‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسعد ابو خليل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسعد ابو خليل. إظهار كافة الرسائل

السبت، فبراير 16، 2008

من قتل «الغوغاء» في شوارع مار مخايل؟

أسعد أبو خليل
الأخبار

من قتل الغوغاء في شوارع الضاحية الجنوبية؟ من أطلق الرصاص على هؤلاء الرعاع؟ من سمح للحثالة بتلويث شوارع العاصمة بدمائهم؟ من المسؤول عن استقبال هؤلاء بصدورهم لرصاص الجيش الوطني الذي حقق إجماعاً غير مسبوق عندما دمّر مخيّماً آهلاً بالسكّان؟ من سمح لهؤلاء الغوغاء بالتظاهر ومن المعلوم أن التظاهرات الحضارية هي تلك التي تنطلق من قريطم فقط وتأتي ممهورة بختم جريدة «النهار» الرسمي. صدر تحقيق رسمي في حادث إطلاق الرصاص على مدنيّين، لكنه لم يشرح شيئاً، ولم يأتِ بجديد.
كاد أن يقول إن اللبنانيين يحبّون بعضهم بعضاً، على طريقة قول صائب سلام الشهير بأنه يخشى على اللبنانيّين من الاختناق لكثرة العناق «إذا ما تركهم الغريب» ـــــ كان هذا قبل أسابيع من اختناق مئات من اللبنانيين واللبنانيات من العناق في حرب الجبل. (بالمناسبة، هل هناك علاقة بين تسديد آل الحريري لديون المقاصد وبين التغيير الجذري في مواقف تمّام سلام أم أنها مرة أخرى «صاءبت»؟)
كاد التحقيق الرسمي في قتل المدنيين في الضاحية الجنوبية أن يقول إن ثمانية من اللبنانيين ماتوا بسبب الثلوج والأعاصير وبسبب التعليق على الأسلاك الكهربائية التي يريد رئيس الحكومة اللبنانية أن يُعلم اللبنانيين واللبنانيات أنها من أفعال طائفة واحدة لا غير. وفؤاد السنيورة بات خبيراً في العلاقات بين الطوائف عندما انكبّ على دراسة سيرة أبي مصعب الزرقاوي في السرايا الحكومية قبل أيام فقط من تحويله إلى مصلى ـــــ في سابقة لم يرتكبها قبله حتى عتاة الطائفيين في تاريخ لبنان المعاصر.
تسويغ القتل
لكن الملاحظ أنّ الخطاب السياسي في لبنان أهّل وسوّغ لعمليّة القتل في شوارع الضاحية، ولعمليّة نسيان الضحايا، حتّى لا نقول السخرية من موتهم. فقد سارعت جوقة 14 آذار الى إصدار الحكم في بيان رسمي قرأه ممثل القوات اللبنانية التي لم تكرّس تاريخها إلا للحرص على حياة اللبنانيين واللبنانيّات (بالإضافة إلى حرص شديد على علاقة التبعيّة لإسرائيل). البيان أدان الضحايا لأنهم انتموا إلى طائفة الغوغائيين.
وسام سعادة أطلق عبارة أخرى في جريدة «السفير»: ظنّ أنّه يحسن تسلّم الأمانة من خطب يبدو أنّه حفظها عن ظهر قلب لجبران تويني وبيار الجميّل (الجدّ أو الحفيد لا فرق، وهو أعلمنا أخيراً أن بيار الجميل الجدّ كان فخوراً بعروبته ـــــ كذا) عن نظرية التفوّق الجيني بين الطوائف، إذ إنه يستعمل كلمة «الدهماء»، والتي على ما يفيدنا ابن منظور في لسان العرب، تُستعمل في واحد من معانيها للإشارة إلى النياق. هو يتذاكى طبعاً، وسيصرّ أنه استعملها في معنى السواد الأعظم.
والتذاكي دارج بين اليساريين التائبين (على أعتاب قصر قريطم)، كما يتذاكى عماد فوزي الشعيبي في تحليلاته في العلاقات الدولية (وهو معروف في تحليل التذاكي على أثر صدور القرار 1559، إذ إنه شدّد على أن مجلس الأمن لم يكن يتحدث عن سوريا). واحد من إعلاميّي آل من «يحسب أن ماله أخلده» رأى أن الضحايا من «الزعران». أوصاف أكثر تهذيباً وصفتهم بـ«المشاغبين». والكلام عن النوعية والكميّة لا يقتصر على فريق واحد: فوئام وهّاب أكّد لتلفزيون «الجديد» أن المسيحيّين هم «قيمة وليسوا كميّة». إذ إن غير المسيحيّين هم كمّ فقط، أراد أن يقول.
وكان صدام حسين (من لاحظ أن الإعلام السعودي أصبح مهذباً جداً نحوه إن لم يكن متعاطفاً في إشاراته إلى الطاغية لأنهم يحتاجون إليه لأغراض التحريض المذهبي. ولهذا وصفه قائد المرابطون ـــــ فرع عائلة الحريري بأنه «شهيد»)، وهو اليوم لبنة أساسية في الخطة الأميركية ـــــ الإسرائيلية ـــــ السعودية ـــــ الدحلانية للمنطقة، يشير إلى معارضيه خصوصاً إثر الانتفاضة الشعبانية بـ«الغوغاء». كان لا يحتاج إلى تشريح للغة الكوديّة المستعملة.
عرف مستمعوه ماذا يُقصد بالعبارة، كما فهم جمهور طلابي ذات مرة ماذا عنى خطيب من نوّاب الفريق الحاكم بـ«الغنم» في إشارة إلى طائفة من الطوائف.
واستيراد خطاب صدام حسين شائع هذه الأيام، والكل يتحدث عن «الصفوية». (هل يعلم من يستخدم تعبير «الصفويّة» كسُبّة أن الحكم الصفوي (الذي فرض التشيّع بالقهر) سبق إنشاء جمهوريّة الخميني التسلّطيّة، وأن الدولة الصفويّة كانت رائدة في زمانها في تقدّمها وأن مدينة أصفهان ـــــ التي قد تكون ابتكرت قبل قرون مجمّع التسوّق المفتوح على طريقة «بفرلي هلز» ـــــ كانت بديعة عالمياً، ويروي زائر أوروبي لها أن المدينة تضمنت في عام 1666، 162 جامعاً و48 مدرسة و182 خاناً و273 حماماً عاماً؟).
التمييز العنصري
لفهم أبعاد وسياق عبارات الغوغاء والرعاع والدهماء، عليك أن تعود إلى تاريخ العلاقات بين البيض والسود في هذه البلاد. فالمستعمر الأجنبي أنشأ لبنان على أساس فصل وتمييز طائفي مستقى من تجارب الفصل والتمييز العنصري في المجتمعات الغربية.
وبناءً عليه، هناك طائفة متفوقة جينياً، وهناك طائفة، أو طوائف متدنيّة في تكوينها الجيني. هذا كان في صلب فلسفة وعد بلفور، إذ إن بلفور (الذي كان معادياً للساميّة، مثله مثل الكثير من غلاة الصهاينة في الغرب) أفتى بأن «تقرير المصير العددي» لم يكن في قاعدة قرار إنشاء الدولة اليهودية. وحق تقرير المصير العددي تناقض مع إنشاء الجمهورية اللبنانية، ومع اتفاق الطائف.
تفاهمت قيادات الطوائف والأنظمة العربية التسلطيّة الراعية على أن المواطنيّة ليست مقبولة في لبنان ـــــ مثلها مثل العلمانية التي لا ترد على الشفاه وهي تُذكر لماماً في بيانات الحزب الشيوعي اللبناني، مع أن الياس الهراوي حاول أن يسنَّ قانوناً للزواج المدني في لبنان، لكن رفيق الحريري وزعماء الإكليروس السنّي والشيعي والماروني منعوه ـــــ وإن كانت ضرورية من أجل تحقيق الديموقراطية الحقّة.
وبنيان النظام اللبناني تطلّب منذ بداية عملية الخلق الأعوج تسويغاً (مستقبليّاً) لصيغة تضع الطوائف في تراتبيّة هرميّة، من الأكثر تفوّقاً جينيّاً، إلى الأحقر، وهكذا دواليك. وعليه، كانت الطوائف الدنيا، أو كان مطلوباً منها، أن توفّر لإثبات المواطنية وللحصول على شرف الجنسية اللبنانية، خادماتٍٍ للمنازل قبل استيراد الرقيق الآسيوي إلى الشرق الأوسط.
والغجر هم في أدنى سلّم التراتبية الهرمية، وإن كانوا غيرَ مرغوبات في البيوت، وذلك بسبب انتشار التصوير النمطي عنهنّ، وعن المُشاع عن نزوع الغجر الوهمي نحو «سرقة الأطفال».
ولا يزال هذا الربط شائعاً في الشرق وفي الغرب على حدٍّ سواء. ويأتي الأكراد بعد الغجر، وكلمة «كردي» لا تزال تستعمل للتحقير في بلد ثورة الأرز والبطاطا بكزبرة. ويأتي الفلسطينيّون بعد العلويّين، ثم يأتي الشيعة بعد العلويين، وهلّم جرّا.يودّعون شهداء «الأحد الأسود» في الضاحية الجنوبيّة (وائل حمزة - إي بي أي)
وهناك من يقول إن أفقر اللبنانيين هم اليوم من السنّة (وهناك أيضاً فقراء من الموارنة، مثلما كان معادو الساميّة ينفون وجود فقراء من اليهود)، وهذا ليس بعيداً عن الصحة.
لكن ينسى هؤلاء أن تعريف الطبقة الحديث (لم يعرّف كارل ماركس «الطبقة» بصورة منهجيّة. فهو بدأ ذلك في الفصل 52 من «رأس المال» لكنه توقّف بعد صفحة ونصف الصفحة، لعلّه توقّع أن يكمل مصطفى علوش الفصل له، وخصوصاً أن اليساريّين التائبين مقتنعون (ومقتنعات) أن كارل ماركس كان سينضوي في فريق الحريري لو عاد حيّاً، وخصوصاً أنه احتقر البروليتاريا الرثة واعتبر الفلاحين مثل «كيس البطاطس») لا يعتمد على متغيّر الدخل فقط، بل هناك متغيّر «الهيبة الاجتماعية» أو ما يُسمّى بلغة علم الاجتماع «المكانة الاجتماعية»، وهي لا تتطابق كليّاً مع الدخل كما افترضت الماركسية الأرثوذكسية (أو الماركسية الميكانيكيّة، والماركسيّة البكداشيّة ما هي إلا نموذج مبتذل للماركسيّة الميكانيكيّة).
وقد يتغيّر الدخل الاقتصادي، ولا تتغيّر المكانة الاجتماعية على ما هي الحال عليه بالنسبة إلى السود (من أوساط الطبقة المتوسطة والعليا) في هذه البلاد. وتصيب العنصريّة حتى أصحاب المليارات مثل أوبرا ونفري، التي أقفل بوجهها مرة باب أحد المحال التجارية. وقد حاول عالم الاجتماع الأميركي سي. رايت. ميلز أن يطوّر تحليلاً للنخبة الحاكمة في البلاد عبر الاعتماد على مزيج من تحليل ماركس وماكس فيبر (وفيبر على ما يصرّح ثوّار الأرز كان معادياً لمقاومة إسرائيل ومن محبّذي سياحة الدعارة التي أصيبت بالضرر نتيجة إصرار بعض المخرّبين على مواجهة إسرائيل مع أن دموع السنيورة كانت ستتكفل بتحرير الجنوب والرغيف) في كتابه الهام «نخبة السلطة».
وقد برز هذا التشديد على عنصر المكانة الاجتماعية بوضوح بعد اغتيال المتظاهرين في مار مخايل، إذ إن رئيس الحكومة اللبنانية، مقلّد حميد كرزاي العربي، قدّم التعازي بوفاتهم إلى الشيخ عبد الأمير قبلان، ولحقه عدد من السياسيين. وقائد الجيش، الذي تولى ترشيحه للرئاسة وزراء الخارجية العرب إذ إن لبنان دخل مرحلة السيادة المتطوّرة في عصر البوشية، قدم التعازي لزعيمي حزب الله وحركة أمل إذ إن الضحايا يمتّون إلى طائفتهم فقط، لا لغيرهم من اللبنانيّين واللبنانيّات. فالضحايا عندما ينتمون إلى الغوغاء، خلافاً لرفيق الحريري مثلاً، لا يمتّون إلى الوطن بصلة، بل هم مختصّون بالطائفة التي إليها وحدها ينتمون.
وهذا يفسّر التجاهل السياسي والقضائي للأخبار الدوريّة عن انتحار خادمات آسيويات ومقتل عمال سوريين (والذين واللواتي يتعرضون ويتعرضن للسخرية في صفحة الجرائم في «المستقبل» بعد وفاتهم. لكن الرفيق السابق الياس زهرا ـــــ قائد اليساريّين التائبين ـــــ أخبرنا أن «المستقبل» هي جريدة «اليسار الحقيقي»). فأعضاء الطائفة المُحقَّرة هم مثلهم مثل أي جالية أجنبية.
ووليد جنبلاط، وتلميذه النجيب وائل أبو فاعور، يلاحقان أمر تملّك هؤلاء الشيعة (اللاجئون والطارئون) للأراضي في لبنان، مثلما يلاحق البطريرك الماروني (صاحب الشعار «الوطني» الشهير: «فلينتخب المسلمون الممثّلين المسلمين، ولينتخب المسيحيّون الممثّلين المسيحيّين»، لكن مجد مسخ الوطن أُعطي له، فلنصمت ولنتوقف عن المطالبة بالوثائق المتعلقة بالاتفاقية السرية في عام 1946 بين الحركة الصهيونية والبطريركية المارونية ولنتوقف عن المطالبة بإجراء تحقيق في ما جرى لأسعد الشدياق الذي كان الإكليروس يبوّل عليه كما فعل سجّانو أنور السادات) أمر تملك العرب (وخصوصاً الفلسطينيين) للأراضي في لبنان.
وترصد جريدة «النهار» الأمر بدقة وحرص شديد على الفرز والشحن الطائفي. وهي أفادت القراء بعد قتل الغوغاء في مار مخايل بأن الضابط المسؤول في الجيش هو من طائفة الغوغاء نفسها، فاقتضى التنويه. كادت الجريدة (التي قالت إبان الحرب بأن أهل الضاحية يتوالدون «كالفئران» ـــــ تُراجع مذكرات مي ضاهر يعقوب في هذا الصدد) أن تقول «غوغاء يكسّر بعضه». المفتي محمد علي الجوزو، المشغول كعادته بالتوفيق بين المذاهب الإسلامية والطوائف، نوّه ببيروت لأنها عاملت «هؤلاء» الطارئين معاملة حسنة، مثلما يعامل اللبنانيون واللبنانيات الخادمات السريلانكيات معاملة حسنة أيضاً.
وعندما قرأ سعد الحريري جملة «بيروت خط أحمر» (بعد أن شكّلها له هاني حمود، وهو يساري سابق أيضاً) عنى بها الغزاة من الغوغاء الوافدين من الجنوب والبقاع، إذ يجب أن يقفوا عند حدّهم. ومن غير «محسوبك» سعد يستطيع أن يوقفهم عند حدّهم، وخصوصاً إذا ما استعان بالجوزو، الذي يبدو أنه استقال رسميّاً من خليّة حمد؟وصاحَبَ مقتل الأبرياء من المتظاهرين سعارٌ طائفيّ حادّ.
أصوات قيادات 14 آذار، وهم جهابذة في علم الديموقراطية وخصوصاً نائلة معوّض التي اعتبرت حافظ الأسد ـــــ الذي تتهمه اليوم باغتيال زوجها ـــــ «عظيماً من عظماء تاريخ أمتنا»، وأحمد فتفت الذي كان يصف حافظ الأسد بـ«السد المنيع والحصن الكبير»، بالإضافة إلى باسم السبع الذي مشى طاووسيّاً في مسيرة «تأييد ومبايعة» لبشار الأسد جنباً إلى جنب مع رستم غزالة، تتعامل مع الحدث من باب نظريات فهم وشروح الديموقراطية.
فهم يتساءلون ببراءة شديدة: هل تسمح الديموقراطية بحرق الدواليب والاعتصام؟
الجواب هو: طبعاً. فالاعتصام هو سمة من سمات الاعتراض، وكانت أسلوباً متبعاً في حركة الحقوق المدنية في أميركا، والتي تُعدّ نموذجاً من النضال السلمي. لكن ميشال المر، عرّاب المرحلة الإسرائيلية قبل أن يتحول إلى عرّاب المرحلة السورية، وهو اليوم عرّاب مرحلة «ما بين المرحلتين»، يفيد بأن أهل المتن لا يتظاهرون لأن التظاهر «غير حضاري» ـــــ والكل ينشد الحضارة في بلد الأرز، والسفير الأميركي هو مرجع في أصول الحضارة لأن الكل في لبنان، في المعارضة وفي الموالاة، ينشد آراء وتأييد الرجل الأبيض، ويتسابق الجميع للاستشهاد بمقالة (لا تتضمن جديداً) في مطبوعة غربية فقط لأنها مكتوبة من الرجل الأبيض.
والديموقراطيات الغربية تشهد تظاهرات واعتصامات وحرقاً للدواليب. ولم يكن صدفة أن نيكولا ساركوزي وصف من قام بأعمال شغب في فرنسا بـ«الحثالة» لأن هذا يضرب على وتر العنصريّة الدفين، مثلما يستعمل عتاة العنصرية الطائفية في لبنان مصطلحات «الدهماء» و«الغوغاء» و«الهمج» و«الرعاع». لكن لبنان ليس «الماوماو» كما يردّد سمير فرنجية دائماً، ويستعمل أحياناً أسماء دول أفريقية أخرى من باب التنويع والتشكيل. والحكمة تكمن في التوكيد على التفوّق الجيني لبعض العرب، أو لبعض لبنان، إذا ما توخّينا الدقة، أو لبعض الطوائف في لبنان.
وسجعان القزي، الذي نتذكره في إعلام القوات اللبنانيّة (الذي كان يُدار «بتنسيق» إسرائيلي أثناء الحرب) أكد في برنامج تلفزيوني أن «الميزة» المارونية لن تنتقل إلى طوائف أخرى مهما صدحت تلك الطوائف بشعارات السيادة والاستقلال. ونيّال من له تعويض في واحدة من كسّارات نقولا فتوش. هكذا يُبنى الوطن: كسّارة، كسّارة.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:

