‏إظهار الرسائل ذات التسميات صالح خريسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صالح خريسات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، يناير 18، 2010

سخفاء بالرغم من براعتهم

صالح خريسات

أخطأ صديقي في تقديره للأمور، عندما دعا والده ووالدته، للتعرف على صديقه الأجنبي اليوناني، الذي حضر لزيارته، ومعه زوجته الفلندية.
فقد جلسوا في غرفة الاستقبال، وكانت الزوجة الفلندية، رشيقة القوام، جذابة المظهر، وطريقتها في اللباس، تضفي على مظهرها أناقة لا تبدو متكلفة.
وحسبما نقله صديقي، فإنها لم تكن تضع مساحيق للتجميل على وجهها، ولا تضع أساور ذهبية في معصمها، إلا أن قلادة من العقيق اللحمي، كانت تتأرجح على صدرها المكشوف، بدت كافية لتألقها، فيما بدا شعرها الذهبي كأمواج السنابل، تتجاوب مع كل نسمة هواء طارئة.
ومن سوء حظ تلك السيدة –يقول صديقي- أن تنورتها كانت قصيرة نسبياً، والسلسلة كانت مفتوحة عند خصرها، تتدلى منها ماركة تجارية "جيدة الصنع"، وعلق صديقي على ذلك قائلاً: إن والدها ثري، ويمتلك ميداناً خاصاً لسباق الخيل، وبدت تلك السيدة الأجنبية، منطلقة في أحادثيها العفوية، وهي تحاول أن تعبر بلغتها المختلطة بالعربية، عن مشاعر الغبطة والسرور، بهذه الزيارة غير الطبيعية، التي قلما يجود الزمان بها، سوى مرة واحدة في العمر كله.
وقالت: هذا شيء لن أنساه أبداً،.. لن أنساه أبدا، ولو عشت مائة سنة.
وجرى حديث بين الرجال الثلاثة، عن تبدل الطقس في مدن العالم، ومطاراتها، وانعكاسات ذلك على الصحة، وتطرقوا للحديث عن ظروف السفر ومتاعبه، وإجراءات الأمن في المطارات، وشكر الزوج الأجنبي والد صديقي، لإعطائه فرصة التحدث عن أشياء كثيرة، تخص اليونان، فبلادهم بلاد الحضارة، والفكر، والثقافة.
وفي الجانب الآخر، جرى حديث بين السيدتين، على أن والدة صديقي، لم تتجاوب مع تلك السيد الأجنبية، إلا بكلمات الترحيب المعتادة، والإيماءات الموافقة، على كل ما تقول.
وقال والد صديقي: إنه يشعر بسعادة غامرة، لأنه يتحدث مع سيدة محترمة، بينما شعرت الأم بأن زوجها يبتسم باستمرار، على غير عادته، أو أنه قد أسر تلك السيدة، بطريقته المهذبة في الحديث، وأدبه الزائد، وحين وجهت تلك السيدة حديثها، إلى والد صديقي، لتعبر عن امتنانها لهما، ووضعت ساقاً على ساق، حدث ما لم يكن بالحسبان، فقد نهضت الأم من مكانها، وتناولت بشكيراً كان معلقاً على الحائط، وألقته على سيقان تلك السيدة بنزق وعصبية، الأمر الذي أدهش الجميع، وأخرس ألسنتهم، بعض الوقت.
وقد لاحظ الجميع علامات الحيرة والذهول، على وجه تلك السيدة الأجنبية، التي نظرت إلى الأم بدهشة، وكأنها تسألها عن سبب تصرفها، وبأي حق تتحكم في أفعالها، أو حركاتها؟ ولكنها رأت من الأفضل، أن لا تفكر في الأمر كثيراً، وتظاهرت بالغباء، وحملت البشكير وألقته جانباً، وقالت لزوجها: يجب عدم الاكتراث".. لا شيء له قيمة".
وفيما حاول صديقي أن يتدخل، معاتباً والدته ليكون تصرفها إزاء السيدة الأجنبية، أرقى مما بدر منها، عادت والدته من جديد، وألقت البشكير مرة ثانية على سيقان تلك السيدة، وقالت: "الحشمة مطلوبة"، ونظر الزوج إلى زوجته، وكأنه يطلب منها أن تتحلى بروح رياضية، وتمنحه فرصة للتدخل، وقال لها: من الأفضل أن يعد الأمر منتهياً، إنها لا تقصد الإساءة إليك! ووجد صديقي نفسه في ورطة شديدة،لكنه بدا يتماسك عندما نهض والده، متعللاً بوجود أعمال كثيرة،لابد أن ينجزها، وأخذ بيد زوجته وهو يقول:. كنت في منتهى الصبر معك!.
وانزاح عن صدر صديقي وطأة الموقف، وعاد لتهدأة خاطر تلك السيدة، موضحاً أن والدته لم تكن تقصد غير ما جرت عليه العادة في بلادنا، وقال إن معايير الشعوب وقيمها مختلفة، وفي بلادنا توجد ضوابط اجتماعية، وقيم أخلاقية، لا يصح تجاوزها، وبخاصة في المدن المحافظة، فهم يفضلون الملابس الطويلة للنساء،وغطاء الرأس أيضاً.

السبت، يناير 16، 2010

التنظيمات المسلحة البائسة

صالح خريسات

أسوأ ما يمكن الاعتراف به الآن، أن كل التنظيمات الإسلامية المسلحة، وحركات الإصلاح الديني، والتحرر الوطني المزعومة، أفسدت الجهود العالمية لتحقيق السلام، وحماية الحقوق والحريات الإنسانية.
وفي تصوري، أن هذه التنظيمات، قدمت صورة مغلوطة للتصور الإسلامي للإنسان، على أساس من حريته، واعتبارها رمز إنسانيته، وأساس تميزه، ومناط تكليفه ومسؤوليته.
فما من إنسان على وجه المعمورة، إلا ويدرك المطالب الحقيقة لكل الشعوب الأرض، فهي تدافع بضراوة، عن الحرية ضد الطغيان، وتحاول إنقاذ العدالة، من الظلم والقسوة، وكل أشكال الاستبداد، الفكري، والسياسي.
لكن هذه الحقوق المشروعة، تحولت بين يدي التنظيمات الإسلامية المسلحة، والجماعات المتطرفة، إلى أورام سرطانية، تروع الشعوب، وتهدد أمنها، وكيانها السياسي المستقل. هذا الكيان الذي تحقق بفعل إرادة الشعوب الحية، وقيادتها السياسية، المنفتحة على العالم الحر، والحضارات الإنسانية، وليس بفعل هذه التنظيمات المتقوقعة على نفسها، في ألمغر، والوديان، مع الوحوش والبهائم، ولا تكاد تعرف من أمور الدنيا شيئاً.
ومن طرائف ما يجب ذكره، أن العالمين العربي والإسلامي، وعلى امتداد تاريخهما السياسي الطويل، لا يكادان يذكران بالفضل، لأي من هذه التنظيمات المسلحة، والحركات الدينية، أنها حققت لهما استقلالا،ً أو منحتهما قوة، يواجهان بها عدواً، بل كانت هذه التنظيمات، وما زالت، مصدر قلق وأضعاف لهيبة الدولة، وقوتها السياسية، والعسكرية، ابتداء من الشرارة الأولى، في العهد الثالث من الخلافة الإسلامية.
فبسبب تنامي ظاهرة العنف المسلح، وأشكال التدمير والإرهاب، التي تسلكها هذه التنظيمات، يترك مئات الألوف من العرب والمسلمين أوطانهم، ويتحولون إلى لاجئين في العراء، وغرباء يعيشون على فتات ما تقدمه الجمعيات الإنسانية، والصليب الأحمر، وليس الهلال الأحمر، هربا من الموت المفاجئ، بفعل انتحاري مهزوم، أو سيارة مفخخة، يقودها رجل بغيض حاقد، لم يستأنس بعد.
وباسم الحرية المزعومة، ومحاربة الطغيان، يسقط المئات من العرب والمسلمين، وتدمر المؤسسات الوطنية، والمصالح العامة، وهيأت خدمة الشعب، وتفقد السلطات السياسية، هيبتها الدولية، وتضيع الأموال، وينعدم الآمن، ويتهدد الاقتصاد والوطني، ومستقبل الأجيال، ويتأخر تقدم البلدان، مئات السنين.
هذه المشاهد الدموية المرعبة، وأشكال الموت، تتكرر يومياً في العراق، وفلسطين، ولبنان، والسودان، والجزائر، وأفغانستان، والباكستان، وفي كثير من البلدان العربية والإسلامية.
وكأن النظرية التي قدمها الغربيون، بقولهم: "المسلمون أصدقاء الموت، أعداء الحياة.. أينما يكون الإسلام، يكون الجحيم الأبدي" هذه النظرية لا تحتاج إلى إثبات، لأن الواقع ينطق بصحتها.
ومما يدعو للدهشة والاستغراب، أن هذه التنظيمات، تعبر عن موقفها، بأنها تدافع عن الحرية، وتساهم في حماية الحقوق الإنسانية، ولكن مع القبول بفكرة الموت، والقتل، والترويع، والتعذيب، والتمثيل بجثث القتلى..!
وتقوم المحطات الفضائية البائسة، الناطقة باسم هذه الحركات والتنظيمات، بتزوير الحقائق، بالعبارات المنمقة، سعياً إلى تغيير أنماط التفكير، عند الفقراء والمساكين، من أجل تجنيدهم في فرق الموت،

