوث تلك المشاعر وجدوى التصرفات الطائشة التي تليها، ويكون ذلك بضبط النفس والتأمل والتفكير العميق في أصل المشاعر المؤلمة وكيفية تجاوز تبعاتها السيئة، وهذا يحدث ايضا لأننا لا ندري بالضبط ما يدور في داخل عقولنا وأجهزتنا العصبية.

مجرد التمعن في هذه الأحاسيس أو المشاعر أو التدبر في مسببات حدوثها نكتشف أنها آنية لفترة معينة وسوف تزول لأننا نحن فقط نملك قرار زوال أو بقاء تلك المشاعر إذا امتلكنا الرغبة والإرادة لقهرها والتغلب عليها ومن ثم تناسي ما حدث في الماضي من فشل وإخفاق، كما أننا لابد ان نفهم ان للمشاعر لغة تساعدنا في النمو والارتقاء وتمنحنا طاقة خلاقة في التعامل مع المواقف الحياتية، أما إذا لم نفهم هذه اللغة ونحسن التعامل معها فقد تكون العواقب وخيمة ونقع فريسة لاوجاع النفس كالحقد والكره والحسد والحنق ضد الآخريين.

لذا يجب أن يكون لدينا التصميم الداخلي والقرار القطعي بضرورة تجاوز أي ازمة خاطفة وعدم الاستسلام للمشاعر السلبية ولرثاء النفس وسرعة اتخاذ القرار، وعلينا أيضا متابعة حياتنا من جديد وتكرار المحاولة لتحقيق الهدف والتسلح بالصبر والثبات على الصعاب وحمل شعلة الأمل مهما كانت الظروف لان أحاسيس الإحباط والخيبة ترجع خطوات الانسان إلى الوراء وليس للأمام، والناجح هو من يستطيع تجاوز الالم والخيبة وينظر الى الاحباط والخيبة على أنه ظرف أو سبب عابر في حياته ومحطة من محطات الالم في قطار حياتنا الطويلة.

السبت، أبريل 11، 2009

أوقاتنا الضائعة

هيثم البوسعيدي

كم هي الكتب المنتشرة هنا وهناك التي تتحدث عن قيمة وأهمية الوقت، وكم هي المحاضرات والبرامج التي تحثنا على حسن استغلاله وترشيده؟ وقبل ذلك كله حرضنا الرسول الاكرم على حسن اغتنام الوقت حيث قال: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك).

لكن في الواقع نجد أن نسبة كبيرة من الناس يعيشون مشكلة مع الوقت من دون أن يدركون تلك المشكلة، حيث إن جلنا يستنزف وقته بدون حساب أو تنظيم بل هناك تخبط واضح لدى الجميع في كيفية إدارة الوقت.

وللاسف في الوقت الذي يلجأ الكثيرون في المجتمعات الغربية إلى مراكز استشارات خاصة بإدارة الوقت، نجد أن نسبة ليست بالقليلة من الناس في المجتمعات العربية يهدرون الوقت في التفاصيل اليومية البائسة ويهدرون اوقاتهم في ممارسة أنشطة وأفعال ليست ذات جدوى ومنفعة بل انهم يهملون عملية إيقاف نزيف الوقت المستمر في حياتهم.

والوقت هو أشبه كما يكون بالبحر، إن لم يسر فيه الفرد بسفينة مصنوعة عن علم ودقة وحسن صنعة، بالتأكيد مصيره سيكون الى الغرق والخسران وعندئذ فإن هذه النعمة تحتاج الى ادارة وتوجيه وإستغلال، كما اننا نشبه الوقت بالمال والمصروفات فكما ان اموالنا ومصاريفنا تحتاج دائما إلى ميزانية وإرشاد وحرص فأننا بحاجة ماسة الى ميزانية تساعدنا في كيفية توزيع هذه الدقائق والساعات على عدة أنشطة وممارسات حتى لا تنتحر الساعات والدقائق لأجل سبب غير مفيد وآخر تافه.

ولقد أهتم العلماء والتربيون بالوقت حيث ظهرت منذ فترة بسيطة مفاهيم جديدة مرتبطة بالوقت مثل إدارة الوقت وميزانية الوقت وجدولة الوقت. ولا يمكن أن يدركه الفرد العادي هذه المفاهيم أو يسعى إلى تطبيقها على ارض الواقع إلا إذا أصبح الوقت وإدارته جزء من عملية واسعة تسعى لتحسين حياته بكامل جوانبها الوظيفية والأسرية والاجتماعية، كما إن عملية تنظيم الوقت ترتبط بالتنظيم والتخطيط والالتزام ومكافحة كافة الأمور التي تشوش الذهن وتسعى إلى تدميره مهما كانت تلك الظروف والامور المعقدة.

