‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفنان القاسم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفنان القاسم. إظهار كافة الرسائل

السبت، أبريل 17، 2010

ترجمة الفصل الخاص بمذكرة شرم الشيخ

د. أفنان القاسم
باريس
نحو مؤتمر بال فلسطيني (32)

الذباب أكثر أهمية من العباد!


نص يشبه آخر

في آخر الصيف، شمس شرم الشيخ جميلة، والبحر أزرق. في 4 سبتمبر 1999، انتقلت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت، إلى المدينة الزرقاء الواقعة على خاصرة البحر الأحمر من أجل أن تقوم بدورها كعرّابة للتوقيع على اتفاق آخر وآخر بين العرفاتيين والإسرائيليين، كما قالت وسائل الإعلام، ولكن في الواقع من أجل العوم والتمتع إلى أقصى حد بذلك الذهب وذلك اللازورد اللذين يشدان الأجساد والوجوه المهددة بالتهدل. الباقي كلام فارغ، الحضور الكابوسي لمبارك، الابتسامة الخلابة لعبد الله الثاني. كل تلك الشخصيات كانت هناك لإعطاء انطباع أن الأمر جاد، وأن الشريكين باراك-عرفات (قَرَنٌ مقطور) توصلا أخيرا إلى تذليل كل الصعوبات. مع هذا الاتفاق الذي ضَمِنَهُ كل أولئك "الكبار" أعطى عرفات لنفسه مهلة جديدة ليسوس "الوضع الراهن" وقد اطمأن إلى أن أحدا لن يسأله لماذا. سيسوس أيضا عدم صبر الشعب الفلسطيني، وذلك بجعله يعتقد أن هناك معجزة بصدد التحقق. ومع ذلك، ما عدا الشمس والبحر، تمخضت شرم الشيخ فولدت فأرا... صغيرا جدا. برأس وذيل أشبه برأس وذيل الفأر الصغير جدا الآخر الذي ولدته واي بلانتيشن. الشبه هنا مذهل، لأن مذكرة شرم الشيخ تبدأ كالسطور الأولى التي اقترحها نتنياهو على عرفات أو عرفات على نتنياهو في واي بلانتيشن: "الاتفاقات اللاحقة صائرة إلى تسهيل تطبيق الاتفاق المؤقت حول الضفة الغربية وقطاع غزة الموقع في 28 سبتمبر 1995 ("الاتفاق المؤقت") واتفاقات أخرى مرتبطة به بما فيها الملاحظة من أجل مذكرة 17 يونيو 1997 (مشار إليها تحت ك "اتفاقات سابقة") كي يتمكن الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني من تحمل مسئولياتهما المتبادلة بشكل أكثر حسما بما فيها المسئوليات المتبادلة التي لها علاقة بإعادة انتشارات إضافية وبالأمن".

لنقرأ بداية اتفاق شرم الشيخ: "تلتزم حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بالتطبيق الكامل والمتبادل للاتفاق المؤقت وكل الاتفاقات الأخرى التي تمت منذ سبتمبر 1993 (المسماة فيما بعد "اتفاقات سابقة") وكل الالتزامات المعلقة الناجمة عن الاتفاقات السابقة."

يثبت الإلحاح بهذه الطريقة على تطبيق الاتفاقات التي تم التوقيع عليها إلى أية درجة الريبة القائمة بين الطرفين، مع باراك العمالي أو نتنياهو الليكودي. ويثبت هذا أيضا الدرجة العظمى التي وصل إليها الشك المحلق فوق رؤوس المفاوضين من طرف وآخر فيما يخص تطبيق واحترام هذه الاتفاقات. إذا كانت هناك مسألة انسحاب لم يتم تنفيذه من طرف الإسرائيليين هناك مسألة أمن لم يتم تأمينه من طرف العرفاتيين. وتفرض مماطلة الطرف الإسرائيلي حول الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية على الطرف العرفاتي التلويح برُهاب تغيير الوضع في هذه الأراضي نفسها وذلك بالإعلان عن دولة فلسطينية. ولهذا السبب يُخْتَتَم الاتفاقان مع نتنياهو ومع باراك حول نفس البند الوقائي.

الاتفاق مع نتنياهو أولا: "بدافع من وعيهما بضرورة خلق جو مناسب لهذه المفاوضات، يلتزم الطرفان بعدم اتخاذ إجراءات تغير الوضع في الضفة الغربية أو في غزة وذلك كما ينص عليه الإتفاق المؤقت."

والاتفاق مع باراك: "اعترافا منهما بضرورة خلق مناخ مناسب للمفاوضات، يلتزم الطرفان بعدم اتخاذ أي إجراء يغير من الوضع في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، وذلك تطبيقا للإتفاق المؤقت." مما يفرض على الطرف العرفاتي عدم الإعلان عن دولة فلسطينية من طرف واحد.

هذا ما أسميه تشابها بين الاتفاقين، وإذا ما تم التوقيع عليهما، فلأن هناك خطر الإعلان عن دولة فلسطينية، ولا تهدف كل هذه الكوميديا الرديئة التمثيل إلا لإعاقة شيء كهذا، وإن بقي ذلك في حدود الأحلام.

إذن تُمارَس سياسة اللف والدوران، فنتنياهو ليس أكثر مهارة من باراك، حتى عمالي من حزب العمل يمكنه المزايدة، إذ إن للحكام الإسرائيليين في رأسهم كلهم هذا الحلم المجنون للسيطرة، وأمامهم هناك رجل الكوفية الخالدة، الموافق على كل شيء. هو أيضا لا يتغير، تبقى استراتيجيته واحدة: التخلي، التخلي، التخلي.

الوضع الدائم:
لا يكاد الوضع النهائي للأراضي المحتلة يذكر في اتفاقيات واي ريفر، وهنا لا توجد سوى تأكيدات بليغة ليست غير كلمات لا أكثر كالمثال التالي:

"أ. في إطار تطبيق الاتفاقات السابقة، سيعود الطرفان إلى التفاوض حول الوضع الدائم بإيقاع متسارع، وسيبذلان جهدهما بعزم وتصميم للوصول إلى هدفهما المشترك الذي هو إيجاد اتفاق حول الوضع الدائم حسب جدول الأعمال الذي جرى التوقف عنده والذي يتعلق بالمسائل الخاصة العائدة إلى المفاوضين المكلفين بالوضع الدائم ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك.

ب. يعيد الطرفان تأكيد أنه لمن المتفاهم عليه أن المفاوضات حول الوضع الدائم ستتوصل إلى العمل بالقرارين 242 و 338 لمجلس الأمن.

ج. سيبذل الطرفان جهدهما بعزم وتصميم للتوصل إلى اتفاق-إطار حول كل المسائل المرتبطة بالوضع الدائم خلال مدة خمسة أشهر ابتداء من العودة إلى المفاوضات حول الوضع الدائم.

د. سيبرم الطرفان اتفاقا شاملا حول كل المسائل المرتبطة بالوضع الدائم في مدة عام ابتداء من العودة إلى المفاوضات حول الوضع الدائم.

ه. ستعود المفاوضات حول الوضع الدائم بعد تطبيق المرحلة الأولى من تحرير المعتقلين والمرحلة الثانية من إعادة الإنتشار الأولى والثانية اللاحقتين، وإلى أقصى أجل 31 سبتمبر 1999. لقد أبدت الولايات المتحدة في مذكرة واي ريفر إرادتها لتسهيل هذه المفاوضات."

سيعود الطرفان إلى التفاوض حول الوضع الدائم، ستتوصل المفاوضات إلى العمل بقراري 242 و 338 لمجلس الأمن، سيبرم الطرفان اتفاقا شاملا حول كل المسائل المرتبطة بالوضع الدائم، سيبذل الطرفان جهدهما بعزم وتصميم للتوصل إلى اتفاق-إطار حول كل المسائل المرتبطة بالوضع الدائم، ستعود المفاوضات حول الوضع الدائم بعد تطبيق المرحلة الأولى من تحرير المعتقلين والمرحلة الثانية من إعادة الإنتشار الأولى والثانية اللاحقتين... إنها دوما قذفة الحجر المؤجلة، من أجل لا شيء غير تعكير الماء الراكد للوضع الراهن. يفلت الصدق من أيدي المفاوضين. حتى ولو كانت هناك إرادة ونوايا حسنة، في الوضع كما يجري تقديمه حاليا لن تتوصل المفاوضات القادمة أبدا، أقول أبدا، إلى العمل بالقرارين 242 و 338 لمجلس الأمن. لهذا تم ذكر "اتفاق-إطار" وآخر "شامل". لأن لو كانت حقا هناك إرادة بناءة من طرف أو من آخر لحل نهائي لوضع الأراضي المحتلة، لماذا إذن المرور باتفاق يدعى باتفاق-إطار الذي على أي حال لن يرى النور؟ سيفرض الاتفاق الشامل محادثات صريحة حول إقامة دولة فلسطينية القدس عاصمة لها منذ البداية، دون المرور باتفاقات أخرى تكرس المماطلة وعدم اليقين. على عكس ما قيل في الفقرة ه حول ما أبداه الأمريكان لتسهيل المفاوضات، تضع الإرادة السيئة حدا لكل حل نهائي.

إذن يجري الكلام عن الوضع النهائي دون يكون ذلك حقا ودون رسم الخطوة الأولى لآلية تصل في النهاية إلى اتفاق نهائي، وإن تشابه الاتفاقات بين عرفاتيين وحكومات إسرائيل من اليسار أم اليمين لا يترك لي الهامش الذي أتمناه من أجل تحليل مفصل. لهذا السبب، سأعالج في الفصل القادم مجموع مذكرة شرم الشيخ مع التشديد على ما تفضلت حكومة باراك القيام به وما لم تتفضل في صالح "السلام الإسرائيلي"، سلام تصفوي على كل حال.

فتات، لا شيء غير فتات:
فيما يخص إعادة الانتشارات في الضفة الغربية، هناك إعادة أولى تمت بمقدار 7% في 5 سبتمبر 1999، إعادة انتشار كاذبة بما أنه بقيت في المنطقة التي تم الانسحاب منها مراقبة مشتركة إسرائيلية-فلسطينية. تمت إعادتا الانتشار في 15 نوفمبر 1999 وفي 20 يناير 2000، ولكن فيما يخص كله بكله 9,1% من الضفة الغربية، بمعنى لا شيء بالنسبة لفلسطين التاريخية.

فيما يخص المعتقلين، تم إطلاق سراح مجموعة أولى من 200 معتقل في 5 سبتمبر 1999 ومجموعة ثانية من 150 معتقل في 8 أكتوبر 1999 ومجموعة ثالثة لم يحدد عددها عشية رمضان. ويمثل كل الذين أطلق سراحهم نسبة مئوية ضئيلة بالنسبة لآلاف المعتقلين السياسيين الذين يأسنون في غياهب السجون الإسرائيلية.

فيما يخص المسار الجنوبي لطرق العبور، تم فتح طريق عبور "آمن" بين غزة والضفة الغربية في 1 أكتوبر 1999 إلا أن الطريق الشمالي الآخر لم ير النور. وب "آمن" يجب فهم أن الذين يشرفون على نقاط المراقبة الإسرائيلية هم أسياد كل إيماءة، كل حركة، كل نقل، كل انتقال، حتى انتقال ذبابة لن يُسمح له إلا بأمر صادر عن الجيش الإسرائيلي.

فيما يخص ميناء غزة، بدأ بناؤه في 1 أكتوبر 1999، ولكن بناء ميناء أو لا بناء ميناء ليس هذا هو المشكل. الأهم هو "التصور والانتقال" كما تقول المذكرة، بمعنى حق الإسرائيليين في "النظر". وبكلام آخر، وجود كاميرات مراقبة مرتبطة بالموساد مباشرة كما هو الحال في المطار. لن تمر بضاعة واحدة دون تصريح إسرائيلي، لن يمر شخص واحد، لن تمر ذبابة واحدة. من الأكيد أن للذباب أكثر أهمية من العباد في مثل هذه الاتفاقات على الطريقة العرفاتية!

فيما يخص المسائل الخاصة بالخليل، لم تُفتح طريق الشهداء، ولا طريق الحسبة، ولا موقع مقام إبراهيم، وإذا كان هناك من رابح وحيد فهم المستوطنون.

فيما يخص الأمن، هناك هذه اللازمة التي لا تتوقف عن الرجوع، "تعاون حاسم وفعلي" ضد "الإرهاب"، "الإرهاب"، "الإرهاب"... "يلتزم الطرف الفلسطيني بتحمل مسئولياته في مادة الأمن، في التعاون على الأمن، وبفروضه اليومية". يلتزم، يلتزم، يلتزم... باختصار، يطلب الإسرائيليون بوصفهم محتلين من العرفاتيين أن يحلوا في مادة القمع محلهم، تحت خطر أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية. الجديد: يصطف باراك العمالي (أي بهدلة للعمال!) دون لبس وبكل قحة إلى جانب نتنياهو الليكودي وذلك عندما ينسخ عن هذا ويمتلك بنوده "وعلى الخصوص الفروض التالية الناجمة عن مذكرة واي ريفر:

1. مواصلة برنامج جمع الأسلحة اللاشرعية وتقرير حول الموضوع.
2. إيقاف المشتبهين وتقرير حول الموضوع.
3. تسليم الطرف الإسرائيلي قائمة بأسماء أفراد البوليس الفلسطينيين أقصى أجل 13 سبتمبر 1999.
4. بداية فحص القائمة من طرف لجنة المتابعة والإرشاد أقصى أجل 15 أكتوبر 1999."

... تسليم أسماء أفراد البوليس وكل الباقي، هذا هو المذهل: لم يكن الغستابو يفعل مع دُمى فيشي أفضل! ولكنهم في آخر المطاف هم المهرجون أنفسهم في زمان آخر ومكان آخر.

د. أفنان القاسم: خطتي للسلام، الإتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 57-65.

ترجمة د. بريجيت بوردو / الكيبيك

www.parisjerusalem.net


الأحد، مارس 21، 2010

ترجمة الفصول الخاصة باتفاقية أوسلو (4 وأخير) ما يجري على الأرض

د. أفنان القاسم

باريس

نحو مؤتمر بال فلسطيني (31)

كان للطنطنة العالمية التي جرت حول عودة عرفات إلى غزة هدف واحد أوحد: اعتقاد العالم أجمع أن القضية الفلسطينية قد وجدت حلا نهائيا، وأن فلسطين تتلخص بهذين الثقبين اللذين هما قطاع غزة ومنطقة أريحا، واللذين سيقيم عرفات عليهما دولته. ولأول مرة تكلم المعلقون الفرنسيون عن فلسطين كبلد يوجد، وعن رئيس لهذه الحزينة فلسطين، عرفات، الذي كانت تراقبه مروحية من الجيش الإسرائيلي، والذي خرج لتحيته جمع غفير جاء بالأحرى بدافع الفضول أو ليطلق بعضا من مكبوتاته مع شعور بالتخلص من السحق اليومي للمحتل. كان هذا الجمع يجهل أن خطة الإنهاء عليه قد ذهبت من يد إلى أخرى في اللحظة التي وضع عرفات فيها قدمه على أرض فلسطين، ولم يكن الناس يقدّرون النتائج التي ستتبدى عنها. كانوا يظنون أن فلسطين قد تحررت بالفعل بينما كانت الطريق قد فتحت بما لا يقبل الجدل لتطبيق هذه الخطة التي لم يكن اتفاق أوسلو 1 سوى الوسيلة، فجرى تقديمه بشكل مضحك، وكأنه أفضل ما يمكن الحصول عليه. كان عرفات يعرف أن العودة إلى غزة لا تعني على الإطلاق أن كل شيء قد تم حله، وكان عليه أن يثبت للإسرائيليين أنه رجل الساعة. وليرضيهم، كان عليه أن يعتمد على كل الأوغاد الذين صنعهم تحت سلطته في تونس، وذلك بالعمل على مستويات ثلاثة هي: الإسلاميون والمستعمرات ورجال الأعمال.

الإسلاميون:
بعد أن جرى تشجيع الفصائل التي تدعى إسلامية من طرف الإسرائيليين في البداية، كانت هذه الفصائل مزروعة جيدا عند رجوع عرفات إلى غزة. وهذا ما كان الإسرائيليون يسعون إليه، أن يكون هناك من يعارض عرفات، من يأخذ سلطة منظمة التحرير، وخاصة من يجعل من حركة التحرر حركة دينية تقاتل باسم الله ولأجل الله، وترمي إلى إقامة دولة إسلامية وليس دولة علمانية تنشأ حسب معايير ديمقراطية، ومن أجل هذا سمح الإسرائيليون ببناء الجوامع في كل مكان والمؤسسات الدينية الأخرى، وغضوا الطرف عن خطب الشيوخ اليومية الذين لم تكن لهم في زمننا أية أهمية، والذين كانوا محط سخريتنا: "تحت اللفة زفة!" كنا نقول عنهم. ولكن أكثر ما في الأمر، عندما ترك الإسرائيليون للسعوديين التحكم بهذه الفصائل بالمال. وهكذا تم تقنين غضب الشعب الفلسطيني، وتم اقتياد الشباب الذين كانوا في وضع يرثى له دون عمل ودون مستقبل. وأكثر الأكثر، تم ما تسعى الدولة العبرية إليه عندما رأت نفسها كدولة دينية بعين الفلسطينيين الذين يطالبون بإقامة دولة مشابهة، دولة إسلامية.

إلا أن إسرائيل التي كانت تعتقد بسيطرتها على هذه الحركة المسماة إسلامية وذلك بمراقبتها عن قرب، وتعتقد بكونها ضالعة بالعمل المشبوه مع السعوديين وذلك بمراقبة مواردها المالية، وبرمي الذين يعبرون عن غضبهم بطرق أخرى غير الصلاة في المعتقلات (كالشيخ ياسين مثلا رئيس حماس)، رأت نفسها متجاوزة بالدعم الشعبي لهذه الفصائل – دعم مترجم ليس فقط بالحلم القديم الذي يقول إن الله سيخلص الناس في يوم قريب قادم من الاحتلال ويفتح لهم الطريق إلى يافا وحيفا واللد والرملة وكل فلسطين، ولكن أيضا بالسلاح وذلك بتحولهم إلى قنابل إنسانية. حقا لقد نجح الإسرائيليون في انتزاع تسييس الناس، وتعميم تصورهم الدائم، والذي هو هوية عرقية ودينية، ولكن أبدا استئصال حلمهم باسترجاع كل فلسطين بعون الله والتضحية بأنفسهم. إذن الرجل الذي عمل الإسرائيليون كل ما في وسعهم للتقليل من نفوذه سيكون هو من يضع حدا لهيمنة حماس والجهاد الإسلامي. هذا هو الوجه الخفي من اتفاق أوسلو 1، ومن أجل هذا، بين مرام أخرى طبعا، تفضل الإسرائيليون بالذهاب إلى العاصمة النرويجية.

ومع ذلك سيلتزم عرفات، الثعلب الفلسطيني، بالذهاب في هذه الطريق، كما هو عهده مع شعاره: "أطلبوا مني كل ما تريدون، ولكن اتركوا لي اختيار الوسائل التي تؤدي إلى ذلك!" عين شخصا أقل ما يمكن القول عنه فاشيا على رأس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، محمد دحلان (1994-2002)، هذا الجهاز الذي لم تجر الإشارة إليه في اتفاق أوسلو 1، والذي تمت فبركته قطعة قطعة على يد الموساد والسي آي إيه، وأنفقت عليه ملايين الدولارات وعلى أفراده، من أجل خنق كل مقاومة وإخضاع كل مقاوم، ثم راح يساوم قادة الحركة الإسلامية كما لو أراد أن يقول لهم: قائد جهاز أمني قادر على سحقكم، ولكني شخصيا أفضل حل مشكلتي معكم بشكل مباشر ومسالم، إذن تعاونوا واعتبروا أنفسكم محظوظين!

