تقديم وترجمة زهير الخويلدي
"إن الكثير من الازدراءات تصدر عن السفاهة المنتشرة جدا حتى داخل الأوساط العلمية والتي تتمثل في النظر إلى الفكر على أنه مأوى المعقول والى الفعل على أنه مأوى اللامعقول. بينما اللاعقلانية هي أيضا تجري في هذه الدائرة وتلك..." جوليان فروند[1]
تقديم:
أصبحت صفة اللامعقول تهمة تستعمل في الصراع الإيديولوجي بين الأفراد وتلصق بها جميع الصفات السلبية ولذلك وظفت كمطية للإقصاء والتهميش الذي يتعرض له المناوئين والمنتقدين والمخالفين، أما كلمة المعقول فهي ترمز إلى الواقعي والحقيقي والمنطقي والموضوعي وترتبط بالعلم والمعرفة المنظمة وتحوز على قدر كبير من القيمة الإبستيمولوجية والصلاحية الأكسيولوجية. غير أن المعضلة لا تكمن في الحدين كل على جهة بل في تحديد المعايير التي بواسطتها يتم التمييز بين الطرفين ورسم الخطوط التي تفرق بين مجال الخيال والظن والعبث والوهم والفانتازيا ومجال التطابق والوحدة والكلي والحق والنظام. فهل تكفي لام النفي لنجزم بوجود تنافر بين المعقول واللامعقول؟ والى أي مدى يتقدم الفكر العقلاني بتحطيم الفكر اللاعقلاني؟ أليست الفلسفة هي حركة استكشاف متواصلة للمناطق التي لم تصلها تجربة العقلنة بعد والتي مازلنا نسميها إلى حد الآن أرض اللامعقول مثل الأسطورة والدين والتصوف؟ ألا تحتوي هذه الدوائر على قدر مخصوص من العقلانية مايزال مطمورا في رمزيتها ومنطقها الفريد؟ فهل يمكن أن نعتبر اللامعقول هو الآخر الذي ينهل منه المعقول ويمثل شرط امكانه؟
يحاول جوليان فروند في هذا النص المقتطف من كتابه الفلسفة الفلسفية أن يجيب عن هذه الاستفسارات.
النص المترجم:
"على ضوء هذه الاعتبارات نكون قد تسلحنا نسبيا بغية تقييم طبيعة العقل ومناقشة التعارض بين المعقول واللامعقول. إذ منذ اللحظة التي يكون فيها العقل ملكة معرفية فإنه يقطن الإنسان من حيث هو موهوب بالقدرة على المعرفة ولا أن يعرف حقيقة الموضوع ، والحق أن المشكل يتعقد عندما يكون موضوع المعرفة هو الإنسان نفسه بوصفه ذات عارفة. بعبارة أخرى لا يكون العالم مفكر فيه إلا إذا كنا نحن الذين فكرنا فيه. فهل سيصبح هو على هذا النحو؟ نحن لا نعرف عنه شيئا. وكل ما نقدر على معرفته هو أنه من الممكن جعله شيئا معقولا. وهذا هو أس العقل. فهو ليس البتة في متناول الوعي البسيط، من حيث أن هذا الأخير يتمثل في الإحساس الغامض على الأرجح بأن يكون حاضرا إلينا قبالة ما يجري في الواقع بالمعنى الذي يكون فيه إدراكنا مغمورا بالذكريات والانتظار.
إن العقل على العكس هو البعد النشيط الذي يحاول أن ينظم ويوجه الوعي الذي يخصنا وذلك بإنشاء الانسجام في أفكارنا والتساوق في حركاتنا. هكذا يكون حركة عقلانية للفهم أو التفسير وتحكم معقول في الوجهة. وماهو جوهري ليس أن يكون التموضع في العلاقة أمر صحيحا بل أن الوجود يبذل الجهد من أجل بلورة علاقات مقصدها التوجيه نظريا وعمليا. إن المعقول يتمثل إذن في تطبيق الفكر من أجل تحقيق الانسجام الداخلي بكل المقاييس الممكنة بين الفكر والتنوع المجهول للواقع. ببدو أنه من غير المتاح الحصول على توافق وتطابق فعليين بين الفكر والواقع لما نفترض مسافة لامنقاسة بين مفاهيمنا المتناهية (آلات ذهنية للتوافق) والانبثاقprofusion المجهول للواقع. على خلاف ذلك يتعلق الأمر بمجهود لا يكتمل أبدا ويظل محل إعادة دائما بسبب الحركات والتدخلات ذاتها للناس في مجرى الأشياء والمفاجئات السعيدة أو الكارثية التي تحدث باستمرار في الحياة التلقائية والظواهر الطبيعية.
يتمثل المعقول في المساءلة المستمرة للتوجيه الذي يخصنا بغية مصالحة اهتمامنا بالاكتشافات التي يتم إنتاجها. عندئذ ثمة أخطاء دائما ممكنة في القيادة. إذا كان الانسجام في أحكامنا والتساوق في حركاتنا غير معطيين على الإطلاق بل هما أثر الوعي المنظم بواسطة العقل – وهذا هو ما نسميه الروح- فإننا لا نقدر على فرضه بشكل عابر من الخارج، وعلى سبيل المثال رسم فصل جذري بين المعارف طالما أن الحدود تكون داخلية بالنسبة إلى حركة المعرفة ذاتها. ويتمثل خطأ المذهب العقلاني من حيث هو خليط بين المذهب العلمي والمذهب الأخلاقي في أنه يعتقد أن الحد ليس داخليا بل خارجيا ، بحيث يكفي بلوغ العلم والأخلاق مختلف الأنشطة السياسية والدينية والقضائية وغيرها حتى نجعل منها أنشطة عقلانية وتبعا لذلك نجعل عقلانيا كل ماهو واقعي. بيد أن العقلاني ليس محدودا في العلم وحده لأن التجربة والتراث والحكمة تتضمن مجهودا في العقلنة بنفس عنوان التوقع واليوتوبيا أو الاستشراف.
إن منظري الفهم في العلوم الإنسانية يعتبرون هذه الأخيرة منهجا عقلانيا في التوضيح بنفس العنوان الذي للتفسير السببي. انه ليس البتة لاعقلانيا أو يجب إذن أن نسحب من فيبر وسيمل صفة الباحيثين العلميين. إن الفهم هو حركة من العقل في خدمة المعرفة العالية وأيضا مساير بأكبر قدر ممكن مع الواقع.
على هذا النحو لقد كان فهم العقلانية على أنها منتوج العقل التنظيمي بغية جعل الواقع معقولا شغل الأساطير والسحر والكونيات والأمثولات مثل أمثولة الكهف لأفلاطون وفي الشعر وفي التصوف. إن العقل يبذل بتعتعة أو بأخرى مجهودا في كل هذه الحالات بغية انجاز تماسك في الواقع المعطى.
من هذا المنظور تظل الفيثاغورية نموذجية بالنسبة لكل التاريخ اللاحق للفكر البشري بما أنها قد جمعت في أفكارها توضيح العالم بأكثر صرامة ممكنة بفضل العدد والحساب والاعتراف بالسر الذي تم إعطاؤه من طرف التصوف الصوتي.
أيضا ربما ارتكبت العقلانية الحديثة خطآ مزدوجا عندما شبهت اللااختزالية المرتبطة بالمعرفة باللاعقلانية التي تعشش في الواقع، من جهة أخرى لقد أرادت تطهير العقل من الإثم الذي تسببت فيه كل من الأساطير والأديان. إن العقلانية ليست واحدية ولا متجانسة لأنها تتضمن درجات. لقد قلنا سلفا أن العلم وبأكثر تحديد الرياضيات تشكل الصورة الأكثر جلاء للعقلانية، والعلوم الإنسانية تضل في مرحلة متأخرة لكن دون أن تفقد الصواب بالرغم من ذلك، وتحوز الأساطير والأديان والشعر على درجات أقل بالمقارنة مع كل عقلانية علمية دون أن تكون أدنى مشروعية بالنظر إلى صنع العقل.
منذ اللحظة التي تكون فيها العقلانية متداخلة مع المعرفة فإن اللامعقول يتكون أيضا. انه يدل على التنافس بين مختلف أشكال المعرفة والمجالات التي تطبق فيها، وكل واحدة تهتم باللامعقوليات التي تقاوم إرادتها المهيمنة. إن الكثير من الازدراءات تصدر عن السفاهة المنتشرة جدا حتى داخل الأوساط العلمية والتي تتمثل في النظر إلى الفكر على أنه مأوى المعقول والى الفعل على أنه مأوى اللامعقول. بينما اللاعقلانية هي أيضا تجري في هذه الدائرة وتلك، إذا ما اعتبرناها الفكر الإيديولوجي والتصديق الحزبي والتأملات الاعتقادية.
ثمة العديد من المفكرين الذين يشعرون بعمق بتخوفات لامعقولة أكثر من الحكمة اليقظة عند العامة. من وجهة نظر سوسيولوجيا المفاهيم لا يمكننا أن نتحدث عن الصدفة إذا كان اللفظ لامعقول قد أصبح دارجا في عصر انتشار العقلانية الحديثة. لقد وجدت دلالة خلافية تقلل من الثقة تحت سياق الظلامية،وان أشكال المعرفة هي التي قد تقاوم إرادتها التسلطية.
إن ما تسعى العقلانية للدفاع عليه ليس العقل بل مفهوم خصوصي له طابع علمي وأخلاقي ، كما لو أن الأخلاق ، إذا ما تمكنا من تأسيسها علميا،تم استدعاؤها لكي توجه كل النشاطات البشرية الأخرى بالنظر إلى نوعية الهدف النبيل والحصة من العقل اللتان تتضمنهما. لو ننظر من زاوية العقلانية الحديثة فإن الجمل التي أنا بصدد كتابتها تشكل تقريظا للامعقول. لكن المذهب العقلاني ليس البتة معفى من اللامعقول، بمعنى أنه هو نفسه التي جعله يندفع بقوة.
مرة أخرى يجب العودة إلى كانط بوصفه قد مثل المثبت الأساسي للأسكاتولوجيا الحديثة تحت مصطلح مملكة الغايات المستقلة عن التبعية التي قد تنتجها التجربة في الأخلاق وبحرمان العقل العملي من امتيازه في السلطة التشريعية الكونية. بما أن الإنسانية لم تتمكن من تحقيق أهدافها فإنها يمكن أن تسمى إنسانية متحضرة وفق التمييز الذي تنجزه فكرة التاريخ الكوني الا أنها ليست إنسانية متخلقة. وتبعا لذلك لا نستكمل الأخلاق الآن وهنا عن طريق استقامة سلوكنا الخاص باحترام القواعد والعادات ، وإنما بالبحث عن تحقيق مملكة الغايات في المستقبل غير المحدد.
إن المذهب العقلاني مابعد الكانطي قد حول أيضا الأخلاقية برمتها عبر هذا الإسقاط لمملكة الغايات، ولما أصبحت التنظيمات السياسية والثقافية تطمح إلى احتكار الكرامة الأخلاقية في السياق الذي يجعلها في خدمة التحرر الشامل والمساواة التامة والعدل التكاملي والسلم الدائم والسعادة الفردية والجماعية المحصلة. ماهو هام على الأقل هو أن تكون الأفعال التجريبية التي ترنو إليها خائرة القوى ومغشوشة ومنافقة وغير نزيهة أو حتى ماكرة بشكل صريح، ومنذ اللحظة التي تعلن فيها بصريحات الكلام عن غاياتها الحميمة فإنها تكون أفعالا أخلاقية إلى أقصى نقطة. أفلا يتعلق الأمر بلاعقلانية معينة تسخر من التوافق العقلاني للمعنى المنتشر عبر الكلمات وتساوق الحركات؟
لنعود إلى الوجه المزدوج للعقلانية: الأول نظري ويتمثل في انسجام الأفكار والآخر عملي ويتمثل في تساوق الحركات. في الحالة الأولى نكون مهتمين بما نسميه عموما المنطق، منطق الحساب ومنطق اللغة أو منطق الخطاب. في موضع يفيد اللفظ الإغريقي لوغوس في الآن نفسه العقل والحساب والخطاب. كل منطق يفترض لغة وهذا ما يدل على كلمات منظمة في خطاب أو أيضا على نداء تربوي قد لا يتقيد بتفضيل صوت أو صرخات متقطعة وإنما يمفصل ما يريد لأن يعبر عنه وفق ترتيب.
إن الوظيفة الأساسية للكلام هي تسمية الأشياء بواسطة الرموز (الأعداد والكلمات أو الرسوم)، المعرفة من قيل الآخرين بوصفها تشير إلى سمات عديدة من الواقع. هذا التعيين هو بلا ريب جائز في المنطلق ولكن الاعتراف من طرف الآخرين للدلالة المقررة في الرموز يسهل ليس فقط التواصل بين الكائنات، بل وأيضا يشيد الترتيب الذي يتعالى الجواز الأصلي. إن الاعتراف هو فلسفيا سلاح ضد الجواز. إن أرسطو لم يقم سوى صورنة مبادئ انسجام الخطاب المتبلور سلفا بشكل مستقل عن تنوع اللغات ، حيث هذبها المناطقة فيما بعد أو فرقوا بدقة بينها. انه بهذا المعنى قد تحدث ديكارت عن المنطق بوصفه فن في حسن قيادة العقل الخاص به". ولم يكف هوبس عن تكرار ذلك. وبالفعل فإن العقل واللغة كذلك هما متشاركان من حيث الجوهر. إن الوعي ليس إذن عقلا في حد ذاته بل انه يصبح كذلك من حيث هو وعي متكلم ومنظم في لسان.
من هذا المنظور إن اللامعقول هو اللامنطقي الذي يهين عقلانية اللسان الدارج. لكن إننا لا نستطيع أن نؤول هذه الملاحظات في معنى اسماني،نظر لأن الألفاظ تعود في كل مرة إلى الوقائع الجزئية التي تعينها، وأيضا بإجراء تمييزات بين الأشياء التي هي أيضا تمييزات في الأفكار والمفاهيم. إن فكرة ما أو مفهوم غير مترجم إلى لفظ ينقطعان عن أن يصيرا وظيفيان بشكل عقلي. لقد أصبح المنطق بواسطة قوة الأشياء سلطة في التواصل العقلاني وآلة موجهة نحو إفحام الآخرين، ولكن ذلك متوقف على الصرامة التي يتضمنها في مبادئه التكوينية.
إذا كان العقل غير مفصول عن اللسان فإنه ليس في خدمة المنطق بل إن هذا الأخير ليس سوى الدرجة العليا للانسجام العقلاني ولكن مقطوع عن الفاعلية والتأثرية. وعندما أصبح آلة لفن الإفحام فإن الانسجام الذي كونه قد صار في خدمة العلاقات المختلفة بين الناس بغية إمدادهم بمسحة من العقلانية. انه من البديهي أن علاقات أخرى قد وجدت قبل بلورة المنطق في صورة السفسطة والجدل وأساليب أخرى من الإقناع. بعبارة أخرى لقد وقع استعادة العقلانية المنطقية عن طريق أنشطة متنوعة من أجل استخدامها كضمان.
لقد وقع تنويع المنطق العام إلى منطقيات جزئية بغية إعطاء انسجام ظاهري في الغالب إلى الخطابات التي ينتجها الفاعلون في الأنشطة البشرية المتنوعة. انه بهذا المعنى نتكلم عن المنطق في الخطاب السياسي والاقتصادي أو أيضا في التاريخ أو أيضا عن منطق التبادل ومنطق الهيمنة ومنطق الهيئة.
بيد أن كل إبداع هو تحطيمي لترتيب وفي نفس الوقت انه يشيد لترتيب آخر. إن عبقرية ماكيافيلي تجعلنا نفهم أن الإبداع يمكن أن يكون بشكل مقصود بدعة. ان المنافقين يعترفون بنجاعة النفاق. لذلك ادمج العقل المنطق في حيله بفضل تقنيات سميت نفسية حيث زادت القدرة الهائلة للميديات في نجاعتها. إن المبدأ هو بسيط. بالنظر الى أن التضايف بين اللسان والفكر والى أن الخلط في اللسان هو متضايف مع تيهان الروح فإن ما نسميه منذ اليوم معالجة الأرواح هو واحدة من الطرق التي تشوه الدلالة الشائعة للكلمات بغية المزيد من ادخل الاضطراب على منطق التناقض وتبعا لذلك على المقاومة التي تمنحها المنابع المتنوعة للعقلانية، سواء تعلق الأمر بالتجربة أو بالتراث والنقد، بفضل تراكم في المعلومات مراقبة تقريبا أو مراقبة، والتي هي في حد ذاتها وسيلة غير معلمة وفي النهاية تدفع إلى التخلي عن القدرة على التمييز.إن العقلانية هي مختنقة من عقلنة أداتية بشكل محض."[2]
فماهو المنهج الذي ستستعمله هذه العقلنة؟ وهل يمكن اعتباره منهجا عقلانيا؟
المرجع:
Julien Freund, Philosophie philosophique, Editions la découverte, Paris, 1990.
كاتب فلسفي
الخميس، أبريل 15، 2010
المعقول واللامعقول عند جوليان فروند
الجمعة، أبريل 02، 2010
ملكية الأرض بين الحق التاريخي والقانون الوضعي
زهير الخويلدي
"إن الأرض إنما هي ملك أولئك الذين وحدوا بين قواهم للذود عنها"[1]
احتفل العرب بذكرى يوم الأرض وتعرض البعض من المحللين إلى النكبة وما حل بنا من تفريط وتضييع بفعل الاستعمار والاستيطان والأطماع الخارجية وتذكروا المناطق والأقاليم العربية التي مازالت منهوبة ومستعمرة من دول الجوار في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب، وكشفوا عن النتائج الكارثية التي سببها مثل هذا التغافل عن الحقوق التاريخية والثوابت القيمية وأبانوا عن لوحة سوداوية تجاه المستقبل حيث تعم التجزئة ويغيب عن الوعي أي توجه نحو التوحد ويتفرق العرب إلى طوائف وملل.
غير أن الأمر المهمل في كل هذا هو التساؤل عن سبب التقاعس عن الدفاع عن الأرض وعن علة العزوف عن التمسك بالسيادة على الموطن، وهو نقيصة لا يمكن للعقول الباحثة عن الإصلاح والتغيير أن تسقطها من حسابها والطامحة إلى الاستعادة والانتفاض.
من هذا المنطلق حري بنا أن نطرح بأنفسنا مثل هذا المشكل وأن ننقله من دائرة الاستعصاء إلى دائرة الاستمعان ومن وضع الإمهال إلى حال الاستحضار. وقد تسلحنا بالفقرة 19 للفيلسوف المستنير اسبينوزا مقتطعة من الفصل السابع من كتاب السياسة حيث نجد مقارنة لعلاقة الإنسان بالأرض بين حالة الطبيعة والحالة المدنية والتي يستخلص منها ما يلي:"لا شيء يمكن امتلاكه والدفاع عنه في الحالة الطبيعية أقل من الأرض"[2]، والمقصود هو أن الإنسان في الحالة الطبيعية يتصرف بكل طواعية في جل ما توفر له الأرض ولا يجد مانعا أمامه يصده وهو قادر على إشباع حاجياته وبالتالي هناك نوع من المشاعية والوفرة والاكتفاء وذلك لغياب مفهوم الملكية نفسه.