أخيرا لنسأل أنفسنا هل نحن نوزع وقتنا بشكل صحيح؟ هل نشبع كافة الأنشطة على حدا سواء؟ ما سر إهمالنا لأصدقائنا ومعارفنا لهذه الدرجة؟ وما سر إهمالنا لعملية التثقيف ومصادرها المهمة؟ وما سر اهمالنا لانشطة الرياضة والمشي؟وما سر أهمالنا لحاجات كثيرة نحن في غفلة تامة عن أهميتها؟

كل ذلك ليس لأننا لا نجد وقت بل لأننا فاشلين ومهملين في التعامل مع الوقت، والعجيب أننا أصبحنا في زمن مختلف لان الوقت هو الذي يتحكم في ادارتنا والمفترض إننا نحن من ندير الوقت ونتحكم فيه وبكل تفاصيله لأنه غنيمة وثروة لا تقدر بثمن، كما إن اليوم الذي يرحل في حياتنا لا يمكن إن يعود مرة ثانية، ولنعلم في النهاية ان الوقت ثلاث انواع وقت ماضي ووقت راهن ووقت لم يأتي بعد.

الثلاثاء، أبريل 07، 2009

إدارة الانسان : مفهوم غائب في عالمنا العربي

هـيـثـم البـوسـعـيـدي

كـنـز الله في الأرض هو الإنسان الذي خلقه وكرمه ووهبه العقل والتفكير والمشاعر والعواطف، كما انه الثروة الحقيقية للمجتمعات والبلدان لأنه من يتحكم في التطوير والإصلاح والتنمية ودفع عجلة الحياة نحو مسارات النهوض والتقدم.

ولا يمكن ان يكون الإنسان فاعلا في مجتمعه ومؤثرا في بيئة عمله إلا بمعرفة مسببات سلوكه وادراك حاجاته ورغباته، ومن ثم يتضح آثار مختلف الافعال والتصرفات في محيط حياته الداخلية والخارجية.

وتمتلئ تلك الحياة بالكثير من الأحداث والظروف، ويتخطى الفرد عبر حياته مراحل عدة ومواقف صعبة، ويتخذ خطوات وقرارات مصيرية، ويسخر الله له الوقت والمال، ويمنحه القوة والأولاد والعمل، وكل ذلك يحتاج إلى تخطيط وتنظيم وترتيب وتقييم ليصل في النهاية لمرحلة التنفيذ على أرض الواقع، وتلك هي مرتكزات الإدارة لان كل حركات وأفعال وتصرفات الإنسان تصدر عن إدارة والتي تعتبر ضرورة في حياتنا وتتمثل في عدة أشكال كإدارة الوقت، وإدارة الذات، وإدارة العواطف، وإدارة السلوك ، وإدارة العلاقات ، وإدارة المصروفات.

وتلك الإدارة علم وفن في نفس الوقت ويمكن تسميتها بإدارة الإنسان الذي هو باختصار عملية بناء الإنسان بشكل صحيح من خلال تغذيته بالقيم وصقل خبراته وإيقاظ قواه واستغلال قدراته وتنظيم أعماله ورسم خريطة تفاعله مع أفراد ومؤسسات المجتمع وترشيد وقته وتعظيم أدواره المهنية والأسرية الفاعلة، كما إنها تهدف لضبط النفس الإنسانية والعمل على مخالفة الميول الغريزية الكامنة في داخلها وإقرار مبدأ حسن التوجيه والإرشاد، لان إطلاق العنان لميول النفس المتزايدة يؤدي إلى اضمحلال نوازع الفضيلة وتوسع الرغبات الطائشة والسير وراء الملذات وتغيب مفاهيم التنظيم وتحييد الأهداف وضياع الالتزام بالمسئولية، من ثم يواجه الإنسان سيل من الأخطاء والذنوب والسلوكيات المدمرة لحياته ولحياة والآخرين.