كان عرفات يلجأ إلى طرقه المعروفة من الجميع، الفساد بالدرجة الأولى ثم الحِذْق عندما يماري في أعين هذه الفصائل القوية إمكانية اقتسام السلطة معه، لكنه لم ينجح، لأن حماس والجهاد الإسلامي يعيان كفصيلين ما لهما من قوة، ويريدان، حتى ولو لم يقولا ذلك صراحةً، كل السلطة. فبدأ قائد جهاز أمنه الدموي برمي المنخرطين الإسلاميين في السجن دون أن يجرؤ مع ذلك إلى الذهاب حتى إشباع رغبات الإسرائيليين: الهجوم عليهم – لهذا أقيم البوليس "الجبار" كما يقضي به اتفاق أوسلو – ومصادرة أسلحتهم. وبعبارة أخرى، تصفية الحركة الإسلامية بالنار والدم. ستكون في الواقع نهاية عرفات لما لفصائل الله هذه من دعم شعبي ونهاية اتفاق أوسلو، مما لا يناسب الإسرائيليين في شيء طالما لم تُحل أية مشكلة في هذا الاتجاه، ولا العرفاتيين، لأنهم وافقوا على كل شيء من أجل أن يكون حكمهم، وخاصة من أجل أن يدوم.

ستستأسد اللجان واللجان التحتية الإسرائيلية-العرفاتية من أجل إيجاد حل، ستصادر أموال هذه الفصائل الإسلامية، ستهاجم نتيجة لذلك اقتصادا يعيل كل الغزيين، وستوجد اقتصادا موازيا، وذلك ببناء الفنادق السياحية والأملاك الخاصة بالمقربين لدى عرفات ومطار من أجل طائرة عرفات الوحيدة وميناء لأسطول عرفات في المستقبل. ستفتح إسرائيل بابها على دفتيه لليد العاملة الرخيصة، وستسمح بإنشاء مصنعا أوحد للمشروبات الغازية في غزة. فلتحي الصناعة العرفاتية! ومع ذلك، طالما أن الله إلى جانب الشعب، لم يتخل الشعب عن شيء، وازداد الحقد على عرفات والإسرائيليين. فتغير التكتيك: انتهى عهد المن والسلوى، توقف بناء الفنادق والميناء، وتم هدم المطار فيما بعد ومعه طائرة عرفات الوحيدة. لم تعد هناك بحبوحة اقتصادية، ومن جديد، عادت مخيمات اللاجئين ترزح تحت كاهل البؤس، وتضاعفت معاناة السكان، كما وعادت سياسة القمع بقيادة قائد جهاز الأمن الفاشي كما لم تكن من قبل. لكن توقف كل شيء فجأة عندما هوجمت السجون من طرف رجال مسلحين، وحرر السجناء بعد مقتل عدد من أفراد البوليس الفلسطيني "الجبار". لو حقق عرفات شيئا ما في ميادين أخرى غير ميدان الأمن لشن حربا أهلية ولكسبها، لكن كل شيء كان راكدا، لم يكن هناك انسحاب فعلي للجيش الإسرائيلي، ولا أي تقدم يذكر في تطبيق اتفاق أوسلو. لم يكن باستطاعته تصفية الحركة الإسلامية وادعاء كونه محرر فلسطين. فوجد الإسرائيليون الذين كانوا يريدون التخلص من الإسلاميين مع احتفاظهم بكل امتيازاتهم على الأراضي المحتلة، وجدوا أنفسهم مضطرين لاستعادة الوضع: اتفاق أوسلو يعطيهم الحق، بتغيير الطريقة طبعا، بما أنهم لم يتوصلوا بعد إلى تصفية القضية الفلسطينية، وللمجيء إلى نجدة رجلهم، ثعلب الثعالب، إذ لم يزل له دور يلعبه.

لا شيء، أبدا لا شيء كان يرغم الإسرائيليين على تحرير الشيخ ياسين، قالوا في شيخوخته حجة، وفي مقامه كرجل دين، وفي صحته، ولكن على ما يبدو بدا الشيخ ياسين يتمتع بصحة جيدة، وقدم نفسه كرجل سياسي أولا وقبل كل شيء.

في الواقع، دشن تحرير الشيخ ياسين بداية التصعيد الذي نعيشه حاليا: كان الإسرائيليون يعرفون جيدا أن المنحى مع قائد متعنت كالشيخ ياسين سيكون منحى تشدد الحركة الإسلامية. وهم بهذا يحققون غرضين، الضغط على عرفات ليدير الأمر الواقع – تجميد اتفاق أوسلو، مماطلة، مناورة، احتيال، تمسكن، تشعوذ... الخ -، وجعل الوضع السياسي الاقتصادي الاجتماعي وضعا معقدا من المستحيل فكفكته، وما تمني عرفات الذهاب والشيخ ياسين للصلاة يوما في المسجد الأقصى سوى محض مكر ورياء. كان عرفات يعتقد جازما أن الحركة الإسلامية ستدمر بدبابات الجيش الإسرائيلي، ولكنه كعادته، أبدى من نفسه الوداعة، والانتباه الأفضل من كل الناس، ليقول براءته، ويعلق وطنيته في ساح المزايدة على الجميع. إلا أن انطلاق الانتفاضة الثانية قد دفع الجميع بقوة إلى ما لم يكن متوقعا، وعجل مجيء شارون إلى الحكم من الخطة الرامية إلى وضع حد لكل حمية شعبية، ما تبقى من حمية شعبية، كي يجري القبول بالحد الأدنى، الحد الأدنى للأدنى.

المستعمرات:
إذا لم يكن للمستعمرين سوى حليف واحد، فسيكون عرفات، لأنه منذ عودته إلى فلسطين، تضاعف عدد المستعمرات إن لم يكن تثالث. لعب لعبة العاجز أمام هذه الظاهرة، واكتفى بإدانتها شفويا. تواصل مشروع الاستيطان رغم كل شيء، واستغله عرفات ليبرر الحد الأدنى المقبول. لكن الطغمة الحاكمة في إسرائيل هي التي تنتفع منها أكبر انتفاع، والتي، كي تذهب بمراميها السياسية الخسيسة إلى أقصاها، مرامي الهيمنة على الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، تُحرك أناسا جعلوا من اللوائح التلمودية استبدادا للعقول على نحو غير سوي. وإذا أصبحت المخالطة جهنمية بين المستعمرين المستوطنين وجيرانهم الفلسطينيين، فلأن الساسة في المعسكرين يسعون إلى تفاقم الوضع في هذا السجل أيضا من أجل ألا يُسحب شيء من اتفاق أوسلو المدعو 1، وأن يكون الرجوع إلى الأمر الواقع الذي على عرفات إدارته بأي حال من الأحوال.

وزيران من وزرائه المقبولين من طرف الإسرائيليين والموافق عليهما من طرف الموساد سيأخذان على عاتقهما هذه المسألة التي هي مع ذلك من غير مخرج. ولكن بغياب حقيبة حقيقية يجدر اللعب بالمُدة، والعمل على اعتقاد الفلسطينيين أن عرفات يعمل كل ما في وسعه لدى المفاوض الإسرائيلي ليخفف من عذاباتهم. نبيل شعث من ناحية – فاسد منذ مولده، وزير "التعاون الدولي" (لقب اختير لقول "أشغال خارجية" دون المخاطرة بالتعدي على بنود اتفاق أوسلو مثلما سنرى) -، وصائب عريقات من ناحية ثانية – انتهازي مخضرم وببغاء لعرفات، وزير مكلف بالمفاوضات – سينشغلان بالمستوطنين.

الأول لأن اتفاق أوسلو يمنعه من كل شيء: "تطبيقا لإعلان المبادئ، لن تكون للسلطة الفلسطينية سلطات في ميدان العلاقات الخارجية: إقامة سفارات في الخارج، قنصليات أو أي نوع من البعثات أو المناصب في الخارج، إقامة بعثات كهذه في قطاع غزة أو منطقة أريحا، تعيين أو اعتماد مِلاك دبلوماسي أو قنصلي، قيام بمهام دبلوماسية" بند VI فقرة 2 أ. إذن وزير أشغال خارجية بدون أشغال خارجية لم أر واحدا في حياتي! ليس له في إطار وظائفه الحق في معالجة أي أمر كان إلا مع الإسرائيليين، وتثبت ذلك اتصالاته بخصوص المستعمرات.

الثاني لأن التفاوض مرتبط بوظيفته، مفاوض لعرفات ومفاوض ليس كالآخرين، بما أن "والده" المالي يملي عليه ما يجب قوله بالحرف الواحد، وهو يقوله بإنجليزية معتبرا نفسه شكسبير زمانه! والرئيس التاريخي، والرئيس التاريخي! يفاوض الإسرائيليين بلعق نعالهم ليخفف قليلا من تشددهم، لكنه يتركهم بوجه عابس دون أن يوفرهم نقدا وتوبيخا. هذا ما يدعى بالتعهر في السياسة، والذي يمارسه القادة الفلسطينيون دون حياء مع زملائهم الإسرائيليين. يتكلم عريقات عن المستوطنين للصحفيين – دائما بلغة شكسبير من فضلكم – ولا يسهو عن ترداد "الرئيس التاريخي" عند كل جملة إن لم يكن عند كل كلمة، كما لو كان عرفات رئيس المستوطنين. وهو رئيسهم من الناحية الأخلاقية، لأن لا الفهلوي شعث ولا الببغاء النموذج ينجح في كبح برنامج التوطين. وفي الأخير، ككل متحضر من ترمسعيا، تلك القرية المنسية من عندنا، يأتي شعث عابس الوجه من وراء ميكروفون معد لتلك المناسبة ليدلي بتصريحه كزميله الببغاء بلغة شكسبير. وعلى طريقة شيخ إنجليزي بطربوش أبيض، يتلفظ بكلامه المتفاصح ظنا منه أن الصحفيين يسمعون له أو يهتمون بما يقول، عندما يكون كل ما يحكيه عن أوامر أعطاها لزميله الإسرائيلي ليس إلا عذرا كاذبا. أمام الإهانة اليومية التي يوجهها المفاوض الإسرائيلي، وخاصة منذ ذلك اليوم التراجيدي "للنييت" بخصوص "المستزرعات" – لا يقولون مستعمرات في اتفاق أوسلو ولا مستوطنات – مصطلح أقل ارتباكا لمتحضري ترمسعيا الذين هم زبانية عرفات – يقبلون بوجود المستعمرات كقطع غيار: ترحّلون عددا معينا وبالمقابل نتخلى لكم عن لست أدري كم كيلومتر من الحدود! يا للعار! سيجري تطوير هذه الفكرة في مفاوضات جنيف غير الرسمية بين الجندي الشجاع الباسل الأشقر ذي العينين الخضراوين واللدغة الباريسية غو غو غو... ياسر عبد ربه، كما سنرى ذلك عند معالجتنا لهذا الفصل.

إذن، فيما يخص هذا المصراع، سيسير تزايد خطورة الوضع العام معا وتفاقمه في الأراضي المحتلة، إلا أن عرفات سيحاول إنقاذ على الأقل الوضع الاقتصادي. إنه الباب الوحيد الذي يتركه له اتفاق أوسلو مفتوحا، ليس دون قصد سيء من طرف الإسرائيليين طبعا.

رجال الأعمال:
الكل يعلم أن اقتصاد الأراضي المحتلة يتوقف تماما على الإقتصاد الإسرائيلي، وأن هناك سيطرة كلية لإسرائيل في مادة التجارة و"التطور". تتحكم إسرائيل في النقد، وفي سوق العمل، وفي الماء، وفي الكهرباء، وفي انتقال البضائع والأشخاص. وتمثل الأراضي المحتلة كنزا لا يقدر بثمن لاقتصاد بلد نجمة داوود، وهذا في الاتجاهين، بصفتها منطقة محتلة تستهلك، وبكونها توابع للمصانع الإسرائيلية تنتج. وبالتالي هناك أرباح دوما لٌلإسرائيليين الذين يصرّفون بضائعهم المصنوعة على أرضهم والذين ينتجون بضائع على الأرض الفلسطينية مع يد عاملة رخيصة، هذه البضائع التي ستباع في الأراضي المحتلة مثلما ستباع في إسرائيل بفائض قيمة مرتفع كمكافأة. وبالطبع ترك الإسرائيليون عرفات يعمل اقتصاديا ما يريد عمله، لأن كل خطوة لدعم الاقتصاد في الأراضي المحتلة هي في الواقع في صالح إسرائيل. لم تنطلق الانتفاضة الثانية، ولم يأت شارون إلى الحكم بعد. تراخى الطوق المطوق لسكان الأراضي المحتلة عن أعناقهم، ولم يستعمل المستعمرون الإسرائيليون يأسهم بعد كوسيلة قمع ضد هؤلاء السكان أنفسهم. سيُرفع الحصار من وقت إلى آخر في المستقبل من أجل هدف تجاري لا إنساني: تشجيع اقتصاد الأراضي المحتلة قليلا من أجل إنعاش الإقتصاد الإسرائيلي الذي كانت لحرب الحجارة عليه نتائج كارثية. ومن يقول ازدهارا يقول تمويلا جيدا للجيش، إنهم الفلسطينيون الذين يمولون بشكل من الأشكال الجيش الذي يقمعهم، مع رضاء عرفات بالطبع.

كما يشترط إذن اتفاق أوسلو 1 بند VI، لم يكن للعرفاتيين أية صعوبة يواجهونها من أجل الذهاب إلى التوقيع على اتفاقات اقتصادية ومساعدات ومن أجل تطبيق خطط التطوير المناطقية. وكما نرى، هناك طموح بخصوص كل بلدان المنطقة يتجاوز الحدود الفلسطينية. هذه اللُّجة الاقتصادية التي تحلم بها إسرائيل دون أن تتخلى مع ذلك عن سيطرتها على الأراضي المحتلة، وهذا بفضل عرفات. عرفات الذي هو هنا لخدمة اقتصادها، الذي هو هنا لخدمة حكمها. حتى إنه هنا للذهاب إلى أبعد مما يتمنى الإسرائيليون الحصول عليه، عندما يحمل على عاتقه الرواتب وكل المسئوليات الأخرى والالتزامات العائدة إلى قبل النقل (نقل السلطات... إنهم دوما هنا ولكن بالاختصار...) مثلما يمكننا أن نقرأ تحت الفقرة أ 1 من البند XXII: "نقل كل السلطات والمسئوليات إلى السلطة الفلسطينية المشترط عليه في الملحق II، يتضمن كل الحقوق والمسئوليات والالتزامات المرتبطة بأفعال أو إسقاطات حصلت قبل النقل. تتوقف إسرائيل عن حمل كل مسئولية مالية بخصوص هذه الأفعال المذكورة والإسقاطات وتتحمل السلطة الفلسطينية كل المسئولية المالية لهذه الحالات ولعملها العائد عليها."

وأكثر من هذا، سيذهب عرفات حتى دفع كل مطالبة قضائية تقدم لإسرائيل، فقرة ب من البند نفسه، ومع ذلك على البلد الذي يحتل بلدا آخر أن يتحمل كل مسئولية مالية تعود عليه حتى بعد انسحابه من هذا البلد، وحالة ألمانيا النازية بهذا الخصوص مثالا دامغا. لم تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة، ومع ذلك عرفات من سيدفع الفواتير الإسرائيلية، حتى إنه جاهز للذهاب إلى المحاكم في مكانها، فقرة ج من البند نفسه. الافتتان الإسرائيلي كامل: بخصوص الأرض إسرائيل لا تعيد شيئا، وبخصوص المال تأخذ كل شيء: كم هي الحياة جميلة! ومع عرفات، كم هو العالم جميل!

ستدفع بلدان الخليج والسعودية حصتها وكذلك البلدان المانحة الأوروبية، ليس بالقدر الذي يأمل عرفات، ومع ذلك. يبقى له رجال الأعمال ابتداء بالفلسطينيين الذين يقيمون في الأردن وكل الاقتصاد الأردني بين أيديهم. خطوة هامة ترمي إلى هيمنة إسرائيل الاقتصادية مرورا بعرفات خارج حدودها. لقد كُلف أسعد عبد الرحمن، صديق من أصدقاء الطفولة، وأحد وزراء عرفات، بجمع كل القبيلة المالية في عمان بحضور الرجل ذي الكوفية الأبدية. كانت المهمة صعبة، فقد أوجب رجال الأعمال هؤلاء ضمانات وإلا ضاعت أموالهم، وإسرائيل هي التي أعطتهم أفضل الضمانات، وذلك بإشراكهم مباشرة في وزارة الاقتصاد والمالية. كان عرفات راضيا تمام الرضى، فقد أتم مهمته "التاريخية" بتطبيقه حرفيا البنود المالية لاتفاق أوسلو. وتمت، بعد ذلك، لقاءات أخرى بين رجال أعمال فلسطينيين وإسرائيليين. أنسى الناس الازدهار في الأراضي المحتلة، مؤقتا على الأقل، المأزق السياسي الذي توجد فيه المفاوضات المتعلقة بتطبيق البنود حول الانسحاب العسكري. وأراد عرفات أن يلعب لعبة الوطني عندما أعدم رميا بالرصاص، كما هي الحال في كل نظام بربري، بعض المساكين بتهمة التجسس لصالح "العدو". ولكن أي عدو؟ الإسرائيليون؟ وأولئك الذين يتعهرون ليلا نهارا على أحذيتهم، أليسوا هم الجواسيس الحقيقيين؟ لماذا لا يعدمهم؟ يعمل من الجواسيس الحقيقيين أبطالا ومن المتسكعين الذين لا قانون لهم ولا مأوى جواسيس ويعدمهم ليقول للناس: أنا الوطني الوحيد الذي عليكم أن تضعوا فيه كل ثقتكم. ولكن في ظهورهم يرتكب أشياء أسوأ من كل ما يمكن كل الجواسيس ارتكابه معا. هذا أيضا جزء مما أدعوه التعهر السياسي، والذي آخر أفعاله بنّاء: يصف قريع بالجرائم مذابح جيش شارون الذي ارتكبها ضد مدنيي رفح، وفي الغد يمتدح هذا الشارون نفسه محييا شجاعته للانسحاب من بعض المستعمرات التي لا تشكل في الواقع أي عائق أمام تنفيذ خطته الجهنمية للانفصال. وعلى الجميع أن يعلم أن جواسيس هذا القريع نفسه على صدر "اللجنة الأمريكية الإسرائيلية"، وبعبارة أخرى "لجنة السي آي إيه والموساد والمخابرات" المكلفة بتحييد كل "المنظمات الإرهابية"، هي التي تنذر طائرات الهليكوبتر الإسرائيلية محددة لها الرجال السياسيين الذين عليها قتلهم بصواريخها – ومعهم تلاميذ المدارس العابرين في شوارع غزة. تعهر سياسي أيضا عندما تنعت المدعوة شهيد، ممثلة عرفات في باريس (وموسيو عرفات، وموسيو عرفات!) التي يقبّلها شيراك من خديها المنتفختين، عندما تنعت هذه الآنسة الجالسة على مقعدها مقعد "الدبلوماسية المجربة حتى العمق" جلوسا مريحا منذ أربعمائة عاما، عندما تنعت المحتل الإسرائيلي على الشاشة الصغيرة بشتى النعوت، وخارج الكاميرا تصعد في سيارة سفير إسرائيل المصفحة لتذهب معه لست أدري إلى أين. وأسوأ من هذا بكثير: عندما يدفع السفير الإسرائيلي راتبها لما تفرغ صناديق عرفات أو هو يفرغها.