الخميس، يناير 14، 2010

لله يريدنا أحرارا

صالح خريسات
الاستقلال نزعة إنسانية ذات طابع تحرري نبيل، تهدف إلى نوعين من الحرية: حرية الأمم والشعوب، ويعنون بها عدم الخضوع لحكم الأجنبي، وحرية الفرد، ويقصد بها التخلص من ظلم القوى القهرية غير الواعية، والمحاولات المذلة والخطرة التي يمارسها الأوصياء من أصحاب النفوس المريضة، تجاه العقل البشري وحريته الطبيعية المقدسة.
وبهذا المعنى، فإنه ابتداء أساسه الوعي، وهو ثورة فكرية ضد التقاليد البالية، ودعوة جريئة للبشرية، في سعيها المقدس نحو التحرر، من أغلال العبودية بكل أشكالها، وصورها المختلفة، من أجل التقدم والتعاون المشترك، بين البشر في مختلف مسالك الحياة.
وفي ذاكرة الشعوب الحية، يتربع الاستقلال على قمة المجد والتضحية والفداء، ويعبر عنه في دول العالم،بالراية ذات الدلالة على الحرية والمجد،وتصنع الشعوب شعارا خاص بها،يرمز إلى الشرف الرفيع، الذي تفاخر به الأمم، ونضعه بين عيني رجالها،في ميادين التضحية و الفداء، ليمارسوا عليه حراسة مشددة، ويحمونه بالمقل والأرواح.
فالاستقلال بالنسبة إلى الشعوب، أنبل مجد اكتسبه الرجال العظماء، من أجل كرامة الأجيال القادمة، فالزمن لا ينتقص من الأمجاد التي يخلفها هؤلاء الرجال الأفاضل، فنور فضلهم يبقى بعد موتهم يضيء.
وقد وهبنا العظماء، حياة هانئة، آمنة مستقرة، تكاد تخلو من كل أشكال الهيمنة، والعبودية، والاسترقاق، ووفروا لنا ضمانات الحرية، والسلامة الشخصية، وهو ما لا يتوافر، في ظل الحكم الأجنبي، وممارسته اللا إنسانية.
وإن إيماننا بالاستقلال، نابع من عقيدتنا، وحبنا للحرية لأنفسنا، ولغيرنا من بني الإنسان، فديننا الحنيف، يقوم على مبدأ التوحيد، ومبدأ التوحيد القائم، على لا إله إلا الله،هو منطلق كل الحريات الإنسانية، وقد أمرنا أن لا ندين، أو نتبع إلا الله، جلت قدرته، وبهذا خلصنا من كل أصناف العبودية، والتبعية، والالتزامات التي يحاول الآخرون،سواء كانوا دولاً، أو أفرادا، أو جماعات، ترتيبها في أعناقنا ً.
فالله يريدنا أحراراً، بكل ما تحمله كلمة الحرية من معنى، ويأمرنا أن نحافظ على حريتنا، وأن نكون جديرين بها، ونجاهد في سبيلها، مهما كلفنا ذلك من تضحيات، فالشيء الذي لا ينال بالرضا، قد ينال بالثورة، وما يقوم بالثورة إلا يائس.
وإذا كان الاستقلال قد خلصنا من عبودية الاستعمار، فقد كان فرصة لاستعادة الشعور بالأمن والأمان، وتوجيه ولاء الفرد نحو كيان سياسي محدد، هو الدولة أولا، ومن ثم الأمة.
والولاء درجات ودوائر متعددة، يبدأ بالأسرة أولاً، حيث لا تتحقق حياة الفرد وحريته، إلا في علاقة سليمة بالأسرة، والمجتمع، والدولة، والأمر يقتضي، خلق وتعميق قنوات للربط والاتصال، بين دوائر الولاء، بحيث يسودها الطابع التكاملي.
فالولاء للدولة القطرية أولاً، كما هو شعار كل الدول، ليس عيباً، وقد أخطأ من حاول أن يقفز فوق الولاء للدولة، إلى الولاء للأمة العربية، أو الإسلامية، ولا ندري كيف يتم العبور بدون الجسور التي تصل بين الشقين؟! إنما الولاء للقطر ظاهرة صحية، تعني أصلح نفسك أولا، تنفع الآخرين.
ويمكن أن يوجد الولاء للقطر، إطار عربي إسلامي، والعروبة لا تتعارض مع الإسلام، بل هي وعاء الإسلام الذي يمثل مصدراً هاماً من مصادرها.
وكل ما يجب أن نسعى إليه الآن، أن نجد لأنفسنا موطئ قدم، على خريطة التقدم الإنساني، أسوة ببقية شعوب العالم المتحضرة، ولكن علينا واجبات، كأعضاء في الإنسانية، وفي بلد يرتبط بعلاقات مختلفة، مع دول العالم، ولذلك يتطلب منا القانون الأخلاقي، بأن نعمل في اتجاه التقدم الإنساني، فيجب أن يكون التقدم ممكناً، أو على الأقل، يجب أن نعتقده ممكنا، ومن هنا ننطلق.

الثلاثاء، يناير 12، 2010

نظرية الردع بالشك الحرب الاستباقية

صالح خريسات

الردع بالشك، نظرية سياسية، عسكرية، جديدة، ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وهي تعني الضربة الاستباقية، وشن الحرب، ضد ما من شأنه أن يهدد الأمن القومي الأمريكي، أو السلم العالمي، على حد تعبير الإدارة الأمريكية.
المشكلة أن هذه النظرية، لم تحتوي معايير دولية ثابتة، لما يمكن أن يهدد الأمن القومي الأمريكي , أو يهدد السلم العالمي، فما قد تراه الولايات المتحدة تهديداً لأمنها القومي، قد لا تراه الدول الأخرى, وما تراه إسرائيل غير ما تراه الدول العربية...، وهكذا؟
فالحرب على العراق حرب استباقية، بذلت الولايات المتحدة جهدها، لتأكيد خطورة النظام العراقي السابق، على الأمن القومي الأمريكي، وعلى السلم العالمي، وادعت أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، يهدد بها دول المنطقة.
وسبق الحرب على العراق, الحرب على أفغانستان، بحجة أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 م، وادعت الولايات المتحدة أن حركة طالبان، و تنظيم القاعدة، بزعامة أسامة بن لادن، يسعيان إلى تصدير الإرهاب إلى قلب أوروبا، و أمريكا.
وبدأت الدبلوماسية الأمريكية، وماكينات الإعلام تعمل في اتجاه واحد، وهو إقناع دول أوروبا بان أمنها مهدد، و مصالحها مهددة، في كل أنحاء العالم, و الهجوم خير وسيلة للدفاع...!
وكان هدف أمريكا، من هذه الدبلوماسية النشطة، والحرب الإعلامية، الاستباقية، تهيئة الظروف لتشكيل قوات التحالف المشتركة، من اجل توزيع الأعباء، و اتساع المشاركة بهدف تقليل الجهد، والوقت، وضمان الحصول على النصر، وكانت هناك أسباب غير ظاهرة، تتعلق بإشراك دول أوروبا بالهزيمة، أو النصر، إذ ليس من السياسة، أن تقامر الولايات المتحدة، وهي قائدة العالم في النظام العالمي الجديد، بموقعها كدولة عظمى، تخرج منهزمة في معركة غير متكافئة، مع دولة صغيرة، ليست ندية لها، وهو مالا تقبله الإدارة الأمريكية، ولا تراهن عليه، فأما أن تكون أوروبا بأكملها منهزمة (كقوى متحالفة)، أو منتصرة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
وحين طفحت في أذهان قادة دول أوروبا، تساؤلات عن أسباب هذه الحرب، وحول ما إذا كان العراق يحتاج إلى كل هذه الحشود العسكرية، الضخمة، و تقنياتها العالمية ، عملت الدبلوماسية الأمريكية، والإعلام على إظهار الجيش العراقي، بأنه أسطورة العالم، و اكبر جيش عرفه التاريخ العسكري، من حيث العدة، و العدد، وبدا الحديث عن أسلحة خيالية، يملكها الجيش العراقي، وتم تصنيعها بأيدي العلماء العراقيين، المنتظمين، في الحزب الحاكم، منها الجمرة الخبيثة، و غازات الأعصاب بأنواعها المختلفة، و الأسلحة الجرثومية، و الأسلحة الكيماوية، و البيولوجية، وقنابل عجيبة، سمتها الإدارة الأمريكية (أسلحة أخرى ).
وصدق قادة أوروبا، كل ما يقال بشأن أسطورة الجيش العراقي، ووضعوا عصابة على أعينهم، و تركوا الولايات المتحدة ، تقودهم إلى حرب مجهولة الأسباب، و النتائج.
وبدا واضحا،ً أن طريقة استعراض القوة، أثناء حشد قوات التحالف لجيوشها، و معداتها العسكرية، الضخمة، من البوارج، و الطائرات، و الصواريخ، وغيرها، تظهر أن نتائج الحرب على العراق، لم تكن واضحة في علم الإدارة الأمريكية، و تقاريرها مشكوك في صحتها، ولا نغفل تضارب التصريحات العسكرية، و السياسية، من المسؤولين في الإدارة الأمريكية، حتى بدا الوضع وكأنه مسرحية، غاب مخرجها في إجازة، ولم يعد حتى الآن.
ونحسب أن الولايات المتحدة الأمريكية، خسرت حرب المعلومات في كل من العراق، و أفغانستان، رغم ما تمتلكه من أجهزة مخابراتية، وخسرت الحرب النفسية، التي كان من المفترض إن تجعل الجيش العراقي، وحركة طالبان، وتنظيم القاعدة، يتقبلون الهزيمة، قبل أن تبدأ الحرب، وتجعلهم في حالة سيئة من الروح المعنوية، بل إن الإدارة الأمريكية أظهرت للعالم اجمع، بان جيوش الحلفاء ستذهب في نزهة، وان الشعب العراقي سيستقبلها بالورود!!
وإذا كنا نثبت فشل نظرية الردع بالشك، و الحرب الاستباقية، فإن الأسباب التي قادت إلى هذه الحرب، لم تكن موجودة في الأصل، وهي ادعاءات مضللة قادتها الدبلوماسية، في البيت الأبيض، وأشاعها الإعلام، لغايات تعلمها الإدارة الأمريكية و إسرائيل.
فالعراق خرج من حرب طويلة مع إيران، استمرت ثماني سنوات، استنزفت قدراته العسكرية، و الاقتصادية، ولم يكن يهدد امن العالم، وليس بمقدوره ذلك، ولكنه في الواقع كان يهدد امن إسرائيل، وكان يملك النفط، و النفط وإسرائيل، التزام أمريكي قومي.
و العراق لم يكن يملك أسلحة الدمار الشامل، بل إن إسرائيل وحدها من بين سائر الدول العربية، تمتلك هذا السلاح و تهدد به.
ومن المفارقات العجيبة، أن الولايات المتحدة، التي قادت هذه الحرب غير المتكافئة، لمنع العراق من امتلاك قدرات نووية، تقوم هي باستخدام السلاح نفسه في حروبها المختلفة، في أفغانستان، والعراق، والبلقان.
وإذا كانت الجهود الدولية، قد اثمرت في إقناع بعض الدول، في التخلي عن برنامجها النووية، مثل ما فعلت ليبيا مؤخراً، أو من خلال ضغوط الولايات المتحدة، مثل ما حدث مع إيران، فان إسرائيل لم توقع بعد على معاهدة حظر الأسلحة النووية، و تعتبرها أشياء تخص إسرائيل !!

