‏إظهار الرسائل ذات التسميات أديب المقدسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أديب المقدسي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، مارس 18، 2010

المسيحيون الأورتوذكس العرب في فلسطين – من نشر الصحوة القومية الى الهجرة

د. أديب المقدسي

الواقع المؤلم لأبناء الطائفة العربية الأورتوذكسية في فلسطين ، ليس وليد حادث طارئ ، انما غبن تاريخي متواصل منذ مئات السنين ، منذ وصول اول بطريرك يوناني في فترة الحكم العثماني ، واحداث انقلاب عنصري مقيت باستبعاد ابناء الطائفة العرب ، واحلال استعمار ديني يوناني يتحكم بأملاك هائلة للطائفة ، ولا يقدم الا خدمات تكاد تكون نقطة في محيط بالمقارنة مع الأموال والأملاك التي تهدر بدون حساب وبدون ان تخدم مصلحة ابناء الطائفة وقضاياهم الوطنية العامة ، الدينية والاجتماعية والسياسية على حد سواء.
من معلومات أعدها مهندس اورتوذكسي مختص بقضايا الأراضي ، يظهر ان أملاك هذه الطائفة العربية ، ذات التاريخ الوطني والدور الكبير في كل الفكر القومي العربي ، في مدينة القدس الغربية ( الاسرائيلية) فقط ،
تقدر بأكبر من مساحة القدس الشرقية كلها. وان مؤسسات حكومية لدولة اسرائيل من الكنيست الى مكتب رئيس الحكومة ووزارة المعارف وقيادة الشرطة القطرية ومباني هامة كثيرة أخرى من بينها مبنى الحاخامية الرئيسي في القدس ، اقيمت على اراضي الطائفة الأورتذكسية حسب اتفاقات ايجار شكلية وقعت مع البطرك اليوناني ، بدون العودة للأبناء الطائفة العرب ، وبمبالغ بخسة جدا ولسنوات طويلة ( 99 سنة مثلا )، لا احد يعرف اذا كانت تدفع الايجارات او هي دفعة بخسة لمرة واحدة ، تجعل الحكومة الاسرائيلية تتحكم حتى بانتخاب البطريرك والمصادقة عليه ، وعمليا لا صلاحيات له بدون هذه الموافقة ، أي لا يستطيع التحكم باموال الطائفة وأملاكها ، وما يتبقى له ادارة بعض الصلوات . هذا عدا التلاعب وبيع الأراضي بلا رقابة ، وبأسعار بخسة ( كما حدث في قطعة أرض كبيرة على شاطئ البحر في مدينة يافا ، ولكنني لا املك المعلومات الكافية حول هذه المواضيع المسكوت عنها اعلاميا لأسباب لا أفهمها ) ولو كانت اراضي هذه الطائفة تحت سيطرتها لفرضت على اسرائيل شروطا وليس العكس . ولتغير كل واقع ابناء هذه الطائفة ، ولقاموا بدور وطني أبعد تأثيرا في كل القضية الفلسطينية ، وقضية تطوير المرافق الحياتية الحيوية لكل ابناء الشعب الفلسطيني .
لا أكتب من منطلقات دينية ، ولكن عندما أعرف ان القدس العربية التي كان يسكنها قبل 1948 أكثر من 90 الف مسيحي واليوم لا يتجاوز عدد سكانها المسيحيين 2000 مواطن ، فهذا تعبير عن عدة مشاكل تراكمت ضد ابناء وطننا المسيحيين ، من بينها واقع الكنيسة الغائبة عن رعاية ابناء طائفتها وتعزيز بقائهم في وطنهم ، كقوة للكنيسة نفسها ، حتى لا تتحول الى بطاركة ومطارنة وكهنة بدون جمهور ، هذا أولا.. وثانيا ، نكون بلا ضمير اذا تجاهلنا واقع الدور الذي يلعبة التطرف الاسلامي ، في دفع المسيحيين الى البحث عن فضاء آخر خارج وطنهم ، هربا من العداء الطائفي الذي لا يفيدنا تجاهله واستبداله بشعارات وطنية فارغة من المضمون لإخفاء حقائق مؤلمة وقاتلة لتطور مجتمع مدني متحرر في فلسطين ، وثالثا دور الاحتلال في شق وحدة الصف الوطنية لجميع ابناء الشعب الفلسطيني ، الى جانب التضييق على التوسع الطبيعي في البناء ، وقلة العمل ، وضيق فرص التعليم ، ومصادرة الأرض ، وتعرض المسيحيين لنفس القمع الاحتلالي خاصة في القدس العربية ، الى جانب قمع ذوي القربى من أهل الوطن ، ان ما جرى في غزة التي حررت من السلطة الفلسطينية من بطش وقتل وحرق مؤسسات فلسطينية ، هو اشارة صغيرة لتاريخ مليء بالإعتداءات الهمجية ، وما يجري في مدن الضفة الغربية يكاد يكون اذلالا رهيبا أمتنع عن نشر تفاصيله ، صونا لإمكانية تحرك السلطة واعادة النظام والاحترام ، ان لم يكن بالتثقيف والقانون ، فليكن بالعصا .