وبالفعل، بدأت تلحق بعرفات المساوئ الاقتصادية عندما تبين أن إسرائيل وحدها المنتفعة من "الانفتاح" الاقتصادي. غدت الحياة أكثر فأكثر غلاء، ولم تعد الرواتب تكفي، لم تكن أبدا كافية لأجل العيش، ولأول مرة تُشن الإضرابات من أجل الخبز وليس من أجل طرد المحتل. ولكي يوقف الحركة، ذهب عرفات بنفسه بصحبة قائد المنطقة. هذا القائد، ككل الآخرين، لم يمكنه أن يرى نفسه قائدا لأجل القتل والقمع إلا بعد أن عُرض اسمه على الموساد، وبعد أن وافق الموساد عليه. عميل إسرائيلي قديم؟ حتما. وإضافة إلى ذلك يقيم العرفاتيون المحاكم ليحاكموا الجواسيس!

- ما هي طلباتكم؟ سأل عرفات المضربين.
- زيادة الرواتب، أجابوا.
أشار عرفات بإصبع الاحتقار إلى قائده.
- هذا الحمار بن الحمار هل تعرفون كم مكسبه الشهري؟ سأل من جديد.
- لا.
- قل لهم، أمر قائده وهو يصفعه.
- ثلاثمائة دولار، همهم القائد.
لم يقل كم يسرق. فقال عرفات:
- هذا القائد لمنطقة كبيرة بهذا القدر مكسبه الشهري ثلاثمائة دولار وأنتم ألف، اعتبروا أنفسكم محظوظين.
ووضع حدا للإضراب. لكن الانتفاضة الثانية جرفت معها كل شيء.

يجب ملاحظة أن اتفاقا آخر اسمه أوسلو 2 قد توصل الطرفان إليه أثناء ذلك في طابا، وتم التوقيع عليه في كعبة العرفاتيين التي هي واشنطن في 28 سبتمبر 1995 والهدف توسيع الحكم الذاتي ليشمل كل الأراضي المحتلة، ولكنه يقضي بإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي بضعة أمتار فقط حتى أبواب المدن. وكان ذلك شكلا من الأشكال التي تسمح بسير انتخابات مجلس تشريعي وتنفيذي مع نتائج، كما سبق لي وقلت، معروفة سلفا، ولكن خاصة انتخاب رئيس بالتخفيض، "رئيس منتخب ديمقراطيا": حجة تدعو إلى الضحك يقدمها الغربيون ليدافعوا عن "رجلهم" الذي تخلى عن كل شيء، كل شيء على الإطلاق، للإسرائيليين – من هنا جاء هذا الحب – وليخفوا ممارسة أحرى بواحد مثل موسوليني أو واحد مثل مبارك اللذين هما أيضا انتُخبوا "ديمقراطيا". أي واحد بإمكانه أن ينتخب "ديمقراطيا" إذا كان المرشح الأوحد حتى بصوت وحيد. وعلى عكس ما نُص عليه في اتفاق أوسلو 1، صادر عرفات من مجلسه المنتخب بالتخفيض، وما أسهل ما صادر، كل السلطة التنفيذية، وكهتلر جديد، وضع يده على الأمن والمالية.
**
نحو مؤتمر بال فلسطيني (30)

ترجمة الفصول الخاصة باتفاقية أوسلو (30) الأسر والتبعية الكاملة

إذن سيطبق "الفلسطينيون المعينون" من طرف المحتل من أجل القيام بمهمة تركيع الشعب الفلسطيني بالحرف الواحد اتفاقا يؤجل دوما إلى ما بعد ما يجب على إسرائيل فعله، ولكن يقضي بتنفيذ الأوامر التي أُمليت على المفاوض العرفاتي في الحال. وما يدعى "سلطة قضائية" هو جدارة التصرف في هذه الطريق، طريق الأسر والتبعية الكاملة. وبعد أن تُترك جانبا المفاوضات "حول المسائل العالقة، وعلى الخصوص القدس، اللاجئين، المستعمرات، التدابير في مادة الأمن، الحدود، العلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات أهمية مشتركة" مادة V فقرة 3 – بعد كل هذه المسائل التي تركت عالقة، والتي هي القضية الفلسطينية عينها، هل تبقى مسائل أخرى حقا؟ - عندما تترك جانبا المفاوضات حول هذه المسائل الحيوية لثلاث سنوات "على الأكثر" بعد البدء بمرحلة الانتقال التي تمتد إلى خمس سنوات، هذا يعني أن لا شيء جرى حله في أوسلو، أن عرفات وأتباعه يدفعون الشعب الفلسطيني إلى الوقوع في فخ، وأن الإسرائيليين الذين سيكون كل الوقت لهم لن يحلوا هذه المسائل أبدا في وقت محدد وكما يوجب ذلك. وعلى العكس، من الجانب الفلسطيني، يجب إثبات، وذلك منذ البداية، أن هؤلاء الفلسطينيين المعينين من طرف المحتل قادرون على أن ينوبوا عن الحكومة العسكرية الإسرائيلية حتى قبل تشكيل "المجلس"، والذين سيوكل إليهم ما يدعى بالمهمة الاقتصادية والبوليسية. وكل اتفاق أوسلو 1 يدور حول هاتين الناحيتين، الأولى للتخفيف من العبء المالي للمحتل، والثانية للتخفيف من الضغط على الجيش، من اختناق الجنود، والتكاليف العسكرية بمئات ملايين الدولارات. هذا هو اتفاق أوسلو 1: أن تحل حكومة عسكرية محل أخرى وإدارة مدنية محل أخرى، وأن يزول كل العبء المالي والإنساني والنفسي الجاثم على كتفي المحتل.

صلاحيات السلطة الفلسطينية:

يؤكد البروتوكول المتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة ومنطقة أريحا التحليل السابق عندما يجري في الفقرة 3ب من الملحق II تقليص كفاءة سلطة عرفات إلى حد "البنية، وصلاحيات ومسئوليات السلطة الفلسطينية في هذين القطاعين (حكومة عسكرية وإدارة مدنية) ما عدا النقاط التالية: الأمن الخارجي، المستعمرات، الإسرائيليون، العلاقات الخارجية، ومسائل أخرى ستحدد باتفاق مشترك". هذا اللايتموتيف "مسائل أخرى" ليس ابن صدفة، لأن المحتل يخشى أن يكون قد نسي بندا يقيد بالسلاسل أكثر الشعب الفلسطيني، فيترك لنفسه الباب مفتوحا على احتمال "مسائل أخرى" تعالج.

عند إعادتي لقراءة هذه الفقرة ظننتني أسمع المفاوض الإسرائيلي يقول لزميله العرفاتي: "قم بشغلك فيما يخص قمع شعبك واترك الباقي عليّ!" الباقي هو 90% من السيادة يُدعى "استثناءات"، ما هو جوهري لهوية وطنية من أجل أن ترى النور، إذ إن على الفلسطينيين أن يضطلعوا بمسؤولية أمنهم الخارجي، وعلى الفلسطينيين أن يديروا حياة المستعمرات على أرضهم، وعلى الفلسطينيين أن يحلوا وضع الأجانب في بلدهم بمن فيهم الإسرائيليين، وعلى الفلسطينيين أن يعنوا بعلاقاتهم الخارجية مع العالم، ولكن لا شيء من هذا أُعطي لهم. بالنسبة إلى انسحاب بسيط لعشرات الأمتار وحسب تقويم زمني "متفق عليه"، الثمن المدفوع مع هذا لهو ثمن غال وغال جدا. هذا ما أدعوه "تبعية كاملة وأسر كامل".

لن تقف الأمور عند هذا الحد، لم يعد المفاوض الإسرائيلي يملي شروطه، وضع المفاوض الإسرائيلي نفسه موضع المفاوض الفلسطيني، وراح يدير مفاوضات إسرائيلية-إسرائيلية. دخل قلبا وقالبا في المؤسسة البوليسية لعرفات وذلك باستحداث "لجنة ممتزجة فلسطينية-إسرائيلية للتنسيق والتعاون من أجل غايات أمنية متبادلة" ملحق II فقرة 3 إعلان المبادئ. وفي البند III فقرة 5 من اتفاق أوسلو يمكننا أن نقرأ أيضا: "ستقام لجنة مشتركة للتنسيق والتعاون في مادة الأشغال المدنية ولجنتان تحتيتان مشتركتان على مستوى المناطق للأشغال المدنية لقطاع غزة ومنطقة أريحا من أجل ضمان التعاون والتنسيق في مادة الأشغال المدنية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل كما جرى تفصيله في الملحق II." يخفي المصطلحان "تعاون وتنسيق" بشكل رديء التدخل الإسرائيلي والهيمنة الإسرائيلية. ومع هذا التكرار المتعب للمصطلح "أشغال مدنية" كما لو كنا نسمع من فم المفاوض المتعجرف الإسرائيلي: "أنا هنا في المادة المدنية مثلما أنا هناك في المادة العسكرية شئتم أم أبيتم وسأبقى"! وكل شيء يؤشر إلى أن ما يرمي إليه الاحتلال تبديل وجهه فقط لا غير، ويبقى الهدف دوما سحق شعب بأكمله، ابتلاع أرضه، ومحو تراثه.

سيذهب المحتل إلى أبعد فيما يخص هيمنته وتدخله في الشأن الفلسطيني عندما يحدد عدد أعضاء السلطة الفلسطينية، صلاحياتهم، ومسئولياتهم –نعم، مسئولياتهم- وإدارة المحافظات. ويكمن أسوأ الأسوأ في الطلب الموجه إلى منظمة التحرير بأن تنقل للإسرائيليين "أسماء أعضاء السلطة الفلسطينية وتخبر (الإسرائيليين) بكل تبديل في أعضائها، وستكون هذه التعديلات مقبولة بعد أن يتم تبادل رسائل في أمرها بين منظمة التحرير وحكومة إسرائيل" بند IV فقرة 3 اتفاق أوسلو. وفي إعلان المبادئ يمكننا قراءة بند IV فقرة 1: "يخبر الطرف الفلسطيني الطرف الإسرائيلي بأسماء الفلسطينيين المخولين بصلاحيات وكفاءات ومسئوليات يُكَلّف بها فلسطينيون طبقا... الخ."

أحالم أنا! تصبح منظمة التحرير هنا مركِّبا من مركِّبات الموساد لا شيء غيره. والمذهل أكثر الفقرة 4 من البند نفسه: "يلتزم كل عضو من أعضاء السلطة الفلسطينية في وظائفه بالعمل طبقا للاتفاق الحالي". وهذا نقيض كل حرية فردية، كل إصلاح يُسعى إليه، كل قرار يناقش. هذا ضربة سياط لما يشترطه البند III من إعلان المبادئ بخصوص انتخابات تجري "حسب المبادئ الديمقراطية"! ما يفسر التغمغم الانتخابي اللاحق مع أشخاص لم يكونوا أبدا ديمقراطيين، ولن يعرفوا أبدا أي لون للديمقراطية. هذا الشرط الذي يمليه منتصر لهو من العجرفة والعنف كما لم نر أبدا عبر التاريخ. حتى الحلفاء ضد النازيين لم يصيغوا شرطا مذلا كهذا ومع الأسف تم قبوله من طرف عرفات وأعوانه دون أدنى شعور بالعار. سيقبلون بالحضور المباشر للمحتل (مستعمرات، ثكنات عسكرية، نقاط استراتيجية) وبالحضور الغير المباشر (تحت شكل لجان ولجان تحتية) في كل ما ندعوه سلطة قضائية وظيفية وشخصية، بند V اتفاق أوسلو: الأرض، تحت الأرض، المياه، الأشخاص، الميدان الإلكترومغناطيسي، الفضاء الجوي، الترتيبات الشرعية والعون الشرعي في المادة العقابية والمدنية. يخرج المحتل من الباب ليعود من نافذة اللجان واللجان التحتية، وبصفته جسدا للقمع يقيم في المستعمرات والمناطق العسكرية التي لم ينسحب منها، والتي لن ينسحب أبدا منها طالما بقي سرطان المستعمرات هذا ينهش الأراضي المحتلة. يكفي أن نقرأ هذه الفقرة من البند V: "ستمارس إسرائيل سلطتها عن طريق حكومتها العسكرية التي ستستمر، من أجل هذا الغرض، في التمتع بسلطات ومسئوليات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضرورية طبقا للقانون الدولي".

ولكن في أي عصر أعيش؟ في أي بلد إن لم يكن بلد عرفات! لا، ولكن هذا من المستحيل قبوله! ألف مرة من المستحيل قبوله! مائة ألف مرة من المستحيل قبوله! والأنكى من كل هذا أن المجتمع الدولي يصفق لمثل هذا اتفاق، لمثل هذه عبودية، لمثل هذا وضع في السلاسل! والأنظمة العربية، هذه الأنظمة الفاشية المزوقة بالديمقراطية على طريقة مبارك، تستلم الصفعة الإسرائيلية بكل وجهها من يد عرفات، وترتضي لنفسها بلعق طنجرة الخبيص هذا! والمثقفون العرب (عدا البعض طبعا)، هؤلاء المثقفون الجبناء بطبعهم، يعتزلون في الهامش الأكثر ضيقا لمجتمعهم، وبعدم نهوضهم ضد هذا المشروع الجهنمي الرامي إلى تصفية القضية الفلسطينية والهوية الفلسطينية الهوية العربية بكل بساطة، يثبتون أنهم عار الثقافة! كما وليست المرة الأولى ولا الأخيرة لحماية مصالحهم يمتنع هؤلاء المثقفون العرب عن دحض هذا التيار المسمى إسلامي. لم يرفعوا إصبعهم الأصغر ليجتثوا من الجذور هذه الرؤية المشوهة للإسلام، بينما يمكنهم تقديم رؤية جديدة عبر قراءتهم للقرآن قراءة منطقية وعلمية مبدين للعالم الوجه الحقيقي للتسامح ومساهمين هكذا بالفكر الكوني والإنساني. سيعي الغرب التلاعب بالإسلام أداة قمع نفسي وأيديولوجي في يد الحكام في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية طالما يخدمهم هذا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. إضافة إلى ذلك، هؤلاء المثقفون العرب لم يفعلوا شيئا ضد حرب العراق، ضد الاحتلال الأمريكي، ضد قلب حياة العراقيين والعرب في مجموعهم إلى جحيم. وعلى أي حال، هم لن يفعلوا شيئا ضد دبابات الجي آي ولا دبابات شارون، بينما عليهم يعود تفجير الحجج الرامية إلى تفنيد هذه الاعتداءات، وإظهار الصفة الموبوءة لسياسة الهيمنة هذه ذات المرامي القمعية.

لن تقف الأمور عند هذا الحد. عدا "الصلاحية المخولة لها في دفاتر التسجيل والإحصاء وإعطاء شهادات ميلاد..." بند VI فقرة 1د اتفاق أوسلو، تخضع السلطة الفلسطينية بكل صراحة للسلطة الإسرائيلية فيما يخص "الصلاحيات التشريعية المشترط عليها في البند VII من الاتفاق الحالي. ويمكننا أن نقرأ تحت الفقرة 3 من البند VII: "على القوانين التشريعية التي تصدرها السلطة الفلسطينية أن تُرفع للجنة تحتية تشكلها لجنة الأشغال المدنية (ستُدعى فيما بعد لجنة تحتية للتشريع). سيمكن لإسرائيل، خلال مدة 30 يوما ابتداء من رفع القوانين التشريعية، أن تطلب من لجنة التشريع التحتية تحديد إذا ما كانت هذه القوانين تتعدى السلطة القضائية للسلطة الفلسطينية أو تخالف بحالة أخرى نصوص الاتفاق الحالي."

وتحت الفقرة التحتية 4 من البند نفسه: "حال استلام الطلب الإسرائيلي، ستبت اللجنة التحتية للتشريع أولا في دخول القانون التشريعي المعني حيز التطبيق بانتظار أن تبدي إسرائيل رأيها في المشكل من حيث الجوهر."

ثم تأتي التفافات ودورانات من العقبات والتعقيدات لا نهاية لها عندما يتعلق الأمر بمجلس المراجعة، ثم بلجنة الاتصال، ثم لست أدري بماذا أيضا، ثم، ثم... للوصول إلى هذه الخاتمة التعسفية في الفقرة 9: "تبقى القوانين والنظم العسكرية المعمول بها في قطاع غزة ومنطقة أريحا السابقة على التوقيع على الاتفاق الحالي سائرة المفعول إلا إذا جرى تعديلها أو إلغاؤها طبقا للاتفاق الحالي."

لِمَ كل هذا التعب إذن بما أن الأساسي، القوانين والنظم العسكرية، ستبقى سائرة المفعول؟ الباقي الذي يقول "عدا إذا..." ليس إلا غِشا ودجلا، لأن كل مسعى إلى تغيير هذه النظم والقوانين لا يمر إلا بإرادة المحتل الإلهية.

لا، لا توجد صلاحيات تشريعية مستقلة لهذه سلطة جرت تصفيتها كبضاعة بأقل ثمن تدعى فلسطينية، وكذلك لا توجد صلاحيات تنفيذية يجري العمل بها بحرية إلا إذا كانت تخدم المصالح الإسرائيلية وتقوي من وضع يد الإسرائيليين على دولة عرفات. وخير ما يدل على ذلك الترتيبات التي تم اتخاذها بخصوص الأمن والنظام العام كما جاء وصفها في البند VIII من اتفاق أوسلو: مسئولية إسرائيل فقط في مادة الدفاع ضد "التهديدات" الخارجية (كما لو كانت هناك تهديدات خارجية) وتشكيل قوة بوليسية جبارة (للقمع الداخلي كما يريد الإسرائيليون). وأيضا لجان مشتركة ولجان تحتية، وأيضا بنود تعسفية من أجل الدفاع عن حصان طروادة الذي هو المستعمرات. باتجاه الفلسطينيين ليست هناك سوى الاشتراطات، ومن طرف الإسرائيليين ليست هناك سوى الأوامر والحبال المشدودة شدا خانقا. لنر كيف يقضي المحتل بتشكيل قوة بوليسية فلسطينية في البند IX:

"1. ستقيم السلطة الفلسطينية قوة بوليسية جبارة، المجلس الفلسطيني لقوة الشرطة (سيدعى فيما بعد "شرطة فلسطينية"). الواجبات، الوظائف، البنية، الانتشار، وتشكيل الشرطة الفلسطينية، وكذلك كيفية تجهيزها وعملها محددة في الملحق I، بند III. قوانين سلوكها الميداني محددة في الملحق I، بند VIII.

2. عدا الشرطة الفلسطينية المحددة في البند الحالي والقوات العسكرية الإسرائيلية لن تشكل قوة عسكرية أخرى أو تقوم بعمليات في قطاع غزة أو منطقة أريحا.

3. عدا أسلحة وعتاد وتجهيزات الشرطة الفلسطينية المحددة في الملحق I بند III وأسلحة وعتاد وتجهيزات القوات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ومنطقة أريحا لن يكون أحد أهلا بصنع وبيع والحصول على وامتلاك واستيراد أو إدخال بأي وسيلة كانت إلى قطاع غزة ومنطقة أريحا أسلحة نارية ومعدات وألغام أو ما يشابهها عدا إجراء معاكس يقضي به الملحق I."