على خلاف ذلك ترتفع قيمة الأرض مع الانتقال إلى الحالة الحضرية وتكون المدن ويزيد حب امتلاكها والرغبة في الاستحواذ عليها سواء من أجل الاستقرار فوق مسطحها أو للاستفادة من الخيرات المدفونة في باطنها أو المستفلحة على آديمها. وفي هذا الأمر يقول اسبينوزا:" إن الأرض وكل ما يتبعها في الظروف التي ذكرت إنما هي ملك للمدينة"[3] ويشير أيضا إلى أن شخص واحد يمكن أن يحتكر ملكيتها إما بالغلبة أو إذا ما فوض له الجميع القدرة على ذلك. ويؤكد على أن المدينة إذا ما تغلبت على هذا الاحتكار الأناني للأرض وشرعت للملكية المشتركة لها فأنها تجني فوائد عظيمة ويعم الخير على الجميع وتنتفي الانقسامات وتزول الرذائل مثل الطمع والسرقة والاستحواذ.
ما يهم من هذه الفقرة وما يمكن الاستفادة منه في تحليل علاقة العرب بأرضهم هو التالي:
- احتباس العرب في المرحلة الإقطاعية وتشتت الملكية وهيمنة فئة قليلة من السماسرة وتجار الألم على الأراضي الصالحة للزراعة والتي تحتوى على ثروات هامة.
- التعامل الرعواني والتقليدي مع الأرض وتعثر التنمية والعصرنة بما يوحي بالبقاء في مرحلة حالة الطبيعة وعدم إدراك مرحلة التمدن اكتساح الحزام القصديري والبناء العمراني في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية للمناطق الخضراء.
- غياب الإجماع والاشتراك في التعهد بصيانة الأرض وحمايتها وهو ما يسهل عملية نقلها وإخفاء هوية المالكين الشرعيين لها.
رأس الأمر أن العرب أضاعوا أرضهم لأنهم:
- لم يوحدوا صفوفهم للدفاع عنها ولم ينظروا إلى تراب أوطانهم على أنه حق مشترك يجب الذود عليه.
- أثبتوا للعالم أنهم لم يعودا في حاجة للاستقرار عليها وباتوا يحلمون بالهجرة.
- تخلوا عن مبدأ السيادة في مقابل توفير لقمة العيش من طرف المستثمر الأجنبي.
الخطأ الكبير الذي اقترفه العرب في حق الأرض أنهم باتوا يتعاملون معها من زاوية ما يمنحه القانون الوضعي وانصرفوا عن اعتبارها حق تاريخي مقدس غير قابل للتفريط مهما كان المقابل ومهما كانت الظروف. ما يبينه اسبينوزا أن أصل الداء في غياب الديمقراطية وعدم تمكين السكان من التمتع والاستفادة من خيرات الأرض التي يسكنون عليها ومساعدتهم على تدبيرها وتعميرها وفلحها وأنسنتها ونراه في ذلك يقول:"يجب أن تكتسب الأرض وما يتعلق بها في نظر المواطنين قيمة تقاس بمدى حاجتهم إلى الاستقرار بها والذود عن حقهم المشترك أي عن حريتهم."[4]
إن ملكية الأرض ليست مسالة شخصية أو عشائرية ولا تتوقف على القانون والعرف بل هي مسالة جماعية مشتركة وذات رمزية محفورة في الذاكرة والمخيال ومرتبطة بالثقافة والعقيدة وتصل إلى حد القداسة ولا يجوز التفاوض بشأنها بسهولة والتعاطي معها دون مسؤولية.
لكن كيف نطالب الناس بالدفاع عن أرض لا يشعرون فيها أنهم أحرار ولا يمتلكون في مدنها قيمة المواطنة؟ أليس الإجماع الديمقراطي في تسيير الشأن العام هو المدخل الأساسي من أجل التمسك بمطلب السيادة على الأرض؟ فمتى يفهم العرب أن الدفاع عن الأرض العزيزة والمطالبة باستعادة ماهو مفتك منها يمر لامحالة عبر توفير شروط الحياة الحرة والكريمة فوقها؟
المرجع:
اسبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، تونس. 1999
[1] اسبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، تونس. 1999. ص77.
[2] اسبينوزا ، كتاب السياسة،. ص77.
[3] اسبينوزا ، كتاب السياسة،. ص77.
[4] اسبينوزا ، كتاب السياسة،. ص77.
الاثنين، مارس 29، 2010
نظرة كانط الفلسفية للدين
زهير الخويلدي
"يحتاج العقل البشري لفكرة الكمال التام التي يستخدمها كسلم يرجع إليه من أجل أن يتمكن من تحديد نفسه"[1].
إن السياق خوض في هذا المبحث هو الرد على من يربط التفكير الفلسفي الحر بالتشكيك في قدسية الدين ومن يتهم معظم الفلاسفة بالإلحاد وهم منه براء ويأتي أيضا لإبراز حضور المسألة الدينية كمنطلق نظري ومسطح محايثة أخلاقي لدي مفكري الحداثة والتنوير. ولكن السبب الأبرز هو البحث في خلفية اعتبار البعض من الكانطيين الجدد وخاصة جيل دولوز[2] كانط هو أول القائلين بموت الله على الصعيد النظري قبل نيتشه خاصة لما فرق بين المعرفة العلمية الخاضعة للتجربة والتفكير الفلسفي المبحر في التجريد وبين المظهر الخارجي الموصوف والجوهر الباطني الملغز وأكد استحالة معرفة الأشياء في ذاتها وأن الغيبيات هي موضوع للاعتقاد والتسليم فحسب ولما جعل البرهنة على وجود الله في نقد العقل المحض واحد من ثلاثة نقائض antinomie يقع فيها العقل البشري.
ربما تكون مثل هذه الآراء واحدة من المبررات التي جعلت تيار الوضعية المنطقية مع حلقة فيانا والعلمويون المغالون ينتزعون تأويلا ابستيمولوجيا من المدونة الكانطية الثرية وينظرون اليه باعتباره واحدا من المنهجيين الملحدين ومن الناقدين الجذريين للميتافيزيقا والدين والمشيدين للحداثة بالمعنى العلمي محتجين بقولته الشهيرة:"ما من ثورة في مجال العلم وإلا وكانت ثورة في مجال المنهج".
لكن ألم يستعد كانط بالأخلاق والدين ما كان قد أضاعه بالمعرفة والعلم؟ ألم يكن يترك زمنا معينا للإيمان أثناء الوقت الذي يتفرغ فيه للتأمل الفلسفي العميق والبحث العلمي الشاق؟
ما يعزز رأينا أن الفيلسوف الألماني كانط قد كتب أهم مؤلفاته "الدين في حدود العقل" و"دروس في النظرية الفلسفية للدين" ليس في مرحلته الوثوقية بل في مرحلته النقدية والتي توجها بنقد ملكة الحكم بعد أن قام بنقد العقل المحض ونقد العقل العملي. علاوة على ذلك يصرح كانط علنا بتصديقه الفلسفي وتعلقه للأبعاد الروحانية وتعطشه للمطلق بقوله:" لقد بدا لي أنه من الضروري أن أضع حدودا للمعرفة...لكي أترك المجال للإيمان."فهل يتناقض هذا التشبث بالموروث الديني مع النزعة النقدية عند فيلسوف الأنوار؟
من المعلوم أن كانط فيلسوف مسيحي يتهمه البعض خاصة نيتشه بالمثال الزهدي والطهرية والأخلاقوية ويؤمن بوجود الله وببعض العقائد الدينية المتفق عليها حتى في الديانات الأخرى مثل خلود الروح والغيب والبعث والجزاء وهو واضع النظرة الأخلاقية الأخروية للعالم على الأقل في نسختها الحديثة بعد أن كان سقراط وأفلاطون قد شيدا نسختها القديمة وابن سينا وابن خلدون نسختها الوسيطة. فماهو التصور الكانطي لفكرة الألوهية؟ وكيف برهن على وجود الله؟ وماهو موقفه من المسيحي؟ وهل تحرر من النظرة المسيحية المزدرية للديانات الأخرى وخاصة اليهودية والإسلام؟
إن استحال على كانط أن يثبت وجود الله عن طريق العقل النظري فإن المرور بطريق العقل العملي وبملكة الذوق ييسران له ذلك وخاصة عند الحديث عن الخير الأسمى أخلاقيا وعن الجليل والعائل جماليا. ولقد قادت نظرية وحدة الوجود الأخلاقية كانط إلى استعمال جملة من الحجج بغية البرهنة على وجود الله نذكر منها الحجة الأنطولوجية الموروثة عن القديس أوغسطين وديكارت والحجة الكوسمولوجية الآتية من أرسطو والتي عدلها كل من أفلوطين وفلاسفة العرب والمسلمين والحجة اللاهوتية الفيزيائية التي نشأت بين أحضان العلم وبلورها نيوتن كأحسن ما يكون وفق تيولوجيا عقلانية حديثة.
لقد توج كانط هذه المناقشة المتعالية مع اللاهوت الحديث ببناء تيولوجيا ذات قواعد أنطولوجية وكوسمولوجية وفيزيائية واخلاقية وتسلم بوجود صفات أخلاقية لله وبأن الإنسان في كل مكان يدرك الطبيعة الإلهية ويحصل له اليقين في المعتقدات الدينية عن طريق الأخلاق والدين الطبيعي والحاجة المدنية إلى التدين من أجل تعزيز مشاعر المحبة وسبل التواصل بين الأفراد في المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة.
والغريب أن كانط يقترح طريقين لمعرفة الله : الأول هو طريق الإيمان بالاعتماد على ما يكشفه الوحي من حقائق ومعارف وقصص ومبادئ. الثاني هو طريق المعرفة بواسطة البراهين والعلل وهي تعتمد على العقل. يميز كانط بين الاحتمالي والضروري في مجال المعرفة ويرى أن الاحتمالي يرتبط بأشياء العالم وأن الضروري يدرك بواسطة المفهوم ولا يقبل الاحتمال وحول معرفة الله يصرح ما يلي:" لهذا السبب لا يمكننا أن نقول البتة أنه من المحتمل أن يكون الله موجودا"[3]. ويبرر ذلك بأن الله موجود بالضرورة.
يكشف كانط على ثلاثة مسلمات بديهية حول الإيمان الأخلاقي بالألوهية والتناسق الغائي للكون والسببية الربانية ويعبر عنها كما يلي:
- في الله بوصفه سبب العالم
- في الله بوصفه خالق العالم
- في الله بوصفه سيد العالم
لو استنطقنا مثل هذه الصفات لتبين لنا أن الله فكرة أخلاقية لا تستقيم الحياة البشرية دونها وأن وظيفة السببية تعني المعقولية والنظام ، وأما وظيفة الخالقية فتعني المنبع والوجودية، في حين أن وظيفة السيادة تعني العناية والمحكومية. كما أن الأفكار التوجيهية الثلاثة: الله والروح والعالم هي مسلمات العقل التأملي التي يبني عليها نسق المعرفة وذلك بالتأليف بين انطباعات التجربة الحسية ومقولات الذهن عن طريق خطاطات المخيلة.
إذا كان مفهوم الدين عند كانط يعني:" شعورنا بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية"، فإن تصوره لله ينبني على اعتراف بالروح والملائكة والحرية الإنسانية وتحترم الشخص في إطار منظومة من الجزاء تعقلن الظاهرة الدينية وتقرا المسيحية من وجهة نظر أخلاق الواجب.
في هذا السياق يصرح كانط:"إن الوسيلة التي يطرحها الله لتعويض ما ينقصنا حتى نستحق أن نكون سعداء تظل عندئذ سرا غير نخترق من قبل العقل الذي يخصنا"[4]. فكيف يساهم احترام الواجب عن إرادة طيبة ونية سليمة في تحقيق الفعل الأخلاقي على الرغم من انه يؤجل مطلب تحصيل السعادة إلى العالم الآخر؟ وهل تخطي كانط فكرة الإله الضامن الديكارتية وفكرة الإله الحافظ الابستيمولوجية؟ وهل كان اقرب إلى اسبينوزا في نظريته حول وحدة الوجود والطبيعة-الله منه إلى فكرة لايبنتز عن التوافق البدئي والعدل الإلهي؟ لكن الإشكال الذي يظل عند كانط دون حل وألهم المفكرين بعده هو: ما مصدر وجود الشر في هذا العالم إذا كان الله طيبا وقادرا ومعتنيا به ؟
المرجع:
Kant, leçons sur la théorie philosophique de la religion, traduction par William Fink, livre de poche, librairie Générale Française, 1993.
[1] Kant, leçons sur la théorie philosophique de la religion, traduction par William Fink, livre de poche, librairie Générale Française, 1993,p.51.
[2] انظر كتابه العمدة الاختلاف والمعاودة الذي نشره عام 1969.
[3] Kant, leçons sur la théorie philosophique de la religion, p.158.
[4] Kant, leçons sur la théorie philosophique de la religion,p.202
الجمعة، مارس 12، 2010
أولية السؤال عن الآخر على السؤال عن الوجود عند لفيناس
ترجمة زهير الخويلدي
هل الأنطولوجيا المعاصرة هي أنطولوجيا أساسية؟[1]
يشكك عمونيال لفيناس في هذا المقال الذي يمهد للأثر الكبير "الكلية واللانهائي" الذي ظهر في 1961 في أسبقية الأنطولوجيا (معقولية الوجود).يعوض لفيناس السؤال عن الوجود بالإتيقا التي تتعهد بأن تكون في مرتبة الفلسفة الأولى كرد فعل ضد فلسفة هيدجر الذي تميزت الميتافيزيقا عنده بنسيان الوجود. وتعني الإتيقا انفتاح الأنا المطابق على غيرية الآخر. هكذا ينجز لفيناس قلبا في التراتبية المتبلورة مع هيدجر بين الوجود والموجود بمعنى أنه يطرح تفوق الموجود على الوجود والموجود ليس الخضوع للوجود المجهول بل التمعن في الموجود الآخر بوصفه وجهVisage . إن السؤال عن الآخر يفيض على السؤال عن الوجود.
1- أسبقية الأنطولوجيا:
هل تستند أسبقية الأنطولوجيا بالمقارنة مع اختصاصات المعرفة على واحدة من أكثر البديهيات لمعانا؟ ألا تتضمن كل معرفة بالعلاقات التي تربط أو تعارض الموجودات الواحدة بالأخرى سلفا فهم الفعل الذي توجد به هذه الموجودات وهذه العلاقات؟
أن نمفصل دلالة هذا الفعل – وأن نستعيد مشكل الأنطولوجيا- المحلول عند كل واحد بشكل ضمني، والمنجز في صورة نسيان- يعني، على ما يبدو، أن ننشئ حكمة أساسية دونها تبقى كل معرفة فلسفية أو علمية أو عمومية معرفة مبتذلة. إن كرامة البحوث الأنطولوجية المعاصرة مدينة لهذا الطابع الملح والأصلي لهذه البداهة. إن المفكرين بالارتكاز عليها قد ارتفعوا مباشرة فوق نواقص النوادي الأدبية من أجل أن يتنفسوا من جديد هواء المحاورات الكبرى لأفلاطون وللميتافيزيقا الأرسطية.
أن نضع هذه البداهة الأساسية موضع تساؤل هو مشروع جسور. لكن اقتحام الفلسفة عبر طرح هذا السؤال هو على الأقل صعود نحو المنبع في ماوراء الأدب ومشاكله المرضية.
2- الأنطولوجيا المعاصرة:
إن الأنطولوجيا المسماة أصيلة تتفق مع حدثية الوجود الزمني. وأن نفهم الوجود من جهة كونه موجود،- يعني أن نوجد الآن هنا. ليس لأن الآن- هنا يكشف ويطهر النفس بالبراهين التي يطرحها ويسمح لها حتى ببلوغ القابلية إزاء الوجود. وليس لأن الآن- هنا يفتح تاريخا حيث يسمح التقدم وحده بادراك فكرة الوجود. لا يستقي الأنا - هنا أفضليته الوجودية من الصعود الذي يقوم به ولا من الحضارة التي أوجدته. من هنا بدأ يتعلم فهم الوجود في هذه الاهتمامات الزمنية. إن الأنطولوجيا لا تبلغ منتهاها لما ينتصر الإنسان على وضعه وإنما عند التوتر نفسه الذي يضطلع به هذا الوضع.
هذه الإمكانية في تصور العرضية والحدثية ليس بوصفها وقائع ممنوحة للتعقل بل بوصفها فعل التعقل – هذه الإمكانية في إظهار انتقالية الفهم والقصد الدلالي في خامية الواقعة ومضامين معطاة- إمكانية مكتشفة بواسطة هوسرل ولكنها ارتبطت مع هيدجر بتعقل الوجود بصفة عامة- تمثل التجديد الكبير للأنطولوجيا المعاصرة. عندئذ لا يفترض فهم الوجود موقفا نظريا فقط بل كل تصرف بشري. كل الإنسان هو أنطولوجيا. إن أثره العلمي وحياته العاطفية وإشباعه لحاجياته ولشغله وحياته الاجتماعية تمفصل فهم الوجود أو الحقيقة وفق صرامة تضمن لكل واحد في هذه اللحظات وظيفة محددة. إن الوجود الذي يخصنا ينبع برمته من هذا الفهم- وهذا الأخير يتأثر بنسيان الوجود. ليس لأنه ثمة إنسان فإنه ثمة حقيقة. بل لأن الوجود بصفة عامة يظهر غير مفصول عن قبليته- ولأنه ثمة حقيقة، أو ،لو أردنا،لأن الوجود مدرك فأنه ثمة إنسانية...
3- إلتباسية الأنطولوجيا المعاصرة:
إن المماهاة بين فهم الوجود وثراء الوجود العيني تهدد أولا باختراق الانطولوجيا للوجود. هذه الفلسفة الوجودية التي رفضها هيدجر من جهته ليست سوى الأطروحة المرفوضة ولكن التي لا يمكن تفاديها في تصوره للأنطولوجيا. إن الوجود التاريخي الذي يهم الفيلسوف بالقياس إلى كونه أنطولوجيا يهم الناس والأدب لأنه وجود مأساوي. عندما يقع الخلط بين الفلسفة والحياة، لم يعد المرء يعرف أنه يجنح إلى الفلسفة لأنها تعاش أو يتشبث بالحياة لأنها فلسفية. إن الإسهام الجوهري للأنطولوجيا الجديدة قد يظهر في معارضتها للتعقلية الكلاسيكية. فأن نفهم الأداة ليس أن نشاهدها بل أن نعرف نستعملها، وأن نعرف وضعنا من الواقع ليس أن نكتفي بتعريفه بل أن نوجده في انعطاء عاطفي، وأن نفهم الوجود يعني أن نوجد. كل هذا يشير على ما يبدو إلى قطيعة البنية النظرية للفكر الغربي. أن نفكر لا يعني البتة أن نتأمل وإنما أن نلتزم وأن نكون محاطين بما نفكر فيه وأن نكون متشابكين- مع الحدث الدرامي للوجود في العالم.
