نقولا ناصر
إن أي إعلان فلسطيني من جانب واحد لدولة فلسطينية هو نقيض، أو ينبغي أن يكون بحكم الأمر الواقع نقيضا، ل"عملية السلام" الجارية منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وعلى المرجعية الأساسية لها المتمثلة بالاتفاق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وراعيها الأميركي على التوافق المتبادل بالتفاوض فقط على حل نهائي للصراع، وبالتالي فإن أي إعلان كهذا ينبغي أن يكون خروجا على هذه العملية، وانقلابا على مرجعياتها، وعلى الاتفاقيات الموقعة المنبثقة عنها، وعلى الوضع الراهن الذي تمخض عنها، خروجا وانقلابا يستتبعان بالضرورة تغيير "معسكر السلام" الذي أفرزته وكل اللاعبين فيه، لأنه يمثل إعلانا مدويا بفشل العملية بكاملها، وانتهاكا لمرجعياتها واتفاقياتها ("أوسلو")، فإعلان كهذا لا يمكن أن يكون إلا "إعلان حرب لا سلام"، كما كتب الإسرائيلي مدير مركز أبحاث سياسة الشرق الأدنى في القدس المحتلة ديفيد بيدين، وهنا على وجه التحديد يكمن التناقض الرئيسي في صدور إعلان كهذا عن د. سلام فياض، رئيس حكومة قيادة لمنظمة التحرير الفلسطينية ما زالت تكرر إعلان التزامها ب"عملية السلام" ومرجعياتها والاتفاقيات الموقعة المنبثقة عنها حد المخاطرة بتأبيد الانقسام الوطني أحتراما لالتزامها.
وربما لهذا السبب قال فياض إن وثيقة إعلانه عن خطته لبناء مؤسسات دولة خلال عامين "لا يوجد في أي مكان" فيها "أننا نذكر الإعلان من جانب واحد عن دولة" لأن أي إعلان كهذا هو "إعلان سياسي وذلك في نطاق سلطة منظمة التحرير الفلسطينية" وهي التي "تقرره في الوقت الصحيح وفي السياق المناسب"، وربما لهذا السبب أيضا كتب د. غسان الخطيب مدير مركز الإعلام التابع لحكومة فياض قائلا إن هذه الخطة ليست جديدة بل هي "مماثلة لبرامج حكومات سابقة" وإن الاختلاف هو فقط في "الإطار السياسي العام" الذي أعلنت فيه حيث ينظر إليها "كبديل لعملية السلام المتفسخة"، ليدافع الخطيب عن هذه الخطة باعتبار "الأهمية الرئيسية لها" تكمن في سماحها للمفاوض الفلسطيني بالتحرك على "مسارين متوازيين"، أولا البناء العملي على الأرض مقرونا ثانيا بجهد مكمل لبناء دعم دولي للاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة.
وربما للسبب ذاته لم تجد اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا) الراعية ل"عملية السلام" أدنى سبب في خطة فياض يدعوها إلى القلق، ولذلك سارعت إلى تبنيها والإشادة بها في بيانها الذي صدر خلال شهر بعد إعلان فياض لخطته عام 2009 وكذلك في بياناتها اللاحقة ثم إلى دعم صاحبها ماليا وسياسيا وأمنيا دعما يعزز المخاوف الوطنية الفلسطينية من دوافعها وتوقيتها ومراميها، ليشيد ممثل الرباعية توني بلير بأداء صاحب الخطة ـ ـ وهو يحاول غسل يديه من دماء الحرب على العراق بالتمسح بعملية سلام عربية ـ إسرائيلية من المؤكد أن أوساخها ستلوث يديه أكثر مما تطهرها ـ ـ باعتباره أداء "من الدرجة الأولى قطعا ـ محترفا وشجاعا وذكيا"، بينما تجري على قدم وساق حملة إعلامية دولية لا يترك تركيزها واتساعها مجالا لعدم الشك في كونها منظمة تسوق للرجل باعتباره رجل دولة وخبيرا اقتصاديا مؤتمنا على أموال المانحين وتكنوقراطيا ينفرد بالمصداقية والأمانة والشفافية بموازاة حملة مماثلة "تشيطن" في الوقت نفسه كل القيادات الفلسطينية الأخرى وكل القوى الوطنية عبر الانقسام الراهن، وتروج ل"الفياضية" بديلا لهذه القوى جميعها، وهذا مصطلح استخدمه في مقال له في النيويورك تايمز كاتب العمود المعروف ثوماس فريدمان، الذي يدعي أنه صاحب فكرة مبادرة السلام العربية، والذي نسب إلى مسؤول في إدارة جورج بوش الأميركية السابقة رفضه الإفصاح عن اسمه في المقال نفسه لأنه لا يريد أن "يجعل حياة سلام (فياض) أصعب بوجود شخص مثلي يمدحه".
وفي هذا السياق يلفت النظر ترحيب "إسرائيلي" مماثل، ربما يلخصه وصف رئيس دولة الاحتلال شمعون بيريس لفياض بأنه "بن غوريون فلسطين"، أو تلخصه ما قالت الجروزلم بوست إنه"أول خطة فلسطينية جادة لبناء دولة منذ تأسست م.ت.ف. عام 1964"، لا بل إن صهيونيا يمينيا متطرفا مثل دوري غولد ـ ـ المستشار الحالي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمستشار لنظير نتنياهو الأسبق آرييل شارون وسفير دولة الاحتلال الأسبق لدى الأمم المتحدة الذي يرأس "مركز القدس للشؤون العامة" ـ ـ قد وصف خطة فياض بانها "إيجابية وشجاعة" في تقرير لمركزه ناقد لها مع ذلك. غير ان دعوة فياض، واستجابته، للمشاركة في مؤتمر هرتزليا العاشر "للأمن القومي الإسرائيلي"، بعد إعلان خطته، وفي ذروة مقاطعة للمفاوضات والاتصالات مع دولة الاحتلال أعلنتها في رام الله الرئاسة المفترض أن حكومته هي حكومتها، بدد أية شكوك في كون هذه الخطة تتساوق مع خطة نتنياهو ل"السلام الاقتصادي" التي يزعم انها تدعم بناء دولة فلسطينية "من الأسفل إلى أعلى" في إطار "شراكة إسرائيلية ـ فلسطينية".
وإذا كانت الأضواء قد سلطت على مشاركة فياض في هذا المؤتمر بسبب المقاطعة الفلسطينية المعلنة للاتصالات مع دولة الاحتلال فإن هذه لم تكن المشاركة الأولى له فيه، ففي عام 2007 شارك فياض في مؤتمر هرتزليا أيضا وأكد حرصه على "الشراكة الإسرائيلية ـ الفلسطينية" في "المستقبل" في وقت كانت نتائج الانتخابات التشريعية لمجلس الحكم الذاتي الفلسطيني قبل عام فقط قد أكدت بأن اغلبية الفلسطينيين تحت الاحتلال يطمحون إلى النقيض تماما، وليس إلى ما قاله فياض آنذاك للمؤتمر: "لكن الأهم هو أنني أريد أن اعلن رؤية للسلام مع إسرائيل. إنني أسعى إلى سلام دافئ مع إسرائيل.. إنني أسعى إلى روابط سياسية قوية مع إسرائيل، وأسعى إلى روابط إقتصادية قوية .. نعم إننا نسعى إلى علاقات دافئة معكم. نحن لا نريد ببساطة أن نصل إلى نقطة حيث نكتفي بقبول أحدنا للآخر فقط، .. نحن لا نريد أن نخرجكم من حياتنا، إننا نريد أن نعيش معكم، كجيران لكم وأنداد".
وفي هذا السياق "الدافئ" لرؤية فياض و"الفياضية"، فإن الصراع الدموي الدائر منذ ما يزيد على قرن من الزمان ليس صراعا بين الاحتلال الاستيطاني الطارد للاخر العربي الفلسطيني، ف"الصراع في المنطقة ليس له علاقة بنا على الإطلاق، إنه بين الراديكاليين وبين المعتدلين"، كما قال في مقابلته مع هآرتس في الثاني من نيسان / أبريل الجاري. ولهذا السبب على الأرجح فإن فياض، عندما امتدحه شمعون بيريس بوصفه أنه "بن غوريون فلسطين"، لم يعلق حتى الآن على تحريض بيريس له في المناسبة نفسها بقوله: "إن عدو الفلسطينيين هو حماس، وليس إسرائيل، ويجب عليهم أن يحاربوا حماس". وهذا هو السبب على الأرجح الذي جعل فياض يدخل التاريخ الفلسطيني باعتباره أول رئيس وزراء فلسطيني على الإطلاق يأمر بفتح النار على مقاومين فلسطينيين مطلوبين للاحتلال، وبالتالي لحكومته في إطار التنسيق الأمني مع الاحتلال، في قلقيلية العام الماضي ليسقط ستة شهداء من حماس وجنود السلطة وعابر طريق، حيث انتقد قادة أمنيون بصفة غير رسمية عدم منح المطلوبين "مزيدا من الوقت للاستسلام"، على ذمة نيوزويك الأميركية.
كما لم يعلق فياض حتى الآن على القنبلة التي فجرتها هآرتس في السابع من تشرين الثاني / نوفمبر عام 2009، عشية زيارة لنتنياهو إلى واشنطن، أي بعد قرابة شهرين من إعلان فياض لخطته، بأن نتنياهو كان "طيلة أشهر" يبحث خطة فياض مع كبار معاونيه/ مما يثير أسئلة حول ما إذا كانت هذه الخطة قد وصلت إلى نتنياهو قبل إعلانها أم بعده، وكيف وصلت إليه، وهل تم تنسيقها معه او مع مستشاريه، إلخ!
قنوات اتصال
إن كشف هآرتس عن بحث خطة فياض في حكومة دولة الاحتلال "طيلة أشهر" بعد شهرين من إعلانها يثير بدوره أسئلة عما إذا كانت لفياض قنوات اتصال خاصة مع دولة الاحتلال غير القنوات المعروفة بين القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير وسلطتها وبين دولة الاحتلال، بقدر التساؤل عن قنوات اتصال مماثلة له مع الأميركيين، تفسر "الثقة" التي تجعل فياض يحدد "إعلان الدولة الفلسطينية منتصف عام 2011" من خلال التعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي، ويثير تساؤلا مشروعا عما إذا كانت هناك "صفقة" من وراء ظهر الشعب الفلسطيني وحتى منظمة التحرير الفلسطينية، في تكرار لسيناريو مفاوضات أوسلو السرية التي جرت من وراء ظهر الوفد الفلسطيني الرسمي المفاوض بقيادة الراحل د. حيدر عبد الشافي.
ومن هنا التقارير الإسرائيلية عن "تفاهم سري" مع إدارة باراك أوباما للاعتراف بالدولة الفلسطينية فور إعلانها (أسبوعية "فوروورد" اليهودية الأميركية في 11/11/2009)، وكذلك حديث رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن عدم حصوله على "رد واضح" من الإدارة الأميركية على طلبه من أوباما خلال قمتهما الأخيرة في واشنطن ان يعده الأخير باستخدام حق النقض "الفيتو" في مجلس أمن الأمم المتحدة إن عرض موضوع الدولة الفلسطينية عليه، وهو ما تعلن قيادة منظمة التحرير المفاوضة عزمها عليه لإضفاء شرعية دولية على خطة فياض.
في الأول من مثل هذا الشهر عام 2007 أجابت هآرتس على بعض هذه التساؤلات كما يلي: "إن علاقة فياض الوثيقة مع المؤسسة الإسرائيلية يمكن قياسها من القصة التالية. قبل حوالي سنتين، تزوجت ابنة دوف فايسغلاس الذي كان عندئذ رئيسا لمكتب رئيس الوزراء. وكانت الدعوة قد وجهت أيضا لفياض وهو حتى اليوم يتمتع بعلاقة دافئة مع فايسغلاس. وعندما وضعت ترتيبات الجلوس، وضع فياض إلى جانب رئيس الوزراء آنذاك آرييل شارون. وأجرى الاثنان حديثا مطولا."
وفايسغلاس هذا، لمن قد يكون قد نسي، هو من سوغ تجويع الفلسطينيين بالحصار حتى الاستسلام بقوله: "نحن لا نجوع الفلسطينيين بل نساعدهم على تخفيف أوزانهم. يجب أن نوصل الفلسطينيين إلى الهزال لا الموت"! ولمن يكون قد نسي ايضا، فإن فايسغلاس هو المفاوض الإسرائيلي الرئيسي على نص الرسالة التي بعث بها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى شارون في الرابع عشر من نيسان / أبريل عام 2004 والتي وصفها الفلسطينيون ب"وعد بلفور الثاني"، وأن زواج ابنته تم في ذروة حملة شارون وحصاره للمقاطعة في رام الله ل"إزالة عرفات"، وهو القائل إن "كل هذه الرزمة المسماة الدولة الفلسطينية، بكل ما يستتبعها، قد سحبت إلى الأبد من أجندتنا .. وكل هذا بمباركة رئاسية (أميركية) وبتصديق كلا مجلسي الكونغرس" الأميركي.
وربما تفسر هذه القنوات "الدافئة" تنقل فياض اليومي بين مجلس الوزراء في رام الله وبين بيته في القدس المحتلة، وقد فسر داني بن ـ سيمون مدير المكتب الصحفي لحكومة دولة الاحتلال ذلك بانه من "المفارقات الصغيرة في إطار المفاوضات" المفترض انها غير جارية حاليا، وسط حملة متصاعدة لمنع أي تواجد أو نشاط حتى لو كان رمزيا للمنظمة وسلطتها في القدس المحتلة، ناهيك عن إغلاق المدينة أمام بقية عرب فلسطين تحت الاحتلال. لكن هذه "المفارقة الصغيرة" تنسجم مع "الحميمية" في علاقات الجانبين، كما وصفها فياض نفسه في خطابه أمام مؤتمر هرتزليا عام 2007: "بفحص السنوات الست الماضية لهذا الصراع (وللتذكير كانت هذه هي سنوات "انتفاضة الأقصى" التي كان ياسر عرفات أهم شهدائها)، فإنني سأصف العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية خلال هذه الفترة بأنها كانت حميمة أكثر من اللازم.. قد يصدمكم هذا الوصف .. غير أن طبيعة العلاقات اليوم بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين قد وصلت إلى مستويات الإدارة التفصيلية، حيث إسرائيل ضالعة في التفاصيل الدقيقة لحياة الفلسطينيين".
إن مثل هذا الشذوذ عن المزاج الوطني الفلسطيني العام ليس وليد اليوم، ف"الفياضية" بدأت بوادرها مبكرة. فعلى سبيل المثال، بينما كان الشعب الفلسطيني ما زال يلملم جراحه إثر إعادة احتلال مناطق سلطة الحكم الذاتي بعد اجتياحها في العام السابق، وبينما كانت حملة شارون تتسارع "لإزالة عرفات" وحصاره في المقاطعة برام الله بعد منعه من حضور قمة بيروت العربية التي أقرت "مبادرة السلام العربية"، وفي ذروة الانشغال الوطني بالدفاع عن النفس، كان انشغال فياض منصبا في سنة 2003 على فساد السلطة الفلسطينية آنذاك، كما تشير تصريحاته عن حصة القيادة من تجارة الاسمنت وعائدات هيئة البترول، وهي التصريحات التي عتم انضمامه إلى عرفات في حصاره بعدها على شذوذها عن الأولويات الوطنية في حينه، والتي أهلته ـ ـ سياسيا، وليس مهنيا كونه مؤهل من الناحية الأكاديمية والمهنية كخريج لجامعات أميركية وخبير مخضرم في الاحتياطي الفدرالي الأميركي والبنك وصندوق النقد الدوليين ـ ـ لفرضه وزيرا للمالية وقيما مفوضا أميركيا وأوروبيا على "الإصلاح" الفلسطيني الذي لم يحاسب أي مسؤول عن الفساد حتى الآن بعد أن أستمر فياض وزيرا للمالية ثم رئيسا للوزراء طوال أكثر من سبع سنوات كان وما زال يستغلها بدلا من ذلك لشق "طريق ثالث" يكون بديلا لكل القوى التي قادت وما زالت تقود النضال الوطني الفلسطيني.
أما قنواته الخاصة مع الأميركيين التي أهلته لوصف وسائل الإعلام له بأنه "رجل أميركا" الفلسطيني فإن تفاصيلها قد أصبحت سرا مكشوفا حد أن يقول نائب رئيس حكومة دولة الاحتلال الحالي وسفيرها في واشنطن حتى عام 2006 داني أيالون إن "الرصيد غير المحدود الذي استحقه (فياض) من الأميركيين هو ما يعطيه قوته". كان عمر فياض حوالي خمسة عشر عاما عند احتلال الضفة الغربية عام 1967، وقد التحق بعهدها بالجامعة الأميركية في بيروت وتخرج منها وأكمل دراساته العليا في ولاية تكساس بالولايات المتحدة حيث ظل فيها حتى عام 2001 عندما انتدبه صندوق النقد الدولي ممثلا له في فلسطين، وبالتالي ما زالت أمام فياض سبعة عشر عاما أخرى يقضيها كراشد في فلسطين حتى يوازن الأربعة وعشرين عاما التي قضاها في حضن الثقافة السياسية الأميركية. وربما تكون هناك دلالات لما يتذكره الأستاذ المشرف على أطروحته للدكتوراه، وليام بارنيت، بأن فياض كان طالبا مدينا دائما لأنه كان باستمرار يسعف أصدقاءه الذين كانت أوضاعهم المالية أسوأ من وضعه، وعندما سأل صحفي بارنيت كيف تأقلم وافد فلسطيني في بلد جورج دبليو. بوش، أجاب: "أنا يهودي، وقد اختارني لأكون المشرف على أطروحته، فهل يجيب ذلك على سؤالك؟"
وفي فترة السنة الفاصلة بين حقبة رشده الأميركي وبين عودته "من فوق ومن الخارج" إلى النخبة الفلسطينية التي تتصدر القيادة الفلسطينية، كان فياض مديرا إقليميا للبنك العربي من أول عام 2002 حتى الشهر السابع من العام نفسه، وفي الرابع والعشرين من الشهر الثاني عام 2004 دهمت قوات الاحتلال فرع البنك في البيرة واستولت على سجلات ووثائق استخدمتها في رفع دعوى ضد البنك العربي تتهمه ب"غسل الأموال" ودعم "الإرهاب" اثناء ما كان فياض مديرا إقليميا له وتطالبه بتعويض ضحايا أميركيين بمبلغ (875) مليون دولار أميركي، وما زالت الدعوى جارية، لكن اللافت للنظر أن اسم فياض لم يرد كمتهم فيها.