السبت، فبراير 02، 2008

جورج حبش والزهد الثوري

اسعد ابو خليل
الاخبار
كنت في المدرسة الثانويّة في بيروت عندما رأيته للمرة الأولى. في طفولتي وحداثتي كنت أسمع عنه الكثير. لم تكن العائلة ودودة نحوه، إذ إن عمّي ناجي، الذي كان ناشطاً في حركة القوميين العرب في الخمسينات والستينات في صور، ترك الدراسة والتحق بوديع حداد وجورج حبش في الأردن بعد تأسيسهما عيادة متخصصة في معالجة الفقراء في المخيمات.
كان هذا قبل أن يصبح تدمير مخيم فلسطيني مناسبة للاحتفال الوطني في لبنان. لكن الاثنين أقنعاه بالعودة الى الدراسة. إلا أنّ «شلة» حبش ووديع حداد مثّلت «عشرة السوء» لبعض العائلة في صور، لأنها جعلت من ابنها مهووساً بهمّ تحرير فلسطين.
كنت أسمع أن حبش وحداد عقدا اجتماعات في منزل جدّي في مدينة صور، وكانت الفكرة ساحرة لي. كنت أسمع أن حبش جلس على هذا الكرسي يوماً ما، وأن حدّاد غادر غاضباً من ذاك الباب يوماً آخر. وكنت أسأل باهتمام عن حبش. بدا مختلفاً في الصحافة.
كانت الصحافة، حتى اليمينية منها مثل جريدة «النهار»، تتعامل معه باحترام شديد. هو لم يعشق صورته ولا صوته، ولا كان يتدرّب على الخطابة أمام المرآة. بدا طبيعياً، حتى تحت الأضواء، وقد تجنّبها. لم تستهوِه، وما قام به من مقابلات صحافية كان من باب الواجب، وأحياناً كثيرة بإصرار من القيّمين على الاعلام في الجبهة.
كلّ ملم من فلسطين
وكان تأثيره كبيراً جداً على الكثيرين والكثيرات ـــــ كان هذا قبل صدور فتاوى «تفيد» أن المرأة عورة ــــــ في العالم العربي. بعد انشقاقات وتحولات الحركة، ناصر عمّي نايف حواتمه الذي لم يكن له أن يستمر في تنظيمه من دون دعم مباشر من ياسر عرفات، الذي لم يكن يرى أو يتنسّم انشقاقاً أو حركة تصحيحية لبنانية أو فلسطينية من دون أن يباركَها أو يدعمها بالمال والسلاح.
«الخردقة» كنا نسميها في لبنان آنذاك. كان هناك مسؤول في منظمة العمل الشيوعي يحمل معه قائمة بدكاكين متنوعة (وبعضها ذا منحى ديني وطائفي في زمن سادت فيه الحركات العلمانية) أسّسها عرفات على الساحة اللبنانية. لكنني قرأت للحكيم خطاباً آنذاك، ربما في عام 1973 وأنا ابن الثالثة عشرة، تحدث فيه عن «تحرير كل ملم مربع من فلسطين».
كل ملم من فلسطين؟ استهوتني الفكرة ببساطتها وبطموحها، وخصوصاً أنني كنت قد بدأت بتتبّع حملة الجبهة الديموقراطية، بالنيابة عن عرفات، للترويج لفكرة الدولة في 22% من فلسطين. السعي في المقابل كان من أجل تحرير كل فلسطين من «المية للميّة» كما كان هتاف للجبهة يقول. كانت العبارة كافية، إضافةً الى ما وصلني من أعداد من مجلة «الهدف» كانت تبشّر بحركة ثورية واعدة وخلاّقة. وكان إعلام «الهدف»، الذي أسّسه الفذ غسان كنفاني، مبدعاً في استعمال الصوت والصورة، وخصوصاً المُلصق. كان ذلك زمن المُلصقات الثورية ــــــ لا نتحدث هنا عن ملصقات العائلة الثريّة في مدينة بيروت التي تهين ذوقي الفنّي على الأقلّ، حتى لا أتحدث باسم غيري.
كنت آنذاك أنام تحت ملصق يحمل اسم مناضل نيكاراغوي مات من أجل فلسطين. من يتذكر بعد باتريك أورغويللو؟ هناك من يتذكرك، يا باتريك. ليلى خالد ــــــ الحق يُقال ــــــ تذكركَ دائماً وبالخير، عندما لا تكون مشغولة بالحديث عن رفيق الحريري في إعلام الحريري.
أعيش اليوم، يا للحظ العاثر، في زمن محمد دحلان وفؤاد السنيورة وحميد كرزاي. نعيش في زمن يعتذر فيه عباس زكي بالنيابة عن ضحايا صبرا وشاتيلا وعين الرمانة وتل الزعتر من الشعب اللبناني. أي إن الضحية تعتذر من القاتل.
كنا ننتظر أن يقلّد عباس زكي، سفير آل الحريري في المخيمات الفلسطينية، وسام حيفا ويافا على صدر سمير جعجع وجورج عدوان.
آه، كم يحنّ «فؤادي»، كما تقول الأغنية، إلى الحرب الباردة. أين أنت يا بريجنيف، بالرغم من كل علّاتك ومساوئِك وستالينيّتك. على الأقلّ، كان هناك أمل بانتصار الاشتراكية وأفكار عصر التنوير والعلمانيّة. لكن، عندما تمعن في التفكير «البريء عن الهوى» كما كان الكنْدي يقول، تلوم الاتحاد السوفياتي لأن التجربة الخائبة التي قادها هي التي أدّت دور القابلة لولادة عالم الأحادية القاسي، وهي التجربة التي وصمت كل الفكر الاشتراكي برمّته.
كانت منظمة الأمم المتحدة على الأقل أكثر ديموقراطية، بين نجيب الله وحميد كرزاي، كيف يمكن أن تفضّل كرزاي، وخصوصا إذا كنت من أنصار المساواة بين الجنسين.
حبش في عزّه الثوري مثّل أملاً زاهياً وبرّاقاً. وعندما تستمع إليه يخطب في الناس، تدرك أنه يعني ما يقول، اتفقت معه أم اختلفت. وذلك على عكس ياسر عرفات الذي كان يقول ما لا يعني، ويضمر ما لا يعلن، وينطق بما لا يريد أن يقول. كان حبش يبدو صادقاً لأنه كان بالفعل صادقاً. تسأل عنه والكل يقول لك: إنه كما يبدو من بعيد ـــــ على عكس الكثير من الثوريين والمثقفين. ليس هناك من «أوساخ» عنه في حياته الخاصة. مثّل، منذ أيام الدراسة في الجامعة الأميركية، نمطاً من الزهد الثوري لم نعهده في حركة فتح بعد صعود عرفات الذي، وإن كان زاهداً في حياته الشخصية، استعمل الفساد والمال النفطي للتأثير على سياسات فتح وعلى غيرها من التنظيمات الفلسطينية ــــــ كان له مبعوث في كل تنظيم فلسطيني (مثل ياسر عبد ربه في الجبهة الديموقراطية أو بسام أبو شريف في الجبهة الشعبية وسمير غوشة في جبهة النضال أو أبو العباس في جبهة التحرير الفلسطينية إلخ) للتخريب، ولإجهاض إمكانات الثورة الفلسطينية. الزهد الثوري، كما رأينا في تجربة الحركة الوطنية اللبنانية عملة نادرة جداً.
أكثر من لقاء
كنت كما أسلفتُ في الثانوية العامة في عام 1978. مرّ عليّ «عزيز» على درّاجته النارية. أيقظني من النوم بعد منتصف الليل، وقال باسماً إنّ هناك من «يجب» أن نراه.
هناك في منزل في شارع الحمراء ــــــ سيبقى في مخيّلتي ما حييت ــــــ رأيت الزعيم الحقيقي للثورة الفلسطينية (ولانطلاقة جنينيّة للثورة اللبنانية قبل أن يُجهضها التدخل العسكري للنظام السوري باتفاق ضمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل).
وكان عرفات وأبو جهاد ضدّ عملية التثوير اللبناني. كان جالساً بهدوء يحتسي كأساً من الويسكي، وكانت زوجته معه. لم يهزّني لقاء، لا بعده ولا قبله كما هزّني لقياه. تراه عن قريب وتُعجب به أكثر. تُفاجأ بتواضعه وهدوئه. تسألُ نفسَك: أهذا هو الرجل بعينه الذي شغل الدنيا (قبل أن ينعته وضّاح شرارة بالإرهاب)، والذي كانت الدولة الصهيونية تخطف الطائرات للعثور عليه؟ كم بدا متماسكاً في شخصه وفي سلاسته.
لا أزال أذكر سيارة الداتسون الصغيرة التي كان يتنقّل فيها في لبنان. كنت دائماً أقول في نفسي: هي بالكاد تتسع له، لكنها تتفق مع شخصيته البعيدة عن «البهورة». ثم ترى مواكب أبو الزعيم أو إبراهيم قليلات أو غيرهما الكثيرين من متطفّلي الثورة.
كنت أحاول أن أتحدث معه من دون أن أبدو مرتبكاً، لكني لاحظت أنني كنت أحدّق إليه أكثر مما يجب. ثم أثار أثناء تسلسل الحديث مسألةً محددة معي. كنا في مدرسة «الآي. سي» (المزعجة في نخبويتها الطبقية المقيتة مثلها مثل الجامعة الأميركية) نعدّ معرضاً للكتاب العربي. وكنت ولا أزال من المؤمنين بعزل حزب الكتائب اللبنانية بعد مجزرة عين الرمانة (أصبح ضحايا المجزرة قتلة في الإعلام الحريري اللبناني)، ورفضت أن يتضمن المعرض أيّ منشورات من أحزاب اليمين الفاشي في الحرب اللبنانية.
وكان أن عارضني طالبٌ يمينيّ فوضّحت له من دون مواربة أنني ـــــ ومن أنا ـــــ سأرفض تضمين أي منشورات أو مطبوعات كتائبية لأن عزل الكتائب سارٍ في المدرسة، هكذا قرّرت. وكنت حازماً جازماً في ذلك. واتفق أن والد الطالب المذكور كان طبيب أسنان لـ«الحكيم» فاشتكى الطالب لوالده، والوالد اشتكى لحبش. فدعاني حبش للتروّي ولاتّباع شيء من اللين في التعاطي مع الطالب المذكور (وهو اليوم طبيب في هذه البلاد). أخجل عندما أذكر ردّ فعلي تجاه رجاء الحكيم المهذّب. كم كان ردّ فعلي يتّسم بغرور الصبا. قلت له جازماً: لا «وساطة» في الثورة وأمورها، إذ إن الطالب المذكور هو «انعزالي».
لا يزال الصديق أمثل يذكّرني برد فعل حبش، إذ إنني رويت له تفاصيل اللقاء في اليوم التالي. فهو قال مهدّئاً: «ما فيناش نقول عنه وطني، وما فيناش نقول عنه انعزالي». تكاد وجنتاي تحمرّان وأنا أتذكر الحديث. كان هذا اللقاء الأول. ازدادت قناعتي بمثاليّة الرجل، وإن كنت قد ندمت فيما بعد على ردّ فعلي، إذ إنني ظهرت كأنني أعطي درساً للثوري العظيم.
التقيته عدة مرّات بعد ذلك، ولم ينقص إعجابي به عبر السنوات بالرغم من تحوّلاتي السياسيّة (وهي غير تلك التحوّلات التي تؤدي بالستالينيّين البكداشييّن العرب نحو الحريرية الوهابية البوشيّة). كان منفتحاً واسع الصدر. يتقبل النقد بسهولة وصراحة.