وهذا المفهوم الجميل هو مزيج من عدة علوم ومعارف كعلم التربية وعلم النفس وعلم الإدارة وعلم الاجتماع، كم إن تعاضد أدوار الأفراد من آباء وأمهات ومثقفين ورجال تربية وعلماء دين من جهة، وتكامل وظائف المؤسسات الاجتماعية والتربوية والرسمية من جهة أخرى يساهم في غرس هذا المفهوم في عقول وقلوب الأجيال و فئات الشباب.


لكن عندما يفقد الآباء والأمهات وأهل التربية والإداريين والمسئولين في جميع المؤسسات أساليب هذا الفن، كيف تريد منهم أن يصدرون للمجتمع والدول أفراد صالحين ذوو صفات قيادية ومهارات علمية وأخلاقيات رفيعة لان الجواب بكل بساطة فاقد الشيء لا يعطيه.

وهذا النمط الجديد غائب عن الفئتين فئة الأفراد وفئة المؤسسات كالمؤسسات الرسمية والاجتماعية والتعليمية في عالمنا العربي لان جل تلك المؤسسات لا تمتلك أدواته ومهاراته، بل جزء منها يتعامل مع الإنسان وكأنه آلة ويعمل على توجيه مزيد من الضغط عليه والتعامل معه كونه طاقة جسمانية يجب توظيفها بالإكراه مع نسيان أنظمة وأساليب الإدارة الحديثة وطرق التعامل والتواصل، فعلى سبيل المثال بماذا يمكن تفسير انتشار ظواهر مثل ظاهرة الواسطة أو المحسوبية في الدوائر الحكومية التي هي تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة واستمرارية الروتين والبيروقراطية وانخفاض الإنتاجية ورفض أي محاولة للتغيير والتطوير، كل تلك مشاكل مستشرية في المؤسسات الإدارية خصوصا المؤسسات الرسمية حيث لا نجد مفاهيم السلوك الإداري وتكريم الذات وترسيخ الأخلاقيات وتعزيز الحوافز التشجيعية وإقرار مبادئ الثقة والاحترام والتفاهم المتبادل بل تنـعدم ثقافة الحوار والنقاش وتتحكم الأوامر وتتعاظم سلطة الفرد لتتوالد بعد ذلك الأمراض في كل أجزاء المؤسسة .

وما ينطبق على المؤسسة الإدارية ينطبق أيضا على المؤسسات التربوية والاجتماعية والأسرية، بحيث لا يمكن أن يمتلك الإنسان عندئذ أدوات ومهارات هذا المفهوم الرائع بسهولة ويسر لان الانسان صنيعة بيئته وظروفه وعاداته المكتسبة.

أخيرا إن اصل إدارة الإنسان هو إدراك الإنسان لذاته وما يفعل ويتصرف لان الأزمة بالأصل اليوم هي أزمة أخلاق وقيم، وان المنشأ الأول لهذا الاتجاه هو تربية النفس على القيم والمبادئ والواجبات واتباع برامج حسن التدبير وإعادة الاعتبار للإنسان وقيمته وقدره واستشعار معاني الحياة وهدفية الوجود وصنع النظام، ومن ثم كل ذلك يتطلب ضرورة العودة أولا إلى النفس الإنسانية باعتبارها المصدر الأعظم للطاقة والتغيير، لان حسن إدارة عالم الإنسان الداخلي يتيح للعقل أن ينتج وأن يبدع وأن يبتكر بلا حدود ويساهم في عملية الإنتاج الفكري والمادي والعاطفي ويواصل عملية الإصلاح الذاتي لينعكس ذلك على عالمه الخارجي من خلال تصرفاته السليمة في بيئته ومجتمعه ومقر عمله ومكان دراسته.

الخميس، مارس 19، 2009

رؤيــة نقـديـة : أهــل الديــن تـحـت المـجـهـر

هـيـثـم البـوسـعـيـدي

بنفس المقدار الذي لعب فيه علماء ورجال الدين دورا ايجابيا في حياة الأمم وكفاح الشعوب نحو اتجاهات الإصلاح والتجديد والنهضة، فإنهم كذلك سلكوا طريقا سلبيا في إعاقة الشعوب عن السير في دروب التنوير والتقدم، واستخدموا الدين مطية لأجل الوصول إلى مطامع دنيوية ومادية وسياسية، ولا نعرف مدى اتساع حجم هذه الفئة أو تلك، لكن علماء ورجال الدين في حالات كثيرة تعرضوا عبر التاريخ البشري إلى الاضطهاد والسجن والتعذيب والتشريد والقتل والتشويه، وأيضا في حالات عدة تمرغوا في ملذات الدنيا وارتموا في أحضان الحكام وحققوا رغباتهم في الوصول إلى المناصب، وخاف بعض منهم من العقاب الدنيوي ليضحي بالعقاب الأخروي من اجل الحصول على أعلى درجات النعيم والراحة والشهرة، ولا ننسى إنهم أيضا تمتعوا بدرجة عالية من الاحترام والتقدير تعدت إلى درجة التقديس من قبل مؤيدهم وأنصارهم، وان جملة منهم كذلك صاروا في مزبلة التاريخ وخضعوا لنظرات الاستهزاء والازدراء والاحتقار.