إن الكوميديا تبدأ مع الأكثر بساطة من حركاتنا. وإنها تتصرف جميعها وفق خطا لا يمكن تفاديه. اذ عندما أمدد يدي لتقريب كرسي فإنني أجرح فخذ جليسي وارسم خطا في المكان وأجعل مطفأة سجائري تسقط . وبفعل ما أردت فعله أكون قد فعلت ألف شي لم أرده. إن الحركة لم تكن خالصة لأنني تركت آثارا. ولما سعيت إلى محو هذه الآثار فإنني تركت آثارا أخرى. لقد طبق شارلوك هلمز علمه على هذه واحدة من محاولاتي الكبيرة وغير قابل للاختزال ومن هنا أمكن للكوميديا أن تدور حول التراجيديا. ولما يعود خطأ الحركة على الهدف المتبع فأننا نكون في حضن التراجيديا.
يقوم لايوس بما يجب القيام به من أجل التخلي عن التخمينات الرهيفة ومن أجل أن يتم استكمالها. إن أوديب يهتم ببؤسه لكي يتفوق. مثل الفريسة التي تهرب من ضجيج الصيادين على طبقة الثلج السميكة في خط مستقيم ولكنها تترك بالتحديد الآثار التي تؤدي إلى ضياعها.
هكذا نكون مسؤولين عن ماوراء قصدياتنا. ويستحيل علينا بالنسبة إلى النظرة التي توجه الحركة أن نتفادى الفعل بواسطة الانتباه. نحن نضع إصبعنا على الزناد والأشياء تسير ضدنا. هذا يعني أن الوعي الذي يخصنا وتحكمنا في الواقع عن طريق الوعي لا ينفذان إلى علاقتنا به ، حيث نكون حاضرين عبر كل السعة التي تخص الوجود. وأن لا يكون الوعي بالواقع متفقا مع سكننا الخاص في العالم – هذا هو الذي أنتج في فلسفة هايدغر ضغطا قويا في عالم الأدب.
بيد أن فلسفة الوجود تتلاشى أمام الأنطولوجيا. فعل اشتباك هذا وهذا الحدث الذي أكون فيه ملتزما ومرتبطا حيث أوجد مع ما ينبغي أن يكون موضوعي بواسطة روابط لا تختزل في أفكار، هذا الوجود يؤول بوصفه فهما. عندئذ يتعلق الطابع المتعدي لفعل عرف بفعل وجد.
إن الجملة الأولى من ميتافيزيقا أرسطو "كل الناس يرغبون بالطبع في المعرفة" تظل صحيحة بالنسبة إلى فلسفة كانت على الأخف قد خلقت مستهجنة من طرف المفكر. إن الانطولوجيا لا تأتي فقط لتسرع علاقاتنا العملية مع الوجود مثلما يسرع تأمل الماهيات في الكتاب العاشر من اتيقا إلى نيقوماخوس الفضائل. إن الأنطولوجيا هي ماهية كل علاقة مع الموجودات وحتى كل علاقة مع الوجود. ألا ينتمي الفعل الذي يكون به الموجود مفتوحا إلى فعل وجوده عينه؟ إن الوجود العيني الذي يخصنا يؤول وفق وظيفة دخوله في انفتاح الوجود بصفة عامة. إننا نوجد ضمن حلقة ذكاء مع الواقع- الذكاء هو الحدث عينه الذي يتمفصل معه الوجود. وكل عدم فهم ليس سوى ضرب من الانكماش في الفهم. هكذا يحدث أن تحليل الوجود وما يمكن أن نسميه إنيته Ecceité ليس إلا وصفا لماهية الحقيقة وشرط المعقولية ذاتها للوجود.
4- الغير بوصفه محاور
يرتكز الفهم عند هايدغر في نهاية المطاف على انفتاح الوجود (...) ويتمثل ذكاء الموجود حينئذ في الذهاب إلى ماوراء الموجود – في الانفتاح تحديدا – والعمل على إدراكه في أفق الوجود. هذا يعني أن الفهم عند هايدغر يلتقي بالتقليد الكبير للفلسفة الغربية: أن نفهم الوجود المخصوص يعني من الآن فصاعدا أن ننتقل إلى ماوراء الخصوصي – وان نفهم يعني أن نتصل بالخصوصي الذي وحده هو الموجود بواسطة المعرفة التي هي دائما معرفة بالكوني. لا يمكن أن نعارض المفضولات الشخصية بالتراث العجيب الذي يواصله هايدغر. ولا يمكن أن نفضل علاقة مع الموجود بوصفه شرط الأنطولوجيا على الأطروحة الأساسية التي بمقتضاها كل علاقة مع موجود خصوصي تفترض الحميمية أو نسيان الوجود.
وقعنا في الاختزال على ما يبدو منذ أن التزمنا بالتفكير وتحديدا للأسباب ذاتها التي منذ أفلاطون أخضعت الإحساس بالخصوصي للمعرفة بالكلي والعلاقات بين الموجودات لبنى الوجود والميتافيزيقا للأنطولوجيا والوجودي للوجوداني. فكيف عندئذ يمكن أن تكون العلاقة مع الموجود منذ البدء شيئا مغايرا لفهمه كموجود – وفعل التحرر يتيح له أن يوجد باعتباره موجودا؟
ما عدى الغير. إن العلاقة التي تربطنا به تتمثل بكل تأكيد في أن نريد فهمه لكن هذه العلاقة تتجاوز الفهم. وذلك ليس فقط لأن معرفة الغير تقتضي، خارج الفضول، أيضا التعاطف أو الحب وهي طرق وجود متميزة من التأمل المتعمق. ولكن لأن هذا الأخير لا يؤثر فينا في علاقتنا الخاصة مع الغير بالانطلاق من مفهوم. انه موجود ويعد كذلك.
هنا يعترض المنتمي إلى الأنطولوجيا ألا يشير قول الموجود من الآن فصاعدا إلى أنه هو الذي يهمنا من خلال اشراقة الوجود وتبعا لذلك يتحول إلى انفتاح على الوجود، وهو الذي قد تبلور منذ البدء في حضن الفهم؟ وماذا يعني بالفعل استقلال الموجود إن لم يكن إحالته على الأنطولوجيا؟
أن نتعلق بالموجود من حيث هو موجود يعني بالنسبة إلى هايدغر أن نسمح الموجود بأن يوجد وأن نفهمه بوصفه مستقلا عن الإدراك الذي يكتشفه ويدركه. انه ينعطى بواسطة هذا الفهم تحديدا بوصفه موجودا وليس فقط بوصفه موضوعا. إن الوجود مع الغير – Miteinandersein – يرتكز حينئذ بالنسبة إلى هايدغر على العلاقة الأنطولوجية.
نحن نجيب: إلا يتعلق الأمر في علاقتنا الخاصة مع الغير بالسماح بالوجود؟ وألا يستكمل الغير استقلاليته في دوره الخاص بالحوار؟ هل نفهم الذي نتحدث معه في وجوده منذ الوهلة الأولى؟
كلا. ليس الغير موضوع فهم أولا ومحاور بعد ذلك. إن العلاقتين تتطابقان. وبعبارة أخرى إن فهم الآخر لا ينفصل عن التضرع إليه Invocation. أن نفهم شخصا ما يفيد من الآن فصاعدا أن نتحدث إليه. وأن نطرح وجود الغير بالسماح له بالوجود يعني إذن أن نحسن قبول هذا الوجود وأن نعيره الاهتمام. حسن القبول وإعارة الاهتمام لا تتطلب فهما ما ولا السماح بالوجود. إن الكلام يخط علاقة أصلية. إن الأمر يتعلق بادراك وظيفة اللغة ليس بوصفها خاضعة للوعي الذي نكونها من حضور الغير أو من مجاورته أو الاجتماع به، وإنما بوصفه شرط الحصول على هذا الوعي. يقينا، ينبغي أيضا أن نفسر لماذا لا يحتل حدث الكلام مكانه على مسطح الفهم. لماذا لا يتم توسيع معنى الفهم فعليا وفق الصياغة المشهورة الراجعة إلى الفنومنولوجيا؟ ولماذا لا يتم إظهار الاندماج مع الغير بوصفه الطابع الخاص لفهمه؟
هذا الأمر يبدو لنا مستحيلا. إن معالجة المواضيع المستعملة تؤول مثلا بوصفها أشكال من فهمها. لكن توسيع معنى المعرفة يتحقق في هذا المثال من خلال تجاوز المواضيع المعروفة. انه يكتمل رغم كل ما يبديه من التزام تأملي قبلي باستعمال الأدوات. إن الموجود في حضن الاستعمال يقع تجاوزه في الحركة نفسها التي تصل إليه- وإننا نتعرف في هذا الماوراء الضروري على الحضور بالقرب من المسار عينه من الفهم. إن هذا التجاوز لا يسمح فقط بالظهور الأولي للعالم عند كل مرة نمسك فيها بالاستعمالي كما يريد هايدغر. انه يرتسم أيضا في امتلاك واستهلاك الموضوع. ليس بهذه الصورة عندما يتعلق بعلاقتي مع الغير. لو أردنا هنا أيضا أن افهم الوجود في الغير وفي ماوراء خصوصيته الموجودية. إن الشخص الذي أوجد معه على صلة أسميه وجودا، ولكن عند تسميته بالوجود فاني أنادي عليه. إني لم أفكر فقط في كونه موجودا بل إني أتكلم معه. انه كان شريكي في حضن العلاقة التي يجب أن تجعلني حاضرا فقط. لقد تكلمت معه، بمعنى أني قمت بتخفيف الوجود الكوني الذي يتقمصه من أجل الاهتمام بالموجود الخاص كماهو. هنا يجب أن تفقد الصياغة "قبل أن أكون في علاقة بالوجود ينبغي أن أقوم بفهمه بوصفه وجودا" تطبيقها الصارم: عند فهم الوجود أقول له بالتوازي فهمي. إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا استطيع أن أقابله دون أن أعبر له عن هذه المقابلة نفسها. إن المقابلة تتميز عن المعرفة تحديدا بهذا. إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يمكن أن أقابله دون أن أعبر له عن هذه المقابلة ذاتها. ثمة في كل موقف تجاه الإنسانية الخلاص- وألا يكون رفضا للتخليص. إن الإدراك لا يتم إسقاطه نحو الأفق –حقل حريتي وقدرتي وملكيتي من أجل تحصله في هذا العمق المشترك للفرد. انه يرتبط بالفرد المحض.وبالموجود من حيث هو كذلك. وهذا يعني تحديدا، لو أردنا التعبير عنه بألفاظ الفهم، أن فهمي للموجود بماهو كذلك هو من الآن فصاعدا التعبير الذي أمنحه لهذا الفهم.
هذه الاستحالة في الاقتراب من الغير دون التكلم معه تعني هنا أن الفكر غير مفصول عن التعبير. لكن التعبير لا يتمثل في تحويل بشكل ما فكر يخص الغير إلى روح الغير. هذا نعرفه ليس فقط منذ هايدغر بل منذ سقراط. والتعبير لا يتمثل البتة في تمفصل الفهم الذي أتقاسمه منذ الآن مع الغير. إن التعبير يتمثل قبل كل مشاركة مع محتوى معين بواسطة الفهم في تشييد اجتماعية عبر علاقة لااختزالية بالنتيجة في الفهم. ليس العلاقة مع الغير أنطولوجية . وهذه الصلة بالغير الذي لا يختزل إلى تمثل للغير بل إلى التوسل له ،حيث التوسل لا يكون سابقا على الفهم، نسميه الدين. إن ماهية الخطاب هي صلاة. وما يميز الفكر الذي يقصد ربط الصلة مع شخص ما هو أنه في هذا الأخير يتمفصل منادي: ما سمي وجد وفي نفس الوقت هو ما وقعت مناداته.
5- الدلالة الإتيقية للغير:
عندما يتعلق الفهم بالموجود في انفتاحه على الوجود يعثر على دلالته من خلال الوجود. في هذا المعنى لا يتضرع إليه بل يسميه فقط وهكذا فإنه يستكمله بالنسبة إليه بعنف ونفي. والعنف هو نفي سلبي. وهذه الجزئية توصف في الفعل الذي يوجد فيه الموجود دون أن يضيع تحت قدرتي. إن النفي الجزئي الذي هو عنف ينفي استقلالية الموجود: انه يكون بالنسبة إليَّ. إن الامتلاك هو النمط الذي من خلاله يكون الموجود من جهة كونه موجود منفيا جزئيا. لا يتعلق الأمر فقط بالفعل الذي يكون به الموجود آلة وأداة- أي وسيلة، وإنما هو أيضا هدف – انه غذاء مستهلك وعند الشهوة يمنح ويقدم إليَّ.
إن الرؤية بكل يقين تقيس قدرتي على الموضوع غير أنها من الآن فصاعدا أصبحت شهوة. إن مقابلة الغير تتمثل في الفعل الذي لا أمتلكه بالرغم من امتداد هيمنتي عليه ومن عبوديته لي. انه لا يدخل البتة في انفتاح الوجود حيث أمسكه من الآن فصاعدا بوصفه داخل حقل حريتي. انه يأتي إلى مقابلتي ليس بالانطلاق من الوجود بصفة عامة. كل ما يأتيني منه بالانطلاق من الوجود بصفة عامة يمنح يقينا إلى فهمي والى امتلاكي. أنا افهمه بالانطلاق من تاريخه ومن وسطه ومن عاداته. وما يستعصى فيه عن الفهم يعني هو الموجود. وأنا لا أستطيع أن أنفيه جزئيا وفي العنف ندركه ونمتلكه بالانطلاق من الوجود بصفة عامة.إن الغير هو الموجود الوحيد حيث لا يمكن أن يعلن النفي سوى تاما: القتل. الغير هو الموجود الوحيد الذي يمكنني أن أرغب في قتله. يمكنني أن ارغب. ولكن هذه الإمكانية هي العكس الكي للقدرة. ان انتصار هذه القدرة يعني خسارتها كقدرة. إذ في اللحظة التي تحقق قدرتي على القتل يكون الغير قد تخلص مني. يمكنني بكل تأكيد أن أحقق هدفا عندما أقتل ويمكن أن أقتل مثلما أصطاد أو مثلما أقطع الشجار أو الحيوانات- لكنني إذن أبلغ الغير في انفتاح الوجود بصفة عامة بوصفه عنصر من العالم الذي أمسكه واني أتصوره من جهة الأفق. إني لم أنظر إليه من جهته المقابلة ولم ألتقي بوجهه. تقاس غواية النفي التام اللانهائي في هذه المحاولة واستحالتها – انه حضور الوجه. أن نكون في صلة مع الغير وجها لوجه – انه ليس القدرة على قتله. انه أيضا منزلة الخطاب (...)
سواء كانت العلاقة بالموجود توسل من خلال الوجه وفيما ما مضى خطابا وصلة بالعمق وبالأحرى مع أفق ما – ثقب من الأفق- وأن يكون مجاوري Mon prochain الموجود بامتياز فإن كل هذا يمكن أن يظهر مفاجئا جدا إذا ما رجعنا إلى تصور الموجود، غير الدال في حدا ذاته، ظلال لأفق لامع، وهو لا يحصل على دلالة إلا من خلال حضوره في الأفق. إن الوجه يعني آخرية Autrement. وفيه تكون المقاومة اللامتناهية للموجود في متناول قدرتنا وتثبت نفسها تحديدا ضد إرادة القتل التي تتحداها، بما أنها عارية تماما- وعري الوجه ليست مجرد صورة أسلوبية- انه يدل في حد ذاته. إننا لا نقدر حتى على التصريح بان الوجه يكون انفتاحا، هذا سيؤدي إلى جعله أمرا نسبيا بالمقارنة مع الوفرة المحدقة
هل يمكن أن يكون للأشياء وجوها؟ أليس الفن هو الفاعلية التي تعطي وجوها للأشياء؟ ألا تكون واجهة منزل هو منزل يشاهدنا؟ إن التحليل الذي قادنا إلى هنا لا يمنحنا الجواب الكافي. مع ذلك نحن نطلب لو أحجمنا عن الجمع بين الانطلاق المجهول والفاتن والمدهش للإيقاع في الفن والاجتماعية والوجه والكلام. نحن نقترح دلالية الوجه ضد الفهم والدلالة الحاصلة نتيجة الأفق.
هل تمكننا الإشارات المختصرة التي من خلالها أنتجنا هذا المعنى من أن نستشف دوره في الفهم في حد ذاته وكل الشروط التي يرسمها حقل العلاقات المعرض للعطب؟ إن ما نتوقعه يبدو لنا قد لمحت إليه على الأقل فلسفة كانط العملية والتي نشعر بأنفسنا قريبين منها بالخصوص.
في ماذا لم تكون النظرة إلى الوجه نظرة بل استماع وكلام- وكيف أمكن لمقابلة الوجه بمعنى الوعي الأخلاقي- أن توصف باعتبارها شرط الوعي القصير جدا وللانكشاف، وكيف يثبت الوعي نفسه بوصفه استحالة ارتكاب الجرم، وماهي شروط ظهور الوجه، بمعنى الغواية واستحالة القتل، كيف أستطيع أن اظهر إلى نفسي بوصفي وجه، وفي النهاية وفق أية مقياس تكون العلاقة مع الغير أو مع التشاركية هي العلاقة التي تخصنا واللامختزلة إلى الفهم، ومع اللانهائي- هذه هي المباحث التي تشتق من هذه المنازعة الأولى مع أولوية الأنطولوجيا. ما انفك البحث الفلسفي في كل الأحوال بالاقتناع بالتفكير في الذات أو في الوجود. إن التفكير لا يسلمنا إلى سرد المغامرة الشخصية لنفس شخصية تعود إلى ذاتها بلا انقطاع حتى وان كانت تظهر في حالة فرار. إن الانساني لا يمنح نفسه إلا في علاقة غير متكافئة."[2]
Extrait de Revue de métaphysique et de morale « l’ontologie est-elle fondamentale ? », Janvier 1951, PUF, pp.88-98.
[1] Anthologie, les grandes questions de la philosophie, Textes réunis et présentés par Marie-Reine Morville, Delagrave Edition, 2001.p.p.77.86
[2] Emmanuel Levinas, in Anthologie, les grandes questions de la philosophie, Textes réunis et présentés par Marie-Reine Morville, Delagrave Edition, 2001.p.p.81.86.