الأحد، يناير 10، 2010

القلق في التجربة الفكرية.. على طريقة واعبد ربك حتى يأتيك اليقين

صالح خريسات

ثمة حقيقة يجدها الإنسان المفكر في توعية لذاته، وهي الشعور بقدرته على إخضاع كل شيء لفكره، حالما يتحصن في قلعة شخصه ، و تعزله ملكاته، و يدخل في تجربته الخاصة، في ميادين القلق الروحي و الفكري.
فالقلق ليس إلا شكلاً من تجربة المفكر و الأديب، و هو روح الإبداع المتوقد في ذهن الفنان، و الشاعر، و هو سر نجاحنا، أو فشلنا في السيطرة على الطبيعة، وإدراك حقائق الوجود.
و في تاريخنا الإنساني ، المفعم بالأسرار، كان للقلق تأثير عميق في حياة الإنسان، منذ وجد على ظهر الأرض، فهو رفيق الأنبياء، و عنوان النبوة في تجربة إبراهيم عليه السلام.
فقد نظر في السماء ، فرأى كوكباً، فقال:" هذا ربي" ثم اتبعه ببصره حتى غاب " فلما أفل قال لا أحب الآفلين" ثم نظر إلى القمر ، فرآه بازغاً، فقال:"هذا ربي"، ثم اتبعه ببصره حتى غاب "فلما أفل قال لئن لم يهدن ربي لاكونن من القوم الضالين".
فالقلق ، كان التربة الغنية ،التي غذت عملية التذكير في تجربة إبراهيم _عليه السلام_،لكنه فشل في مراحلها الأولى ، فشل في الوصول إلى الحقيقة، وأراد أن يستمر في التجربة الخاصة، مستنداً على إرادته الحرة في التفكير المطلق، و بأنه قادر على مقاومة كل شيء. فلما دخل عليه النهار، و طلعت الشمس قال:" هذا ربي ، هذا اكبر، فلما افلت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون ، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض ، حنيفاً وما أنا من المشركين".
هذا القلق الروحي، خلق في قلب إبراهيم _عليه السلام_ نوعاً من الوعي المتمرد، جعله يدخل إلى بيت الآلهة، فراغ عليهم ضرباً باليمين. وفي محاكمته العلنية أمام الملك نمرود، قال له: من هو ربك هذا يا إبراهيم، الذي تدعو إلى عبادته ؟! "قال إبراهيم: ربي الذي يحيي و يميت " فقال نمرود: فأنا " احيي و أميت " فقال إبراهيم:" فان الله يأتي بالشمس من المشرق، فات بها من المغرب" "فبهت الذي كفر" فانتصر القلق بقوة التجربة الخاصة، و انهزم الباطل بوقوع الحجة.
هذا الاضطراب و القلق، لم يتنام و يكبر، إلا حول تجربة روحية قلقة، وإذا ما بحثنا عن المكان، الذي تأخذ فيه التجربة مكانها، فإن اصح مدلول لها في عالم الفكر، يجب أن نقول حسب اعتقادنا، أن المكان الذي لا يستهان به، و الذي تشغله هذه التجربة الروحية القلقة، هو القلب.
فالقلب محكمة الإنسان العادلة، و علينا أن نقر بأهمية القلق في حياة المفكر، و الأديب، فهو عندما يعمل بجميع الوسائل، لطرد هذا القلق عن نفسه، و يرتاح، فإنه في الواقع يثري تجربتنا الحياتية، و يساعدنا على التقدم و تطوير أنفسنا، في الوصول إلى الحقيقة.
إن هذه التجارب الخاصة، لا تتجلى عن طريق القمع، أو الاستبداد، و التصعيد، اللذين يألفهما الواقع الفكري، و الثقافي، والروحي أيضا، بل عن طريق تنامي هيمنة واعية، تبلغ الذروة بتبلور حقيقي.
فلو كنا قد بلغنا رؤية الحقيقة ملياً، لما بقينا ننشدها، لكن طالما لم نزل في طور البحث، فإننا نواصل بحثنا ، و نعي عدم كمالنا، ولسوف تظهر في الأفق حقائق كثيرة، تجعلنا نأسف على ما فاتنا من شمولية الوعي.
إننا لم نحقق الفكر في كماله، و طالما أن الفكر البشري، كما نتصوره هو غير كامل، فهو قابل أبدا للتطور و البحث، والتعليل،و إعادة النظر، للارتقاء نحو الحقيقة،وهذا ما لا يتحقق، إلا بوجود التجربة الخاصة، المبنية أساسا على القلق المصاحب لعملية التفكير، كما لاحظنا في تجربة أبي الأنبياء عليه السلام.
إن جميع التصورات الذهنية، التي يتمثلها الناس هي غير كاملة، و تشكل تجليات للحقيقة في ثوب من القلق و التردد، لأنها جميعها قابلة للخطأ.
إن الاحترام الذي نكنه لضروب أخرى من التفكير، لا يجوز أن تحجب عنا عيوبها، وعلينا أن نعي بشدة،عيوب تجاربنا الخاصة، و مع ذلك، لا يجوز أن نتخلى عن هذه التجارب، بل علينا التغلب على تلك العيوب.
فالتجربة ليست خطأ، ولكن الخطأ هو التحيز إلى تجارب خاصة، مع علمنا بأنها غير كاملة. وإذا كنا لا نتردد في اقتباس التجارب الذاهبة في الاتجاه الصحيح، فالواجب علينا أن نحترم التجارب الأخرى، ونقدرها، حتى يثبت لنا صحتها، أو بطلانها, على طريقة: "و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين".

الخميس، يناير 07، 2010

وفرعون .. ما رأيكم فيه ؟

صالح خريسات

مهما كانت النوايا طيبة ، فإنه لا يجوز لمن هب ودب، أن يقفزوا في قلب الضوء ليدلوا بدلائهم ، على غير علم ويسيؤا – بقصد أو بلا قصد – إلى القرآن العظيم، وإلى الدين الحنيف ، بحجة أنهم رجال دين، أو أئمة مساجد، أو خطباء في يوم الجمعة .
وإذا كنت أنئ بنفسي عن الزلل، والوقوع في فخاخ التفسير، ومصيدة التأويل الخاطئ لنصوص القرآن العظيم ، فقد أثار دهشتي إصرار سماحة الشيخ الجليل ،وإسرافه في تفسير الآية الكريمة، ورقمها 26 من سورة النور، وفيها قول الله تعالى:
" الخبيثات للخبيثين ، و الخبيثون للخبيثات ، والطيبات للطيبين ، والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ".
فقد جعل شيخنا، المقصود بالآية الكريمة ، أن الرجل الطيب، بالضرورة تكون زوجته طيبة ، وأن الرجل الخبيث، بالضرورة تكون زوجته خبيثة !! وهذا مما يخالف العقل، والمنطق، والضرورة ، وهو غير صحيح على الإطلاق .
واستشهد سماحة الشيخ بكتب التفسير، مما وقع بين يديه ، وذكر نساء النبي عليه السلام ، ونساء الصحابة من بعده ، وحديث الإفك ، وذكر مواقف اجتماعية متفرقة في التاريخ الإسلامي ، وربطها قسراً بظاهر النص القرآني ، وعلل ذلك بصحيح منطوق الآية الكريمة، ودلالتها .
ولن أستطيع هنا أن أتقصى كل ما في كتب التفسير، من أخطاء، ومبالغات ، وأوهام، تخالف العقل والمنطق ، ولست ذلك العالم المحيط ، الذي يستطيع أن يتصدى لمثل هذا الأمر البالغ الخطورة .


ولكنني فقط أحاول أن أسجل اعتراضي على هذا التفسير الخاطئ ،وأبين لسماحة الشيخ الجليل ، أن المقصود بالآية الكريمة : " الخبيثات " من الأعمال، والدسائس ،والفتن ،والقول الفاضح البذيء " للخبيثين " من الرجال "، و الخبيثون " من الرجال، لا تصدر عنهم إلا الأعمال الخبيثة، والقول الخبيث، فهم " للخبيثات " من الأعمال وليس النساء ، كما ذهب سماحة الشيخ .
ومثل ذلك : " والطيبات " من الأعمال وليس النساء ، " للطيبين " من الرجال " والطيبون " من الرجال "للطيبات " من الأعمال والقول الحسن ، وليس للطيبات من النساء .
وهذا ما يؤكده العقل، والمنطق ، وإلا فما هي أسباب مشروعية الطلاق ، إذا كان الرجل الطيب بالضرورة تكون زوجته طيبة ، والرجل الخبيث بالضرورة تكون زوجته خبيثة ؟!!
ثم إن التقرير الإلهي ، والإعجاز القرآني ، ينسحب على الإنسان، سواء كان ذكراً أو أنثى ، رجلاً أو امرأة، فما هو مكان الرجل غير المتزوج ، والمرأة غير المتزوجة ؟!
إن النص القرآني صادق، في كل زمان ومكان ، وهو يحاكي الضمير الإنساني ، لكل من كان طيب القلب، وحسن النية ، فله الطيبات من الأعمال ، ولكل من كان خبيث القلب، سيء النية ، فله الخبيثات من الأعمال ، والأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى .
وأقول لسماحة الشيخ ، ما رأيك بفرعون ؟ فقد كان خبيثاً مفسداً في الأرض ، وكانت زوجته صالحة ، ودعت الله أن يبني لها بيتاً في الجنة ، فهي من أهل الجنة !
أما نوح عليه السلام ، فقد كان نبياً صالحاً، وكانت زوجته خبيثة ، ولوطاً عليه السلام، كان نبياً صالحاً ، وكانت زوجته خبيثة !! فكيف ينطبق هذا الواقع مع التفسير الخاطئ للنص القرآني ؟!!
لكن الشيخ سامحه الله، أقفل باب الحوار، وانتقل إلى الحديث عن أعداء الأمة، وأعداء الدين، وعن المشككين، وتحول إلى شحنة أعصاب مكهربة، وارتفع صوته ،وبدأ وكأنه في معركة ضد من ليس لهم الحق في الخوض في قضايا الدين .

لأجل هذا أصبح العرف ألا يثير رجال الفكر والثقافة، جانب الدين ، ولا يتعرضون لرجال الدين، وأئمة المساجد بسوء ، ولا غرابة في هذا ، إذ كيف يجرؤ مفكر، أو أديب ،على رجل دين يحرك الجماهير بعمامته، ويجمع أموالاً وفيرة من الصدقات، ويجعل من المساجد منبراً له، بينما لا يجد المفكر من يسمع له .
إن هناك وهماً بين البسطاء من الناس ، فإنهم إذا رأوا مفكرا،ً يتحدث في قضايا الدين، لا ينجذبون إليه، كما ينجذبون إلى من أطلق لحيته ،وغير ثيابه . من أجل ذلك ظل الناس على قدر عقولهم من الإيمان !!