وقبل الخوض في تفاصيل الأدوار المختلفة لرجال وعلماء الدين وعلاقاتهم المعقدة بالسلطة والفرد والمجتمع، لابد من الحديث ولو باختصار عن التفريق وان وجد بين مصطلحي رجل الدين وعالم الدين ، فلا يوجد فرق بين المصطلحين في الديانتين المسيحية واليهودية ولكن لا زال الاختلاف بين المصطلحين ظاهر ومطروح في الأوساط الإسلامية، فرجل الدين حسب ما يدعي أهل الاختصاص هو كل مسلم ملتزم ذو اهتمام بالدين وعنده رغبة قوية في تطبيقه ذاتيا أولا على شخصه وأسرته ومن ثم توظيفه من خلال ممارسات عدة في المجتمع مثل الدعوة والإصلاح، وليس كل رجل دين هو عالم دين لكن الإشكالية تكمن في كونه قد يوظف الدين حسب حاجاته ومتطلباته الشخصية، أما عالم الدين من وجهة نظر تلك الأوساط هو المتبحر في علوم ومشارب الدين والمتقيد بالالتزام بالتعاليم والمبادئ المتعددة، ومن له قدرة على فهم التشريع والعلم بالإحكام الشرعية، ومن يكون في يديه مفاتيح فهم العبادات وتطبيق المعاملات بحيث يعتبر المرجع وصاحب الفتوى.

ويعتبر رجل الدين اقل مستوى ومرتبة ودرجة من عالم الدين ويمكن اعتباره جندي لتطبيق أوامر ونواهي الدين الذي التزم بها، ويمكن معرفة مصداقيته من كذبه في كونه فعلا رجل الدين من خلال مستوى اهتمامه بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومراقبة سلوكه ورصد الممارسة الخارجية له مع غيره من رجال الدين وأفراد المجتمع.

في هذه الحالة كل مسلم مؤهل أن يكون رجل الدين إذا التزم فقط وحاول تطبيق ما فهمه من مبادئ وأحكام على نفسه وأسرته ومجتمعه وتعمق في الدين من خلال القراءة والاحتكاك بالمختصين والعلماء في الدين وذلك يحتاج إلى خبرة ودراسة، أما إذا أضاف إلى ذلك تبحر عميق في علوم الدين فإنه سيصل في النهاية إلى مرتبة " عالم الدين " .

لكن الفريقين هما من يمكن نطلق عليه بأهل الدين وحملة همومه والراغبين في تنفيذه على أرض الواقع وهما في مركب واحد وترابط العلاقة بين الطريفين مهما كانت معقدة فهي ذات أهمية قصوى وضرورة لتنفيذ مصالح الدين.
ولفهم وضعية أهل الدين وأدوارهم المختلفة في حياة الأمم والمجتمعات، لابد من تفسير أولا صور العلاقة المتباينة بين أهل الدين والسلطة وذلك بالتنقل بين عدة أمثلة عبر التاريخ البشري لنعرف بعد تعمق في الإشكال المتباينة التي نشأت عليها علاقة الطرفين ومن كان تحت سلطة وقهر الآخر الحاكم أو عالم الدين.

شهد التاريخ حالات متنوعة من التحالف بين السلطة السياسية والسلطة الدينية حيث تفضلت في كثير من الفترات السلطة السياسية في احتضان " عالم الدين" لاستخدامه في وقت الحاجة والاعتماد عليه لتبرير أفعالها وشعاراتها المختلفة ليظهر ما يمكن تسميته بفقيه السلطة أو دين السلطة، وابرز الأمثلة على ذلك بعض من علماء الدولة العباسية الذين التفوا حول الولاة وألفوا الكتب لمدح الأمراء والدفاع عنهم وإضفاء نوع من الشرعية على تصرفاتهم استنادا إلى تفسيرات مغلوطة لآيات القران والأحاديث النبوية، ففازوا بذهب المعز وجلسوا عن يمين السلطان مما أسفر عن تكرر نمط فقهاء السلطان عشرات المرات عبر الألفية الماضية وترسخ فكرة المسئول المستبد في العقلية العربية.