وبكل مسؤولية أقول ان التعرض لأبناء الطوائف المسيحية لا يقل خطرا وعنفا عن تصرفات الاحتلال ، بل تتجاوزه في العنف والاستهتار ، وأكتب هذا بالاعتماد على أحاديث زملاء فلسطينيين من بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور ورام الله وغيرها من البلدات التي تركها المسيحيين ، هربا من العنف والتعسف الطائفي الى جانب عوامل اخرى سببها الاحتلال . ان تضافر الجهود غير المنسقة بين الاحتلال والتطرف الطائفي الاسلامي ، وغياب دور فاعل ومؤثر للقيادات الدينية المسيحية ، قادا الى تصفية جزئية للوجود المسيحي في مناطق السلطة الفلسطينية والقدس العربية. والقصص التي سمعتها مؤلمة لكل شخص ذو حس انساني سليم ، واكرر بأني أمتنع عن تسجيلها ، املا في ان تأخذ السلطة الفلسطينية دورا متعاظما وحاسما في صيانة المجتمع الفلسطيني من ظواهر طائفية قاتلة للمجتمع الفلسطيني بكل طوائفه ، والأكثر تضررا في المستقبل سيكونون ابناء الطائفة الاسلامية .
توسمنا خير عندما استجابت البطريركية اليونانية لرسم الأرشمندريت عطالله حنا مطرانا .. ولكنها خطوة يتيمة يجب ان تتبعها خطوات لإعطاء ابناء الوطن مكانتهم التي يستحقونها في ادارة شؤون طائفتهم وأملاكهم ومصيرهم . ما يحدث هو تنفيس للضغط الصادق بجعل العرب مشاركين ، على الأقل .. بمصير طائفتهم .حتى اليوم تتحايل البطركية على ضرورة اقامة مجلس مدني الى جانب البطركية لإدارة سليمة لمصالح الطائفة .وبذلك تبقى الصلاحيات بأيدي لا يربطها رابط ثقافي او لغوي او اجتماعي او سياسي او حسي ، أوحتى ديني بمفهوم انساني واسع ، مع ابناء الطائفة المفروض ان البطريركية تمثلهم . والعلاقة هي علاقة مستعمر مع تابعين .
اتابع نشاطات المطران حنا عطالله ، وأعرف ان المجال امامه ضيقا بدون تجنيد واسع لأبناء الطائفة ، والسؤال الذي يفرض نفسه ، كيف يمكن ان يأخذ ابناء هذه الطائفة الوطنية دورا أوسع في القيادة الروحية للطائفة العربية الاورتوذكسية وفي الاشراف على املاكها ومصالحها المتعددة ؟ وهل من مصلحة الطائفة التنازل عن املاكها الهائلة في كل فلسطين ، في سبيل تحررها من التبعية للكهنة اليونان ؟ ما هو الدور المرجو ان يلعبه الأردن مثلا في موضوع زيادة تأثير ابناء الطائفة العرب على مجريات الأمور في البطركية الخاضعة للسيطرة اليونانية ؟ وما هو الدور الذي تستطيع السلطة الفلسطينية ان تلعبه أيضا؟
أطرح أسئلة حارقة ولا أعرف ما يعطي القانون لهذه الجهات ، ولكن وجود سلطة وطنية في الأردن ، يعطيها الحق بالتنسيق مع مجالس مدنية مسيحية اوتوذكسية ان تتخذ خطوات بعيدة المدى في التأثير على البطرك اليوناني ومجلس مطارنته . نفس الأمر مع السلطة الفلسطينية ...
وللتوضيح ، الموضوع ليس دينيا ايمانيا ، بل اجتماعي واقتصادي بالغ الخطورة والتأثير على مستقبل العرب المسيحيين من جميع الطوائف. وواضخ ان الاسقاطات الخطيرة يتأثر بها الجميع بما فيهم المسلمين أيضا . وهذا يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على النضال الوطني لجميع ابناء الطوائف العربية ضد استمرار الاحتلال وضد التلاعب المخزي بمصير جزء أصيل من العرب الوطنيين .
اذن الموضوع ليس طائفيا . بل قضية وطنية من الدرجة الأولى في أهميتها الاستراتيجية للمسيحيين اولا وللمسلمين ثانيا ، ولقضية التحرر ومستقبل الدولة التي نحلم بها . دولة دمقراطية مستقلة تحترم حقوق الانسان وحق التعددية الدينية والفكرية .