لا تغيير في الوضع الراهن
إن خطة فياض لإعلان دولة فلسطينية في غضون عامين قبل نهاية عام 2011 في سياقاتها الحالية هي خطة محكوم عليها بمصير مماثل للفشل الذي أصاب "عملية السلام" الجارية منذ عقدين من الزمن لأنها تطرح كمجرد صفحة جديدة من صفحات هذه العملية العقيمة التي عادت بأوخم العواقب على القضية الفلسطينية ووحدة قواها الوطنية ورسخت الاحتلال ومدت في عمره، ولأنها تطرح كمخرج مأمول من الطريق المسدود الذي وصلت إليه هذه العملية، وبالتالي فإنها لن تقود إلى أي تغيير في الوضع السياسي الراهن لأنها جزء منه ولأن أصحابها يتخذون من هذا الوضع مرجعية لهم، كما أنها لن تغير أي شيء ميدانيا على الأرض لهذا السبب على وجه التحديد، فأي خطة لإعلان دولة فلسطينية من جانب واحد بالضد من الوضع الراهن ستكون بالتاكيد ثورة عليه تتطلب استراتيجية فلسطينية مغايرة تماما للاستراتيجية الحالية ومنها خطة فياض.
فترحيب كل أطراف "عملية السلام"، وبخاصة الأميركيين، بهذه الخطة وإشادة قادة الاحتلال بصاحبها، بالرغم من استمرار تحذيرهم له من العمل بها "من جانب واحد"، وهو الأمر الذي ينفيه فياض نفسه، هي دلائل تؤكد أنها خطة تنسجم مع الترتيبات الأميركية الإقليمية التي تسعى واشنطن إليها في المنطقة وتتساوق مع خطط حكومات دولة الاحتلال ل"سلام اقتصادي ـ أمني" طويل الأمد وترتيبات انتقالية طويلة الأمد للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تبقيها عمليا تحت الاحتلال، ومنها طبعا "الدولة المؤقتة" التي تنص عليها المرحلة الثانية من "خريطة الطريق".
وليس من المتوقع أن ينجح فياض في الحصول على "تعاون" المجتمع الدولي إياه الذي تقوده الولايات المتحدة في إضفاء شرعية الأمم المتحدة على خطته لكي يتجنب أتهامه بالعمل "من جانب واحد"، فهذا "المجتمع الدولي" الذي خذل المفاوض الفلسطيني في الضغط على دولة الاحتلال من أجل الوفاء بالتزاماتها الأكثر تواضعا بموجب الاتفاقيات الموقعة (على سبيل المثال إزالة ما يسمى المستعمرات الاستيطانية "العشوائية" المطلوب إزالتها منذ تسع سنوات) ليس من المتوقع أن يدعم فياض أو غيره في خطة أكثر طموحا، وكما أثبتت تطورات العام الأول من ولاية باراك أوباما فإن ثوابت العلاقات الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية أقوى من أي قنوات خاصة "حميمة" قد تكون لفياض مع كلا الحليفين وغيرهما، فتصريح خافير سولانا ممثل الاتحاد الأوروبي في الثاني عشر من تموز الماضي الذي دعا مجلس الأمن الدولي إلى الاعتراف بدولة فلسطينية قبل التوصل إلى اتفاق على قضايا الوضع النهائي فقد طواه التاريخ مع صاحبه ولم يعد مجديا أن يبني فياض آماله على مثله. لكن حتى لو افترض المراقب جدلا أن هذا المجتمع الدولي قد استجاب لطموح فياض، فإن أي استجابة كهذه لن تخرج على مرجعيات عملية السلام الفاشلة التي دفعت فياض إلى إعلان خطته كمخرج لها.
ومن الواضح الآن كذلك أن خيبة أمل الشعب الفلسطيني في استراتيجية قيادته التفاوضية، وفي مفاوضيها، وفي "عملية السلام" تهدد بانتفاضة وطنية ثالثة ضد الاحتلال والوضع الفلسطيني الراهن معا، انتفاضة يحذر الكثيرون من اندلاعها ويدعو الكثيرون إليها، ومن الواضح أنه يجري الترويج لخطة فياض في سياق الجهود المحمومة المبذولة لمنع اندلاعها، حد أن يستعين الوزير في حكومة فياض المتحمس لخطته محمود الهباش في ذلك، بصورة انتقائية، بسيرة النبي محمد (صلعم) الذي، كما قال، أمضى (13 سنة) دون أن يرفع سلاحا أو يأمر بدفاع عنيف ضد من ألحقوا الأذى به وبصحابته
(19/3/2010).
وإذا كان الإعلان عن خطة فياض في حد ذاته دليلا على عدم وجود شريك "حكومي" تفاوضي في الجانب الآخر كما تكرر القول القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير، فإن نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه معهد ترومان في القدس المحتلة ونشرتها هآرتس في السادس من الشهر الجاري تؤكد بأن أغلبية الناس في دولة الاحتلال الذين انتخبوا الحكومة الحالية ليسوا جاهزين كذلك لأي جنوح إلى السلام، وهو ما أشار إليه الرئيس السوري بشار الأسد مؤخرا، إذ قال (31%) منهم إن حل الدولتين لن يكون ممكنا أبدا، بينما يرى (20%) أنه قد يكون ممكنا بعد أجيال كثيرة، و(19%) أنه سيكون ممكنا بعد جيل، أي أن (70%) منهم يعتقدون بأن حل الدولتين مستحيل حاليا، ومع ذلك يصر فياض في خطته على محاولة تغذية شعبه بأمل خادع كالسراب، لكن بيع الأوهام للشعوب أمر في منتهى الخطورة وبخاصة على باعة الوهم أنفسهم.
وإذا كان يمكن الجدل نظريا حول الطعن في مضمون خطة فياض فإن الطعن في شكلها غير قابل للجدل قطعا، إذ عندما عين رئيسا للوزراء أول مرة في 15 حزيران / يونيو 2007 ولم يصادق المجلس التشريعي على تعيينه سوغت الرئاسة في رام الله التعيين بوجود حالة طوارئ وطنية، وعندما أعيد تعيينه في هذا المنصب في 19 أيار / مايو 2009 ظلت المقومات الدستورية لممارسة مهامه مفقودة حتى الآن لتظل حكومته حكومة تصريف أعمال، ومع ذلك فإنها تعرض خطة سياسية بامتياز وتفرضها كبرنامج "وطني" دون تصديق تشريعي عليها أو موافقة وطنية، ولا يسع المراقب إلا التساؤل باستهجان عن الأسباب التي تجعل القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير الفلسطينية تمنح حكومة بهذه المواصفات صلاحيات سياسية استراتيجية أقامت الدنيا ولم تقعدها للدفاع عنها باعتبارها صلاحيات حصرية خاصة بمنظمة التحرير في مواجهة حكومة حماس الشرعية عام 2006 ثم لاعتبارها شرطا مسبقا للدخول مع حماس في حكومة وحدة وطنية بعد ذلك.
وفي السياق العام لخطة فياض فإن تصريحاته التي أثارت جدلا مؤخرا عن استعداده لتوطين اللاجئين في "الدولة الفلسطينية"، وما قاله في معهد أسبن الأميركي في تموز / يوليو الماضي عن استعداده لقبول المستوطنين اليهود مواطنين في هذه الدولة إذا اختاروا البقاء والعيش فيها لأنه يؤمن ب"القيم العليا للتسامح والتعايش والاحترام المتبادل لكل الثقافات والأديان"، هي تصريحات لا يمكن تفسيرها إلا بكون "مبادرة جنيف" المرفوضة وطنيا تمثل مرجعية لخطته، ومما يؤكد ذلك أن الموقع الفلسطيني على هذه المبادرة، ياسر عبد ربه، كان هو منظم الحملة الانتخابية لقائمته، وما زال هو المروج الأول له ولخطته، بينما يضم طاقمه الوزاري قيادات في هذه المبادرة التي انبثقت عن "تحالف السلام الفلسطيني" الذي يتزعمه عبد ربه نفسه، ومن هؤلاء على سبيل المثال مستشار فياض الإعلامي جمال زقوت.
أما إخضاع الهيكل الإداري لمنظمة التحرير الفلسطينية لقراره المالي، والإحالات بالجملة على التقاعد لمخضرمي النضال الوطني في قوى الأمن الوطني، واستبدالهم بخريجي دورات التدريب التي ينظمها الجنرال الأميركي كيث دايتون، في كتائب الأمن الوطني الثمانية وكتائب الحرس الرئاسي الأربعة المقرر الانتهاء من تدريبها في شهر نيسان / أبريل من العام المقبل، أي قبل شهرين من الموعد الذي حدده فياض لإعلان الدولة، إضافة إلى منتسبي الشرطة الذين يدربهم البريطانيون وغيرهم، فإنها استعدادات توفر له "بديلا أمنيا" للقوى الوطنية، بينما يوفر له تحالف السلام الفلسطيني بديلا تنظيميا لهذه القوى على المستوى الشعبي،فهذه الاستعدادات تؤهله للحلول محلها جميعا،إذ هذا هو التفسير الوحيد لسياسة تحريض بعضها لمواصلة "الحرب" التي تقودها حكومته على البعض الآخر، مما يجعل إنهاء الانقسام الفلسطيني الراهن أولوية وطنية ملحة قبل أن يجد المستجيبون لهذا التحريض أنفسهم خارج التاريخ فجأة.
*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
الأربعاء، أبريل 14، 2010
السياق العام لخطة سلام فياض
الاثنين، أبريل 12، 2010
استحقاق خليجي متأخر لليمن
نقولا ناصر
(اقتداء دول مجلس التعاون الخليجي بالمقاربة الأميركية "الأمنية" ليست هي المدخل السليم لتحييد مضاعفات الأزمة الاقتصادية اليمنية أمنيا على دول المجلس)
منذ تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 كان انضمام اليمن إليه مطلبا رسميا وشعبيا يمنيا، لكن المجلس ما زال حتى اليوم يتلكأ في الاستجابة الجادة، ويتهرب من هذا الاستحقاق الذي تمليه المصالح الحيوية لأعضائه المنبثقة عن إملاءات الجغرافيا السياسية، ناهيك عن إملاءات المصلحة العربية العليا، ويداري هذا الاستحقاق إما بخطاب تضامني مع اليمن ما زالت الترجمة العملية له قاصرة عن تلبية الحد الأدنى من متطلباته أو بخطوات رمزية هي أقرب إلى رفع العتب السياسي منها إلى أي استجابة مسؤولة لهذا الاستحقاق المتأخر مثل ضم اليمن إلى بعض لجان المجلس غير الأساسية كعضو مراقب جزئيا.
وإذا كانت الأسباب الذاتية التي ما زالت تحول دون تطوير المجلس إلى كتلة عربية اقتصادية وسياسية ودفاعية وأمنية أكثر تأهيلا للدفاع الذاتي عن نفسها دون أي مظلة دفاعية أجنبية، بسرعة تتناسب طرديا في الأقل مع تسارع المخاطر الخارجية التي تهدد المجلس مجتمعا ومنفردا، هي الأسباب الحقيقية التي تفسر استمرار التلكؤ في الاستجابة للمطلب اليمني، وفي مقدمة هذه الأسباب طبعا المصالح القطرية لأعضائه ومصالح المستفيدين من استمرار طغيان القطري على الوحدوي في صنع القرار الخاص بتطوير المجلس وتوسيعه، فإن المجلس في تسويغ تلكؤه يميل إلى عدم تسليط الأضواء على هذه الأسباب الخاصة به وإلى التركيز أكثر على الأسباب اليمنية الذاتية التي تقف عقبات أمام انضمام اليمن إليه.
ويجري التعتيم اليوم كذلك على حقيقة ان سياسة التلكؤ هذه كانت من الأسباب الرئيسية التي أوصلت اليمن إلى وضعه الراهن، وهي سياسة يمكن تلخيصها بتهرب المجلس من مسؤولياته التي يقتضيها حق الجار الفقير على جاره الأغني إن لم يقتضيها التضامن العربي، وبالتالي كانت هذه السياسة من العوامل الرئيسية التي ساهمت في الأسباب اليمنية الذاتية التي يحلو للمجلس سوقها كأسباب رئيسية لا تؤهل اليمن للانضمام إليه.
ويكفي هنا الإشارة إلى أن جزءا فقط من خسائر دول المجلس في استثماراتها الدولية نتيجة للأزمة المالية العالمية كان كافيا لو استثمر في اليمن لكي لا تكون هذه الأسباب اليمنية الذاتية موجودة أصلا.
لذلك لم يكن أمرا غير متوقع أن يتحول الوضع في اليمن إلى تهديد أمني للمجلس، حد أن تكون قمة مجلس التعاون الخليجي في الكويت عام 2009 أول قمة خليجية تنعقد منذ عام 1990 بينما دولة عضو في المجلس، هي المملكة العربية السعودية، تخوض حربا سببها الوضع في اليمن، ليتحول اليمن بعد ذلك إلى بند "أمني" على جدول أعمال قمم المجلس اللاحقة، وهذا تطور كان يمكن تلافيه لو وضعت قمم المجلس السابقة اليمن بندا "اقتصاديا" على جداول أعمالها.
ولذلك أيضا لم يكن أمرا غير متوقع أن يتحول اليمن في الاستراتيجية الأميركية الإقليمية إلى ساحة حرب رابعة "ضد الإرهاب" إضافة إلى العراق وأفغانستان وباكستان تستحق "مضاعفة المساعدات الأمنية الأميركية" لليمن من أجل "العمليات الوقائية ضد التمرد" خلال عام 2011 المقبل، كما قال قائد القيادة الوسطى (المركزية) الأميركية "سنتكوم" الجنرال ديفيد بيترايوس للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ بالكونغرس في السابع عشر من آذار / مارس الماضي.
إن إعلان بيترايوس هذا يسلط الضوء كذلك على النفاق الإنساني للمجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في اليمن، حد أن يحذر تقرير قدمته إلى الكونغرس في 22/1/2009 خدمات أبحاث الكونغرس من أن اليمن مهدد بأن يتحول إلى "دولة فاشلة"، بينما لم تتجاوز حصته من المساعدات الخارجية الأميركية في المتوسط مبلغا يتراوح بين (20) و (25) مليون دولار سنويا خلال السنوات الخمس السابقة على التقرير، وبينما بيترايوس يعد فقط بمضاعفة المساعدات "الأمنية"، وبينما تحث واشنطن مجلس التعاون الخليجي للتعويض عن الإهمال الاقتصادي الأميركي لليمن لكي يتحول هذا التعويض الخليجي إلى تمويل "عربي" غير مباشر لساحة الحرب الأميركية "الرابعة" التي فتحتها واشنطن ضد "الإرهاب".
ومن المؤكد أن إعلان بيترايوس هو خبر ينذر بتفاقم التهديد الأمني للمجلس في الأجل القريب ولا يبشر بأي تحسن في الأمن الإقليمي إذا كان الأداء الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان هو المقياس للحكم على إعلانه.
ولا بد أن صنعاء قد توقفت عند المفارقة الكامنة في مسارعة دول مجلس التعاون الخليجي إلى التجاوب مع دعوتها إلى مؤتمر لندن الدولي في كانون الثاني / يناير الماضي لدعم اليمن في حربه على "الإرهاب" ثم مسارعتها إلى التجاوب مع دعوة مؤتمر لندن لها لاستضافة مؤتمر البلدان المانحة لليمن في الرياض بعد شهر بينما كان الاستحقاق الخليجي المتأخر لليمن يقتضي أن تكون هي "المبادرة" إلى ذلك أصلا.
ولا يسع المراقب العربي إلا أن يتوقف مع صنعاء عند هذه المفارقة ليتساءل لماذا يحتاج مجلس التعاون إلى غطاء دولي طالما أنه سوف يتحمل أكثر من خمسين في المائة من تعهدات المانحين لليمن، وما هي الجدوى السياسية في أن يسجل على نفسه أنه يفعل ذلك استجابة لدعوة دولية، يفسرها كثيرون بأنها استجابة لضغوط دولية، بدل أن يكون المجلس هو المبادر إلى دعوة كهذه وهو صاحبها، وفي وقت أسبق كثيرا، لكي لا تتحول أزمة اليمن الاقتصادية إلى أزمة أمنية إقليمية؟
وهذه المفارقة تعزز استنتاج تقرير خدمات أبحاث الكونغرس المشار إليه بأن "أعضاء المجلس عارضوا تقليديا ضم دول إضافية إليه"، وأن حصول اليمن على "عضوية كاملة غير مرجحة"، وأن "معوقات العضوية الكاملة في المجلس كأداء"، لكن مصلحة المجلس تقتضي منع تحول اليمن إلى "دولة فاشلة خشية أن يمتد عدم الاستقرار فيه إلى بلدان الخليج المجاورة" كما أن "اليمن بحاجة إلى تصدير آلاف من عماله سنويا" إلى دول المجلس لأن تحويلاتهم المالية تمثل مصدرا رئيسيا للقطع الأجنبي بعد صادرات النفط، الذي يكاد ينضب، والمعونات الخارجية الشحيحة.
وهذان العاملان في الأمد القريب كافيان لكي تتجاوز دول المجلس مضاعفات حرب الكويت التي أعادت مليون عامل يمني فيها إلى بلادهم، بعد أن تجاوز اليمن حساسيات "الحب من جانب واحد" للمجلس، ومضاعفات خذلان المجلس لليمن في ذروة حربه الوطنية للحفاظ على وحدته عندما كاد وزراء خارجية دوله الست في أبها عام 1994 يعترفون بشطر اليمن إلى دولتين ثانية، وتجعله حاليا يتغاضى عن استضافة قادة يدعون علنا للانفصال في اليمن مما يساهم في أزمته الراهنة، وبعد أن أثبتت الدولة اليمنية أنها دولة راشدة معنية بالاستقرار الإقليمي وأمن دول المجلس بقدر ما هي معنية بأمنها الوطني، وانها كدولة لا تمثل أي تهديد لأشقائها وجيرانها، عندما حلت قضايا نزاعاتها الحدودية مع العربية السعودية وسلطنة عمان وأريتريا بطريقة حضارية وودية بينما ما زالت مثل هذا النزاعات عالقة بين بعض دول المجلس نفسه دون حل، لتؤكد بان ترك جيرانها الأشقاء لها لتواجه نتائج أزمتها الاقتصادية لوحدها هو التهديد الحقيقي لأمن المجلس ودوله الأعضاء وليس الدولة اليمنية الموحدة.
وقد حان الوقت لكي يدرك مجلس التعاون الخليجي أن الاقتداء بالمقاربة الأميركية "الأمنية" ليست هي المدخل السليم لتحييد مضاعفات الأزمة الاقتصادية اليمنية أمنيا على دول المجلس، لأن "الاقتصاد هو قلب متاعب اليمن"، ولأن "القضايا الرئيسية التي تحتاج إلى معالجة في اليمن ليست الأمن والإرهاب"، ولأن المجتمع الدولي ودول المجلس "بالتركيز أكثر من اللازم على قضايا الأمن فيه" إنما "تفاقم فقط الهموم والتحديات التي يواجهها اليمن فعلا"، كما قال المحلل والخبير الأمني الدولي والباحث حاليا في برنامج كارنيجي للشرق الأوسط كريستوفر بوشيك في ندوة له مؤخرا، مضيفا أن مجلس التعاون الخليجي هو "اللاعب الوحيد الذي يمكنه إعطاء اليمن ما يريده ويحتاجه بصورة ماسة"، أو كما قال منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب في الندوة نفسها فإن من مصلحة المجلس "أن يبدأ في بناء علاقات مع اليمن على جبهات متعددة"، أو كما قالت الباحثة البريطانية المتخصصة في شؤون اليمن جيني هيل في ذات المناسبة، فإن "مجرد فرد واحد من أسرة يجد عملا في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي يمكنه أن يعيل قرية بكاملها" في اليمن.