وتسلق رجل الدين في بعض الحالات مختلف السلالم والسبل ليصل في النهاية إلى السلطة السياسية حتى لو عاش على مجموعة من المتناقضات، بل إن طموحه في امتلاك السلطة الدينية والروحية والمكانة الرفيعة بين طبقات وفئات المجتمع لم يروي عطشه نحو الفوز بأهم من كل ذلك إلا وهو السلطة السياسية، فلبس عباءة الدين المقدسة واظهر خدمة الفقراء لكن في بواطن نفسه هو عبارة عن مارد يسعى نحو تخريب الحكم وإذكاء رغبة السيطرة بممارسة خليط من أساليب الخدع والشعوذة ليس على الحكام فقط بل حتى على المحكومين وأوضح مثال على ذلك راسبوتين الراهب المقدس أو الشيطان المقدس - كما يسميه البعض – والذي كان له بالغ الأثر في زوال حكم نيقولا الثاني آخر قياصرة الإمبراطورية الروسية وظهور عهد البلاشفة الحمر.

وقد تكون سلطة المؤسسة الدينية ذات تأثير كبير على سلطة الدولة وعلى صنع القرار وإدارة مؤسسات الدولة والتحكم في المجتمع أفرادا وفئات وتساهم في تشريع القوانين وسن الأنظمة المختلفة ، وهذا ما يمكن تسميته بالزواج بين المؤسستين وهذا ما يحدث فعلا في علاقة المؤسسة الدينية اليوم بالدولة السعودية الحالية وما حدث سابقا في عهد الدولة الصفوية.

وقد تصل المؤسسة الدينية المتكونة من مجموعة من علماء الدين كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى سدة الحكم، ويكون عالم الدين حاكما وفقيها في نفس الوقت حيث إن هذه التجربة فريدة من نوعها وتستحق الدراسة لأنها تعكس طبيعة حكم علماء ورجال الدين لأول مرة في التاريخ الإسلامي وسيطرتهم على هيكلة وصنع القرار في الدولة والمجتمع، والتي أدت بالمجتمع إلى تفريخ سلسلة من رجال الدين الذين يتولون اليوم مناصب مختلفة ويلعبون ادوار اجتماعية وسياسية وثقافية متباينة، فيصبح رجل الدين في كل مكان فتجده وزيرا ومدير عام ورجل أعمال وصحفي وكاتب ومحامي وطبيب ودكتور في الجامعة وبذلك يطبق حسب اعتقادهم المفهوم السائد أن كل مسلم هو رجل دين في بيته وأسرته ومحيطه بمعنى غرس مفهوم " رجل الدين" في كل شبر في الدولة والمجتمع.

وتجدر الإشارة إلى صراع المؤسسة الدينية الرهيب في العصور الوسطى نحو الفوز بالسلطة والبحث عن السلطان الشخصي مدعوم بعدة بمبادئ مثل " أعط ما لقيصر لقيصر وما الله لله "، وهذا الصراع بين الملوك والبابوات نراه واضحا في التاريخ الأوربي - على سبيل المثال - قصة النزاع الشهير بين الملك هنري الثاني وبين أساقفة الكنيسة المتطرفين أنذلك والتي أدت بالملك إلى تقديم تنازلات رهيبة مقابل الخضوع لما يمليه رجال الدين.

وهذا الصراع نتج عنه قبضت " الكنيسة " على حياة ومسار المجتمع وشئون الناس، ومارس البابوات والرهبان إمكانياتهم الروحية والمالية والمعنوية في ذلك الوقت لدفع الناس لتنفيذ مخططاتهم وأهدافهم المنحرفة عن أهداف الدين النبيلة - على سبيل المثال - إشعال نيران الحروب الصليبية والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر ، وأدى ذلك الصراع إلى نفور الناس من الدين ورجاله لتعيش المجتمعات الغربية حالة من الانسلاخ والبعد عن الدين وتعاليمه في الوقت الحاضر.