طبعا كل شيء محدد سلفا، العدد، التجهيزات، قوانين السلوك، والأسباب التي أنشئت من أجلها هذه "القوة البوليسية الجبارة"، الشرطة الفلسطينية. فيما يتعلق بهذه الأسباب، آخر فقرة ذات دلالة: تدمير كل تنظيم "إرهابي" (سيتبنى الطرفان كل الإجراءات الضرورية لتدارك أعمال الإرهاب... بند XVIII) بواسطة أسلحة يقدمها المحتل كما يريد وبالقدر الذي يراه مناسبا. أما بخصوص "الواجبات" الملزمة لهذه الشرطة، فهي واجبات لإخضاع الفرد لا لحمايته. وسيكون التجهيز بالسلاح والعتاد على علاقة بمستوى تجهيز التنظيمات الأخرى لا أكثر ولا أقل. لأن إسرائيل تخشى، مع اتفاق غير عادل كهذا، أن يتحول هذا السلاح إلى صدرها. ولدينا انطباع حين يلح المفاوض الإسرائيلي على التشكيل السريع لقوة بوليسية فلسطينية "جبارة" أنه على عجلة من أجل القضاء على الأشخاص والتنظيمات التي لم يستطع "تحييدها" هو نفسه. لم تجر هناك دعوة إلى الحرب الأهلية، ولكن كل شيء يشير إلى أن هذه للمفاوض الإسرائيلي أمنيته الأغلى على قلبه. وفي هذا يكمن "التسامح المتبادل" بند XII، بين الطرفين بالقدر الذي تنفذ فيه إدارة عرفات بنود هذا الاتفاق المتخلخل. ولا تأتي المسائل الأخرى مثل نقاط العبور، العلاقات الاقتصادية، حقوق الإنسان، أولوية القانون، إلا لوضع ماكياج على الهول الذي يراد القيام به، وجعل الناس تعتقد أن هذه السخرية المسماة "سلام عادل ودائم" هي منذ الآن فصاعدا ممكنة بعد سنوات من الحروب والعداء. ولكن في الواقع، ليس كل هذا سوى سراب، لأن كل شيء تم تحديده في صالح إسرائيل، في استمرار الحياة السائرة تحت الاحتلال: تمديد للتبعية الاقتصادية والعسكرية.


د. أفنان القاسم: خطتي للسلام، الإتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 23-31.

ترجمة د. بريجيت بوردو / الكيبيك

الفصل القادم: ما يجري على الأرض

www.parisjerusalem.net


السبت، مارس 13، 2010

ترجمة الفصول الخاصة باتفاقية أوسلو (3) الأسر والتبعية الكاملة

د. أفنان القاسم

باريس

نحو مؤتمر بال فلسطيني (30)

إذن سيطبق "الفلسطينيون المعينون" من طرف المحتل من أجل القيام بمهمة تركيع الشعب الفلسطيني بالحرف الواحد اتفاقا يؤجل دوما إلى ما بعد ما يجب على إسرائيل فعله، ولكن يقضي بتنفيذ الأوامر التي أُمليت على المفاوض العرفاتي في الحال. وما يدعى "سلطة قضائية" هو جدارة التصرف في هذه الطريق، طريق الأسر والتبعية الكاملة. وبعد أن تُترك جانبا المفاوضات "حول المسائل العالقة، وعلى الخصوص القدس، اللاجئين، المستعمرات، التدابير في مادة الأمن، الحدود، العلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات أهمية مشتركة" مادة V فقرة 3 – بعد كل هذه المسائل التي تركت عالقة، والتي هي القضية الفلسطينية عينها، هل تبقى مسائل أخرى حقا؟ - عندما تترك جانبا المفاوضات حول هذه المسائل الحيوية لثلاث سنوات "على الأكثر" بعد البدء بمرحلة الانتقال التي تمتد إلى خمس سنوات، هذا يعني أن لا شيء جرى حله في أوسلو، أن عرفات وأتباعه يدفعون الشعب الفلسطيني إلى الوقوع في فخ، وأن الإسرائيليين الذين سيكون كل الوقت لهم لن يحلوا هذه المسائل أبدا في وقت محدد وكما يوجب ذلك. وعلى العكس، من الجانب الفلسطيني، يجب إثبات، وذلك منذ البداية، أن هؤلاء الفلسطينيين المعينين من طرف المحتل قادرون على أن ينوبوا عن الحكومة العسكرية الإسرائيلية حتى قبل تشكيل "المجلس"، والذين سيوكل إليهم ما يدعى بالمهمة الاقتصادية والبوليسية. وكل اتفاق أوسلو 1 يدور حول هاتين الناحيتين، الأولى للتخفيف من العبء المالي للمحتل، والثانية للتخفيف من الضغط على الجيش، من اختناق الجنود، والتكاليف العسكرية بمئات ملايين الدولارات. هذا هو اتفاق أوسلو 1: أن تحل حكومة عسكرية محل أخرى وإدارة مدنية محل أخرى، وأن يزول كل العبء المالي والإنساني والنفسي الجاثم على كتفي المحتل.

صلاحيات السلطة الفلسطينية:

يؤكد البروتوكول المتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة ومنطقة أريحا التحليل السابق عندما يجري في الفقرة 3ب من الملحق II تقليص كفاءة سلطة عرفات إلى حد "البنية، وصلاحيات ومسئوليات السلطة الفلسطينية في هذين القطاعين (حكومة عسكرية وإدارة مدنية) ما عدا النقاط التالية: الأمن الخارجي، المستعمرات، الإسرائيليون، العلاقات الخارجية، ومسائل أخرى ستحدد باتفاق مشترك". هذا اللايتموتيف "مسائل أخرى" ليس ابن صدفة، لأن المحتل يخشى أن يكون قد نسي بندا يقيد بالسلاسل أكثر الشعب الفلسطيني، فيترك لنفسه الباب مفتوحا على احتمال "مسائل أخرى" تعالج.

عند إعادتي لقراءة هذه الفقرة ظننتني أسمع المفاوض الإسرائيلي يقول لزميله العرفاتي: "قم بشغلك فيما يخص قمع شعبك واترك الباقي عليّ!" الباقي هو 90% من السيادة يُدعى "استثناءات"، ما هو جوهري لهوية وطنية من أجل أن ترى النور، إذ إن على الفلسطينيين أن يضطلعوا بمسؤولية أمنهم الخارجي، وعلى الفلسطينيين أن يديروا حياة المستعمرات على أرضهم، وعلى الفلسطينيين أن يحلوا وضع الأجانب في بلدهم بمن فيهم الإسرائيليين، وعلى الفلسطينيين أن يعنوا بعلاقاتهم الخارجية مع العالم، ولكن لا شيء من هذا أُعطي لهم. بالنسبة إلى انسحاب بسيط لعشرات الأمتار وحسب تقويم زمني "متفق عليه"، الثمن المدفوع مع هذا لهو ثمن غال وغال جدا. هذا ما أدعوه "تبعية كاملة وأسر كامل".

لن تقف الأمور عند هذا الحد، لم يعد المفاوض الإسرائيلي يملي شروطه، وضع المفاوض الإسرائيلي نفسه موضع المفاوض الفلسطيني، وراح يدير مفاوضات إسرائيلية-إسرائيلية. دخل قلبا وقالبا في المؤسسة البوليسية لعرفات وذلك باستحداث "لجنة ممتزجة فلسطينية-إسرائيلية للتنسيق والتعاون من أجل غايات أمنية متبادلة" ملحق II فقرة 3 إعلان المبادئ. وفي البند III فقرة 5 من اتفاق أوسلو يمكننا أن نقرأ أيضا: "ستقام لجنة مشتركة للتنسيق والتعاون في مادة الأشغال المدنية ولجنتان تحتيتان مشتركتان على مستوى المناطق للأشغال المدنية لقطاع غزة ومنطقة أريحا من أجل ضمان التعاون والتنسيق في مادة الأشغال المدنية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل كما جرى تفصيله في الملحق II." يخفي المصطلحان "تعاون وتنسيق" بشكل رديء التدخل الإسرائيلي والهيمنة الإسرائيلية. ومع هذا التكرار المتعب للمصطلح "أشغال مدنية" كما لو كنا نسمع من فم المفاوض المتعجرف الإسرائيلي: "أنا هنا في المادة المدنية مثلما أنا هناك في المادة العسكرية شئتم أم أبيتم وسأبقى"! وكل شيء يؤشر إلى أن ما يرمي إليه الاحتلال تبديل وجهه فقط لا غير، ويبقى الهدف دوما سحق شعب بأكمله، ابتلاع أرضه، ومحو تراثه.

سيذهب المحتل إلى أبعد فيما يخص هيمنته وتدخله في الشأن الفلسطيني عندما يحدد عدد أعضاء السلطة الفلسطينية، صلاحياتهم، ومسئولياتهم –نعم، مسئولياتهم- وإدارة المحافظات. ويكمن أسوأ الأسوأ في الطلب الموجه إلى منظمة التحرير بأن تنقل للإسرائيليين "أسماء أعضاء السلطة الفلسطينية وتخبر (الإسرائيليين) بكل تبديل في أعضائها، وستكون هذه التعديلات مقبولة بعد أن يتم تبادل رسائل في أمرها بين منظمة التحرير وحكومة إسرائيل" بند IV فقرة 3 اتفاق أوسلو. وفي إعلان المبادئ يمكننا قراءة بند IV فقرة 1: "يخبر الطرف الفلسطيني الطرف الإسرائيلي بأسماء الفلسطينيين المخولين بصلاحيات وكفاءات ومسئوليات يُكَلّف بها فلسطينيون طبقا... الخ."

أحالم أنا! تصبح منظمة التحرير هنا مركِّبا من مركِّبات الموساد لا شيء غيره. والمذهل أكثر الفقرة 4 من البند نفسه: "يلتزم كل عضو من أعضاء السلطة الفلسطينية في وظائفه بالعمل طبقا للاتفاق الحالي". وهذا نقيض كل حرية فردية، كل إصلاح يُسعى إليه، كل قرار يناقش. هذا ضربة سياط لما يشترطه البند III من إعلان المبادئ بخصوص انتخابات تجري "حسب المبادئ الديمقراطية"! ما يفسر التغمغم الانتخابي اللاحق مع أشخاص لم يكونوا أبدا ديمقراطيين، ولن يعرفوا أبدا أي لون للديمقراطية. هذا الشرط الذي يمليه منتصر لهو من العجرفة والعنف كما لم نر أبدا عبر التاريخ. حتى الحلفاء ضد النازيين لم يصيغوا شرطا مذلا كهذا ومع الأسف تم قبوله من طرف عرفات وأعوانه دون أدنى شعور بالعار. سيقبلون بالحضور المباشر للمحتل (مستعمرات، ثكنات عسكرية، نقاط استراتيجية) وبالحضور الغير المباشر (تحت شكل لجان ولجان تحتية) في كل ما ندعوه سلطة قضائية وظيفية وشخصية، بند V اتفاق أوسلو: الأرض، تحت الأرض، المياه، الأشخاص، الميدان الإلكترومغناطيسي، الفضاء الجوي، الترتيبات الشرعية والعون الشرعي في المادة العقابية والمدنية. يخرج المحتل من الباب ليعود من نافذة اللجان واللجان التحتية، وبصفته جسدا للقمع يقيم في المستعمرات والمناطق العسكرية التي لم ينسحب منها، والتي لن ينسحب أبدا منها طالما بقي سرطان المستعمرات هذا ينهش الأراضي المحتلة. يكفي أن نقرأ هذه الفقرة من البند V: "ستمارس إسرائيل سلطتها عن طريق حكومتها العسكرية التي ستستمر، من أجل هذا الغرض، في التمتع بسلطات ومسئوليات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضرورية طبقا للقانون الدولي".

ولكن في أي عصر أعيش؟ في أي بلد إن لم يكن بلد عرفات! لا، ولكن هذا من المستحيل قبوله! ألف مرة من المستحيل قبوله! مائة ألف مرة من المستحيل قبوله! والأنكى من كل هذا أن المجتمع الدولي يصفق لمثل هذا اتفاق، لمثل هذه عبودية، لمثل هذا وضع في السلاسل! والأنظمة العربية، هذه الأنظمة الفاشية المزوقة بالديمقراطية على طريقة مبارك، تستلم الصفعة الإسرائيلية بكل وجهها من يد عرفات، وترتضي لنفسها بلعق طنجرة الخبيص هذا! والمثقفون العرب (عدا البعض طبعا)، هؤلاء المثقفون الجبناء بطبعهم، يعتزلون في الهامش الأكثر ضيقا لمجتمعهم، وبعدم نهوضهم ضد هذا المشروع الجهنمي الرامي إلى تصفية القضية الفلسطينية والهوية الفلسطينية الهوية العربية بكل بساطة، يثبتون أنهم عار الثقافة! كما وليست المرة الأولى ولا الأخيرة لحماية مصالحهم يمتنع هؤلاء المثقفون العرب عن دحض هذا التيار المسمى إسلامي. لم يرفعوا إصبعهم الأصغر ليجتثوا من الجذور هذه الرؤية المشوهة للإسلام، بينما يمكنهم تقديم رؤية جديدة عبر قراءتهم للقرآن قراءة منطقية وعلمية مبدين للعالم الوجه الحقيقي للتسامح ومساهمين هكذا بالفكر الكوني والإنساني. سيعي الغرب التلاعب بالإسلام أداة قمع نفسي وأيديولوجي في يد الحكام في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية طالما يخدمهم هذا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. إضافة إلى ذلك، هؤلاء المثقفون العرب لم يفعلوا شيئا ضد حرب العراق، ضد الاحتلال الأمريكي، ضد قلب حياة العراقيين والعرب في مجموعهم إلى جحيم. وعلى أي حال، هم لن يفعلوا شيئا ضد دبابات الجي آي ولا دبابات شارون، بينما عليهم يعود تفجير الحجج الرامية إلى تفنيد هذه الاعتداءات، وإظهار الصفة الموبوءة لسياسة الهيمنة هذه ذات المرامي القمعية.

لن تقف الأمور عند هذا الحد. عدا "الصلاحية المخولة لها في دفاتر التسجيل والإحصاء وإعطاء شهادات ميلاد..." بند VI فقرة 1د اتفاق أوسلو، تخضع السلطة الفلسطينية بكل صراحة للسلطة الإسرائيلية فيما يخص "الصلاحيات التشريعية المشترط عليها في البند VII من الاتفاق الحالي. ويمكننا أن نقرأ تحت الفقرة 3 من البند VII: "على القوانين التشريعية التي تصدرها السلطة الفلسطينية أن تُرفع للجنة تحتية تشكلها لجنة الأشغال المدنية (ستُدعى فيما بعد لجنة تحتية للتشريع). سيمكن لإسرائيل، خلال مدة 30 يوما ابتداء من رفع القوانين التشريعية، أن تطلب من لجنة التشريع التحتية تحديد إذا ما كانت هذه القوانين تتعدى السلطة القضائية للسلطة الفلسطينية أو تخالف بحالة أخرى نصوص الاتفاق الحالي."

وتحت الفقرة التحتية 4 من البند نفسه: "حال استلام الطلب الإسرائيلي، ستبت اللجنة التحتية للتشريع أولا في دخول القانون التشريعي المعني حيز التطبيق بانتظار أن تبدي إسرائيل رأيها في المشكل من حيث الجوهر."

ثم تأتي التفافات ودورانات من العقبات والتعقيدات لا نهاية لها عندما يتعلق الأمر بمجلس المراجعة، ثم بلجنة الاتصال، ثم لست أدري بماذا أيضا، ثم، ثم... للوصول إلى هذه الخاتمة التعسفية في الفقرة 9: "تبقى القوانين والنظم العسكرية المعمول بها في قطاع غزة ومنطقة أريحا السابقة على التوقيع على الاتفاق الحالي سائرة المفعول إلا إذا جرى تعديلها أو إلغاؤها طبقا للاتفاق الحالي."

لِمَ كل هذا التعب إذن بما أن الأساسي، القوانين والنظم العسكرية، ستبقى سائرة المفعول؟ الباقي الذي يقول "عدا إذا..." ليس إلا غِشا ودجلا، لأن كل مسعى إلى تغيير هذه النظم والقوانين لا يمر إلا بإرادة المحتل الإلهية.

لا، لا توجد صلاحيات تشريعية مستقلة لهذه سلطة جرت تصفيتها كبضاعة بأقل ثمن تدعى فلسطينية، وكذلك لا توجد صلاحيات تنفيذية يجري العمل بها بحرية إلا إذا كانت تخدم المصالح الإسرائيلية وتقوي من وضع يد الإسرائيليين على دولة عرفات. وخير ما يدل على ذلك الترتيبات التي تم اتخاذها بخصوص الأمن والنظام العام كما جاء وصفها في البند VIII من اتفاق أوسلو: مسئولية إسرائيل فقط في مادة الدفاع ضد "التهديدات" الخارجية (كما لو كانت هناك تهديدات خارجية) وتشكيل قوة بوليسية جبارة (للقمع الداخلي كما يريد الإسرائيليون). وأيضا لجان مشتركة ولجان تحتية، وأيضا بنود تعسفية من أجل الدفاع عن حصان طروادة الذي هو المستعمرات. باتجاه الفلسطينيين ليست هناك سوى الاشتراطات، ومن طرف الإسرائيليين ليست هناك سوى الأوامر والحبال المشدودة شدا خانقا. لنر كيف يقضي المحتل بتشكيل قوة بوليسية فلسطينية في البند IX:

"1. ستقيم السلطة الفلسطينية قوة بوليسية جبارة، المجلس الفلسطيني لقوة الشرطة (سيدعى فيما بعد "شرطة فلسطينية"). الواجبات، الوظائف، البنية، الانتشار، وتشكيل الشرطة الفلسطينية، وكذلك كيفية تجهيزها وعملها محددة في الملحق I، بند III. قوانين سلوكها الميداني محددة في الملحق I، بند VIII.

2. عدا الشرطة الفلسطينية المحددة في البند الحالي والقوات العسكرية الإسرائيلية لن تشكل قوة عسكرية أخرى أو تقوم بعمليات في قطاع غزة أو منطقة أريحا.

3. عدا أسلحة وعتاد وتجهيزات الشرطة الفلسطينية المحددة في الملحق I بند III وأسلحة وعتاد وتجهيزات القوات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ومنطقة أريحا لن يكون أحد أهلا بصنع وبيع والحصول على وامتلاك واستيراد أو إدخال بأي وسيلة كانت إلى قطاع غزة ومنطقة أريحا أسلحة نارية ومعدات وألغام أو ما يشابهها عدا إجراء معاكس يقضي به الملحق I."

طبعا كل شيء محدد سلفا، العدد، التجهيزات، قوانين السلوك، والأسباب التي أنشئت من أجلها هذه "القوة البوليسية الجبارة"، الشرطة الفلسطينية. فيما يتعلق بهذه الأسباب، آخر فقرة ذات دلالة: تدمير كل تنظيم "إرهابي" (سيتبنى الطرفان كل الإجراءات الضرورية لتدارك أعمال الإرهاب... بند XVIII) بواسطة أسلحة يقدمها المحتل كما يريد وبالقدر الذي يراه مناسبا. أما بخصوص "الواجبات" الملزمة لهذه الشرطة، فهي واجبات لإخضاع الفرد لا لحمايته. وسيكون التجهيز بالسلاح والعتاد على علاقة بمستوى تجهيز التنظيمات الأخرى لا أكثر ولا أقل. لأن إسرائيل تخشى، مع اتفاق غير عادل كهذا، أن يتحول هذا السلاح إلى صدرها. ولدينا انطباع حين يلح المفاوض الإسرائيلي على التشكيل السريع لقوة بوليسية فلسطينية "جبارة" أنه على عجلة من أجل القضاء على الأشخاص والتنظيمات التي لم يستطع "تحييدها" هو نفسه. لم تجر هناك دعوة إلى الحرب الأهلية، ولكن كل شيء يشير إلى أن هذه للمفاوض الإسرائيلي أمنيته الأغلى على قلبه. وفي هذا يكمن "التسامح المتبادل" بند XII، بين الطرفين بالقدر الذي تنفذ فيه إدارة عرفات بنود هذا الاتفاق المتخلخل. ولا تأتي المسائل الأخرى مثل نقاط العبور، العلاقات الاقتصادية، حقوق الإنسان، أولوية القانون، إلا لوضع ماكياج على الهول الذي يراد القيام به، وجعل الناس تعتقد أن هذه السخرية المسماة "سلام عادل ودائم" هي منذ الآن فصاعدا ممكنة بعد سنوات من الحروب والعداء. ولكن في الواقع، ليس كل هذا سوى سراب، لأن كل شيء تم تحديده في صالح إسرائيل، في استمرار الحياة السائرة تحت الاحتلال: تمديد للتبعية الاقتصادية والعسكرية.