فإذا كانت عضوية اليمن في المجلس مؤجلة، أيا كانت الأسباب، فلا أقل من هذه الخطوة المتواضعة، أي منح الأولوية في أسواق دول المجلس للعمالة اليمنية وتسهيل تدفق هذه العمالة إليها كخطوة أولى، بانتظار الاستجابة لاستحقاق خليجي متأخر.
ففي الحادي عشر من كانون الأول / ديسمبر العام الماضي خاطب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح مؤتمر الأمن الإقليمي في البحرين قائلا إن الأمن الخليجي يواجه تحديات أمنية آنية، ومتوسطة المدى، وطويلة الأمد، واعتبر "التحدي الديموغرافي" الذي "ينتشر ويتفاقم" بسبب إهمال السياسيين وصناع القرار له هو التحدي في الأمد الطويل مشيرا إلى أن دول المجلس لم تضع بعد خططا مناسبة وفعالة لمواجهته. وذكر أن مجموع التحويلات الأجنبية عام 2008 بلغ (40) مليار دولار، والمفارقة أن هذا هو المبلغ نفسه تقريبا الذي يقول وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي إن بلاده بحاجة إليه لتأهيل نفسها خلال عشر سنوات للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي. وقد وصف الشيخ الصباح هذا التحدي بأنه "استراتيجي" ويرتبط "بالحفاظ على هوية الخليج" الوطنية والاجتماعية والثقافية، حيث تمثل العمالة الأجنبية التي تنضم للقوى العاملة، والتي تشهد حاليا "ظاهرة الجيل الثاني" منها، (90%) في الإمارات، و (62% في البحرين، و(65%) في السعودية، ومثلها في سلطنة عمان، و(86%) في قطر، و(83%) في الكويت.
وطبقا لدراسة حديثة بعنوان "العمالة اليمنية في الخليج ودورها في الاستقرار الأمني في بلدان مجلس التعاون الخليجي" للبروفسور طارق المنسوب أستاذ القانون الدستوري في كلية التجارة والإدارة بجامعة إيب، دخل دول المجلس (12.5) مليون عامل أجنبي يمثلون حوالي ثلث إجمالي عدد سكان مجموع دول المجلس خلال عام 2006 ـ 2007، منهم قرابة سبعة ملايين في السعودية (30% من السكان)، و (2.1) مليون في الإمارات (80% من السكان)، و (1.4) مليون في الكويت (63% من السكان)، و (420 ألفا) في قطر (72% من السكان)، و (280 ألفا) في البحرين (36% من السكان)، و (630 ألفا) في سلطنة عمان (26% من السكان).
وفتح أسواق المجلس أمام العمالة اليمنية وتسهيل تدفقها هو جزء رئيسي من الحل للتحدي الديموغرافي بقدر ما هو أيضا جزء رئيسي من الحل للأزمة الاقتصادية اليمنية، لأن اليمن، كما قال الباحث الإماراتي د. خالد القاسمي هو "العمق التاريخي الاستراتيجي لمنطقة الخليج العربي" وهو "البوابة الجنوبية لهذه المنطقة" وبالتالي فإنه "لا أمن بدون اليمن ولا استقرار بدون اليمن" للمنطقة.
ومن المؤكد ان تكلفة فتح أسواق دول المجلس أمام العمالة اليمنية أقل من تكلفة تمويل أي حل أمني لاحتواء المضاعفات الأمنية لأزمة اليمن الاقتصادية، كما أن مبادرة كهذه ستوصل المعونات الخليجية مباشرة إلى الشعب الشقيق دون الخشية من هدرها عبر قنوات الفساد التي يشكو منها، ناهيك عن خفض التكلفة السياسية إلى الحد الأدنى للتحدي الديموغرافي الذي وصفه الشيخ الصباح ب"الاستراتيجي"، وهو كذلك فعلا، وربما يضع إجراء كهذا أيضا حدا لاتهام اليمن لدول المجلس بأنها لم تف إلا بخمسة عشر في المائة من تعهداتها لليمن، ويضع حدا كذلك لاتهام دول المجلس لليمن بأنه لم يستعمل معظم مبلغ ال (5.7) مليار دولار التي تعهد بها المانحون الدوليون.
في السابع من الشهر الثاني عام 2008 نسبت "غولف نيوز" للشيخ محمد الصباح قوله إننا "في الكويت نعتقد باننا لو فتحنا مجلس التعاون الخليجي أمام بلدان أخرى، سينتهي المطاف بنا بوجود 22 عضوا" في المجلس، لكن الكويت لا تريد للمجلس أن يحل محل جامعة الدول العربية، ويبدو أن هذه ستكون نقطة خلاف جديدة بين إحدى الدول الأعضاء في المجلس وبين اليمن الذي اقترح تحديدا في قمة سرت العربية الأخيرة استبدال الجامعة العربية باتحاد عربي على نمط مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
الاثنين، أبريل 05، 2010
الفائز في البازار الانتخابي العراقي
نقولا ناصر
(كل الكتل الفائزة مجمعة على استمرار الوضع الراهن في العراق وترسيخه، باعتباره زواجا أميركيا ـ إيرانيا كاثوليكيا لا طلاق فيه)
بينما يجري زج العراقيين في حمى البحث عمن فاز في "بازار" انتخابات السابع من آذار / مارس الماضي، حيث لم تفز أي كتلة واحدة على "الكتل الفائزة" الأخرى، يحرص الفائزون الحقيقيون في هذه الانتخابات من غير العراقيين خارج الحدود على عدم تسليط الأضواء على فوزهم ليتسنى لهم تأليف حكومة المنطقة الخضراء في بغداد بهدوء، لكن إذا كان الاحتلال الأميركي يعمل على قدم وساق لهذا الغرض وراء الكواليس فإن "حج" الكتل الفائزة جميعها دون استثناء إلى إيران لكي تؤلف طهران الحكومة المقبلة في بغداد لا يترك مجالا للشك فيمن فاز حقا بين المتنافسين الحقيقيين في هذه الانتخابات: الولايات المتحدة وإيران، ويجري التعتيم على حقيقة كون كل الكتل الفائزة مجمعة على استمرار الوضع الراهن في العراق وترسيخه، باعتباره زواجا أميركيا ـ إيرانيا كاثوليكيا لا طلاق فيه، بقدر ما يجري التعتيم على المهمات المطلوبة أميركيا وإيرانيا من أي حكومة مقبلة تتمخض عن هذه الانتخابات.
وإذا كان وصف "بازار" قد يثير حساسية بعض المشاركين فيه، فإن تدفق أكثر من ستة آلاف مرشح للفوز بمقعد من 325 مقعدا في البرلمان لا يمكن تفسيره فقط بحمى ديموقراطية فرخت أكثر من ثلاثمائة "كيان سياسي" تنافست في الانتخابات، فالعامل الاقتصادي لا يمكن إغفاله كدافع للمشاركة في فتات نظام سياسي ما زالت "العملية السياسية" التي هندسها الاحتلال الأميركي عاجزة عن ترسيخه دون "حراسة أمنية" بعد سبع سنوات من الغزو.
إذ طبقا لتقرير نشرته مؤخرا الوول ستريت جورنال الأميركية يتقاضى عضو البرلمان راتبا سنويا قدره حوالي (98) ألف دولار أميركي، إضافة إلى (102) ألف دولار سنويا رواتب عدد يصل أحيانا إلى (30) "حارس أمني" ـ ـ لم تذكر الصحيفة حصة الشركات الأمنية الأميركية أو الإيرانية منها ـ ـ علاوة على (70) مليون دينار عراقي تدفع لمرة واحدة لشراء سيارة مصفحة، بالإضافة أيضا إلى علاوات وبدلات أخرى و(80%) من الراتب كتقاعد سنوي، وذلك بعد تخفيض (10%) و (20%) من الراتب في موازنتي 2009 و 2010 على التوالي ـ ـ مع أن رئيس لجنة "المسائلة والعدالة" أحمد الجلبي كشف في صحيفة "المدى" في 21/10/2009 بأن راتب عضو البرلمان يبلغ (300) ألف دولار سنويا.
وطبعا فإن من يحالفه الحظ لينتخبه البرلمان رئيسا أو عضوا في مجلس الرئاسة فإنه سيتقاضى راتبا يزيد على المليون دولار اميركي سنويا، وهو راتب لا يتقاضاه الرئيس الأميركي، وقس على ذلك إذا ما اختاره البرلمان رئيسا للوزراء أو وزيرا، ولذلك فإن بنود الموازنة للرئاسات الثلاث في ميزانية عام 2010 لم تنشر لأن هناك اتفاقا "صامتا" على عدم إثارة هذا الموضوع خشية إثارة الرأي العام حوله، كما قالت عضوة اللجنة المالية في البرلمان السابق شذى الموسوي.
أما ما كشفه عضو مجلس الرئاسة عادل عبد المهدي ل"السومرية" في 27/1/2010 بأن من يشغل مثل منصبه يحصل أيضا على علاوة "اجتماعية" قدرها مليون دولار أميركي فإنه يثير الأسئلة حول الحصة الحقيقية للرئاسات الثلاث في الميزانية السنوية التي يذهب (70%) منها للانفاق على المصاريف الجارية مثل "هذه" الرواتب، وقد نقلت الاتحاد الإماراتية مؤخرا عن الاكسبرس الفرنسية في تقرير عنوانه "أين تذهب أموال العراق؟" أن رئيس الوزراء نوري المالكي يتقاضى راتبا شهريا قدره مليوني دولار، بينما الشعب العراقي ما زال يفتقر إلى الخدمات الأساسية، ناهيك عن التدهور المتسارع في وضعه الاقتصادي، لتتحول العملية السياسية وانتخاباتها إلى أوسع بوابة لفساد الطفيليات السياسية التي تنهش جسد الشعب العراقي المثخن بجراح الاحتلال، ولا تستثنى من ذلك "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" ذات الميزانية المفتوحة التي لا سقف لها على ذمة الاتحاد الإماراتية. ومن المؤكد في هذا السياق أن كل هذه الطفيليات "رابحة" في البازار الانتخابي.
إن نفي "دولة القانون" لما قاله القيادي فيها حيدر العبادي لفضائية العربية في العشرين من شباط / فبراير الماضي عن تسلم ربع مليار دولار لتمويل حملتها الانتخابية إنما يسلط الضوء فقط على النفخ المالي الأجنبي لإثارة العاصفة الدخانية التي أثارها هذا البازار الانتخابي، والتي جندت فضائيات عربية مثل "العربية" و"الجزيرة" نفسها لها ـ ـ تطوعا على الأرجح نظرا للملاءة المالية لمموليها ـ ـ تجنيدا استثنائيا تجاوز حدود التغطية الإخبارية إلى الترويج الدعائي للانتخابات ك"عملية ديموقراطية" يحرص شريكا الاحتلال الأميركي والإيراني معا على تصويرها كذلك من أجل التعتيم على حقيقة أنها جرت في ظل الاحتلال باعتبار قواته مفوضة من الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاقها للوصاية على العراق إلى أن يستعيد سيادته، وللتعتيم كذلك على حقيقة أن كل "الكيانات السياسية" الفائزة والخاسرة فيها، لكن بخاصة الكتل الرئيسية التي فازت فيها، لم تكن معنية بالوصاية الخارجية والاحتلال الأجنبي حتى يكاد المراقب يحتاج إلى "مندل" ليلتقط مفردات كهذه في تصريحات قادتها طوال الحملة الانتخابية.
لذلك لم يكن مستغربا اتفاق الحليفين اللدودين في العراق الأميركي والإيراني على التهليل للانتخابات والإشادة بنتائجها باعتبارها "أهم عملية ديموقراطية في العراق" و"نقطة تحول" في تاريخه، مع الحرص على نفيهما المتكرر والمثير للسخرية للتدخل في الشأن العراقي، وتأكيد كل طرف منهما على أن الطرف الآخر هو الذي يتدخل فيه، دون أن يختلفا على نفي "مصداقية" الانتخابات ونفى وجود "عمليات تزوير واسعة" فيها، في أكبر عملية تزوير لإرادة الشعب العراقي في التحرر والسيادة والاستقلال.
لقد عتمت العاصفة الدخانية التي أثارها البازار الانتخابي على القوى الأجنبية الثلاث التي لها مصلحة حيوية في إثارتها، وهي قوات الاحتلال الأميركي، وشركات النفط العالمية، والهيمنة الإيرانية على "العملية السياسية"، ومما لا شك فيه ان المصلحة الحيوية لهذه القوى الثلاث تتلخص في استمرار الوضع الراهن في العراق وترسيخه، ولذلك فإنها جميعا حريصة على التوصل إلى ترتيب الوضع الداخلي على أساس "الشراكة" بين وكلائها المحليين في رعاية مصالحها، وهذه الحقيقة وحدها تحدد مهمات أي حكومة مقبلة في بغداد، بغض النظر عمن يرأسها.
ويلفت النظر في هذا السياق ما نشرته وكالة يونايتدبرس إنترناشونال (يو بي آي) في السادس والعشرين من الشهر الماضي على لسان السفير الأميركي السابق في بغداد رايان كروكر ـ ـ الذي قاد ثلاث حوارات معلنة على مستوى السفراء مع إيران حول الشراكة الأمنية بين الجانبين في العراق المحتل وكان من المهندسين الرئيسيين للدستور العراقي والقوانين الناظمة ل"العملية السياسية" التي تمخضت عنه ثم للانتخابات التي تمخضت عن هذه العملية ـ ـ عندما قال إن إياد علاوي ونوري المالكي، زعيما الكتلتين الفائزتين بالمرتبة الأولى والثانية على التوالي، هما "وجهان مختلفان للعملة نفسها".
لذلك يحتار المراقب في تفسير "التفاؤل" الأقرب إلى التمني منه إلى الواقع الذي داعب بعض الأوساط العربية الرسمية وهي تبحث عن موطئ قدم لها في العراق في اختلاف مأمول بين خطابي الرجلين، لأن خطاب علاوي "وطني ليبرالي علماني" متناسين أنه ذات الخطاب الذي سوغ المالكي به خروجه على "البيت الشيعي" مستعينا بنجاح الاحتلال الأميركي في خلق ظاهرة "الصحوات" التي تحالف مع بعضها وانقلب على بعضها الآخر، تماما مثلما انقلب على التيار الصدري، بعد إيصاله إلى الحكم، وتماما مثلما انقلب علاوي بعد نجاحه في الانتخابات الأخيرة على مغازلته للبعثيين قبلها، ومتناسين أن كليهما "أهل" نفسه أميركيا وإيرانيا بقمع المقاومة الوطنية للاحتلال بوجهيه الأميركي والإيراني الأول في المناطق "السنية" (في الفلوجة مثلا) والثاني في المناطق "الشيعية" (في ما أصبح يعرف بعد الاحتلال ب"مدينة الصدر" مثلا)، ومتناسين أن كليهما يغازل "المحيط العربي" أو يهددانه ب"الفراغ" المزعوم بعد الانسحاب المزعوم لقوات الاحتلال الأميركي لانتزاع اعتراف عربي بشرعية النظام المنبثق عن الاحتلال بقيادة إيرانية كما يثبت "الحج السياسي" للكتل الفائزة بالجملة إلى طهران لتأليف الحكومة المقبلة.
وهذا الحج السياسي إلى إيران ومثله الحج إلى مقر المرجعية الدينية السيستانية لإيران في العراق، ومثلهما الزيارات المحمومة التي يواصلها سفير دولة الاحتلال الأميركي كريستوفر هيل وقائد قوات هذا الاحتلال الجنرال ريموند أوديرنو لقادة "الفائزين" في الانتخابات وبخاصة لل"رئيسين" جلال طالباني (الذي فضل الذهاب إلى طهران "للتشاور مع الرئيس محمود أحمدي نجاد" على الذهاب إلى سرت الليبية للتشاور مع القادة العرب) ومسعود البرزاني، قد حوَل مقتدى الصدر وتياره وهو الحليف الأقوى للاحتلال الإيراني للعراق، وحوَل التحالف الكردي وهو الحليف الأقوى للاحتلال الأميركي في العراق، إلى "صانعي ملوك" الحكومة المقبلة في بغداد.
ويكفي لمن يضيع في تفاصيل الاصطراع على السلطة المقبلة في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية، فيحتار فيمن هو الفائز والخاسر في الانتخابات، يكفيه أن يتوقف عند العنوان الرئيسي لصحيفة كيهان الإيرانية في العاشر من الشهر الماضي الذي قرر بأن "أميركا تخسر ثانية: الائتلاف الشيعي هو الفائز في الانتخابات العراقية"، أو يتوقف عند ما كتبه أحدهم في أسبوعية "صبح الصادق" التي يصدرها الحرس الثوري الإسلامي عن فشل "جهود الولايات المتحدة وحلفائها العرب" في استبدال "الحكومة الدينية الشيعية" في بغداد.
ويكفي لمن تداعبه أوهام انفراط الشراكة الأميركية ـ الإيرانية أو أوهام انفراط الشراكة بين الأذرع المحلية الطائفية والعرقية لهذه الشراكة أن يتوقف عند تراجع علاوي عن رفضه لأي شراكة حكومية مع المالكي قبل ظهور نتائج الانتخابات إلى رفعه شعار "الشراكة" مع الجميع بعد ظهورها، ليؤكد إجماع كل الكتل الفائزة على الشراكة في السلطة من حيث المبدأ بأن "الشركاء" الصغار للاحتلال لا يمكنهم الخروج على الشريكين الكبيرين فيه، وليؤكد بان هذين الشريكين هما الفائز الحقيقي في الانتخابات، وأن الشعب العراقي هو الخاسر الأكبر فيها، فالشريكان يرعيا عملية انتخابية مصممة أصلا لكي لا يفوز فيها أي عراقي، ومصصمة فقط لكي تضفي مشاركة العراقيين فيها شرعية عراقية على فوزهما ليقررا معا، من خارج العراق، من يحكم العراقيين.
*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
السبت، أبريل 03، 2010
حياد اليسار الفلسطيني منحاز
نقولا ناصر
إن المشكلة التي يواجهها "اليسار" الفلسطيني في الوقت الحاضر تكمن في محاولته خلق موازنة زائفة تماثل بين قطبي الانقسام الوطني الراهن بين حركتي "فتح" و "حماس"، مما يهمش "يسارا" يحاول أن يكون محايدا بين القطبين ويوجه اللوم لكليهما بصورة متساوية، غير أن هذه "محاولة للاختباء" و"تغطية لعجز" اليساريين، لأن الاستقطاب الرئيسي في فلسطين اليوم ليس بين الديني وبين العلماني، لكنه بين التنسيق مع الاحتلال وبين مقاومته، وأي "حياد" في هذه الحالة هو خيار ترفضه غالبية الشعب الفلسطيني رفضا مفهوما وواضحا.