حقا انا خارج القدس العربية منذ سنوات طويلة ، ولا انتمي للطائفة الاورتوذكسية ، بل انا من بيت مسلم ، ولكني نشأت في بيت في وسط الحي المسيحي ، حيث تأصلت في نفسي الثقافة الوطنية ، ولا أذكر اني سمعت تعبير مسيحي او مسلم في صباي وشبابي ، لا في بيتي ، حيث كان أبي متدينا ، ولا بيت اترابي المسيحيين وغالبيتهم من بيوت متدينة ، وارى بالطوائف المسيحية فصيلا وطنيا هاما ، وقوى اجتماعية ذات رؤية متقدمة وفهم أصيل لأهمية الوحدة على قاعدة وطنية غير دينية ، تملك رؤية ايضا لمفاهيم الرقي الاجتماعي والاقتصادي والعلمي ، ولأهمية الطرح القومي الموحد لجميع ابناء فلسطين ،بشكل خاص ، ولكل العالم العربي عامة.. وهذا هو تاريخهم ، الذي لا يمكن انكاره ، وهذا الدور يميزهم في المهجر أيضا، وأكاد أقول ان غيرتهم الوطنية على ما يجري في وطنهم ، رغم ما يحمله بعضهم من ذكريات صعبة ، هو مقياس للوطني الحقيقي .
ليس سرا ان ابناء الطائفة العرب الذين هاجروا قسرا من وطنهم ، وبعضهم لأسباب طائفية ضيقة الأفق وفقيرة العقل ، ترى بالمسيحيين العرب دخلاء وصليبيين ، خاصة في الفترة الأخيرة مع التراجع عن الفكر القومي الى فكر اسلاموي اصولي متخلف وفقير العقل ، ويفتقد للرؤية العقلانية ولفهم المصلحة الوطنية المصيرية للجميع ، بالاصطفاف وطنيا لكل الطوائف العربية على قاعدة وطنية وغير دينية ، ما زالوا فصيلا يرى بانتمائهم الفلسطيني مسالة انتماء اذا فقدوه فقدوا جوهر انسانيتهم .
المسيحيون العرب عامة والفلسطينيين خاصة ، باتوا يمثلون اليوم في دول المهجر ، فئة اجتماعية مميزة بمستواها العلمي والتقني الراقي ، ودورها الاقتصادي المتزايد اتساعا وتأثيرا .
يجب ان نفهم ان المهاجر المسيحي لا يجد مشكلة في الاندماج بالمجتمع الغربي ، لا حضاريا ولا دينيا ولا علميا ولا علمانيا أيضا .
هذا أعرفه من الواقع الذي أحياه . بينما ارى وألمس ، وسابقا لمست هذا في نفسي ، حتى استطعت التأقلم فيما بعد بالمجتمع الذي حضنني .
المهاجر المسلم يجد مشاكل عويصة ، وأحيانا مستحيلة في تأقلمه ، تجعله غريبا في المجتمع الغربي الجديد ورافضا لأخلاقة الاجتماعية ، ومتعصبا أكثر لتقاليده البالية ، التي هرب منها ، ليعود بعضهم اليها أكثر تعصبا في الغرب ، أي لا عقلانية في التفكير وفي التطور الشخصي ، تجعل بعض المسلمين حائرين من الحضارة المتطورة والمتغيرة دوما بسرعة الصاروخ ، بينما عقلهم لا يستوعب أكثر من سرعة الجمال ، حتى في التغيرات الاجتماعية والثقافية التي تفرضها العولمة على مجتمعه .
من هنا لا ارى انه لا يمكن استعادة من غادر من المسيحيين ، لكي يعودوا الى مجتمع لا يستجيب لتطلعاتهم العلمية والحضارية والاجتماعية المنفتحة ، وخوفي ان تتحول المجتمعات العربية الى مجتمعات على هامش الحضارة ، الأمر الذي دفع همينغتون الى رؤية ان الصراع الأخطر لعالمنا سيتمحور حول الحضارة ، حقا لا ارى كل ما يراه في صراع الحضارات ، ولا ارى ان التخلف يشكل حضارة ، بل حالة انسانية بدائية ، قد تؤثر سلبا بشكل مقلق ، ولكنها ستبقى هامشية جدا .
السؤال المقلق حقا ، هل من طريق لتخليص البطركية في فلسطين والأردن من الكهنة اليونان ، او من زيادة التأثير العربي الوطني كشريك كشريك كامل في القرار بكل ما يخص شؤون الأملاك والأموال والمشاريع ؟
هذا السؤال مطروح دائما ولا أجدد به شيئا . ولكني الاحظ ان الأصوات القلقة على الواقع المسيحي العربي تتلاشى رويدا رويدا ، مع استفحال الهجرة المدمرة للمجتمع العربي من فلسطين خاصة.
ربما هناك ضرورة لأن تتبوأ الجامعة العربية مكانا متقدما في علاج قضايا المسيحيين العرب وسائر ابناء الأقليات .
هذه قضية ملحة ومصيرية ليس خوفا على المسيحية في الشرق بحد ذاتها ، انما على مستقبل مجتمعاتنا العلمي والاقتصادي ، حيث يمثل المسيحيين العرب فئة اجتماعية ، تملك دوافعها الذاتية الهامة للتطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي ، والثقافي عامة . وهذا الأمر أكده العديد من أصحاب الرأي العرب ، وخاصة احد امراء العائلة السعودية الأمير طلال .
إن ما يجب ان يشغل المثقفين العرب والسياسة العربية عامة ، انقاذ هذه الطائفة العربية الوطنية من فك الكماشة اليونانية والاسرائيلية والاسلاموية !!