د. أفنان القاسم: خطتي للسلام، الإتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 23-31.

ترجمة د. بريجيت بوردو / الكيبيك

الفصل القادم: ما يجري على الأرض

www.parisjerusalem.net



الثلاثاء، فبراير 23، 2010

ترجمة الفصول الخاصة باتفاقية أوسلو (1) أكبر عملية نصب سياسية في التاريخ

د. أفنان القاسم

باريس

نحو مؤتمر بال فلسطيني (28)

في كتابي "دفاعا عن الشعب الفلسطيني"، أظهرت كيف نجح ياسر عرفات في تدجين الفلسطينيين من أجل القبول بأي حل سياسي، وإلا ما كان بإمكانه أبدا أن يجرؤ على الذهاب إلى أوسلو ليفاوض اتفاقا تصفويا هدفه محو القضية الفلسطينية نهائيا وهضم الحقوق الوطنية والإنسانية لشعب بأكمله. كان على عرفات أن يفسد كل مثقف، كل كادر، كل موظف. كان عليه أن يضع يده على كل مؤسسة، كل هيئة، كل جهاز. وبقوة النقود التي كانت السعودية وبلدان الخليج تصبها عليه بأمر الأمريكيين، جعل من نفسه إله كل نفس ضائعة أو قابلة للضياع. رفع إلى الذُروة (عدا البعض الذين خانوا طبقتهم واصطفوا إلى جانب الوطنيين) أبناء وأحفاد العائلات الكبرى البائعين أبا عن جد، والذين اشتهروا بتواطئهم الدائم مع السلطات القائمة سواء أكانت إنجليزية أو أردنية أو إسرائيلية –ويبقى مصطلح "خونة" ضعيفا جدا لوصفهم. وفي الوقت نفسه، جرجر سكان الأحياء الفقيرة ومخيمات اللاجئين في الوحول، أولئك الذين كان يدعي عدم ادخار أي جهد باسمهم من أجل تحرير فلسطين، بينما كان يعمل كل ما بوسعه من أجل التنازل عنها للإسرائيليين قطعة قطعة. لعبة مزدوجة كانت –وإلى اليوم- لوضع القناع على حقيقة أفعاله وأهدافه، فالقول شيء، والفعل شيء آخر. والقول لم يكن يكلفه أي شيء يذكر، كلمات اغترفت من قاموس البلاغة السياسية –الفصيحة والتقهقرية- للحكام العرب، والتي لا تقلق لا الإسرائيليين ولا الأمريكيين على الإطلاق بما أن بضاعة عرفات موجهة إلى السوق العربي الفلسطيني، وأقل من ذلك بما أنها لا تبدل شيئا من استراتيجيته المتآمرة والمفسدة، والتي ترمي إلى تركيع الشعب الفلسطيني، والعمل من يأسه عُملة تبادل بين الفلسطينيين. القليل أو لا شيء! كان يقول. اليوم، حتى القليل من المستحيل الحصول عليه، لأن الهدف النهائي هو التخلي عن كل شيء للإسرائيليين، عن الأرض، وعن الناس الذين عليهم أن يرضوا بحياة الأسرى والتبعية الكاملة في أرض إسرائيل. هذا هو اتفاق أوسلو، المدعو باتفاق رقم 1، للرابع من أيار/مايو 1994: حياة أسرى وتبعية كاملة في إسرائيل الكبرى التي تجمع إسرائيل المحددة بحدود 1948، الضفة الغربية، وقطاع غزة، أي فلسطين التاريخية.

وكما هي عادته عندما يتعلق الأمر "بعدم حل" في صالح إسرائيل، صفق الغرب، المُرائي والمتواطئ، للمبادرة، مرتديا ثوب العار والخزي إلى الأبد. أيد اليمين، لأن ذلك ما كانت تريده إسرائيل، وأيد اليسار، لأن ذلك ما كانت ترغب إسرائيل فيه وعرفات. والشعب الفلسطيني؟ ولكن للغرب يمينا ويسارا الشعب الفلسطيني هو عرفات! فساهموا بصوت واحد في حملة تبرير لهذا الاتفاق من أجل تعمية ملايين أخرى من النساء والرجال، وذلك بإخفاء مصيبة ما ترمي إليه لفلفة كهذه، وليبدوا كما يبدو أولئك الذين يقولون متحضرين عن أنفسهم، أناسا عاشقين للسلام والعدالة. ولكن، تحت قناع البنود والملحقات التي لا يقف واحد منها على قدميه، في الواقع هم قدموا دعمهم اللامشروط للعدوانية الإسرائيلية، وكذلك لشهية المستعمر، المؤلهة بصخب إعلامي يومي، والتي هي من خُلق كل سياسي إسرائيلي منذ هرتزل إلى شارون. إنه هذا الغرب الذي يمد الحكام الإسرائيليين بالمال والسلاح، حكام يعملون بسياسة دموية ومدمرة. وهذا الغرب الذي يصمت ويترك الإسرائيليين يفعلون ما يفعلون، بينما، وهو الواضع يده على الإقتصاد والعسكرة، يقبض على إسرائيل من خناقها: دون الغربيين، لا يمكن لإسرائيل العيش ولا حتى الوجود. ولكن لنقل صراحةً: في صالح الغربيين أن تسوء الحال، وفي صالحهم أن يبقى العالم العربي في حالة إنذار دائم دون أن تُترك له أية فرصة للنهوض ولعب الدور العائد عليه من أجل بنائه ومساهمته في بناء العالم. خطر دائم وحرب دون توقف لا تترك له الوقت ليستعيد أنفاسه. آخر حرب كانت هي حرب العراق على أيدي الأمريكيين وتواطؤ كل الغربيين بمن فيهم "أبطال" جبهة الرفض السلبي.

وهكذا مدعوسة ومفرقة، لا توجد البلدان العربية إلا بالإسم، وقد غدت عنابر نوم لملايين من الأفراد، محكومين من طرف طغاة يبدي لهم الغرب إعجابه ويشجعهم، وهم في الحقيقة جبناء تحت إمرة الموساد والسي آي إيه. وكان بإمكان هؤلاء المستبدين أن يضغطوا على الغرب، وذلك بإغلاق حنفية النفط، من أجل أن يفرضوا حلا مشرفا يرضى عنه الطرفان –الإسرائيلي والفلسطيني- ولكن كما هي عادتهم عندما يتعلق الأمر بالرهانات الوطنية الكبرى والقرارات السياسية التي تمس سلطاتهم وامتيازاتهم مباشرة، يمتنعون بعناية عن القيام بكل مبادرة في هذا الاتجاه، ولا يبقى لهم من اختيار آخر سوى الصف في صفوف اتفاق أوسلو. فلسطين التي لا تدعهم ينعمون بالنوم الهادئ في الليل وقّعت أخيرا على وثيقة إبادتها بيد فلسطيني، عرفات، ونَعَمّا حدث! هو حل آت من الفلسطينيين أنفسهم أيا كانت النتائج! ومنذ الآن فصاعدا فُتحت لهم الطريق إلى تل أبيب من أجل الذهاب إليها والصلاة في وضح النهار. سيتم خلق بلد هو عنبر للنوم جديد، والتعاضد بين الأنظمة الدكتاتورية شيء موجود، وهنا يكمن معنى القوة "الجبارة" للشرطة الفلسطينية المشترط عليها في اتفاق أوسلو (بند VIII، تصريح المبادئ).

ما تبقى لا حساب له، لأن الأمريكيين عبر هيمنتهم الإقتصادية والعسكرية صنعوا من هذه الشبه البلدان حجارة شطرنج لا أكثر ولا أقل، وبالتالي تعتمد أكبر عملية نصب سياسية في التاريخ الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية على قاعدة عالمية مصانة بقوة من طرف الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، أمريكا وإسرائيل الحليفة التي خصتها أمريكا بنعمها، طالما بقي النفط العربي موجودا والهيمنة على المنطقة مطلبا استراتيجيا.

د. أفنان القاسم: خطتي للسلام، الإتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 9-14.

ترجمة د. بريجيت بوردو / الكيبيك

الفصل القادم: تمهيد للأسر والتبعية الكاملة

www.parisjerusalem.net


السبت، فبراير 06، 2010

قوى العقل في إسرائيل والعالم العربي

د. أفنان القاسم

نحو مؤتمر بال فلسطيني (27)

كيف نفهم قوى العقل في العالم العربي؟ هل نفهمها على أساس انتمائها لديكارت أم على أساس كونها ممارسة وفعلا وتأثيرا في الحدث؟ نظريا آه ما أشطرها وعمليا لا شيء أو أنها رفل من أرفال القوى الغيبية، فمن يترك القوى الظلامية تجول وتصول بلا رادع هو بشكل من الأشكال ذيل ثوب تجره من ورائها، ومن يرى الحلول من زاوية أن لا حل هناك تحت ادعاء الموضوعية التاريخية أو التاريخية الواقعية يسعى بإرادته إلى تكريس تلك القوى النقيضة القوى الغيبية، ويعمل على إدخال العقل معها في قمقم الميتافيزيقيا، فتصبح الأنظمة العربية أنظمة لا يمكن المساس بها، والاقتصاد العربي قيمة فائضة من قيم الرأسمال الغربي، وإسرائيل نجمة من ملايين النجمات التي مصيرها إلى الزوال مصير غيرها كما يقول علماء الفلك، متى وكيف؟ حتى بعد مليون سنة سيكون حتما زوالها، تجيب قوى العقل العربية. أنا لا أنتمي إلى هذه القوى، ولا أنتمي إلى هذا العقل، أنا لا أنتمي إلى دغل العلم الغيبي، لأني أرى في الواقع رؤية المتبصر لا الضرير، وأجد للصراع السياسي مع إسرائيل أفضل الحلول لا أسوأها، أرى أن إسرائيل اليوم تفرض نفسها عليّ بوجودها وغدا فأتعامل مع فرضها لنفسها عليّ اليوم وغدا أما بعد غد فهذا ليس من شأني، هنا يمكنني القول إن هذا لمن شأن الواقع التاريخي الآتي لأن حتى إسرائيل نفسها لا تعرف ما سيكون مصيرها مثلما لا أحد يعرف ما سيكون مصيره. اليوم تفرض كل الشروط الموضوعية على فلسطين وإسرائيل والعالم العربي التعامل مع ظروف الجميع الموضوعية بما تمليه هذه الظروف على الجميع، وعند مقاربة العقل لهذه الظروف يرى أن إسرائيل تقضي على غيرها وتقضي على نفسها، إسرائيل اليوم هي شمشون عصرنا شاءت ذلك أم أبت، القوة التي لها ليست الحل، والدسيسة ليست الطريقة، وسياسة الخطط والمخططات سياسة الضعيف والخرع والفاقد للبوصلة، لقد فَهِمَتْ هذا من عندهم بعض قوى العقل أمثال أبراهام بورغ وإيلان بابيه ويوسي سريد وغيرهم، ولا أحد من عندنا –نسيبة وعبد ربه وعباس يمثلون في التحليل السياسي والألسني قوى العقل الرثة وأعلام براز الوعي ومطايا التسليم والاستسلام- فطالبوا بإسرائيل جديدة لا بإسرائيل توراتية غيبية وغبية غيبت الإنسان إنسانهم وإنساننا، وجعلت منها مختبرا تجريبيا لهتلرية استيطانية تتعدى المستوطنات في الأراضي الفلسطينية إلى استيطان الإسرائيلي نفسه لنفسه وهذه أعظم كارثة بأنفسهم من كارثتنا بهم.

لنأخذ نقطة نقطة من خطتي للسلام ولنر كيف تصل ليس إلى حلول فهي جاءت من أجل الحلول ولكن إلى الحيلولة دون كوارث ستلحق بإسرائيل أول ما تلحق إذا لم تعمل بها وليس بفلسطين فقط ودول المنطقة:

عدم فتح الحدود على بعضها كالاتحاد الأوروبي حدود 4 حزيران 67 أو حدود اليوم سيؤدي ذلك إلى انكفاء على الذات وتراجع قومي إن لم يكن تقهقرا جوهريا في بنية المجتمع والزمن اليوم وخاصة غدا زمن إزالة الحدود نهائيا فهو شرط الحياة لدول تريد أن تحيا –غربا وشرقا وخاصة شرقا- لمواجهة الانحسار والجمود والركود، لمواجهة الانهيار كما حصل في الغرب في الشهور القريبة الماضية، وعلى الخصوص إسرائيل التي لا تنتمي بخصوصياتها إلى هذا الشرق، وستتحول هذه الخصوصيات في حال عدم فتح الحدود بل وإزالتها نهائيا إلى كارثة حقيقية لها.

عدم تعريب القدس الشرقية –المقصود هنا تهويدها- وعدم الاعتراف بها عاصمة لفلسطين –المقصود هنا القدس الموحدة- سيؤديان إلى انهيار لاهوتي للمدينة لأن وجودها يعتمد أول ما يعتمد على التوازن بين السلطات الدينية الثلاث والوجود السياسي بالتالي على سلطات ثلاثية فلسطينية إسرائيلية ودولية، الدولية هي أقرب إلى السلطة المعنوية، وإذا ما تم تهويد كل القدس الشرقية أقول كلها ما عدا الأماكن الإسلامية المقدسة، القدس الشرقية تبقى قدسا شرقية للفلسطينيين، وبقاء هذه الأماكن المقدسة تحت السلطة الدينية الفلسطينية يبقى إلى الأبد تهديدا لعاصمة إسرائيل الأبدية كما يشاع، واشتعال لهب انتفاضة فلسطينية عربية إسلامية هذه المرة حتى من متر مربع لم يتم تهويده ممكن في أية لحظة، أضف إلى ذلك أن الفاتيكان سوف يفرض حضوره الديني والسياسي، وتكون حربا صليبية ولكن بشكل آخر وبتحالفات أخرى يكون فيها المسيحيون والمسلمون في خندق واحد معا ضد الإسرائيليين –لا أريد أن أقول ضد اليهود لأن اليهود في العالم لن يقفوا إلى جانب من صهينوا دينهم وهم على كل حال ليسوا كلهم متدينين-.

عدم عودة لاجئي 48 إلى ديارهم لن يحل المسألة الفلسطينية-الإسرائيلية إلى الأبد وكل وجود إسرائيل يتوقف على هذا الحق الجوهري والحياتي للشعب الفلسطيني، وخطتي للسلام قلبت هذا الأمر على قفاه لتصل إلى حل يرضي الطرفين، فقالت بحق العودة دون حق المواطنة تحت شروط التعويض المغري، وضمنيا هذا الحق كما هو عليه لسائر شعوب الاتحاد الأوروبي مرتبط بالعمل مثل كل من يعمل في إسرائيل من كل الجنسيات. عدم الإقرار بحق العودة يعني عدم الإقرار بحق إسرائيل في الوجود لأن وجودها متوقف على عودة اللاجئين وليس العكس كما يدعي المتطرفون وشاربو ويسكي التوراة ومنظرو الأضرحة الصهيونية.

عدم حل المستوطنات والمستوطنين وحقهم اللاهوتي المجنون على أساس الحل الذي قدمته لعودة لاجئي 48 بمعنى أن يكون لهم حق الإقامة تحت السلطة الفلسطينية دون حق المواطنة لن يصل بالجميع فلسطينيين وإسرائيليين إلى قناعة سياسية –لأن القناعة السياسية شيء والقناعة الميثية شيء آخر وهي الأساسي في السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي- أن كل فلسطين التاريخية لكل الإسرائيليين ولكل الفلسطينيين. دون الاعتراف بحق الكل على الكل لن يكون اعتراف بإسرائيل. تبادل الأراضي لعبة سياسية سافلة لن تحل هذه المسألة أبدا.

والضامن لهذه الحلول كلها والدينمو والامتداد الأفقي على كل المستويات الاقتصادية أولها هو الاتحاد المشرقي، به تنهض جميع شعوب المنطقة وتدخل في المستقبل، تصنع مستقبلها، فلا مستقبل لإسرائيل دونها، بقوتها وعلمها وتطورها وكله لا مستقبل لها دون الرفع من شأن شعوب المنطقة وليس إذلالها، ودون العمل معها عمل الفرنسيين والألمان بعد أن رموا بإرث الحرب من ورائهم، وحققوا ما لا يمكن للواحد أو الآخر تحقيقه. في الاتحاد المشرقي التكافلات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للجميع وخاصة الاقتصادية وكل المؤشرات الموضوعية تشير إلى الضعف التدريجي للإمبراطورية الأميركية، حليفة كهذه يجب التفكير جديا بالاستقلال عنها، والترقيع السياسي التصفوي للقضية الفلسطينية عن طريق حل يرمي إلى استحداث دولة فلسطينية في صحراء سيناء هو جزء أيضا من لعبة سياسية سافلة، لأننا بإمكاننا في ظروف الاتحاد المشرقي الطبيعية أن نعمل من غزة سنغافورة جديدة تعود بالفائدة على الجميع.
ramus105@yahoo.fr

www.parisjerusalem.net

الأحد، يناير 31، 2010

يا عبد الله الثاني هل أنت مقتنع بما تقول؟

د. أفنان القاسم

نحو مؤتمر بال فلسطيني (26)

في حوار له على هامش مؤتمر دافوس، صرح ملك الأردن عبد الله بن الحسين أن الحل هو حل الدولتين أو الدولة الواحدة، وهو يرمي هنا إلى الضغط على إسرائيل التي ترى في حل الدولة الواحدة تهديدا لهويتها ووجودها، بينما الضغط على حكام تل أبيب كان يمكن له أن يكون حاسما لو لوح عبد الله الثاني بمشروع الإتحاد المشرقي الذي اقترحته عليه، لأن الاتحاد قوة للعرب، وعن طريقه فقط وليس عن طريق أي شيء آخر (كقناعة إدارة أوباما بحل الدولتين مثلما يحاول البعض عبثا إقناعنا) يمكن تحقيق الحل الأول، إنه دينمو التأسيس، وضمان للهويات كلها والكيانات، وما عدا ذلك كل شيء وهم بوهم وخيال خيمري وفكرة كاذبة، وملك الأردن يعرف تمام المعرفة أن حل الدولتين في الظرف الراهن لا يمكن أن يتحقق إلا في رؤوس الذين ما زالوا يعولون على ذلك. وبعد سنوات من الترداد والتردد المملين واللف والدوران المتعبين وإدارة الأزمة بل الأزمات التي عاثت بالأردن ولم تزل، أتساءل إذا ما كان عبد الله الثاني مقتنعا بما يقول أم أنه يراهن على معجزة تأتي من البيت الأبيض، وحتى هذه المعجزة التي هي سياسية هو لا يؤمن بها، فيعول على معجزة الخطاب، وهذا ما حصل في دافوس. ولكن لمعجزة الخطاب اليوم أثرا محدودا وغير فاعل لأنها للخصم ليست بذي بال بل هي تصب في صالحه. لماذا إذن لم يهدد الإسرائيليين والأميركيين بخطتي للسلام الطريقة الوحيدة التي يجبرهم فيها على المجيء إلى طاولة المفاوضات وبشروط واضحة للتفاوض فكلا الطرفين تجمعهما مصالح واحدة ولا علاقة البتة بلوبي أو بتعنت ولا بصلافة أو بصفاقة؟ لماذا لم يطرح فكرة الإتحاد المشرقي الذي هو في صلب الخطة شرطا للتوصل إلى حل؟ لماذا لم يحطم مئات الآلاف من الأواني المستطرقة لخطاب قديم اهترأ وتعفن لكثرة ما اجتر؟ لماذا على الأقل لم يشر إلى خطتي كما أشار إليها ثاباتيرو -الذي قرأها- حين لقائه به عندما ربط حل الدولتين بكل دول المنطقة؟

الحقيقة أن ملك الأردن لم يتخلص من تركة أبيه في سياسته الخارجية وفي سياسته الداخلية، ولم يثبت جدارته كملك جديد برؤية جديدة وكملك حر ببطانة حرة، لقد قيد نفسه بكل ما أملته على الأردن وشعب الأردن اتفاقية وادي عربة، وقبل ذلك بالتبعية الغير المشروطة للسياسة الأميركية، لهذا بقيت للملك الجديد رؤية الملك القديم، وكأن الحسين بن طلال، وهو في جَدَثِهِ، هو الحاكم الحقيقي. ولقد قيد نفسه بكل من نزل بالأردن إلى الحضيض الأسفل، بلصوصه من أبناء العائلات والعشائر، الذين كنت أدعوهم على مسمع الملك حسين برجال البساط لا البلاط، فبالله عليك أن تقول لي هذا الرفاعي الذي هو رئيس وزراء الأردن ما الذي أهله لهذا المنصب غير قرابته بواحد آخر بعيد دمر الأردن في عهده اسمه سمير الرفاعي؟ حتى ولو كان من خريج هارفارد وأوكسفورد والسوربون معا مجرد أن ينتسب إلى هذه العائلة شيء يجعلنا نشك في أمره ولا نثق بقدراته، وقس على هذا أبناء أبي الراغب وأبناء المصري وأبناء المجالي وأبناء التلهوني وأبناء اللوزي وأبناء سيدي المجترحي فكلهم أمخاخ وعباقرة، كل هؤلاء هم هنا ليس من أجل "الخصخصة"، كلمة عزيزة على عبد الله الثاني، ولكن الخسخسة في السياسة، والقصقصة في الإقتصاد، لهذا السبب الأردن من أفقر بلدان العالم، وعشر سنوات الحكم الأخيرة من أسوأ سني هذا البلد الذي لست أدري كيف لم يزل صامدا وواقفا على قدميه لولا صلابة بنيه وتضحيتهم.