الأحد، يناير 03، 2010

تزوير التفسير

صالح خريسات
حين كانت تمر بي الآيتان 45،46، من سورة هود، ونصهما: "ونادى نوح ربه فقال: رب إن ابني من أهلي، وان وعدك الحق، وأنت احكم الحاكمين. قال: يا نوح! انه ليس من اهلك، انه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين". كان الشك يعتريني في تفسير أصحاب الدكاكين، من أن المقصود بقوله تعالى: " انه ليس من أهلك" أي من الذين آمنوا بك وتابعوك.
يقول المفسرون: إن القرابة قرابة الدين، وليس قرابة النسب وحده.وان قول الحق سبحانه وتعالى: " انه عمل غبر صالح " للمبالغة في ذمه، كأنه جعل نفس العمل، أي " وأنت يا نوح لا ينسب إليك العمل السيئ، فهو ليس من أهلك في الحقيقة التي يدعو إليها أنبياء الله ويعلنونها للناس، من أن العلاقة إذا كانت بين المؤمنين بالله، فهي ثابتة،وان كانت بين أنبياء الله، وبين أعدائه، فهي مقطوعة.
ويقول المفسرون: إن قول الحق سبحانه وتعالى، على لسان نوح عليه السلام: " إن ابني من أهلي " أي من الذين وعدتني بنجيتهم بقولك: " وأهلك " وان وعدك الحق الذي لا خلف فيه.
وتساءلت: هل كان نوح عليه السلام، لا يعلم أن ابنه ليس من الذين تابعوه؟! هل كان نوح لا يعلم ماذا يريد الله، وكيف يحكم؟! إن النصوص القرآنية، تفيد بأن نوحا كان يعلم أن ابنه ليس من الذين تابعوه، وقد دخل معه في حوار، لإقناعه بالركوب في السفينة، مع الذين آمنوا " وما آمن معه إلا قليل "
يقول النص القرآني: " ونادى نوح ابنه وكان في معزل، يا بني اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين ". وقد أعلن الابن قراره الرفض، وانحاز إلى الأكثرية الكافرة بدين أبيه، وحين أعلن الأب خوفه على ابنه من الغرق، وحذره من مغبة إصراره على كفره وعناده، قال الابن: " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء " قال نوح: " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ". وتسجل النصوص القرآنية، كيف أن عاطفة الأبوة، تحركت وفعلت فعلها في قلب نوح، عندما أخذت السفينة تجري بهم في موج كالجبال،فاضطر نوح تحت ضغط التجربة المرة، وهول المشهد، أن يذكر ربه بوعده، " فقال رب إن ابني من أهلي وان وعدك الحق " وأخذ نوح يجول ببصره وهو يبحث عن ابنه وسط الموج " وحال بينهما الموج، فكان من المغرقين ".
معنى ذلك أن نوحا عليه السلام، حين نادى ربه قائلا: " رب إن ابني من أهلي " كان يقصد النسب " أي من صلبي " " ولدته زوجتي مني " وانه كان يعلم مسبقا، أن ابنه ليس على دينه، ولكن ذلك لا يلغي صلة النسب والأبوة، ويجب أن نقبل ذلك بقوة، لأنه يصدر عن نبي يتصل بالخالق ويحاوره. إن مسألة الاختلاف في الدين، لا تلغي النسب الأصيل، وفي القرآن نصوص كثيرة، تؤيد هذه الحقيقة، وأهمها، أن إبراهيم عليه السلام، كان متصلا بنسب أبيه آزر، الذي كان يعبد الأصنام ويبيعها، ويشجع الناس على عبادتها، لكي لا تكسد تجارته، ومع ذلك فقد وعده إبراهيم بالدعاء له، ولم يخبر القرآن، بأن آزر ليس من أهل إبراهيم أو العكس، بل ثبت النسب وأكده، كما هو واضح في النصوص القرآنية.
وبمقياس الفكرة، فإن الرد الإلهي: " إنه ليس من أهلك " لا يقصد بها غير النسب، وصلة الابن بأبيه، بدليل عدم إنكار القرآن لصلة إبراهيم بابيه، والقرآن العظيم، لا تناقض فيه ولا خلاف. فإذا قبلنا بتفسير أصحاب الدكاكين، نكون كمن أدان نفسه بنفسه، نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض. والدليل الثاني، قول الحق سبحانه وتعالى " إنه عمل غير صالح " والدليل الثالث: " فلا تسألن ما ليس لك به علم ". وفي الواقع، فإن الإنسان يسأل عن الشيء الذي لا يعرفه، أو لا يفهمه، أما الشيء الذي يعلمه ويفهمه، فإنه لا يسأل عنه، فنوح كان في حد علمه أن ابنه من أهله، وأن الله وعده بتنجيتهم من الغرق، وقد دهش من استثناء ابنه من قول الله " وأهلك ".
وإذا كان القرآن يفسر بالقرآن، فإننا نجد في سورة التحريم، الآية رقم 10، ونصها: " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ".
يقول المفسرون: كانتا في عصمة نكاحهما فخانتاهما، أي فوقعت منهما الخيانة لهما. كانت امرأة نوح تقول للناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه. ويقول المفسرون: وليس المراد بقوله تعالى: " فخانتاهما " في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء. وهذا تزوير للتفسير الموضوعي للقرآن العظيم، لان النص الذي يلي ذلك يخالف هذه الحقيقة، فما معنى قول الله: "فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين" وانأ أسأل ابن عباس وكل العباسين:كيف يدخل النار من كان معصوما عن الوقوع في الفاحشة؟!
ومثل هذا التناقض في كتب التفسير كثير، وهي إذ تحتاج في بعضها، إلى إعادة نظر وتصحيح، فإنها تحتاج في بعضها الأخر، إلى إلغاء وإتلاف، لما تحتويه من تزوير للحقائق التي أراد الله إبلاغها للناس. إن المسلمين ينظرون إلى كتب التفسير، نظرتهم إلى القرآن نفسه، وهم لا يكادون يصححون فيها خطأ، وإن خالف العقل والمنطق، وإن ما فعله عثمان بن عفان، حين جمع القرآن، بعد أن خشي عليه من الضياع، نتيجة اختلاف القرآت بين الأمصار، يحتاج منا إلى حطوه مماثلة، بأن تجتمع أعلى هيئة علمية بين المسلمين، لتعيد النظر في كتب التفسير، وتخرج بتفسير واحد يوافق العقل والمنطق، ويتفق المسلمون عليه.