د. أديب المقدسي – اكاديمي فلسطيني – الولايات المتحدة
dramaqdisi@gmail.com

الأحد، يناير 17، 2010

الدرس التركي ، للعرب وحماس خاصة

د. أديب المقدسي


سؤال هام يطرح نفسه في هذا الفضاء الشرق أوسطي المأزوم .
هل يمكن توظيف هزيمة العنجهية والغرور الذي يميز نهج اسرائيل ، أمام الدبلوماسية التركية ، كعامل سياسي دبلوماسي في العلاقات العربية مع اسرائيل؟
لا اريد ان أطرح مواقف بعيدة عن واقع ما يجري في الشرق الأوسط . هناك حقائق لم يعد مجال لتجاهلها بحجة انها معادية لمصالح الشعب الفلسطيني او الشعوب العربية .
هل من شيء يسر البال ؟
كذلك لا يمكن الاعتماد على التخيلات والهرطقات السياسية. ولا يمكن ان نطمر رأسنا في الرمال، تمثلا بالنعامة .. والتصرف وكأن اسرائيل معزولة في الشرق الأوسط ، او غير قائمة الا بتعريفات غبية ، مثل الكيان الغاصب ، او الصهيوني ، او فلسطين 48 وغيرها من التعريفات التي تتوافق مع مشاعرنا ، بينما هي الدولة الوحيدة التي تتمتع بنظام دولة ثابت ليبرالي دمقراطي ، واقتصاد قوي شديد التنوع أثبت في الأزمة الدولية الاقتصادية الأخيرة انه من أفضل اقتصاديات العالم ، ومستوى علمي وتكنلوجي من الأرقى عالميا ، وخدمات للمواطنين من الأفضل في مضامينها التي تقدمها الدول المختلفة لمواطنيها. واستمرار الوهم ان اسرائيل في سبيلها للإختفاء ، ربما بقبعة اخفاء عربية لم يكتشفها بعد زعيم الهراطقة والاعجازات "العلمية" الوهمية زغلول النجار .
لا يمكن تجاهل ان مستوى التعاون العربي ، المذل .. مع اسرائيل ، أضحى يشكل صيغة سياسية واقتصادية شرق أوسطية ، وهو تطبيع عميق الجذور ، لا يدفع ثمنه الا الشعب الفلسطيني . وكل الاتفاقات العربية ، وعلى رأسها المقاطعة العربية ، أضحت فتحاتها أوسع من فتحات الأوزون ، وتزداد اتساعا ، لدرجة ان فتحات الأوزون قد تغلق ، وفتحات المقاطعة العربية لن يغلقها الا الختان من جديد ، وباغلاق محكم يمنع حتى خروج الفضلات ، ولتخمج ( تتعفن ) في بطن بلاد العروبة ، التي أضحت خارج التاريخ البشري بفضل أنظمتها وعقليات التوريث والاستبداد والمحافظة على التخلف وكأنه انجاز قومي نسبق فيه سائر بلاد المعمورة
. السؤال ، هل من فرصة للأنظمة العربية ، التي تبادلت سفراء مع اسرائيل ، او تطورت بينها وبين اسرائيل علاقات تتجاوز التمثيل الدبلوماسي التقليدي ، لإتخاذ مواقف تصون كرامة دولها ومواطنيها ، وأحيانا قادتها ؟
ما نشهده تراجع متواصل افيغدور ليبرمان ، وزير الخارجية المهووس والمتطرف والعنصري ، اتخذ مواقف مذلة ومهينة لمصر والشعب المصري والرئيس المصري على الخصوص . وعندما نصب على رئاسة الخارجية الاسرائيلية ، توقعت موقف مصري حاسم يرفض التعامل مع ليبرمان قبل ان يعتذر رسميا وعلنا عن كل ما تفوه به بحق مصر ورئيسها. وارى ان رئيبس حكومة اسرائيل مسؤول ضمنيا عن وزير خارجيته ومواقفة السابقة واللاحقة ، فباي عقل تستقبل مصر رئيسا عين له وزير خارجية يخطط لقصف السد العالي واغراق مصر ، ويهين رئيسها ، رمز كرامتها بأبسط المفاهيم ...؟