الأحد، مارس 07، 2010
واقع المرأة العربية بين الدين والعولمة
زهير الخويلدي
" من لا تدافع عن نفسها تنتهي إلى القعود أمام الموقد"[1]
استهلال:
ما يلفت الانتباه ويمكن ملاحظته في عصر العولمة هو إعادة تعريف الإنسان كرجل ومعاملته كرقم رياضي ومادة معدة للاستعمال وما يحدث هو سحب النساء بقوة إلى أماكن عمل ليست مؤهلة لها وإجبارهن على إتباع أساليب معيشية تغير قيم حياتهن وتقلبها رأسا على عقب. إن العولمة مارست قوة تأثير كبيرة على عوالم الحياة والعمل بالنسبة إلى النساء، وان اتجاهات التصنيع وزحف الثورة الرقمية ومتطلبات العيش المشطة كثيرا ما كانت متعارضة مع آمال المرأة وتطلعاتها.
الإشكال الذي يطرح هاهنا هو التالي: هل أن خروج المرأة إلى العمل في زمن العولمة هو دفعة قوية نحو التحرير أم أنه عمل قسري أوقعها في الاغتراب والعبودية الجديدة؟ هل تطالب المرأة بالمساواة والحرية أم بالكرامة والحقوق؟ وما الحل للخروج من هذه المفارقة : "تحترم النساء من جهة ككاسبات للنقود ومن جهة أخرى يحتقرن لأنهن خرقن القواعد والأخلاق"؟ ألا ينبغي أن نميز بين المرأة العاملة والمرأة المائعة؟ ألا يحمي العمل المستقر واللائق المرأة أبد الدهر؟ هل أسندت العولمة الراحة للرجال والعمل للنساء؟ كيف نقضي على الفوارق بين الجنسين في التشغيل؟ وهل يمكن أن تساعدنا الأديان وخصوصا الإسلام على رسم صورة جميلة للمرأة؟ من هو أفضل صديق للمرأة؟ هل هو المجتمع أم الدولة؟ هل هو القانون أم الدين؟ كيف ارتبط تحرير المرأة في الإسلام بتجديد النظر الفقهي إلى الإنسان وتحريك مسألة الاجتهاد والتأويل العلمي؟ وما السبيل إلى إنهاء كافة أشكال التمييز ضد النساء وتتحقق المساواة الكاملة التي لا تتجزأ؟ هل النسوية حركة حقوقية أم حركة سياسية؟ وهل هي معطى طبيعي أم مسألة ثقافية؟ وما سر تعرض الحركات النسوية للهجوم من قبل الحركات اليسارية والجماعات الدينية على السواء؟
ما نراهن عليه هو تفادي التفاوت والتمييز والتوظيف بالنسبة لقضية المرأة والعمل على تغيير الذهنيات وتحقيق الثورة الثقافية بتحقيق الاعتراف التام بالمساواة والكرامة للجنسين.
1- وضعية المرأة في زمن العولمة:
"ليست العولمة بالنسبة للنساء في كل أنحاء العالم عملية تجريدية على مسرح مرتفع، انها حاضرة وملموسة"[2].
لقد تبين بالكاشف أن العولمة زادت من أشكال اللامساواة والتفاوت بين الرجل والمرأة، فالسوق المالية العالمية هي رجالية وبيضاء ولم يقتحمها سوى ثلة من النساء، كما أن الأعمال الشاقة والقذرة مثل النسيج والتنظيف والطبخ والفلاحة والصناعة والرعاية والإدارة تقوم بها في معظمها المرأة وبأجور منخفضة وظروف عمل غير إنسانية.
تلخص الكاتبة الألمانية كريستا فيشتريش مأساة المرأة زمن العولمة كما يلي:
- زيادة التشغيل الهش ضمن علاقات إنتاج منخفضة الأجر وتحولها إلى أداة للخدمة في جميع أنحاء العالم.
- معايشة عالم استهلاك مفرط وعدم القدرة على تلبية الحاجيات.
- تنامي الواجبات الاجتماعية والبحث عن هوية جديدة ضمن إطار اجتماعي تزداد فيه الفوارق
- التعرض إلى أشكال من العنف المرتبط بالجنس وتزايد المنافسة والطلب عليهن من طرف الشركات.
- استعمال جسد المرأة وصورتها في الدعاية والإشهار في ترويج وتسويق المنتجات الرأسمالية.
- تشغيل المرأة يتم بشكل نمطي وفي أوقات الحاجة وحسب المزاج وتحرم من إجازات الحمل والولادة والأمومة.
- عودة محافظة إلى الوراء بإسنادها الأدوار التقليدية والمطالبة بتكثيف الرقابة الأبوية.
ما تدفعه المرأة من ثمن هو ظروف عمل بائسة ورتيبة تفقدها الطاقة والصحة مع غياب الرعاية الاجتماعية وتتمتع بحقوق ضئيلة وأجر لا يضمن عيش كريم وتدخلها في تبعية جديدة وابتزاز المؤجر.
إن ما يطلبه السوق العالمية من المرأة هو فقط أن تكون "رخيصة ونشطة ومرنة" لكي تحصل على مركز عمل في قطاع الخدمات ولكن الغرض الحقيقي هو انجاز خطة تكاملية نيوليبرالية تكسب النساء ككتلة سوق لا غير وتسطو على مكانتها القديمة وتقوم بتحويلها السريع نحو عالم الإنتاج والتبادل والاستهلاك.
إن العولمة تقذف بالمرأة إلى الخارج وبسرعة دون ضمانات وبلا رحمة ولا شفقة والمهم هو الاستفادة منها وتوظيفها في جعل الاقتصاد يزدهر والاستمتاع بمحاسنها في أروقة عروض الأزياء بدل الاكتفاء بدورها التقليدي وتحميلها مسؤولية اجتماعية والمحافظة على قيمتها ضمن ملامحها التربوية القديمة.
إن "المرأة المعولمة" تبحث عن هوية جديدة لها ضمن عالم ذكوري أشد ضراوة وتستخدم كاحتياطي متحفز بالنسبة إلى منطق رأسمال وتتجاذبها آليات الإنتاج والاستعراض والترويج والاستهلاك. لقد عاد التقسيم القديم في العمل بين مهن للرجال ومهن للنساء ولكن ضمن منظور معولم جديد حيث تقوم المرأة بكل شيء ويجلس الرجل في مقعد الإشراف واتخاذ القرار بالطرد التعسفي وحصاد المحصول وجني الأرباح والمتع. لقد ارتفعت نسب تشغيل النساء في المصانع ومراكز التركيب والتوظيف إلى معدلات ضخمة ووجدت مهن نموذجية للنساء ونظر إليهن كجهاز تسخين نمو الاقتصاد إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن تأنيث التشغيل لكونهن يمتلكن أصابع حاذقة.
الغريب أن دخول المرأة إلى العمل في المصنع جعل رأس المال خفيف الحركة أكثر من ذي قبل لأن قوى الإنتاج هن شابات مرنات نشيطات ومطيعات صبورات مستعدات لقبول أي أجر والقيام بساعات عمل إضافية ولا يكترثن بالإنهاك والتعب وينتظرن حصة الاستقلال وزمن الراحة بعيدا عن العائلة والذي أحدث لديهن "تحولا ثقافيا كبيرا". كل ذلك يحدث والمرأة لا تقدر أن تتحول إلى معيلة للعائلة بل تكتفي فقط بجلب دخلا إضافيا لا يسد الرمق وذلك لأن الأجر الذي تتقاضاه لم يبارح الحد الأدنى. تعاني المرأة من الحط من الكرامة وذلك عن طريق الاستقطاع من الأجر والشتم عند الخطأ المهني والطرد التعسفي والإجراءات التأديبية في حالة تعرض موقع عملها إلى أزمة أو الإفلاس وغالب ما تجد نفسها كائنا غير مرغوب فيها وعبئا ثقيلا على المشغل أو المصنع. لقد وقع تفقير المرأة من الكرامة في سبيل إخراج المجتمع من حالة الفقر ولكن الرابح هو دوما شركات وهمية بارعة في الاحتيال والمتاجرة بآلام النساء.
"هكذا تتحول النساء إلى عاملات مؤقتات أو ثانويات لأسواق بعيدة دون حقوق"[3]. فهل ترضى الشرائع والأديان بهذا الجرم الذي اقترفته العولمة بحق النساء؟
2- المرأة والمساواة في الإسلام:
" يا فاطمة أحسني سلوكك لأن مكرماتك هي التي تشفع لك عند الله وأن أبك لا يغني عنك من الله شيئا"[4]
يعتقد البعض خطآ ،ذكورا وإناثا، أن القول بالمساواة بين الجنسين يؤدي إلى الإخلال بقواعد الإيمان وأن الانتماء إلى الإسلام على أي جهة كانت لا يؤدي بالضرورة إلى تبني خيار المساواة وينطلق أصحاب هذا الرأي من فكرة خاطئة عن نظرة الأديان إلى المرأة ويستندون إلى تصورات تقليدية من الإسلام تقلل من دور الأنثى وتجعله في مكانة منقوصة بالمقارنة مع الذكر. وهذا كله جهل في جهل لأن التعامل المستنير مع الإسلام والنظر إليه بتبصر وعقلانية يؤدي إلى استنتاج معاكس ويفضى إلى القول بأن مكانة المرأة مرموقة في حضارة اقرأ ودورها طليعي وحيوي وعلاقتها بالرجل هي علاقة ندية سوية وتشاركية تفاعلية. إن النساء شقائق الرجال في الإسلام وتركيز البعض على نصيب الضعف في الميراث ومسألة القوامة يحتاج إلى تدبر وتأويل. لاسيما وأن حقوق النساء بما في ذلك المساواة جزء من حقوق الإنسان في الإسلام. ماهي المسلمات الذهنية عن الناس في حضارة اقرأ التي دفعتهم إلى تبني نظرة نفعية أداتية للمرأة؟ ما سبب تشكل الصورة الزائفة للإسلام عن المرأة؟ هل أن السبب هو التقاليد الفلسفية الماورائية الموروثة عن الإغريق والشرقيين أم أن الفتاوي الفقهية الظنية والتآويل الحرفية هي التي تقف وراء ذلك؟ كيف السبيل إلى نحت صورة ايجابية مساواتية في الإسلام؟
إن العودة إلى كتاب الثعالبي روح التحرر في القرآن تمكننا من الرد على هذه الإشكاليات والإقرار بأن استبعاد النساء وتحريم الظهور بين العموم على النساء واشتراط وضع ستار على الجسد باسم تجنب ارتكاب الفواحش وهتك الأخلاق قد كانت له أسوأ العواقب وأشد النتائج العكسية مثل التبديد وسوء التدبير عند الرجال والحرمان من الجمال والحصول على نماذج من النساء قاصرات غير قادرات على التصرف في بعض المكاسب الذاتية مثل ما ترثه من ثروات ، يقول الثعالبي:" فهذه المرأة التي لم تعرف لأي شيء قط من الحياة، هل يمكنها أن تحسن التصرف؟ وهل يمكنها أن تعرف أي شيء عن العالم الخارجي؟ وهل يمكنها أن تدرك قيمة أو أهمية شيء ما؟"[5]
هكذا يدعو الثعالبي إلى تحرير "المرأة المسلمة" ويرفض الانزواء وشرط انفرادها بصحبة أحد المحارم ويحمل على منطق الوكالة والوصاية القانونية التي يمارسها عليها الرجل ويتناقض مع وجوب الستر والإخفاء والحجب تفاديا للفتنة والشذوذ وسوء الآداب ويربط ذلك بالكشف عن الوجه وحسن تربيتها وإعدادها إذ يصرح حول هذا الموضوع:"لو كان التعليم الإجباري واقعا مكتسبا لتمتعت المرأة بكامل حقوقها ولأدركت أنه لا وجود لأي نص يفرض عليها ستر وجهها ولا لأي نص يحكم عليها بالانزواء في بيتها كأنها في سجن ولعلمت أن من واجبها رعاية مصالحها ومصالح أبنائها والتفكير في مستقبلهم ومراقبة تعليمهم وتربيتهم وأنه من الضروري أن تتمتع بحقها في احتلال مكانتها في البيت وأن تأخذ نصيبها من حقها في الحياة ونور الشمس على قدم المساواة مع الرجل"[6].
يستدل الثعالبي على ذلك بأمور خمسة:
- آيات الحجاب[7] تنطبق على نساء النبي وتفيد الاحتجاب عن الأنظار وليس ستر الوجه وبالنسبة إلى سائر النساء لا توجد أية آية تفرض عليهن الخروج محجبات.
- عادة ذم المرأة وستر الوجه عند النساء دخيلة على العرب والمسلمين وقد جاءتهم من الفرس واليونان والروايات الشرقية المنقولة إليهم عن الأمم الغابرة.
- الحالة البيولوجية والنفسية تعرف بعض التوتر عند الحمل والمحيض والنفاس وتستوجب الانزواء المؤقت والعناية بالذات تصديقا لقول الحبيب الكريم:"يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" أي الوجه والكفين.
- لا وجود لأي حكم شرعي يحرم على المرأة المسلمة إظهار وجهها بل انه يحل لها أن تظهر بين العموم وتشتغل شرط التزام العفة وحسن الهيئة وإظهار الزينة للزوج[8].
- إجبار المرأة على التربية والتعليم وسيلة حاسمة لتثقيفها وتوعيتها وشرط كاف لتمكينها من سلاح تدافع به عن حقوقها وتنهض بواجباتها،لاسيما وأن "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".
النتائج التي انتهى إليها الشيخ الثعالبي تتمثل في ما يلي:" إن خلع ذلك الحجاب معناه تحرير المرأة المسلمة وإشهار الحرب على التعصب والجهالة ونشر أفكار التقدم والحضارة وصيانة المصالح العليا للأسرة والتراث العائلي."[9] ثم بعد ذلك يجوز أن تكون المرأة إمامة على المسلمين وآيته في ذلك قول الرسول عليه السلام:" أيها المؤمنون خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء".
كما تطرق هذا المصلح الزيتوني إلى حرية المعتقد عند المرأة وإمكانية زواج الرجل بغير المسلمة وذلك بقوله:" آية قرآنية[10] تبيح أيضا الزواج باليهوديات أو المسيحيات دون أن ينجر عن ذلك الزواج إرغامهن لا فحسب على الارتداد عن دينهن واعتناق دين أزواجهن بل أيضا على عدم ممارسة واجباتهن الدينية. أضف إلى ذلك أن الرسول صلعم قد أمر المسلم في أحاديثه الشريفة باحترام ديانة زوجته ومساعدتها على إقامة شعائرها الدينية بكل حرية ومصاحبتها"[11] إلى أماكن العبادة إن اقتضى الأمر ذلك.
فهل يجوز لنا القول بأن الحجاب بالنسبة إلى المرأة هو مسألة شخصية وهو رمز ثقافي يرتبط بالهوية وليست له أية إيحاءات دينية؟ وألا ينبغي أن نرفض نزعه بالقوة وفرضه بالقوة كما يحدث اليوم؟ وهل من المشروع التأويل بأن الإسلام ينتصر إلى فكرة المساواة الاجتماعية والقانونية بين الذكر والأنثى في إطار التكامل والتساكن القائم بينهما؟ إلى أي مدى يكون مشروع قيام حركة نسوية إسلامية أمرا ممكنا؟
يؤكد خليل عبد الكريم هذه الفكرة بقوله:"إن المرأة مخلوق سوى كالرجل لها كافة الجوانب مثله تماما: العاطفية الوجدانية والعقلية والنفسية والروحية..الخ، ومن حقها أن تعيش حياتها كالرجل مع مراعاة الفروق البيولوجية بينهما ولا يتصور أن مجتمعا يخالف ذلك يكون مجتمعا صحيحا"[12].
ينتصر شيخ الأزهر الأحمر إلى الرأي التجديدي في الإسلام الذي يمكن المرأة من أن تتمتع بكامل حقوقها ويركز على الزواج والعبادة والتفقه في الدين ويبحث في تجويد النظرة إليها وإعطائها مكانة تليق بها في المجتمع مما يساعدها على أداء وظيفتها على أحسن وجه بخلاف التفسير التقليدي الذي يحط من شأنها. يرفع الإسلام عن المرأة كل أشكال الضغوطات والتحرشات ويخفف عنها التكاليف وييسر لها أركان الدين ويمنحها حقوق وحريات في إطار آداب العشرة مع زوجها تبدأ بأخذ رأيها في الزوج بحرية تامة وحقها في رؤية خطيبها قبل عقد القران وتعرج على شرعية مقابلتها و ضيافتها للرجل في غياب زوجها وتنتهي بحقها في الاعتراض على طريقة مباشرة زوجها لها وطلب الطلاق وفصم عروة الزوجية إن كرهت الارتباط به ووجدت عنده عنة.
إن المرأة في الإسلام موضع تبجيل واحترام يصل إلى حد تمتعها بحق الدلال وإظهار الحسن والجمال ولكنها في الآن نفسه تقف جنبا إلى جنب مع الرجل في طلب العلم وفي ممارسة العمل وفي زمن الحرب والدفاع عن الأوطان ووقت السلم وتنمية المجتمعات وترافقه في السراء والضراء.
إن الأخطاء التي وقع فيها المفسرون والتي جعلتهم يشكلون صورة دونية عن المرأة في الإسلام هي:
- المماثلة بين وضع المرأة بالنسبة للرجل ووضع العبد المملوك بالنسبة إلى سيده.
- المشاكلة بين نساء الدنيا ونساء الجنة كما يرسمهن القرآن والأحاديث في صورة حسية ودنيوية.
- الحكم عليها من منظور المجتمع البطريوركي ومكانتها من جهة منظومة القرابة بمركز السلطة .
فمتى نتوقف عن اعتبار وظيفة المرأة هو مجرد إرضاء رغبات الزوج وخدمة أولي الأمر في المجتمع ؟ وألا ينبغي أن نؤهلها لكي تكون قادرة على الرفض والمقاومة وزعزعة أركان التصورات التقليدية والمجتمع البطريوركي؟
هناك فرق شاسع بين تكريم المرأة في النصوص الأصلية ومنزلتها في عهد التأسيس وفي التجربة النبوية وبين تحقير المرأة من طرف بعض الفقهاء والتقليديين ووضعها القانوني والاجتماعي المتدني في عصور الانحطاط وينتهي خليل عبد الكريم إلى القول:"إن الإسلام ليس مسؤولا عن تلك غير الصحيحة التي تشكلت عبر مصادر لم تستمد منه مباشرة، حتى الكتب التي يؤلفها مسلمون يوصفون بالحماس لدينهم فإن ما تحفل به لا يكون بالضرورة ملزما للإسلام أو حجة عليه، لأننا نعتقد أن مشكلة المرأة في الوطن العربي هي جزء من مشكلة هذا الوطن كله والذي يتناول مشكلة المرأة بالحديث أو حتى بالبحث والتمحيص لا يكون في تناوله بعيدا عن الأزمات التي تحيط بهذا الوطن حتى وان حاول أن يبدو موضوعيا أو محايدا"[13].