الخميس، أغسطس 20، 2009

مشكلة حركة حماس

صالح خريسات
ثمة ما يجب الاعتراف به الآن, وهو أن العلاقة بين حركتي فتح وحماس، لا تسير في الاتجاه الصحيح,ومهما غالينا في التفاؤل،فإن كل أشكال الحوار ومحاولات التوفيق بينهما، لن تؤدي إلى توافق وانسجام، في السياسة،وإدارة شؤون الحكم.فحركة حماس، شانها في ذلك شان كل الحركات الإسلامية المسلحة، تغرف من وعاء فارغ، تتوهم فيه الإصلاح والحل، للمشكلات التي تخلقها هي نفسها. فتدعي فساد أساليب الحكم، وتغلغل النفوذ الأجنبي، وهو الادعاء نفسه، الذي تكرره الجماعات الإسلامية، منذ الفتنة الكبرى، في التاريخ الإسلامي، وهي تلزم الشعب الفلسطيني، بالمداومة على الدفاع، عن الدين والوطن.وتستعين هذه الحركة، على تنفير الناس من حركة فتح، بتصوير ها حركة خارجة على الدين، عاصية أوامر الله، وأوامر خليفة الله في ارض الله المباركة، وكل الخطب التي يلقيها أعضاء هذه الحركة، تدور حول الحض على الدفاع عن الدين، تحت راية حركة حماس، وكل القضايا، السياسية، والإدارية، والاجتماعية، عند هذه الحركة، ملونة بلون ديني، يكاد يكون امتدادا للنزاع الصليبي في العصور الوسطى.إنها باختصار شديد، تريدها حربا دينية، بمقاييسها الفكرية.
وفي تصوري، فان الأزمة ترجع في جوهرها,إلى سوء ظن كل من الفريقين بصاحبه,وإلى عدم توافر الثقة, بين الفريقين,وإلى الجهل الذي يقود عادة إلى عصبية عمياء,وتحزب ضيق، لا يقوم على أساس من منطق،أو سياسة, أو دين.
ومع أنه لا نملك إلا أن نكره الاحتلال ألف مرة, ونقاوم آلة الاحتلال التي تسحق الإنسان بلا رحمة,ولا شفقة,فإننا لا نملك في الوقت نفسه إلا أن نقدم الموقف كما هو دون تفسير نفرضه على الواقع,أو إضافة إلى ما يجري على الساحة الفلسطينية.
فالموقف الآن، يكشف النقاب عن سوء تقدير حركة حماس، للظروف الإقليمية,والمناخ الدولي الراهن,ورغبة الشعب الفلسطيني،في أن ينعم بحياة حرة كريمة,يرى من خلالها,بصيص أمل في مستقبل واعد، مثل شعوب الأرض.
إننا لا نشك أن الغالبية من أنصار الفريقين، مخلصون ومخلصات، ولكننا ننبه إلى أن الإخلاص وحده لا يكفي، وقد يضر بمصلحة الشعب الفلسطيني، على نحو مما جرى بين الدب وصاحبه، حين أراد أن يحميه، فألقى بنفسه فوق صاحبه، فقتله.إن معركة العرب والمسلمين، مع أعدائهم، لم تعد معركة حرب، وسلاح، وتدمير، وصمود على القهر، والموت، والفقر، وتزوير الانتصارات. بل هي معركة ذكاء، ونهوض، وتقدم.ويا ليت المخلصين في غير ذكاء، من الجماعات المسلحة البائسة، في كل مكان، يدركون أن واجبهم أن يتركوا مجال الحكم، والدعوة، ونصرة الدين، لإخوانهم، الذين أتوا الذكاء، والمهارة، والمراس.إن ما حصل في الآونة الأخيرة، بين حركة حماس، وبين ما يسمى أنصار جند الله، المنهزمين نفسيا وعقديا، يكشف عن مستوى الفكر المتواضع، والعقلية المتخلفة، التي لا تتسع لأبعد من النوم على الحلم البعيد، والتمسك بالأمور المظهرية، في الزى، أو إطلاق اللحية، أو تقصير الثوب، أو مدى الحجاب، أو صوت المرأة، أو الاختلاط، مع انه مشروع في مناسك الحج، ومع أن الرجال يكونون أشباه عراة.هذه العقلية التي تعيشها الجماعات الإسلامية، الحالمة بالسلطة والتسلط، والرجولة الزائفة، والخطب المنبرية المقاتلة الشرسة، يجب أن تتوقف عن إثارة الفتن بين جماعة المسلمين، ويكفي ما يحدث الآن في بلاد المسلمين، من متاعب تثيرها هذه الفئات المقهورة.
ومنذ أن تقلدت حركة حماس مقاليد الحكم,وبعد أن نجحت في انقلابها المثير للشفقة، وهي تقدم كل يوم دليلا آخر، تدين به نفسها,وتشجع المجتمع الدولي،على المضي قدما في فرض حصاره, ومنع المساعدات عن الشعب الفلسطيني،عوضا عن مظاهر الرجعية، و الفلتان الأمني,وفوضى السلاح,والفتنة التي تطل برأسها بين الحين والآخر،وكلما دعت الحاجة إليها.
أما حركة فتح، فأرجو أن اذكرها بان الحركات الإسلامية، والتوجه الإسلامي، موجود على امتداد مساحة الوطن العربي الكبير، وقد وصل العنف إلى ذروته في كثير من هذه البلاد.والملاحظ انه كلما كان هناك انجاز وطني، للنظام الرسمي، كلما خفت وتضاءل حضور الجماعات الإسلامية.يعني ذلك أن تقصير حركة فتح في تحقيق الانجازات الوطنية، هو الذي ساهم في توسيع قاعدة حركة حماس، والحركات المؤازرة لها.لذلك فإنني أرى بان السياسة القمعية، ليست هي الحل لإنهاء المظاهر المسلحة بين الجماعات البائسة، والصحيح أن الانجازات الوطنية، الاجتماعية والسياسية، كانت وما تزال وراء هذا الهدوء الآمن في كثير من البلاد العربية والإسلامية، ما جعل هذه الحركات، تهدأ أو تختفي.لقد كان من نتيجة شعور هذه الجماعات، بعجزها عن مقاومة الانجازات الوطنية، في كثير من البلاد الإسلامية، أن ارتمت في اخضان القصر الحاكم.هذا ما تقوله الحقائق التاريخية.
إن الرصد التاريخي الدقيق، يكشف عن أن هذه الجماعات، كانت في مرحلة من المراحل التاريخية، على استعداد لان تصل إلى وفاق مع الأجنبي، في سبيل ضمان حصتها في الثروة والسلطة. وقد عجزت طوال حياتها، عن تقديم برنامج سياسي، قابل للتحقق على ارض الواقع، إنما هي تعيش في أوهام كتابات المخرفين وأصحاب الدكاكين، الذين لم يكن لهم عمل يعيشون منه، وتوافر لديهم متسع من الوقت ليضعوا لنا مثل هذه المؤلفات الضخمة، التي لا تميز بين الحقائق والأساطير، ولم تغن شيئا.
إن التاريخ السياسي للحركات الإسلامية، يفيد بان التوجه الإسلامي له وجود قوي في كل مكان، حتى بين الذين ليس لهم اتجاه سياسي واضح، فان بينهم وبين الجماعات الإسلامية علاقات صداقة وتعاون وتعاطف.وأشير هنا إلى عامل هام في هذه القضية، وهو أن الأثرياء الذين جمعوا أموالهم بطرق مشروعة، وغير مشروعة، ويشعرون بان اجلهم قد اقترب، بحكم عامل السن، أو العجز والمرض، و يريدون إن يكفروا عن ذنوبهم، يتصورون أن لديهم مهمة مقدسة، هي الدفاع عن دين الله بأموالهم، فيلزمون الشباب المتحمس بالمداومة على القتال، ويستمرون بجمع الصدقات ويرسلونها، في سبيل الموت الممجد كتضحية مقبولة. وقد أدت هذه الظروف إلى إحساسهم بالقوة، ومن ثم إحساسهم بإمكانية السيطرة على النظم السياسية، أو السيطرة على إرادة الحاكم والمشاركة في قراراته، وهم غالبا ما يطالبون بحق مراجعة القرارات قبل صدورها، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى الصدام مع النظام القائم.
وبالتأكيد فإن حركة حماس, لا تقصد سوى مصلحة الشعب الفلسطيني،ولكن كما تتبدى لها، وحري بنا أن نتساءل : لماذا الخطأ في تقدير الأمور؟ لماذا تعطي حركة حماس العالم، مبررا لمعاداة الشعب الفلسطيني، وهو أحوج ما يكون للمؤازرة والدعم والمساندة؟!
وجه الغرابة أننا ما زلنا على تواضعنا في المعرفة,فقد اعتبرت بعض الأوساط, أن وصول حركة حماس للحكم هو النصر الحقيقي للمقاومة،والحقيقة أن الاحتلال ثابت لا يتغير، والأشياء باقية على حالها,ورغبة الشعب في تصفية بعضهم البعض في تزايد مستمر,تارة باسم الدين,وتارة باسم الوطنية،وتارة بتهمة الخيانة,والتعاون مع الاحتلال,ناهيك عن الجرائم الفردية،التي تقع بسبب ظروف الفقر،والحرمان،والبطالة,والأمراض الاجتماعية.
ويبدو أن ضعف التجربة في العمل السياسي, والتعاليم التي دعت أعضاء حركة حماس، أن ينطووا على أنفسهم,وعن السلطة الفلسطينية,هو الذي دفع الأزمة إلى هذا المنعطف الخطير،فحماس تظهر وكأنها الفئة البريئة الطاهرة، بين مجموعة من الفاسدين،والخونة,والعملاء لجيش الاحتلال، وهذا غير صحيح.
ولكن دعونا نتصور لو أن حركة حماس لم تشكل الحكومة لأي سبب من الأسباب،واكتفت بأن تكون الورقة الرابحة بيد السلطة الفلسطينية وهي تخوض معركتها السياسية،مع الجانب الإسرائيلي،فهل تصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن؟ هل كانت هناك إمكانية لرؤية فلسطينية واضحة لتحديد معالم الدولة المنشودة ومستقبل الشعب الفلسطيني؟! هل كان الشعب الفلسطيني سيعاني من الحصار،وانهيار الاقتصاد الوطني,والمصادمات العسكرية,وتدمير البنية التحتية,وحرق المؤسسات الوطنية,هل ستكون هناك حالة من العدائيات مع المجتمع الدولي؟!
الواقع أن موقف حركة حماس يذكرنا بمواقف بطولية زائفة,أشغلت العرب بالتطبيل،والتزمير,لأشكال الحرب,وفنون القتل,وأعمال التدمير،ولكنها في الواقع جنت على العرب أنفسهم,ولعل انتباهنا الآن يتجه نحو العراق،والحرب المستعرة هناك والتي يبدو أن المنطقة ستعيش آثارها لفترة طويلة بسبب ما قد يحدث في سياق التحولات العالمية.
فموقف حركة حماس،يذكرنا فيما حدث بالعراق,فقد كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين يعتقد بأنه سيد اللعبة,وبأنه قد أخذ المبادرة باللحظة التي اختارها,بينما كانت وزارة الدفاع الأمريكية تحضر منذ شهور كي تلغي هذا النظام وتسحقه,وهذا ما حصل على أرض الواقع.
إن حركة حماس,تسير في الطريق المظلم,وهي تحسب أنها قريبة من الهدف,لكنها في الحقيقة تبعد أكثر,وتحتاج إلى مصابيح كثيرة, تنير لها عتمة الطريق،قبل السقوط في غياهب المجهول,وأفضل وسيلة للخلاص من هذا المأزق،هو التوحد في دعم السلطة الفلسطينية,وتمكينها من إقامة علاقات متوازنة,مع المحيط الإقليمي،والمجتمع الدولي,لكسر مظاهر الحصار،ووضع القدم على الطريق الصحيح.

السبت، أغسطس 15، 2009

ثقافة الحرب الحاسوبية

صالح خريسات
أكبر مأساة، في التطورات التي حصلت، خلال المئتي سنة الأخيرة، كانت تنامي الفكرة، التي مآلها، أن الحرب تجربة، ترفع إلى النبل، وأنه من المستحب، أن يقبل عليها الناس.
فالمواطن في بلد، يعتبر الرأي العام فيه، أن الحرب ضرورية، لا يفكر على العموم، بأفعال العنف التي ستجري. وإذا كان عسكرياً، فهو لا يتصور المعركة، إلا بصورة ضعيفة جداً، وأقل من ذلك، موته هو، أو إصابته بعاهة. لكنه يقبل مع ذلك، فكرة الحرب، والتضحية، وتضيع من ذهنه، صور المعركة.
إن إضعاف الطقوس والمعتقدات الدينية، يتجه نحو توجيه جميع القوى الوطنية، والدينية، والاجتماعية، ودوافع الرعب الجماعية، والرغبة في الكسب، والإثراء، نحو الحرب، وتنمية الشعور بالتفوق، والسمو للمقاتل الشرس.
انظر مثلاً، إلى العاب الأطفال المتوافرة في الأسواق، فهي معرض للأسلحة المتطورة، والأسلحة التقليدية، المستخدمة في كل أشكال العنف، والحرب، وجرائم القتل. وتقوم شركات التقنية، وأجهزة الحاسوب، بتطوير صناعاتها، وتزويدها بالخطط العسكرية، ووسائل القتال، لتتناسب مع ذهنية الأطفال، في العصر الحديث.
فأثناء اللعب على الجهاز، يتعرف الطفل، على أنواع الحوامات، كوبرا، وأباتشي، وعلى المدافع، والصواريخ المناسبة، لإسقاط هذه الطائرات. ويستخدم الطفل أثناء اللعب، غرفة القيادة، كأي ضابط عسكري كبير، ليدير الحرب بطريقته الخاصة، ومهارته.
وأسوأ ما في هذه الثقافة السلبية، تنمية الشعور لدى الأطفال، بقدرتهم على استخدام جميع أشكال الأسلحة المتطورة، ومعدات التحكم، من غير حاجة إلى التدريب العسكري، على كل سلاح.
فتبدو فكرة الحرب مقبولة، مادامت لا تتطلب منه، أكثر من أسلوب واحد، في التشغيل، وهو المنتصر في جميع الحروب التي يدخلها، بدليل، أن أوقات اللعب، تنتهي دون أن يصاب الطفل بأذى، ولا يشعر بحرقة فراق أمه.
والغريب، أن هذه الأجهزة، تسمح بإدخال أية تعديلات على هذه البرامج، حسب متطلبات المهمة القتالية، أثناء الهجوم، أو الدفاع. وهذه النقطة بالذات، من الخطورة بمكان، لأنها تولد لدى الطفل، وهماً كبيراً، بأنه هو المسيطر دائماً، ولا خوف عليه، من دخول الحرب، أو المشاركة في أعمال القتال.
وتشتمل ثقافة الحرب الحاسوبية، على أفضل استخدام لتوجيه الرمي، وهو يدخل السرور إلى نفسية الطفل، حين لا يخطأ الهدف.
ويتعرف الطفل على وسائل الحروب، والإنذار الجوي "صفارات الإنذار" والحروب النووية، والكيماوية، والجرثومية، ويوجه جنوده، أثناء اللعب، إلى لبس القفازات، ووضع كمامات الغاز، والألبسة الواقية، والخوذ،..
لكن أكثر ما يستخدمه الأطفال في ألعابهم، يقتصر على أنواع الصواريخ، التي تتسلح بها الطائرات العامودية "الحوامات"، مثل صواريخ جو – جو، والصواريخ المضادة لها، سترنجر، وقواذف هايدرا، والصواريخ المضادة للدبابات، وأشعة الليزر، وأسلوب استخدام التوجيه الآلي، والباحث الراداري،..
وقد قدر للكاتب، أن يقف إلى جوار مجموعة من الأطفال، يستخدمون هذه البرامج الحاسوبية، في بيوتهم، فبدأ اللعب، حين رصدت إحدى نقاط الرصد المتقدمة، رتلاً من دبابات العدو. فتم تحويل المعلومة، إلى مركز القيادة،.. أتخذ قرارك النهائي بسرعة،.. العدو يتقدم،.. عليك ضرب الأهداف وتحطيمها بقوة،.. هل استلمت؟!
ويكون الجواب،.. تم تحرير المعلومات إلى مركز القيادة،.. يقوم قائد الكتيبة، بصياغة الرد الملائم،.. نعم،.. لدينا ما يكفي من المدافع، لضرب الأهداف المعادية،.. كمية العتاد تكفي لإحراق العدو وإبادته. عليك تحديد الناس المؤثرة، وتفاصيلها، ودقة الرمي،.. استخدم النظام الآلي المخصص،.. اقتلهم جميعاً،.. تعقبهم حتى آخر جندي!
وكم تكون فرصة الطفل عظيمة، عندما بصيب هدفه، فيحرق دبابة، كانت تطلق القذائف بكثافة، أو يسقط طائرة معادية. وتكون فرصته على أشدها، عندما يقتل أكبر عدد من الجنود، فنسمعه يردد،.. اذهب إلى الجحيم،.. وأنت أيضاً، عليك أن تموت،.. يجب أن تموت، لن أدعك تهرب مني،.. تعال إلى هنا،.. أيها الوغد!.. يا حقير! وحين تنتهي المعركة بالنصر، ينهض الطفل من مقعده فرحاً، ليضرب بقبضة يده على الحائط،.. لقد فزت في المعركة!
ويضاف إلى هذه البرامج الحاسوبية، برامج الأطفال عبر محطات التلفزة، والفضائيات، وكلها ذات صبغة قتالية، حربية، شرسة، توجه الأطفال إلى متعة القتال، والاشتراك في الحرب، لقتل الآخرين. ومثل ذلك تفعل القصص المكتوبة للأطفال، والقصص المصورة، وحكايات الأجداد،.. هذا ما يفسر، تقبل الأطفال، لظاهرة الحرب، والموت؟ وهو ما يفسر أيضاً، الشعبية الحالية، التي تحظى بها الحروب، وكيف تقبل الشعوب عليها بشغف؟! فالحرب تنبع في الأساس، من التربية الدينية، والاجتماعية، ووسائل التوعية، وثقافة العصر.
إن لغة الأطفال للحرب – حيث أصبحت من خلالها كجزء من ألعابهم– تولد لديهم، الوهم، بأنهم يعرفون كل شيء، بخصوصها. وهناك أمر أخطر، إذ يبدو، أن ثمة عداء لا واعياً، وعاماً، يعارض آية دراسة من شأنها، أن تقتلع قدسية الحرب، من أذهان الناس.
وأفضل برهان على ذلك، هو أنه يوجد في كل مكان في العالم، معاهد للسرطان، وللسل، وللطاعون، لكن لا يوجد في أي مكان، معهد لدراسة الحروب، التي تؤدي مع ذلك، إلى ضحايا أكثر، من كل هذه الأمراض، والآفات مجتمعة. بل إن هذه الأمراض والأوبئة، غالباً ما تكون من نتائج الحروب.