بدل ذلك بدأنا نلمس المناورات المصرية لتنظيف من لا ينظف من أوساخ العنصرية والعداء. هل شطبت مصر ، او نسيت ، او تتناسى ، دعوة ليبرمان المجنونة لقصف السد العالي؟ وتهجمه المهين على مبارك ..؟ هذه جريمة لا تغتفر في السياسة الدولية ، او في علاقات بين دولتين وقعتا اتفاق " سلام " بعد حروب طاحنة ، وهذا "استضراط " مهين للدولة التي باعت العالم العربي كله في سبيل انهاء النزاع بينها وبين اسرائيل بشكل منفصل عن سائر الدول العربية ، بل وجرت الأردن ودولا عربية أخرى لبناء علاقات دبلوماسية او غير دبلوماسية شكليا وليس بجوهرها، وأفرغت الموقف العربي من قدراته السياسية ، على الأقل ، ولا أقول العسكرية ، لأني ضد كل أشكال الحروب ، وأؤمن ان الموقف السياسي في عالمنا ،المدعوم بقوة اقتصادية وعلمية كفيل بتغيير موازين القوى وفرض الحلول. ومن هنا اسرائيل في قوتها العلمية والاقتصادية ، ونجاحها السياسي بتحييد أكبر قوة عربية ، واهم جبهة مواجهة عربية وأطولها ( الأردن) ، والسماح بإعادة العراق الى القرون الوسطى ، ولا اقول هذا دفاعا عن صدام ، بل عن المجتمع العراقي والشعب العراقي ، الذي كان يبشر بقوة اقتصادية وعلمية ناشئة ومتطورة ، كان من المتوقع ان تفرض عامل سياسي وعلمي جديد وهام في الصراع العربي الاسرائيلي ، ليس لصالح اسرائيل ، التي انفردت بإنشاء قوة لا يمكن الا لمختل عقليا ان يظن انه قادر على مواجهتها عسكريا في ظروف عالم عربي مفكك ، وبلا كرامة وطنية . والمعيار ان الدولة التي تعين وزير خارجية من هذا الفصيل الليبرماني ، هي دولة تتجاوز بلا اهتمام وباحتقار ، كل الخطوط الحمراء في علاقتها مع أهم دولة صديقة لها في الشرق الأوسط ، والتي تعطيها مساحة استراتيجية اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وأمنية ، أضحت شريانا هاما لدولة اسرائيل ، ليس فقط في سياستها الشرق أوسطية ، بل في تعزيز قدراتها الشاملة ، وتحويل استثمارات هامة للمجالات العلمية والاقتصادية بغياب تحديات عسكرية مصيرية من الجبهة المصرية. وأيضا في استعمال اساليب الحصار ضد الشعب الفلسطيني المبتلي بمنظمات غبية لا تقرأ الخارطة السياسية الا بما يتمشى مع فكرها المغامر ومع اوهامها السياسية انه يمكن اقامة دويلة فلسطينية دينية اصولية في غزة ، تكون قاعدة للتوسع نحو الضفة الغربية ثم كل التراب الفلسطيني . وتمنح اسرائيل كل المبررات لاستمرار عدوانها وقمعها المتواصل ضد الفلسطينيين خاصة ، والدول العربية الأخرى عامة ، كيف يمكن ان نفسر اللقاء المتلفز بين خالد مشعل الحمساوي والشيخ حسن نصرالله الايراني ، والتصرحات النارية ، لمن اختفوا من ساحة القتال في العدوان الاسرائيلي "الرصاص المسكوب" ، بعد ان جردوا سائر المنظمات الفلسطينية وخاصة رجال حركة فتح من سلاحهم وقمعوهم بالحديد والنار والسحل في الشوارع؟
جمال عبد الناصر ترك ميراثا أُهمل ، بأن من يريد ان يحارب للتحرر يجب ان يسلح كل الشعب، وحماس جردت الشعب من سلاحه. وسحلت كل القوى التي تعرف كيف تقاتل، ليس دفاعا عن حماس ، انما عن شعبها الفلسطيني .
ان ما جرى في لقاء مشعل مع نصرالله هو ثرثرة سياسية متطرفة تثري وتدعم المبررات الاجرامية الاسرائيلية لإستمرار القمع الاسرائيلي واستمرار سياسة الاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني ،وبتغطية ممتازة من حكام دولة غزستان ، دولة الانفاق ، التي لا تملك حماس بديلا غيرها لدولتها المزعومة. هذا هو الحل القومي الذي تقدر عليه حماس. دولة انفاق وتهريب ومغامرات عسكرية لا تطول زلمها ، او كما استهتر احد قادة حماس في برنامج تلفزيوني ، من سقوط 1400 قتيل في غزة ، لأن غزة عوضت عدد السكان بأكثر من الراحلين بالضعف ، ويكفي الضحايا ان حماس تعتبرهم شهداء . لا يا سادة مختبئين كالفئران رعبا وخوفا ، نتنازل لكم عن الشهادة ... خذوها مباركة لكم من كل قلوبنا !!