وقس على ذلك الادعاء الجريء الآخر، الأردن الديمقراطي! الأردن الذي تحكمه القرارات المؤقتة أو أنصاف القرارات لن يمكنه أبدا أن يكون ديمقراطيا، الأردن الذي صحافته تقيء كل يوم عشرات المقالات التي تمتدح أو التي لا تمتدح ولكن من جوه الامتداح لن يمكنه أبدا أن يكون ديمقراطيا، الأردن الذي ينتظر الموقف الرسمي من خطتي لتكتب صحافته عنها ولا يجرؤ أحد على قول كلمة فيها سلبا أم إيجابا لن يمكنه أبدا أن يكون ديمقراطيا. الأردن الديمقراطي نعم يوم يصبح الاتحاد المشرقي الذي أقترحه حريته الحقيقية واقتصاده الحقيقي ورجال بلاطه الحقيقيين كما يجري في المملكة البريطانية والمملكة الأسبانية والمملكة السويدية، وليس لأن ابن عمي كان وزيرا أرثه أو ابن خالي كان أميرا أحلم بالتاج على رأسي كمن يحلم غيري بالعصا على قفاه.

www.parisjerusalem.net

الأحد، يناير 24، 2010

اخلعوا وجوهكم اخلعوا رؤوسكم

د. أفنان القاسم

نحو مؤتمر بال فلسطيني (25)

كيف ننظر إلى آخر تصريحات ومواقف البيت الأبيض من القضية المحور القضية الفلسطينية؟ كيف نتعامل مع فريق من سياسيين ومنظرين يقولون عن أنفسهم أسياد العالم؟ كيف نحلل خطابهم السياسي من خلال العلاقات التي تربطهم بالعالم؟ هذه الأسئلة يمكن طرحها أيضا على مستوى آخر يخص كل الأشكال اللغوية تحت شرط ربطها بقيم الواقع لا كما يقول جاكوبسون، فالواقع جوهر لغوي، وشأن ألسني. لهذا عندما يقول أوباما بأنه أخطأ في الحكم على قدرة الفلسطينيين والإسرائيليين في التوصل إلى سلام ما بينهم، ومنذ يومين في القاهرة كان واثقا من قدرة كل الأطراف على تحقيق ذلك، اللغة هنا هي الحاكم وليس حاكم أميركا، واللغة هنا هي الانعكاس للشرط السياسي، والشرط السياسي في نظام الإشارات هو الشيء الأساسي. وما تشي به اللغة المتقلبة بين ليلة وضحاها أخطر بكثير من الفعل الذي تعبر عنه، فهي تضعنا في قلب صورة حسية لشيزوفرينيا الخطاب، لفُصام لغوي ليس من الضرورة أن يكون فُصاما لمريض، ولكن في أبعاده السياسية نميز الانطواء على النفس، وهذه هي الحال مع الأمريكان، والتحليق في عالم الخيال والوهم وعدم الاتساق بين المزاج والفكر، وهذه هي حال الإسرائيليين، والبلاهة المبكرة البلاهة الخُلقية والخِلقية، وهذه هي حال السعوديين والأردنيين والباقين من الحكام العرب. ولشيزوفرينيا الخطاب دلالات في غاية الخطورة عندما تذهب كلينتون مثلا إلى حد التهديد بقطع المساعدات الأمريكية عن الفلسطينيين، فهم المحتلون لإسرائيل، وهم المعتدون، أو عندما يصرح نتنياهو أنه لن ولن ولن ولن، فهو صاحب الحق في كل شيء، أو عندما يردد عبد الله بن الحسين ما ليس هو نفسه به مقتنعا عن الشراكة والمنافسة والتساوي بين الحظوظ، فهو يطل برأسه علينا من كوكب آخر، أو عندما يرفض عبد الله بن عبد العزيز ما تحاول أمريكا إملاءه عليه، وفي الوقت نفسه تصل البضائع الإسرائيلية إلى أسواق مكة والمدينة والطائف من دون جمارك، فهو يتقن دور النعامة تمام الإتقان.

خطة أفنان القاسم في أنظمة الإشارات لها لغة خاصة بها هذا صحيح ولكنها تشترك مع غيرها من لغات وتؤثر فيها لتصل إلى معاني عديدة يمكن تنفيذها لتعطي على الأرض:

1) سياسة واضحة للأمريكان ليست متقلبة أو متوقفة على الظرف ومشروطة بحقها وبالحق العام.
2) سياسة عقلانية للإسرائيليين ليست متعنتة أو متمنعة بظرف مؤقت اليوم هو في صالحها وغدا في طالحها وإن طال الزمان.
3) سياسة واقعية للأردنيين والسعوديين (هم من نريد لتطبيق المرحلة الأولى من الإتحاد المشرقي) ليست متقوقعة أو متفرجة ورهينة بظرف هو غير ظرفها وشرط هو غير شرطها.

خطة أفنان القاسم هي خطة للخطاب السالم والفعل السالم، وهي خطة قادرة على جمع كل الأطراف من أجل تحقيق السلام، وإنهاء مشاكل فلسطين الفعلية، ومشاكل الأردن الفعلية، ومشاكل السعودية الفعلية، ومشاكل إسرائيل الفعلية، ومشاكل أمريكا الفعلية، وأبسط ما فيها مد يد العون للجميع من أجل خلع وجوههم وإن أمكن رؤوسهم: الطريقة الوحيدة لوضع حد لشيزوفرينيا الخطاب.
www.parisjerusalem.net

الاثنين، يناير 11، 2010

الانتفاضة السلمية والمقاومة السلمية

د. أفنان القاسم

باريس

نحو مؤتمر بال فلسطيني (24)

يرى بعض الملاحظين السياسيين أن العام 2010 سيشهد حروبا وزلازل وأحداثا جسيمة في فلسطين والعالم العربي والعالم الإسلامي محورها، وهم لا يرون فلسطينيا أن عدم الإنهاء على حماس يخدم المخطط الإسرائيلي في عدم الوصول إلى حل، ولا يرون عربيا أن عدم الإنهاء على حزب الله يكرس الأمر الواقع على الحدود الهادئة هدوء خلية خالية من نحلها، وعلى أي حال المقاومة بالنسبة لحزب الله ورقة لعبها ليكون طرفا في السلطة، وهو الآن طرفا من أطرافها، ولا يرون إسلاميا أن عدم الإنهاء على إيران يخلخل موازين القوى ويضعف هذه القوى ليبقى الخليج وباب المندب وبحر الصومال وكل المحيط الهندي تحت سيطرة الأساطيل الغربية والغاية محاصرة الهند والصين بحرا –دولتان عظميان منبثقتان- بعد أن تم حصارهما في أفغانستان برا، وعلى أي حال قوة إيران النووية مستحيلة بشهادة من يعرف إيران أكثر من كل الناس، البرادعي. وشخصيا أرى على عكس كل مدبجي المقالات المتشائمة منها والمتفائلة أن المقاومة يمكن أن تكون سلمية وفي نفس الوقت حاسمة، وأن الانتفاضة يمكن أن تكون سلمية وفي نفس الوقت فعالة، فالعنف على الطريقة الحماساوية لا يعني المقاومة، العنف على طريقة الإخوان المسلمين هو من أجل أسلمة المجتمع وتجذيره، وذلك للتسلط باسم الله والسيطرة، واللاعنف في السياق الفلسطيني يصبح الطريقة الوحيدة للخلاص من تسلط حماس وسيطرة فتح قبل الخلاص من المحتل الإسرائيلي لأن الانتفاضة السلمية هي انتفاضة أولا وقبل كل شيء ضد ذوي القربى والتحرر من ربقتهم. يقول مارتن لوثر كنج: "اللاعنف سلاح قوي وعادل يقطع دون أن يجرح ويرفع الإنسان الذي في يده هذا السلاح إلى درجة النبل، إنه سيف يبرئ ويشفي".

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن أردت اللاعنف فلسفة ووسيلة، يقاوم اللاعدالة، وماذا أكثر من الاحتلالين الفلسطيني والإسرائيلي ظلما وجورا.

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن شئت اللاعنف فلسفة ووسيلة، يرهف حس الرأي العام أكثر بكثير مما يرهفه الطفل والحجر، من أجل الضغط على الخصم ليفاوض.

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن شئت اللاعنف فلسفة ووسيلة، يمنع المحتل من ممارسة العنف على العزل من الناس لئلا يبدو في عين الرأي العام مخاتلا وجبانا.

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن شئت اللاعنف فلسفة ووسيلة، تقوم عليه كل الديانات وكل الفلسفات وكل القيم الإنسانية، بينه وبيننا خطوة واحدة علينا اليوم الآن هذه الساعة واجب أن نقطعها.

www.parisjerusalem.net



الاثنين، يناير 04، 2010

حوار مع جائزة أفنان القاسم 2009 لأسوأ صحفي نبيل درويش


قدم للحوار: د. أفنان القاسم
أجرى الحوار: د. أفنان القاسم

كنت لنبيل درويش أخا كبيرا عندما كان كلانا للنحل لدغ الاكتراث وللقلب نبض التميز ثم دخل كلانا في حالة من حالات النفس الحيادية تجاه الآخر حالة لا لذة فيها أو ألم، كان عليّ أن أكتب كتبي، فانقطعت عنه وعن ولدي، وكان عليه أن يحصل على وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي برتبة فارس، فانخرط في صفوف النظام كإعلامي، ونهائيا حولني إلى وهمٍ من أوهام تخفي عنه قدره الحقيقي كما يقول شوبنهاور، لهذا لم أتردد عن ترشيحه لجائزة أسوأ صحفي إذاعي وإقناع لجنة التحكيم على التصويت لهذا الترشيح الذي تم بالإجماع، فهو نموذج للخبر الرسمي، وللتعليق الرسمي، وللصوت الرسمي، يدغدغ، ويرضي، ويعتذر عندما لا يرضي، لهذا كانت علاقاته جيدة مع الجميع، من أبي عمار إلى ليلى شهيد وإلى أبي بطيخ، وكانت المعلومة لديه ذات اتجاهين، منهم إليه، ومنه إليهم، وهذا ما حصل عندما "باعني" بشكل عادي جدا للمذكورة أعلاه، لأنه لم يعد يشعر بجسامة ما يقول أو ما يقال وقد غدا بوقا، فالقيم المهنية لم تعد مطروحة لديه إلا بقدر ما تعود عليه من نفع، وبقدر ما تعود على غيره من كسب، أي أنها ليست قيما، بل مطايا، وعدم الإحساس بها، يجعل من صحفي كهذا سلبيا في كل شيء، فأين الإيجابية، وكل شيء لديه يقاس بمقياس خبر يذاع، خبر يمشي، ويتم إيصاله، وهذا هو جوهر القمع المخملي للتوصيل حسب المفهوم الإعلامي السائد في الغرب وفي الشرق على حد سواء، لهذا ابْحَثْ عن مقال واحد له على انترنت تضيع نفسك دون أن تجده، لأن الهرب من الملموس يجنبه الهجوم، وهو يظن بهذا أنه يحمي حياته المهنية بينما المحمي الأول هو المؤسسة التي ينتمي إليها وصناع الخبر الرسمي صانعوه...


الحوار الإفتراضي

* ما هو انطباعك أستاذ نبيل بعد حصولك على جائزة أفنان القاسم لأسوأ صحفي إذاعي؟

. أنا سعيد بهذه الجائزة فهي تؤكد وجودي الإعلامي في ساحة لست موجودا فيها ورؤسائي في مونت كارلو سعيدون بها على اعتبار أنها موجهة لهم أيضا وقد فتحوا زجاجات الشمبانيا وشربوا نخبي على الرغم من وجودي في القاهرة.

* هل تفضلها على وسام الإليزية؟

. الوسام شيء والجائزة شيء آخر الوسام لأني الأحسن والجائزة لأني الأسوأ وهذا يكمل ذاك وهذا وذاك يصب في صميم صالحي.

* ماذا تود أن تقول بهذه المناسبة السعيدة للمبتدئين في المهنة؟

. أن يكون لهم صوت جهوري كصوتي وصوت الطيب صالح وأن يصمموا على الصعود مثلي من حارس ليلي وليس في هذا عيب إلى حارس إعلامي وليس في هذا عيب أيضا.

* الطيب صالح حقا كان إذاعيا مثلك وكتب روايات شهيرة فماذا كتبت أنت؟

. أنا كتبت روايات أشهر من شهيرة لم أدونها على الورق بعد وأنت أعلم الناس بذلك عندما كنا في الجامعة معا وعندما أعطيتك بعضا من أحلامي لتكتبها.

* عظيم كل هذا ولكن متى ستتحفنا برواياتك؟

. قريبا وبعد التقاعد الأكثر من جيد الذي سأحصل عليه بسبب وسام الفارس وأنا لهذا السبب سعيت إلى الحصول عليه (يعمل التحية العسكرية ضاربا قدميه في الأرض) بأمري أيها القمندان!

* حدثنا عن علاقاتك بالملوك والرؤساء العرب.

. كلها زي ما بدك زي ما بدي زي ما بدهم وخاصة جلالة الملك محمد حسني مبارك المعظم (ثم يشخر) ك... أم سما أكبر ملك وأكبر رئيس، رجاء ألا تنشر هذا.

* سمعت هذا الكلام منك عندما حدثك ياسر عرفات عن لقائه الهام بكارتر مهندس مخيم داوود، أذعت ما قاله أما لي فشتمته... أنت غير راض عما تفعل أستاذ نبيل؟

. أبدا أبدا أنا راض كل الرضا ولكنها نرفزة بسيطة لتسكيت ضميري من وقت لوقت.

* ضميرك المهني؟

. ضميري المهني ميت منذ مدة لا أخفيك رجاء ألا تنشر هذا.

* أي ضمير إذن؟

. ضميري... لن يكون ضمير ستنا العدرا... ضميري، فأنا لم أزل صاحب ضمير، والكل يعرف هذا، عندما تسمع صوتي مبحوحا في الراديو إنه صوت ضميري.

* لم ألاحظ ذلك أبدا.

. إذن لاحظ... ألفت انتباهك إلى أن صوتي مبحوح منذ جائزة أفنان القاسم 2009.

* معذرة إذن كنت أظنه صوتك العادي.

. أصبح صوتي العادي... فأنا قادر على التأقلم حتى مع صوت ضميري.

* شكرا أستاذ نبيل وأتمنى ألا يضيع صوتك تماما بعد نيلك لجائزة وسام الاستحقاق الفرنسي.

. لا شكر على واجب.

www.parisjerusalem.net

الخميس، ديسمبر 24، 2009

دونيس روس ماكرو فلسطين

د. أفنان القاسم

نحو مؤتمر بال فلسطيني (22)

"ماكرو" تعني طراخور، وهو جنس سمك من العظميات الشائكات الزعانف، ولصفة الطراخور هذه أُطلقت على القواد في شكله وفي تفكيره وفي سلوكه، وهذا هو دونيس روس مستشار أوباما للشأن الشرق الأوسطي الذي عرفناه قبل أوباما بكثير وعرفنا فيه بسيكولوجية المتنفذين في البيت الأبيض الذين يعتقدون أنهم يملكون تحليلا دقيقا لشعوب يتحكمون بمصائرها بينما هم يفتقرون إلى الحدس ولا يرون أبعد من أرنبة أنوفهم، وباعتراف روس نفسه على التلفزيون الفرنسي منذ عدة أشهر عندما قال بخصوص عودة عرفات إلى فلسطين "كان علينا أن نؤسس لنظام ديمقراطي تقوم عليه الدولة الفلسطينية"، بعد أن عملوا على انقسام الفلسطينيين إلى تيارين متعارضين، واليوم لا يرى أن الحلول المرحلية المجتزأة لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وتعقيد المشاكل أكثر فأكثر، فهو يروج إلى بيع عشرين بالمائة من "عرض" فلسطين حسب خطة تقضي بانسحاب إسرائيل من المناطق "ب"، التي تعادل مساحتها 20% من الضفة الغربية ووفقا لاتفاقات أوسلو تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية إداريا ولكنها أمنيا خاضعة لسيطرة إسرائيل –أنظر ما أجمل هذا التخبيص الهوليودي إدارة فلسطينية تحت عسكرة إسرائيلية ويقولون انسحاب ونهاية احتلال- وهو يدرك كبائع للهوى أن إشباع الرغبة غير ممكن إلا بامتلاك كل الجسد، لكنه يناور بسفاهة عهدناها عنده ليوهم أنه على خلاف في سوق الجسد الفلسطيني مع إسرائيل، وهو لا يفعل ذلك إلا ليسوي هذا الخلاف بينهما، فبمن يسخر هذا الطراخور؟ نتنياهو قال لا لأوباما، أوباما قال نعم لنتنياهو، نتنياهو رجل صعب القياد لا يمكن إرغامه، أوباما رجل سلس القياد يمكن لنتنياهو أن يقول له لا، نتنياهو وأوباما، أوباما ونتنياهو، والاثنان في سوق بيغال الأميركي من وراء دونيس روس: "ثدي فلسطين للبيع! بطنها! فخذها!" وكلهم يعبثون بالوقت، ويبررون لما يجري، لما يتعمدون أن يجري، وإلا من هو هذا الأهوج الخرع نتنياهو الذي تتوقف حياة كل إسرائيله البلد الخزق على مليارات الدولارات الأميركية؟

الحل عليه أن يكون كاملا وحالا كما جاء في خطتي للسلام حل به تجد كل المسائل الأساسية نهايتها وذلك بإرضاء كل الأطراف والطرف الفلسطيني أولها.