الأربعاء، أغسطس 12، 2009

مشكلة التراث العربي الإسلامي

صالح خريسات
في حياتنا العلمية والأدبية المعاصرة، هناك مشكلة كبيرة، وعقبة كأداء، تعيق مسيرة التقدم العلمي و الاجتماعي، وتضاعف من إساءة استخدام الثقافة، وحرية الفكر، والإبداع.
هذه المشكلة، هي "التراث العربي الإسلامي " الذي أخذت قوته في الانتشار على نطاق واسع، وحتى في الأماكن الضائعة والخفية، التي جعلت منه ركيزة قوية، يعتمد عليها المسحوقون والمظلومون، لاستعادة حريتهم،وكرامتهم، وإنسانيتهم.
بيد أن هذا التراث الضخم، يشكل في الوقت نفسه، حاجزاً نفسياً، يحول بيننا وبين إمكانية التقدم، خطوة واحدة نحو الأمام، وهو بما يتمتع به من احترام، وتبجيل، وسط الأغلبية، يمنع عملية الإصلاح والتنوير، ويدفع كل أشكال التطور الاجتماعي إلى الوراء.
وإذا كان العالم بأسره، محكوم عليه بأن يخضع للتكنولوجيا، بدعوى أنها القادرة على توفير السعادة الحقيقية للإنسان، فإن هناك من يصر على أن يبقى حبيس أحد مراحل التاريخ الغابر، وفي قبضة الماضي وهيمنته، كالطفل الذي يتوقف نموه، ويتحول على مر السنين إلى مجرد قزم، لا مكان له إلا حلبة السيرك.
وقد امتدت مساحة هذا التراث، وزادت خطورته أكثر في عصر التكنولوجيا، والتقنية الحديثة، ليشمل المحطات الفضائية، بما تقدمه من برامج الوعظ والإرشاد، وأعمال الدراما التاريخية، تلك الأعمال التي تعزز من قيمة هذا التراث، وتصبغ عليه حالة من القداسة والإعجاب، فيستولي على قلوب الجماهير، ويلغي كل أشكال الثقافات الأخرى، بل ويحقرها في سبيل أن يرفع سويته. على الرغم من كل ما فيه من سلبيات،وفوضى وأحزان.
ويشهد هذا التراث أيضاً، إقبالا شديداً من قبل ناشئة العرب والمسلمين، في الجامعات ومعاهد التعليم، ومن كبار المؤلفين، الذين يتنافسون في إصدار الكتب الضخمة الحجم، التي لا تغني شيئا سوى أنها تستثير حماسة القراء، وتبعث في نفوسهم الغرور، بدلاً من أن تنير عقولهم، وتثقفهم الثقافة التاريخية العلمية الصحيحة.
وتصبح المشكلة أكبر، حين تدرج أسماء هؤلاء المؤلفين، ضمن كبار العلماء العرب والمسلمين، ويأخذون نصيبهم في التدريس بالجامعات، ويمثلون بلادهم في العالم المتقدم. بيد أنهم يخلقون جيلاً من القراء السطحيين، الذين يقبلون على كتب الأدب والفقه،والتنجيم، وتاريخ القبائل، والأنساب، وكلها رخيصة ومألوفة، لكن الجماهير يكبرون مؤلفيها وناشريها، وهذا هو سر رواج سوقها، وكثرة الطلب عليها.
وليس كل ما في التراث العربي الإسلامي، قيماُ وإيجابياً، فهو يشير إلى ماضي العرب والمسلمين، ويذكر أمجادهم العلمية والفلسفية في إشارة غامضة عابرة،مقتصرة على تعديد الأسماء، وذكر النظريات، وسرد المؤلفات، والإشارة إلى إعلام الباحثين الغربيين، الذين تأثروا بها، دون التركيز على حقيقة الإنتاج العلمي العربي الإسلامي.
وبالتأكيد، فإن الحديث عن أمجاد الإسلام، أداء لبعض الحق، ولكن الاقتصار عليه تخدير للعقول، وانصراف إلى الماضي، أو بعض الماضي، عن مسؤوليات الحاضر والمستقبل، كما أن هذا التراث الضخم، يشمل الصفحات الدامية، والصراعات الداخلية بين أبناء الأمة، وقد ظلت هذه الصراعات الفكرية، والسياسية، والحربية، قائمة لا تهدأ إلا لتقوم، وفي الاختصار عليها، وإعطائها أكبر العناية، ما يملأ النفوس ألماً وحزناً، وما قد ينعكس عليها يأساً من الحاضر، يمتد إلى المستقبل.
ولا ريب في أن أهم عقبة تقوم في سبيل التحرر العقلي، هو هذا التقليد لكل مألوف وموروث، وهو الرجعية التي حاربها الإسلام حرباً لا هوادة فيها " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول،قالوا حسبنا ما وجدنا عليه إباءنا " وذلك لأنه ينشأ عن الهوى المضل، الذي حرص الإسلام على تطهير النفوس منه وتخليصها من أسارة. فالنفوس المريضة لا تدرك الحقائق إلا بمنظارها الخاص، ومن شأن هذا الهوى، أن يقود صاحبه إلى المهالك.وفي واقع المسلمين المر،وما في حياتهم من تناقضات،وما في تأخرهم الفكري والحضاري،ما يغني عن الشرح والتعليل.