لست من مؤيدي السياسات المصرية ، منذ كامب ديفيد .. ولكني لا يمكن ان ارى بالأنفاق بديلا عن الحلول الممكنة ، واولها اعادة السيادة للسلطة الفلسطينية على قطاع غزة . حماس هي أفضل تبرير لإستمرار التنكر والحصار الاجرامي الاسرائيلي ، واستهتار اسرائيل بالمواقف الدولية التي تميل الى وقف الحصار ووقف الاستيطان والبدء بطرح جاد للقضية الفلسطينية ، وليس سرا انه لم تتوفر مثل شروط هذا الطرح في السابق.
من حق مصر ان تضمن أمنها الداخلي ، لأن حماس انتهكت هذا الأمن بأنفاق التجارة التي يربح منها قادتها ملايين الدولارات الوسخة من عرق ودم الشعب الفلسطيني .. وبسبب تهريبات السلاح الذي يصل لايدي مشبوهة في مصر أيضا لا يختلف فكرها عن حماس ، وتحويل الحدود المصرية الى فوضى عارمة لا ضابط لها . والأهم ان الأنفاق تخدم سياسة اسرائيلية مبرمجة لإستمرار حصار غزة ، وابقائها نموذجا للعقلية الفلسطينية التي لا يمكن الوصول معها الى اتفاق . بدون انفاق لن تجرؤ اسرائيل على استمرار هذا الحصار . الانفاق أضحت مصلحة عليا لتجار حماس . هل هذا هو الحل الحمساوي للشعب الفلسطيني في دولته الحمساوية ؟
لماذا اربط بين تركيا ومشكلة انفاق حماس ؟
انفاق حماس توفر كل المبررات لإستمرار العنجهية والتلاعب القذر في مصير الشعب الفلسطيني .
لا يمكن ان يستمر حرمان الشعب الفلسطيني من الغذاء والدواء ، الا بوجود مبررات ، هي ان انفاق حماس تشكل الشريان للغذاء والدواء وعلى الدول والشعوب ان تنام بلا وجع ضمير على مصير مليون ونصف انسان ، قبل ان يكونوا فلسطينيين هم بشر ، اذن الأنفاق لتهريب الغذاء والدواء هي لمصلحة اسرائيل ، فقط أنفاق السلاح تقصف ، وهذا لا تعلنه حماس .. والمنطق يقول ان اغلاق انفاق حماس ليس لصالح اسرائيل ، وحتى الظن ان السلاح الذي يهرب سيغير التوازن الاستراتيجي بين غزستان واسرائيل هو ظن هزلي ويليق بالمصابين بالعجز العقلي.
ولكن ما العمل والفكر الحمساوي الأصولي ، كغيره من الفكر الأصولي ، يفتقد للمنطق العقلاني ، ويفتقد للرؤية السياسية السليمة ، ويفتقد للفهم البسيط لحقائق الشرق الأوسط خاصة والعالم عامة ، ويعيشون على اوهام اصولية بان النصر لا يتعلق بأسباب القوة ، بل بأسباب ربانية ؟ ولو صح هذا الأمر لما كان من نصيب العرب والمسلمين ، الهزائم المرة في كل ما يخططون ويتصرفون منذ مائة سنة على الأقل ، وهُم الشعب الأكثر تدينا وماضوية على وجه البسيطة ؟ وارى ان ازدياد انتشار الفكر الأصولي يجر بأعقابة ارتفاع في التخلف والهزائم والضياع .
ويبدو انه الفرق بين دولة يحكمها اسلام معتدل واقعي ، بنت لنفسها قوة اقتصادية وطورت مجتمع عقلاني ، لا يرى بالعلمانية عدوا ، بل شريكا لا بد منه يجب الاستفادة من عقلانيته ، وبين دول تحكمها وتسيرها الهرطقات الدينية البعيدة عن فهم حقيقة عالمنا المعاصر ، والغارقة بتفاهات الفتاوي ضد المختلفين دينا لدرجة ان "أعظم العلماء !" القرضاوي ، يحرض ، في فتوى ضد شجرة الميلاد واحتفال المسيحيين العرب بعيد الميلاد ورأس السنة ، بالدعوة الى مقاطعتهم وكراهيتهم ، وربما يفسرها البعض : تصفيتهم واخلاء المجتمعات العربية منهم .. وهذا يتحقق بالفعل أيضا .
مثل هذا "العالم" لا ينفع ليكون أكثر من مؤذن في جامع قرية معزولة !!
المسيحيون هم الفصيل القومي العربي الذي يشهد له تاريخه بالمواقف الوطنية والتضحيات ، وكانوا أصحاب الدور الأهم في احياء اللغة العربية ونشر الثقافة والفنون والعلوم وتعميق الوعي الوطني ، ولا يمكنني تصور واقع العالم العربي اليوم ، بدون جهودهم الجبارة والمتواصلة حضاريا ، منذ أيام بغداد الرشيد المتنورة وحتى اليوم .
حماس تبتعد عن النهج الصحيح لإدارة الصراع القومي ، وتظن ان فكرها الهرطقي هو البديل ، وليتهم يتعلموا من نظام تركيا الاسلامي .
تركيا على تصرف دبلوماسي انتفضت لكرامتها. لا ضرورة لإطلاق "الألعاب النارية" ( صواريخ حماس وسائر المنظات الاصولية ) التي تسقط قتلى فلسطينيين وتوقع دمارا فلسطينيا أكثر مما تضر اسرائيل ، وتقدم لها على طبق من فضة أفضل المبررات لإستمرار سياساتها العدوانية التنكرية والقمعية، بل وتخدم فكرها العسكري الذي طور "القبة الحديدية" المضادة للصواريخ ، وستصبح سلاحا مطلوبا يزيد اسرائيل غنى وأهمية عسكرية وليس العكس، اذ لفتت انتباه دول العالم المختلفة لهذا الإنجاز العلمي العسكري الاستراتيجي الهام ، وعلى رأسهم الولايات المتحدة ، وهل ننسى ان طائرات اسرائيل بدون طيار هي الأفضل والأكثر مبيعا في العالم ؟ حتى روسيا تشتري هذه الطائرات . وربما يجب منح العرب جماعيا جائزة نوبل لتطوير الأسلحة الاسرائيلية ، لأنهم بغبائهم قدموا كل المبررات لهذا التطوير، واكتفوا بأن هذه العلوم وجدها زغلول النجار قبل ان يعرفها الغرب. . ولكنها محفوظة بالسر والصون !!
شكرا لحماس !!.
ونعود الى البدء ...
هل يتعلم العرب الدرس السياسي من هزيمة العنجهية الاسرائيلية ؟ الم يكن الاعتذار لتركيا ، نافذة لفهم ان اسرائيل تحتاج مصر والأردن والعالم العربي أكثر مما تحتاج دولا من خارج المنطقة على المدى البعيد وربما القريب أيضا..؟
حماس ضرورية لإستمرار النهج العدواني والقمعي، نهج التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني .
الادارة الأمريكية ملت من اسرائيل . هذه حقيقة اعلنها اليهودي ألأمريكي ( إسرائيلي ايضا ) مدير طاقم البيت الأبيض .
ونحن نتمسك بكل المواقف والتصرفات التي تسهل تبرير العنجهية والقمع الاسرائيلي .
اسرائيل لم ولن تملنا !!