الحل لا يكون بكونفدرالية، مشروع السي آي إيه القديم المترهل الطراخوري، بين الأردن وفلسطين وإسرائيل تسيطر إسرائيل القوية في كل شيء عليها وتوسع من رقعتها وتكون منطلقا رسميا لها إلى كل دول المنطقة أسواقا وأيادي عاملة وثروات، الحل يكون باتحاد كما تقترحه خطتي بين شركاء وأنداد، باتحاد يقام في الوقت الذي تقام فيه دولة فلسطين، فلا تشكل هذه نهاية لإسرائيل كما يدعي قادتها ولا نهاية لأي دولة من الدول العربية كما يعتقد حكامها ولا نهاية لأمريكا وكل دول الغرب والعالم كما يظن سادتها، لأن فلسطين بالنسبة للطبقات المسيطرة كلها تعني نهاية لها، وعدم وجودها هو حجر إرساء نفوذ الصغار والكبار في العالم، هكذا هو الاعتقاد السائد، وخطتي تقلب هذا الاعتقاد رأسا على عقب، وتلح على دور فلسطين كدينمو اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي محلي وعالمي.

الحل يكون بتغيير عقلية القِوادة الأميركية وبسيكولوجيا زعران البيت الأبيض، هم زعران العالم، فكيف تريد من السقطة في إسرائيل ألا يكونوا أوسخ؟

الحل يكون كما يرتأيه مؤتمر بال القادم الذي سيفرض وجهة نظره على الجميع وسيعيد للتحضر معناه وللتقدم بعده العادل وللإنسان إنسانيته.

www.parisjerusalem.net

الجمعة، ديسمبر 11، 2009

هيلاري كلينتون اعتبرتني أمريكيا

د. أفنان القاسم

نحو مؤتمر بال فلسطيني (21)

البيروقراطية الأميركية شيء لا يصدق، كل هذه العظمة خواء، كل هذه القوة هباء، كل هذا الاستعلاء انحطاط، لهذا السبب أنظمتنا المنحطة لا تستحي من نفسها لأنها صورة عن العملاق القزم الذي أوجدها، إذا كانت أمريكا بطولها وعرضها ابنة للاسترجال والاستنكاح –أستعمل الاستنكاح هنا كاصطلاح علمي- فالدول العربية أمام قدوتها العظمى أجساد مستباحة للسكرتير الشخصي أو المستشار، وكل الاحتقار الذي نكنه له يتحول إلى ميزة من ميزات التأستذ والتأسدد، أضف إلى ذلك الناظر إلى السياسة الأميركية من داخلها يراها كسياسة أي بلد متخلف، تقتدي هي بمن خلقت من دول رثة، فنظام العشائرية هو نظامها، وتعاملها الاعتباطي مع دول العالم، فمن غير الصحيح أن لها سياسة خارجية ثابتة لمائة سنة قادمة، الفهلوة في إدارة شؤون العالم هي أساس لنسقها، والشطارة على طريقة الشيخ حسب الله، والمقايضة كما يجري في سوق الحميدية، وهذه صور ملموسة لواقع سقوطها، ويبدو أنها تتجاهل حتى سقوطها، أو أنها غير قادرة على رؤية هذا السقوط وقد أعجزها فهم الكوجيتو الديكارتي وحتى نيتشه الذي تظن أنها أقامت كيانها حسب مفاهيمه للتفوق البشري لم تفهم هذه المفاهيم، إنها قوة عمياء كالمارد الذي ثقب عوليس له عينه الوحيدة، وعندما عرضت عليها خطتي لم تقرأها، فهي لا يمكنها قراءتها لأنها عمياء، وأجابتني باسم وزيرة خارجيتها بأنها ستهتم بما أقترح، مثلما تهتم بكل أميركي، من أجل قوتها وتغيير صورتها في العالم، التغيير نعم حسب ما تقترحه خطتي في التعامل بين شركاء وأنداد، التغيير نعم في صالح الشعوب وليس على حسابها، التغيير نعم بالعمل مع الشرفاء لا البائعي للأوطان والأعراض. أية مهزلة هي هذه الأمريكا وأية مصيبة هي هذه الوزيرة التي لم تقرأ كلمة واحدة مما كتبت، حتى وإن قرأت فلن تفهم الأبعاد الوجودية لخطتي الأبعاد المصيرية لشعبنا ولكل شعوب المنطقة والعالم، فالشيخ حسب الله الأميركي يسعى في الدجل، وينط في الخطر، ويرى في نهايته نهاية للعالم معه كما لو كان شمشون الجبار، وحسب هذا المبدأ يقوم الترقيع السياسي لأميركا ويكون التعامل لأميركا مع مرتزقة هم على شاكلتها وهي على شاكلتهم.

ليس علينا أن نفرض خطتي للسلام كما نريده نحن على إسرائيل وإنما على أمريكا، لأن أمريكا صورة عن ابنتها العاق وليس كما يظن البعض إسرائيل صورة عن أمريكا، والوسائل كثيرة، أولها مؤتمر بال للأكاديميين وكبار مثقفي العالم الذين أبدوا موافقتهم كلهم، كل الذين اتصلت بهم، بهذا المؤتمر نخترق حقل الوعي الأميركي بثقافته وفكره وإعلامه، وثانيها الصين الذي تتجاهلها الفهلوة الأميركية على الطريقة الحسبلاوية سندخلها كدولة عظمى تحل محل الاتحاد السوفييتي سابقا وندفع بها ومعها المسألة الفلسطينية تحت مظلة قطبين عالميين يعيدان التوازن ويقرران ما نقرر نحن لا ما يقرر سكرتير مغامر لا تجربة له في البيت الأبيض، وثالثها المعسكر السلمي في إسرائيل الذي سيمتد بأخذه خطة السلام التي لي ويكبر ويؤثر ويدفع حكام إسرائيل دفعا إلى قبول ما لا يرونه.

الثلاثاء، ديسمبر 08، 2009

دولة تحت الإحتلال تحل إسرائيل من كل التزاماتها وخطتي للمقاومة

د. أفنان القاسم

نحو مؤتمر بال فلسطيني (20)

عباس وفياض يلعبان لعبة خطرة كما هو عهدهما في خدمة الاحتلال وباتفاق معه، أولا تمثيلية التنحي، وثانيا مهزلة الإعلان عن الدولة وبناء المؤسسات، فالتنحي سيضفي على العميل المعروف صفة النزيه والديمقراطي، والدولة ومؤسساتها ستظهر الثنائي البائع بمظهر الوطني، وكل هذا يجري تحت الاحتلال، كالانتخابات والحفلات والسينمات والمؤتمرات، كل شيء طبيعي تحت بسطار الجيش الإسرائيلي، أما حقوق الفلسطينيين والقدس وحدود دولتهم وأنظمتها الشرعية والدولية، فهي مؤجلة إلى يوم القيامة، ولا أحد في الدنيا سيكون بمستطاعه إرغام الإسرائيليين على البت فيها. لهذا تطرح خطتي للسلام نفسها بأكثر ما يكون من قوة على عكس ما يرى بعض المثقفين العرب والفلسطينيين الذين طرق اليأس من كل حل سلمي بابهم، ووصلوا إلى قناعة أن إسرائيل لا تريد السلام، واكتفت بالخليج ومصر والأردن والعراق والأسواق التجارية لكل الدول العربية، فخطتي هنا لأن كل الطرق أقفلت في وجه حل سلمي، وهي ليست كاجتراح لحل معجز وإنما لأنها الوحيدة التي تصل إلى حل كل شيء يخصنا ويخص العرب والإسرائيليين على أساس التشارك والتكافل والتساوي، وفي ظرفنا الميئوس منه تصبح خطتي أداة قتال وكفاح من أجل تحقيق كل ما عجزنا إلى اليوم عن تحقيقه، إنها خطة للمقاومة ولاسترداد الهوية وإقامة الدولة، وهي خطة لإفهام إسرائيل أن العيش على الحيلة وبقلب اصطناعي إلى الأبد غير ممكن، الحيلة كما يشجبها المنطق، والقلب الاصطناعي كما يزرعه وجودها في مصر ووجودها في قطر ووجودها في العراق وغير العراق، لأن كل هذه الوجودات ما هي سوى قلوب اصطناعية لن تلبث أن تتعطل، أما الشراكة الحقة على شاكلة دول الاتحاد الأوروبي والتعاضد ما بينها والتبادل، فهذه هي القلوب الطبيعية لكل دول المنطقة.

إسرائيل لا تريد سلاما هو في عرفها سلام يهدد وجودها لهذا تلجأ إلى كل ما هو كريه وفظيع وشنيع، وعلينا بخطة مثل خطتي، خطة المقاومة والكفاح في وجه كل ما تفعل، إرغامها على ليس قبول السلام كما نراه نحن فقط ولكن أيضا على تغيير عقلية المعتدي الدائم والانتقال بها من عصر الغاب إلى عصر الإنسان وحضارة الإنسان وزمن الإنسان الذي يوجب اليوم الانفتاح على الغير وفتح كل الحدود بينه وبين أخيه الإنسان في الشرق والغرب على حد سواء.

الغرب لم يجرب العولمة الديمقراطية لأنه يخشاها، والأنظمة العربية تخشى الديمقراطية في الحكم لأنها لم تجربها ولم تعتد عليها بينما فيها وبها تزول كل الصعوبات التي تجتاحها على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية وخاصة في الأردن البلد الذي يعيش على التشريع المؤقت لتسيير أزماته والسعودية على تعميم المحرم حتى في قرار صغير لصد الحوثيين، الاتحاد المشرقي كما ترتأيه خطتي هو البديل لخوف الحكام العرب من السقوط والحكام الإسرائيليين من الزوال والحكام الفلسطينيين من أن يكونوا حكاما، وعندما يزول الخوف نقبل فكرة التغيير والتعاقب والعيش كمتحضرين، العيش كشعوب لها كافة الحقوق لا كأنظمة تتحكم فيها، ولكن على خطة السلم المقاوم التي لي أن تفرض نفسها على الجميع.

www.parisjerusalem.net


الأحد، نوفمبر 29، 2009

خارطة الطريق ترجمة فصل آخر من كتاب خطتي للسلام

د. أفنان القاسم

نحو مؤتمر بال فلسطيني (18)

عنصران لم يلعبا في صالح ايهود باراك في الانتخابات، الانتفاضة الثانية التي تفجرت بعد "نزهة" أرييل شارون المستفزة في ساحة المسجد الأقصى، والقمع الدموي الذي أجراه باراك نفسه ضد الأقلية العربية في الجليل المطالبة بالعدالة والديمقراطية وتحسين حياتها اليومية دون أن تخفي دعمها "العاطفي" لإخوتها في الكفاح تحت الاحتلال. عندما رأى العرب الإسرائيليون دماء أبنائهم كيف سالت بغزارة لم يصوتوا له ولا لخصمه، وترك امتناعهم عن التصويت الطريق مفتوحة لليمين الصاعد بقوة من أجل استرداد السلطة. بدت كل حسابات هذا الشخص وكأنها لم تكن أمام صعود اليمين وأقصى اليمين هذا الناتج عن جو الرعب الذي نشره شارون في الأراضي المحتلة وباراك داخل إسرائيل نفسها. حط جو الهولوكوست في النفوس، فأمكن لشارون تشريع سياسة العنف المتشددة وغير المشفقة نحو الفلسطينيين، وكانت فرصته الذهبية لنسف اتفاقات أوسلو 1 و 2 وكذلك الاتفاقات الأخرى، وقد تم له ذلك بإعادة احتلال ما انسحب الجيش الإسرائيلي منه وممارسة إرهاب الدولة على مرأى ومسمع العالم أجمع دون أن يجرؤ أحد على رفع إصبعه الصغير من أجل إيقافه، مما يوضح مرة على مرة العيب المرتبط بهذه الاتفاقات وهشاشة الحال التي ندت عنها.


في هذا الجو من تفاقم العنف والحرب الذي بثته القبضة الحاكمة في إسرائيل، اقترحت الرباعية – الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، الإتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة – "خارطة طريق" تقضي بإنشاء دولة فلسطينية على مراحل من هنا إلى العام 2005 تتعايش سلميا إلى جانب إسرائيل. ومع الأسف، خارطة الطريق هذه تضل الطريق منذ البداية! فهي تقلب الأدوار وتقدم شروطا لاحقة لنهاية الإحتلال كشرط أولي لكل الشروط الأخرى من أجل الوصول إلى حل الدولتين إسرائيلية وفلسطينية، وهي تعلق تحقيق ذلك بوقف "العنف والإرهاب"، وليس بانسحاب الجيش الإسرائيلي الذي هو سبب هذا "العنف" وهذا "الإرهاب". إضافة إلى أنها تعتبر الإدارة الفلسطينية مسئولة عن "العنف والإرهاب"، وتطالبها ب"المكافحة فعلا ضد الإرهاب" كما لو كانت هي التي تختبئ خلفه. ومع ذلك الكل يعلم أن الذنب في مادة العنف يعود على القادة الإسرائيليين المستفزين والمعتدين، والأنكى من كل هذا عندما تنهر خارطة الطريق عرفات وأتباعه ليضعوا حدا "بالفعل" للإسلاميين، وتنذرهم ب"احترام مبادئ الديمقراطية والحرية"! وفي هذا تناقض مطلق، وحشو لغوي لا أكثر، يرميان إلى تمويه هذا المطلب الدافع إلى العته، والذي هو إحراق البلد وإراقة دماء أبنائه.


وفوق ذلك، ومنذ المقدمة، يرجح الميزان لصالح إسرائيل، معها تصبح الرباعية مهذبة، تختار جيدا كلماتها، لا تنذر أحدا بالقيام "فعلا" بأي شيء: "على إسرائيل أن تكون جاهزة للعمل من أجل أن ترى دولة فلسطينية النور". وإذا لم تكن جاهزة خلال ألف سنة أخرى؟ خارطة الطريق لا تؤكد في هذا الأمر شيئا، ولا في أمر الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتتكلم عن "أراض محتلة" مكرسة الصيغة المشبوهة للقرار 242. وفي الأخير تربط نهاية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني باعتراف البلدان العربية بإسرائيل، هذا الاعتراف الذي تم بشكل غير رسمي، مما لا يسعد شارون على الإطلاق، فهو يعرف هذا ولا يبالي به أقل مبالاة، بما أن كل القادة العرب من المحيط إلى الخليج في جيبه.


المرحلة الأولى:

تطالب المرحلة الأولى هذه من خارطة الطريق ب"إنهاء الإرهاب والعنف، بعودة حياة الفلسطينيين إلى طبيعتها، وببناء مؤسساتهم الوطنية".


نهاية الإرهاب والعنف غير ممكنة إلا إذا كان هناك تعهد يلزم الطرفين بينما ويا للمفارقة يجب على الفلسطينيين فقط "الالتزام بوضع حد للعنف حالا والعودة إلى تعاونهم الأمني مع إسرائيل" كما لو كانوا هم "المحتلين". وحالا! تخفي اللهجة الإجبارية هنا بشكل رديء استحالة تحقيق هذا الفعل. لقد أوقف الإسلاميون بعد اجتماع القاهرة كل فعل انتحاري ولكن الجيش الإسرائيلي واصل هجماته ذات "الهدف" ضد سياسيي فصائلهم. على إسرائيل إذن أن تضع حدا لكل عنف، هي التي تنتهك كل التزام، وتعتقد أن بإمكانها القضاء على الإسلاميين بقتلها رؤسائهم. على العكس، بأعمال كهذه تغذي إسرائيل أكثر الحركة الإسلامية وتعمل على دعمها، وغرضها في الواقع عدم التوصل إلى أي حل أو على الأقل إلى الحل الذي تفرضه. ونحن هنا بعيدون تمام البعد عما تتمنى الرباعية رؤيته على أرض الواقع، والأمريكان لا يجهلون ذلك: فهم يصونون استراتيجية شارون في الوقت الذي يقفون فيه إلى جانب شركائهم في سلام كاذب. هذه هي خارطة الطريق المحرَّرَة من طرف تكنوقراط الدبلوماسية الأميركية.


على أي حال إنه لمن المحال لفلسطينيي عرفات أن يضعوا حدا للعنف، أولا لأن الإسلاميين منزرعون بين الناس، وثانيا لأن عرفات، كما سبق لي وقلت، لن يغامر في خوض غمار حرب أهلية في تقديره لا يمكن كسبها مسبقا. أضف إلى ذلك، التعاون المدعو بالأمني مع إسرائيل، كما كان الحال غداة التوقيع على اتفاقيات أوسلو، لم يعط شيئا كبيرا في مادة الأمن. إذن والحال هذه إنه لمن المستحيل إرضاء مثل هذا الطلب، ومن المستحيل أيضا إعادة الحياة اليومية للفلسطينيين إلى طبيعتها، وكذلك إعادة بناء مؤسساتهم الوطنية طالما لم تنسحب إسرائيل من كل المناطق التي أعادت احتلالها منذ سبتمبر 2000 (وليس من مناطق أعيد احتلالها كما يقال في خارطة الطريق) ومن كل الأراضي المحتلة. لماذا لا تنذر الرباعية إسرائيل بالانسحاب "حالا" كما تفعله مع عرفات؟ وإنه لمن المستحيل أيضا القيام بإصلاحات سياسية مع عرفات وفريقه من الفاسدين، وكأننا نطلب من طبيب أن يعالج شخصا مصابا بسرطان لا يشفى.


ثم هم يظهرون عدم الجدية عندما يطلبون من عرفات "الاعتراف دون لبس بحق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن"، وكأنه لم يعترف بذلك عندما وقع على اتفاقات أوسلو وألغى ميثاقا يحث على محو دولة إسرائيل. ومن جديد نعود إلى العنف، وتغدو الرباعية في طلبها أكثر مباشرة عندما توجب على عرفات وأزلامه وقف إطلاق للنار غير مشروط (إنذارها دوما وأبدا)، إنهاء التحريض على العنف، إلقاء القبض على كل من يريد مواصلة العنف، تحطيم بنى الإرهابيين التحتية، مصادرة أسلحتهم...


كل هذا مسخرة بمسخرة!


أولا وقبل كل شيء لأن من المحال تدمير شبكات تذهب في جذورها عميقا في الطبقات الشعبية، فمن سيحبس عرفات ومن؟ كل الشعب؟ ماذا سيدمر وماذا؟ وأي سلاح سيصادر وسلاح؟


وبدلا من معالجة أسباب العنف التي هي الاحتلال، القمع اليومي، الإهانة، الإحباط، الإفقار، الإنهاء... الخ، يفرض تكنوقراط الرباعية على إدارة يجري شجبها من طرف شعبها، إدارة عرفات، القيام بطرق قريبة من الفاشية أو أنها بكل بساطة فاشية، لإرضاء شخص واحد أوحد: شارون. نعم، "على إسرائيل أن تسعى إلى إعادة بناء الثقة وذلك بتخليها على الخصوص عن إجراءاتها العقابية (هدم البيوت، الطرد، المصادرة...)" – ما حصل في جنين، في بيت لحم، في نابلس لم يزل في كل ضمير، ويجب البدء من هنا لا الانتهاء. يجب أولا وقبل كل شيء البدء بانسحاب جاد ودون شرط مع وعد قاطع بإنهاء الاحتلال، والتزام "لا لبس فيه بالعمل على إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للعيش"، مع الاستعداد على هدم ليس المستعمرات "المتوحشة" فقط ولكن كل المستوطنات الأخرى التي لا علاقة لها بإقامة دولة فلسطينية أيضا وفي إطار الاتحاد المشرقي كما سأعرض له لاحقا. يجب البدء بهذا لنرى العنف وقد توقف "حالا" والانتفاضة وقد انتهت. وبفريق جديد كل الجدة في الحكم –وليس فريق عرفات والفاسدين ممن هم معه- تعود مهمة "وضع بنى ديمقراطية" دون عون من أحد وقبل كل شيء دون عون إسرائيل كما تطالب به الرباعية بشكل مهين. على إسرائيل أن تكنس أولا وقبل كل شيء أمام بابها، وذلك بتطبيق القواعد الديمقراطية على كافة مواطنيها: يهود، عرب، دروز، وغيرهم، دون أي تمييز عنصري (وهذا أشكناز، وهذا سفاراد، وهذا فالاشا) وبالتخلي عن ديمقراطية ذات وزنين ومعيارين – سمة أساسية من سمات الايدولوجيا الصهيونية. عند هذا الحد من التحليل أحذر من الانزلاق من العداء للصهيونية إلى العداء للسامية، فلا يخدم هذا إلا القبضة الإسرائيلية الحاكمة، وهذا تماما ما ترمي للوصول إليه بكل الوسائل، لتشرّع ما تقوم به من أعمال عدائية وقمعية ولا إنسانية من أجل تصفية القضية الفلسطينية.