الخميس، يوليو 30، 2009

وادي الجهل السعيد

صالح خريسات
اختيار الكلام أصعب من تأليفه. وقد أفضى هذا القول بي، إلى العشرينيات من القرن الماضي، حيث صدرت قصة رمزية، مترجمة عن الأدب الانجليزي، وذاع صيتها بين المثقفين وكبار الكتاب. وقد جعلت هذه القصة مقدمة لكتاب نفيس عن التسامح، كان يهدف إلى إلغاء ذلك المطلق المزيف، الذي هو مصدر كل هيمنة عمياء، على العقل البشري.
تتحدث القصة عن شعب كان يعيش في "وادي الجهل السعيد"، وقد سلم قيادته إلى عدد من "الكبار العارفين" الذين عكفوا على صفحات من كتاب قديم، كتبها قبل ألف عام، شعب مجهول.
وكان القدم يضفي على هذه الصفحات، لوناً من القداسة،حتى أصبحت معارضة ما جاء فيها، أو الشك فيه،تعرض أصحابها لسخط الناس.
وتصور القصة الجماعات المتساكنة في "وادي الجهل السعيد"، منطوين على أنفسهم،لا يعرفون شيئاً عن العالم، خارج واديهم، ويعتبرون التطلع إلى هذا العالم الخارجي، لوناً من الكفر. تقول القصة:
"وكانت تتلى عليهم في همس، عندما يخيم الظلام في أزقة قريتهم الصغيرة، قصص غامضة المعنى، عن الرجال، والنساء، الذين تجرئوا على أن يشكوا، أو يسألوا.. وكان يقال، إنهم ذهبوا ولم يعودوا..وكان يقال، أن عدداً قليلاً، حاولوا أن يتسلقوا الهضبة التي تحجب الشمس،ولكن هذه عظامهم البيضاء، مطروحة عند سفح الهضبة".
ثم تحكى القصة، أن رجلاً قد تجرأ على الخروج، على هذا الناموس،فطاف ما طاف،ثم عاد دامي الأقدام،منهوك القوى،ولم يكد يصل إلى اقرب باب، حتى سقط وقد أغمى عليه.فظل زمناً طريح الفراش، وقد صمم "كبار العارفون" على محاكمته، بعد أن تبرأ جراحه،لتجرئه على الخروج عن حدود الوادي..
ثم تصوره القصة، وقد اقتيد إلى ساحة كبيرة انعقدت فيها المحكمة، وأمره الكبار أن يلزم الصمت،ولكنه أدار لهم ظهره، واتجه إلى الجماهير،وراح يتحدث إليهم عما رأى، وعما اكتشف، ويقول فيما يقول:"وكنت عندما أسأل أحداً:ما وراء هذه الهضاب؟ كنت أجاب بهز الرؤوس، وبالصمت.وكنت إذا ألححت بالسؤال، أخذوني إلى العظام البيضاء، عظام أولئك الذين تجرأوا على تحدي الله، وكنت أصيح وأقول:هذا إفك،إن الله يحب الشجعان، فكان"كبار العارفون"يأتون إلي ويقرأون لي من الكتب المقدسة. وكانوا يقولون:إن كل شيء في السماء، وفي الأرض، مرسوم بالناموس. وإن هذا الوادي بنص الناموس لنا، نملكه ونعيش فيه. لنا حيوانه، وزهره، وثمره، وسمكه،نفعل بها ما شئنا. أما الجبال، فهي لله.وما وراء الجبال، يجب أن يبقى مجهولاً حتى آخر الزمان.
ويصيح"الكبار العارفون":زنديق..! هذه زندقة، ورجس، وتردد الجماهير كلماتهم. ثم يتناولون أحجاراً كثيرة، ويشدون على الرجل رجماً، حتى يقتلوه.
ثم تنتقل بنا القصة، إلى هذه البلاد نفسها،وقد حل بها الجفاف بعد سنين،وماتت الماشية من العطش، وأمحلت الغلات من الحقول، و"الكبار العارفون" مع ذلك كله، يتأنون بانقشاع المحنة، لأنه هكذا وعدتهم الكتب، التي بين أيديهم. ولكن المحنة لم تنقشع.
وأقبل الشتاء، وهلك نصف السكان لقلة الطعام، وعند ذلك حدثت ثورة، وتشجع الناس على الجهر بالدعوة إلى الهجرة إلى ما وراء الجبال. واحتج "الكبار العارفون"، ثم اضطروا للاستسلام، عندما رأوا المراكب تنقل المهاجرين، في طريقهم إلى اكتشاف المجهول. ويختتم الكاتب قصته بانتصار هذه الجماهير. وقد أفضى بها السير إلى حقول خضراء، ومروج نضرة. وعند ذاك تذكروا الرائد الأول، الذي رجموه بالأمس، فنقلوا رفاته ليدفنوه في البناء الشامخ، الذي كان خاصاً لسكنى "الكبار العارفين". فأين في زماننا تقع بلاد وادي الجهل السعيد، وما هي حدودها؟!.

الاثنين، يوليو 27، 2009

محاورات رجال الدين

صالح خريسات
هناك خطأ شائع، أرجو أن أسجل تحفظي عليه، وهو ما يتردد على ألسنة المفكرين والأدباء، في صيغة الحوار بين الأديان. فالحقيقة أن الديانات لا تتحاور فيما بينها لأنها في أصلها واحدة، ومصدرها واحد وهو الله في السماء. ومعلوم أن رجال الدين، الذين يمثلون الديانات، وينطقون باسم أتباعها، هم الذين يتحاورن فيما بينهم. ولأنهم ليسوا ملائكة، وليسوا معصومين من الخطأ، فإن الخلافات تبدو بينهم واسعة، وتحتاج إلى مؤتمرات كثيرة لبحثها، وتحديد سبل الالتقاء والتعاون. هذه المؤتمرات تنعقد بمبادرات شخصية، من الزعماء السياسيين، وقادة الفكر والرأي، الذين يدركون بحسهم العلمي، والإنساني، أهمية تشكيل قاعدة فكرية، يتم التأسيس عليها، من أجل إزالة كل ما علق بقلوب الناس، من أسباب العداء الديني، والصراعات الدامية، التي يدفع الإنسان الطيب،ثمنها من روحه، وأرواح أولاده، وأمنهم، ومعاشهم، ورخاء بلدهم، ومستقبل الأجيال التي لا ذنب لها، ولا مسؤولية.وفي الغالب تختتم هذه المؤتمرات إعمالها، بمشاركة مئات الباحثين، والمتخصصين، في شؤون الديانات السماوية الثلاث.وقد قدر للباحث, إن يضطلع على جملة من هذه المؤتمرات، ومراجعة مقرراتها، فهي دائما تركز، وسط أجواء العدائيات المستمرة، بين أ تباع الديانات المتعددة،وأعمال العنف والتدمير، بين الشعوب المتناحرة، تركز على ضرورة توسيع دائرة الحوار، لتشمل كل المعتقدات، على اعتبار أن الحضارات، تقوم على قاعدة الحوار بين الشعوب، وتبادل المعرفة، وتعميق أواصر التعاون. بيد أن اختلاف النوايا، وغياب مظاهر التفكير السليم،غالبا ما تعكر صفو المؤتمرات، وتضيع هيبتها وقيمتها الدينية والإنسانية والفكرية أيضا.وغالبا ما تنتهي هذه المؤتمرات، باتفاق دولي، على أن الإرهاب ظاهرة كونية، تجب محاربتها بمشاركة جميع دول العالم،وكأن الغاية من هذه المؤتمرات الدولية، معالجة ظاهرة الإرهاب والعنف، والواقع أن هذا الهدف، هو نتيجة الجهود التي من المفترض أن تبذل، لتصحيح الأخطاء الفكرية والمنهجية، والتعليم الهابط في المدارس، ودور العلم، فلا يجوز أن نقفز إلى النتائج، من غير التأسيس عليها، فنحن بحاجة إلى سنوات طويلة، من العمل والتهيئة لمثل هذه النتائج المرجوة. وقد وجدت أن الإعلان الختامي لهذه المؤتمرات، غالبا ما يكون مخيباً للآمال، فهو لا يمهد الطريق للقاء آخر. فما هي طبيعة مثل هذه المؤتمرات؟ وما هي خطوطها الأساسية؟ وهل هناك نقطة للتلاقي والاتفاق، ومحو أشكال التناحر، والتباغض، والاختلاف، بين الأديان والمعتقدات؟!.
إن حوار الأديان، أو حوار الثقافات، أو حوار الحضارات، وأحياناً الحوار بين الشرق والغرب، كلها ذات دلالة واحدة، وهي تعني اجتماع زعماء العالم، وقادة الفكر السياسي، والديني، وعلماء الأديان، والمعتقدات، على اختلاف انتماءاتهم العرقية، والدينية، والإيديولوجية، للتباحث والتعاون، في إمكانية تحقيق قدر مشترك من التعاون، بين شعوب العالم، وترسيخ السلم، والأمن، على الأرض، ونبذ كل أشكال العنف، والعدائيات، وأسباب التناحر والتباغض.
وتشكل مثل هذه اللقاءات، مناسبة هامة، يتبادل فيها العلماء، الأبحاث، والآراء، ويتناقشون في جو من الحرية، والحوار المثمر، حول موضوعات تقدم الإنسانية، ونشدان الرخاء، ومنع التجاوزات على كرامة الإنسان، وحقوقه، التي أقرتها الشرائع الدينية، والقوانين الوضعية.
معنى ذلك أننا بحاجة إلى قوة معرفية، وليست قوة السلاح، لكي ننتصر في مثل هذه اللقاءات العالمية، بعد أن ثبت للعالم، بأن الحرب لا تقتل عدوا،ً وإنما تقتل الإنسان نفسه، وتدمر حياته، وتلغي دائرة حريته، وسعادته.
ولم تعد ثقافة تمجيد الموت، كتضحية، مقبولة، ولم يعد العالم، يتحمل عدائيات جديدة، أو حرب إبادة، وتطهير عرقي. هذا ما تقوله الأوساط السياسية، والثقافية، في البلدان الأوروبية، وأمريكا. وهم الآن يرفعون شعارا، "بصفتي إنسانا فإن موطني العالم كله".
وإذا قدر لنا، أن نستقبل مثل هذا الشعار، بنوايا طيبة، فإننا بلا شك، نحتاج إلى معرفة أفضل، حول المشاكل التي تعاني منها، مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وبخاصة في هذا الوقت بالذات، حيث ما زالت الحواجز النفسية، بفعل العوامل الدينية، والتاريخية، والسياسية، تمنع قبول الآخر، وترفضه، وتهدد بإلغاء وجوده.
لا بد والحالة هذه، من تبادل معرفي وثيق، بين الحضارات البشرية، بمعزل عن الإنتماء العرقي للقوى المشاركة، في صنع تلك الحضارات. مع التشدد، على ضرورة احترام الخصوصية التاريخية، لكل شعب ميزت تطوره، وقادته إلى بناء دولة، معترف بها عالمياً.
ولن تفلح كل الجهود الرامية، إلى ترسيخ مبدأ شراكة السيادة فوق الأرض إلا إذا تولدت مرحلة جديدة، تفسح المجال أمام جميع الشعوب، للتعبير عن وجودها الحر، وسيادتها الكاملة على أراضيها، وامتلاك مصيرها بيدها، مع المساهمة النشطة، في بناء السلم، والاستقرار في العالم.
وكلنا ثقة، أن تلقى دعوة تكاتف زعماء الدول، وحرصهم على أداء هذه الرسالة الإنسانية، صدى في نفوس الخيرين والمدافعين عن حقوق الإنسان، لتنتقل هذه الرسالة، إلى الشعوب المتساكنة على ظهر الأرض، فتساهم هي الأخرى، في ترسيخ السلم والإستقرار في العالم، وبناء مجتمع إنساني جديد، تنتفي فيه الحروب، ويضمن للشباب العالمي، أجواء أفضل، من العدالة الاجتماعية، والحرية.
ونؤكد الآن، على ضرورة استمرار اللقاءات الدورية، و الحوار بين رجال الدين، والحضارات المختلفة، وتوسيع دائرة الاهتمام، لتضم أكبر عدد ممكن، من المؤثرين في الأوساط التعليمية، والسياسية، والاجتماعية، والتربوية، وأن يفسح لهم مجال الإطلاع، على إنتاج بعضهم بعضا، ومناقشة أهم القضايا الاجتماعية، والسياسية، والأثرية، ودراسة تطور حركات التحرر في العالم، والمشكلات الرئيسية، التي تعترض طريق السلم والإستقرار. فمثل هذه اللقاءات، والمشاركات، ينتج عنها تبادل الأفكار والمؤلفات، وتعميق صلات التعاون الفكري والثقافي، بين الشعوب المختلفة، من أجل الوصول إلى فهم أفضل، لمشاكل المجتمعات المعاصرة.
وإذا أحسن العلماء، وأخلصوا النية، فلا شك أن يصبح هؤلاء، رسل معرفة، وتبادل خبرات، في مجال التقارب بين الشعوب، والدول، بمعزل عن الأنظمة السياسية، التي تسودها. وسيكون الشرف الرفيع، والدور العظيم في صنع الاستقرار والسلم العالمي، الذي هو أمل الشعوب وغاية تطلعاتها.
وليت أن الزعماء والعلماء، يتجاوزون فكرة رصد الظواهر السياسية، والبحث في مشكلاتها، لأنها لا تكاد تنتهي أبداً، فالتطور الاجتماعي بشموليته، السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعمرانية، والعسكرية، والإدارية، هي مفاتيح الالتقاء والتعاون، ومحور التوافق والانسجام، بعد أن قضت السياسة على أشكال السلام، والطمأنينة، والتعايش بين الشعوب.
هذه المحاولات التوحيدية، لا تلغي فوارق التحليل، على أساس منهجيات علمية متباينة، بل تشدد على تلك الفوارق، شرط أن يكون هدف التحليل، إبراز دور الإنسان، في صنع تاريخه بنفسه، وإلغاء كل ما يعوق عملية التطور الاجتماعي، من عوامل موضوعية، ناتجة عن صراع الإنسان مع الطبيعة، أو عن استغلال الإنسان للإنسان.
وفي مثل هذه الأجواء العلمية الإنسانية، تغيب الحواجز المصطنعة، بين العلوم الإنسانية، وتترسخ قاعدة "لا وطن للعلم" بحيث يبرز التاريخ الاجتماعي، كعلم شمولي، يضم كل العلوم الإنسانية، ويتجاوزها، لإبراز عملية التطور الاجتماعي، بجميع جوانبها. فتضم الأبحاث، نماذج من مختلف جوانب الحياة البشرية، ونماذج تصف الحضارات، أو علم السياسة، أو علم الشرائع، ونماذج تعالج قضايا المرأة، أو البيئة، أو تاريخ الفكر والمذاهب..الخ. وبهذه الشمولية، يكون الإنسان حقاً، هو مقياس كل شيء في الوجود.
وتدعو الحاجة الآن، إلى الاهتمام بالأجيال الجديدة، من مختلف شعوب العالم، ليتم إعادة النظر في الكتب التاريخية المقررة، في المدارس الثانوية، والجامعات، وضرورة إنقاذ الأجيال، من براثن النظريات العرقية، وإدانة التوجهات العنصرية، والعسكرية، ورفض مبدأ الحرب، كوسيلة لحل المشكلات الدولية المعاصرة، وضرورة تجنيب البشرية، ويلات حرب عالمية محتملة، وتنشئة الأجيال الجديدة، على مبادئ حرية الشعوب، في حق تقرير مصيرها، دون ضغوط، أو تدخل خارجي، في شؤونها الداخلية.