ما تقدم كان خلاصة رسالة بعث بها المناضل والمفكر الفلسطيني د. عزمي بشارة ـ ـ الذي يفخر بانتمائه القومي العربي دون أن يشكك أحد إلا قلة من اليساريين الفلسطينيين في كونه يساريا أيضا أو يشكك أحد من "الإسلاميين" في دفاعه عن حق شعبه المشروع في المقاومة ـ ـ إلى مؤتمر حول "اليسار في فلسطين" نظمته كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن في العاصمة البريطانية يومي 27 ـ 28 من شهر شباط / فبراير الماضي اختتم بنقاش طاولة مستديرة عنوانه "نحو يسار جديد للكفاح الفلسطيني".
لكن المؤتمر لم يخرج بأية حلول طويلة الأمد أو حتى بعناوين متوسطة الأمد يوصي اليساريون بها لقيادة النضال الوطني الفلسطيني، ناهيك عن أن أيا من المشاركين لم يشر حتى إشارة إلى الصراع الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني لا داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي ولا في المجتمع الفلسطيني الذي يمزقه الاحتلال والمستفيدون الفلسطينيون من ترتيبات الحكم الذاتي والتفاوض مع الاحتلال، مما يعكس الحال الراهن لليسار الفلسطيني الذي أصبح عمليا دون مشروع وطني أو اجتماعي.
فبعد أن كان هذا اليسار يتصدر المعارضة الوطنية لأية تسويات سياسية تهدد بتصفية القضية الفلسطينية وينازع حركة "فتح" إعلاميا على شرف إطلاق "الرصاصة الأولى"، يجد المراقب ورثته اليوم قد تحولوا إلى منظرين لذات التسويات التي كانوا يحذرون منها، في انحياز سافر لها يعجز عن إخفائه الادعاء اليساري الحالي بالحياد بينها وبين المقاومة سلمية كانت أم دفاعية.
وهذا الحال يثير أسئلة جادة حول الهوية السياسية لليسار الفلسطيني التي تراوح مكانها لاهثة وراء "مشروع وطني" من المفترض أن"اليمين الفلسطيني" ـ ـ وفقا لتصنيف اليسار ـ ـ هو الذي صنعه ويقوده برعاية الحليف الاستراتيجي الأميركي لدولة الاحتلال وتوابعه الأوروبية وبموافقة مشروطة تكتكتيكية على مضض من دولة الاحتلال نفسها، بحيث تحول اليسار إلى منظر غير مقنع لهذا المشروع، ليظل هذا اليسار يدور في حلقة مفرغة حول شعار إقامة دولة فلسطينية "تنهي النزاع" ب"التفاوض" مع دولة الاحتلال انطلاقا من (12%) من مساحة الضفة الفلسطينية لنهر الأردن المحتلة عام 1967، أو انطلاقا من مساحة (17%) المصنفة مناطق (أ) بموجب اتفاقيات أوسلو وهي المساحة التي "تقترح" واشنطن حاليا انسحاب قوات الاحتلال إلى حدودها التي كانت عليها قبل إعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي عام 2002 كواحد من إجراءات "تعزيز الثقة" لإطلاق مباحثات تقارب غير مباشرة تقود إلى إحياء المفاوضات المباشرة وهو ما يعارضه "اليسار الفلسطيني" المؤتلف حاليا مع "اليمين" في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، دون أن يترجم معارضته هذه إلى موقف سياسي.
إن منع السلطات البريطانية للدكتور عزمي بشارة وليلى خالد وجمال جمعة من حضور مؤتمر "اليسار في فلسطين"، والتصنيف الأميركي والأوروبي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ك"منظمة إرهابية"، وهي العمود الفقري لليسار الفلسطيني، هي مؤشرات عقوبة لليسار الفلسطيني على ماضيه المقاوم أكثر مما هي عقوبة له على حاضره المتساوق مع المشاريع السياسية لليمين العالمي والوطني.
لكن من الواضح أيضا أن هذا اليسار ما زال مرفوضا من اليمين وطنيا وعالميا، وأن هذا اليمين لم يغفر لليسار الفلسطيني دوره المركزي في قيادة النضال الوطني الفلسطيني، وأنه ما زال يخشى صحوة لليسار تعيده إلى مرجعياته الفكرية التي أهلته لدوره القيادي ذاك، ويخشى كذلك أن يقود الرصيد التاريخي الكبير لليسار في النضال الوطني إلى الخروج من حالة الشلل والتشرذم التي يعاني منها حاليا، بالرغم من مجادلة البعض بأن اليسار الفلسطيني مات بعد أن استهلكه تساوقه مع اليمين في مشاريعه تساوقا طال أكثر من اللازم بحيث قضى، او يكاد، على دوره كقوة وطنية مستقلة ذات هوية سياسية واضحة.
وإذا كان لا يتوقع أي مراقب أي برنامج "يساري" يتعاطى مع الصراع الاجتماعي في مرحلة التحرر الوطني في وقت تعلن فيه حركة حماس أنها تعمل حاليا كحركة تحرر وطني وان برنامجها الاجتماعي مؤجل إلى ما بعد التحرير، للأسباب نفسها، فإن المراقب يستهجن ألا يكون لليسار برنامج ديموقراطي غير لفظي ينقله من دور ديكور تعددي لانفراد ما يصفه باليمين في قيادة العمل الوطني لفترة طالت أكثر مما ينبغي، وبخاصة بعد أن فقد هذا الانفراد قاعدته الشعبية وأصبح يستقوي ب"المجتمع الدولي" إياه ليحافظ على انفراده في القيادة، إلى دور يكون اليسار فيه درعا للدفاع عن الخيار الديموقراطي لشعبه، فربما يكون في دور كهذا مدخلا إلى عودة له إلى بعض دوره التاريخي.
إن "الحياد" في الانقسام الوطني الراهن بين الخيار الديموقراطي وبين مصادرته، مهما كانت الذرائع والحجج، مثل الواقعية السياسية والخشية من حصار هو قائم فعلا والتناقض بين الأيديولوجيا العلمانية وبين تلك الدينية، إلخ.، هو حياد تفوح منه رائحة انتهازية سياسية تتناقض تماما مع تاريخ اليسار الفلسطيني الذي تميز بالتزام صارم بالمبادئ والثوابت، أو هو حياد يشي بحالة عجز تسوغ القول إن اليسار قد استهلك دوره، وهو حياد تطغى السلبية عليه، بالمقارنة مع الحياد الأكثر إيجابية لقوى تعلن أنها "مستقلة" لكنها تعلن انحيازها للخيار الديموقراطي الفلسطيني وتظهر استجابة أفضل كثيرا للمطالبة الشعبية العارمة بالوحدة الوطنية لتطالب مثلا بقيادة وجبهة وطنية موحدة تنسجم مع مرحلة التحرر الوطني، لا بجبهة لليسار أو لليمين تفاقم الانقسام بدل إنهائه.
وفي هذا السياق يثير الاستهجان البحث المحموم عن "جبهة لليسار" ترفع حاليا كشعار في مواجهة المقاومة فقط بحجة أن قيادتها غير علمانية، بينما كانت جبهة كهذه استحقاقا وطنيا في مواجهة الانقلاب على استراتيجية "التحرير" في منظمة التحرير، وفي مواجهة انفراد ما يصفه اليساريون ب"اليمين" بقيادة هذه المنظمة وكذلك في مواجهة تهميشها. لكن ما يثير الاستهجان أكثر أن "قوى اليسار" قد فشلت حتى في إنجاز مشروع جبهة اليسار المنشودة هذه.
وللأمانة التاريخية فإن محاولات إنجاز جبهة كهذه، بالرغم من أن اليمين يستخدمها حاليا في مواجهة المقاومة، هي محاولات سبقت الانقسام الفلسطيني الراهن، مثل "حركة الإصلاح الديموقراطي" عام 1993 (تاريخ توقيع اتفاق أوسلو بواشنطن)، و"الحركة الشعبية الديموقراطية الفلسطينية" بعد عامين، و"الحركة الديموقراطية الفلسطينية" عام 1998، و"التجمع الديموقراطي الفلسطيني" عام 2003، وما بين هذه المحاولات الفاشلة.
لكن في كل الأحوال، فإن هذه المحاولات السابقة، والمستجد منها، ومثلها مبادرات "المستقلين، مثل المبادرة الوطنية ومنتدى فلسطين في الداخل و"الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الثوابت" التي انطلقت من بيروت أواخر شباط / فبراير الماضي، أو "المؤتمر الشعبي العام" ولجان "حق العودة" التي تتكاثر بتسارع في المنافي والشتات، إنما تعبر عن استشعار بالحاجة إلى التغيير.
غير أن اللافت للنظر أن كل هذا التشظي وهذه المحاولات الباحثة عن تغيير الوضع الراهن لا تجري في إطار معسكر المقاومة بل في إطار "معسكر التفاوض"، وهو إطار منظمة التحرير الفلسطينية، واليسار أو من يصنفون أنفسهم كذلك هم في قلب هذا المعسكر الذي يرفع اليوم شعار المقاومة السلمية دون أن يسمح له التنسيق الأمني مع الاحتلال بممارسته، إن صدقت النوايا، بالرغم من وضع بعض أرجلهم في المعسكر الآخر، ليظل السؤال الأساسي مطروحا: اليسار الفلسطيني هو يسار ماذا الآن، ولماذا؟
أليست النتيجة المدمرة للحياد اليساري طوال العشرين عاما المنصرمة من التفاوض العقيم كافية لإجابة يسارية ـ ـ تنهي الحياد المنحاز لليسار الفلسطيني ـ ـ على السؤال الذي طرحه محمود عباس في تقريره إلى المجلس المركزي للمنظمة بتونس في تشرين الأول / أكتوبر عام 1993 بعد توقيعه "إعلان المبادئ ـ أوسلو" في واشنطن عندما قال إن "هذه الاتفاقية إما أن توصلنا إلى دولة أو تقودنا إلى جهنم"!
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
السبت، مارس 27، 2010
انتظار فلسطيني لم يطل
نقولا ناصر
"سوف ننتظر حتى يأتينا الجانب الأميركي بجواب على مطالبنا الخاصة بوقف النشاطات الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، كما سوف ننتظر أن تتخذ قمة الجامعة العربية قرارا حول استئناف المباحثات مع إسرائيل"، فهذا هو موقف القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله، كما قال نبيل شعث في مقابلة هاتفية مع "بلومبيرغ" الخميس الماضي، وكل المؤشرات تدل على أن انتظار هذه القيادة لن يطول على المسارين الأميركي والعربي على حد سواء، وأن "مباحثات التقارب" المقترحة أميركيا والموافق عليها عربيا سوف تستأنف قريبا تمهيدا لاستئناف المفاوضات، وليشرب الإجماع الفلسطيني المعارض لاستئنافها مياه البحر الميت!
لقد ظل المفاوض الفلسطيني يمارس "لعبة انتظار" لصحوة المجتمع الدولي على عدالة تشير كل الدلائل إلى أنها غير آتية في أي وقت قريب، أو أن هذا المجتمع غير مستعد لها أصلا، فتضاعف الاستعمار الاستيطاني لتهويد القدس ثلاث مرات منذ بدأت هذه "اللعبة" المدمرة باتفاق أوسلو عام 1993، حتى يكاد تهويدها يقترب من خط النهاية اليوم، وما زالت لعبة الانتظار مستمرة، وقد آن لها أن تتوقف، حتى لو ساندها كل المجتمع الدولي، وحتى لو اختار لاعبوها حكما عربيا لها.
فقد تم إحراز "تقدم" بعد أن تم العثور على "الطريق الذهبي" الذي يوفق "بين سياسات إسرائيل التقليدية وبين رغبتنا في التحرك نحو السلام"، مما يسمح "للأميركيين بتحريك العملية إلى الأمام بينما يجري الحفاظ على المصالح الوطنية الإسرائيلية"، كما قال نير هيفيز، المتحدث باسم رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، قبل وقت قصير من مغادرة الأخير لواشنطن في وقت مبكر من يوم الخميس، مضيفا أن مجلس وزرائه المصغر كان سيجتمع في وقت لاحق من اليوم نفسه لإقرار "التفاهمات" التي تم التوصل إليها بين نتنياهو وبين الرئيس الأميركي باراك أوباما. هذا أميركيا.
أما عربيا، فإن قمة جامعة الدول العربية، التي افتتحت يوم السبت في سرت الليبية، حريصة في معظمها على التساوق مع المجتمع الدولي حرصا يجعل من المستبعد تماما أن يتعارض أي قرار لها مع البيان الذي اصدرته اللجنة الرباعية الدولية، بشروطها المعروفة، في موسكو في التاسع عشر من الشهر الجاري، والذي حث صراحة "الحكومات الإقليمية على أن تدعم علنا استئناف المفاوضات الثنائية".
وبالتالي فإنه يمكن دون مبالغة اعتبار أن القمة العربية قد اتخذت قرارها فعلا بإطلاق مباحثات التقارب وباستئناف المفاوضات الفلسطينية معا، وأن الطريق ممهد فعلا لكي لا يطول "انتظار" القيادة المفاوضة، ولكي يتعافي رئيسها محمود عباس من مضاعفات "انزلاقه" سريعا فيحضر القمة ويخرج منها بقرار يحفظ، من جهة، ماء الوجه بعد فصل جديد في مسلسل التراجع عن شروط سبق له إعلانها لاستئناف التفاوض، ومن جهة ثانية يرفعه سيفا عربيا مسلطا في وجه الإجماع الفلسطيني المعارض لاستئناف المفاوضات.
ومع أن أي مراقب موضوعي للعلاقات الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية التاريخية لم يتوقع أن يتفاقم الخلاف بين الجانبين حول جزئية في مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لتهويد القدس، فإن الإجماع الوطني الفلسطيني ربما كان "يتمنى" أن يطول هذا الخلاف لأن البديل له المتمثل في "وصفة" الرباعية الدولية ينطبق عليه المثل العربي القائل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
ففي بيان موسكو، "رحبت" الرباعية بالمباحثات "غير المباشرة" للتقارب، دون أن تملك ما يكفي من الصدق للاعتراف صراحة بعدم جدواها بعد فشل المفاوضات "المباشرة" على أرفع مستوى التي رعتها لسنوات، لكنها امتلكت ما يكفي من الجرأة لكي تتوقع أن تعقبها مفاوضات "مباشرة وثنائية تحل كل قضايا الوضع النهائي" وتتوصل إلى "تسوية" لها "خلال 24 شهرا" بينما فشلت عشرون سنة تقريبا في التوصل إلى تسوية كهذه.
كما أظهرت الرباعية من التحدي للإجماع الفلسطيني ما يكفي لتكرار شروط دولة الاحتلال التي تبنتها فأفشلت المفاوضات السابقة من ناحية وخلقت الانقسام الفلسطيني الراهن من ناحية ثانية لتبلغ جرأتها في التحدي حد الاستهتار بالمفاوض الفلسطيني نفسه عندما أضافت إليها شروط حكومة نتنياهو الجديدة بالتفاوض "دون شروط مسبقة"، حتى شرط التبادلية في تنفيذ الالتزامات بموجب الاتفاقيات الموقعة، لتحث الجانبين "بخاصة على الالتزام بخريطة الطريق، بغض النظر عن التبادلية"، ولتشيد ب"التقدم الهام الذي حققته السلطة الفلسطينية في مجال الأمن في الضفة الغربية" من أجل تنفيذ تلك الشروط تحديدا و"تدعوها" إلى المزيد "لمحاربة التطرف العنيف، وإنهاء التحريض"، ول"تؤكد الحاجة إلى مساعدة السلطة الفلسطينية في بناء قدراتها على تطبيق القانون"!
لا بل إن الرباعية لم تربأ بنفسها عن الانحياز السافر إلى دولة الاحتلال، وهي التي يفترض تفويضها أنها تقوم بدور الوسيط النزيه في الصراع، لكي تسوغ استمرار حصار قطاع غزة بالدعوة إلى "حل دائم لأزمة غزة .. يعالج مخاوف إسرائيل الأمنية المشروعة، ويتضمن إنهاء تهريب الأسلحة إلى داخل غزة"، ول"تكرر دعوتها بالافراج الفوري عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط"، دون أي دعوة موازية وموازنة بالإفراج الفوري عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال ولا بالإفراج الفوري عن مليون ونصف المليون فلسطيني من أكبر معسكر اعتقال في العالم في قطاع غزة ـ ـ الذي قال عضو الرباعية وأمين عام الأمم المتحدة بان كي-مون مؤخرا إنه "غير مقبول" والذي تكرمت اللجنة الرباعية بالإعراب عن "قلقها العميق من استمرار تدهور" الوضع الإنساني فيه ـ ـ مما يعتبر تحريضا سافرا على مواصلة حصار القطاع ومواصلة الانقسام الفلسطيني على حد سواء.
لا بل إن الرباعية حتى لاتترك مجالا للشك في تحريضها هذا، لم تربأ بنفسها أيضا عن التدخل السافر في شأن داخلي فلسطيني خالص، لكي تدعو كذلك إلى "الوحدة الفلسطينية على أساس التزامات م.ت.ف. وإعادة توحيد غزة والضفة الغربية تحت السلطة الفلسطينية الشرعية".
ومع أن أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى يقول وغيره إن القدس ستتصدر جدول أعمال قمة سرت، فإن قضيتها الملحة والعاجلة تضعفها أربعة عوامل رئيسية:
أولها أن بيان الرباعية من موسكو هو سقفها والإطار العام لأي قرار بشأنها، وهما سقف وإطار لا يعدا بأي موقف عربي جاد ومسؤول.
وثانيها أن القمة عادية والقدس بحاجة إلى أخرى طارئة.
وثالثها أنه بالرغم من تصدرها فإن وجود أكثر من 25 بندا غيرها على جدول الأعمال لن يفي القدس حقها لا في الوقت ولا في التركيز.
ورابعها أن تعاطي قمة سرت مع قضية القدس يعتمد على مشروع "فلسطيني" يمكن وصفه بأنه حزبي – فصائلي في أحسن الأحوال، و"رئاسي" فردي في أسوأها، وهو مشروع "جزئي" يعالج الشطر الشرقي من المدينة المحتلة في إطار حل جزئي ايضا للقضية الفلسطينية يعالج فقط مصير الجزء المحتل عام 1967 من الوطن الفلسطيني.