خاتمة:
"القرآن يحرر المرأة فيتحدث عن الوضع المتدني للمرأة في الجاهلية وكيف نهض بها القرآن فاعترف بإنسانيتها. وأنها ليست مجرد أنثى، ولكن إنسان لها كالرجل- حقوق وعليها واجبات فهي بهذا تتساوى معه في التكاليف والثواب والعقاب، كما أن الآية الفريدة [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله] تفتح آفاق المجتمع، والعمل فيه أمام المرأة كالرجل سواء بسواء"[14].
مجمل القول أن الإسلام يدعو إلى احترام خلقة الطبيعة وسنن الكون ويدعو الى الاحتشام والعفة وينفي وجود صراع وجودي في التكوين بين الذكر والأنثى لأنهما ينتميان إلى النوع البشري ولكنه يلعن الفجور و تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال ويجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكاملية تعادلية لاسيما وأنه سكن لها وهي سكن له ويعطي للمرأة كامل حقوقها بشكل متساو مع الرجل وخاصة الحياة والحرية والملكية والمسؤولية القانونية وإدارة الأعمال. لكن العولمة وما حملته من مآسي أثرت على وضعية المرأة تأثيرا كبيرا وجعلتها تتساوى أو تفوق الرجل في المعاناة ومعايشة أوضاع بائسة على مستوى الأجر والحقوق المدنية مثل الرعاية والسكن والتنقل. ألم يقل الرسول عليه السلام:"الجنة تحت أقدام الأمهات" وذكر في المأثور أن المرأة نصف المجتمع إن أعددتها إعدادا حسنا فكأنك أعددت جيلا كاملا.
اللافت للنظر أن خروج المرأة للعمل ضاعف العبء الذي ينبغي أن تتحمله وزادها مشقة جديدة إلى جانب مشقة تدبير شؤون المنزل والعناية بتربية الأطفال وهو ما عقد وضعية العائلة ودفع الرجل إلى تقاسم هذا الانشغال معها دون أن يوفق هو في الداخل وأن تحقق هي انجازات كبيرة في الخارج. وما نلاحظه أن وجه المرأة العربية يوحي بالتحديث ولكن ساقها مازالت غاطسة في وحل التقليد وأن هموم الوطن والأمة ومشاكل الاستبداد والاستعمار والفقر والمرض والبطالة تؤثر بشكل كبير في وضعيات النساء العربيات وتجعلهن يكابدن العديد من الصعوبات التي تمنعهن من الحلم بنيل ابسط الحقوق.
إن مصادرة حقوق النساء يحدث عند العرب باسم الأولويات: أولوية التحرير والتنمية والديمقراطية وحتى عندما يقع تبني مطالب المجموعات النسوية فإن ذلك من أجل التوظيف السياسي والاستثمار كقوة بشرية في العملية الانتخابية ومن أجل تجميل المشاريع الإيديولوجية الفاشلة يمينا ويسارا.
إن نضال المرأة في سبيل تمتعها بكامل حقوقها لا ينبغي أن يكون على حساب استضعاف الرجل والمس من حقوقه أيضا وإنما يقتضي احترام كرامته والتعامل معه كحبيب وشقيق وابن وزوج وأب وصديق.
إن الإنسان هو الذي يحدد ماهيته ومصيره وذلك بسبل اختياراته ونوعية أعماله وان المرأة هي ما تصنعه بنفسها ،فإن أرادت لنفسها الضرر والدونية تكون سببا للفساد وان سعت إلى الصلاح والنماء كانت مهجة الحياة وفردوس الوجود المشرق على الدوام وأم الإنسان معمر الكون والمستخلف في الأرض. فهل ينبغي تأهيل النساء من أجل الاندماج مع المحيط الخارجي أم يجب تأهيل الرجال من أجل الاعتراف بالمساواة والمشاركة الوجودية مع النساء؟ ألا ينبغي أن تتأسس حركة نسوية إسلامية من أجل عولمة بديلة تعمل على إنهاء كل أشكال التمييز والعنف والاستغلال؟ كيف يتحول خروج المرأة إلى قوة تغيير للمجتمع؟
فلنعمل معا في سبيل تخليص الذهنيات من النظرة الدونية إلى المرأة ولنفسح لها المجال حتى تساهم في التقدم والسمو بالوطن والإنسانية إلى أعلى مراتب المجد والتحضر.
المراجع:
خليل عبد الكريم، الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، نحو فكر إسلامي جديد، دار مصر المحروسة، القاهرة 2004.
جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، عن موقع دعوة الإحياء الإسلامي في القرن 21.
كريستا فيشتريش، المرأة والعولمة، ترجمة سالمة صالح، منشورات الجمل، كولونيا- بيروت،2002.
عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن، ترجمة حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1985.
كاتب فلسفي
--------------------------------------------------------------------------------
[1] كريستا فيشتريش، المرأة والعولمة، ترجمة سالمة صالح، منشورات الجمل، كولونيا،2002. ص.45.
[2] كريستا فيشتريش، المرأة والعولمة، ص.6.
[3] كريستا فيشتريش، المرأة والعولمة، ترجمة سالمة صالح، منشورات الجمل، كولونيا،2002. ص35.
[4] حديث للرسول صلعم رواه الطبري في التفسير ج9، ص119.
[5] عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن، ترجمة حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1985.ص32
[6] عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن،.ص32.
[7] الآية 53 من سورة الأحزاب
[8] الآية 31 من سورة النور
[9] عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن،.ص24.
[10] الآية 5 من سورة المائدة
[11] عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن،.ص101,
[12] خليل عبد الكريم، الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، نحو فكر إسلامي جديد،، دار مصر المحروسة، القاهرة 2004. ص232.
[13] خليل عبد الكريم، الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، نحو فكر إسلامي جديد،. ص195.
[14] جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، عن موقع دعوة الإحياء الإسلامي في القرن 21
الأحد، فبراير 28، 2010
هوية الشخص وثقافة الآخر
زهير الخويلدي
" لو غابت صورة "الشرق" المسبقة لجاء من الباحثين والنقاد والمفكرين والبشر من لا يولون لضروب التمييز العنصري والعرقي والقومي الأهمية التي يولونها للجهد المشترك في سبيل تعزيز التواصل والترابط البشري"1.
توطئة:
لقد فرض مشكل الهوية نفسه في السنوات الأخيرة على الجميع وبقوة وأصبح يتدخل حتى في الطرق البسيطة للناس في التفكير والفعل والشعور. وازداد الأمر حدة بعد تفجر العولمة واحتدام الحروب بين الأديان والصراع بين الثقافات. وقد تنزل على المقياس الاجتماعي في صورة الهوية الثقافية وعلى الصعيد الفردي في شكل الهوية الشخصية. ومن هذا المنظور أصبح لفظ الهوية مصطلحا باهتا ومفخخا ويتطلب اتخاذ مسافة نقدية معه. إذ يقود التناول الثقافي إلى اعتبار الهوية اعتبارا ماهويا ويسبب مواجهات ونزاعات تبدو البشرية في غنى عنها من أجل تجاوز حالة العنف وتوطيد أركان السلم. كما يسند التناول الفردي فكرة الجوهر إلى موجود شخصي حيث ينظر إلى الأنا على أنه اسطوانة تدور حولها كل معطيات الوجود الذاتي في حركة دائمة. في هذا الإطار تعالت الأصوات من أجل الشروع الجدي في تحقيق الذات واكتشاف الوجود الشخصي الباطني أو الأصيل وقد رسم التصور البنائي بشكل جدي الرهانات ووضع الحدود بالنسبة لقضية الهوية سواء الجماعية أو الفردية .
إن التفكير النظري يلعب هنا دورا أساسيا من أجل التحرر من التصورات المشتركة والأحكام االمسبقة الجوهرانية والقطع مع أسطورة الحميمي والكيفيات الخاصة التي غذت صدام الثقافات ووقفت وراء تصنيفات محور الشر ومحور الخير. إن الاستغراق في التفكير في شرطنا الانساني واتخاذ الوقت الكافي لذلك يكشف عن زيف الحركة العائدة إلى الأصل الأول ووهم القول بوجود كائنات منعزلة وأشياء خالصة وأعراق نقية. يزداد الرهان قيمة عندما يكون رفض الآخر هو الشرط الذي ينبغي توفيره من أجل إثبات الهوية والمحافظة على تماسك الثقافة الخصوصية وصيانتها من كل اختراق أو تهديد خارجي. لكن المفارقة التي ينبغي الإشارة إليها هي أن الآخر في زمن الأنترنت والعولمة وبعدما وقع اعتباره يشكل تهديدا افتراضيا ظل دائما غير مفهوم ووقع رسمه في شكل كاريكاتوري من أجل المسارعة بتحديد هويته.
إن حصول الأنا على كم هائل من المعلومات هو أمر ضروري من أجل فهم الغيرية الثقافية والاجتماعية للآخر. وان إثبات الهوية ليس بالأمر الهين بل مسألة دقيقة ومطلب شائك لاسيما وأن الهوية ليست لأمرا قابلا للتحديدات بشكل نهائي بل تظل محل بناء سواء على المستوى الجماعي أو الفردي. وربما الرهان النظري يتمثل في معرفة الآليات والخلفيات المنطقية التي تسمح ببناء الهويات الثقافية والشخصية. إن قضية الهوية تثار داخل الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والأنثربولوجيا وعلم النفس التحليلي وتجرى النقاشات الحادة بين المختصين ولكن هدف الجميع هو وضع حد التمثلات التي تسلم بوجود طبيعة هوياتية وهوية واحدة لحياة الأشخاص والمجموعات. فهل الإصرار على امتلاك هوية شخصية بالنسبة للأفراد والاعتراف بواقع تعدد الثقافات بالنسبة للجماعات يمثلان عائقا يحول دون بناء الحضارة الكونية؟
ماهي المسلمات والفرضيات الضمنية التي ترتكز عليها الخطابات والقرارات بشأن قضية الهوية؟ ما الفرق بين الثقافات القومية والحضارة الكونية؟ ألا توجد مفارقة في حرص البعض على الأصالة والمحافظة على الخصوصية والبحث عن طرق التحديث ومواكبة العصرنة وتبني وجهة نظر العقلانية العلمية والتقنية؟ ألا يجب التخلي عن الماضي الثقافي القديم من أجل القيام بالتحديث؟ أم أن الأمر يتعلق بايقاظ ثقافة قديمة نائمة من أجل المساهمة في صناعة الكونية؟ ماذا يحدث عندما تلتقي ثقافات متنوعة ومختلفة؟ هل يؤدي ذلك إلى صراع الهويات وتصادم الخصوصيات والتقاتل بين الجميع أم أن اللقاء يكون تفاعليا توليديا؟ لكن كيف يكون التقاء ثقافات متنوعة ممكنا؟ وما مصير قيم بعض الهويات عندما تصطدم بقيم ثقافات أخرى غازية ومتطورة؟ هل تموت بعض الخصوصيات من جراء العولمة أم أن عدة ثقافات تحافظ على نواتها الخلاقة؟ فما الذي يمثل الجوهر الإبداعي في أية ثقافة؟ وضمن أية شروط يمكن لهذه الإبداعية أن تستمر؟ وهل انفتاحها على الآخر يهددها أم يثريها؟ وهل من حل بالنسبة للهويات لمشكلات التواجد مع الآخر في العولمي؟ وماذا يعني أن تكون لك هوية عالمية وأن تفكر وتتصرف كمواطن عالمي أي باعتبارك كسموبوليتيا؟
ما نراهن عليه هو تفادي المقاربة الانعزالية الانفرادية للهوية التي ترى الكائنات البشرية أعضاء في جماعة واحدة وتقوم بتمييزهم على أساس لغوي أو ديني أو عرقي وثقافي، والتوجه نحو بناء فهم أوضح لتعددية الهوية الإنسانية من أجل أن يسود الانسجام والوئام والتفاعل بين مختلف الخصوصيات.
الهوية الشخصية:
" هنا مفهوم الشخص بوصفه غاية في حد ذاتها يأتي ليقيم التوازن مع مفهوم الإنسانية لأنه يدخل في صياغة الأمر المطلق نفسه التمييز بين شخصك وشخص كل بشري آخر. مع الشخص فقط تأتي التعددية"2.
لا تقتصر الهوية على ما يدركه الإنسان من ذاته بل تفيد بقاء الشخص هو عينه على الرغم من تغير الأحداث التي تطرأ عليه بناء على شعوره وتذكره للماضي ، إن الإنسان يملك هوية خاصة به على امتداد حياته حتى في ظل مروره بمراحل متعددة وخوضه لتجارب مختلفة. وتتمثل الهوية الشخصية للإنسان في وعيه بذاته وعند لوك في "اعتبار نفسه بمثابة الهوهو بوصفه شيئا واحدا في أزمنة وأماكن مختلفة وما يفعله بدافع الإحساس فقط بأفعاله الخاصة لا ينفصل عن الفكر بل يبدو ملازما له تماما."3
إن المقصود هو أن الهوية ليست جوهرانية ماهوية كما هو الأمر عند أرسطو ولا تقوم على تعالي الأنا أفكر عن العالم وعن الجسم المادي كما هو الشأن عند ديكارت بل متعينة في المادة وتقوم على تمايز الأفراد عن بعضهم البعض وتلازم بين الإحساس والفكر، ويضيف في السياق نفسه:"بما أن الإحساس يصحب دائما الفكر وأن كل امرئ يكون هاهنا هو عينه ما يسميه الذات عينها كما أنه يتميز عن أي شيء آخر يفكر فمن هذا الناحية فقط تكون الهوية الشخصية."4
يترتب عن هذا أن الإنسان يتميز عن الشخص، فالإنسان يمثل عضوية لا تختلف هويته عن هوية أي إنسان آخر، بينما الشخص هو محمول على ماهو مادي ونفسي معا بما يمكنه من أن يعتبر نفسه هو هو. هنا يرفض لوك التصور الميتافيزيقي الذي يختزل الهوية الشخصية في النفس ويعتبرها جوهرا لاماديا ويرفض كذلك التصور الفيزيولوجي الذي يماثل بين الأنا والعضوية. من أجل توضيح فكرته يفترض لوك أمير تنقل ذاكرته وتزرع في جسد اسكافي مما يثير الإشكال التالي: هل نكون أمام أمير يجد نفسه سجين جسد اسكافي أم نحن أمام اسكافي يعتبر نفسه أميرا؟
لقد كان الجواب على النحو التالي: إن الموجود المتشكل من جسد الاسكافي وذاكرة الأمير هو في نفس الوقت الإنسان عينه الذي يمثله الأمير والاسكافي لكونهما يمتلكان نفس الجسد ومادمت الذاكرة مستمرة الحضور بينهما. إن التذكر هو أساس استمرارية شعور الأنا باستمراريته لأنه يستلزم بقاء الأنا المتذكر هو عينه. نستخلص من ذلك أن الهوية الشخصية تحيل على ما تختص به الذات من تفرد ووحدة وتشمل الوعي بالذات وتمثل الفرد لها وبالتالي تعني حقيقة الشيء أو ما يكون به الشيء نفسه ، فهي حقيقة الشخص المشتملة على صفاته الجوهرية العينية وتشير إلى الخصوصية والوجود الفردي الذي لا يقع فيه اشتراك. ما يجدر ملاحظته هنا هو "أن نفهم الوجود الخاص هو أن نتموقع سلفا في ما وراء الخاص- وأن نرتبط بماهو خاص هو أن نعرف دوما بواسطة ماهو كوني".5
هكذا تقترب الهوية الشخصية من الهوية الذاتية والعينية وترتبط بالوحدة والتماثل والتطابق والمساواة وقد عبر معجم روبارت عن ذلك بتأكيده على أن الهوية تدل على الميزة الثابتة في الذات وركز على ماهو متماثل سواء تعلق الأمر باستمرارية الفرد مع نفسه أو مع الأشياء الخارجية.
إذا أردنا التوضيح أكثر فإننا نسمى هوية كل ما يتعلق بالتصورات الماهوية سواء تعلق الأمر بالمقاربات الذاتوية التي تفهم الهوية على أنها أنا ماهوي موحد وباطني أو بالمقاربات الموضوعية التي تفهم الهوية على أنها ماهية جماعية أو ثقافية مطروحة على الأفراد.
ينبغي أن نتخلى عن ايديولوجيا التمركز على الذات ونعترف بوهمية الأنا المحض أو المجرد ونشرع في مواكبة التطورات الفكرية التي قادت إلى تفادي التعامل مع الهوية الشخصية على أنها جوهر موحد منفصل عن العالم. إن الخطأ الذي وقعت فيه التصورات الفلسفية الحديثة هو أنها فصلت الفرد عن العالم المادي والاجتماعي واعتقدت في وجود نواة ثابتة وأولية وجوهرانية تحدد طبيعة الكائن البشري. في هذا الإطار ظهرت أفكار داخل الفلسفة وعلم النفس التحليلي وعلم الاجتماع تحاول تفنيد الذاتوية الفلسفية وترفض تعالي الأنا المطروح بكونه مقولة متعالية وتتحرك ضمن باراديغمتين أساسيتين:
الباراديغم الأول ناضل ضد التصورات التي تنظر إلى الهوية الشخصية على أنها جوهر باطني ويمثله كل من ماركس ودوركايهم ويفكر في الهوية ليس باعتبارها حائزة على طبيعة باطنية وأصلية لكائن بل على العكس من ذلك بوصفها حصيلة اندراج هذا الكائن البشري ضمن مجتمع معين وتمثل بطريقة ذاتية أساليبه في الشعور والفعل والتفكير.
الباراديغم الثاني يتجه نحو توخي مسارات بنائية للهوية من خلال منظورية تفاعلية وبعيدة كل البعد عن الماهوية ولكنه لا يغالي في طلب اندماج الكائن البشري بالحياة الاجتماعية بل يتخذ مسافة منها ويضعها موضع حوار وجدل ويكتفي بإعادة وضع الإنسان في العالم وإعادة نمذجة البعد الاجتماعي. هنا يظهر الكائن البشري بوصفه فاعلا قادرا على تشييد فضاء بينه وبين السندات الهوياتية التي يعتمد عليها من أجل إبداع هويته.
إن الهوية المتناولة في معناها الفردية تبدو اليوم مجرد مقولة فضفاضة لأنها متمفصلة بالنسبة إلى المعرفة العالمة والفكر اليومي إلى ثلاثة أفكار قوية هي: الوحدة والجوهر والباطنية. إن جهدنا سينصب على إظهار أن هذه الأفكار الثلاثة ليست معطيات طبيعية لوجودنا بل قوتها مستمدة من تخمين بعض النظريات ومن تمثلات فلسفية قديمة. إن المنظورات الماهوية بعيدة كل البعد عن الحقيقة وغير قادرة على الصمود أمام التطورات الملاحظة في مجال العلوم الاجتماعية خاصة والإنسانيات عامة. على هذا النحو "إن معنى الحياة والهوية لا يصدران إذن بأي شكل من جوهر ما قبل هوياتي"6.