السبت، يوليو 18، 2009

أوروبا والعالم الإسلامي


صالح خريسات

وضع تقدم العلوم والتكنولوجيا، بين أيدي الأوروبيين، طاقة مادية، بلغ من شأنها ما أدخل في روعهم، تسامي حضارتهم،وأفضليتها على سواها من الحضارات الأخرى. فإذا كانت نتيجة الحوار بين الثقافات،هي تأكيد الرفض والتمايز العنيف، مع أحكام صادقة، تقول بأن الثقافة الإسلامية، ثقافة ركود، وتقليد، وبرودة،بينما الثقافة الأوروبية،هي ثقافة اختراع مستمر، وان هناك اختلافاً، نوعياً،جنسياً،بين الحضارتين، فإننا ننساق إلى الاستنتاج، بأنه لا فائدة في الحوار.
فقد أخطأ الأوروبيون،عندما نظروا إلى حضارتهم، على أنها الحضارة البشرية الفضلى، وراحوا يعتقدون أن من حقهم، فرض هذه النظرية، على العالم كله بالقوة، حتى تبناها، وعمل بها، ونهج عليها. وبالمقابل أخطأ المسلمون،عندما أغلقوا باب الاجتهاد،ووقفوا عند حدود التراث العربي الإسلامي،حتى أصابه الركود،والجمود، وتخلوا عن دورهم الحضاري، بحجة انه ليس بالإمكان، أفضل مما كان.
إننا لا ننسى عصور الانحطاط والتردي، التي عاشها المسلمون بعد زوال دولة بني العباس. فلما كان منتصف القرن السابع للهجرة، تدفقت على الممالك الإسلامية، عصابات المغول، سلالة جنكيز خان، واحتلت بغداد جيوش هولاكو، وتوالت المصائب والنكبات على العراق والشام، وأوغل الغزاة في البلاد قتل وإحراقا وتخريباً، ونشروا الذعر والخوف في النفوس. فما هو أن تقلص ظل هولاكو، حتى زحف تيمورلنك بجيوشه على حلب، وحمص، ودمشق، وبعلبك، فاجتاحها، دائساً في طريقه كل شيء، وقد أحرق الجوامع، وسبى النساء، وداس الأولاد بسنابك خيله، وأعمل النار في المكاتب والمدارس وخزائن الأدب والعلماء، وألقى الرعب والهول في جميع القلوب، ولا سيما الكتاب والفلاسفة والشعراء.
ولكننا يجب أن لا ننسى أيضاً، بأن البعث الحضاري، قد تم على يد أوروبا، وكان مسرحه الجغرافي، مصر وسوريا ولبنان. ويخيل إلي أن مؤرخي السياسة لم ينصفوا حتى اليوم نابليون، الإمبراطور الشاب، فيما كتبوه عن حياته، وذلك أن نابليون، كان إذا دخل بلداً، استصحب في حاشيته وبطانته، رجال العلم والأدب والتاريخ وعلماء الآثار. وكذلك فعل في مصر فأنشئت بفضل حملته، أول مطبعة فيها. وتم ذلك في مطلع القرن التاسع عشر، وما هي إلا سنوات، حتى بدت تباشير النهضة الفكرية والمعرفية تلوح في بلاد العرب والمسلمون، وبخاصة في مصر. فقد أرسل محمد علي، البعوث إلى أوروبا، وأنشأ المدارس، وشجع العلم والعلماء، والأدب والأدباء، على نحو لم يعرفه المسلمون منذ زمن طويل.
وبينما كان هذا يجري في مصر، كانت أوروبا وأمريكا تعدان الحملة العلمية، التي كان لها الأثر البعيد في النهضة العلمية والفكرية، التي يفاخر المسلمون بها، إذ أنه ما كان يتناصف القرن التاسع عشر، حتى أوفد الغرب إلينا رسلاً جدداً، اخذوا بأيدي أبناء الأقطار العربية والإسلامية في يقظتهم من سباتهم العميق، وذلك حين أنشئت في بيروت، الجامعتان الأمريكية واليسوعية، وكان أعجب ما في أمرهما، أنهما كانتا تكملان بعضهما بعضا، فالجامعة الأمريكية، كانت تحمل إلى البلدان العربية والإسلامية الثقافة الأنكلوسكسونية، والجامعة اليسوعية، كانت رسول الثقافة اللاتينية. وكانتا في تزاحمهما تبعثان حركة في الأوساط الفكرية، ساعدت كثيرا على بعث النشاط العقلي، وتحرير الفكر العربي الإسلامي، من قيود الجهل وتراكمات الماضي بكل ما فيه من عيوب حالت بين العرب وبين النهضة.
وإذا كان الضمير الأوروبي، قد استعاد صحوته، وعاد من جديد، ليفسح المجال للمشاركة الإنسانية،لكل الجماعات البشرية، فإننا أيضا، لا نسلم بهذا المنطق، الذي يتهم ثقافتنا الإسلامية، وتحولات العالم الإسلامي،في أسيا، وإفريقيا، بالركود والجمود، وان هذه الإمكانات، ستفيد وتستفيد من الإنسانية الجديدة، وستسعى إلى استكمال الوحدة الإنسانية، بالتعاون مع كل الثقافات الإنسانية الأخرى، وهذا لا يتنافى في عصر التقارب والتعاطف، مع ضرورة إلغاء كل ظواهر عصر الترافض، والتمايز الجنسي.
إن تاريخ الحضارة،ومفهومه القومي الرحب، الذي يتناول بالدرس سجل الجماعات البشرية،والمدنيات، ويبرز في هذا التراث المتأتي إلينا، مراحل التطور الذي عرفته الإنسانية، في رقيها الصاعد، ويحصى على كل جماعة، ما أسرته من خير التراث المشترك، يصعب تجريده من غاية، تجعل الحضارة وقفاً على الأوروبيين، أبناء القرن الحادي والعشرين فحسب، أو على المسلمين،في مرحلة من مراحل تاريخهم الحضاري المجيد، لهذه الأسباب، فمن الواجب الآن، تجاوز الخصومات التاريخية، وبناء صرح عالمي جديد،وذلك بالرجوع إلى التاريخ، وقراءته قراءة موضوعية.
إذ يجب أن يكون كل مكان، ملتقى حضارياً مندمجاً، بعد أن انهارت الديكتاتوريات، وانتهى النظام الشيوعي، كمنهاج حاول السيطرة على العالم،وبعد انتظام أوروبا في مجموعة متكاملة، عليها أن تنخرط في المجموعة المتوسطية.
صحيح أننا شهدنا في غضون العصور الأخيرة، تحت تأثير أوروبا الحاسم نفسها، تواري أو زوال معالم حضارات كثيرة، وأصيلة، وذلك أقلة تحت ستار الدعوة الملحة، لتوحيد نظم الحياة، ولهذا أخذ يتبدى لنا، أن هنالك حضارة موحدة، آخذة بالتكون، مستوحاة على الأخص من الغرب، في مدلوله الأوسع. إلا أن ذلك في حقيقته،لا يعني إلغاء مجهودات الجماعات البشرية الأخرى، إلا إذا كانت هي قد رغبت طوعاً،أو كرهاً، في الانسحاب من ميدان الحضارة،والتخلي عن دورها التاريخي.
إننا الآن أحوج ما نكون، إلى بناء جسر حضاري، ثقافي، وسياسي أيضاً، بين أوروبا والعالم الإسلامي، قائم على العدالة،والمساواة، والتعاون. وأكثر من ذلك، على الاعتراف بدور الآخر، في بناء المستقبل الحضاري. ولقد آن الأوان لتصحيح هذا التوجه، وللتوقف الهادئ أمام بعض التطورات الفكرية، والمواقف السلوكية، التي تميز حركات التوجه الإسلامي المعاصرة، ومناقشة ذلك كله في موضوعية وصراحة، وبروح نقدية، تستهدف الإصلاح، والتصويب،عن طريق الحوار، وتبادل الرأي، والرأي الآخر.