في آخر لقاء قبل بضع سنوات، تمنّى عليّ الرفاق قبل اللقاء أن لا أُثقل عليه بالنقد أو بالأسئلة، إذ إنه أصبح سريع الانفعال والتأثّر. كان هذا واضحاً. لم يكن الرجل هو نفسه ذلك الذي لقيت في تلك الشقة في شارع الحمراء. لكنني لم أستطع إلّا أن أشاطره نقدي لتجربة الجبهة الشعبية. ألم تهمل الجبهة قضية المرأة؟ ألم تهمل قضية العلمانية؟ ألم تهمل قضية التعاطي الحازم مع اليمين العرفاتي؟ ألم تخطئ في إهمال مشروع هانوي عربية؟ كان متقبّلاً جداً لنقدي وبرحابة صبر عهدتها به، وزاد بما معناه أننا حاولنا وفشلنا، وأن الدور اليوم هو لغيرنا ــــــ كان يعني حماس وحزب الله والإسلاميين.
أزعجني جوابه وإن لم أقل له ذلك. كيف يسلّم هذا الزعيم اليساري العريق بسيادة الحركات الدينية من دون اعتراض أو تحفظ، قلت في قرارة نفسي. لماذا هذا الرضوخ لمنطق الحركات الدينية التي تناقضت مع كل شعارات مرحلة الصعود اليساري الثوري العربي؟ شعر بما كان يدور في خلدي، فأضاف مؤكداً «فشلنا».
هناك الكثير ليُقال عن الرجل، في حقّه. هو مثّل مرحلة الثوريّة العربيّة. هل كان جورج حبش آخر ثوري عربي، أم أول ثوري عربي؟ قد تستطيع أن تحكم على تجربة الرجل ودوره، لكن لا يمكن إنكار تمثيله لنموذج نادر من الزعامة ومن الثوريّة العربية. كان نزيهاً ومندفعاً منذ أيام الدراسة الجامعيّة حتى آخر أيامه. سأل عن أهل غزة وهو يحتضر. يكفيه فخراً أنه مات فقيراً ــــــ في الوقت الذي اغتيل فيه زهير محسن، زعيم دكّان فلسطيني ضارّ أنشأه النظام السوري، خارج شقته الفخمة في «كان» في فرنسا.
العمل الجماهيري الدؤوب
التقيت قبل سنتين في مدينة غربية رفيقاً فلسطينياً عمل لسنوات سكرتيراً خاصاً للحكيم. سألته: أليس هناك ما أزعجك أو ما أثار استياءك منه خلال كل تلك السنوات التي عملتَ فيها معه وعن قرب شديد؟ أبداً، أجاب واثقاً. على العكس. هذا رجل كلما ازددت قرباً منه ازداد إعجابك به، هو قال لي. ليس هناك من يستطيع أن يروي خبراً واحداً عن فساد الرجل على أي صعيد. كان من طينة المناضلين الذين أخذوا النضال على محمل الجد، والذين ما فصلوا أبداً بين الحيّز الخاص والعام في النضال. كان يعيش كما كان يبشر، وبناءً على المبادئ نفسها.
تُراجع شعارات جورج حبش وتتذكّر ما قرأت عنه أو ما خبرت منه أو عنه. في فترة الخمسينات، أنشأ حبش حركة شبه فاشية. كان في دور المنتقم. فهو من منطقة في فلسطين هُجّر أهلها بقوة السلاح من جانب عصابات الصهيونية تحت قيادة إسحق رابين (أخفى رابين دوره في حملة التهجير العرقي في اللد والرملة في النسخة الإنكليزية من مذكراته لكنها موجودة في النسخة العبرية ــــــ جورج بكاسيني يروي في كتابه عن رفيق الحريري شدة انزعاج الحريري عندما بلغه خبر اغتيال رابين: حلم «الربيع» التطبيعي زال في ذلك اليوم). وفي تجربة حركة القوميين العرب، نجحت الحركة في أكثر من دولة عربية، حتى في الخليج، في تثوير وتغيير الأوضاع، لكنها أخفقت عندما تحوّلت الى ذراع للنظام الناصري، لا أكثر. (يُراجع كتاب جمال الباروت عن الحركة وإن كانت روايته قريبة جداً من سردية نايف حواتمه).
وكان يمكن أن تمثّل تجربة الجبهة بعد «التحوّل» المصطنع نحو الماركسية ـــــــ اللينينية دفعة نوعية هامة لليسار الثوري حول العالم، وخصوصاً أن حبش ورفاقه كانوا ينوون رسم مسار يساري ماركس مستقل عن الاتحاد السوفياتي وعن الصين (يُراجع كتاب وليد قزيحا عن مخاض تحوّل الحركة). كان حبش يتحدث عن نمط يسار آسيوي. طبعاً، هناك من شكّك منذ البداية، وقال، عن حق إلى حدّ ما، إن محسن ابراهيم وجورج حبش لم يكونا مقتنعيْن تماماً بعملية التحوّل الماركسي. كانا قوميّيْن حتى العظم، يُقال، وعملية التحوّل كانت مفروضة من القاعدة ومن الظروف التي سادت في العالم العربي بعد حرب 1967. لكن بعض شعارات حبش في تلك المرحلة لم ولن يمرّ عليها الزمن.
ضرورة تحرير كل ملم من فلسطين لم تضعف، مهما تغير ميزان القوى العسكري. لم تبدُ إسرائيل عاجزة كما بدت في حرب العدوان الإسرائيلي على لبنان، عندما كان سعد الحريري يلوذ باستراتيجية 14 آذار الدفاعية التي تعتمد على دبلوماسية الرئيس القبرصي، إضافةً الى اعتمادها على غزو باسم السبع لقلوب الجماهير لخفة ظلّه. إن فكرة هزيمة اسرائيل ككيان عنصري ليست مستحيلة، كما لم تكن هزيمة الكيان العنصري في جنوب أفريقيا مستحيلة، مهما حاولت اسرائيل والمنطق العرفاتي أن يقنعونا بأن اسرائيل باقية على صدورنا شئنا أم أبينا. وفكرة الدولة الديموقراطية العلمانية على كل أرض فلسطين هي البديل الطبيعي للكيان الصهيوني، لا ميثاق حماس الذي جعل الحاج أمين الحسيني أكثر «عصريّة» بالمقارنة.
شعارات جورج حبش لم يعف عليها الزمن. ألم يكن محقاً في نظرية هانوي العربية، وفي نظرية مرور عملية تحرير فلسطين في كل المدن العربية (كم كانت جريدة «النهار» خبيثة عندما حوّرت في خطاب لأبي أياد لتركّز على ذكر مدينة جونية، لإعطاء الخطاب منحى طائفياً كان أبو أياد أبعد ما يكون عنه).
أقلام الغرب والعرب في إعلام آل سعود ستشمت بموت حبش. نحن في زمن الجنرال ديفيد بتريوس (في الوقت الذي بثت فيه محطة الجزيرة تقريراًَ موجزاً عن حياة جورج حبش، كانت العربية تبث تقريراً طويلاً عن... الجنرال ديفيد بتريوس وهو يجول في شارع في بغداد «من دون خوذة أو سترة واقية»، كما هتف المراسل الذي بدا كالمرافق الشخصي للجنرال الأميركي).
وبالرغم من أن تجربة الجبهة الشعبية شابها الكثير من الأخطاء والعثرات والتخبّطات وحتى الفساد (مثل تجربة أبو أحمد يونس، أو تلك الجولة في الإمارات العربية من أجل جمع التبرعات التي أدت الى إطلاق انشقاق في الجبهة وإصدار ذلك الكرّاس الشهير «الفضيحة»)، إلا أن حبش استطاع أن يمثّل تجربة فريدة في العمل السياسي العربي، منذ إطلالته حتى استقالته ــــــ والاستقالة نادرة مثل الانتحار في الحياة السياسية العربية).
لم يكن يعبد نفسه، ولم يكن يريد أن يمسك بكل زمام الأمور، كما فعل نايف حواتمة الذي عانى في حياته السياسية من عقدة جورج حبش. لم يفهم حواتمه سرّ العلاقة الحميمة التي كانت تربط بين الحكيم وبين الجماهير.
من لم يرَ حبش بين الناس في المخيمات فاته مشهد فريد ومؤثر، وخصوصاً في أيام عزّه الثوري. كنتَ ترى الشيوخ والمسنّين والمسنّات في لقاءاته الجماهيرية. كان يمسك بالجمهور مثل أم كلثوم. ثم تقارنه بذلك المتحذلق الزئبقي، عرفات.
هناك من كان يقول إن مسيحية جورج حبش هي التي حالت بينه وبين قيادة منظمة التحرير. لم أتفق يوماً مع هذا الرأي، وخصوصاً أننا لم نكن قد ولجنا في مرحلة التحريض المذهبي وعصر تحويل السرايا الحكومية إلى مقر عمليات «زرقاوي» في توجّهاته. المانع كان صدق حبش وإخلاصه، لا مسيحيته. لم يكن له أن ينافس أو ينازع ياسر عرفات في الخداع والمناورة والنفاق والكذب واللعب على الحبال والمراوغة والتمثيل. كنت ترى عرفات على المنصّة، وتتبيّن فيه صفات الممثل، مثله مثل السادات، وهو مشى على خطاه بمباركة الملك فهد. لم يستسغ حبش تلك الألاعيب.
وهناك من يقول إن حبش كان حازماً تنظيمياً في تجربة حركة القوميين العرب، لكنّ دور وديع حداد كان مؤثّراً. والصداقة بين الاثنين ــــــ مثل صداقة عبد الناصر المدمّرة مع عبد الحكيم عامر ــــــ كانت في أبعادها مستلّة من مأساة إغريقية.
تحمّل حبش الكثير من حماسة حداد ونشاطه. لم يكن من أنصار «العمليات الخارجية» منذ البداية. وعندما قرر قطع العلاقة التنظيمية مع حداد في 1971، كان القرار صعباً جداً عليه شخصياً. أقام حداد علاقة مع المخابرات السوفياتية، كما كان يسرّ لرفاقه السابقين في الجبهة. كان يبدو أحياناً مغلوباً على أمره. حبش كان من أنصار «العمل الجماهيري الدؤوب».طبعاً، من الضروري الكتابة عن دور جورج حبش في التاريخ العربي المعاصر، ويجب أن تكون الكتابة عنه بعيدة عن العاطفة المحضة، مهماً كانت.
فحبش أخطأ كثيراً في تجربة «جبهة الرفض» الرائدة ــــــ والرفض هو غير الممانعة الخانعة ـــــ عندما سمح لنظام صدام حسين بالسيطرة على المنظمات الفلسطينية الرافضة واستعمالها لغاياته، ولضرب الحركة الوطنية الفلسطينية بعضها ببعض، كما فعل النظام السوري. لكن للرجل ميزات تفتقدها اليوم، ويزداد تقديرك لها. نحن اليوم في زمن يزعم فيه فريد مكاري (في كتاب جورج بكاسيني عن رفيق الحريري الذي صمّمت غلافه شركة «ساتشي وساتشي») ـــــ فريد مكاري يا محسنين ومحسنات ـــــ أنه أنشأ هو ورفيق الحريري فصيلاً لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، في الوقت الذي نعلم فيه اليوم أن «قائد» جزّاري مخيم صبرا وشاتيلا كان ضيفاً مكرّماً في قصر للحريري في جنبف. تقرأ ذلك ويزداد حنينك لزمن جورج حبش.
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:

الجمعة، يناير 25، 2008

بوش في أحضان ملوك العرب

أسعد أبو خليل
الأخبار
سَجَدوا له، واحداً واحداً. أميراً أميراً، وملكاً ملكاً، وشيخاً شيخاً.
هبّ شيوخ الزيت الأسود للقاء المحبوب الأميركي كمن يهرع لموعد غرامي. تحرّقت قلوبهم شوقاً للقاء. رأيناهم ورأينا «الرؤوس المطأطأة إلى الأرض قياماً بواجبات السجود» (على ما قال الأخطل الصغير). يسبّحون بحمده ليلاً ونهاراً، وشفاعته هو فقط تُجدى من قبلهم. حتى الملك الذي لا يصلّي إلا من على كرسي مذهّب ومرصّع، هرَع إلى المطار كالملهوف. سارع إلى أسفل درج الطائرة، لم يصدّق ما رأته عيناه.
بوش بلحمه وشحمه وعجرفته يطأ أرض المملكة. آه لو أنه اصطحب معه جيوشه الجرّارة. أبدى الملك «المُنتخب ديموقراطياً» ـ إذ إن كل حلفاء أميركا في المنطقة «منتخبون ديموقراطياً» ـ حماسة غير معهودة. كاد أن يقفز قفزاً في أرض المطار. ترنّحت الأرض تحت قدميه.
قمّة النجم عندهم موطئ قدم المُفدّى. لا ندري ماذا دار بينهما من حديث، لعلّ ملوك النفط العربي وأمراءه صدحوا له: بالروح، بالدم، نفديك يا بوش (هل هناك أبشع من هذا الهتاف، بالمناسبة؟). بدا الحوار حميميّاً بين الاثنين. هل عرض خادم العائلة المالكة أن يحظى بشرف تلميع حذائه؟ أو هل حثّه على شنّ مزيد من الحروب؟ أو هل استجدى منه فتاوى لتعميمها في وسائل الإعلام العربية؟
عقمت النساء بعد ولادة بوش، هم قالوا له. ما رأوا مثله من نظير. شرفٌ وأيّ شرف أن يزورهم سيّدُهم. أتى ليلقي التحية، وليصدر الأوامر. هو أمَر: طَبِّعوا مع إسرائيل، وخَفِّضوا أسعار النفط، وأَظهروا مخافة من إيران. الأوامر كانت واضحة، لا لبس فيها.
هؤلاء الملوك والامراء والشيوخ ـ صار عندنا في لبنان شيوخ أيضاً بفضل آل من «يحسب أن ماله أخلده»، يا للفخر ـ كان يُقال لهم: العراق خطر عليكم، فيجيبون بصوت واحد: العراق خطرٌ علينا. اليوم يُقال لهم: إيران خطرٌ عليكم. يجيبون بصوت واحد: إيران خطرٌ علينا، ويزيدون من عندهم أن إسرائيل وترساناتها من أسلحة الدمار الشامل برد وسلام.الإعلام السعودي كاد أن يطير فرحاً. زَغرَدوا وهَلّلوا وكبّروا. المذيعة في قناة «العربية» نجوى قاسم (خرّيجة المدرسة الحريرية في الإعلام)، لم تتمالك نفسها.
كرّرت للجمهور اسم طائرة بوش بالإنكليزية أكثر من مرّة، ودعت المشاهدين (لا المشاهِدات ـ المرأة عورة بنظر هؤلاء) إلى انتظار انطفاء محرّك الطائرة المقدّسة.
طائرة من السماء هي، ولا كالطائرات. حَملها رفّ من الملائكة إلى أرض المملكة. معبودهم وطأ الأرض، فزادت قداستها وعظُمت جلالتها.
لو تسنّى لملوك العرب وأمرائهم، لرافقوا بوش على بساط الريح، ولأطعموه المنّ والسلوى أثناء الرحلة. مشهد ولا كالمشاهد. ملوك وأمراء نفط العرب بدوا كما ألفناهم، صغاراً صغاراً. فرحوا إذ إنّ إلههم المعبود أتى في آخر أيام ولايته ليزف لهم نبأ إعلان بيعهم أسلحة.
نثروا الأرز والزعفران والرياحين فوق رأسه. فعلوا أكثر من ذلك لتكريمه. نثروا أشلاء أطفال فلسطين ولبنان والعراق أمامه زيادة في التكريم. هذه يد طفل من غزة، وتلك يد طفلة من قانا، وهذا رأس طفل قضى في مخيم جنين، وذاك طفل محترق من العراق. مشى الضيف الموقر فوقهم.
قهقه المضيف. فعلوا المستحيل لإسعاده.أولاد زايد (من السلالة الشخبوطية ـ وكان ياسين الحافظ مصرّاً على تسمية الحقبة السعودية بالحقبة الشخبوطية للتدليل على إيغالها في الرجعية، وإن لاحظنا أن حازم صاغية استعان بالحافظ أخيراً لتسويغ سياسة تأييد الحريري والسعودية، مثلما استعان يساري سابق آخر بكارل ماركس لتسويغ سياسة تأييد أمين الجميل وسمير جعجع. لكن اليساري السابق الأخير يستعين بمن يتوافر ـ حتى بيوحنا فم الذهب الذي كتب له ابتهالات دينية في جريدة «السفير» من دون أن يذكر للقراء والقارئات أن يوحنا كتب من أخبث ما كُتب في اليهود كيهود وقد وجدت فيه النازية خير معين.
لكنّ اليمين العربي يتسامح مع معاداة السامية من الغرب، ويتبرّم من معاداة الصهيونية من الشرق) أخذوه إلى خيمة، وعرضوا صقورهم عليه. أحاطوه كالحرّاس الشخصيين. عزّزوا التعميمات النمطية عن العرب، وكأنّ هؤلاء (أو القذافي) فعلاً يعيشون في الخيم (ذكرت حاشية في تقرير 11 أيلول الأميركي الرسمي أن أحد أمراء الإمارات كان يصطاد مع بن لادن في التسعينيات).أثنى بوش على تجربة دبي. ولمَ لا؟ تجربة مدينة قائمة على هرميّة من التسلسل الطبقي الفظ، والإثنيّة والعرقيّة العنصرية، بالإضافة إلى اقتصاد يفتح الذراعين والساقين أمام غزو الشركات المتعددة الجنسية. تقرأ كتاب محمد بن راشد (الذي تلقّى مديحاً من دانييل بايبس لأنّ فلسطين لا ترد على شفاهه)، وتتبين خططهم: رأسمالية متوحشة وسياحة خدمات ودعارة ـ كم سعى رفيق الحريري لتطبيقها في لبنان.
نموذج دبي هو الراجح، لا نموذج الديموقراطية، وخصوصاً بعدما اكتشفوا أن الديموقراطية لا ترجّح كفة أمثال سلام فيّاض (حاز الأخير نحو 1% من الأصوات في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ويريدون تنصيبه زعيماً على فلسطين مع الدحلان) وأياد علاوي وأحمد الشلبي. نموذج دبي أفيون الجيل العربي الجديد. عليك أن تخلع ثوب الثورة، أو حتى ثوب التعاطف مع شعب فلسطين، قبل أن تدخل تلك الجنة الاصطناعية.
يا أدعياء التُّقى والورع، هل تخدعون إلا أنفسكم في ادعاءاتكم؟ «يواقيتُ الصِّلات أعلق» بقلبكم من مواقيت الصلاة، على ما قال الحريري في المقامة الصنعانية، ثم تفرضون علينا أكثر العقائد الدينية تزمّتاً ومحافظة وانغلاقاً ومعاداة للمرأة. أنتم الذين عاديتم وحاربتم التنوير والانفتاح والاشتراكية والعدل الطبقي والجنسي بين الناس. أنتم الذين فرضتم علينا تعصّباً وأصولية لم تكن موجودة قبلكم، أو كانت في طريق الزوال. أنتم الذين دربتم ومولتم وسلحتم الظلاميّين لمحاربة عبد الناصر والشيوعية. أنتم الذين أنجبتم بن لادن، ولا تختلفون معه حتى اليوم إلا على السياسة الخارجية. يا ناشري التعصب المذهبي بيننا، ألا تشعرون بفقدان الشرعية؟
ماذا تكونون من دون ثرواتكم ونفطكم؟ هل تصدقون تلك المدائح التي تُكتب فيكم؟ قِبلتُكم في ملاهي مدن الغرب ونواديها، لا في الجزيرةالعربية.ماذا فعلتم بنا يا ملوك النفط وأمراءه، ماذا فعلتم بنا؟ إذا كانت مصر هبة النيل، فأنتم هبة المتسعمِر. والتين والزيتون ما اندلعت ثورة في العالم الثالث إلا وحاربتموها بالمال وبالوسائل السرية بالاتفاق مع المستعمر الغربي، من ظفار، إلى فلسطين، إلى لبنان، إلى بوليساريو، إلى اليمن. أنتم عالة على قضايا شعوبكم، ولكنكم لم تكترثوا يوماً لآراء شعوبكم. ما اتصلت حركة تحررية بكم إلا واتسخت.
نقرأ اليوم في ما يُنشر من وثائق السياسة الخارجية الأميركية ونتبيّن مدى تأثيركم على حركة فتح بالنيابة عن أميركا، والأخيرة بالنيابة عن إسرائيل.كم شوّهتم من صورة العربي في العالم نتيجة مسلككم وسعيكم الدائم وراء اللذّة. أنتم الذين تعرفكم ملاهي الغرب ومواخيره أكثر من كثبان الرمل في بلادكم. أبحتم بلادكم ومقدساتكم للاستعمار، وحوّلتم النفط إلى ألعوبة بأيدي الغرب، تزيد من خيراته وازدهاره، وتزيد من فقرنا وبؤسنا. نفط العرب للغرب، لا للعرب. حتى تموركم لا تملكونها.تشترون سلاحاً فقط من أجل ملء خزائن الغرب بثرواتكم. وعندما تتهدّد عروشكم من الخارج لا تطلقون رصاصة، بل تستجدون كالأطفال مساعدة الحكومات الغربية المشغولة بمصالحها الاقتصادية. ساركوزي عندما يزوركم لا يمثل قيم الثورة الفرنسية، بل شركات النفط والحنين الاستعماري الدفين. أنتم أقوياء وجبابرة أمام شعوبكم المقهورة، لكن فرائصكم ترتعد أمام حكّام الغرب.
ترقصون أمامهم بالسيف. ملك البحرين أهدى الرئيس المُفدّى القادم من وراء البحار سيفاًمذهباً. يا أمراء النفط العربي وملوكه، فلينضب نفطكم، فلينضب نفطنا. لم تسخّروه إلا لغايات المستعمر القديم والمتجدد، وسعياً وراء لذات تحرّمها كل الأديان وتحرّمون حتى المُباح منها، في الوقت الذي تبتكرون فيه وسائل للذّة لم تعرفها إلا مخادعكم. تحرّمون العشق بين الناس وتحللون لأنفسكم عشق الجماد والحيوان. ارحلوا عنا، فأنتم لقوم سوانا «أمْيَلُ». حرّروا عبيدكم وجواريكم وعودوا إلى الصحارى مع نياقكم، أنتم الذين لم تأخذوا من البدواة إلا النواقص والذكورية. ارحلوا عنا وعودوا إلى قرون أقرب إلى مزاجكم وفكركم وتعصّبكم.إن كان نفطكم سينضب فستسمعون ـ وسيُطرب الرأي العام العربي لسماع ـ الآراء الحقيقية لأبواقكم في الصحافة والسياسة في لبنان.
عندها فقط، سيستفيق الليبراليون العرب الوهابيّون المنتشرون في الصحافة العربية إلى خروق حقوق الإنسان في ممالك القهر. عندها فقط ستستفظعون طقوس قطع الرؤوس الدوري في الساحات العامة، ورجم العشاق من الجنسين. عندها فقط سيصارحكم هؤلاء وسيلاحظون أن ملككم لا يتوافق مع أي من مفاهيم العصر والحداثة التي تملأ الصحافة هذه الأيام. ارحلوا عنا ودعوا شعوبكم تختط طريقها من دونكم ومن دون وكالتكم عن الاستعمار الذي نصّبكم وأبقاكم في الحكم بالرغم من إرادة شعوبكم. لوّثتم بيئتنا الطبيعية والسياسية والأخلاقية. عودوا إلى الصحراء وأريحونا، إذ جثمتم ثقيلاً فوق صدورنا. ما عدنا قادرين على التنفّس بوجودكم. أما اكتفيتم بقهر شعوبكم وقمعها؟ ألا تشبعون من اضطهاد مواطنيكم، ومواطني كل الدول العربية، يا حلفاء الطغاة في كل العالم. لم يجد عيدي أمين وجعفر النميري ملاذاً إلا عندكم، يا حلفاء موبوتو وفرانكو.يا ملوك النفط وأمراءه، لو يتسنى لي أن أُسمعكم ما يقوله فيكم وعنكم العربي والغربي. آه لو كان بقدرتي أن أسجّل لكم أحاديث الشرق والغرب عنكم.
لو نضب نفطكم لعلمتم مدى احتقار العالم لكم، يا رموز التعصب والرجعية وتعدّد الزوجات. ما أبعدكم عن «نور العقل» كما كان ابن العربي يسميه. ما أبعدكم. أثقلتم علينا وضيّقتم (وأحصيتم) علينا أنفاسنا. ما حللتم بنفوذكم على بلد ألا أفسدتموه بأموالكم وجعلتموه أكثر تعصّباً وتزمّتاً وضيقاً وسلطويّة وقهراً. تمارسون القمع والاستثناء والإبعاد الديني والمذهبي وتعظون شعب لبنان حول التعايش، أنتم الذين لا تصدّرون إلا النفط وفتاوى ابن باز. لو كان للعربي العادي أن يصل إليكم بعد نضوب النفط، لسمعتم منه (وخصوصاً منها) عن عمق مأساتنا بسببكم. كنتم خير عون لكل أعداء العرب والمسلمين، وأتاح لكم النفط أن تنطقوا باسم العرب والمسلمين.
كم طالت غيبوبتنا وغيبوبتكم: غيبوبتنا من جراء سطوتكم المتأتية عن نفطكم وثرواتكم، وغيبوبتكم لأن الحق والحقيقة بعيدتان عنكم. لو نضب نفطكم لعلمتم آراء الناس وحتى بعض العلماء في فتاوى ابن باز في حكم التصوير وفي دوران الشمس، وفي الصلاة في الفضاء. لو أن هذا النفط سينضب قريباً لربما اندلعت ثورات أو انتفاضات في كل منابع النفط، ولتخلصت الثورة الفلسطينية مما علق بجسمها من أوساخ منكم.ماذا نقول فيكم، ونحن لن نستودعكم إذا رحلتم. سيستودعكم من تلقى عطاياكم وعطايا صدام ومدحه، إلى أن توقفت. أنتم قوم إذا عاهدوا كذبوا، وإن عقدوا تخلّفوا، بالإذن من المهلهل. لن نشتاق إلى نفطكم، ولن يبقى من عروشكم وقصوركم إلا ما بقي في ذاكرتكم.
أنتم الذين استنزفتم الجيش المصري في حرب اليمن، ودعمتم الحركات اليمينية حول العالم خدمة لعيون رونالد ريغان. يا ملوك العرب وأمراءهم. ابتعدوا عنا، فما نشرتم بيننا إلا الزهري والسعال والقيح. لو أن الحطيئة ما زال حيّاً، لعرف كيف يتعامل معكم. برحيلكم، سيعود إلى الجزيرة بريقها.
كانت مكة قبلكم مدينة للجدل والنقاش الفكري والفلسفي والفقهي (والعشق والشعر) وحوّلتموها إلى مركز للتزمّت والانغلاق والتعصّب. أعيدوا يا ملوك العرب وأمراءهم جزيرة العرب إلى العرب، وأطلقوا سراح مواطنيكم. الربع الخالي يناديكم.* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

السبت، نوفمبر 17، 2007

الغائب الأكبر: العدل الاجتماعي في لبنان


أسعد أبو خليل

الأخبار


على الرغم من ارتفاع الأصوات والصيحات في لبنان، وعلى الرغم من ازدحام الخطاب والسجال (حتى لا نقول الردح) السياسي، فإنّ موضوعاً واحداً يبقى في منأى عن الخصام وعن الحوارات والوساطات بين الموالاة والمعارضة ـــــ معارضة ماذا، لا ندري، إذ إنّ المعارضة تبدو محصورة بموضوع ذلك «الثلث» العجائبي. والموضوع البعيد عن اهتمام الطرفين (وعن اهتمام وفود الرجل الأبيض المتوالية على لبنان) يكمن في هدف تحقيق العدل الاجتماعي، إذ إنّنا لا نتحدّث عن المساواة، فهي من بقايا اللغة الخشبية التي يخجل منها الجميع، قوميّين ويساريّين وليبراليّين.

وموضوع العدل الاجتماعي يخضع لتغيير وقولبة في عهد الحريري (الأب وذلك الابن الموهوب الذي يقود أكبر كتلة سياسية لا لثروة أو جاه مُشترى، بل بسبب حضوره وكفاءته. نتساءل: ماذا يحدث لزعامة سعد الحريري لو أنّه خسر لسبب ما ثروته؟ هل تستمرّ جماهير الطريق الجديدة وطرابلس والبقاع في الهتاف له؟).التجربة الشهابيّة موضوع العدل الاجتماعي موضوع سياسي في لبنان، حتى وإن لم يعتنق المرء التحليل الماركسي.

وقد تداخل في صلب الصراع الطائفي لارتباط الشحن الطائفي بالطبقي (أو العكس) في فترة ما قبل الحرب الأهلية، من دون الدخول في عملية تقرير أهليّة الحصول على جائزة أكثر الطوائف حرماناً. وقد وعى فؤاد شهاب ذو الوعي والتحليل الطائفيين ارتباط التوتر الطائفي بمسألة العدل الاجتماعي، عندما تصدى، للمرة الأولى بعد الاستقلال، لمسائل التنمية الاجتماعية ولتوسيع نطاق خدمات الدولة الاجتماعية، لكن التجربة كانت محدودة الفعالية لأنها كانت محكومة بتحالفات الحكم الطائفية والسياسية.

ففؤاد شهاب قدّر أنّ حكمه يستقيم أكثر لو أنه دفع بعجلة قدر قليل من العدل الاجتماعي لحماية الدولة، ولم تكن صدفة أنه فعل ذلك بعد الانقلاب القومي (هل من يتذكر أن محمد البعلبكي واجه جلّادي المكتب الثاني آنذاك بكثير من الشجاعة، وها هو اليوم يتحول الى أداة حريرية خانعة).أسئلة برسم الطبقة السياسية معارضةً وموالاة (بلال جاويش)وكانت الدولة الرأسمالية الحديثة في الغرب قد قدمت سلّات من الخدمات الاجتماعية، وذلك ليس عطفاً على الفقراء، بل لحماية الدولة من غضب الفقراء والعمال وثوراتهم المتصاعدة في القرن التاسع عشر.

وحتى أميركا، قبل ما يسمّى «الصفقة الجديدة» التي ترمز الى البرامج الاجتماعية التي أحدثها حكم روزفلت، كانت تعجّ بالشيوعيّين وحتى الفوضويّين في مدنها الصناعية الكبرى (طبعاً جاءت الردة في العهد المكارثي، والمكارثية، أي محاربة الشيوعية، جمعت النقيضين في الحرب العربية الباردة، ونعني بها حكم عبد الناصر والحكم السعودي اللذين أظهرا كل بطريقته خوفاً كبيراً من تنامي الحركة الشيوعية العربية. قلة تعلم اليوم أن الحزب الشيوعي العراقي كان في مرحلة غابرة أقوى من كل المراجع الدينية في جنوب العراق).طبعاً، قدم فؤاد شهاب إصلاحاته على الطريقة اللبنانية بكثير من العقد التي تتحكم بالثقافة السياسية والشعبية (كم أضرت بها جريدة النهار، لكن هذا موضوع آخر يحتاج إلى مقالة أخرى)، واستعان بالرجل الأبيض، فاستقدم بعثة «إرفد».

فشهادة الرجل الأبيض مطلوبة دوماً في وطن البلّوط (وكان شهاب شديد الإعجاب بالرجل الأبيض، وكان ينظر الى أبناء جلدته بكثير من الاحتقار، ويستبطن إعجاباً شديداً بـ«الحضارة» الغربية)، لكن الإصلاحات تعثرت وانشغلت الدولة اللبنانية بهمّ قمع الثورة الفلسطينية وبدعم ميليشيات اليمين الطائفي. وانصرف الحكم الشهابي الى أمر تصفية الصراعات بين الزعامات المارونية التي حمّلها ريمون إدة أوزار الحروب الأهلية في لبنان.الزمن الجميل لكن لبنان ما قبل الحرب الأهلية كان مشغولاً بهمّ العدل الاجتماعي والقضايا النقابية. كان هذا الزمن النقابي الجميل ـــــ وهو غير الزمن البورجوازي الجميل الذي يحنّ إليه عالم الاجتماع سمير خلف، عندما تحوّل الممثّل شوشو من التهريج الصرف الى إطلاق صرخة «آخ يا بلدنا».

لمّا تكن الدولة قد اهتدت الى وسيلة تنصيب عبد الله الأمين أو أسعد حردان وزيرين للعمل لقمع العمّال، ولمّا تكن الدولة قد وقعت أسيرة آل الحريري المصرّين على تطبيق أكثر النماذج وحشية من الرأسمالية (والحريرية هي أدنى مراحل الرأسمالية، خلقاً وتطبيقاً). وكانت القيادات النقابية ذات استقلالية نسبية، والثقافة الشعبية في لبنان لمّا تكن قد اهتدت الى حكمة محمد علي الجوزو والى الليبرالية الوهابية (ولمّا يكن الياس عطا الله قد تحول الى يساري سابق).وكانت الحركة الوطنية قبل الحرب الأهلية قد حملت هموم الفقراء والمعذبين، وكان هذا سبب نجاحها في اختراق الطوائف (لحسن حظ الحركة، لمّا تكن قد وقعت تحت رئاسة وليد جنبلاط)، لكن الحركة سرعان ما نسيت الهموم الطبقية أثناء الحرب، وتحول الكثير من زعمائها بفعل المال المتدفق من الأنظمة الداعمة ومن الخوّات إلى أثرياء حرب، مثلهم مثل أثرياء أي حرب. ولم تنجح الحركة في إقامة شبكة من الخدمات الاجتماعية (كما فعلت منظمة التحرير، وإن بفساد مستشرٍ أتقن إدارته ياسر عرفات)، ما دفع بالكثيرين الى الانضواء في صفوف منظمات وأحزاب (دكاكين للأنظمة عموماً) بهدف الارتزاق، وهذا ما عناه الشعار الساخر عن «ثورة حتى آخر الشهر».