وهذا مشروع إن كان قد نجح في استقراء ما يوجد إجماع فلسطيني عليه فإنه بالتأكيد سوف يظل حبرا على ورق طالما ظل اقتراحه يدور في إطار الرباعية وبياناتها، وطالما ظل ظهيره العربي والإسلامي ظهرا لا يسند إليه أو يستند عليه كما هو حاله اليوم، وطالما يظل تطبيق أي مشروع بشأن القدس أو غيرها من الشأن الفلسطيني رهنا بوحدة وطنية فلسطينية مؤجلة ما زال الوضع العربي والدولي يراهن على استمرار الانقسام الراهن كي لا تتحقق إلا بعد "تمرير" حل جزئي يفرض بالإكراه لقضية من المؤكد أن أية حلول جزئية مفروضة لها لن تقود لا إلى حلها، ولا إلى أي استقرار أو أمن أو سلام وطني أو إقليمي يدعى المجتمع الدولي أنه يسعى إليه في المنطقة.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
الأحد، مارس 21، 2010
القمة العربية أمام لحظة تاريخية
نقولا ناصر
(مبادرة السلام العربية كانت وما زالت تقتضي سياسة عربية تتناقض تماما مع سياسة الاسترضاء العربي حد الاستسلام المطلق لكل مبادرة واقتراح وبادرة أميركية لحل الصراع العربي الإسرائيلي)
إذا ما أمسك القادة العرب باللحظة التاريخية الراهنة، وامتلكوا الإرادة السياسية الموحدة والمستقلة لالتقاطها مستوحين المصالح العربية العليا أكثر من مصالحهم القطرية الضيقة، خلال قمتهم في سرت الليبية أواخر الشهر الجاري، فإنهم سوف يساهمون في تحويل اختلاف تكتيكي أميركي – إسرائيلي إلى خلاف استراتيجي يخدم المصالح الحيوية العربية والأميركية على حد سواء.
إن تهالك الإدارة الأميركية الحالي على استئناف المفاوضات الفلسطينية والعربية ـ الإسرائيلية يصطدم حاليا باستحالة أي استئناف كهذا وعبثيته، من وجهة نظر عربية وفلسطينية، فاستئناف "عملية السلام" مصلحة حيوية للنظام العربي الرسمي، كما تثبت مبادرة السلام العربية، طالما استهدفت الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية، وهي مصلحة حيوية للمفاوض الفلسطيني طالما كانت القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المأمولة، ففي القدس تولد الدولة الفلسطينية أو يتم وأدها.
وبالتالي فإن الفشل الأميركي في كبح عملية التهويد المتسارعة للقدس ينسف أي مصلحة حيوية فلسطينية في عملية السلام، وهذا بدوره ينسف أي مصلحة حيوية عربية فيها كتحصيل حاصل، ففي القدس يوجد الصاعق الذي قد يفجر "عملية السلام الأميركية" إلى غير رجعة، وفيها أيضا توجد إمكانية عربية لتحويل الاختلاف الأميركي ـ الإسرائيلي الراهن -- لهذا السبب على وجه التحديد -- إلى خلاف استراتيجي يخدم المصالح الحيوية العربية والأميركية معا.
فإجماع القادة العرب على مبادرة السلام العربية يتلخص في رسالتين، الأولى إجماع على اعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي والسلام معها مشروطا بانسحابها من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، والرسالة الثانية إجماع على منح الولايات المتحدة فرصة تاريخية لإثبات حسن نيتها في صنع السلام العربي ـ الإسرائيلي، وهذا يعني إجماع عربي على الفصل بين الاعتراف بدولة المشروع الصهيوني كما انتهت إليه حدودها باتفاقيات الهدنة عام 1949 وبين الاعتراف باحتلالها بعد عام 1967.
وهو فصل كان وما زال يقتضي سحبه عربيا ليشمل الولايات المتحدة التي تم تبني مبادرة السلام العربية استرضاء لها في المقام الأول، أملا في أن يشجعها هذا الاسترضاء على الفصل بين مصالحها الحيوية في الوطن العربي الكبير ومحيطه الشرق أوسطي وبين مصالح ربيبها الإسرائيلي، لتتخلى عن انحيازها السافر لدولة الاحتلال وتتخذ موقفا محايدا في الصراع العربي ـ الإسرائيلي يؤهلها لدور وساطة نزيهة فيه.
لكن كل الدلائل تؤكد أن واشنطن قد فشلت حتى الآن في الاستجابة للرسالة العربية الواضحة كالشمس، غير أن هذا الفشل عربي بقدر ما هو أميركي، فمبادرة السلام العربية كانت وما زالت تقتضي سياسة عربية تتناقض تماما مع سياسة الاسترضاء العربي حد الاستسلام المطلق لكل مبادرة واقتراح وبادرة أميركية لحل الصراع، وكانت وما زالت تقتضي سياسة عربية تخدم هذا المبادرة بتحويل الإجماع العربي على ضرورة الفصل بين الضمان الأميركي لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي وبين ضمان أمن احتلالها إلى شرط عربي مسبق للقبول بأي دور أميركي للوساطة في حل "سلمي" للصراع.
غير أن اشتراطا عربيا كهذا يقتضي قرارا استراتيجيا لا يستطيعه إلا قادة تاريخيون، وقد دفع جمال عبد الناصر في مصر وصدام حسين في العراق ثمنا وطنيا وعربيا باهظا توج باستشهادهما في محاولات كهذه، لكن موقفا عربيا مستقلا موحدا ذا إرادة سياسية حرة كفيل بالتعويض عن غياب القيادات التاريخية، وهذا هو الامتحان التاريخي للقادة العرب اليوم، وهذا هو المحك الفيصل للحكم على القمة العربية المقبلة في ليبيا بالفشل أو النجاح في التقاط لحظة تاريخية راهنة مواتية، وإلا فإن هذه القمة ستمر كحدث عابر كسابقاتها، حتى لو حملت هذه القمة اسم القدس، كما طالبت الرئاسة الفلسطينية، لأن القدس في حالها الراهن تستدعي قمة عربية وإسلامية طارئة وعاجلة لا قمة دورية عادية، اللهم إلا إذا ارتفعت هذه الأخيرة إلى مستوى الخطر الاستراتيجي التاريخي الذي يهدد القدس والعرب والمسلمين كافة.
إن حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي مخيرة الآن بين استرضاء راعيها الأميركي وبين انفراط عقد ائتلافها الحاكم وقد اختارت حتى الآن الخيار الثاني، لتضع إدارة أوباما في خانة الإدارة الأميركية الأكثر استخذاء وتراجعا أمامها بين كل الإدارات التي سبقتها، بينما اختار العرب في معظمهم الاستمرار في سيساساتهم التقليدية الساعية إلى استرضاء الولايات المتحدة بكل السبل، بمنحها "أوراقا" متتالية لإثبات حسن النية والصداقة تجاهها، وكان أحدث هذه الأوراق منح مباركتهم لاقتراحها إطلاق مباحثات تقارب تقود إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية بشروطها الأميركية ـ الإسرائيلية السابقة نفسها التي قادت إلى فشلها بعد عقدين من الزمن من انطلاقها، بدلا من تعظيم الخطر الذي تستشعره على مصالحها بتحويل عدم التعاون العربي السلبي والمتردد والموسمي والباهت الراهن إلى موقف إيجابي قاطع بعدم التعاون الاستراتيجي طالما لم لم تستجب واشنطن للرسالة العربية الجماعية الواضحة كالشمس، وكل الدلائل تشير إلى أنها في غير وارد الاستجابة لها في أي مدى منظور، لكن في الحالتين فإن هذه هي اللحظة التاريخية التي تنتظر قادة استراتيجيين عربا يلتقطونها، وانعقاد القمة العربية هو المناسبة الملائمة لالتقاطها، إذا توفرت الإرادة!
استراتيجيا، كانت وما زالت المصالح الحيوية الأميركية – الإسرائيلية في الوطن العربي ومحيطه متطابقة وسوف تظل كذلك إلى أمد غير منظور أساسا لتحالف استراتيجي ثنائي تخدم فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي الاستراتيجية الإقليمية الأميركية مرة كقاعدة لها وأخرى كعصا إقليمية لها مقابل حماية الولايات المتحدة لأمنها وتعزيزها له ليكون متفوقا نوعا وكما على كل محيطه العربي والإسلامي.
أما تكتيكيا فكثيرا ما تباينت هذه المصالح، وكثيرا ما اختلفت، لكنها اليوم تتصادم، أو تكاد، في الظاهر حول الاستعمار الاستيطاني اليهودي المستشري في القدس المحتلة، "فالكلب الأميركي قد تعب من تحريك ذنبه الإسرائيلي له"، كما كتب أمير أورين في هآرتس الإسرائيلية يوم الخميس الماضي، ولذلك، وبالرغم من حرص الجانبين العلني والرسمي على احتواء هذا الاختلاف، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الموجود حاليا في واشنطن لمخاطبة المؤتمر السنوي للوبي الصهيوني – اليهودي "إيباك"، الذي افتتح الأحد، لن يحظى باستقبال الرئيس باراك أوباما له، بحجة أن هذا الأخير لن يكون في عاصمة بلاده، بل سيلتقي نائبه جوزيف بايدن، الذي "أدان" توقيت إعلان القرارات الاستيطانية الإسرائيلية أثناء زيارته الأخيرة لدولة الاحتلال، ويلتقي كذلك وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي ستخاطب مؤتمر "إيباك" بدورها والتي أدانت ذلك الإعلان باعتباره إهانة لبايدن وإدارته وبلاده.
وهذا الاختلاف الراهن فجره في الظاهر -- كقشة قصمت ظهر العلاقات الثنائية المتوترة لأسباب عديدة أخرى -- التحدي الإسرائيلي للنصائح الأميركية المتكررة بوقف التوسع الاستيطاني اليهودي في الشطر المحتل من القدس عام 1967، ولو إلى حين استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي تسعى واشنطن جاهدة لاستئنافها لأسباب لها علاقة مباشرة بتهدئة جبهة الصراع العربي ـ الإسرائيلي من أجل التفرغ لحروبها الإقليمية الأخرى في العراق وأفغانستان أكثر مما لها علاقة بجهد حقيقي لصنع السلام.
وهذه "المجابهة" التكتيكية الأميركية ـ الإسرائيلية كانت "حتمية"، لكن ليس بسبب التوسع الاستيطاني اليهودي المتسارع في القدس المحتلة، فهذا التوسع كان مجرد "فتيل" فجرها، وليس بسبب "الحرج" الذي سببه هذا التوسع لبايدن أثناء زيارته، ولا بسبب "توقيت" الإعلان عن قرارات استيطانية جديدة، ولا كان سبب المجابهة "أي ضعف في الرباط" الوثيق بين الجانبين، "فالمجابهة كانت آتية على كل حال"، بل كانت "حتمية" بسبب "مجيء حكومتين جديدتين لكل منهما تفويض (من الناخبين) لعكس سياسات بلده حول السلام في الشرق الأوسط"، ولذلك كان لا بد للحكومتين من "الاصطدام مباشرة"، وإن اتفق الجانبان "على نقطة واحدة" هي قناعتهما بأنهما "يواجهان العدو نفسه في شكل الراديكالية الإسلامية العنيفة"، كما كتب جيه. جيه. غولدبيرع في "فوروورد" اليهودية الأميركية في عددها الأخير.
وقد أضاف غولبيرغ أن "الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني" قد عاد ليحتل المرتبة الأولى على أجندة أوباما في كانون الثاني / يناير الماضي بعد إيجاز قدمه في منتصف ذلك الشهر كبار مساعدي قائد القيادة الوسطى الأميركية، الجنرال ديفيد بيترايوس، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأدميرال مايكل مولن، بعد جولة موسعة لهم على القادة العرب في الشهر السابق، خلصوا بعدها إلى أن بلادهم تخسر مصداقيتها في العالم العربي، وهو ما أبلغوه لمولين، لأن القادة العرب أصبحوا يعتقدون بأن أميركا عاجزة "عن مواجهة إسرائيل" حول خلافات أساسية معها، مما أثار "قلقا متناميا" لدى الجنرال بيترايوس حول نتائج ذلك على الموقف العسكري الأميركي في الحرب على العراق وأفغانستان (مجلة "فورين بوليسي في 13/3/2010)، لأن "العناد الإسرائيلي في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني كان يعرض للخطر موقف الولايات المتحدة في المنطقة" كما قال المحلل الأميركي مارك بيري.
وفي السادس عشر من الشهر الجاري، وفي جلسة استماع له أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس شيوخ الكونغرس الأميركي، قال بيترايوس في بيان مكتوب إن "الأعمال العدائية المستمرة بين إسرائيل وبين بعض جيرانها تطرح تحديات واضحة لقدرتنا على خدمة مصالحنا في منطقة مسؤوليتنا"، وإن التوترات الإسرائيلية ـ الفلسطينية "لها تأثير ضخم في الإطار الاستراتيجي الذي نعمل فيه في منطقة القيادة الوسطى" ولذلك أعرب عن دعمه لجهود إدارة أوباما لتحريك "عملية السلام" الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي يحول إصرار نتنياهو على تهويد القدس دون تحريكها، وشجب عدم إحراز تقدم في حل صراع إسرائيل مع الفلسطينيين والسوريين بسبب النتائج السلبية الناجمة عن ذلك مثل ضعف الاستعداد العربي لتوثيق التعاون مع الأميركيين، وإضعاف الأنظمة المعتدلة المهيأة لمثل هذا التعاون، وزيادة قدرة إيران على زعزعة الاستقرار في المنطقة. وكان ديفيد أكسيلرود، أحد كبار مستشاري أوباما قبل يومين، في مقابلة له مع شبكة "إيه بي سي" قد ربط بوضوح بين أمن الولايات المتحدة وبين حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وكانت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية قبل ذلك قد نقلت عن بايدن قوله لنتنياهو خلال زيارته الأخيرة لدولة الاحتلال إن هذا الوضع "قد بدأ يصبح خطيرا بالنسبة لنا. إن ما تفعلونه هنا يزعزع أمن قواتنا التي تقاتل في العراق وأفغانستان وباكستان، وهو يعرضنا للخطر كما يعرض السلام الإقليمي للخطر"، وبالرغم من النفي الأميركي اللاحق لنص ما قالة بايدن، فإنه لم ينف فحواه.
وترك بايدن كما يبدو للأدميرال جيمس ستافريدس، قائد القيادة الأميركية ـ الأوروبية التي تقع إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة ضمن ولايتها العسكرية، مهمة المقارنة بين هذا الاستهتار الإسرائيلي بالأمن الأميركي وبين الحرص الأميركي على أمن إسرائيل واحتلالها عندما فصل في شهادة له أمام الكونغرس مؤخرا التعاون الأميركي لحماية أمن دولة الاحتلال قائلا إن هناك أكثر من (500) حالة "تعاون أمني" بين الجانبين سنويا، وثماني مناورات عسكرية كل سنتين، ومؤتمرات متواصلة حول "الحوار الاستراتيجي" والتخطيط، والتدريب، وتكامل العمليات العسكرية، ناهيك عن الخطر الذي يتعرض له ألف جندي أميركي متمركزين في منشاة للرادار في النقب، وربما لم يتطرق ستافريدس لمليارات الدولارات الأميركية التي تقدمها بلاده معونات ومنحا لدولة الاحتلال ولم يتطرق كذلك للدرع الدبلوماسي والسياسي الأميركي الذي يحتمي به الاحتلال الإسرائيلي منذ ما يزيد على أربعين عاما لأن ذلك سر مكشوف غني عن البيان.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
الجمعة، مارس 19، 2010
يراهنون على أزمة لن تقع
نقولا ناصر
(لقد حان الوقت لتحويل الإجماع العربي على ضرورة الفصل بين الضمان الأميركي لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي وبين ضمان أمن احتلالها إلى شرط فلسطيني مسبق للقبول بأي دور أميركي للوساطة في حل "سلمي" للصراع)
في مقر الرئاسة برام الله المحتلة، ربما تهنئ القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير الفلسطينية نفسها في الوقت الحاضر بما تصفه بعض وسائل الإعلام ب"أزمة" في العلاقات بين الإدارة الأميركية وبين حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولأن نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن "أدان" الإعلان عن القرارات الاستيطانية الأخيرة في القدس المحتلة أثناء زيارته لدولة الاحتلال، ولأن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون اعتبرت ذاك الإعلان علنا "إهانة" لإدارتها وبلادها وأعلنت "استياء" إدارتها و"خيبة أملها" منها، ولأن المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشل أجل زيارة كانت مقررة له إلى دولة الاحتلال إلى ما بعد اجتماع اللجنة الرباعية الدولية في موسكو، وهو تأجيل فسره المراقبون بتعبير عن ذاك "الاستياء"، ولأن الاتحاد الأوروبي و"الرباعية" بدورهما انضما إلى "الإدانة" الأميركية.
وربما تعتبر القيادة الفلسطينية المفاوضة، وقادتها يفركون أيديهم حبورا، كل هذه المؤشرات وغيرها دليلا على صحة استراتيجيتهم وعلى وقوف المجتمع الدولي معهم، مما يسوغ لهم أمام شعبهم، كما قد يعتقدون، الاستمرار في الانفصال الكامل عن حركة شعبهم المتصاعدة في مواجهة التهويد المتسارع للقدس، لا بل يسوغ لهم منع هذه الحركة الشعبية من التصاعد والاتساع إلى حركة انتفاضة شعبية "سلمية" شاملة طالما دعوا إليها كبديل للمقاومة التي يستمرون في تنسيقهم الأمني مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لاجتثاثها، ليستمروا في الرهان الخاسر على أزمة أميركية ـ إسرائيلية لن تقع، وعلى وسيط أميركي تحرص إدارته على استمرار الانقسام الفلسطيني أكثر من حرصها على الوفاء بوعودها لهم كما أثبتت العقوبات التي فرضتها الخزينة الأميركية على مصرف وفضائية فلسطينيين في غزة الخميس الماضي.
صحيح ان الجانبين أكدا وجود "اختلاف" بينهما، لكن الإدارة الأميركية وحكومة الاحتلال كلتاهما نفيا رسميا وجود "أزمة" بينهما واستبعدا حدوث أزمة كهذه.
فقد نفى الرئيس باراك أوباما نفسه الخميس الماضي في مقابلة مع "فوكس نيوز" وجود أزمة بكلمة "لا" قاطعة جازمة "لأن بيننا وبين الشعب الإسرائيلي رابطة خاصة لن تنتهي"، كما قال مضيفا: "مع أن الأصدقاء يختلفون أحيانا". وهذه "صداقة" وصفها سفير دولة الاحتلال بواشنطن، مايكل أورين، في اليوم نفسه بأنها "عميقة وذات مستويات متعددة"، بينما أشاد بيان في ذات اليوم وزعه مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ب"التزام أوباما بأمن إسرائيل" وبالصلة "العميقة" بين الدولتين، مشيرا أيضا إلى أن بايدن "المهان" قد هاتف نتنياهو يوم الثلاثاء الماضي. وكانت كلينتون في اليوم السابق قد أكدت "الالتزام المطلق" لإدارتها "بأمن إسرائيل" ومؤكدة أن "لدينا رابطة وثيقة لا تهتز بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل وبين الشعب الأميركي والإسرائيلي"، دون أن يحول ذلك دون وجود "اختلاف صريح" بين الجانبين بالرغم من "الشراكة الهامة" بينهما كما قال فيليب غوردون، مساعد كلينتون.