نقيض لما سبق فهناك الفريق ذي الأقلية والذي أخلص للعقيدة الدينية وابتعد عن السلطة السياسية وممارستها المعقدة وعلاقتها الشائكة، وأتضح ذلك في شكل المعارضة الفكرية والدينية والدعوية نحو مناهضة أفعال أهل السياسة وتصويب تصرفات الحكام السلبية وإبعاد الدين حتى لا يصبح تجارة أو يتلطخ بمكر السياسة، وهؤلاء كان مصيرهم السجون أو الإقصاء أو التكفير أو التشويه في عهود الطغاة، لكنهم ظلوا مثل الثوب الأبيض ناصع البياض عبر التاريخ ولم تنل من قيمتهم كمية الادعاءات الباطلة والافتراءات الضالة، بل تفرغت مبادئهم وأفكارهم في خطاباتهم المحفوظة وكتبهم الموروثة على الرغم من سلبية تعاملهم مع عالم السياسة.
بعض تلك الصور المؤسفة لعلاقة أهل الدين بالسلطة تقودنا إلى تحطيم مفهوم النرجسية الذي يلتف حوله اليوم علماء ورجال الدين، والبحث لإظهار النقد في سلوك الشخصية الدينية وذلك بالاعتماد على أمثلة مختلفة وشواهد تاريخية حتى نكتشف التأثيرات السلبية لأفعال وتصرفات ومواقف جزء من أهل الدين على وضعية الأمم وحياة الأفراد والمسارات الحضارية للمجتمعات والشعوب.

فأهل الدين في بعض الحالات يعززون عملية الشحن النفسي المضاد في نفوس المنتميين لدينهم أو طائفتهم ضد المواطنين الأخريين من المذاهب والطوائف الأخرى، بل يبررون سياسة تسفيه وتحقير الآخر حتى ولو كان ذاك الآخر من نفس الدين والملة وذلك يشكل في حد ذاته عامل هدم لمبدأ الوحدة الوطنية في أي بلد وخصوصا عندما يكون مدفوعا بأقوال وكتب ومؤلفات ومناهج تعليمية وتحريض مستمر وأدلة مفتعلة من الدين، فيتناسى أفراد المجتمع إن وحدة البلد مهددة وقدرة الدولة على تحقيق التماسك قد يكون ضعيف وينبأ بالخطر المحدق، كل ذلك لا يظهر إلا عند حدوث الأزمات الكبرى فينكشف المستور ويضيع الوطن ويتشتت المواطن بسب التفرقة والكراهية والعنصرية بين الطوائف والمذاهب في المجتمع الواحد.

وفي بعض الحالات يبرر أهل الدين سفك الدم البشري من غير منطق، ويسوقون لمفاهيم التطرف والإرهاب، ويغذون أفكار حب الموت وإهمال الحياة في صفوف الشباب من خلال نصوص متناقضة وفتاوى غريبة، فكم حملت فتاوى علماء المسلمين - على سبيل المثال - خلال العقود المنصرمة سلسلة من الفتاوى التي أثارت التعجب والدهشة في المنطقة العربية فقد انخرط جزء منهم في اللعبة السياسية وشجعوا الأفراد على الهجرة إلى أفغانستان والجهاد ضد السوفيت في أفغانستان ثم بعد ذلك رحبوا في حروب الخليج بغزو المحتل للبلدان الإسلامية وأصبحوا المعين والمشرع الأول له. والأفظع من ذلك تركيزهم على قضايا صغيرة وأشغال أفراد المجتمع بأمور تافهة وتشديدهم على ممارستها، وهم في المقابل يلعبون لعبة تخدير الأفراد وتثبيط الشعوب عن الثورة ضد الظالمين والطغاة، وسكوتهم على إجرام الأنظمة السياسية التي يعيشون في ظلها لأنهم باختصار أصبحوا بمرور الزمن موظفي سلطة فتاويهم حسب الأوامر السامية.

ومواقف أهل الدين في أحداث أخرى قد تكون ضد وجود الإنسان، وتعمل تحت عباءة الدين على تحطيم الحياة الإنسانية ذلك ما حدث قريبا من وقوف كثير من الحاخامات إلى جانب حكومة إسرائيل ودعمها الشديد للحرب في غزة وتشريع قتل الأطفال والنساء باعتبارهم شركاء مع حماس، وتشجيعهم للجيش الإسرائيلي من خلال الأقوال والفتاوى على قتل أعداد كبيرة الفلسطينيين حتى لو وصل العدد إلى مليون أو أكثر.