د. أديب المقدسي – أكاديمي فلسطيني في الولايات المتحدة
dr.amaqdisi@gmail.com




الثلاثاء، يناير 05، 2010

السور المصري ، ضرورة لوضع حد لتسيب حماس ومغامراتها على حساب مستقبل الشعب الفلسطيني

د . اديب المقدسي

قرات مقالا للكاتبة الفلسطينية ناديا عيلبوني نشرته في موقع "أمين " تحت عنوان " السلطات المصرية وذهنية الأسوار !! " ، وارجو ان تسمح لي الكاتبة الموقرة ان أعترض على رؤيتها ، وانا معجب حقا بالكثير من كتاباتها السابقة وارى بموقفها الأخير تراجعا ، ربما نتيجة الحس الانساني الذي يتفوق أحيانا على التفكير المنطقي في رؤية ما يجري من اشكاليات في قطاع غزة خاصة وفي الواقع الفلسطيني عامة.

حماس حركة انشقاقية تقوم بأعمال ارهابية ضد ابناء الشعب الفلسطيني أنفسهم المعارضين لسياستها، وتقوم بعمليات قتل وسحل بالشوارع . الى جانب ما ترتكبه بحق غير المسلمين في غزة.وانت نفسك كتبت عن الموضوع مقالا ممتازا.
هذه الحركة غير شرعية، الشرعية هي للسلطة الفلسطينية مهما انتقدنا قصورها. هي الشرعية الوحيدة المعترف بها دوليا وعربيا واسرائيليا. وحماس تدمر هذه الشرعية. الأنفاق عزيزتي ناديا هي لتهريب البضائع لقادة حماس الذين أصبحوا مليونيريين على حساب عرق ودم ابناء الشعب الفلسطيني في غزة.
والسلاح الذي يهرب ليس لخدمة النضال الوطني الفلسطيني بل لخدمة مشاريع حماس التصفوية ومشاريع ايران واطماعها التاريخية والاستراتيجية ، وبات معروفا ان حزب الله وحماس والحوثيين يتلقون أوامرهم من طهران او فقيه قم ، الذي يقود ايران نفسها للدمار والضياع .
والحرب الأخيرة لم تؤدي الى انجازات للشعب الفلسطيني بل دمار كامل وشامل لقطاع غزة . ولوعقلت حماس لما اندفعت لتلك الحرب بجنون بظن انها ستكرر حرب لبنان 2006 . ويقال انه كان وعدا لم ينفذ من حزب الله بتوليعها في شمال اسرائيل . .
من ناحيتي أقول بوضوح ، مصر ببنائها السور تدعم حقوق الشعب الفلسطيني التي تتناقض مع مصلحة حماس الفئوية ومصلحة قادتها المتخمين من ارباح تجارة الأنفاق ، والحالمين بخلق دولة اسلاموية على شاكلة تفكيرهم الارهابي ، ستكون كارثة للشعب الفلسطيني لا نريد ان نراها لشعب ينتمي الى طوائف مختلفة ، وقسمه الكبير علماني وليبرالي ويرفض صيغة الدولة الدينية ، دولة ولاية الفقيه الفاشلة والمأساوية.
واقول بوضوح ، هذ المشروع الحماسي يتناقض مع جذور نضال الشعب الفلسطين لاقامة دولته الوطنية الدمقراطية. تعلمنا ان حماس تريد الدمقراطية باتجاه واحد ، لتصل الى السلطة ، وها هي تثبت انها بعد وصولها تقمع كل غير القابلين لحكمها والمعارضين لفكرها والمطالبين بانتخابات جديدة كطريق لحل الاشكال ..

يجب اعادة السيطرة للسلطة الشرعية ، ومصر ملزمة بالتعامل مع السلطة الشرعية حتى حسب الاتفاقات مع اسرائيل. وعندها سيجري ادخال المواد بشكل علني وشرعي وباسعار طبيعية بدون " حلب " الشعب الفلسطيني العالق مع تجار دين وتجار مصير وتجار دم . لا ضرورة لتجار حماس وجشعهم وجرائمهم . أعرف تفاصيل من غزة ، تشابه الأساطير حول حكم شيوح حماس المتخلفين. والمجرمين والتجار الجشعين ، تصلني من أصدقاء لا أستطيع كشف اسمائهم ، وبعضهم تعرض لعقاب حماس ، بل وصديق مقرب اطلقت النار على ركبته ، وبات عاجزا برجل واحدة ، وكل جريمته انه منظم في حركة فتح .. هكذا سنحرر فلسطين من الفلسطينيين !!
الأنفاق أضحت تجارة تضر بالقضية الفلسطينية ، وتضر بالشعب الفلسطيني في غزة نفسها ، وتضر أيضا بأمن مصر .. وهذه حقيقة وليست مجرد دعاية. حماس تبرطل عشرات الضباط المصريين ، والحكومة المصرية عاجزة عن وقف ظاهرة الأنفاق بالمراقبة ،والحقيقة المرة ان ضباط الجيش المصري منتفعون من التهريب ، ولا بد للنظام المصري ان يفحص للعمق هذه الظاهرة الفاسدة في جيشه والمثيرة للقلق من جيش يمكن شراء ضباطه!!
لذلك الحل هو الأسوار .رغم انتقادي لسياسات مصرية كثيرة منذ كامب ديفيد ، الا اني لست معاديا لكل خطوة مصرية .. وارى بهذه الخطوة أكبر مساعدة للشعب الفلسطيني ليتخلص من حماس وقمعها الاجرامي وفكرها المعادي لمفهوم الدولة الدمقراطية ، وتجارتها الجشعة الاستغلالية ، وما ترتكبه من حماقات تشكل طعنا بالظهر للنضال الوطني الفلسطيني ولوحدة كل طوائف الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال.