وبالتالي لا يوجد أي مسوغ لحبور القيادة الفلسطينية، فلا جديد لا في الاختلاف الأميركي ـ الإسرائيلي الجديد ولا في "الإدانة" الأميركية التي أصبحت ممجوجة لكثرة ما تكررت قولا دون فعل.
وعندما يتحول أي اختلاف كهذا إلى أزمة حقا بين مصالح الطرفين تعطي واشنطن فيها الأولوية لمصالحها، وهو أمر مستبعد جدا في أي مدى منظور، عندها فقط يمكن أن تكون أي إدارة أميركية مؤهلة للقيام بدور وسيط في الصراع العربي الإسرائيلي، يمكن للعرب، والفلسطينيون في مقدمتهم، أن يراهنوا عليه.
والعرب والفلسطينيون بالرغم من كل عوامل الفرقة والانقسام والعجز التي تميز وضعهم الراهن ما زالوا يملكون إمكانية تخيير واشنطن بين مصالحها وبين مصالح دولة الاحتلال، لكن قادتهم باختيارهم لا يفعلون لسبب بسيط واحد هو ان معظمهم ما زال يستقوي بواشنطن نفسها على بعضهم البعض.
غير أن العرب إن كانوا يملكون رفاهية أي اختيار كهذا، فإن المفصل التاريخي الحاسم الذي يمر فيه الوطن الفلسطيني والقضية الفلسطينية لم يعد يسمح بأي رفاهية فلسطينية مماثلة، فقد حان الوقت للتوقف عن استقواء الرئاسة الفلسطينية بواشنطن في الانقسام الفلسطيني الراهن.
بل حان الوقت لاستقواء كل قوى الحركة الوطنية الفلسطينية بوحدتها الوطنية على مواجهة استمرار الانحياز الأميركي السافر إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي. فهذا الانحياز على وجه التحديد ما زال هو السبب الرئيسي في استمرار الاحتلال، وفي عزل المجتمع الدولي عن المساهمة في حل الصراع العربي الإسرائيلي حلا يمتلك الحد الأدنى من العدل طبقا للقانون والشرعية الدوليين.
ومثلما توصل الإجماع الفلسطيني إلى أن وقف الاستعمار الاستيطاني اليهودي قد تحول إلى شرط مسبق لاستئناف أي مفاوضات لها الحد الأدنى من الصدقية، فإن الوقت قد حان أيضا لتحويل الإجماع العربي على ضرورة الفصل بين الضمان الأميركي لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي وبين ضمان أمن احتلالها إلى شرط فلسطيني مسبق للقبول بأي دور أميركي للوساطة في حل "سلمي" للصراع.
غير أنه ليس من المتوقع، كما تشير كل الدلائل، أن تكون القيادة الفلسطينية المفاوضة مؤهلة لتبني أي شرط مسبق كهذا للتعاطي مع أي وساطة أميركية في ضوء خروجها على الإجماع الفلسطيني المصر على الوقف الكامل للاستيطان كشرط مسبق لاستئناف التفاوض.
لقد كشفت الهبة الشعبية الفلسطينية المتصاعدة ضد التهويد المتسارع للقدس أن هذه القيادة المفاوضة تعارض أي انتفاضة شعبية سلمية شاملة ضد الاحتلال بقدر معارضتها لمقاومة الاحتلال، وفي هذا السياق يصبح من نافل القول إن مطالبة هذه القيادة بان تحمل القمة العربية المقبلة في ليبيا أواخر الشهر الجاري اسم القدس وأن تتخذ إجراءات ملموسة لدعم المدينة المحاصرة والمعزولة في محنة تهويدها ولدعم صمود أهلها، إنما هي مطالبة لا تحمل في طياتها من الجدية أكثر مما تحمله "الإدانة" الأميركية المتكررة لقرارات تهويد المدينة المقدسة بالاستيطان، ناهيك عن التناقض الكامن بين هذه المطالبة وبين تقاعس القيادة المفاوضة نفسها عن اتخاذ إجراءات دعم تطالب غيرها باتخاذها.
إن القيادي المخضرم في حركة فتح ومسؤول ملف القدس فيها، وعضو المجلس التشريعي عنها لسلطة الحكم الذاتي، حاتم عبد القادر، الذي سبق له أن استقال من منصبه كوزير لشؤون القدس في حكومة د. سلام فياض برام الله متهما السلطة وحكومتها بإهمال القدس، قد جدد الاتهام نفسه خلال هبة القدس الأخيرة، مضيفا إليه أن السلطة وحكومتها "تمنعان" التضامن الشعبي في الضفة الغربية مع القدس وقائلا إن "المقدسيين يستصرخون العرب من أجل دعمهم ومساندتهم، في حين يتخلى عنهم الشارع في الضفة بسبب حالة الكبت التي يتعرض لها".
ومع أن عبد القادر قد تحدث كمن في "فيه ماء"، أو "كالبالع سكين"، لأنه "شاهد من أهله"، فبرأ الرئاسة المفاوضة من اتهاماته لكنه أدان حكومتها (!)، فإنه بالرغم من حراجة موقفه قد أكد ما يقوله القطب الآخر المعارض لكليهما في الانقسام الفلسطيني الراهن، فاستحق تحذير الرئاسة في رام الله له بمساءلته إن استمر في تصريحاته التي وصفتها ب"الخطيرة"، بينما حدد الاحتلال يوم انعقاد القمة العربية في سرت الليبية موعدا لمحاكمته عسكريا لأنه يحاول في القدس ما يتهم السلطة والحكومة في رام الله بالاستنكاف عنه.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
الاثنين، مارس 15، 2010
أوباما عاجز عن الوفاء بوعوده للعرب
نقولا ناصر
الرئيس الأميركي أوباما، كأسلافه، يعد العرب بما لا يستطيعه، لأنه سيظل عاجزا عن الوفاء بوعوده، طالما ظل أمن إسرائيل له الأولوية على كل ما عداه على أجندة السياسة الخارجية الأميركية)
لقد أفشلت دولة الاحتلال الإسرائيلي الزيارة التي قام بها لها لمدة ثلاثة أيام مؤخرا نائب الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، كما أفشلت الزيارة التي قامت بها لها وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، أواخر العام الماضي، بالإعلان في تزامن مع الزيارتين عن توسيع البناء في المستعمرات الاستيطانية اليهودية غير الشرعية في القدس المحتلة بخاصة، لكن الزيارتين انتهتا ليس فقط بتراجع الرئاسة والإدارة الأميركيتين عن تعهداتهما المعلنة للعرب والفلسطينيين تجاه "عملية السلام"، بل بتكرار تأكيد الالتزام الأميركي، قولا وفعلا، بإسرائيل واحتلالها وأمنها وباستمرار الدعم الأميركي لتفوقها النوعي والكمي عسكريا على كل محيطها العربي والإسلامي، بالرغم من تكرار صناع القرار العربي والفلسطيني إثبات ثقتهم في حسن النوايا الأميركية، والتي يؤكد تطور الأحداث المرة تلو الأخرى منذ عام 1967 أنها ثقة ليس في محلها.
مما يؤكد أن استمرار التحالف الأميركي – الإسرائيلي وصنع السلام في "الشرق الأوسط" هما نقيضان بقدر التناقض بين صنع السلام وبين الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة، ومما يؤكد كذلك أن الرئيس باراك أوباما، كأسلافه، يعد العرب، وفي مقدمتهم الفلسطينيون، بما لا يستطيعه، إن افترضنا حسن النية، أو بما لا يريده فعلا إن افترضنا سوء النية لديه، لأنه بحكم الأمر الواقع عاجز عن الوفاء بوعوده، حتى لو توفرت لديه النوايا الحسنة، طالما ظل أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي له الأولوية على كل ما عداه على أجندة السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة.
وكان قرار اللجنة الوزارية لمتابعة مبادرة السلام العربية بالموافقة على "مباحثات تقارب" لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية هو أحدث ما وصفه رئيس وزراء/وزير خارجية قطر، الشيخ حمد آل ثاني، ب "فرصة" جديدة أرادت "المجموعة العربية" أن تعطيها "للوسيط الأميركي"، وهذا الوسيط "هو الذي طلب أن يعطى فرصة" كما قال، مضيفا مع ذلك بأنه "حتى الآن يوجد أمل لدى الوسيط الأميركي الذي سنسانده ونساعده ولكن ليس على حسابنا".
وإذا كانت الأسباب غنية عن البيان لكي يظل لدى الوسيط الأميركي "أمل" كالوهم يواصل تسويقه لدى صانع القرار العربي والإسلامي، المثقل بعجزه بقدر ما هو مثقل بأعباء رهانه على هذا الوسيط أو بأعباء تحالفه أو صداقته معه ــ وهو وهم لم يعد يجد له مشترين في السوق الشعبي العربي والإسلامي ــ فإن أسباب استمرار الرهان العربي على الوسيط الأميركي والأمل فيه وفي قدرته على الوفاء بوعوده لم يعد له إلا واحد من تفسيرين:
إما أن صانع القرار العربي قد أصبح مرتهنا لرهانه هذا لا يستطيع الانفكاك منه، وفي هذه الحالة لا حول ولا قوة إلا بالله،
وإما أنه يرتضي الاستمرار في هذا الرهان الخاسر باختياره طوعا، وفي هذه الحالة سوف يجد نفسه عاجلا قبل آجلا في مواجهة نفاد صبر شعبي لم يعد يطيق استمرار بيع السراب له باعتباره ماء. وهذا هو على وجه التحديد الوضع الذي يجد صانع القرار الفلسطيني نفسه فيه حاليا.
صحيح أن توقيت الإعلان عن القرارات الاستيطانية الإسرائيلية الجديدة ليتزامن مع زيارة بايدن كان فيه إهانة لبايدن، لكن الصحيح قبل ذلك أن ذاك الإعلان كان رسالة إسرائيلية قوية إلى حليفها بأنها مصممة على مواصلة الاستيطان وتوسيعه، في القدس بخاصة.
والتجربة العربية مع الرد الأميركي على هذا الاستيطان منذ عام 1967 تؤكد عدم الاعتراض الأميركي عليه إلا لفظيا باعتباره يؤثر سلبا في التجاوب العربي مع عملية السلام، وكانت "إدانة" بايدن الأخيرة في هذا السياق، أما هيلاري كلينتون فاعتبرت قرارات الاستيطان الأخيرة مجرد "إشارة سلبية للغاية" في السياق ذاته، دون أن أي إشارة إلى عدم شرعيته وانتهاكه للقانون والشرعية الدوليين أو إلى كونه جزءا من عملية الاحتلال. فالموقف الرسمي الأميركي يعتبر الأراضي المحتلة أراض "متنازعا عليها" يتقرر مصيرها بالتفاوض الثنائي فقط دون أي تدخل من المجتمع الدولي ويعتبر المستعمرات الاستيطانية اليهودية "أمرا واقعا" يتم حل الخلاف عليه عبر "تبادل الأراضي".
وهذا الموقف الأميركي المبدئي في حد ذاته سبب كاف لرفض أي وساطة أميركية في حل الصراع، أما الرهان على أي نزاهة أو عدالة في أي وساطة أميركية فإنه سيكون من قبيل العمى السياسي، بسبب الموقف الأميركي في حد ذاته بغض النظر عن سياسة الاستيطان الإسرائيلية.
فعلى سبيل المثال، لو لم تعلن حكومة دولة الاحتلال عن أي قرارات استيطانية جديدة، فإن زيارة بايدن ما كانت ستتمخض عن نتائج مختلفة جوهريا، لأسباب عديدة هي أسباب أميركية أساسا، لا إسرائيلية.
فزيارة بايدن ومن سبقوه من كبار المسؤولين الأميركان كانت، أولا، تستهدف في المقام الأول "التأكد من أننا جميعا على الصفحة نفسها ومن أن ألأمور واضحة لنا جميعا حول إيران"، كما قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بالكونغرس الأميركي، جون كيري، الذي سبق بايدن إلى دولة الاحتلال بأيام فقط، وقد اختير بايدن لتنسيق المواقف الأميركية – الإسرائيلية تجاه إيران لأنه المسؤول الأرفع مستوى الأكثر تأييدا لإسرائيل في إدارة أوباما كما قالت وسائل الإعلام الأميركية.
وبايدن بالتأكيد، ثانيا، يفتقد صفة الحياد في الصراع العربي الإسرائيلي، وبالتالي فإنه سيكون آخر المسؤولين الأميركيين الذين يمكن أن يقوموا بوساطة نزيهة في حل هذا الصراع، فهو قد كرر الإعلان بفخر عن كونه "صهيونيا" ("أنا صهيوني، فالمرء ليس بحاجة لأن يكون يهوديا لكي يكون صهيونيا")، وهو اعتبر إنشاء إسرائيل من ألانجازات العظيمة للبشرية في القرن العشرين الماضي، وكان راعيا رئيسيا ل"قانون مكافحة الإرهاب الفلسطيني" عام 2006، ومروجا للدعوة الإسرائيلية إلى تفتيت الوطن العربي على أسس عرقية ودينية وطائفية ومن هنا دعوته إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول، وهو يفتخر بسجله في دعم إسرائيل في الكونغرس طوال 34 عاما، لأنه "كلما تعزز أمن إسرائيل كلما زادت قوة أميركا" ولأن هذا الدعم "يخرج من أعماقنا، وينتقل إلى قلوبنا، وينتهي في رؤوسنا"، كما قال.
وثالثا، لأن المهمة الفلسطينية ــ الإسرائيلية الثانوية لبايدن لها إطار عمل محدد ب"رؤية بوش" التي تبناها بحذافيرها تقريبا خلفه باراك، والتي أثبتت فشلها بعد أكثر من تسع سنوات، لا بل إن إدارة أوباما قد خفضت سقف التوقعات العربية منها لكي تتساوق مع "السلام الاقتصادي" الذي تدعو له حكومة دولة الاحتلال الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو.
ففي الحادي عشر من شهر شباط / فبراير الماضي حددت هيلاري كلينتون في بيان بعد اجتماع مع ممثل اللجنة الرباعية الدولية، توني بلير، إطار العمل لعملية السلام التي تسعى إدارتها إلى استئنافها، وقد حدد بيانها مهمة بلير في أربع نقاط:
1) حشد الدعم للقدرة المؤسساتية والحكم لدولة فلسطينية في المستقبل، بما في ذلك حكم القانون (حيث ما زالت قوانين الاحتلال هي الحاكمة).
2) تحسين حرية الحركة والوصول للفلسطينيين (ما زالت كلينتون ومعظم المسؤولين الأميركيين يتحاشون استخدام عبارة "الشعب الفلسطيني").
3) تشجيع المزيد من استثمار القطاع الخاص (تحت الاحتلال طبعا).
4) إحداث تغيير في ظروف معيشة الناس في غزة (وليس إنهاء الحصار المفروض على القطاع).
وهذه الوصفة الأميركية للمستقبل الفلسطيني المنظور هي الإطار العام لأي مباحثات تقارب غير مباشرة تستهدف استئناف المفاوضات المباشرة ، وهي بالتأكيد قاصرة عن تلبية الحد الأدنى من المطالب الوطنية الفلسطينية والعربية، وهي كما هو واضح وصفة أميركية خالصة، لا إسرائيلية.
ورابعا، لأن بايدن قد كرر معارضته علنا لتوصيات تقرير "مجموعة الدراسات حول العراق" برئاسة جيمس بيكر ولي هاميلتون عام 2006 بالربط بين استقرار الوضع تحت الاحتلال الأميركي في العراق وبين حل الصراع العربي – الإسرائيلي عبر تسوية إقليمية، مما يتناقض مع الرؤية المعلنة لإدارة أوباما التي يكرر المبعوث الرئاسي جورج ميتشل إعلانها باعتبارها الهدف لمهمته.
وهذه الرؤية تسعى إلى "سلام شامل في الشرق الوسط" أساسه مقايضة الوساطة الأميركية في حل الصراع العربي – الإسرائيلي بالدعم العربي لمشروع الاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان وبإنشاء جبهة عربية -- أميركية – إسرائيلية في مواجهة إيران.
لكن ألم تكن هذه هي بصفة أساسية الرؤية الأميركية التي انعقد مؤتمر مدريد للسلام على أساسها عام 1991 والتي يتأكد بعد عشرين عاما اليوم أنها قادت فقط إلى تعزيز الاحتلال الإسرائيلي وإلى احتلال العراق وأفغانستان بينما ما زال السلام سرابا سوف يظل الأميركيون يبيعونه للعرب حتى يكتمل المخطط الأميركي – الإسرائيلي للشرق الأوسط وفي القلب منه الوطن العربي؟!
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
السبت، مارس 13، 2010
ليست صفعة لجوزيف بايدن فقط
نقولا ناصر
حتى لو لم تجمد دولة الاحتلال الإسرائيلي قرارها يوم الثلاثاء الماضي ببناء 1600 وحدة استيطانية على مساحة 580 دونم في مستعمرة "رامات شلومو" لغلاة المتطرفين الدينيين من اليهود في شرقي القدس، وحتى لو أعلنت هذه الدولة عن خطط لبناء مائة ألف وحدة استيطانية جديدة في القدس، وليس فقط خمسين ألف وحدة كما قالت صحيفة هآرتس الخميس الماضي، فإن الرئاسة المفاوضة لمنظمة التحرير الفلسطينية سوف تستأنف عملية التفاوض، المباشر وغير المباشر، والعلني والسري، بتفويض أو دون تفويض شرعي عربي أو فلسطيني، لأنها عندما تعلن بأن البديل الاستراتيجي الوحيد للمفاوضات هو المفاوضات فقط فإن استئنافها للتفاوض يكون مسألة وقت فقط، حتى لو أوقفته تكتيكيا ومؤقتا إلى حين، أو هددت علنا بوقفه، إذ لم يعد أحد يصدق أي تهديد كهذا لها لا في أوساط شعبها ولا في الوسط العربي وليس حتى في معسكر الأعداء أو معسكر الخصوم السياسيين، فالجميع يبني خططه السياسية على أساس هذه الحقيقة.
تعقيبا على قرار حكومة دولة الاحتلال الأخير ببناء 1600 وحدة استيطانية في شرقي القدس، وفي اليوم السابق قرارها ببناء (112) وحدة أخرى لتوسيع مستعمرة جبل أبو غنيم بين القدس وبين بيت لحم -- مما يرفع عدد الوحدات الاستيطانية التي يجري بناؤها منذ أعلنت دولة الاحتلال تجميدا مؤقتا للاستيطان لمدة عشرة أشهر إلى أكثر من خمسة آلاف وحدة -- عشية وأثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، قال عضو مجلس بلدية الاحتلال في القدس عن حزب ميريتس ،مئير ميرجاليت، إن توقيت القرار "لم يكن مصادفة، وإن هدف نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس حزب "شاس"، إيلي ييشاي، "كان توجيه صفعة على الوجه للإدارة الأميركية" ومما يثبت ذلك "حقيقة أن ييشاي لم يستطع أن ينتظر بضعة أيام أخرى حتى يغادر بايدن البلاد"!