وإن فتح أبواب الحركة الوطنية أمام أحزاب طائفية أضعف الهمّ الطبقي وهمّشه. وما دام الحديث اليوم هو عن المحاور وعن التحالفات، نستطيع القول إن أحزاب اليسار الشيوعي الإصلاحي (الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي) ارتأت أن مصلحة الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة تفوق مصلحة النضال الطبقي والوطني (في لبنان وفي العالم العربي ـــــ وفي هذا العامل يكمن تعريف مبسّط للشيوعية البكداشية ـــــ وكان الراحل جورج حاوي تلميذاً نجيباً في مدرستها)، وإن الأحزاب القومية في إطار الحركة الوطنية كانت أكثر حرصاً على الترويج لأنظمتها الراعية من حرصها على الدفاع عن الفقراء.المرحلة الحريريّة لكن العدل الاجتماعي غُيّب رسمياً في المرحلة الحريرية على أثر «إصلاحات الطائف» التي أقرّت رسمياً بحقوق الطوائف لا بحقوق الطبقات. وتولى رفيق الحريري رئاسة مجلس الوزراء بعدما التزم الشأن الاقتصادي ـــــ الاجتماعي من قبل النظام السوري الذي نصّبه على صدور اللبنانيين. وفي الحريرية يغيب دور الدولة بالكامل عن شأن الخدمات الاجتماعية.

ألم يقترح رفيق الحريري مرّة إلغاء الضرائب بالكامل (يومئذ ذهب السنيورة الى جوزف سماحة يشكو له أن رفيق الحريري فقد صوابه). فالسنيورة في علاقته بالحريري مماثلٌ لكيسنجر في علاقته بنيكسون (يُراجع في هذا الصدد الكتاب الجديد للمؤرخ الأميركي روبرت داليك «كيسنجر ونيكسون»)، إذ كان ينتقد رفيقَ الحريري أمام الصحافيين عندما يلتقيهم وراء الجدران، وذلك لتحسين صورته هو، ولنفي مسؤوليته عن تلك السياسات الجائرة في حق الفقراء وذوي الدخل المحدود، وللظهور بمظهر الحكيم المُرشد.

الفقير، بالنسبة إلى رفيق الحريري، لم يكن همّاً للدولة أو للحكومة (على عكس دولة الثورة الفرنسية التي افتخرت حتى ببرامج إطعام الأطفال في المدارس. وأيضاً في ظل رأسمالية رونالد ريغان المتوحشة، قامت القيامة عندما حاول أن يغيّر من مقومات وجبة الغداء في المدارس الحكومية). الفقير، بالنسبة إلى الحريري، كان موضوع استغلال في المواسم الانتخابية، وسخرية في جريدته اليومية التي تجد ذروة الفكاهة في انتحار خادمات سريلانكيات. لم نقل إنه أمعن عن قصد في إفقار الفقير بهدف استغلاله في الانتخابات وفي حملات التحريض الطائفي والمذهبي التي أتقنها أكثر من غيره.

واستطاع الحريري أن يمعن في إفقار الفقير وفي تقليص الخدمات الاجتماعية للدولة مدعوماً من النظام السوري الذي عهد إليه في موضوع الاقتصاد، وخصوصاً أنه مثله مثل حيتان المال في لبنان، وبعضهم بارز في 14 آذار، مثل شريك الأمير تركي، حرص على رشوة أقطاب في الحكم والاستخبارات في سوريا، باستثناء العفيف عبد الحليم خدام الذي يناضل من أجل الديموقراطية في سوريا والذي كانت علاقته مع رفيق الحريري منزّهة عن الهوى أو الغرض ـــــ إنها الصداقة.

والمشين أن حزبين في ما كان يسمى الحركة الوطنية، هما حزب البعث (من الدقة القول إن حزب البعث في جناحه الموالي للعراق كان الممثل الحقيقي للبعث في الحركة الوطنية، لأن الحزب الموالي لسوريا، وهو كان دائماً الأضعف، كان قد طُرد شرّ طردة بعد تدخّل الجيش السوري في عام 1976 الى جانب ميليشيات اليمين الطائفي المتحالف مع إسرائيل آنذاك) والحزب القومي، أدّيا دور المؤدب الفظّ للحركة العمالية لتسهيل مهمة رفيق الحريري في الحكم. وشهدت فترة تنصيب الحريري ظهور حركة عمالية غير طائفية كان لها، لو كُتب لها النجاح، أن تؤدي الى ترسيخ نمط سياسي لاطائفي، وأن تحدّ من جشع الحكومات التي أثقلت كواهل الناس بالدين الذي كان ينتظر ربيع الحريري لتسديده.

وحرص النظام السوري ومعه حليف استخباراته، رفيق الحريري، على وضع وزارة العمل في يد ممثل لواحد من الحزبين المذكورين ــــــ وتحول حزب ذو تاريخ عريق في العلمانية والشجاعة السياسية ـــــ اختلفتَ معه أو اتفقتَ ــــــ الى مجرد تابع للاستخبارات السورية في لبنان ـــــ وذلك لترهيب الحركة العمالية وقمعها. واستعان رفيق الحريري بقومي عربي سابق (ويساري سابق في ما بعد)، محمد كشلي، لضرب الحركة العمالية وإسكاتها. وتفرّغ كشلي للمهمة بنشاط. وأصبح الياس أبو رزق الضحية الكبرى (والمنسية) لحقبة سيطرة النظام السوري.

نُصّب غسان غصن أداةً على رأس قيادة الحركة العمالية، وهو يتذكر العمال بأمر، وينساهم بأمر.

توافقت الرئاسات الثلاث في الدولة، كدنا نقول الآفات الثلاث في الدولة، على الأمر.الحلف «الفاوستي» وفي تلك الحقبة بالذات، عقد حزب الله حلفاً «فاوستياً» مع رفيق الحريري يتولى على أساسه رفيق الحريري ملف الاقتصاد بالكامل، فيما يتولى حزب الله همّ المقاومة والتحرير. والاتفاق كان مختلاً في أصله وأساسه. فرفيق الحريري، والنظام السوري من ورائه، أراد أن يحصر المقاومة طائفياً.

كان على الحزب، غير العلماني، أن يصر لأسباب وطنية وعملانية ومبدئية ـــــ بالإضافة الى أسباب تتعلق بمصلحته على الساحة اللبنانية ـــــ على توسيع المقاومة لتضم كل من يتطوع (يحاولون اليوم أن يزعموا أن «الكل كان مع المقاومة» وكأننا نسينا افتتاحيات جبران تويني في التسعينيات، حتى لا نتحدث عن أحاديثه غير المنشورة مع صحافيين وصحافيات غربيين).

وقبول حزب الله بتولّي رفيق الحريري همّ الاقتصاد كان قاتلاً: فهو بذلك استنكف عن خوض معركة تحرير الإنسان المتلازمة مع معركة تحرير الأرض، والإنسان أثمن من الأرض: فشعب فلسطين لم يزل باحتلال فلسطين، على الرغم من محاولات الصهيونية ومن عاونها من العرب. صحيح أن حزب الله ليس حزباً يسارياً، وصحيح أن الحزب (مثله مثل الإخوان المسلمين في مصر) لا يعتنق مفهوماً اشتراكياً لدور الدولة في السوق. على العكس من ذلك، ففي برامج العون الخاصة، حتى وإن كانت حسنة النية (على العكس من مؤسسات الحريري المُسيّسة منذ إنشائها)، إعفاء لدور الدولة في إعانة الفقراء والمعوزين.

والحزب لا يعترض على الخصخصة، بل على تفاصيلها، لا بل إنه أعان حكومة السنيورة في مشروع خصخصة الكهرباء، قبل أن ينسحب مطالباً بذلك الثلث المعطل. ولا ننسى أن الاتفاق الفاوستي بين الحريري وحزب الله كان مختلاً أيضاً لأن الحريري أخلّ بشروطه منذ البداية، فسعى لنزع سلاح المقاومة وعمل على التوصل الى القرار 1559 بعدما أُبعد أزلامه (خدام وكنعان والشهابي) عن سلطة القرار في دمشق. وحتى حكومة سليم الحص الأخيرة لم تعترض هي الأخرى على مبدأ الخصخصة، وإن حاولت أن تحدّ من جشع ووحشية النموذج الحريري في الرأسمالية اللاوطنية.وليس حزب الله وحده هو المسؤول، ولكنه كان الأفعل على الأرض.

وقد صمت الحزب طوال تلك السنوات التي كان رفيق الحريري يفرض فيها نموذجاً متوحّشاً للرأسمالية. كان الحزب يفترض ساذجاً أنّ الاقتصاد منفصل عن السياسة وعن مقاومة اسرائيل. أين كان الحزب عندما كان رفيق الحريري يسعى جاهداً لإدخال لبنان في منظمة التجارة العالمية التي تتناقض مع حق العرب في مقاطعة اسرائيل (حتى المقاطعة الاقتصادية، وهي أدنى أشكال المقاومة وأكثرها سلمية، ممنوعة عن العرب في الوقت الذي تفرض فيه الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على أكثر من مئة دولة في العالم، من عقوبات بشأن الموز وتصديره إلى بريطانيا، الى حصار اقتصادي خانق على كوبا. لكن يحق للرجل الأبيض ما لا يحق للعربي).

لهذا كان الحريري يعدّ العدّة، وبموافقة حلفائه في النظام السوري واستخباراته، لسلام وتطبيع مع اسرائيل (كنا نودّ أن يُضمّن عمر أميرلاي بعضاً من آراء الحريري في هذا الموضوع في مقابلات مسجلة معه بُثّت على شاشة المستقبل بعد اغتيال الحريري في فيلمه «الوثائقي» الذي لا يختلف عن أفلام كوريّة شماليّة عن كيم إيل سونغ في ترويجها السياسي المجاني).وعندما توثّق التحالف بين 14 آذار والولايات المتحدة بعد اغتيال الحريري (وإسرائيل طبعاً غائبة كلياً عن هذا التحالف لأن إسرائيل بتعريف ثوّار الأرز لا تتدخّل في شؤون جيرانها، ولأنّ ثوّار الأرز يؤمنون بأنّ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لا تأخذ مصالح إسرائيل في عين الاعتبار أبداً لأنها مصابة بهاجس إسعاد سعد الحريري)، ازداد الإصرار الحريري على فرض المزيد من الوحشية في النمط الاقتصادي.

ونلاحظ أن شركات الإعلان الخاصة في لبنان، بعضها يساعد الاحتلال الأميركي في العراق في الترويج لاحتلاله باللغة العربية، تساهم، بثمن باهظ، في الترويج لسياسات الحكومة، مثلما تفتّقت عبقرية «ساتشي وساتشي» عن شال العلم اللبناني الذي يرتديه بأناقة لافتة وليد جنبلاط ونائبه من عاليه الذي يأمل من البيك أن يتصدق عليه بإيماءة، ولو من بعيد. وهي الشركة نفسها التي قامت بحملة «الأردن أولاً» (وإسرائيل ثانياً) قبل أن تنتقل الى لبنان.ونلاحظ أن حكومة السنيورة تتذاكى في عباراتها. فرفع الدعم عن الرغيف بات يُسمّى «تحرير الرغيف» (كم تثقل أعباء التحرير كاهل فؤاد السنيورة، فهو يحرّر الرغيف في الوقت الذي ينهمك فيه أيضاً بتحرير شبعا وفلسطين واللواء السليب)، والخصخصة تحولت الى «إصلاح اقتصادي».

والخصخصة في لبنان (راجعوا مسلك وزارة الاتصالات التي يتابع مسارها أوّلاً بأول السفير الأميركي في لبنان وببراءة شديدة) هي على غرار الخصخصة في السعودية وفي قطر وفي غيرهما من مشيخات وممالك النفط حيث تبيع العائلة المالكة حصّة الدولة الى أفراد في العائلة، فنعم الخصخصة. وبرامج الحكومة الاقتصادية في الحقبة الحريرية توضع بالإنكليزية في مكاتب البنك الدولي، وتأتي الى لبنان وتُتَرجم الى العربية في البيانات الوزارية (هل لا يزال السنيورة ونايلة معوض ملتزمين بالبيان الوزاري في ما يتعلق بالمقاومة، أم كلام البيان يمحوه السفير الأميركي برفع سماعة الهاتف، نتساءل؟).

اليسار في خبر كان لكن من سيحمل همّ العدل الاجتماعي وشكاوى الفقراء؟ فاليسار التقليدي (الحزب الشيوعي) لم ينهض من الارتباك الذي لحقه من جراء انهيار الاتحاد السوفياتي، وهو يكتفي في مهرجاناته برفع صور غيفارا، إذ إنه يخجل من صور كارل ماركس. واليساري السابق مشغول بهموم أخرى: فهو مصاب بهاجس شر الممانعة، وإن لاحظنا أنه لم يكتب كلمة واحدة ضدها أثناء وجود الجيش السوري في لبنان، فنعم الشجاعة والصدقية الصحافية.

ويساري سابق آخر يقبل بفسطاطي بن لادن وبوش، وهو يعتبر بوش وسعد الحريري ومحمد علي الجوزو وأنطوان زهرا في خندق تراث الفارابي (ويحشر ابن ميمون في هذا الخندق إذ إن صاحبكم لم يقرأ ما كتب ابن ميمون في غير اليهودي، لكنه حريص على الحساسية نحو اليهود، لعل الرجل الأبيض يلاحظ فيبتسم ابتسامة الرضا)، وكل من عادى إسرائيل، برأيهم، هو ظلامي. وقومي عربي آخر يحاول أن يقنعك أنه يتوسّم العبقرية في شخصية سعد الحريري (أو نادر الحريري، نسيتُ).

ويساري آخر ينفي علاقات التحالف بين سياسيين لبنانيين واسرائيل، ويعزوها الى مرجع واحد (هنا، لا نلوم اليساري السابق إذا كان محدوداً بيبلوغرافياً، فعدد المراجع التي تحدثت عن علاقات لبنانية مع اسرائيل (وفي فترة ما قبل الحرب) تفوق العشرين بالعبرية والإنكليزية، لكن لم يصله منها إلا مرجع واحد، وهو الوحيد الذي تُرجم الى العربية). ويساري آخر يدافع عن صمته عن الحكم السعودي، ويقول إن نفوذ النظام السوري في الإعلام العربي يفوق النفوذ السعودي. هي الصدقية، مرة أخرى. أما عميد اليساريين العرب السابقين، فيدعو كتّاب جريدة «الأخبار» الى التوقف عن انتقاد سياسيّي 14 آذار لأن بعضهم مهدّد، ولأن الانتقاد يتقاطع، برأيه وبرأي سعد الحريري، مع القتل.

هل يعني هذا، قياساً، أنّه كان من الخطأ انتقاد أنطوان لحد لأنه تعرض لأكثر من محاولة اغتيال؟ أما جريدة «النهار» فمشغولة كعادتها بأمور العبقرية اللبنانية حول العالم، وهجوم الشركات الغربية الكبرى على لبنان تصبح في تغطية الإعلام الحريري دليلاً على أهمية لبنان العالمية. لكن الوضع ليس سوداوياً بالمطلق. فإميل لحود قلّد الشيخة فريحة آل الصباح وسام الأرز. فليرتعش «أرز الرب».