كذلك فإن غزو المدنية والتطور بمختلف أشكاله للمجتمعات أوجد ظواهر سلبية أدت بشكل مباشر إلى أمراض كثيرة في أوساط الناس مثل: الاستغلال، الفردية، الفقر، سوء الأحوال المعيشية، نمط الاستهلاك المفرط، التعامل مع البنوك الربوية، ظهور أشكال الفساد كالملاهي، استيراد القوانين والأنظمة، طوفان وكم هائل من وسائل الإعلام الداخلية والخارجية المخربة، من ثم غيب الدين عن أنظمة الدولة وأصبح الحفاظ على الهوية والقيم في خبر كان، مما جعل أهل الدين في موقف محرج ومتأزم حيث أصبحت أدوارهم غائبة عن الساحة مع تلويحهم فقط بسياسة التحريم والتنديد بالعقاب السماوي دون تقديم حلول جذرية وفعالة لمشاكل وقضايا المجتمع الحاضرة أو إعانة أفراد المجتمع لأجل التخفيف من الأزمات الاجتماعية والأخلاقية والتربوية، كذلك أعطوا الفرصة لمنتقديهم إظهار العيوب والنواقص والمتناقضات في أفعال وسلوكيات أهل الدين، وبذلك أكتفوا فقط بدور المراقب، أو دور الشامت المتندّر على ما حصل وسيحصل مستقبلا .

لذا فإن تلك الأفعال والتصرفات والمواقف لأهل الدين لم تأتي مهما اتسع أو ضاق تأثيرها على طبقات وإفراد المجتمع من فراغ، ولكن ما تمر به المجتمعات من تطور مادي و انحدار قيمي وتغييرات سياسية واقتصادية وثقافية كبرى يؤدي كنتيجة مؤكدة إلى مجموعة من الممارسات المتناقضة وجملة من الأخطاء الفظيعة الغير محسوسة من قبل حملة الدين، وذلك في حد ذاته يشكل أزمة وحالة حرجة يغفل عن إدراكها أهل الدين أنفسهم، ويعجز المجتمع عندئذ عن بناء صورة واضحة ومحددة للعلاقات المتشابكة داخله، وربما يقوده ذلك إلى صراع رهيب وتحول مرتقب لا يحمد عقباه بين مختلف الإطراف والجهات لذا فإن ديناميكية وتكوين المجتمع ينعكس بصورة دقيقة على بنية الدين وممارسات رجال الدين.

وعند التطرق إلى وضعية أهل الدين في عالمنا العربي نجد أن أهل الدين لعبوا دورا كبيرا ودخلوا مهما اختلفت الأسباب والدوافع إما في صراعات رهيبة أو علاقات حميمة مع السلطة السياسية، وأصبحت في الوقت الحاضر الحالة الدينية في المجتمعات العربية ذات نسبة تأثير عالي على الفرد والمجتمع لأنها جاءت في خضم الصحوة الإسلامية وبواعث النهوض من قيود الاستعمار الأجنبي وبروز شخصيات دينية دافعة لهذا المد إما في طريق الإصلاح والتجديد وإما في طريق الفوضى والأحلام الزائفة.

ونقد تلك الحالة الدينية في مجتمعاتنا العربية أمر ضروري، وإعادة صياغة الصورة المعقدة لأهل الدين مع السلطة والفرد والمجتمع مطلب حتمي على الأمة، لان الرجوع إلى صفحات التاريخ خصوصا في الحالة الدينية المسيحية في أوروبا يثير عدة تساؤلات فلماذا تزعزع دور رجال الدين في الغرب؟ ولماذا أصيبت علاقة رجل الدين بالإطراف الأخرى بالخلل والإشكالات؟.

الجواب واضح لكل من يدقق في التاريخ لان الكنيسة كانت غير قادرة على مواكبة‌ مستجدات‌ العصر واستيعاب متغيرات الحياة المتعددة، وفي نفس الوقت لم تستطع الحفاظ على وضعية قيم ومبادئ الدين مما أفضى بالسجال‌ العنيف‌ الذي‌ ساد الحياة‌‌ إبان‌ عصر النهضة‌ بين‌ المفكرين‌ والحكام ورجال‌ الكنيسة‌ إلى‌ إقصاء الدين‌ عن‌ الحياة‌، ومن ثم حبسه‌ في‌ أروقة‌ الأديرة‌ والكنائس‌، وحدوث الطلاق الذي لا رجعة فيه بين الدين والدولة والمجتمع.