إن مسارعة بايدن والبيت الأبيض الأميركي إلى "إدانة" القرار لأن "جوهر وتوقيت الإعلان" عنه "ينسف الثقة التي نحتاجها في هذا الوقت بالذات" بعد إطلاق "مباحثات التقارب" الفلسطينية مع دولة الاحتلال ولأنه "يتعارض مع المباحثات البناءة" التي أجراها بايدن مع حكومة الاحتلال هي إدانة تستهدف حفظ ماء الوجه الأميركي بقدر ما تستهدف قطع الطريق على أي إدانة من المفاوض الفلسطيني يعرف بايدن أكثر من غيره أنها حتى لو صدرت فإنها لن "تنسف" ثقة هذا المفاوض في راعيه الأميركي حد أن "يحرجه" بأي إعلان عن وقف "مباحثات التقارب" التي أعلنت الرئاسة المفاوضة موافقتها عليها باسم منظمة التحرير الفلسطينية التي أعلنت الفصائل الأساسية الممثلة في لجنتها التنفيذية الحالية معارضتها لاستئنافها.
ويبدو أن "الإدانة" الأميركية قد حققت هدفها، فالخطط الأميركية لاستئناف "مباحثات التقارب" حول استئناف المفاوضات مستمرة،وهو ما تريده رئاسة محمود عباس، ولذلك اكتفت باعتبار القرار الإسرائيلي "استفزازا" واتخذت منه دليلا على أن دولة الاحتلال "لا تريد السلام"، وكأنما اكتشفت جديدا، بينما تهربت هذه الرئاسة من اتخاذ موقف بالتهرب من مسؤوليتها المفترضة بمحاولة ترحيلها إلى جامعة الدول العربية، حيث هاتف عباس عمرو موسى مطالبا برد عربي منسق على القرار الإسرائيلي، تمما مثلما حملت هذه الرئاسة الجامعة العربية المسؤولية عن تراجعها عن مطالبتها بتجميد الاستيطان كشرط مسبق معلن لاستئناف المفاوضات.
وكانت هذه الرئاسة قد أعلنت شرطها ذاك بعد أن أعلن عباس "خيبة أمله" من تراجع الإدارة الأميركية عن شرط مماثل أعلنه رئيسها باراك أوباما في مستهل عهده بعد أن تلقت هذه الرئاسة صفعتين إسرائيلية وأميركية في آن معا إثر الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للمنطقة أواخر تشرين الأول / أكتوبر الماضي وأعلنت خلالها إسقاط هذا الشرط الأميركي – الفلسطيني لاستئناف المفاوضات. ففي تزامن مع زيارتها أعلنت حكومة الاحتلال عن بناء أكثر من ثلاثة آلاف وحدة استيطانية جديدة، وكانت تلك الصفعة الأولى التي وجهتها دولة الاحتلال للإدارة الأميركية.
وإذا كانت تلك الصفعة قد أفشلت المهمة المعلنة لكلينتون آنذاك، وهي استئناف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، فإن الصفعة الجديدة لم تفشل مهمة بايدن في الحث على إطلاق "مباحثات التقارب"، والفضل الواضح في ذلك يعود إلى رئاسة عباس التي لم تعلن عن أي "خيبة أمل" من الإدارة الأميركية هذه المرة يستتبعها الاستنكاف -- ولو تكتيكيا وإلى حين -- عن مباشرة مباحثات التقارب.
ومن المعروف أن قرارات توسيع الاستيطان في القدس المحتلة تمر عبر وزارة داخلية دولة الاحتلال، وأن حكومة رئيس وزراء هذه الدولة، بنيامين نتنياهو، استثنت القدس من قرارها الذي اتخذته في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي بتجميد التوسع الاستيطاني مؤقتا لمدة عشرة أشهر، وأن هذا القرار خارج القدس في بقية الضفة الفلسطينية المحتلة لنهر الأردن يصنع في وزارة الحرب فيها بموافقة حكومة الاحتلال ورئيس وزرائها، لذلك فإن الصفعة الأولى التي وجهت للإدارة الأميركية وللرئاستين الأميركية والفلسطينية على حد سواء تتمثل في موافقتهما على استئناف المفاوضات على أساس هذا "الأمر الواقع".
ولن تخفف من وقع هذه الصفعة ذرائع المفاوض الفلسطيني بأنه لا يجري مفاوضات مباشرة بل مباحثات غير مباشرة، وهي ذرائع لم تقنع فصائل "اليسار" المؤتلفة مع هذا المفاوض في إطار منظمة التحرير التي وفرت له غطاء زائفا من "التعددية" في نهجه التفاوضي الذي تمخض عن الوضع الراهن البائس للقضية الوطنية طوال العشرين عاما المنصرمة.
كما لن تخفف من وقعها الوعود الأميركية المعسولة الكاذبة والمتكررة بان مباحثات التقارب غير المباشرة الحالية سوف تنتهي بمفاوضات مباشرة تقود إلى حل الدولتين الموعود خلال عامين، فقد سبق الرئيس الأميركي باراك أوباما سلفاه بيل كلينتون وجورج دبليو. بوش بوعود بدولة فلسطينية عام 1999 ثم عام 2005 وبعده عام 2008، بحيث فقد الشعب الفلسطيني ثقته في الوعود الأميركية بقدر ما فقدها في مفاوضيه الذين أدمنوا التفاوض بقدر "ما تعود خدهم على اللطم" فأدمنوه بدوره.
إن المعارضة المعلنة للجبهتين الشعبية والديموقراطية وحزب الشعب و"المبادرة" وجبهة التحرير الفلسطينية، ناهيك عن معارضة "المعارضة" التي تقودها حماس، هي معارضة كان لقوتها واتساعها الفضل في إخراج "الصامت الأكبر" في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، علي اسحق، عن صمته لينفي أن اللجنة قررت "بالإجماع" تبني القرار العربي باستئناف المفاوضات، ويعتبر تبني هذا القرار "أمرا خطيرا"، وينتقد عرضه على لجنة المتابعة العربية قبل عرضه على اللجنة التنفيذية، ويذكر بقرار المنظمة السابق الرافض للمفاوضات المباشرة وغير المباشرة، و"يدين ما جرى"، مما يثير سؤالا كبيرا حول من تمثل اللجنة التنفيذية للمنظمة، وحول شرعية قرارها، ويوجه صفعة، من المفترض أنها "فلسطينية"، لمنظمة التحرير ومؤسساتها وفصائلها وشرعيتها.
وقد كانت زيارة بايدن في حد ذاتها لطمة على الخد الفلسطيني، فهي عدا عن كونها تتويجا هو الأرفع مستوى لسيل كبار المسؤولين الأميركيين الذين تدفقوا على دولة الاحتلال مؤخرا يرجونها ألا تنفرد بأي هجوم على إيران، فإن تأكيده أثناء زيارته على "الالتزام المطلق والكامل وغير المخفي بأمن إسرائيل" لإدارة أوباما دون حتى أي تلميح إلى حد أدنى من الحرص المقابل على الأمن الفلسطيني كشف بأن الهدف من زيارته ليس له أي علاقة بالسلام أو بالمباحثات أو المفاوضات، المباشرة أو غير المباشرة، إلا بقدر ما تكون جزءا من "عملية سلام" تضمن أمن الاحتلال ودولته، وقد وجه القرار الاستيطاني الجديد صفعة لكل المتوهمين بأن مباحثات التقارب تمثل "لحظة فرصة حقيقية"، كما أعلن بايدن.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com
الاثنين، مارس 08، 2010
مقترح تهدئة في خدمة الحرب لا السلام
نقولا ناصر
(كون المنطقة أصبحت فعلا جزءا من ولاية حلف "الناتو"، الذي تقوده الولايات المتحدة لا يترك للدول العربية خيارا سوى التساوق مع الاستراتيجية الإقليمية للناتو وقيادته الأميركية)
إن المقترح الأميركي باستئناف مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية غير مباشرة، الذي تبنته اللجنة العربية الوزارية لمتابعة مبادرة السلام العربية في القاهرة يوم الأربعاء الماضي محددة أربعة شهور كسقف زمني لهذه المفاوضات، يحتاج إلى قوة إقناع أميركية استثنائية لتبديد الشكوك العربية الرسمية والشعبية في جديته وفي صدقيته وفي الجدوى العملية منه.
ليس فقط لأنه يبني على "عملية سلام" أثبتت فشلها طوال عقدين من الزمن، أو لأن هذه العملية قد تأكد الآن بأنها أصبحت مطلوبة لذاتها أكثر مما هي مطلوبة لتحقيق الأهداف المعلنة المتوخاة منها، أو لأن حكومة الحرب التي تمخضت عنها الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة تؤكد يوميا على الأرض بأنها لا تمتلك الحد الأدنى لمؤهلات شريك سلام ذي مصداقية، أو لأن المفاوض الفلسطيني لا يملك الثقة الكافية في المقترح الأميركي لكي يسير فيه دون الحاجة إلى ضوء أخضر عربي، أو لأنه مقترح يتم فرضه بقرار عربي على شبه إجماع فلسطيني رافض له بقوة، بل لأن الإطار العام الأميركي – الإسرائيلي لهذا المقترح يضعه إقليميا في خدمة استراتيجية حربية لا علاقة لها بالسلام.
فالسلام المستهدف بالمقترح الأميركي، أولا، لا يعدو كونه تهدئة مؤقتة لجبهة عربية – إسرائيلية حبلى بانتفاضة فلسطينية ثالثة يتوقعها كثير من المراقبين ضد الاحتلال والحصار بقدر ما هي ضد الوعود الأميركية المتكررة الكاذبة بالسلام وحبلى كذلك باستعدادات حربية إسرائيلية للعدوان شمالا وجنوبا، وهي جبهة إن انفجرت سوف تشتت الجهد الحربي الأميركي المركز على أفغانستان والعراق وتربك الخطط الأميركية – الإسرائيلية لحرب إقليمية محتملة ثالثة على إيران.
ثم إن هذا المقترح يأتي ثانيا في سياق سياسة خارجية أميركية تقليدية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي لم يعد أحد من العرب يجرؤ على إبداء الثقة بها، فمن يراجع المبادرات الدبلوماسية الأميركية لحل هذا الصراع منذ العدوان الإسرائيلي الذي انتهى باحتلال أراضي مصرية وسورية ولبنانية وأردنية – فلسطينية عام 1967 لن يفوته ملاحظة أن كل مبادرة منها إما طرحت غداة أو عشية حرب أميركية أو إسرائيلية، إما من أجل جني حصاد سياسي لمكاسب عسكرية تحققت أو من أجل نزع فتيل سياسي لانفجارات عنيفة قد تقع فتشتت التركيز الأميركي – الإسرائيلي على حرب يستعد الحليفان لها.
فمبادرة روجرز أعقبت عدوان عام 1967، ومفاوضات كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية حولت حرب التحرير المصرية – السورية عام 1973 إلى ما أصبح كثير من المراقبين يصفونه بحرب تحريك لعملية سلام عربية – إسرائيلية تمخضت عن الصلح المصري المنفرد مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأعقب الغزو فالاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 إخراج فكرة "حل الدولتين" من الأدراج الأميركية بعد إخراج مقاتلي الثورة الفلسطينية من لبنان لينتهي المطاف بقيادتهم السياسية إلى تبني هذا الحل كخيار استراتيجي في وثيقة "إعلان الاستقلال" عام 1988، وأعقبت "حرب تحرير الكويت" عام 1991 المبادرة الأميركية لتنظيم مؤتمر مدريد للسلام العربي الإسرائيلي في السنة نفسها، أما المهمة الأولى للمبعوث الرئاسي الأميركي الحالي جورج ميتشل التي تمخضت عن "خريطة الطريق" الفلسطينية – الإسرائيلية عام 2002 وعن مبادرة السلام العربية في العام نفسه بعد الوعود الأميركية المعسولة للعرب بدولة فلسطينية عام 2005 فقد سبقت الغزو فالاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.
واليوم تكرر مبادرة الرئيس باراك أوباما للتوصل إلى اتفاق فلسطيني – إسرائيلي على حل الدولتين خلال عامين، كما يعد ميتشل، السيناريو الأميركي نفسه بينما تجري على قدم وساق الاستعدادات الحربية الأميركية لحسم الحربين على العراق وأفغانستان ... في إيران أو حيث يعتقد الاستراتيجيون الأميركان بتحريض إسرائيلي سافر أن لإيران امتدادات في لبنان وقطاع غزة.
كما أن قائمة الزوار الأميركيين الرسميين رفيعي المستوى إلى المنطقة، وبخاصة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، منذ تولى باراك أوباما مقاليد السلطة في البيت الأبيض، والتي ضمت وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة وقائد القيادة المركزية ومستشار الأمن القومي ومدير وكالة المخابرات المركزية ونوابهم ومساعديهم، و"الحوار الاستراتيجي" الأميركي – الإسرائيلي، وزيادة المعونات "الدفاعية" الأميركية لدولة الاحتلال، وأكبر ميزانية عسكرية للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، هي وغيرها، ثالثا، دلائل على أن إدارة أوباما قد وضعت كل بيضها السياسي في سلة البنتاغون، وأن كل الموارد الأميركية مسخرة لدعم الجهد العسكري في الحروب الدائرة منذ سنوات في العراق وأفغانستان أو استعدادا لحروب تجري الاستعدادات لها على قدم وساق، وأن السياسة الخارجية الأميركية ودبلوماسيتها تعمل في خدمة هذا الجهد الحربي ولا تقوده.
ومن هنا الدور الثانوي لوزارة الخارجية ووزيرتها في رسم السياسة الخارجية لبلادها، ولا أدل على ذلك من أن الرئاسة الأميركية قد سحبت من هذه الوزارة ووزيرتها أهم ملفات السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وسلمتها إلى البنتاغون ومؤسسات الأمن القومي والمخابرات، ويقوم حاليا نائب الرئيس جو بايدن والمبعوثون الرئاسيون بتنسيق ملفي الصراع العربي – الإسرائيلي والعراق مع الدوائر العسكرية والأمنية وتركت لوزارة الخارجية ووزيرتها هيلاري كلينتون مهمات تجميل صورة السياسة الخارجية الأميركية بزيارات "إنسانية" لضحايا الكوارث الطبيعية في هاييتي وتشيلي.
ومما يشكك في جدية المقترح الأميركي وصدقيته، رابعا، أنه يأتي على خلفية ما وصفه الرئيس الفلسطيني محمود عباس ب"تراجع" الإدارة الأميركية ورئيسها أوباما عن مواقفهما المعلنة إلى تبني وجهة نظر حكومة الحرب التي يرأسها رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه الصراع مع العرب، بقدر ما يشكك فيه الضغوط الأميركية التي اعترف بها عباس وكبار مساعديه لقبول المقترح.
فمنذ فشلت زيارة كلينتون إلى المنطقة أواخر العام الماضي في تحقيق الهدف المعلن لزيارتها، وهو استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، تأكد التراجع في الموقف الأميركي، الذي أعلنت الرئاسة الفلسطينية "خيبة أملها" فيه، وتأكد تبني الإدارة الأميركية لجدول الأعمال الإسرائيلي الذي يعطي الأولوية للحروب الإقليمية ويؤجل أي عملية لصنع السلام في المنطقة إلى ما بعد حسم الملفات الحربية وبخاصة الملف الإيراني. إن الهجوم الدبلوماسي الأميركي الذي شهدته المنطقة مؤخرا كان يصب في هذا الاتجاه.
ويشكك في جدية المقترح الأميركي وصدقيته، خامسا، توقيته عشية مؤتمر قمة جامعة الدول العربية في ليبيا أواخر الشهر الحالي، فالهجوم الدبلوماسي الأميركي المكثف على الدول العربية "المعتدلة" مؤخرا لم يترك مجالا للشك في التصميم الأميركي على المشاركة في وضع جدول أعمال القمة العربية المقبلة.
ويشكك في جدية المقترح أكثر، سادسا، تراجعا آخر في دور اللجنة "الرباعية" الدولية في "عملية السلام"، وهو الأمر الذي انتبه له ونبه إليه وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو يوم الثلاثاء الماضي أثناء زيارته للقاهرة التي تزامنت مع الاجتماع الوزاري للجنة المتابعة العربية عندما قال إن "الرباعية" التي تبنت "خريطة الطريق" عام 2002 "لم تعد لها أهمية" في الجهود المبذولة لإنهاء الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
ومن العوامل الحاسمة في الإطار الاستراتيجي العام للمقترح الأميركي، سابعا، أن المنطقة أصبحت فعلا جزءا من ولاية حلف شمال الأطلسي "الناتو"، الذي تقوده الولايات المتحدة وترهقه حاليا من أجل مساهمة عسكرية أكبر في حروبها، وبالتالي فإن "التوافق" العربي مع المقترح الأميركي كما تمخض عنه اجتماع لجنة المتابعة العربية كان متوقعا، ف"الشراكات" التي أقامها الحلف منذ "مبادرة إستانبول للتعاون" عام 2004 -- مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ومصر وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي العربية الست علاوة على دور الناتو في العراق بعد الاحتلال الأميركي -- لا تترك للدول العربية خيارا سوى التساوق مع الاستراتيجية الإقليمية للناتو وقيادته الأميركية.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
الأحد، مارس 07، 2010
نفخ فلسطيني في قربة عربية مثقوبة
نقولا ناصر
سيكون من باب التمني، أو كما يقول المثل الشعبي العربي "كالنفخ في قربة مقطوعة"، أن يتراجع القادة العرب في مؤتمر قمتهم بليبيا أواخر الشهر الجاري عن قرار وزراء خارجيتهم يوم الأربعاء الماضي بتوفير غطاء عربي لتراجع المفاوض الفلسطيني عن شروطه المعلنة لاستئناف المفاوضات العقيمة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
ليس لأن هؤلاء الوزراء هم ألسنة قادتهم فحسب، بل لأن المفاوض الفلسطيني و"شماعته" العربية ليس في جعبتهم أي خيار آخر غير الرضوخ للضغوط الأميركية التي ما زالوا بدورهم ينفخون في قربتها المثقوبة ويرهنون قرارهم العربي ومعه القرار الفلسطيني للسراب الخادع بأن واشنطن قد تتمكن في يوم ما من امتلاك الإرادة السياسية لممارسة ضغط على عصاها الإسرائيلية الإقليمية التي تستخدمها ضدهم جميعا لكي "تتنازل" أو تذعن لجعل المصالح الحيوية الأميركية، لا المصالح "الأمنية" الإسرائيلية، هي عماد السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة، لكن كل الدلائل تؤكد المرة تلو الأخرى بأنه لا الإدارات الأميركية المتعاقبة ولا الحكومات العربية معنية حقا بمساهمة جادة في تحول كهذا.