إن الهوية الشخصية هي مشابهة لنوع من البناء الموجود سلفا والذي يقطنه الأنا ويفصله عن الهويات الفردية المنغلقة على ماهية معينة. إن العمل على إدراج الإنسان في العالم الذي يحيط به يعني المرور من وضع التعالي إلى حالة المحايثة والقول بأن الأنا المتعالي الذي ينظر إلى نفسه على أنها جوهر مفكر لم يعد يعني شيئا كبيرا. لقد فقد الهوية الشخصية مع هيوم ولوك وفرويد قداستها وأوليتها واندمجت بطريقة أو بأخرى مع الحركة اللامتناهية للعالم. إن إفراغ الهوية الشخصية من كل حمولة يعود إلى استحالة تحولها إلى فراغ وان مسار العلمنة هذا تقوم به الفنومنولوجيا الاجتماعية والوجودية وينتهي بمنح دور للغير في انبثاق الوعي بالذات. يمكن إضافة معاني الوحدة والباطنية إلى فكرة العلاقة بالعالم خاصة عندما يعرف الشخص الانساني بأنه بنية تتصف ببعض التساوق المفتوح وفي نفس الوقت باطنية لا تقبل النفاذ بشكل جزئي. إن الكائن البشري بشكل أو بآخر هو انفتاح على العالم.
"إن الهوية ليست مسألة شخصية فقط. إذ يجب أن تعاش في العالم عبر حوار مع الآخرين وطبقا لوجهة نظر الشارحين البنائيين فأنه من خلال هذا الحوار تولد الهوية. لكنها ليست الوسيلة التي تخبر بها الهوية. فمن وجهة نظر ذاتية تكتشف الهوية داخل الشخص نفسه وهي تعبر عن الهوية في وجود الآخرين. وتعثر الذات الداخلية على موطنها في العالم من خلال المشاركة في الهوية الجماعية.وغالبا ما يعبر عن هذا التوحد بعبارات رفيعة وغامضة وتنضم نفسي الحقيقية إلى الحياة الروحية للمجتمع"7. لكن كيف تتحقق الهوية الاجتماعية من خلال التعرف على الذات عن طريق الخارج وربطها بجملة من الأنظمة المشتركة مع الآخرين؟ وما دور الثقافة في شد أعضاء المجتمع الواحد وفي تمييزه عن المجتمعات الأخرى؟ ما السر في أن الهوية يمكن أن تكون مصدرا للعنف والاستبعاد من جهة ومصدر للثراء والثقة من جهة أخرى؟ فماذا يجني الناس من وراء إصرارهم على الانتماء إلى هويات؟ وهل الهوية شر أم خير؟
التعددية الثقافية:
"الهوية تدرك من خلال المشاركة في الثقافة... وان المفاهيم المتعلقة ببناء الهوية وتلك الخاصة بالثقافة ولدتا معا."8
يصعب تدقيق مفهوم الثقافة وذلك للاتجانسه وتعقيده وتضخم دلالاته وتنوع رسومه إلى حد حديث البعض عن عولمة الثقافة والصناعة الثقافية وثقافة إضاعة الوقت. لكن يسهل علينا ربط الثقافة بالإنسان لأن الثقافة مفهوم أناسي تجعل الإنسان ذاتا متناهية قبلة للتشكيل إلى ملا نهاية لها ومنفتحة على العالم ومجبرة صنع ذاتها والعالم في كل مرة ولأن "الإنسان كائن ثقافي بالطبع وهو لا يصبح إنسانا إلا بفضل الثقافة "9، و"بذلك تتوسع الثقافة لتشمل الشروط المادية والروحية والاجتماعي والسياسي من المنتجات ومن ذلك أشكال مختلفة من الحياة ومن مجالات المخاييل. فالثقافة تشكل جسد الإنسان وهي في نفس الوقت ثمرة من ثمرات هذا التشكيل وهي تنتج في الأعراف والتجديدات تغيرا وتواصلا بين الماضي والحاضر والمستقبل...إن الثقافة حركية وهي ممارسة وعملية. والثقافة ليست واحدة بل كل واحدة منها تشمل العديد من الثقافات."10
إلى وقت قريب ثمة إجماع بشأن موضوع الثقافة وأصبح هذا المفهوم هو العملة الرائجة وتم الاتفاق على أن الثقافة ليست مسألة عرق بل مكتسبة وغير متوارثة جينيا وتتقدم بشكل مطرد وبمعدل متسارع وتتعلق بالأفكار والقيم والرموز التي تعبر عن رؤية للكون وعن الفضيلة والجمال ضمن تنظيم جمعي للفكر. لكن على الرغم من أن الجميع يتحدثون اليوم عن الثقافة فأنهم لا يتطلعون إلى تبعات القول بالهوية الثقافية ويتجاهلون الإحراجات المتعلقة بالتعددية الثقافية. وقد انعكس عن ذلك اتجاه النقاش بشأن الهوية الثقافية نحو السياسة وبدأ الكلام عن الثقافة بماهي شأن سياسي وأكد البعض من أن الثقافة هي الأقدر على معالجة المسألة السياسية الكبيرة وذكروا بأن الاعتراف بالتعددية الثقافية هو حركة تدعو إلى التغيير.
تتضمن الهوية الثقافية كل ماهو مشترك بين جميع أفراد المجتمع مثل القواعد والمثل والقيم. ولكن إذا بنيت على أساس الوحدة والتطابق والتماثل تصبح الهوية الثقافية هوية ثابتة تلغي إمكانية التغير في الزمان وتتشكل نواة صلبة تحدد تاريخها وملامحها الخاصة وتسعى إلى المحافظة عليها والوفاء إليها. لكن الهوية الثقافية لا تفهم دائما في إطار المطابقة التامة مع الذات الجماعية بل يمكن أن تتحقق في سياق التفاعل مع المباين والمختلف والمغاير من الهويات الثقافية الأخرى ويمكن أن نتحدث هنا عن التثاقف وعن الهوية بينثقافية في وضعية التلاقح والتخاصب بين خصوصيات متنوعة وثقافات متعددة.
في هذا السياق يقول أودمند هوسرل:"أكون مع ثقافتي دائرة أولية لثقافة أجنبية يمكنني أن أبلغها، مع أولئك الذين يشاركونني مشاركة مباشرة، بنوع من تجربة الآخر"11.
ظهر مصطلح التعددية الثقافية للتمييز أولا بين الثقافة الرسمية التي تدعي الرفعة والسمو وترتبط بالنخبة وتتشكل في الدوائر الضيقة للأرستقراطية وفي صالونات البرجوازية وبين الثقافية الشعبية الجماهيرية التي تمتد من الفلكلور إلى الفن البروليتاري وتعامل بتعاطف من قبل الناس الذين يحرصون على المحافظة عليها وتوريثها وتتوجه نحو مقاومة الهيمنة المسلطة عليها من طرف ثقافة الاستهلاك والقوة القمعية للطبقة الحاكمة وتدحض شرعيتها وتطعن في الريادة الأكاديمية للثقافة الرسمية وتحس بأن عليها واجب مدني لفضح العولمة الامبريالية والتغريب الثقافي لدول الأطراف والسلطة البطرياركية.
لقد مثلت التعددية الثقافية فرصة سانحة من أجل كشف مخاطر العولمة على النسيج المجتمعي والبيئة واستقرار الشعوب واستمرارية الخصوصيات وعبرت عن مشكلات مقلقة وتحديات أكثر تدميرا تجاه الثقافات المحلية والسعي المتزايد نحو اعتماد نموذج ثقافي واحد للتعرف علة نمط الحياة الحضاري في أي بقعة من المعمورة. بيد أن حركة التعددية الثقافية عرفت اتجاهين: الأول هو تعددية ثقافية الاختلاف multiculturalisme de la différence يتجه نحو الداخل ويأخذ مصلحة الخصوصية الذاتية بعين الاعتبار ويتبنى الخطاب المدحي الافتخاري من أجل تعزيز شعور ثقافة معينة بالعظمة والتفوق ويجعل من ذلك سبيلا للمحافظة على بقائها واستمرارها.
الاتجاه الثاني هو تعددية ثقافية النقد multiculturalisme critique يتجه نحو الخارج متأثرة بالدراسات الثقافية ويناضل ضد التماثل والهوية ويسعى إلى إعطاء حقوق للأقليات ويكشف عن ضعف الخطاب الأغلبية السائد وصمته وتهميشه لبعض الفئات ويحاول تفكيك التحيز الثقافي للطبقة الاجتماعية السائدة ولذلك لا يرى في وجود تنوع وفوارق في الخصوصيات داخل نفس المجتمع أي خطر يهدده بالتقويض بل ينظر إلى ذلك أنه عامل عادي ومصدر اغتناء وقوة. من هذا المنطلق تنبنى التعددية الثقافية على خطاب يدعو إلى التكافؤ بين الخصوصيات والمساواة في اعتبار الرموز والقيم الخاصة بالهويات الصغيرة في تكوينية الهوية الكبرى للمجتمع ويؤكد الاختلاف ويدعو إلى إجماع ثقافي والمشاركة في نشر الحضارة الكونية. في السياق نفسه يقول آدم كوبر:"تترجم التعددية الثقافية هذه الافتراضات في صورة برنامج سياسي يؤكد الاختلاف وقيمته ويبحث عن منح كل مجموعة ثقافية قدرا مناسبا من حق تقرير المصير وصوتا مساويا في الشؤون الجمعية"12.
إن التعددية الثقافية هي قيمة لا يمكن إنكارها لأن محافظات الجماعات على نفسها لا يكون بتعزيز القواسم المشتركة التي تربط بينها بل بقدرتها على إحداث اختلاف حقيقي وإبراز التنوع الداخلي.
غير أن التعددية الثقافية تؤثر على سياسات الهوية والاختلاف وتتبنى التمييز الايجابي وتصبح سياسات البلدان مملاة من قبل الهويات الثقافية ولا يجد الفرد احتراما لقيمه وخصوصيته إلا في السياق الثقافي الملائم له ويطالب بالتضحية بذاتيته ومحليته من أجل إرساء دعائم هوية مجتمعية مستقلة. إن ماهو مطلوب في مجتمع متعدد الثقافات هو التوقف عن إسناد الهوية إلى بيولوجيا بدائية وتركيزها على احترام الاختلاف وانصهار الآفاق واغناء التنوع وبالتالي يجب احترام الاختلاف الثقافي وتعزيزه."إن التنوع هو عامل أقل تأثيرا في عزل المجتمعات عن العلاقات التي توحدها"13
إن التطرق إلى الهوية الجمعية هو أمر مهم من أجل التضحية بالمصالح الفئوية لمصلحة التماسك الثقافي ومن أجل التعالي على منطق الهوية الشخصية وتركيزها على الحقوق الفردية وتسببها في الاضطرابات العرقية والتوتر الاثني نتيجة الشعور بالحرمان وسوء المعاملة والتمييز. كما أن الثقافة هي دوما الجسر الذي يربط الأفراد بهوياتهم وينبغي ألا نبنيها على العرق حتى لا ننحدر إلى الجوهرانية.
إن الثقافة هي التي تمنح الشخص هويته ولكن كل من الهوية والثقافة يتشكلان بحرية. إن الهوية تبدو مسألة اختيار ثقافي شخصي وحتي إن كان للشخص هوية أصلية جوهرانية تنبع من الشخصية الجمعية التي ينتمي إليها فأنه يستطيع أن يندمج في هوية ثقافية جديدة بفضل قدرته على التأقلم والتكيف.
ننتهي إلى أن كل ثقافة هي متعددة الثقافات وأن القيم متغيرة من ثقافة إلى أخرى ولذلك لا يجوز قياس المجتمعات بقياس واحد وأن غالبية الناس ينظرون إلى الآخرين على أنهم أقل منهم شأنا ويصرون على اختلافهم عنهم ورفعتهم وتفوقهم ويشتركون في القدرة على التعلم والاستيعاب والاقتباس وما يتقاسمونه هو الذي ينتج الخلافات بينهم وما يختلفون فيه هو الذي يساعد في نهاية المطاف على توحيدهم. فكيف تتحول الثقافة إلى سلسلة من العمليات التي تقوم بهدم منطق الملة الجماعية وإزالة الهوية الشخصية وتعمل على بناء الكونية الإنسانية ؟ وكيف يمكن أن يلعب الإحساس بالهوية دورا حاسما في جعل العلاقة مع الآخرين قوية ودافئة ويجعلنا نفكر في بعضنا البعض ويساعدنا على تجاوز حياتنا المتمركزة حول أنفسنا؟
الحضارة الكونية:
"إن هوية مشتركة مع الآخرين في الجماعة الاجتماعية نفسها يمكن أن تجعل حياة الجميع تسير بشكل أفضل بكثير...ولذلك ينظر إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة إنسانية ما باعتباره أحد مصادر الثروة."14
لا يتوقف انتماء الإنسان إلى هوية على مسألة إدراك الذات ولا على اختياره لهذا النمط من الحياة أو تلك الوظيفة وليس الأمر مسألة تقليد أو محاكاة أو وفاء للأصل بقدر ماهو إبداع وانجاز للذات ، إذ بمجرد أن يحصل المرء على قسط قليل من الوعي حتى يكتشف أنه ينتمي إلى عدة دوائر مثل الوطن والطبقة والايديولوجيا والمهنة والدين ونمط الحياة والهواية وهذه كلها تمنحه هويات متعددة ومتناقضة وتجعله موجود مع العديد من الأغيار في عالم مشترك ويندفع معهم دون أن يدري في تيار كوني هو الحضارة.
لكن ما الفرق بين الكونية والخصوصية؟ وماهي نوعية العلاقة القائمة بينهما؟
إن الخصوصية هي الميل الذي تبديه جماعة معينة نحو المحافظة على مميزاتها عن المجموعات الأخرى وهي أيضا موقف تتخذه مجموعة أو اثنية معينة بحرية من أجل التحرر والاستقلال والانفصال عن البقية وغالبا ما تقع النزعات الخصوصية في القومية والمحلية والجهوية والفئوية.
أما الكونية هي مذهب يعتبر الواقع هو الكل وهو الوحدة الشاملة التي تضم جميع الأفراد بشكل كوني وهناك العديد من النظريات الكونية في الفلسفة والدين والسياسة. في الدين هي النزعة التي ترى أن مبادئها عالمية وأن الله يريد خلاص جميع الناس وبالنسبة إلى السياسة فهي المبدأ الكوني الذي يقر بأن الشكل الوحيد من أشكال السلطة الشرعية تكمن في موافقة الجميع.وأما الشمولية المؤسساتية فترى أن جميع الشعوب يجب أن تكون ممثلة في إدارة شؤون العالم بطريقة عادلة (العولمة الديمقراطية). أما الكونية الجمهورياتية فهي التي تطالب بالجمهورية غير قابلة للتجزئة باعتبارها النموذج المثالي للجميع حيث كل المواطنين متساوون في الحقوق.
إن الكونية هي المبدأ القائل بأن المعتقد والرأي والفكرة يكون لها مدلولا عالميا، وهي أيضا النهج الفلسفي للإنسانية الذي يوجب احترام جميع المواطنين والثقافات في العالم عن قناعة واختيار وهي توجه يختلف عن الكونية الدينية والسياسية التي تحاول أن تكون مفروضة بطريقة فوقية. من هذا المنطلق فإن الكونية تحافظ على الخصوصية والاثنان يتكاملان ويعززان بعضهما البعض. فما الذي يميز الحضارة العالمية؟
يشير بول ريكور إلى ستة مميزات للحضارة العالمية وهي:
الإيمان البشرية برسالة العلم والنظر إلى العقلانية العلمية على أنها ذات قيمة موضوعية ومعيار بقية المعارف ويبرهن على ذلك بقوله:"إن العلم يظهر ضربا من الوحدة من جهة الحق تحكم كل الخصائص الأخرى لهذه الحضارة".
الإجماع على صلاحية النموذج التقني على المستوى التطبيقي والنظر إلى عملية التحديث على أنها امتلاك للأدوات والآلات بالأساس لاسيما وأن "الإنسان عبارة عن حيلة كونية" وأننا أمام كونية فعلية للإنسانية. فكلما ظهر اختراع في أي نقطة من العالم إلا وكان موعودا بانتشار كوني".
القول بوجود سياسة عقلانية وتقنية واحدة قادرة على إنهاء النزاع في العالم وامتصاص العنف وكل أشكال اللامعقول وتوطين السلم والتسامح وذلك بنشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والموطنة، إذ يقول ريكور:"إن أحد وجوه عقلانية الإنسان وفي ذات الوقت أحد وجوه كونيته هو تطور دولة تراهن على الحق وتنمي وسائل التنفيذ على شكل إدارة".
التأكيد على أهمية التنظيم الإداري في تقدم الشعوب وتجاوز وضعية التعثر نحو وضع التحضر وذلك بتفعيل دور المؤسسات ووضع قيم النزاهة والحياد واللاتحيز في خدمة الأفراد والجماعات، ويبرهن على ذلك بقوله:" حينما نرى السلطة قادرة على إرساء وظيفة عمومية وجسم من الموظفين يعدون القرارات وينفذونها ...نكون باختصار أمام دولة حديثة وهاهنا مظهر معقول للسياسة التي تخص الآن بإطلاق كل شعوب العالم".
وجود اقتصاد عقلاني كوني يقوم على تقسيم عالمي للعمل وعلى تشجيع الاستثمار وفتح الأسواق وتوحيد عملات التداول ويرجع بالأساس إلى البورصات وتلعب فيه الشركات متعددة الجنسيات دورا بارزا حيث تزال الحواجز الجمركية وتخفف الضرائب ولا يكون فيه رأسمال مقيد بوطن، إذ يقول هنا:"يمكن أن نتحدث عن علم وعن تقنية اقتصادية ذات طابع دولي، مندمجة في غائيات اقتصادية مختلفة والتي تخلق في الآن نفسه طوعا أو كرها ظواهر تقارب تبدو آثارها حتمية".
المظهر الأخير من الحضارة العالمية هو نمط الحياة وأسلوب الوجود المتغلغل في الثقافة والأكل والمسكن واللباس والترفيه والإعلام والذي يقع نشره وفرضه بالقوة الدعائية والإشهار على كافة أرجاء المعمورة وهو نمط حياة غربي أمريكي بالأساس يقوم على الاستهلاك والرفاه وحب الذات وذلك لأنه:" توجد ثقافة استهلاك ذات طابع عالمي تطور نوع من الحياة ذي طابع كوني".