د. أديب المقدسي – اكاديمي فلسطيني في الولايات المتحدة.
dramaqdisi@gmail.com


الثلاثاء، أكتوبر 20، 2009

لا يشتـــم الأصدقــاء المتضــامنين الا استفزازي او متعصب او أحمق

د. أديب المقدسي

تابعت من القدس الأسيرة المحاصرة، التي جئتها من الولايات المتحدة لزيارة خاصة .. إحياء أهلنا الفلسطينيين في اسرائيل ـ لذكرى هبة اكتوبر 2000، وتابعت خصوصا المهرجان المركزي في قرية عرابة البطوف الجليلية الشامخة ، باشتراك حشود واسعة من الشعب ، احياء لذكراء الشهداء ، وتصميما على النضال للبقاء في ارض الوطن ، للتجذر والتطور وضمان الحياة الإنسانية الوطنية الكريمة .
لدي كثير ما أقوله ، انتقادا أخويا ، لكل الخطاب السياسي المسيطر على الشارع العربي عند اخوتنا واهلنا في داخل السجن الاسرائيلي.
ولكني هنا اريد ان اناقش نقطة واحدة أغضبتني غضبا شديدا .
كان يجب ان نرحب بحرارة بعريضة وقع عليها أكثر من 300 شخصية يهودية ، ليبرالية وانسانية،قرات خبرا عنها في نسخة جريدة "هآرتس" باللغة الانكليزية ، بينهم ادباء واساتذة جامعات وطلاب جامعات يؤيدون فيها نضال الأقلية الفلسطينية في اسرائيل .
هل هناك عاقل يعارض ان يتضامن معه الآخرون من شعب الأكثرية ؟ هل هناك عاقل يعمل كل شيء لتعميق القطيعة بين العرب واليهود ؟ هل هناك أقلية قومية مظلومة في العالم لا تعمل لكسب التأييد الواسع قدر الامكان ، بين شعب الأكثرية ، لحقها كأقلية قومية ؟ هل قاتلت اية أقلية مظلومة او أي شعب تحت الاحتلال او تحت التمييز العنصري ، للخلاص والتحرر بدون ان يسعوا استراتيجيا لكسب تأييد الشعب الآخر ؟
واضح ان الحكومة هي المجرمة، ولكننا اذا عرفنا كيف نخاطب المجتمع اليهودي ، اذاغ عرفنا كيف نقرب الدمقراطيين والانسانيين وانصار حقوق الانسان فاننا نضعف السلطة الظالمة ونقوي انفسنا ومعسكرنا.
لم يتحرر اي شعب من الظلم القومي والتمييز العنصري الا عندما شق مجتمع الأكثرية وكسب تأييد القطاع الدمقراطي والليبرالي والانساني في شعب الأكثرية ، وأضعف ، وبالتالي عزل العنصرية.
لقد شعرت بالذهول والصدمة الى حد البكاء ، عندما قام غوغائيون ( أغبياء او استفزازيون ) بمقاطعة الدكتور ايلان بابه اليهودي الانسان ( الذي أعرفه شخصيا )والذي يدعم ويؤيد مطالب الجماهير العربية الفلسطينية ، والتحرر الكامل للشعب الفلسطيني .
ان الصراخ الهستيري في وجه ايلان بابه :" خيبر خيبر يا يهود جيش محمد بدو يعود " هو كمن يطلق النار على نفسه . هل الهدف الاستراتيجي الذي وضعته الأوساط الأصولية الظلامية هو ان لا يبقى يهودي واحد مؤيدا لقضايانا العادلة؟
ان القوى الوطنية والدمقراطية والعصرية في شعبنا في الداخل يجب ان تدرك ادراكا تاما وصافيا ان سيطرة الأصولية الظلامية على شعبنا في الداخل تضر بشعبنا هناك وتضر بمجمل النضال القومي الفلسطيني.
من السخف وعدم المسؤولية ان نتمسك بالنشاط "الوحدوي" للشعب كله ثم نعطي للقوى الأصولية الظلامية المتطرفة والمتخلفة أن "تقود المسيرة" وتهيمن على المنصة وعلى الشعارات ، بينما من يقولون بأنهم "يساريون" و " وطنيون" و " علمانيون " يضعون رؤوسهم في الرمل !!
انا اعرف الحزب الشيوعي وفيما بعد الجبهة ، خلال أكثر من عشرين سنة ، حين كنت عضوا في الحزب الشيوعي الفلسطيني . وقد كان توفيق الطوبي ، واميل حبيبي واميل توما وسليم القاسم وعلي عاشور وعودة الأشهب وعثمان ابو راس وابو العفو اغبارية يرفعون الشعارات الوطنية والدمقراطية ويقودون المسيرة عندما كان " الاسلاميون " أعوانا لنظام الحكم العسكري ، والقوائم العربية العميلة لحزب "الماباي" ( حزب بن غوريون ) الحاكم في حينه .
ان حماية النهج الوطني الانساني الرافض للتعصب الديني الأعمى ، هي اساس لا بد منه لدحر السياسة العنصرية.
من السخف التصور انه كلما كان الشعار متطرفا وظلاميا كان هذا دليل الوطنية. هل نريد ان يسير مجتمعنا الفلسطيني في طريق حماس وطالبان وايران؟ هل نركض ركضا نحو التخلف والتشرذم والتعصب والكراهية للآخر لمجرد انه يهودي او اوروبي ؟ هل نحن نبلور هستيريا عنصرية اصولية متعصبة؟ هل هذه هي الطريق الى الخلاص ام الطريق الى الانتحار؟
انا كفلسطيني مقدسي في جذوري ، ومقيم في الولايات المتحدة منذ عقدين ونصف العقد تقريبا ، أقول للأهل الفلسطينيين الصامدين داخل اسرائيل، لا تعطوا الراية ولا احتكار الشعار الوطني للأصولية الظلامية التي ظاهرها التدين ، بينما جوهرها هو العنصرية والتخلف والجهل والارتطام .
نحن نرى حالة كل الشعوب التي سيطرت عليها الأصولية الظلامية ، من افغانستان الى ايران الى الصومال . الأصولية ليست تدينا ولا ورعا ولا عودة الى الدين ، انها حالة قطيعة مع الحضارة والتطور والمنطق والمصالح الوطنية .
وتحية لشعبنا في الجليل والمثلث والنقب وعكا وحيفا ويافا . كنتم خلال عشرات السنين نموذجا لنا في النضال الباسل والحكمة وبناء الجبهة الوطنية بقيادة عصرية وعقلانية .
لا تدعو الظلاميين يسيطرون بالارهاب الديني – السياسي على شعبنا ويدحرجونا الى كارثة جديدة !

dramaqdisi@gmail.com