واللافت للنظر في قرار وزراء خارجية الدول الأعضاء في لجنة متابعة مبادرة السلام العربية ليس فقط ما اعترضت سوريا عليه بأنه ليس من صلاحية اللجنة اتخاذ قرار كهذا، ولا ما اعترضت علية "المعارضة" الفلسطينية بأنه يفوض قيادة فلسطينية منتهية شرعيتها بالتفاوض، ولا ما اعترضت عليه فصائل فلسطينية أعضاء في منظمة التحرير التي تقودها رئاسة محمود عباس بأنه قرار مخالف لقرار سابق اتخذته اللجنة التنفيذية للمنظمة حول استئناف المفاوضات.
بل إن الأكثر لفتا للنظر أن قرار لجنة المتابعة يعبر لأول مرة عن موقف عربي سقفه أدنى من السقف السياسي المعلن للمفاوض الفلسطيني الذي كان دائما يستقوي بالسقف التفاوضي الأعلى للموقف العربي. ويلفت النظر أكثر أيضا أن لجنة المتابعة العربية قد أجازت الانفراد الفلسطيني بالتفاوض في تناقض صارخ مع مبادرة السلام العربية التي "تتابعها" والتي "أجمع" القادة العرب عليها تحديدا من أجل وضع حد لمزيد من الانفراد العربي في الصلح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ومن أجل أن يسالموا جماعة إن عجزوا عن الحرب جماعة.
أما التناقض الأكبر في قرار لجنة المتابعة فيكمن في موافقة عربية على الإيحاء الخادع ب"تعريب" القرار التفاوضي الفلسطيني بينما يعرف وزراء الخارجية المعنيين وقادتهم أكثر من غيرهم بأن القيادة الفلسطينية المفاوضة إنما كانت تبحث عن مجرد غطاء عربي يمنحها شرعية عربية تمكنها من مواجهة شبه إجماع وطني فلسطيني رافض لاستئناف المفاوضات – في الأقل في إطار المعطيات السياسية والميدانية الراهنة – من أجل مواصلة مسار كان منذ البداية مسارا تفاوضيا منفردا وثنائيا غير عابئ بأي موافقة أو أي رفض عربي له ولتكتيكاته ومرجعياته، مسارا تجهد الدول العربية لمعرفة حيثياته وتفاصيله خشية أن يتمخض عن نتائج قد تكون سلبية على أمنها الوطني (الأردن مثالا) أو تكون سلبية على مسارات التفاوض الثنائية الأخرى (سوريا ولبنان).
وفي هذا السياق لا بد من تسجيل المفارقة الكامنة في حرص الرئاسة الفلسطينية المفاوضة على منح شرعية عربية لاستئناف المفاوضات بينما كانت هذه الرئاسة نفسها غير معنية حتى بالحصول على شرعية فلسطينية عندما فاوضت سرا ثم وقعت على "إعلان المبادئ" (اتفاق أوسلو) في واشنطن عام 1993، دون استئذان أحد من العرب أو نيل بركتاهم، من وراء ظهر الوفد الفلسطيني "الرسمي" الذي كان حينها يدير مفاوضات علنية شفافة في العاصمة الأميركية طوال اثنين وعشرين شهرا مما قاد رئيس هذا الوفد الراحل د. حيدر محي الدين عبد الشافي إلى الاستقالة في نيسان / أبريل عام 1993 بسبب الخلاف حول المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية ورفضه أي تسوية بشأنها لا تنص على إزالتها.
وهذه هي نفسها العقدة التي تمنع في الوقت الحاضر حتى إجماع الفصائل المؤتلفة في إطار القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير على استئناف المفاوضات دون "تجميدها"، ناهيك عن إزالتها بعد أن تفتقت عبقرية المفاوضين عن فكرة "تبادل الأراضي" لإبقائها تمهيدا لضمها إلى دولة الاحتلال، وهذه هي نفسها المستوطنات التي ألزمت الرئاسة المفاوضة نفسها بعدم استئناف المفاوضات قبل تجميدها كشرط مسبق ولو لفترة مؤقتة قبل أن تقرر تحت الضغط الأميركي التراجع عن شرطها بالبحث عن شماعة عربية تعلق عليها تراجعها، وقد وفرت لها لجنة المتابعة العربية يوم الأربعاء الماضي هذه الشماعة.
والمفارقة الثانية الجديرة بالتسجيل هنا أن لجنة المتابعة العربية قد اجتمعت وعلى جدول أعمالها الفلسطيني بند واحد فقط هو المقترح الأميركي باستئناف مفاوضات غير مباشرة، وأن الرئاسة الفلسطينية قد "طلبت" -- طبقا لكبير المفاوضين صائب عريقات في التاسع عشر من الشهر الماضي -- اجتماع وزراء الخارجية العرب الثلاثة عشر الأعضاء في اللجنة لبحث هذا المقترح الأميركي، دون أن تكلف إحداها أو الجانب الفلسطيني الذي طلب اجتماعها أنفسهم بإضافة أي مقترحات بديلة يبحثونها، ثم يغضبون جميعهم أو أكثرهم إن قال محلل أو معلق سياسي إن واشنطن هي التي تضع جداول الأعمال لهم، وإنهم جميعا أو أكثرهم يفتقدون الإرادة السياسية الحرة لكي لا تكون حركتهم السياسية مجرد ردود فعل مستجيبة للضغوط الأميركية.
وإذا كان لا يوجد على جدول أعمال القيادة الفلسطينية المفاوضة سوى بند واحد فقط هو التفاوض الذي بدونه لا يعود هناك أي مسوغ لوجودها، لأن "الحياة مفاوضات" كما كتب عريقات، بحيث أصبح التفاوض هدفا في حد ذاته، فإن الإجماع العربي قد أجمع على الهدف ذاته كما يبدو، لأن هناك "قناعة كاملة" لدى الحكومات العربية ومن تراهن عليهم في البيت الأبيض الأميركي وكثير من الدول الغربية بضرورة الحفاظ على مسار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية دون ربط هذه المفاوضات بفترة حكومة رئيس وزراء دولة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو، كما قال وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي على هامش اجتماع لجنة المتابعة العربية في القاهرة، بالرغم من اعتراف محمود نفسه بأن "هناك تراجعاً خطيراً في الموقف الأميركي عن الموقف الذي أعلنه الرئيس باراك أوباما في بداية ولايته".
فعندما يصبح "الموقف الفلسطيني هو (نفسه) الموقف العربي"، كما قال نبيل أبو ردينة، المتحدث باسم عباس، يكون هناك تضامن رسمي عربي – فلسطيني حقيقي مصر على أن يلدغوا جميعا من الجحر الأميركي مرات، لا مرتين، وفي هذه الحالة لا يعود "الترحيب" الإسرائيلي بقرار لجنة المتابعة العربية مستغربا.
لكن في هذه الحالة ربما يكون من الأجدى لعرب فلسطين أن يعودوا إلى الاستراتيجية الأولى للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بتعريب قضيتهم عبر القفز عن الحكومات العربية لمخاطبة أشقائهم من شعوبها مباشرة، فالطاقات الكامنة في استعداد الأمة وشعوبها للتضحية من أجل قضية ما زالت الأمة وشعوبها يعتبرونها قضيتهم المركزية كفيلة بتغيير معادلة الصراع وموازين القوى فيها تغييرا يغني عرب فلسطين عن الاستمرار في النفخ في القربة المثقوبة للحكومات العربية.
*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*
السبت، مارس 06، 2010
إنه "الدم مقابل النفط"
نقولا ناصر
يكاد الخلاف الأميركي – الصيني حول سبل احتواء الطموح الإيراني لامتلاك التكنولوجيا النووية يتحول إلى أزمة في العلاقات الثنائية، لكن النفط، وليس التكنولوجيا النووية، هو محور هذا الخلاف الذي يهدد بالتحول إلى أزمة، بالرغم من حرص واشنطن على تركيز كل جدلها الساخن مع الصين على "البرنامج النووي الإيراني"، لا على النفط.
فإيران هي ثالث أكبر مصدر للنفط الخام إلى الصين، وفي سنة 2004 أبرم البلدان صفقة للغاز الطبيعي السائل مدتها خمسة وعشرون سنة، وفي السنة التالية وقعا عقدا بمئة مليار دولار لتموين الصين من حقل يابارافان، وفي أوائل العام الماضي وقعا عقدا قيمته (1.7) مليار دولار لتطوير حقل شمال أزدجان، وبعد بضعة أشهر وقعا عقدا آخر بمبلغ (5.2) مليار دولار لتطوير حقل بارس الجنوبي للغاز الطبيعي، وفي المقابل تقوم الصين ببيع النفط المكرر إلى إيران.
وليس من المتوقع أن تنجح واشنطن في توفير بديل عربي خليجي لهذه المصالح النفطية الصينية الحيوية في إيران، كما حاولت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أثناء زيارتها الخليجية أواسط الشهر الماضي، ناهيك عن حرص الصين على عدم التخلي عن إبقاء خياراتها للطاقة متعددة ومفتوحة.
في السادس والعشرين من نيسان / أبريل عام 2006 نشرت "مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي" الأميركية نقلا عن "ذى نيو ريببليك" مقالا بعنوان "العامل الحاسم: النفط والدبلوماسية الأميركية" كتبه جون جوديس قال فيه إن "توترات أميركا مع إيران تدور بصفة أساسية حول النفط. ولو لم تكن كذلك، فإن أي سلاح نووي إيراني لن يمثل خطرا مباشرا على الولايات المتحدة. وإسرائيل أيضا تملك الوسائل لردع إيران. لكن رفع إيران ضمن منطقة الخليج بامتلاك أسلحة نووية سيضعها في مركز للتأثير في غيرها من منتجي النفط (وكان ذلك جزءا من الخوف الأميركي من صدام حسين). وقد أعلنت إيران فعلا نيتها لتسعير النفط باليورو بدلا من الدولار (وكان العراق قبل الغزو قد أعلن نية مماثلة). لماذا غزت الولايات المتحدة العراق ؟ ... أحد الأسباب كان خلق موازن بترولي لمنظمة أوبيك. فقد افترض المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية (السابقة) أن عراقا مؤيدا لأميركا سوف يترك أوبيك، وباحتياطياته الوفيرة سوف يخفض الأسعار العالمية". إن تطور الأحداث منذ كتب جوديس مقاله يثبت أنه كان بعيد النظر.
صحيح أن العراق لم ينسحب من "أوبيك" بعد، وصحيح كذلك أن الاحتلال الأميركي لم يحصل حتى الآن على جائزته الكبرى بإصدار "قانون للنفط" ينقل القرار النفطي من الحكومة المركزية في بغداد إلى حكومات "الفدراليات" العراقية المأمولة، لكن خلاصة السياسات النفطية لحكومة "المنطقة الخضراء" في العاصمة العراقية خلال العام المنصرم أنجزت، أو تكاد، كلا الهدفين بوسائل أخرى.
فمنظمة "أوبيك" مهددة الآن باستراتيجية نفطية عراقية معلنة تستهدف إغراقها مع السوق العالمية للنفط بزيادة الإنتاج العراقي أربعة أضعاف إلى (12) مليون برميل يوميا خلال سبع سنوات، أي أكثر من معدل الإنتاج السعودي الحالي بنسبة (30%)، بينما أعلنت الحكومة عن "رشوة" للمحافظات قدرها دولار واحد عن كل برميل تنتجه، ليتحول العراق إلى ساحة تنافس محموم على من "ينتج أكثر" خدمة للاستراتيجية الأميركية.
إن إعلان رئيس وزراء الحكومة المنبثقة عن الاحتلال نوري المالكي مؤخرا عن عدم وجود أي خطط جديدة لديه للاعتماد على الشركات الأجنبية لتطوير حقول النفط العراقية والاعتماد على الشركات الوطنية بدلا منها هو إعلان خادع ومضلل أغراضه انتخابية واضحة عشية الانتخابات.
إذ ما الذي أبقاه المالكي للشركات "الوطنية" بعد أن سلم أهم حقول النفط الوطنية إلى الشركات النفطية الدولية التي كانت منذ ظهور النفط تشن الحروب وتنظم الانقلابات العسكرية وتفرض العقوبات الدولية لتنازع الدول المنتجة في سيادتها على هذه الثروة الوطنية الاستراتيجية.
فقد وقع عقودا مع بريتش بتروليوم، واكسون موبيل، ورويال دتش شل، وأوكسيدنتال بتروليوم، وتوتال، وإيني، ولوكأويل، وغازبروم نيفت، وستاتأويل، وبتروناس، وكوجاس، وجابكس، وسوناغول، وتباو، وشركة البترول الوطنية الصينية، ليتحول العراق إلى ساحة للتنافس المحموم على من "ينتج أكثر" بين هذه الشركات الأميركية والبريطانية والفرنسية والإيطالية واليابانية والروسية والصينية والنرويجية والهولندية والماليزية والتركية والأنغولية والكورية الجنوبية، بينما منحت حكومة إقليم كردستان العراق عقودا لثمانية وثلاثين شركة أجنبية من (17) بلدا للعمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ومعظم هذه العقود وقعت خلال سنة واحدة بعد عقود من الزمن دفع العراق خلالها ثمنا باهظا لامتلاك السيادة على هذه الثروة الوطنية الحيوية الناضبة.
وهذه الاستراتيجية النفطية -- العراقية اسما والأميركية فعلا -- تمثل أكبر خطر يهدد "أوبيك" منذ استضافت بغداد في أيلول / سبتمبر عام 1960 مؤتمرا استغرق خمسة أيام لمسؤولين من فنزويلا وثلاث دول خليجية انتهى بتأسيس منظمة "أوبيك"، وفي المدى الأطول تمثل خطرا يهدد المنظمة المماثلة الخاصة بالغاز التي تسعى قطر وروسيا لتأسيسها.
وهي استراتيجية تمثل أكبر خطر يهدد بصفة خاصة الدول العربية المنتجة للنفط والغاز، "المعتدلة" منها وغير المعتدلة، و"الصديقة" للولايات المتحدة والساعية إلى صداقتها لكن بشروطها لا بشروط أميركا. وإذا كانت العقود المغرية التي وقعتها الحكومة المنبثقة عن الاحتلال الأميركي للعراق مع الشركات الأجنبية كرشاوى للاعتراف بشرعيتها تجعل من غير المحتمل أن يحدث أي تحرك دولي في إطار "أوبيك" لاحتواء هذا التهديد الخطير للمنظمة، فإن الخطر الذي يهدد الدول العربية المنتجة للنفط والغاز يستدعي وحدة موقف عربي حازمة وحاسمة، مما يقتضي وضع هذا التهديد في رأس جدول أعمال مؤتمر قمة جامعة الدول العربية في ليبيا أواخر الشهر الحالي.
غير أن كل الدلائل تشير إلى اتجاه معاكس حيث تعبئ الجامعة حاليا كل إمكانياتها، تحت الضغط الأميركي، لإضفاء شرعية عربية على الوضع الراهن في العراق وبالتالي على استراتيجيته النفطية.
منذ احتل الجيش الأربعين السوفياتي أفغانستان عام 1979، بعد ست سنوات من استخدام العرب لسلاح النفط في الحرب التي شنتها مصر وسوريا لتحرير سيناء والجولان من الاحتلال الإسرائيلي، ما زالت أفغانستان، التي لا تنتج قطرة نفط واحدة، جبهة عسكرية ساخنة لصراع دولي على النفط، فمن يسيطر على هذا البلد المنكوب بموقعه الاستراتيجي يتحكم بأهم حوضين نفطيين في العالم في الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى، ولهذا السبب نقل الرئيس الأميركي باراك أوباما محور الحروب الأميركية على المنطقة من العراق إلى أفغانستان – باكستان، مخاطرا بهدر كل الأرواح الأميركية وتريليونات الدولارات التي استثمرت في غزو العراق واحتلاله بترك العراق لمصير مجهول، وما وجود "القاعدة" العربية وسط حاضنة إسلامية لها في أفغانستان وباكستان سوى ذريعة مقنعة أكثر لدافع الضرائب الأميركي لشن الحروب على المنطقة، وهو الممول الأول والأخير لهذه الحروب والذي طالما عارض خوضها رافعا شعار "لا للدم مقابل النفط".
عندما كان الاتحاد السوفياتي السابق مسيطرا على نفط آسيا الوسطى كان هم الاستراتيجيين الأميركيين ينصب على منع السوفيات من "الإطلال" على نفط الخليج العربي، ناهيك عن الوصول إليه، وقد هدد الغزو السوفياتي لأفغانستان بذلك على وجه التحديد، وفي تلك المرحلة كانت التعبئة الأميركية للإسلام والمسلمين، وفي مقدمتهم العرب، و"مجاهديهم" ضد "الإلحاد الشيوعي" تخدم تلك الاستراتيجية، وكان الاحتلال السوفياتي لأفغانستان يوفر جسرا يصل بين الحليفين الهندي والسوفياتي ويهدد ببناء جبهة متصلة جغرافيا "تطل" مباشرة على نفط الخليج.
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور الصين كقوة اقتصادية صاعدة، غير مكتفية ذاتيا نفطيا -- مثل روسيا التي ما زالت دولة مصدرة للنفط والغاز، وهما عصبا الطاقة المحركة للاقتصاد العالمي -- وزيادة الطلب العالمي على النفط والغاز نتيجة لزيادة طلب قوتين اقتصاديتين صاعدتين مثل الصين والهند عليهما، وارتفاع أسعار النفط نتيجة لذلك، لم تصبح قدرة الاقتصاد الأميركي على المنافسة العالمية مهددة فقط، بل أصبح مهددا أيضا الاقتصاد الأميركي نفسه، وعملته الدولار، ومعهما المركز القيادي العالمي الذي احتلته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فحلت الصين محل الاتحاد السوفياتي، وأصبح هم الاستراتيجيين الأميركيين ينصب اليوم على منعها من الوصول إلى نفط الحوضين النفطيين الأهم في العالم إلا إذا كانت مفاتيح آبار النفط فيهما بأيد أميركية، ومن هنا الأولوية التي تمنحها إدارة أوباما الأميركية للحرب على أفغانستان – باكستان، لمنع التواصل الصيني مع إيران وباكستان عبر أفغانستان، ومن هنا أيضا الخلاف الصيني – الأميركي الذي يهدد حاليا بالتحول إلى أزمة في العلاقات الثنائية.
وفي هذه المرحلة لم يعد مستغربا أن تعيد سياسات "الدم مقابل النفط" الأميركية النظر في موقفها السابق من حلفائها المسلمين، وفي مقدمتهم العرب، و"مجاهديهم" ليتحولوا في نظر واشنطن إلى "تطرف" و"إرهاب" يمثل العدو الأول للولايات المتحدة، فقط لأنهم يريدون نفطهم لهم وتحت سيادتهم.
* كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*