هذا التمييز الأخير بين العالمي والكوني يلفت النظر إلى قيمة الحضارة وتأثيرها على الإنسان والطبيعة لاسيما وأن"إنسانيتنا المشتركة تتعرض لاعتراض وحشي شرس عندما تضيق الاختلافات بيننا لتصبح نظاما تقسيميا واحدا من تصنيف قوي مفرد"15. فهل هذا يعني أن التوجه نحو العالمية هو أمر قسري مفروض يقود الثقافات القومية إلى حتفها الطبيعي والانقراض التاريخي وأن البقاء سيكون للأصلح؟
إن الحضارة الكونية التي بنيت على أساس التراكم الكمي في الوسائل والتحول في الأدوات التقنية والتقدم العلمي في السيطرة على الطبيعة والإنتاج المادي قد ضاعفت العلاقات الإنسانية وطورت إنسانية واحدة ودفعت الإنسان إلى الاعتراف بالإنسان عن وعي وحرية وبالتالي مثلت خيرا كليا من جهة بعدها الانساني أثبته ريكور بقوله:"الكونية هي بحد ذاتها خيرا والوعي بإنسانية واحدة بذاتها يمثل شيئا ايجابيا." ويبرهن ريكور على هذه الخيرية والقيمة الايجابية للكونية من خلال حجتين:
- الأولى هي حالة حصول الجموع على خيرات أولية وبلوغهم إلى الرخاء والرفاه وتحرر الحاجة التي يعيشها عدد كبير من سكان العالم موزعين على مختلف القارات والبلدان والطبقات والتي حدثت لأول مرة في التاريخ .
- الثانية هي بلوغ عدد كبير من الناس حالة الرشد وتجاوزهم حالة الحرمان واللامبالاة وشعور جموع من البشرية بقيم الكرامة والاستقلالية وقدرتهم على التصرف في مصيرهم وتحكمهم في صنع تاريخهم الخاص بهم. "انه من اليقيني أن عددا متزايدا من الناس يبلغون اليوم هذه الثقافة الأولية التي تمثل مقاومة الأمية وتطوير أدوات الاستهلاك والثقافة الأساسية وجهها اللافت".
لكن كيف مثل هذا التطور طابعا متناقضا؟
ينقد ريكور توجه الحضارة الغربية نحو فرض نموذجها على المعمورة ويعتبر أن العولمة أضرت بالجانب الانساني للكونية وحولته إلى عالمية تسلطية ويبرر بذلك بكشفه عما تعانيه الخصوصيات من تهديد بالاختراق والتفكك الداخلي والذوبان ويرى أن"ظاهرة العالمية تمثل بالتزامن مع رقي البشرية ضربا من التدمير البارع لا للثقافات التقليدية فحسب...بل للنواة الخلاقة للحضارات العظيمة وللثقافات الكبيرة". والسبب هو وقوع الغرب في نوع من التمركز العرقي والثقافي قاده إلى الاعتقاد أنه الأفضل ، هنا يبرز ريكور وهم المركزية الثقافية الأوروبية بقوله:" إن كون الحضارة الكونية قد انبثقت منذ القديم عن بيت أوروبي غذى وهم أن الثقافة الأوروبية كانت من جهة الحق والأمر الواقع ثقافة كونية".
من الأسباب الأخرى التي جعلت ريكور ينبه من مخاطر الحضارة العالمية هي الإفراط في التصنيع وتخريب الطبيعة واعتماد المعالجة التقنية في كل شيء وإبداع وسائل التدمير الذاتي وتزايد أدوات الفتك بالنوع البشري وفي ذلك يقول:"إن الخطر النووي يزيد من وعينا بوحدة النوع البشري هذه بما أننا لأول مرة يمكن أن نشعر بأننا مهددون في أجسامنا وبصورة شاملة".
لقد ارتكبت الحضارة العالمية العديد من الأخطاء في تعاملها مع الثقافات القومية ومارست نوع من التنظيم العنيف للعالم وتعاملت مع البشر كأدوات تجارب ولم تحترم ما تحتويه خصوصياتهم من رمزية وانتهت إلى إخفاق سياسي وهيمنة اقتصادية وأججت النزاعات بين الثقافات والاحتقان بين الجماعات عبر عنه ريكور كما يلي:" إننا نشعر بصورة جيدة أن هذه الحضارة العالمية الواحدة تمارس في الآن فعل التلف أو التآكل على حساب الإرث الثقافي الذي صنع حضارات الماضي العظيمة".
من هذا المنطلق يتمثل الوجه السلبي للحضارة العالمية في تعميمها لحالة التصحر الثقافي ونشرها لنموذج الاستهلاك وحضارة البضاعة المجانية وما أدى ذلك من تهديد بعرقلة محاولات التحديث وتعطيل مشاريع الخروج من التخلف وطمس معالم الشخصية الوطنية والرفع من نسب الاستغلال الاقتصادي والاحتكار إذ ما يوجد" في كل مكان وعبر العالم هو الفيلم الرديء نفسه وآلات صرف النقود نفسها والأخطار ذاتها من مادة البلاستيك والألمنيوم. التواء اللغة الحاصل بالدعاية نفسه، الخ... كل شيء يحدث كما لو أن الإنسانية ببلوغها الجماعي ثقافة الاستهلاك تكون قد توقفت عند درجة من التخلف الثقافي".
يحذر ريكور من هذا المطب الكبير الذي قد تقع فيه الإنسانية عندما تتبنى خيار العولمة الاقتصادية دون احتراز أو نقد والذي يؤدي إلى الاحتكار الثقافي وإقصاء الغيرية وتبني نظرة متحفية خيالية للخصوصيات المباينة بقوله:" يمثل انتصار ثقافة الاستهلاك المتماثلة كونيا والمجهولة بالكامل الدرجة الصفر لثقافة الإبداع وستكون الريبية على صعيد كوني والعدمية المطلقة في انتصار الرفاه". إن العولمة لم تتمكن من التخفيف من معاناة البشر بل حاولت إقحام الأدوات بالقوة في المجموعات ومارست التحديث القسري والتعنيف الرمزية للدوائر الإتيقية وأحدثت تصادما بين الوقائع والمثل وبين القيم والوسائل.
إن الموقف الذي يتخذه ريكور حول هذه القضية واضح وصريح ويعبر عنه كما يلي:"ما برحنا وعلى نحو أكثر جدية منذ أن أعاد أدرنو وهوركيايمر تأويل فلسفة التنوير نشكك في كون هذه الحقبة فجرا في التقدم في الوجود الذي حظي بالاحتفال والتغني. وبداية حكم العقل الأداتي والقوة التي أعطيت لعقلنة إحكام القبضة على الدول باسم العالمية وقمع الاختلافات باسم الدعاوي البروميثوسية كل ذلك علامات ووصمات يراها الجميع على تلك الأزمنة الواعدة بالتحرير بطرق كثيرة."16
إن اكتشاف التعدد الثقافي قد يوقع في الغربة ويسبب الضياع في العالم ويحيل الخصوصية إلى عالم الغيرية ويقترن اكتشاف الذات بفقدان الخصوصية مادامت هي نفسها إفراز من إفرازات التفاعلات بين عناصر غريبة عن بعضها البعض، وفي هذا يقول ريكور:"قد يصبح فجأة من الممكن أن يوجد أكثر من الآخرين وأن نكون نحن أنفسنا آخر من بين الآخرين".
" هناك قضيتان متميزتان أمامنا في هذا الشأن. الأولى هي الاعتراف بأن الهويات ذات بنية تعددية متينة وأن أهمية هوية واحدة لا تتطلب بالضرورة محو أهمية الهويات الأخرى"17.
فماهي الاستتباعات المترتبة عن القول بالتنوع بين الثقافات القومية؟ هل يعني ذلك التخلي عن الطموح نحو بلورة قيم مشتركة وصناعة كونية إنسانية؟ كيف نتجنب اقتران الدخول في العقلانية العلمية والتقنية السياسية بالتنكر للقيم التقليدية والموروث الثقافي؟
خاتمة:
"الأمر الغريب حقا أنه توجد ثقافات ولا توجد إنسانية واحدة قط."18
إن اللقاء الثقافات الأخرى يكون امتحانا خطيرا بالنسبة إلى أي ثقافة ومغامرة مخيفة ولكنه يكون مثمرا إذا ما وقع التحضير له وتهيئة الظروف لنجاحه وخاصة إذا ما كان ذلك نتيجة حب الاطلاع والتحمس لمعرفة القديم والحنين إلى الماضي وكان أيضا ثمرة من ثمرات العلم ذاته وممارستنا للتسامح تجاه الأغيار.
إن الفكرة المركزية التي تنشد إليها الرقاب المترددة بين الانتماء إلى الخصوصية والتطلع إلى العالمية هي أن تحالف الثقافات يكون الطريق الملكي نحو بلوغ الأفق الكوسموبوليتيCosmopolitique .
يعرف ريكور الثقافة بأنها مركب قيم وجملة تقييمات ويرى أننا إزاء عدة ثقافات وليس إزاء ثقافة واحدة وبالتالي نحن أمام تبدل للقيم والمعايير من ثقافة إلى أخرى وهو ما اصطلح عليه بالنسبية الثقافية، فهل يعني ذلك الدخول في العدمية واستحالة وجود معايير توافقية وأسس مشتركة بين الثقافات؟
إن خصوصية معينة يمكنها أن تتحمل ملاقاة الثقافات الأخرى وان اللقاء بين الثقافات يمكن أن يكون خلاقا وتوليديا ولا تلفيقيا غائما إذا ما توفرت مجموعة من الشروط وهي:
محافظة كل ثقافة على قدرتها التجديدية من خلال احترام قانون التراكم الهادئ للأدوات والوفاء لنواتها الإبداعية وعدم الاكتفاء بتأويل الأشكال الرمزية الخارجية والطبقة السميكة من الصور.
دور المثقفين في التجديد والإبداع وفي الانفتاح على الثقافات الأخرى والاستفادة من الوافد هو دور حيوي ومصيري إذ" يجب أن ينهض كاتب ومفكر وحكيم وروحاني لدفع ثقافة والمجازفة بها من جديد في مغامرة وفي خطر كلي."
التشجيع على الإبداع الفني وتوفير الحرية اللازمة لتنمية روح معارضة المألوف والثورة على السائد والتخلص من الوعي الزائف وإحداث الصدمة والتضليل وصناعة الفضيحة، لاسيما وأن "الإبداعات الفنية الكبيرة تبدأ داوما ببعض الفضائح".
تمكن ثقافة من امتلاك القدرة على استيعاب المعقولية العلمية والسيطرة التقنية على الطبيعة والتخلص من كل أشكال الخرافة والسحر وتحقيق الانسجام مع مظاهر التحضر وذلك بنزع القداسة عن الطبيعة واحترام الوقت وقيمة الحياة ووضع الإنسان في العالم وإدخاله في التاريخ. "وحدها الثقافة التي تكون قادرة على استيعاب المعقولية العلمية يمكنها أن تحافظ على بقائها وتولد من جديد ووحده الإيمان الذي يدعو إلى فهم الذكاء يمكن أن يقترن بعصره."
الوفاء للأصول والإيمان بقدرات الذات على الاستمرار لا يعني الوقوع في استنساخ ثقاة الماضي وإنما الانطلاق منها واستثمارها من أجل التأصيل وإعادة البناء على أسس جديدة وممارسة إبداعية متفتحة ومرنة.
التواصل بين الهويات البشرية ممكن لأن الذي يجمع بين الإنسان والإنسان هو أكثر مما يفرق خاصة إذا ما تشبث الجميع بالانتماء إلى النوع البشري كعروة وثقي وكان رهان الجميع هو إثبات إرادي لهوية الإنسان، لاسيما و"أن غرابة الإنسان عن الإنسان ليست غرابة مطلقة".
أهم وسيط بين الثقافات هو الترجمة لأنها الكفيلة بتحقيق حسن الضيافة اللغوية بين الإنية والغيرية وتأويل العلامات اللغوية والتراثية لخصوصية معينة إلى كل لغات العالم وكما يقول بول ريكور هاهنا:"الاعتقاد في إمكانية الترجمة هو الاعتقاد في إمكانية التواصل".
الوسيط الثاني بين الثقافات هو القدرة على التأويل والفهم بالتعاطف والتخيل للثقافات الأخرى وذلك بالانفتاح على الغيرية واعتمادها كشرط وجودي لمعرفة الذات،وذلك بأن" أكون آخر في نفس الوقت الذي أبقى فيه أنا نفسي".
اعتماد اتيقا النقاش بين الكائنات العاقلة وخوض تجربة حوار عميقة بين الخصوصيات من تحمل اللقاء وإضفاء معنى عليه من أجل تحقيق التقارب الإبداعي والتفاهم السلمي بين كل الفرقاء الذين يوجد بينهم تناغم أصلي إذا ما كان غائب عنهم أي اتفاق.
يجب ألا يتحول الوفاء للخصوصية إلى حالة من الاغتراب في الجذور وتقوقع على الذات ودوران فارغ حول المنابع الأصلية والإيمان بان اللقاء المثمر مع الآخر هو من قبيل الإمكان التاريخي وليس مجرد حلم طوباوي .
بناء الذات هو المقام الأول ونقط الارتكاز الأصلية في كل حوار بين الذوات وتحالف بين الخصوصيات والتقاء للثقافات لاسيما وأنه"لكي يكون لنا آخر غير ذاتنا يجب أن يكون لنا ذات".
خلاصة القول أن الثقافة الحية الوفية لجذورها التي تعيش حراكا إبداعيا أدبيا وفلسفيا هي القادرة على تحمل اللقاء بالثقافات الأخرى وتتجنب التصادم والمجابهة وإحداث بواعث خلاقة وتخاصب دلالي منتج.
كما أن راهنية التقاء الثقافات اليوم لا ترتبط بالتلفيقية الغائمة أو تقع في ممارسة الإسقاط التاريخي بل التغلب على النزعة الريبية التي تفضي إليها النسبية الثقافية وعلى دغمائية الحقيقة الواحدة التي يقودنا إليها منطق الملة والتفكير في تخطي عتبة الحوارات الجدية والحقيقية بين الجميع من أجل مقاومة صدمة الغزو والهيمنة وحل مشكلات التواجد ضمن رؤية فلسفية تكون بمثابة خلاصة تجارب الشعوب.
عندئذ "يجب أن أقابل التلفيقات الغائمة بالتواصل أي بعلاقة درامية أثبت فيها ذاتي في منبتها بالتناوب واستسلم لخيال الآخر وفق حضارته المغايرة". لكن لماذا اشترط ريكور العودة إلى الأصول الإغريقية والعبرية المسيحية حتى يكون المفكر الأوروبي الغربي مخاطبا كفئا في الحوار الكبير للثقافات؟ ألا يعيدنا هذا الشرط إلى الانغماس في التراث والتشبث بالهوية التطابقية أم أن الأمر يقتضي تفقد الذات وإعداد الهوية التنوعية الاختلافية المغرمة بالتواصل مع العالم الخارجي؟ وكيف يفضي هذا التواصل إلى تشييد المشترك العمومي القادر وحده على ضمان الحق الكوسموبوليتي؟
المراجع:
Emmanuel Levinas, in Anthologie, les grandes questions de la philosophie, Textes réunis et présentés par Marie-Reine Morville, Delagrave Edition, 2001
Edmund Husserl, méditations cartésiennes, traduction Emmanuel Levinas, Vrin poche, réédition en 2000.
John Locke, Identité et Différence, Coll-point 1988.
Hervé Marchal, l’identité en question, Ellipses Edition Marketing S.A.2006
Paul Ricœur, Histoire et vérité, Editions, Le Seuil, Paris, 1955.
إدوارد سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عنائي، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2006
أمارتيا صن، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة 352 يونيو 2008.
آدم كوبر، الثقافة، التفسير الأنثربولوجي، ترجمة تراجي فتحي، سلسلة عالم المعرفة عدد349 مارس 2008.
بول ريكور: الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى بيروت.2005.
بول ريكور، الزمان والسرد، الزمان المروي، ترجمة سعيد االغانمي ، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، طبعة 2006.
كريستوف فولف، علم الاناسة، التاريخ والثقافة والفلسفة، نقل أبو يعرب المرزوقي، الدار المتوسطية للنشر. الطبعة الأولى2009 .
كاتب فلسفي
الأحد، فبراير 07، 2010
أبو القاسم الشابي بين الوطن والأمة
زهير الخويلدي
"لا خير في أمة عارية تكتم فقرها ولا خير في شعب جائع يظهر الشبع وشر من كل ذلك أمة تقتني أثوابها من مغاور الموت ثم تخرج في نور النهار متبجحة بما تلبس من أكفان الموتى وأكسية القبور."
كثر الحديث هذه الأيام عن الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي في ذكرى مرور قرن على ولادته وتجادل الناس حول منزلته وآثاره ومخلفاته وما أحدثه من تأثير في الثقافة العربية. وقد ألف في الغرض عدة كتب ونظمت عدة مسابقات وتوج بالمناسبة عدة نقاد وباحثين. ودار الكلام حول الشعر والنثر والعقل العربي والهوية والأمة والملة من جهة التكوين والبنية والطباع والمقومات والمؤثرات والمنتجات. وقد كثرت المقاربات والمشاريع والدراسات التي تشرح أنظمة خلايا الدماغ العربي من جهة المعرفة إلى برهان وبيان وعرفان ومن جهة الوجود إلى أعيان وأذهان وأسماء ومن جهة السياسة إلى عقيدة وغنيمة وقبيلة ومن جهة الأخلاق إلى طاعة وسعادة ومروءة. وقد نادي المفكرون بإحداث قطيعة معرفية وتحول أنطولوجي من أجل الشروع في التحديث والعصرنة ونادي الكتاب بالحداثة الشعرية والعولمة الثقافية واكتفى الساسة بمطالبة بالإصلاح السياسي والمنعطف الديمقراطي.
غير أن الحيرة المقضة تداهم الفكر والاستغراب يخامره ويتيه في فوضى المفاهيم ونقد النقد ويغطس الفهم في طبقات التفاسير وسجال التآويل وتغيب عنه استراتيجية التسمية ويغفل عن دروب التعقل والحكمة. غير أن البحث عن الإصلاح بالشعر والتلويح بالثورة بالكلمة والتحريض على الحياة بالقصيدة لم يكن وليد اللحظة الراهنة فحسب وشغل كتاب هذا الزمان المعولم بل تضرب جذوره في الماضي القريب وكان من اهتمام الشعراء والأدباء الذين ارتبطت تجاربهم وملحماتهم بمقاومة الاستعمار.
لعل أبو القاسم الشابي ( 1909-1934) هو واحد من هؤلاء المبدعين الذين شاؤوا ألا ينصرفوا من الحياة دون أن يخلدوا بأعمالهم البطولية ودون أن يذكرهم التاريخ. لقد أصبح شاعر الجريد والخضراء أحد القمم الشعرية العربية التي بحثت في الروح العربية من جهة طبيعتها الخاصة ومؤثراتها ومنتجاتها ودرس الذهن العربي والمزاج العربي والعقل العربي والنفسية العربية.
إن الأمر لم يقتصر على تضمين ذلك في قصائده وأشعاره وخاصة أغاني الحياة بل في مؤلفه البديع : "الخيال الشعري عند العرب" الذي القي في شكل محاضرة بقاعة الخلدونية عام 1929 والذي مازال في حاجة أكيدة إلى المزيد من التمحيص والتنقيب والبحث قصد استخراج درره اللماعة وكنوزه المخفية.