المرحلتان الثانية والثالثة:

بما أن المرحلة الأولى من خارطة الطريق من المستحيل إنجازها، لا ضرورة إذن إلى المرحلتين الثانية والثالثة، فلم يعد هناك سبب لوجودهما. ولنفترض مع ذلك أن المرحلة الأولى قد تمت فعليا، لكن المرحلة الثانية كما جرى عرضها تحتوي على خطأين: الأول تسلسلي والثاني عملي.


الخطأ التسلسلي أولا: نقرأ أن المرحلة الثانية "ستعنى بالجهود المبذولة من أجل تأسيس دولة فلسطينية مستقلة ذات حدود مؤقتة بين يونيو وديسمبر 2003." وبعد ذلك نقرأ: "وإذا ما قدّرت الرباعية أن الشروط سانحة، يجب تنظيم انتخابات فلسطينية."


الحق يقال إن المنطق يفرض البدء بانتخابات تتبعها جهود تبذل من أجل تأسيس... إلخ. مع منتخبي الشعب بدءا من انتخابات حرة بالفعل يجب على المفاوضات أن تكون من أجل إقامة دولة هذا الشعب.


خطأ تسلسلي أيضا: في الفقرة الرابعة هناك مسألة الاعتراف بهذه الدولة: "ستعمل الرباعية على الاعتراف بهذه الدولة من قبل هيئة الأمم المتحدة." لأن –الفقرة الثالثة- على الاعتراف أن يتم قبل "مؤتمر دولي تدعو الرباعية إليه بالتشاور مع الأطراف المعنية من أجل دفع الجهود لتحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط." قانونيا، على الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل كل المؤسسات الدولية أن يتم قبل جلوسها إلى جانب الدول الأخرى في مؤتمر يعالج سلاما شاملا لمنطقة بأكملها ويتعلق على وجه الخصوص بهذه الدولة التي هي دولة فلسطين، قلب المشكل وشريك النِّد للنِّد. هذا التوصل المنطقي في التحليل سيزعزع مفهوم دولة مؤقتة ودولة نهائية كما سنرى.


أما الخطأ العملي، فسألخصه كما يلي:

تنوي الرباعية أن تحل محل الأطراف المتنازعة الأطراف اللاعبين لدور مباشر في الصراع والذين هم الإسرائيليون والفلسطينيون: وهي بذلك تتجاوز دورها كوسيط. إنها تتدخل في الشؤون الداخلية للطرفين، والحال هذه بأي حق "تحكم"، تفرض، عندما تستعمل مصطلح "يجب" و "تعمل"؟ بصفتها قوة عليا؟ لماذا قوة عليا؟ وإذا ما سلمنا بالأمر، هل هذا القوة أخلاقية، عسكرية، اقتصادية، سياسية، دبلوماسية، جغرافية؟ على أي حال، يجب ألا تكون أبدا غير عادلة. والغريب في الأمر أن المصطلحات المستعملة في خارطة الطريق وكذلك البنود بمجموعها هي في صالح إسرائيل. إذا كان بمقدور الرباعية التوصل إلى ممارسة نفوذها على الطرف الإسرائيلي فلتفعل أولا، وبعد ذلك سيجلس الطرف الفلسطيني جنبهما، جنب إسرائيل والرباعية، بصفتهما مفاوضيْن "إيجابييْن" دون دكتاتورية ولا استبداد. ولكن منذ البداية، كل شيء في خارطة الطريق هذه يشير إلى التحيز لإسرائيل، ولن يكون للفلسطينيين أكثر مما قدمت لهم اتفاقات أوسلو. لهذا السبب تتوجه الرباعية إلى عرفات وأعوانه "الأفضل" ممن يمكنهم التنازل عن كل ما يطلب منهم. بالطبع هؤلاء موافقون دوما على مبادرات مثل هذه تحميهم وتشرّع لهم اغتصابهم للسلطة.


إذن انتخابات بين "عشائر" سياسية وبنتائج معروفة سلفا في صالح هؤلاء الأشخاص الكريهين على طريقة جبهة التحرير الجزائرية، نحن لا نريدها. دولة مؤقتة ثم دولة نهائية، نحن لا نريدهما أيضا. فالمؤقت يعني لا شرعية وحقوق مهانة بشكل احتيالي. أضف إلى ذلك أن هذا يعيدنا إلى تعرجات جو الخطوة خطوة لاتفاقيات أوسلو التي لم تؤد إلا إلى فراغ سياسي وكبت شعبي وصعود التمامية ودبابات شارون. مؤتمر أول ثم مؤتمر ثان مثلما ترتأي المرحلة الثالثة من خارطة الطريق، نحن لا نريد لا هذا ولا ذاك، نحن لا نريد لا أولا ولا ثانيا ولا ثالثا. على الفلسطينيين والإسرائيليين أن يحلوا مشاكلهم دون هيئة وسيطة، والبرهان، خارطة الطريق هذه حيث لا ذكر هناك لمواضيع الشقاق الأساسية تجد نفسها حاليا في طريق مسدود من المستحيل فتحه. لقد مضت التواريخ المنصوص عليها بين يونيو وديسمبر 2003 دون أن نرى إنشاء دولة فلسطينية مهما كانت هذه الدولة، ولم تر بداية 2004 التاريخ المنذور للمرحلة الثالثة من أجل المؤتمر الدولي الثاني لقيام دولة فلسطينية ذات حدود نهائية لم تر هذه البداية إي شيء ملموس في هذا الشأن. ما تحقق فقط جدار العار! فلا يحتج عرفات وأزلامه على "حق إسرائيل في بناء حاجز لتدافع عن نفسها ولكن على واقع أن الجدار يُبنى فوق الأرض الفلسطينية بما في ذلك القدس الشرقية". يا للعار لعرفات ولمن يدعمه ولشارون ولمن يدعمه، لأن الأمر هنا يتعلق بغيتو ضخم للإسرائيليين وبمعتقل لا قياس له للفلسطينيين. وما يضفي على خارطة الطريق لا فاعليتها الموقف السلبي للقادة الإسرائيليين عبر ما يوجبون وما يشترطون من شروط زائغة يفرضونها شروطا أولية لكل مشاركة في أي شيء كان:


. أن تتوقف الأعمال الإرهابية قبل أن يُنظر في أمر تجميد المستعمرات الجديدة.


. أن يقال ياسر عرفات من وظائفه في السلطة الفلسطينية التي تمس الأمن والمال.


. أن يتخلى اللاجئون الفلسطينيون عن حقهم في العودة (حق مضمون من قبل هيئة الأمم المتحدة) إلى إسرائيل مقابل قيام دولة.


. أن تكون الولايات المتحدة الأميركية وليس الرباعية التي تتكلف بالإشراف على مدار السلام.


. ألا تكتفي السلطة الفلسطينية بالتفاوض مع حماس والجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى "الإرهابية" بل عليها محاكمتهم... إلخ... إلخ...


كل هذه المطالب مرفوضة، لأنه من المستحيل تنفيذها بما في ذلك إقالة عرفات من وظائفه التي تمس الأمن والمال –رغم أنني مع فصله فصلا كاملا- لأن عباس في مكانه أو قريع أو أحدا آخر من نفس الحرس القديم لن يبدل شيئا لا في السياسة ولا في الفساد ولا في تدهور حياة الشعب الفلسطيني. هذا المنحل قريع يجد الوقاحة الكافية ليطلب من الأوروبيين عونهم ومساعدتهم في إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، ومن يقول عونا يقول مالا يتوزعه فاسدو السلطة الفلسطينية دون سلطة فيما بينهم. لم يعد خافيا على أحد ما يجتزئه عرفات من الأموال التي يدفعها الإتحاد الأوروبي مبالغ طائلة لزوجته سهى الطويل، وحسب بعض المعلومات، صرفت سهى الطويل مؤخرا شيكا بمبلغ تسعة مليون يورو. بفضل عشرات الملايين بله مئاتها تعيش هذه السيدة بدعة في باريس مع طفلتها بينما يذبح جنود الاحتلال أطفال الانتفاضة في رام الله وغزة ونابلس.


إذن شارون الذي يعلم إلى أي درجة هي مسدودة الطريق التي وُضعت فيها خارطة الطريق، يقترح خطته للانفصال، خطة معتوهة تناقض كل حق إنساني ووطني للفلسطينيين، فهو يبحث على فصل فلسطين عن الفلسطينيين بشكل تعسفي بعد أن فشل في مواجهة أطفال الإنتفاضة وقبل ذلك في طرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة عبر نهر الأردن إلى الأردن حسب خطة "ترانسفير" ترحيل مستحيلة، دون القدس، دون حق العودة، دون تحديد لحدود متفاهم عليها، مع الإبقاء على تواجده عبر المستعمرات والإقتصاد. مما يعيدنا إلى قول إنه يطبق، بكل العنجهية التي يخولها له حق الأقوى، قليل القليل – الذي هو اتفاق أوسلو.

ترجمة د. بريجيت بوردو – مونتريال

د. أفنان القاسم: خطتي للسلام، الإتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 81-91

www.parisjerusalem.net


حوار مع جائزة أفنان القاسم 2009 لأسوأ شاعر سميح القاسم

قدم للحوار: د. أفنان القاسم

أجرى الحوار: د. أفنان القاسم

سميح القاسم نموذج لعقدة أوديب الشعر تحت دلالات الانحطاط العام القائم، عندما تتحول العروبة كلغة وقصيدة إلى الأم في ماخور الإنتماء، هذا الماخور الذي يدعى العالم العربي، لهذا تراه يخلع ثوب الفلسطيني، وقبل ذلك ثوب الدرزي، ليقول عن نفسه شاعر العروبة، وهو بالأحرى يقصد شاعر النظام العربي أبيه الرمزي بعد أن غاب عن فرويد هذا البعد السياسي لنظريته. ليبولد سنغور لم يرم يوما إلى أن يغدو شاعر الفرنكوفونية، كان يطرح نفسه دوما كشاعر للسنغال، وكانت قصيدته دوما المكتوبة باللغة الفرنسية قصيدة سنغالية بكل الأبعاد الأخرى الكونية بما فيها البعد الفرنسي، وايميه سيزير كان يرفض من غير الزنجية هوية له، وبعد موته احتفت به فرنسا كواحد من شعرائها العظام، وكذلك السير نيبول جائزة نوبل الإنجليزي من أصل هندي المواطن العالمي في سلوكه وتفكيره، ولماذا نبتعد كثيرا وننسى مولود معمري ومولود فرعون وكاتب ياسين الذين كانوا يكتبون بلغة موليير وكانت مواضيعهم جزائرية بربرية، وهم البربر، وغير بربرية، ولم يدّعوا يوما أنهم أبناء لنابليون مثلما يدعي سميح القاسم أنه ابن لمبارك، لأننا نفهم إصراره على لقب "شاعر العروبة" ليس كشاعر للعرب، فكل من يكتب قصيدة باللغة العربية هو شاعر للعرب، وإنما كشاعر للبلاط، ومن هذه الزاوية ينظر النقد اليوم إلى أشعاره بعد أن جرد قصائده الأولى من رائحة الدم الفلسطيني وملح الدمع الفلسطيني وفضة السمك الفلسطيني. اضف إلى ذلك ما لم يجرؤ على ادعائه قبل موت محمود درويش أنه رائد القصيدة العربية بما فيها قصيدة درويش، بسبب عمره وعمر ريشته، وكأن هذا مهم في عيني أبوللو، وكأن هذا سيقلق محمود في نومه الدائم، على الرغم من موقفي المعروف من سذاجة قصائد محمود الأولى وانعدام الفلسفة في قصائده الأخيرة، أما بالنسبة لسميح فلا قصائده الأولى ولا الأخيرة تقف على قدميها كما تقف على قدميها قصائد لبودلير أو لفيرلين أو لرامبو المنحوتة من برق الكلمات ورعد الدلالات. الحوار القادم تحوير وتدوير لمقال لسميح...




* حدثنا عن متسولي الشهرة على ظهرك أستاذ سميح.


تعرفون أولئك الذين أطلقت عليهم لقب "عجائز زوربا" من متسولي الشهرة في سوق الموت والمتسلقين على الجثث ومرتزقة المصائب والأحزان، وتعرفون أن أولئك المنافقين يبتهجون بالجنازات ويفرحون بالكوارث لأنهم يعثرون فيها على مداخل وشقوق وأخاديد يتسللون عبرها إلى مجالس الحزن ويتصيدون في المياه العكرة والصافية على السواء.


* عجائز زوربا؟ تريد القول النساء العجائز التي كان ينكحها زوربا؟ وما علاقتك بزوربا؟ هل أنت الناكح أم المنكوح؟


أنا الناكح طبعا، ولكن الناكح تحت الصورة الشعرية للمنكوح، هذه هي الخصوصية التي لم تكن لزوربا اليوناني والتي لزوربا الفلسطيني الذي هو أنا، فكلما فقدت صديقا أو زميلا أو رفيق درب فإن عجائز زوربا عجائز سميح القاسم يرفعون رؤوسهم وينفثون سمومهم ويتحشرون ويتحرشون حتى لكأنهم لا يستطيعون الحياة إلا بالموت وعلى نفقة الموت ولا مبرر لحياتهم إلا في التطفل على الموت.


* أستاذ سميح نعرف أن صديقك الحميم محمود درويش هو المقصود في كلامك وعجوز زوربا هل هو أفنان القاسم؟


رجاء لا توقع بيني وبين ابن عمي أفنان، صحيح نحن اليوم نختلف في كل شيء وعلى كل شيء ولكننا في الماضي كنا نتفق في كل شيء وعلى كل شيء، يوم كنت أحب الأحمر الذي أحببته لغرض مثلما أحب اليوم الأسود لغرض، ومن عجائز زوربا (ذكورا وإناثا) من ساءهم ويسوؤهم الترحيب بي في بلادي وفي الوطن العربي كله بلقب "شاعر العروبة" فينفسون عن أحقادهم وعقدهم بردود فعل ليس فيها شيء سوى جراثيم التخلف وفيروسات "الجاهلية الجديدة".


* أتظن أنك بهذا اللقب "شاعر العروبة" ترتفع قيمة ومكانة؟ أنت تنحط بهذا اللقب إلى أسفل سافلين أستاذ سميح، فالعروبة اليوم تعني العربجية والقومجية والإخوانجية واللواطجية والمثقفجية والشرفجية...


يعرف المثقفون الشرفاء أن كل ما أغدق علي من ألقاب وهي كثيرة دون شك أطلقه النقاد والشعراء والإعلاميون العرب وغير العرب دون استشارتي ودون استئذاني وإذا كان ناشرو كتبي ومنظمو أمسياتي الشعرية راغبين من الاستفادة من الألقاب التي تفضلوا بها علي، فلا بأس في ذلك إطلاقا، والأمر الوحيد الذي تحدثت عنه في وسائل الإعلام وعلى رؤوس الأشهاد هو أنني لا أستطيع حصري في خانة إقليمية أو طائفية أو قبلية... وبمنتهى الصراحة، وبمثل ما صرحت به كثيرا فأنا لا أحب وضعي في خانة "الشاعر الفلسطيني"، فحسب ذلك أنني مع اعتزازي الواضح والمعروف بالانتماء إلى هذا الشعب الصغير والبطل والرائع، فقد عبرت قدر مستطاع قصيدتي عن هموم أمتي العربية في العراق ولبنان ومصر والأردن وشبه جزيرة العرب والمغرب العربي الكبير والسودان، وعبرت، قدر مستطاع قصيدتي، عن هموم الإنسان والإنسانية في كل أرجاء المعمورة، ومن هنا فإنه من حقي الشرعي أن أرفض المربعات الضيقة التي يحاول البعض، عن حسن نية حينا وعن سوء نية أحيانا، حصري عليها، لأكثر من غاية في نفس أكثر من يعقوب... وإذا كانت ألقابي تغيظكم يل عجائز زوربا فخذوها... خللوها... إحشوها... حسب تعبير صديقنا العزيز عادل إمام.


* خذوها خللوها إحشوها... يا سلام هذه إضافة عبقرية لشاعر العروبة شاعر كبير وعروبة كبرى الرافض الانتماء إلى الشعب الفلسطيني الصغير الرائع البطل (يالله معلش عشان خاطري) وفي مكانها الصحيح من العجيزة أعني العجائز الذين هم لزوربا البوهيمي الأفاقي المتشردي ومن هذه الناحية هناك امتداح لهم دون أن تدري أستاذ سميح... ولكني أود لك القول قبل انهاء حديثنا العاجل هذا إنك لو كتبت عن هموم الدرزي وأشجانه وآلامه وأحلامه واكتفيت بذلك لرفعت من شأنه وشأن الإنسان معه إلى قمم الجبال.


لا أستطيع إلا أن أتنكر لأصلي وعظمة شعبي وأنت تعرف لماذا في هذا الظرف الحساس؟ لأني مع الإسرائيليين أنا شاعر إسرائيلي شاعر يهوذا (أمسيات جمعية هيليكون لرعاية الشعر في إسرائيل واخد بالك؟) ومع العرب أنا شاعر عربي شاعر العروبة (جوائز قطر والإمارات وشيوخ اللواط واخد بالك؟) وأعطيك بكام يا بهية حسب تعبير صديقنا العزيز الشيخ إمام، مما يدفعني إلى القول –طبعا أي حاجة لمثقف قارئ لزوربا وفاهم للأدب اليوناني منذ معلقات الأوديسة إلى هرطقات المدروشين في حي السيدة رضي الله عنها اللهم اغفر لنا شيوعيتنا القديمة وارحمنا صدق الله العظيم آمين- إن عجائز زوربا (ذكورا وإناثا مع وقف التنفيذ فقط لأني لم أعد الضابط القديم في الجيش الإسرائيلي لا لم أنس ولن أنسى وهذه هي عقدة العقد التي لي والتي لن تمحوها أو تغطي عليها كل الألقاب في العالم لا عروبة ولا بطيخ) هم عجائز زوربا، الظاهرة الاجتماعية البشرية القديمة قدم صيغة الحياة والموت، وهؤلاء مثلهم مثل الذبابة التي لا تخنق لكنها تفلت النفس، وإذا كانت الظاهرة خاضعة للمعالجة وجديرة بالتتبع، فإن الكائنات البشرية من عجائز سميح القاسم أقل شأنا بكثير وأقل قيمة من إثارة الاهتمام الحقيقي، لا سيما عند من لا يزعم أنه أحد متخصص في شؤون الذباب... ونقطة سطر جديد...


* ونقطة على عين كل من لا يزعم أنه متخصص في شعر الرّهاب يا سميح دون وقف التنفيذ...


(يصيح بغضب أعمى وبكل ما أوتي من قوة) كفوا شركم عني!!!!!!!!!!!!!!!


www/parisjerusalem.net