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا

الجمعة، نوفمبر 02، 2007

الأحجية: حزب الله والمسألة العراقية



أسعد أبو خليل

تحاول عبثاً أن تفهم الموقف الملتبس لحزب لله من المسألة العراقية. تقرأ الخطب والبيانات والتصريحات، وتتابع المقابلات، وتزداد الحيرة. ماذا يريد حزب الله أن يقول في المسألة العراقيةـــــ هذا اذا أراد أن يقول أي شيء في الموضوع؟ وأين يقف هذا الحزب الذي أصبح من دون منازع أكبر حزب في العالم العربي ـــــ أكبر حتى من التيار الشيعي الذي يقوده باسم السبع من طائرة الحريري الخاصة ـــــ إزاء التطورات الجسيمة في هذا البلد المثقل بالجراح، وبأعباء عقيدة بوش المدمّرة (التي يريدها سعد الحريري والمتقلب الأكبر، وليد جنبلاط، أن تصل إلى شواطئ لبنان ـــــ هم لا يدريان أن بوش لن يسرّ خاطريهما لشغله ولضعفه).

وحزب الله يتعامل مع الموضوع العراقي بكثير من الالتباس والإبهام والتكتم والتقية. فهل هناك من يستطيع أن يشرح بوضوح موقف الحزب من الحرب والاحتلال الأميركي للعراق؟ وهل يمكن فهم صنع السياسة في الحزب وطبيعة تحالفاته من خلال دراسة موقفه من المسألة العراقية؟

وهل يسهم موقف الحزب في دعم موقفه، أم في دعم ـــــ بطريقة غير مباشرة ـــــ جهاز دعاية الفريق الحريري الغارق في التأجيج الطائفي ـــــ الناجح، عليك أن تقرّ؟يجب القول بادئ ذي بدء أنّ حسن نصر الله كان سبّاقاً في تحذيره من الفتنة الطائفية والمذهبية قبل أشهر من الاجتياح الأميركي للعراق. ويُذكر أنّه ألحق تحذيره بدعوة العراقيين إلى التوافق وإلى عقد اتفاق «طائف» عراقي ـــــ مع أن «طائف» لبنان لم يحل أيّاً من المشاكل السياسية والاجتماعية المستعصية في لبنان.

وأثارت دعوته آنذاك حفيظة عدد من القوى العراقية المنفية، وخصوصاً ما كان يسمّى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (الذي تحول إلى ميليشيا بدر، متمتّعاً بدعم أميركي وإيراني في آن). لكن الحزب تعامل مع حلفاء الاحتلال من الشيعة بالكثير من الرحابة والتفهم والود غير المبرر من منظور عقيدة مقاومة الاحتلال، وهذا أسهم ويُسهم في التعبئة الطائفية والمذهبية التي يُتقنها ويتفنن فيها أقطاب فريق سلالة الحريري الحاكمة.

ويمكن أن يُسجل للحزب أنه في مرحلة قيادة حسن نصر الله له ابتعد عن ذلك الخطاب الأهوج والأرعن (حتى لا نتحدث عن الممارسة) الذي حكم مسيرة الحزب في حقبة الجنون الطائفي في الثمانينيات (بقدرة قادر، تحول صبحي الطفيلي قائد الحزب في تلك المرحلة إلى معتدل وإلى مُحب للحياة هو أيضاً).ولا يمكن هنا تغييب حقيقة ناصعة: إنّ التعبئة والتأجيج الطائفي والمذهبي هما جزء من خطّة آل الحريري في لبنان، المتحالف مع الحكم السعودي (ليسمح لنا وزير الإعلام، إذ إن بيانه عن أعمال الخير السعودية في لبنان خلا من أي إشارة إلى الدعم السعودي لميليشيات الكتائب والأحرار في أول الحرب اللبنانية، كما أن بيانه لم يتضمن أرقاماً عن أموال دعم حملة التأجيج الطائفي في لبنان، فاقتضى التنويه).

والتأجيج المذهبي في لبنان بارز في خطب رجال الدين السنة والشيعة في فريق آل الحريري، باستثناء خطب محمد علي الجوزو الذي اعتنق العلمانية المحضة منذ أيام إرشاده لـ«خلية حمد» ـــــ كم أن الذاكرة قصيرة في لبنان، وكم تتقصد وسائل الإعلام الحريرية والسعودية تغييب الخلفيات والذاكرة في محاولة للترويج لتقلبات حادة في عكس المواقف.لكن حزب الله لا يستطيع التعفّف كليّاً في موضوع الفتنة الطائفية أو المذهبية، حتى وإن كان صادقاً في محاولة تجنبها بالرغم من وضوح الخطة السعودية ـــــ الحريرية ـــــ الإسرائيلية في جره إلى وحول الحرب المذهبية.

فقدرة حزب الله على تجنّب الفتنة محدودة، ليس فقط بسبب عقيدة الحزب التي تفتقر إلى عناصر الجمع الوطني أو القومي، وليس فقط بسبب تركيبة الحزب الطائفية (بالرغم من تقديرنا لكتاب وجهود المقاوم ديغول أبو طاس)، وليس فقط بسبب رداءة وقصور إعلام الحزب وضعفه في الرد على الإعلام الحريري والسعودي، لكن أيضاً بسبب تحالفات الحزب التي تقويه من ناحية وتضعفه من ناحية أخرى.

فهو يأنف أن يقر بالواقع الذي لا يمكن إنكاره: إن المشروع الأميركي ـــــ الإسرائيلي الذي بانت معالمه بوضوح في حرب إسرائيل على لبنان (هذه الحرب التي تظهر في إعلام 14 آذار بأنّها حرب لبنانية على دولة إسرائيل المسالمة، وإلا فماذا يعني كلامهم عن العودة إلى اتفاقية الهدنة؟ وكأن إسرائيل لم تعتد على لبنان قبل انطلاقة حزب الله أو حتى قبل انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة) يحظى بدعم وتمويل سعودي، وأن أصوات إثارة الفتنة المذهبية في لبنان متناغمة مع المشروع السعودي ـــــ الأميركي ـــــ الإسرائيلي ـــــ ألم أقل لكم إنني من غلاة أنصار نظرية المؤامرة هذه الأيام؟ ويحاول، لا بل يصر، حزب الله أن يحيّد حكم آل سعود، رغم أن بيان «المصدر السعودي المسؤول» في أول أيام الحرب لا يزال ماثلاً في الأذهان، وكان واضحاً في تبنيه للحرب الإسرائيلية على لبنان، التي لم يكن معدّاً لها أن تطول، وكان طولها محرجاً للحكم السعودي الذي اضطر إلى إرسال بطانيات لستر التحالف (ولاحظنا آنذاك أن إسرائيل لم تسمح إلا بمساعدات من مصر والسعودية والأردن، أي من تلك الدول التي أرادت أن تحجب حقيقة تحالفها مع العدوان الإسرائيلي عبر الإعلان الدعائي عن مساعدات عاجلة، مثل إعلان السنيورة عن مساعدات إلى الشعب الفلسطيني أثناء تدمير مخيم آهل بالسكان).صورة لنصرالله والخميني في البحرين خلال احتفالات يوم القدس (حسن جمالي - أ ب)

ومن المؤكد أن حفاظ حزب الله على أكثر من ضفيرة شعر لمعاوية في علاقته مع السعودية كان نتيجة حسابات الحليف الإيراني، أو نرجو ذلك لأن عدم إدراك الحزب، حتى لا نقول أكثر، يكون بالفعل خطيراً جداً إذا كان تهذيبه نحو الحكم السعودي ينبع من حسابات لبنانية خاصة به.

ونتذكر أن القيادة السعودية تقصّدت إهانة الحزب عندما أعلن وزير الخارجية السعودي أثناء زيارة لوفد من الحزب إلى السعودية أنه لم تكن هناك دعوة للحزب وأن الحزب هو الذي طلب الزيارة. وكعادته في هكذا مواقف، لم يردّ الحزب على الإهانة. هو يظن أن إهمال الإهانة من الفطن أو من الكبر، مع أن الإهانات المتكررة من الفريق السعودي ـــــ الحريري أسهمت في تأليب الرأي العام السني في لبنان وفي العالم العربي على الحزب. والحزب ينتهج سياسة النعامة في إعلامه من باب تجنب الفتنة، بينما يسهم عن جهل على الأرجح في تقوية المخطط السعودي.وارتباط الحزب الوثيق بإيران يقلل على الأرجح من قدرته على الحركة الحرة في العالم العربي.

وهذا ليس من باب تأييد قرار نابع من كيانية لبنانية، بل من باب ما هو أهم (أو ما هو مهم، لأن الكيانية اللبنانية باطلة بكل أشكالها)، أي من باب مصلحة القضية الفلسطينية ومصلحة العدل الاجتماعي. كان على الحزب أن يرد على، وأن ينتقد، التحالف العربي مع العدوان الإسرائيلي، وأن يتصدى للمشروع الحريري في لبنان بشعار وأهداف أعمق من الشعار السخيف عن «الثلث المعطل» أو «الضامن». لا ندري إذا كان حرص الحليف الإيراني على علاقاته مع السعودية هو الذي يلجم الحزب في هذا الخصوص.

وقد تكون خشية حزب الله من الفتنة مبررة وحكيمة، لكن سياسته نحو المسألة العراقية تخدم من حيث يدري أو لا يدري مخطّطي الفتنة المذهبية، وهي لا تُفهم إلا من خلال إثبات تهمة طائفية الحزب ووصمتها. لماذا يمتنع الحزب مثلاً عن انتقاد ـــــ وبشدة ـــــ ميليشيات العنف الطائفي الشيعي التي هجّرت الآلاف من السنّة في بغداد؟ كان الحزب محقّاً في تنديده بإرهاب القاعدة في العراق، لكن لماذا يمتنع الحزب عن التنديد الصارم بالأفعال الشنيعة التي ارتكبتها ميليشيا بدر (لاحظوا أن المحتل الأميركي ومجلس الأمن لا يبديان قلقاً من الميليشيات الطائفية في العراق التي يسلحها المحتل الأميركي نفسه) بحق الشعب الفلسطيني في العراق؟ وهل هناك من شك في أن الاجتياح والاحتلال الأميركي للعراق تم بالتعاون مع قوى طائفية شيعية متحالفة مع إيران، وأن إيران سهلت الاحتلال الأميركي لأفغانستان؟

لا يمكن، أو لا يجب، السكوت عن الدور المتواطئ مع الاحتلال الذي أداه ولا يزال يؤديه آية الله السيستاني (هذا الذي كان مهادناً مع حكم صدام حسين الذي فضله عن غيره من المرجعيات الشيعية، والذي يذكّر في مهادنته مع القويّ أو مع المحتل بعبد الستار أبو ريشا الذي أصر على تسمية بكره بصدام، قبل أن يتعاون مع القاعدة، وقبل أن يصبح حليفاً لبوش وينحر له أربعين خروفاً ـــــ قبل أن يُغتال).

والذي يقرأ كتاب بول بريمر عن تجربته بالإضافة إلى كتاب وزير الدفاع السابق، علي علاوي، يتبين مدى اعتماد الاحتلال على مواقف السيستاني الداعمة لمبدأ الحرب الأميركية والاحتلال، وإن اختلفا على التفاصيل (وإن كان السيستاني قد استطاع أن يفرض رؤيته على الحكومة الأميركية بالنسبة إلى الدستور (الطائفي التقسيمي) وبالنسبة إلى الانتخابات التي كانت الإدارة الأميركية تعارضها.

وكيف يمكن حزب الله أن يعارض بالمبدأ الاحتلال من دون معارضة أدوات الاحتلال (وهذا مثل الذي عارض الاحتلال الإسرائيلي للبنان من دون أن يعارض جيش لحد أو ميليشيا القوات اللبنانية أو ميليشيا التنظيم، حتى لا ننسى دور منسّق التحالف مع إسرائيل آنذاك، جورج عدوان)؟

وكتاب بريمر كان صريحاً في توضيح صلة الاحتلال بالسيستاني وتعاونه معه (نفى مرجع في مكتب السيستاني ما جاء في كتاب بريمر، لكنّ النفي انحصر بالتفاصيل والتقنيات. يُراجع في هذا الصدد كتاب ممثل السيستاني في لبنان، حامد الخفاف الذي يتضمن مواقف السيستاني ونصوصه في المسألة العراقية).

ونسأل عن رأي حزب الله في رجل دين يفتي في منع لعبة الشطرنج (يمكن مراجعة الفتوى المذكورة في موقع السيستاني على الإنترنت) ولا يفتي بمنع الاحتلال (وهو أفتى في فتوى شهيرة بجواز التعامل التجاري مع المحتل على أن يسأل المواطن العراقي الجندي الأميركي بتهذيب عن موعد خروج القوات الأميركية من العراق، لكن حتى هذه الفتوى نامت نومة أهل الكهف).

وقد لاحظ اللبيب (واللبيبة) أن حزب الله أصدر أخيراً بياناً استنكر فيه ذلك القرار الصادر عن مجلس الشيوخ الأميركي (والمثقل بهموم حصار السنيورة) والداعي إلى تقسيم العراق (نلاحظ أن اليمينيين في الصحافة العربية، بما فيهم شلة اليساريين السابقين، سارعوا إلى «شرح» عدم إلزامية القرار المذكور، وكأن المشكلة هي في القرار لا في مبدأ تدخل بلد في شؤون بلد آخر إلى درجة إصدار قرارات (وهي أكثر من نافذة بوجود 160000 جندي أميركي) تدعو إلى تقسيمه إلى دويلات).

لكن لماذا لا يصدر عن حزب الله بيان إدانة للمجلس الأعلى وميليشيا بدر، وهما من دعاة تقسيم العراق الطائفي والإثني، إلا إذا استمر العرب في لوم الكرد فقط؟ والنزعات التقسيمية والمذهبية في العراق من نتاج تحالف غير معلن بين مصالح الاحتلال والميليشيات الكردية والميليشيات الشيعية وميليشيا القاعدة التي تعمل من أجل إذكاء الفتنة المذهبية، وإن بز تيار المستقبل القاعدة في هذا الخصوص.

قد يقول قائل في الحزب إنه ليس كل ما يقوم به الحزب يمكن أن يُعلن، وهذا صحيح ومؤكد في البيانات العسكرية الأميركية.

لكن هذا لا يكفي لتوضيح موقف الحزب، وقد لاذ الحزب بالصمت عندما أعلنت قوات الاحتلال الأميركية اعتقالها لكادر في الحزب في العراق. طبعاً، من الضروري أن يدين المرء إرهاب القاعدة وإرهاب الاحتلال، لكن حزب الله يتذاكى بالنسبة إلى موقفه من مبدأ المقاومة في العراق. ويحتاج الحزب إلى توضيح موقفه الملتبس، لأن الإعلام السعودي نجح في حملات التأجيج المذهبي، وفي رد موقف الحزب إلى تحالف طائفي محض. وموقف حزب الله هنا ضعيف للغاية، حتى في حقبة حسن نصر الله في قيادة الحزب.

نلاحظ أن الحزب يرتاح إلى التحالفات الطائفية، ويولّي عليها تحالفات ممكنة مع قوى اليسار المقاوم (اختار الحزب التحالف مع وليد جنبلاط على التحالف مع أنور ياسين في انتخابات 2005، كما اختار التحالف الصامت مع آل الحريري على التحالف مع إبراهيم الحلبي في الانتخابات الفرعية الأخيرة في بيروت).

ثم ألا يقتضي الفهم الصحيح لمجريات الأحداث في الشرق الأوسط الربط بين فؤاد السنيورة ونوري المالكي؟ إذا كان هناك مخطط أميركي ـــــ إسرائيلي ـــــ سعودي (وهو ظاهر للعيان باستثناء أبواق آل سعود في الإعلام العربي الذين (واللواتي) يساوون بين النباهة ونفي المؤامرات من أصولها) واحد، فمن الضرورة الإشارة ـــــ على الأقل ـــــ إلى المؤامرة المتعددة الأوجه، وفي أكثر من مكان وبأسماء مستعارة.