إن رهان الشابي الأول في هذا النص ليس فقد الجمع بين الانتماء للوطن والدفاع عن الأمة وذلك بضبط العلاقة بين الشعر والسياسة ولا التنظير لفلسفة الثعبان المقدس بل الوصول بالشعرية إلى أعلى درجات التنظير بالشرح والبيان والتعليل حتى تترسخ القيم البطولية في النفوس وتدخل إلى قلوب الشباب الناهضة وتحقق الاستنارة في العقول وتخاطب فيهم روح الفتوة والحماسة ويسلك بهم سبيل إرادة الحياة.
عبر الشابي عن هذا الإصرار على النهوض في نشيد الجبار أو هكذا غنى بروميثيوس بقوله:
سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة...، هازئا بالسحب والأمصار والأنواء...
وأقول للجمع الذين تجشموا هدمي وودوا لو يخر بنائي...
إن المعاول لا تهد مناكبي والنار لا تأتي على أعضائي
فارمو إلى النار الحشائش والعبوا يا معشر الأطفال تحت سمائي.
يقول شاعر الملحمة الوطنية في هذا الإطار:"لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب، ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذي في قلب الحياة...أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو من أبناء الموت وأنضاء القبور الساخرة." وواضح هنا أن الشابي يحسم أمره بشأن الصراع بين أنصار التقليد واستنساخ الماضي وتقديس الميراث من جهة وأنصار التجديد واستشراف المستقبل وينتصر إلى المعسكر الثاني على حساب المعسكر الأول. ويفسر الشابي وقوع العرب بين براثن التقليد بعوامل الوراثة وهيمنة الفكرة الدينية في فهم الأدب وعدم اطلاع العرب في العصور الماضية على آداب الأمم الأخرى ولتجاوز هذه الحالة من الانحطاط يعترف بأن العرب قد خاضوا غمار الخلق والإبداع وبلغوا الآفاق في المجالات الثلاثة التالية وهي الشعر القصصي والشعر السياسي والشعر الطبيعي ويذكر الأسلوب الأندلسي على سبيل المثال.
لئن اهتم الشابي بالخيال من جهة النشأة والمعنى وبحث في ظروف انقسامه وأنواعه وربط بين الخيال الفني والصناعي من ناحية والخيال الشعري والرمز من ناحية أخرى فإنه اهتدى ببراعة إلى الأيقونات الأربعة وهي الأسطورة والطبيعة والمرأة والقصص وعدها المكونات المضمونية للخيال الشعري عند العرب وحدد الروح العربية بثلاثة خصائص مميزة وهي: الخطابة من جهة الطابع وشيوع النزعة المادية من جهة العوامل والإكثار من الترحال من جهة المؤثرات ، وأكد أن الأدب العربي ينفرد بأسلوبه وروحه ومعناه عن آداب الأمم الأخرى.
اللافت للنظر أن الشابي يؤرخ لأربعة أدوار للأدب العربي وهي الدور الجاهلي والدور الأموي والدور العباسي والدور الأندلسي ويميز الدورين الأخيرين ببروز الشعر الطبيعي ولكنه يحرص على تحديد مفهوم الأدب على النحو التالي:
1- الأدب هو صوت الحياة الذي يهب الإنسانية العزاء والأمل ويرافقها في رحلتها المضنية المتعسفة في صحراء الزمن.
2- الأدب هو المعزف الحساس الذي توقع عليه البشرية مراثيها الباكية في ظلمة الليل وأناشيدها الفرحة في نور النهار.
من هذا المنطلق نراه يستشهد بديك ونسي القائل:"ان الأدب الذي لا يعب من غيره لابد أن يدركه الهلك ويفنى". كما أنه يعتبر شعراء العربية" لهم روح قوية مضطرمة شاعرة تنظر إلى الطبيعة كلها ككائن حي يترنم بوحي السماء فيثير في حنايا النفوس ما تثيره آنات القيثارة في يد الفنان الماهر من هواجع الفكر وسواجي الشعور، هذه الروح اليقظة التي تحس بما في فلب الطبيعة من نبض خافق وحياة زاخرة تفيض على مظاهر الكون هذا الجمال الإلهي المضيء فإذا الحياة بأسرها صورة من صور الحق وإذا العالم كله معبد لهذه الحياة."
هكذا يكون الشاعر عند الشابي ذلك الثائر على الأوضاع المتردية الباحث عن الخلق والإبداع والذي يريد الحياة ويحمل على الظلم وليس مجرد خطيب أو متقول كلام وفي ذلك يصفه بأنه:"رسول الحياة لأبنائها الضائعين بين مسالك الدهر وليس خطيبا ينظم ما يقول."
لكن الإشكال الذي يظل قائما هو كيف نستعيد روح الشابي وفكره دون السقوط في التصور الموميائي المحنط للشخصيات ودون البقاء حيث بارح موضعه فتيا؟ وكيف نجمع بين الولاء للوطن والوفاء للأمة؟
المرجع:
أبو القاسم الشابي ، الأعمال الكاملة، الدار التونسية للنشر، الطبعة الأولى 1984
كاتب فلسفي
السبت، يناير 30، 2010
نظم التربية والتعليم عند العرب... أزمات ومقترحات
زهير الخويلدي
"أن نربي لا يعني أن نصنع كهولا وفق نموذجا جاهزا وإنما أن نحرر كل إنسان مما يمنعه من أن يكون ذاته وأن نسمح له بأن ينجز نفسه وفق عبقريته الخاصة." أوليفيه ريبول
العناية بالتربية والتعليم رهان حقيقي بالنسبة إلى كل الدول التي تنشد النهوض والتقدم وذلك لما يفضي إليه من حسن تصرف في الموارد البشرية وتهيئة مدنية متبصرة للأجيال المستقبل من أجل أخذ المشعل وتحميلها مسؤولية تنظيم الشأن العام والارتقاء بالحياة المؤسساتية نحو الأفضل وتوفير اطر وكوادر قادرة على تسيير شؤون المجتمعات.
ولئن حاولت بعض الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال المراهنة على هذا القطاع الاستراتيجي وقامت بإصلاحات هيكلية في نظم التعليم وتجاوزت الازدواجية وأرست برنامجا موحدا وتخطت المسالك الموازية والطرق التقليدية إلا أن البعض الآخر ركز انتباهه على مشاكل أخرى وتعامل ببرودة مع ملف التربية والتعليم وكان الحصاد هو بقاء نسب الأمية مرتفعة وفقدان الكفاءات وتدني مستوى الثقافة والوعي لدى عامة الناس.
علاوة على ذلك هناك تراجع في المردود في البلدان التي عنيت بالتربية والتعليم وظهور بوادر أزمة خانقة في مستوى الجودة والمردودية وفي مجال الانقطاع المبكر عن الدراسة وفي معدلات النجاح وقيمة الشهادات العلمية بالمقارنة مع بقية بلدان العالم وفي ترتيب المؤسسات الجامعية على الصعيد الدولي وتقلص نسب صناعة الذكاء وهجرة الأدمغة إلى دول المركز. فماهي أسباب تردي الوضعية التي تحيط بالعملية التربوية؟ ولماذا بات تعليمنا لا يخرج سوى الفاشلين العاطلين عن العمل؟
إن أسباب الأزمة عديدة ويمكن أن نذكر منها ما يلي:
- فراغ البرامج من المضامين والمبادئ المتوازنة التي تقدر على بناء مواطن متصالح مع ماضيه ومتطلع إلى المستقبل عبر قراءة نقدية لواقعه. ما نلاحظه هو تركيز مختلف البرامج المدرسة على الجانب الشكلي وإسقاط جملة من المقررات دون مراعاة خصوصية البيئة الاجتماعية والنسيج النفسي والثقافي الذي تتنزل فيه.
- فوضى القرارات وارتجالية التدابير وضعف في المناهج والأسانيد البيداغوجية وغياب الرؤية الإستراتيجية والتخطيط العلمي والإبقاء على الطرق التقليدية التي تكرس نفس الذهنية القروسطية وتشجع على الإتباع والتلقين.
- تدهور قيمي كبير تمظهر في بروز العنف اللفظي والبدني في الوسط التربوي وتوتر العلاقة بين جميع مكونات العلمية التربوية من مربين وتلاميذ ومشرفين.
- سلعنة التعليم وربطه بسوق الشغل واختزاله في عملية التكوين وتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية والتعويل على الحلول التسكينية من أجل تحقيق أعلى نسب النجاح كميا دون مراعاة الكيف والدرجة.
- الوضعية الاجتماعية الصعبة للمربي وتشوه صورته في المجتمع وتدهور طاقته الشرائية ومحدودية إمكانياته المادية مما يفتح الباب بالنسبة إليه للتضحية برسالة العلم من أجل ضمان لقمة العيش.
- تراجع التعويل على اللغة العربية الفصحى وضعف الناشئة في مستوى تعلم اللغات الأعجمية وميل المربين إلى استعمال اللهجات الدارجة حرصا على التبليغ والإفهام.
هذه بعض من مظاهر الأزمة التي تعصف بالتربية والتعليم وذلك من خلال تشخيص جزئي والتي يسهل معالجتها لو اتخذت الحكومات الخطوات التالية واستعاد الرأي العام الشعبي الرغبة في التعلم وأدرك أهمية احترام العلم وأهل وتقديس المؤسسات التربوية:
- العناية الدقيقة بالبرامج ومحاولة التأليف بين تحقيق التجذر وتحصيل التحديث والابتعاد عن البرامج الجاهزة المملاة من الخارج وكذلك تفادي البرامج الماضوية التي تكرس الجمود وتعيد إنتاج نفس البضاعة المعرفية وتشد الناشئة إلى الخلف.
- اعتماد تصور متكامل وبناء مشروع إصلاحي وتحقيق الاستقرار والمداومة في نفس التمشي التربوي مما يعزز الثقة ويقوي اللحمة والتفاهم بين مكونات العملية التربوية.
- إحداث ثورة أخلاقية في الفضاء التربوي وذلك بإعادة الاعتبار إلى القيم الأصيلة والمبادئ الكونية وحث الناشئة على التمسك بها واستخدام أساليب التوعوية الكافية والترغيب السلمي الهادئ.
- الكف عن ربط التعليم بالاقتصاد وتنظيم الدروس الخصوصية والتفكير بجدية في منعها والتأكيد على الرسالة التربوية السامية للتعليم والفائدة الوجودية منه والتمسك بمبدأ التعليم من أجلى تحصيل العلم وليس التعليم من أجل الحصول على شغل.
- توجيه الاستثمار نحو قطاع التربية والتعليم ورصد اعتمادات كافية والترفيع في النسب المخصصة من الميزانيات إلى هذا القطاع مما يحسن من التجهيزات والمرافق ويطور من مداخيل المربين ويقيهم من كل ضروب الاحتياج.
- تضافر الجهود من طرف كل مكونات المجتمع من أجل إعادة الاعتبار للمؤسسة التربوية وللمربي باعتباره محور العملية التعليمية وتدخل وزارات الإعلام والثقافة من أجل توفير كل المستلزمات المرئية واللامرئية وإحداث مكتبات متطورة تضم الدوريات والمنشورات الجديدة وتشجع على التعريب والترجمة وتعزيز مكانة الفصحى والتمكن من اللغات الأجنبية والمطالعة والتثقيف وتقوم بعصرنة التعليم مما يواكب مجتمع الفرجة وزمن الصورة.
إن الغاية من التعليم هي إبداع قيم جديدة وتثبيت السلم الاجتماعي وتربية الناس على فنون التمدن والرقي وان"السلم الاجتماعية لا تتحقق إلا إذا وضع كل واحد بين قوسين الحركيات العميقة التي تبرر هذه القيم المشتركة"مثلما يقول بول ريكور في كتابه من النص إلى الفعل. إن التعليم هو مجموعة من العمليات والإجراءات التي تمكن كل طفل من الحصول التدريجي على قدر معين من الثقافة يميزه عن الحيوانات. ألم يقل كانط أن "المدرسة ليست هي المكان الذي يجب أن نتركه ، بل المؤسسة التي تهدف ليس فقط لمعرفة الحقيقة على وجه الخصوص، ولكن لتعلم التفكير"؟
خلاصة القول أن أزمة التعليم عند العرب هي عينة من أزمة التعليم في العالم بما في ذلك الدول المتقدمة إذ يشهد الكون اليوم تراجعا رهيبا للعلوم الإنسانية في ظل تفجر الثورة الرقمية وتعويض الفيديوسفير الغرافوسفير وحلول المرئي بدل المكتوب، كما أن المحاولات المبذولة من طرف بعض الهيئات المشتركة سواء العربية كالأسيسكو أو الدولية مثل اليونسكو لا يمكن أن يستهان بها وقد حققت نتائج مقبولة . ورغم ذلك تظل غير كافية ومحتاجة إلى حراك داخلي وتوفر قابلية ذاتية للتنمية والنهوض.فمتى يعود البريق إلى المدارس والمعاهد والجامعات في حضارة اقرأ؟ وما السبيل إلى شد رحال وجدان الناشئة إلى العلم مع تذكيرهم بأن المعلم كاد أن يكون رسولا وبأن العلماء هم ورثة الأنبياء؟
كاتب فلسفي
الأربعاء، يناير 27، 2010
زلزال هايتي وفوضى الإمبراطورية
زهير الخويلدي
"إن المسؤولية الأخلاقية تقتضي أن نأخذ بعين الاعتبار خير هؤلاء الذين تأثروا بقراراتنا اليومية دون أن يكونوا قد شاركوا في إتخاذها"[1].
يبدو أن بعض بلدان المركز فقدت الصواب وتخلت عن كل القيم الإنسانية التي أبدعها العقل البشري بعد رحلة من التقدم قادته من عصور الجمود إلى زمن النور ويبدو أن الكثير من دول الأطراف لم تعد قادرة على تحمل أعباء ومخلفات ما تصدره إليها دول المركز من نفايات سامة وسلبيات وما تصدره العولمة الاختراقية من فقر ومرض وبطالة وموت.
وقد تجلت هذه الداروينية السياسية المبرمجة التي تؤمن بالبقاء للأصلح والانتخاب الطبيعي مؤخرا في ما أصاب جزر هايتي من زلزال مدمر قضى تقريبا على ثلث سكانها أي مائتي مواطن برئ وحول عاصمتها إلى أكوام من ركام حيث ذهب ضحيتها العديد من الأشخاص من جنسيات مختلفة. وقد كشف الرئيس الفنيزويلي هوغو تشافاز نقلا عن مصادر روسية أن السبب الحقيقي وراء زلزال هايتي هو اختبار أجرته أمريكا على جهاز صدمات ونية البعض من بينهم إسرائيل استخدام أسلوب الكوارث الطبيعية مثل الصواعق والزلازل كطرق غير تقليدية في الحرب ضد بعض الدول المارقة وربما يكون النظام الإيراني وبعض فصائل المقاومة هو المستهدف القادم من هذه التجارب والمناورات.
إن قيام الدول المتقدمة ببعض التجارب التكنولوجية أو الصناعية والحربية غير التقليدية مثل "الكيمتريل" بقدر ما يفيد اقتصاديتها ويدفع البشرية نحو الأمام على مستوى التقدم المادي بقدر ما يضر بالتقدم الروحي ويهلك معالم الحياة في الدول النامية المجاورة لها والتي لا تتحمل المسؤولية ولا تجني أية فائدة من نجاح مثل هذه التجارب.
لقد أثبت قمة كوبنهاغ الأخيرة حول المخاطر التي تهدد الأرض مدى تكالب أقطاب العالم القدامى والجدد على الارتقاء الحضاري والتصنيع الطاقوي والحربي ولو كان ذلك على حساب البيئة والمحيط والأرض وبينوا عدم اكتراثهم بخطورة التهديدات بالتصحر وتناقص الأمل في البقاء والتعمير بالنسبة للنوع البشري على الكوكب.
إن تحذيرات بعض الدول الأمريكية بشأن الأضرار التي تحدث للطبقة الأرضية ولاستقرار المناخ وجيهة وذات مغزى وينبغي أن تؤخذ محل الجد من طرف الدول المصنعة لأنه لا يعقل أن يشطب مئات الآلاف من الآدمية بسبب حرص بعض الشركات الاحتكارية على إجراء تجربة نووية في عمق البحر أو في الصحراء رغم علم علماء الأرض لأن مثل هذه التجارب قد تولد مشاكل بيئية كثيرة وتحدث مضاعفات على التوازن وحركة التيارات المائية والهوائية وما تنتجه من أعاصير وكوارث في غير وقتها وتربك المشهد وتصيب المناخ بالجنون.
إننا نشاهد اليوم كيف ترتفع درجات الحرارة في الشتاء وتنخفض في الصيف وكيف أدت سخونة الأرض إلى ذوبان جبال الجليد في المتجمدين وارتفاع منسوب البحار فوق الدرجات المعهودة وهو ما يهدد بالطوفان واختفاء بلدان بأسرها من الخريطة ولنا في تسونامي خير مثال.
إن التفسير الفلسفي لما يحدث يتمثل عدم التناسب بين نمو القوة وتعاظم وسائل الفتك والتخويف ونمو الحكمة والتقدم في مملكة الغايات والقيم. إن عولمة التقنية قد تزايدت كثيرا بحيث أصبحت تمثل تهديدا خطيرا على التوازن الكوسمولوجي والتكامل بين الظواهر الطبيعية والمسؤولية الأخلاقية التي تشرع لها الإتيقا المستقبلية ينبغي أن تكون في نفس الحجم بالمقارنة مع كمية القوة العنفية التي تحاصر مستقبل الكائن الآدمي في الدنيا وتمنعه من الحلم والتحرك بحرية في الفضاء وحسن التصرف في الزمان.
إن الإتيقا المستقبلية كما بين هانس جوناس يجب أن تجمع بين معرفة الأسباب المادية التي تتحكم في الطبيعة من الناحية الموضوعية قصد توجيهها توجيها إنسانيا وبين معرفة الغايات البشرية من الناحية الذاتية قصد إصدار جملة من الأحكام والأوامر الإلزامية تجعل من فعل الإنسان في الحاضر مدركا للاستتباعات المنجرة عنه في المستقبل ومتحملا مسؤولية سكنى العالم ورعاية الوجود ومضطلعا بوظيفة الاستخلاف والتعمير.
إن المنطق يستوجب أن نعيد العقل والأخلاق إلى عالم يعيش دون ضمير ويعامل الأدميين دون رحمة أو شفقة وأن ننهي النمط الإمبراطوري في التواجد في الكون وننتقل من الفوضى الهدامة أوالخلاقة إلى التعقل الرشيد والتدبير العقلاني للشأن الانساني واستعادة التنظيم المؤسساتي للنوع البشري.
فكيف نعمل على مواجهة المخاطر المحدقة بالأرض نتيجة التصنيع ونوقف حمى التسابق على الإفناء؟ أليس المطلوب هو قيام ثورة خضراء ووعي ايكولوجي انسي من أجل إعادة الأمل إلى الوجود في عالم نظيف وخال من التهديدات؟
----------------------------------
[1] Hans Jonas, pour une éthique du futur, Editions du Rivages, 1998, p69.