وهذا السجال الذي هو أشبه اليوم بالصراع الخفي غير الظاهر بين السلطة الدينية والسلطة السياسية وفئات المثقفين يتكرر بصور وأشكال متعددة في المجتمعات العربية، ولكن منتهاه إلى أين؟ أم هل يتكرر ما يحدث في أوروبا ونصبح نسخة مكررة للواقع الغربي الحالي.

لذا يحتاج أهل الدين في المجتمعات العربية الارتكاز على عدة نقاط ومنها إصلاح خطاباتهم الدينية واتخاذ خطوات جريئة نحو مراجعة ذاتية حقيقية لأنفسهم، والتدقيق في مسارات التعامل مع المجتمع والدولة ودراسة المتطلبات الجديدة للحياة، فلا يعقل الحديث عن أسلمة العالم ومباركة توريث الحكم ومحاكمة المفكرين وتجريمهم وحرمة الاجتهاد مع وجود النص ووأد المعرفة، بينما نجد على الضفة الأخرى من العالم الحديث عن الحرية والديموقراطية وحق التفكير والإبداع والإعلان عن الرأي المخالف بحماية الدولة والالتزام بحقوق المواطنة.

كما إن نظرة جزء من أهل الدين إلى العالم نظرة أحادية الجانب تحتاج للتغير لأنهم معتقدين أنهم خير أمة أخرجت للناس فيحتقرون الآخرين ويقودون مجتمعاتهم إلى الكوارث، وذلك ناتج عن عدة عوامل وأسباب ومن ضمنها الخلل الموجود في المناهج الدينية التعليمية التي تفتقر لعلوم أخرى مهمة، ومن ثم فإن تطوير المدرسة الدينية يعتبر أمر ضروري، وتدريس علوم مختلفة مثل تاريخ الأديان المقارن والفلسفة وعلم النفس والاجتماع وعلم الإنسان تعتبر مرتكزات أساسية يجب أن يعتمد عليها الفقيه أو المصلح في علاقته مع الإطراف الأخرى في الحياة.

وفي النهاية نحن بحاجة ماسة لرؤية جديدة لاستثمار الدين بشكل صحيح وطريقة مفيدة لخدمة كافة الإطراف وليس لهدم وتوسيع الهوة، لذا لابد من تكاتف المؤسسات الدينية والسياسية والعلمية والثقافية المختلفة لدراسة وظيفة ووضعية أهل الدين على الرغم من استحالة حدوث ذلك في الواقع العربي الراهن، لأننا لا نريد أن تتجه أدوارهم نحو الضمور والانكماش ولا إلى السيطرة والتحكم والاستعباد بل نريد منهم ادوار ايجابية ومواقف فاعلة تساهم في بناء الأوطان وتقدم الشعوب وتحافظ على القيم والأخلاق وتتواكب من المتغيرات الحديثة..

ولا ضير أن ننتقد ممارسات وسلوكيات شريحة ليست قليلة من أهل الدين، ونكتشف ضيق أفقهم التعليمي وفقرهم الثقافي من باب الإصلاح لا الهدم، فكما إن هناك من أهل الدين من ضحى من أجل قضايا الإصلاح وتوحيد الأمة ومناهضة الطغاة، هناك أيضا من تاجر بقضايا الأمة ومارس النفاق ولا زال ينعم بعشرات الملايين ( بزنز مان ) على حساب الوطن وأفراد المجتمع المخدوعين.

ويجب علينا نحن كأفراد في زحمة مستجدات الأحداث ومتغيرات الواقع أن لا نقف حائرين وان تكون لنا آرأء واضحة ومواقف محددة لما يدور من حولنا، صحيح إن جل اعتمادنا في أمور العبادات على أهل الدين على الرغم من إن طريق الجنة واضح ومفتوح لمن أراد السير فيه بدون مرشد أو وصي، أو عالم دين، لأن الحرام والحلال واضحين كوضوح الشمس والقمر .

لكن نحن أصحاب القرار في تحديد أساليب التعامل مع الدنيا والأشخاص والإحداث والسياسة، ويجب أن نفهم الدين من خلال القراءة والتحليل والتفكير والدراسة وليست بالاعتماد على أوامر من أهل الدين، لأننا بشر وهبنا الله العقل ولسنا دمى تحركنا أقوال متضاربة ومواقف غير مسئولة وأناس مثلنا يخطأون ويصيبون.