والاحتلال الأميركي في العراق هو الأصل وهو أم المشاريع، أما الباقي فروافد وأجزاء (صغيرة جداً في بلد مثل لبنان، مع تقديرنا لأطباق المازة العالمية وهي، مثل الأرز، «عاجقين الكون»).إن الحزب يواجه اليوم حملة أميركية ـــــ إسرائيلية تركّز على موضوع سلاحه، وذلك ليس من أجل تطبيق تعريفات ماكس فيبر عن الدولة (وكأن فيبر كان يتحدث عن فؤاد السنيورة بالذات) كما يصوّر معلّقو جريدة النهار، لكن من أجل تدعيم أمن إسرائيل مجاناً. وتشارك حركة 14 آذار في ذلك وبخبث شديد إلا إذا اعتقدنا أن الدعوات الأميركية الليكودية إلى وليد جنبلاط تنبع من إعجابهم بتجربة الحزب التقدمي الاشتراكي في إقامة الدولة المدنية (وهي غير الإدارة المدنية).

لكن الحزب يواجه الحملة بالقليل من الحكمة وبالكثير من التمنيات والسذاجة.إن هذا الحزب بارع وباهر في مقاتلة إسرائيل وفاشل في الدعاية السياسية وفي الابتعاد عن أوحال الطائفية. وكلما حاول الحزب أن يظهر كأنه يخرج من وحل الطائفية، يبدو للناظر كأنه غارق في رمال متحركة من دون أن يدري. لكن موقف الحزب من المسألة العراقية، بالإضافة إلى مستقبل تحالفاته اللبنانية، وحدهما سيفصلان في موضوع تعاطي الحزب مع السرطان الطائفي.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا

(موقعه على الإنترنت:

الخميس، أكتوبر 18، 2007

«اليساريّ السابق»

أسعد أبو خليل
الأخبار
تعرفونه. اليساري السابق. يتجوّل غير مختال في شوارع بيروت ومقاهيها. تتبيّنونه في إطلالته، وهي ازدادت في الأشهر والسنوات الماضية. المحطّات اليمينيّة (وهل هناك محطات يساريّة؟) تستسيغ مواقف اليساري السابق، وتروّج لها. هو يظنّ أنّنا نسينا كتاباته ومواقفه السابقة ــــــ عندما كان يسارياً، هذا إذا كان حقّاً يساريّاً يوماً ما.
يحاول أن يقنع نفسه أننا نسينا، لعلّ ذلك يسهّل له عمليّة رؤية نفسه في المرآة كل يوم. وهو عليه أن يرى نفسه في المرآة كل يوم. لعله يتجنّب، أو يتملّص، حفاظاً على «شرش الحياء».
هو يظن أننا نتذكر فقط كتاباته بعد التحوّل إثر اغتيال رفيق الحريري عندما جالت العائلة تبتاع الأقلام، كما ابتاع خالد بن سلطان الصحف والمجلات العربية بعد اجتياح العراق للكويت. واليساري السابق يخشى أن يُعاد نشر كتاباته السابقة، لكنّه يطمئنّ بسبب سيطرة الأعلام الحريرية على جلّ الصحف والشاشات (بالتعاون مع آل سعود)، وهي تحمي كلّ اليساريّين السابقين (والسابقات أيضاً) من كتاباتهم الماضية ومن مقابلاتهم السابقة لأنّهم يعملون اليوم المستحيل لخدمة السلالة الحاكمة في لبنان.
اليساري السابق يأتي من خلفيّات محدّدة: الحزب الشيوعي أو منظّمة العمل الشيوعي ــــــ والأخيرة معملٌ مميّز في إنتاج اليساريّين السابقين (عليك أن تعترف أن عتاة مناصري البنك الدولي ورأسمالية الحريري المتوحشة هم من خرّيجي مدرسة محسن إبراهيم. لو لم يكن صامتاً، لسألناه). وبعض اليساريين السابقين انشقوا عن الحزب الشيوعي لأنه لم يكن ـــــ بنظرهم آنذاك ــــــ يسارياً بما فيه الكفاية.
واليساري السابق كان زعيماً في المزايدة اليسارية في الحقبة اليسارية، وهو اليوم زعيم في المزايدة اليمينية في الحقبة اليمينية. واليساري السابق كان ينتقد النظام السوري من اليسار، ثم يعود اليوم لينتقده من اليمين. كان يعترض على بوادر القبول بالسلام عند النظام السوري، وبات يعترض على النيات العدوانية للنظام نحو اسرائيل. وهو ينتقد سياسة الممانعة المائعة والفارغة، لأنّ مثاله ليبيّ (الحالي).
اليساري السابق يجد صعوبة في الإبقاء على صبغته أو صفته اليسارية المزيفة، وهو كان ليتخلى عنها تلقائياً، ولكن حكم الأكثرية يحتاج إليه لتصنيع نقد يرتدي اللبوس اليساري، لأنّ يمينيّيه أكثر من الهمّ على قلب المواطن (والمواطنة). حاول اليساري السابق أن ينشئ تنظيماً خاصاً به، سمّاه «اليسار الديموقراطي»، لكن المحاولة كانت محرجة في فشلها.
يعقد التنظيم مؤتمراته في السرّ لستر الفضيحة. مسؤول (والكلّ مسؤول في التنظيم لقلّة الأعضاء) مناطقيّ في التنظيم يكتب في صحيفة آل الحريري ــــــ وهي تسخر من الفقراء ومن الخادمات السريلانكيات بصورة دورية، لكن المساكنة بين اليساري السابق وبين عتاة اليمين الحالي ممكنة وهي جارية على قدم وساق، وخصوصاً أنّ اليمينيّ الحالي يتصدّق على اليساري السابق بوظيفة وبإطلالات إعلامية، وحتى بمقعد نيابي متجوّل.
كان اليساري السابق ممنوعاً إعلاميّاً في حقبته اليساريّة، وهو اليوم لا يستطيع أن يلبّي الدعوات التي تأتيه من وسائل الإعلام اللبنانية والسعودية لكثرتها. وهو يظن أن السبب يعود إلى فطنته ونباهته أو إلى فصاحة مميّزة لا إلى تقلّباته. اليساري السابق يفترض أننا نسينا أن الياس عطا الله كان يتصل ببرنامج «كلام (بعض) الناس» ليرجو المضيف ـــــ على الهواء ـــــ ليدعوه ولو لمرّة واحدة للحلول ضيفاً، قبل أن يتحول الى ضيف تلفزيوني شبه أسبوعي في حقبته اليمينية المستجدة.
اليساري السابق كان شديد الحرص على قضية شعب فلسطين ـــــ أو هكذا كان يقول. كان يزايد حتى على الفلسطيني الذي يصر على تحرير كلّ ملم من فلسطين، وهو اليوم من قارعي الطبول احتفالاً باقتحام مخيم نهر البارد. هو اليوم يتحدّث بسهولة عن «البؤر» الفلسطينية في لبنان. اليساري السابق هو اليوم من المهووسين بشرّ الممانعة، وإن لاحظنا أنه لا يجرؤ على الإقرار المنطقي بولعه ببديلها في الأنظمة المنقادة وراء المشيئة الأميركية في المنطقة.
اليساري السابق يهاجم الممانعة (وهي نسق ضعيف ومتهافت من أقل درجة من الرفض بانتظار شروط أفضل للانصياع)، ولكنه لا يوضح ما إذا كان يفضّل المقاومة خياراً ـــــ طبعاً لا. اليساري السابق تطبيعيّ من الدرجة الأولى، ولكنّه يخجل من التصريح، وقد يغيّر بعد حين (على غرار اليساري السابق في مصر). وهو يتردّد في الإجابات عن أسئلة مهمّة، لأنّه يصدّق أكذوبة يساريّته، ظانّاً أنّ غيره يصدقه أيضاً.
اليساري السابق مُحرج. هو أكثر من مؤيّد: هو أداة طيّعة في يد المشروع الحريري من دون أن يوضح كيفية التوفيق بين اليسارية المزعومة وبين الحريرية. عليك أن تقبلها بـ«لا كيف» على طريقة حل الجدال الشهير في موضوع خلق القرآن. اليساري السابق متحالف مع من كان يعادي قبل سنوات: طبعاً، هؤلاء اليمينيون لم يتغيروا. هو تغير. الكتائب بقيت كتائب والقوات اللبنانية تباهي بـ«مقاومتها» أثناء الحرب، وهي ـــــــ خلافاً لمحسن إبراهيم ــــــ لم تجرِ نقداً ذاتياً على مسارها أو على تحالفها مع إسرائيل.
قد يتخلى اليساري السابق عن ربطة العنق، وقد يظهر حليقاً تقرّباً من الشاشة، وقد يبقي على لفافة «الغولواز»، لكنه حسم أمره. يمشي في مواكب الليبرالية الوهّابية، وهي معطاءة في مكافأتها لمن يتحوّل. وتستطيع أن تتفهم معضلة اليساري السابق. أين يكتب لو بقي على يساريّته في عصر الطغيان الوهابي على وسائل الإعلام العربية؟ من سيُصدر له المجلات والملاحق والصحف؟واليساري السابق مطلوب دوماً من اليمين. فهو قادر على استعمال اللغة اليسارية في نقد اليسار الحقيقي على ضعفه، وفي نقد أية مقاومة لإسرائيل، حتى ولو بالحجارة.
اليساري السابق يؤمن، على طريقة السنيورة والمرشّح غير الجدي للانتخابات الرئاسية في لبنان، شبلي الملاط، بالنضال «الحضاري» ـــــ فلتحيا الحضارة (في أبو غريب، مثلاً. وجب أن يصبح كتاب أدورنو وهوركهايمر «ديالكتيك التنوير»، وقد صدر في ترجمة عربية أخيراً، مقرّراً في كل مكاتب التحرير في طول العالم العربي وعرضه. لعلّهم لو قرأوه لتريّثوا قليلاً قبل أن يصدحوا في آذاننا بكلامهم المكرّر عن الحضارة وعن الرقيّ. شبعنا، أرجوكم، وخصوصاً أنّ نماذجكم الحضارية تُختصر بسعد الحريري ومصطفى علوش وتيّار «الكفاءات».)
اليساري السابق مستعد أن يتكيّف. هو يلهج بحمد أمين الجميل، لكنه مستعد أن يمشي بسمير جعجع. يا للّيونة. ويستطيع أن يلبّسها لبوساً يسارياً إذا ما اقتضى الأمر عبر القول إن جعجع، على الرغم من ماضيه وحاضره ومستقبله، لم ينحدر من عائلة إقطاعية. ينسى اليساري السابق أننا نعلم أن راعي كل اليساريين السابقين في لبنان، هو سليل عائلة إقطاعية طائفية، وإن كان العقل لا يتقبل بسهولة فكرة اليسارية السابقة للزعيم المذكور.
لم يبدُ يوماًَ يسارياً، وإن ارتدى بنطال الجينز (ويقلّده في ذلك نائبه من عاليه لعلّ المعلّم يلاحظ، فيعطف عليه بتحيّة أو مصافحة).ووظيفة اليساري السابق ــــــ وهي وظيفة قبل أي شيء آخر ــــــ ليست جديدة. الحركة المكارثية في أميركا استعانت بفريق كامل من اليساريين السابقين لنقد الشيوعية.
قد نسمّي، هنا، قدري قلعجي اليساري السابق الأوّل في العالم العربي. طبعاً، هناك من سبقه لكنه أتقن الدور أكثر من غيره. استعمل ما علمه من تجربته الشيوعية ليفضحهم في الصحافة المحافظة طبعاً، وليسرّ خاطر اليمين السعودي في عزّ الحرب العربية الباردة، كما سمّاها مالكولم كير. كان قلعجي سبّاقاً في إنتاج التراث غير المعرّب في نقد الشيوعية ـــــــ وله كتاب في... محمد عبد الوهاب وفي عبقرية العائلة الحاكمة في الكويت.
هناك أيضاً كتاب الشاعر الفذ بدر شاكر السياب «كنت شيوعياً» الذي صدر لتوّه في عصر بوش والليبرالية الوهابية. لعلها الصدفة. ثم الشيوعية درجات درجات. ما رأيكم بالحزب الشيوعي العراقي المتحالف مع الاحتلال ومع القوى الطائفية في البلاد (من سنية وشيعية)؟ ثم هل هناك من يساري سابق مؤيد لحروب بوش أكثر من عزيز الحاج؟
(هل سيُبث شريط اعترافاته الشيوعية على شاشة تلفزيون صدام وبإشراف الصحاف عندما كان الأخير مديراً للتلفزيون آنذاك؟)اليساري السابق يظن أنه متحذلق. فهو يسبغ صفات يسارية على أكثر الأحداث يمينية أو طائفية. فتصبح همروجة الطائفية في 14 آذار شبيهة بكومونة باريس، ويصبح فؤاد السنيورة نعومي كلاين آخر.
واليساري السابق يجد صعوبة في التأقلم مع الأحداث. وتسارع الأحداث في لبنان وفي المنطقة يؤدي أحياناً باليساري السابق الى التخلّي عن المحاولة المصطنعة لإلباس زي يساري للمواقف اليمينية. وهذا يفسر تطابق مواقف الياس عطا الله مع مواقف ومفردات أنطوان زهرا. الياس عطا الله هو السابق وهم اللاحقون. سيتحولون كلهم الى الياس عطا الله على الرغم من خلافات (شخصية لا عقائدية) عميقة بين اليساريين السابقين.
الخلافات تنحصر في حب الزعامة، أو من يستحق أن يكون اليساري السابق الأوحد والوحيد. ثم هناك منافسة حامية بين اليساريين السابقين على من يبتعد أكثر عن اليسارية، ومن يقترب ويتملق أكثر لليمينية وللحريرية خصوصاً.اليساري السابق يستعين على حين غرة، ومن خارج السياق معظم الأحيان، بماركس أو بشيوعي آخر. ينسى اليساري السابق أننا نتذكر أنهم كانوا ستالينيين حتى العظم. (هل ما زال وليد جنبلاط يحتفظ بصورة فيلكس جيرجنسكي في قصره المنيف، أم استبدلها بصورة لإليوت آبرامز؟).
اليساري السابق ينزع الى الهرمية في التنظيم والتسلطية في الحكم، في الحقبة اليسارية وفي حقبته اليمينية. ولا ننسى أن اليساري السابق يحتاج الى الاستشهاد برياض الترك، ناسياً أن الأخير (وهو ضحية أكيدة لحكم قمعي لا يستحق صفة اليسارية أو المقاومة) هو أيضاً يساري سابق.اليساري السابق متصالح تماماً مع النظام السعودي والمصري والأردني. وهو حريص جداً على حقوق الإنسان في سوريا، فقط، لأن النظام السعودي والمصري والأردني نجحوا في إقامة الجمهوريات (والملكية) الفاضلة. واليساري السابق قلق جداً من النزعات الدينية في حركة حماس وفي حكمها الأعوج في غزة لأنه منبهر بالنموذج العلماني الصالح في جدة والرياض.
واليساري السابق اكتشف لتوه أن كارل ماركس والماركسية جزء من تراث الفكر الغربي (وكأن الفكر الغربي وحدة متراصة ــــــ نسي صاحبكم ديالكتيك ماركس). وعليه، فاليساري السابق يطالبك بقبول الفكر الغربي (الوحداني) المتمثل باستشراق برنارد لويس وحروب بوش التحريرية، أي أن اليساري السابق يستعين بماركس للترويج لبوش (ولسمير جعجع)، فنِعم الديالكتيك. وعليه، فالماركسية العربية وفقاً لـ(لا)منطق اليساري السابق تقتضي القبول بالاستشراق وبحروب بوش التحريرية.
ينسى أن الغرب غربين أو ثلاثة، على الأقل. فالغرب، بالنسبة إليه، مثل الشرق بالنسبة إلى برنارد لويس. أي هو الاستغراب (لم يفلح حسن حنفي في كتابه عن الموضوع)، من دون أنيدري.اليساري السابق يتجوّل من عاصمة عربية الى أخرى. يتنقل لتنوع الوسائل الإعلامية العربية (السعودية التمويل دائماً). الطلب يفوق العرض أحياناً. في لبنان، اليساري السابق مطلوب خصوصاً في تلك الدكاكين الطائفية التي تنشئها عائلة الحريري.
واليساري السابق موجود في كل الدول العربية من دون استثناء، وهو في مصر من دعاة التطبيع، وفي الكويت من المرحّبين بالقوات الأميركية، وفي الأردن من المتيّمين بحكمة الملك، وفي السعودية من المتيّمين بالوهابية. وقد وصل اليساري السابق الى مراكز وزارية في سلطنة عمان.
اليساري السابق، عندما ينظر الى نفسه في المرآة، ماذا يرى؟ هل يرى وجهه السابق أم اللاحق، أم يرىحرباء؟
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:

السبت، سبتمبر 29، 2007

عندما هزم أحمد فتفت إسرائيل


أسعد أبو خليل

عن شبكة الفهد العراقيّة
**
يجب الإقرار بأنّ انتقاد بعض الساسة اللبنانيّين لم يعد سهلاً (قانونياً أو حتى بمقياس القانون الدولي) في عهد «حرص» ما يسمى في لبنان «المجتمع الدولي»، وفي عهد الإصرار الغربي على استمرار حكومة السنيورة إلى ما لا نهاية. فسرمدية حكومة السنيورة الفذة باتت واحدة مما بقي من عقيدة بوش. لعل السنيورة يغطي ـــــ وهو يفعل ما بوسعه ـــــ تعثّرات وكوارث المشروع الاميركي في العراق.
وحق النقد مكفول في الدستور الفرنسي المعدّل في لبنان (لا يزال جهابذة القانون في لبنان يهرعون الى خبراء فرنسا للوقوف على آرائهم السديدة في تفسير الدستور. وكم أثقل ريمون إده على دالوز في هذا الصدد حتى إن الاخير كفر بلبنان والتبولة على الارجح عندما كان نواب لبنان يصرون على إيقاظه من النوم في كل طلوع)، وإن شابته تطورات لبنانية سياسية.

فإنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري (مع إصرار على العفو عن قتلة اللبنانيين واللبنانيات من قبل جيش إسرائيل ـــــ ماذا حدث للشكوى اللبنانية ضد إسرائيل في مجلس الأمن؟ نسينا أن وزير العدل مشغول بحملته الرئاسية وبعقود شركاته «المعلوماتية») زاد من التشوّش الذي يسود أذهان اللبنانيين بالنسبة لعلاقة لبنان بالعالم («هل كم أرزة العاجقين الكون» كما أصر الرحابنة في شعر يونس الابن).

فبعض الساسة في لبنان يتعامل مع المحكمة كما لو أنها مخفر البسطة (هل لا يزال التفريق بين البسطة الفوقا والتحتا معمولاً به، نتساءل؟). فعندما أدلت سوسن درويش بدلوها عفواً على الهواء، هدّدها أحمد فتفت بالمحكمة الدولية، واتصل بالمحكمة شاكياً (باكياً؟).

وبالأمس، عندما اعترض مروان حمادة على مقابلة سليمان فرنجية التلفزيونية، هدّده أيضاً بالمحكمة الدولية. هم يظنون أنّ المحكمة تُنشأ لتصفية الحسابات بين الساسة في لبنان، بينما الهدف الحقيقي لإنشائها هو لتصفية حسابات واشنطن، لا حساباتهم هم، في المنطقة.

نتصوّر ردّ فعل المحقّق سيرج براميرتس عندما يتلقى اتصالاً من فتفت أو من غيره معترضاً فيه على تصريح معيّن من سياسي خصم. فالنقد لأيٍّ من أقطاب 14 آذار، أو حتى لسياسيّي الصف الثالث، يتحوّل فوراً إلى تحريض وإلى دليل على تورّط الناقد في مؤامرة اغتيال الحريري.

من هنا، على المواطن في لبنان أن يتيقّن أنّ أيّ نقد موجّه لوزير الشباب والأحداث في لبنان سيُجابه بتقديم شكوى الى مجلس الأمن. وهناك في 14 آذار من هدّد بتقديم كلّ من يتخلّف عن حفل انتخاب رئيس جديد لما بقي من الجمهورية، الى المحكمة الدولية.

لا ندري إذا كان اللبنانيّ (أو اللبنانيّة) يستطيع أن يتقدّم بشكوى الى المحكمة الدولية إذا تناول صحن فول فاسد. لمَ لا؟ماذا تقول عن أحمد فتفت؟ هو ظاهرة سمحت لنا باقتراح تسمية «الفتفتيّة» للتدليل على نمط سياسي انتهازي ـــــ عريق في تاريخ السياسة في لبنان ـــــ (والعراقة في السياسة تذكّر بترحّم بيان المطارنة الأخير على أيّام الكتلتيْن، عندما كان إميل إده يُنصب من قبل المستعمِر وعندما كان يرسل مبعوثين الى الحركة الصهيونية كما يذكر اتامار رابينوفتش في كتابه عن تاريخ لبنان).

فالوزير فتفت بارع في نقل البندقية من كتف الى كتف الى كتف وهلمّ جرّا، وفي تزوير السيرة الشخصية.«الفتفتية» هي أن تناقض نفسك في جملة واحدة، أو أن تورد أكثر من كذبة في الجملة الواحدة. «الفتفتية» هي أن تتكيّف مع القوى الخارجية التي تتحكّم بالبلاد، وأن تدّعي البطولة ضدّ من لم يعد مسيطراً على البلد. «الفتفتية» هي التفريط بالتراب الوطني لترويج صناعة الشاي المستورد.

«الفتفتية» هي أن تتقن التحريض الطائفي في الوقت نفسه الذي تصيح فيه بشعارات الدولة المدنية. «الفتفتية» هي ألا يصدّق المرء أقوالك حتى لو نطقتَ بالحقّ لكثرة ما نطقتَ بالباطل. «الفتفتية» هي مدرسة عريقة في السياسة اللبنانية: هي في أساس صنع السياسة في لبنان عبر نبذ المبدئية والصدق في الخطاب وفي الفعل.

«الفتفتية» هي مضادة للمروءة عند العرب (التي تعني في تعريف منقول عن الأصمعي ألّا تفعل في السرّ ما قد تستحي من فعله في العلن). وينطبق على «الفتفتيّة» ما قاله السناتور بوب كاري عن بيل كلينتون من أن عليك أن تعترف بمهارته في الكذب.

وأخيراً، «الفتفتية» هي في إيلاء الظهور الإعلامي أهمية تفوق كل ما عداها. لهذا، فإنك تجد الوزير المثقل بهموم الكرة الطائرة وهموم الشباب والأطفال متفرّغاً لمقابلات على الأقنية العربية.ماذا تزيد على اسم أحمد فتفت. فمجرد الاسم صار مثارة للسخرية أو الدعابة أو حتى الشتيمة (ذكرت النيويورك تايمز بعض الهتافات الذي أطلقها ضده بعض المتظاهرين يوم مجزرة قانا الثانية، وإن تسترت عليها الصحف اللبنانية آنذاك).

تستطيع أن تقول إن مجرّد الاسم يذكر المرء بالشاي، مثلاً، أو بأصول واجب الضيافة للمحتل المعتدي. وهو يذكّر بنمط من السياسيين الذين تعاملوا وتساهلوا مع الاحتلال النازي لفرنسا.لكنّ أحمد فتفت هو أكثر من شخص: إنّه ظاهرة غير غريبة البتّة عن الحياة السياسية في لبنان. ولا يمكن فصل الحياة السياسية لفتفت عن مساوئ النظام السياسي في لبنان. وقد ظهر فتفت أخيراً في مقابلة مطوّلة على تلفزيون «الجديد» تعرّفنا فيها عليه أكثر.

فقد تحدّث عن ماضيه السياسيّ بما يعتقد أنه صراحة، كما أنه صارحنا للمرة الاولى عن منذر فتفت، مستشار بول بريمر لشؤون الكرة الطائرة. لم نكن ندري أن عبقريّاً لبنانيّاً آخر يُضاف الى قائمة العباقرة اللبنانيين الذين يملأون صفحات «النهار» وشاشة الـ«ال.بي.سي»، التي جعلت من المخرج الأميركي (من أصل يوناني)، إيليا كازان، لبنانياً. (ظنته من آل قازان، جيراننا في الطفولة في حي المزرعة.

طبعاً، لا تكترث الـ«ال.بي.سي» بكون كازان من الذين «أدلوا بدلوهم» في حملة المكارثية التي أودت بشيوعيّين وغير شيوعيّين إلى غياهب السجون).والماضي السياسي بات أمراً مهماً في الحياة السياسية اللبنانية. فالماضي اليساري أو القومي العربي ضروري لتسويغ أكثر السياسات يمينية وأكثرها محاباة للسياسة الأميركية في المنطقة. لهذا، فإنّ السنيورة يذكّرنا بالأسابيع أو الأشهر التي قضاها في حركة القوميين العرب وكأنها كافية للتغاضي عن سياساته الحالية، وإن تناقضت مع كلّ ما مثّلته تلك الحركة.

وكان رفيق الحريري يفعل الشيء نفسه، خصوصاً في المفاصل التي يكون فيها متّهماً بتحالفات وزيارات مشبوهة. (كم كان مؤلماً مشاهدة ليلى خالد تزعم أن رفيق الحريري هو الذي قادها بالسيارة في المهمة المعروفة، مع أنها تعرف أنه كان في السعودية آنذاك، ومع أنها تعرف أن الذي قاد السيارة موجود اليوم في صيدا، وهو الذي أخبر رفيق الحريري في زيارة الى السعودية عن «سندويش اللبنة».

لم نكن ننتظر من ليلى خالد تزويراً للتاريخ لاختراع تاريخ نضالي لرفيق الحريري، كما فعل غسان شربل عندما ادّعى في مقابلته مع السنيورة في «الحياة» أن رفيق الحريري ساعد في إطفاء سيارة وديع حداد عندما فُجّرت بينما كان الحريري في السعودية آنذاك).أما بالنسبة إلى فتفت، فالأمر أكثر تعقيداً.

مثلاً، ما هو الماضي السياسي للسيّد فتفت؟ لقد نفى أخيراً ورسمياً أنّه انضوى في يوم ما في الحزب الشيوعي اللبناني، مع أن هناك من يذكره رفيقاً نشطاً. قال إنه كان «صديقاً» للحزب ـــــ والصديق وقت الضيق. وقال مرّة أخرى إنّه كان في فتح، ثم عاد في مقابلة أخيرة للقول إنه تدرب في صفوف جبهة التحرير العربية، وهي كانت معروفة بأمور كثيرة في لبنان أثناء الحرب، لكن لم يكن النضال من أجل فلسطين واحداً منها. وعلى موقعه على الانترنت، وهو مَزُور «كلّ سنة مرّة»، يقول إنه كان ممثل «الحركة اللبنانية» في بلجيكا أثناء الحرب.

طبعاً، هو يعني الحركة الوطنية اللبنانية لكن متطلبات الوطنية الكتائبية المُستحدثة، وهي في صلب عقيدة 14 آذار، تقتضي بعض التصويب لملاءمة الأوضاع.ولكن ادعاءات فتفت عن ماضيه الحزبي لا تختلف عن ادعاءاته لبطولات لم تحصل ضد النظام السوري في أوج مجده. على العكس من ذلك. لم يأت أيّ من النواب الى المجلس النيابي في التسعينيات من دون رضى الراعي السوري، وكان فتفت كما يذكر أهل الشمال على وئام مع الراعي السوري قبل أن تدور الدوائر.

ومن الملاحظ أن السيد فتفت يأخذ راحته في الحديث الطائفي عندما يتحدث إلى الصحافة الاجنبية، ثم يلجأ الى النفي وإلى ادعاء سوء الفهم (كما كان الملك حسين ينفي بشدة أخبار لقاءاته مع الاسرائيليين في الستينيات والسبعينيات). وفي مقابلة شهيرة مع الـ«لوس أنجلس تايمز» تحدّث فتفت، عندما كان وزير داخلية بالوكالة ـــــ وأيّ وزير داخلية ـــــ بإسهاب عن الخطة الطائفية لقوى الأمن الداخلي، لكنه عاد ونفى الكلام برمّته، مع أن المقابلة جرت بحضور صحافي كندي من «الغلوب أند مايل» ومع أن مراسلة الـ«لوس أنجلس تايمز» لاحظت أن فتفت لم يرسل لا تصحيحاً ولا تكذيباً، أي إنّ نفيه كان من باب الاستهلاك المجاني الواضح في ـــــ لنقل ـــــ عدم صدقيته.

ثم كانت ثكنة مرجعيون، وهي ستشين التاريخ اللبناني لأجيال لاحقة. القصة من أولها لآخرها تنضح بالتقصير وبالتخاذل وبتعامل مع العدو يعاقب عليه القانون اللبناني ـــــ إذ إن فريق الحريري يعمل بجهد جهيد من مونت كارلو لإرساء دولة القانون والمؤسسات.

وأسوأ ما في الأمر أن الكل في لبنان، بما فيها كتلة حزب الله النيابية، تسترت على الموضوع ـــــ الفضيحة. فقرر صاحبكم فتفت أن يلقي بالملف في حضن نبيه بري، مستعيناً بذلك برصيد الطائفية والمذهبية في الثقافة السياسية اللبنانية التي سرعان ما تجمّد الملفّات وتمنع التحقيقات. وماذا يمكن أن يقال في تلك الصور التي بثها الإعلام الاسرائيلي عن ثكنة مرجعيون؟ وأي بلد في العالم يسمح لمن كان مسؤولاً عن تلك الفضيحة الوطنية بأن يستمر في الإدلاء بدلوه في مواضيع الوطنية المتنوعة، هكذا من دون محاكمة أو مساءلة قانونية أو حتى دستورية؟ على العكس من ذلك. فقد تحدث فتفت في المقابلة المذكورة مع تلفزيون «الجديد» عن موضوع هزيمة إسرائيل، فأفتى بأن حكومة السنيورة نفسها هي التي هزمت إسرائيل (لا ندري كيف).

وهذا الزعم شبيه بزعم سعد الحريري في واحدة من ليالي الحكواتي الرمضانية في قريطم عندما قال إنه هو الذي أوقف العدوان على لبنان. لم يسأله أحد عن سبب انتظاره ثلاثة وثلاثين يوماً بالتمام والكمال قبل وقف العدوان؟ هل كان مشغولاً بجولاته التي شملت قبرص؟ أم لم يجد الوقت مؤاتياً لوقف العدوان قبل انقضاء الثلاثين يوماً؟أحمد فتفت ظاهرة غير غريبة عن لبنان. وهناك ضرورة لكتابة دراسة عن ظاهرة «اليساري السابق» في لبنان. لا ندري لماذا فرخت منظمة العمل الشيوعي عدداً هائلاً من هؤلاء الذين يشكلون عدداً كبيراً من كتاب التعليقات في صحف لبنان، والذين يتملقون لعائلة الحريري ويظنّون أنّ استشهاداً بكارل ماركس مرّة في السنة (أو قلبه على رأسه كما فعل هو بهيغل) كافٍ للتستّر على تقلّباتهم أو أنّه يسبغ عليهم مصداقيّة «يسارية».

هؤلاء ينسون أن روربت مردوخ، صاحب مؤسسة نيوز كور التي تملك شبكة فوكس نيوز اليمينية، كان يضع تمثالاً للينين في غرفته في الجامعة. أحمد فتفت ظاهرة ذات دلالات كثيرة، منها أن مناصرة عدد من اللبنانيين واللبنانيات للثورة الفلسطينية كان لأسباب إما طائفية أو شخصية تتعلّق بالطموح الذاتي، ويستطيع المحامي محمد مطر أن يزيدنا معرفة في هذا الصدد.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا(موقعه على الإنترنت: