جلال / عقاب يحيى
حكايتي والعكّاز صارت طويلة، متشابكة، شديدة التعقيد، والغموض . كثيرة الاحتمالات، والقراءات، والتأويلات . تشبهني، وتشبه، في وجوه عديدة، الأوضاع العربية على العموم، والمعارضات منها على وجه الخصوص، والحالة السورية بطريقة متناغمة، توأمية .
عكازي الذي لم أستشره الاستخدام، ولم أسأله طاقته على التحمّل، ولا رغباته، وميوله، ناهيك عن تلاوينه، وتماوجاته، وحساباته.. بدا، ولوقت ليس بالقصير، واليسير، أنه ساكت، صابر، مستكين، كأنه خُلق لأجلي أنا صاحب الوزن الثقيل، الذي لا يرحم محتواه، وكأنني قدره الذي لا فكاك منه، فحملني، وتحمّل فترة تدرّبي عليه، وأخطائي الكثيرة في طريقة الاستخدام، والتنافر مع المطلوب، وفي استبدادي المتأصل، وذاتيتي الغارقة في مصلحتي الشخصية (وفقط) التي لم ترحمه أثناء سيري فوق الحفر، والحصى الناتئة، والحجارة الحادّة كالسكاكين، والجوّر التي تمتلئ بها الطرق والوجوه والوقائع، وكثير كثير من التعلات، والثعلبات، والمنخفضات، والتآليل الفوضوية، والقذارات التي تجمع يومياً نفايات تتعاظم .. فيضطر ـ المسكين ـ إلى خوض هذا الغمار دون أن ينبثّ ببنت شفة (كأنه شعبنا الساكت ـ الصابر ـ القانط ـ الغيبوبي). ومن جهتي لم أنتبه مرّة إليه، رغم ما أدعيه من ألفة قامت بيني وبينه، ومن شفقة على المحرومين وأبناء السبيل، والمستلبين، والمضطهدين، وشعاراتي الكثيرة عن الحرية والتحرر، والقرار المستقل لكل المخلوقات، وحرية التعبير، وأقله : التنفيس ببعض ما يشير إلى ما في الجوف من آهات ومطالب، ومظالم، وأمنيات ..لم ألاحظ مثلاً أن نعله(تلك القطعة البلاستيكية التي توضع في نهايته) قد أخذت بالتشقق والتآكل والاهتراء، وأن عاديات الزمن أخذت تظهر عليه في أكثر من مكان وشكل(بقعاً وأشكالاً شتى من البعجرة والقحوط)، وأنه يشيخ قبل الأوان، أو يريد الاعتذار من هذه المهمة المُكْلِفة التي تورّط، أو وُرّط فيها، وما من سبيل (لأنه لا يملك قراره، ولا يقدر أن يفلحص أمام جبروتي وعنادي) .
المشكلة أن وزني ثقيل، وأثقل مني ما أحمله من أفكار مليئة ـ متكدسة من قرون الانحطاط، وأوهام النهوض عن الوضع العربي، والحاضر والمستقبل، وأهمها، وأكثرها وزناً ووقاحة : هزائمنا وخيباتنا وما يتبقى من صور زعمائنا وهم يتفقدون الرعية والرعايا، ويطمأنون على صحة المواطن ومدى بشاشته وحبوره وفرحه الذي يمكن أن يؤدي إلى الموت(موت من الضحك)، ونشرات الأخبار اليومية فينا، وكمّ الدجل الكبير الذي نبتلعه ونتآلف معه عن العبقرية والفرادة، والانتصارات المنتصرة في الحفر المرتجفة، والسراديب المؤتلفة'سرداب كلمة فارسية بالأصل)، بما في ذلك ما يمكن اعتباره خيانة، ونكوصاً، وألاعيباً مكشوفة.. ومع كل هذا الوزن الخارق لم أدرس بعمق وتفحّص نوعية العكاز، ولا قدرته على التحمل فألقيت بكل تلك الأحمال عليه دون شفقة، أو تحسّب . أكثر من ذلك.. تحمّل (الضحية) أطوار حالاتي النفسية شديدة الاضطراب، والانفعال والنرفزة، وردود فعلي الناقمة على أفعال حاكم زيمبابوي المتجبّر، وفرحي الغامر بمصيرنا وأوضاعنا ومستقبلنا المشرق، والأحوال الصحية لحكامنا(أطال الله في عمرهم، وأكسبهم أفضل الصبغات وشدّ الحاجبين لمزيد من الرهبة والهيبة والتخويف)، وهياجي كلما سمعت نشرة أخبار مليئة بالواقع العربي المزركش، أو تفاعلي مع الشقلبات والمردغات والمسخرات التي تتوالى تحت يافطة الاعتذار تارة، والواقعية الباكية تارة أخرى، والواقعية المنبطحة، النابحة، المتسولة، المتوسلة تارة ثالثة، والواقعية الواقعة فيما يسمى ديمقراطية في (العراق الجديد) رابعة، وانتشار انتصار البهورة الممانعة في أسواق السمسرة الجائعة.. خامسا، و..سادساً .. وركبت رأسي أمام صمته، وسكونه، وطواعيته ..
فجأة، ودون سابق إشارة قررت الاعتذار منه على الملأ(بلغة بليغة ، واضحة، مباشرة لا تقبل التأويل والتأليل والتحليل) . أكثر من ذلك : أقسمت أن أقوم أمامه بنقد ذاتي صارم وشجاع وجذري أعلن فيه (له) أخطائي، وأنانيتي، وقسوتي، وعدم فهمي(وعيي) لطبيعته، وموازين القوى بيني وبينه، وأنها وإن كانت مختلّة بالأصل لصالحي، فذلك منطق الأشياء التي ارتضاها من قبل أن يكون عكازاً للآخرين يُمتطى، ويُستعمل بالكيفية التي يقررها المالك، وأنه لا يملك سوى الانصياع والتنفيذ، وأنني كنت منفعلاً، مُساقاُ لا إرادياً تحت وقع صدمة المرض من جهة، وتعاقب المسلسلات العربية، وما أراه في فلسطين، والعراق، واليمن والسودان، وحتى الصومال (لم أتجرأ أن أتوسع بتناول بقية الأوضاع العربية خوفاً عليه من الانتحار قهراً، وخشية أن أفقد زمامي فأعود إلى انفعالي، وأبطش بقسمي، وبهذه الالتفاتة الإنسانية ـ الثورية مني، فأخرّب كل ما نويته، وما أقدمت عليه من تشريح لشخصي، وتاريخي، ونضالاتي، وعنعناتي، ويأسي، وبؤسي، وبأسي.. والكثير الكثير الذي نطقته : تقويماً، ونقداً، وإعادة نظر، وكأني أغرف من محيط، أو من كهف باتساع الوطن العربي(الكبير) ..
أقنعني سكوته بأنه موافق على ما قلته، وأن مرحلة جديدة ستكون بيني وبينه، نطوي فيها الأمس، وما أصابه مني، ونواصل وفق وعينا الجديد، خاصة وأن اعتذاراً، وتقويماً، ونقداً ذاتياً بذلك المستوى يفحم من هو أهم منه، وأكثر يباساً وركوب رأس، فهللت وتهللت.. وعاودت رفقته، وأنا أنوي أن أبذل جهداً معتبراً في التخفيف عنه، وتجنيبه ـ ما أمكن ـ المناطق الوعرة، والتضاريس الحادّة، والحفر المنظورة، والمناطق المنخورة... وفشلت في أول اختبار ومشوار ..
فشلت لأن الأوضاع فوق طاقة مقدوري، وحساباتي، ونوايايّ ..فوعدي بأن أكون رقيقاً، رفيقاً به يحتاج إلى تخفيف وزني عشرات الكيلوغرامات، وتفريغ رأسي، وذكرياتي من ما ضيّ، ومني إن أردت الصراحة، ومن تلك الأفكار والشعارات التي تنخّ لها الجبال، وعدم سماع نشرات الأخبار، وتحليل المحللين، وتوقعات الاستراتيجيين، وقراءة الطالع والكفّ بحثاً عن آمال الهفّ، ووعود التف، وبرق الحتف . وطالما أنه ليس بمقدوري(أو قناعتي الواقعية) القيام بذلك الفعل الصعب في التنحيف والتخسيس، لأنه يحتاج ظروفه النفسية، ومليون عامل وبرنامج، وإرادة أقوى من إرادة الحكام العرب في التعامل مع قضايا الأمة والمواطنين ... فشلت، بل لاحظت، وكأنه نوع من ردّ فعل(مثل جميع ردود أفعالنا) أن وزني يزداد، وكأني أجاكره، أو كأني أفتح مغارة التحدي داخلي التي لا تقبل الفرض من أحد(إلا من حكامنا الأفاضل) ..وأن انفعالاتي تزداد تشابكاً وإخراجاً لصديد اختلاطي يصعب على أكبر عرّاف أن يعرف تخوم حدودها بين مراحل الزمن العربي المتوارث أباً عن جد، وكابراً عن كابر ..
وحاولت(مخلصاً) التخلّص من الأفكار والقناعات والشعارات والآمال، وحتى الأحلام، ونسيان ما تقوله نشرات الأخبار، وما تكتبه الصحف الزرقاء والحمراء والسوداء، وما تحمله غيوم الربيع والصيف والخريف من ألوان واحتمالات ينقلها عشرات المختصين والمحللين والعارفين بأحوال الطقس وتقلبات الأنواء.. لكني ما نجحت سوى قليلاً، ذلك أن (العملية) بدت ألعن من قلع الضرس، وشلع الظفر، وكأنني أُرغم نفسي على دخول واحد من السجون العربية(القديمة وما بعد الحداثة)، إذ تحتاج إلى تغيير المخ كله، ومحو الذاكرة، وإلى سلخ الجلد الذي تمْسح واعتاد التعوّد فما عادت تؤثّر به أكبر الكوارث، وأشنع الصور والمناظر الدامية المرمية في أرجاء وطننا الكبير.. فهربت إلى التبرير، وإلى إقناع نفسي بقدرتي على إقناعه(العكاز) بأن يرحم حالي، ويقدّر ظروفي، وأن التغيير المطلوب يتجاوز الانتحار إلى الموت القصد(الموت الواعي)، وأنه(العكاز) لا بدّ أن يكون رحيماً فيرأف لحالي، ويعفيني من ذلك الوعد النزق الذي وعدته إياه في لحظة انفعال وتهور وحماس أقرب للجنون، أو إلى الغيبوبة (كالسكران) ..وأقنعت نفسي أنه لا شكّ اقتنع بمبرراتي وموجباتي ..فارتحت، وانفرجت أمامي الدنيا لا تسع نيران حماسي الجديد، خاصة وأنني أقسمت بشرفي ومعتقداتي أن أجنّبه متاعب الطريق ونتوءاته، وأن أكون رحيماً بالتعامل معه . أي أن لا ألقي بكل ثقلي وأحمالي عليه بتلك الطريقة السابقة (الوحشية ـ اللامسؤولة)، وأن لا أعرّضه إلى تلك التضاريس الشارعية التي آذته فعلاً .
وطالما أنني أقنعت نفسي بأنه اقتنع بمبرراتي فيما يخصّ الأهم(وزني وما أحمل)، فإن بقية الأمور ممكنة، إذ يمكن، ببساطة، تغيير الطريق الذي اعتدّت السير فيه يومياً إلى طرق أخرى، طالما أن المسألة طرق بطرق وزفت بزفت . عزمت وتوكلت بولوج طريق آخر.. وإذ بي أمام نفس الوضعية السابقة، بل أسوأ . وإذ بالطرق تتشابه، والدروب واحدة(تقريبا).. نفس الحفر، نفس الجوّر. الكثير الكثير من الحجارة الناتئة، وبقايا صخور تبرز كالسكاكين والحراب الجائعة، الكثير من الطين والغبار والقاذورات المتجمّعة التي تخفي تحتها حقائق مجهولة لمثلي ومثله، والأكثر منها تلك الحفر الطويلة، المتعرّجة، السوريالية التكوين والتداخل التي أكلت الزفت والأرصفة وخلطت حابل الماضي العتيق بنابل مستقبل(زاهر) تعد فيه الحكومات المتعاقبة بتحسين الطرق كي لا يهترئ نعل المواطن المغلوب فتضطر إلى استيراد المزيد من النعال، وإلى رفع الأسعار التي تجلد ظهر الفقراء ـ البسطاء ـ مواطني التعتير النجباء ..
مع ذلك، قررت تنفيذ وعدي القاطع بتجنيب(عكازي) كل المخاطر الممكنة، فرحت أدبّ كالعميان، وأطيل النظر في كل سنتيمتر من الأرض وكأني جيولوجي(أو خبير استراتيبجي ينقّب عن البترول، أو عن آفاق العرب ومستقبلهم)، ونجحت فعلاً في قطع مسافة لا بأس بها، تبلغ بضعة أمتار، وهذا إنجاز تاريخي في مثل هذه الوقائع التي أوجعت عيوني، وجعلتني أدوخ، وعندما دخت ركبت رأسي تلك الأفكار(اللعينة) عن الأوضاع العربية، وأحوال فلسطين والعراق(والسودان واليمن والصومال ـ أيضاً)، فتتالت الصور رغماً عني، وعن محاولاتي إبعادها، وإذ بي أجول في شوارع الوطن الكبير : الخاضع والبائع والجائع والممانع والقانع والقابع والضابع والمضبوع، وإذ بالتوتر يفقدني اتزاني و(حكمتي) ووعودي، فهاجت النفس وماجت البدوية، وإذ بي في لحظة واحدة أضرب عكازي بقوة في أرض اختلاطية، فأعود إلى(كبريائي)، وشموخي، وألعن العكاز، ومن صنعه وأوجده، وكل من تعكّز وعكّز وحلم بالتعكيز أو راهن عليه، والساعة التي وعدته بها، ونزلت أفشّ به بعض غلي وغضبي، ولم أتجرأ، أو لم أنوِ قصداً ذكر وشتم البلدية المسؤولة عن حالة الشوارع، لأن ذلك سيقودني إلى السلسلة الأعلى، ولأني مواطن صالح، قانع، راض بالمكتوب والموهوب، وجدت أن مصيبتي كلها تتلخّص بالعكاز، وأنه لا أحد غيره من قادني إلى هذه الورطات المتعاقبة، وأنني لو حزت عكازاً قوياً مجربّاً، ومؤهلاً لحمل الأحمال الثقيلة(من عياري وعيار أفكاري وهمومي) لما حصل الذي حصل ..
عكازي يبدو أنه يئس من طبيعتي، ومن رجاءاته الصامتة، ومراهناته على إنسانيتي الظرفية، وربما أدرك قراري بالبحث عن بديل له، وخلعه، ورميه، فقرر الانتقال من مرحلة الصمت إلى العنين والأنين، وإلى تخويفي بتلك الانحناءات التي راح يفعلها وأنا بين مصدّق ومبهور، إذ كيف لقطعة جامدة من خشب الخيزران، أو الزان، أو اللا أدري أن تعنّ وتئنّ وتصدر أصواتاً منذرة وكأنه ديك مذبوح ؟؟!!، ولأني خائف بالولادة، وخائف من الخوف والاحتمالات.. ركبني عفريت أن يفعلها انتقاماً من صلافتي فينتحر بطريقته، فرحت أرسم أشكال انتحاره، وقد تخيّلته نتفاً، أو قطعاً يمكن أن تصير مثل النبال، أو (النبق) الذي كنا نلعب به صغاراً، ويمكن لقطعة منفعلة منه أن تثأر بعنفوان المضْطَهَد من عيني، او في أية منطقة حساسة ومؤلمة .. وإذ بي أتحول خلال ثوانٍ إلى أرنب تركبه عفاريت جميع أجهزة الأمن العربية(الراقية ـ الحديثة ـ الوقورة)، ومعها أجهزة الجستابو والسي ـ آي ـ إي، والموساد، وغيرها وغيرها، وهي تحاول اصطيادي، وإعادتي إلى وعيي وتأدبي كمواكن صالح، مسالم لا يهشّ ولا ينش، ولا يتشّ بشيء سوى اللهج بشكر أصحاب نعمتنا، والدعاء لهم بطول البقاء والعمر المديد.
كنت قد اتخذت قراري، رغم لطمة وعار ذلك الاعتذار الذي ركبني كالإثم الآثم، وتلك المناحة التي أقمتها في نقد تاريخي وذاتي وأفكاري والتي لم تفدني بشيء، ولم تبدّل جوهري المكابر، وإذ بي أدخل لا إرادياً مرحلة جديدة من نقد الذات، موضوعها هذه المرّة : نقدي السابق لذاتي، واعتذاري العلني أمام ملأ عكازي، فكدت أزوغ وأدوخ وأنا ألج مرحلة نقد النقد، ولم ينقذ وضعي سوى أكوام التبريرات التي احتشدت أمامي بكل الألوان الزاهية، الراقصة وهي تسهل لي ما أقدمت عليه في لحظة اندفاع مجنون كنت أقرب فيها للغيبوبة..
قراري الذي لا رجوع عنه : رمي العكاز القديم . أي تبديله بآخر أقوى وأفضل، وخلال لحظات أشرقت شمسي بفيض من الأمل والتفاؤل، فنسيت أنين عكازي وأوجاعه، وصراخه وتهديداته، وأعلنت بصوت قوي : ليكن ما يكون.. سأخلعك خلعاً لا رجعة فيها، وصممت أن أقرن الوعد بالتنفيذ(وهي من الحالات القليلة التي أفعلها)، وذهبت من فوري لسوق العكاكيز.. وكم كانت دهشتي كبيرة وأنا أبحر في محيط لا نهاية له.. كأن الأسواق كلها صارت لا تبيع سوى العكاكيز، والدهشة الأكبر في تلك الأعداد الغفيرة من البشر التي تؤمّ المكان للتسوّق والفرجة والعرض والاستعراض.. فتهت أمام تلاطم الرغبات، وتعدد الأصناف والأشكال والألوان، ولم أعرف إلا ساعتها أن هناك منافسة حادّة دولية وإقليمية على عرض آخر أنواع العكاكيز، وأن الصراع على أشدّه بين المحتكرين.. إلى درجة أن خبراء محنكين وتاريخيين في علم العكّاز وأصله، وخشبه، ومعدنه، وخليطته، وصباغته، وانسيابه، وعقفته، ونهايته .. بدوا تائهين أمام ذلك الضخّ الإعلامي الكثيف، وحرب الدعاية التي تستخدم أسلحة لا علم لهم بمعرفة كنهها، ولا حدود الحقيقة فيها، وسمعت أكثر من أنيق متأنق يكرر توهانه وهو يردد : اختلط الحابل بالنابل، خاصة وأن المعروضات مشوّقة وفيها العديد من المغريات والمرفقات، وجوائز ترضية، وجوائز القرعة، وجوائز لمن يشتري أكثر وأغلى . وعرفت أن الباطرين، المميزين من شعبنا بالأناقة والمَظهرة لا يشترون العكّاز لحاجتهم إليه بقدر ما هي الموضة، وتكديس المقتنيات، والمفاخرة بالإمتلاك . كما عرفت أن العكاز المناسب يجب أن يكون متناسباً مع اللباس، وربطة العنق باللون وحتى الهيئة.. وأن عالماً فسيحاً، معقّداً يقوم على العكاز، وفعله الضمني، أو الاستعراضي، البَهوري .
ورغم أن الصينيين ملأوا الأسواق بكل الأنواع والأشكال المزركشة، والخفيفة، ونصف الثقيلة، ودعّموها بأسعار مغرية تسيل لعاب الطمع بالامتلاك.. إلا أن الإقبال على مصنوعاتهم كانت ضعيفة، وحصرية على الفئات الشعبية المُعدمة التي لاحظت أن معظمها ممن أكل الدهر عليهم وشرب، وكأنهم بقايا حُطام الزمن العربي الذي كان في سالف العصور والأوان، وندر أن مرّ مريّش عليها، خاصة من هؤلاء : حديثي النعمة الكثر الطافحين ببثور النهم، وكروش العظمة، وبحّة الصوت الآمرة، والمشية الطاووسية الفاخرة، بينما كانت منتجات الغرب على العموم، وأمريكا على وجه الخصوص هي التي تسيل اللعاب، وتفتح دفتر الشيكات، والجيوب.. وكأن سعاراً مسعوراً يلطم العقول والمظاهر فتستفحل الرجولة (والنسائية أيضاً) الراقدة في جحر الأنا الاستعراضية لتتفشى البهورة، ويسخن أنا الأنا التنافسي.. فيكثر الشراء والإقبال.. إلى درجة أن الحسرة سالت لعاباً بارزاً من عديد الراغبين بالاقتناء والتعامل مع تلك العكاكيز البارقة، ولأنه لا مكان لهم في عالم جنون الأسعار الذي حدث.. رأيتهم منكفئين في الزوايا، والظلال، وكأنهم خجلى من أن يراهم أحد فيشمت، أو يكتب تقريراً بحالهم، بينما آثر بعضهم التنقيب في "بالة" العكاكيز عله يجد تائهاً مقبولاً من صناعة غربية يمكن أن يصبغه ويلمعه ويتباهى به، بينما عديدهم انسحب مرغماً.. فتاه في الزحام، وقد رأيت دموع البعض اليابسة كالبثور على الخدود وفي المقل ..
لا أدري لماذا انشقّ الوفاء والحنين انبثاقاً مسيطراً على عقلي لعكازي الذي اضطهدته ورميته بقرار أرعن.. ففاضت نفسي بالذكريات الجميلة عنه، وعن أيامه الطويلة معي.. وإذ بي وبقرار حماسي أقرر أغادرة السوق فوراً بلا فرجة أو شراء.. والعودة لعكازي مهما كان الوضع، ومستوى الأنين، فغمرتني أفكار الإصلاح والترقيع، وإذ بي أمام معطيات إيجابية تكدّست متجمّعة تسدّ أفقي العقلي وهي ترسم لي عوالم عكازية أبدية، فأكاد أطير شدواً بأفكاري العبقرية، وأنا أردد بيني وبين نفسي(هذه المرة) : ما من حاجة أبداً للنقد المعلن، وإعادة النظر والاعتذار، وبالوقت نفسه للتجديد والتغيير، وإن بقاء الوضع على حاله أستر وأضمن من المغامرة والبهدلة وكشف عورات الذات، أو جلدها بلا داع ومبررات .
أيقنت أن الحالة أفضل مما اعتقدت، وتوهمت، وأنني قدر عكازي، مثلما أنا قدره، وأن أنينه ردّة فعل انفعالية يمكن علاجها ببعض الرقّة، والكلمات التي تطيّب خاطره، وأنني وإياه مثل(وحدة الأضداد)، وقد أعجبني الاكتشاف فمضيت مسرعاً لالتقاطه وتقبيله بحرارة افتقدتها سنوات الاغتراب القهري، وكأنني ألخص في عواطفي نحوه عمراً يتناثر في محاجر العيون، وظلال التلال، وقررت علاج بثوره وتآليله وهنّات الزمان فيه، وصباغته بلون جديد تعيد له شبابه، وتُشعره، أو تشعرني بالأحرى، أنه قوي وقادر على العطاء والحمل والتحمل.. حتى الأوزان الثقيلة جداً، ومن عيار الهمّ العربي، وأخبار المسؤولين وحركتهم وحراكهم ...
الأربعاء، أبريل 14، 2010
أنين العكاز
الثلاثاء، أبريل 13، 2010
إلى أمي: في عيد الأم الذي لم، ولا يجيء
جلال/ عقاب يحيى
هي المرة الأولى التي أكنب لك وعنك ـ علنياً ـ ولا أملك سبباً محدداً(جديداً).. لعله وجع السنين . ألم المرض والندم النادم أن يكون ولا يكون . صوّر رفاق وأحبة وأخوة يغادرون بلا شفقة أو وداع . حالنا .. حال الأمة، وكنتِ رمزاً أثقلناه كثيراً بأعبائنا وما عرفنا يوماً أن نحتفل بعيد الأم الذي لامَسَنا عابساً، مكتئبا، معاتبا، كأنه نهاية الخريف وليس بوابة الربيع..مثله مثل الكثير من الواجبات المسحوقة، والأعياد التي عبّستنا فأقحطتنا، والآمال المُغتالة، والوطن الشريد.. ربما، يا (أم علي) حجم المعاناة والتضحيات التي تناثرت ولم نستطع مطاردة مقرّها ومآلها، وشظاياها التي أصابنا بعضها بجراح لا تندمل، وكنت من أبرز الضحايا، وكبوش فداء أعبائنا وتصميمنا المعاند حتى الاستعداد للموت، أو الانتحار على بوابات العقل العارف بالكثير، وشيء يشبه قدر الاختيار الذي كأنه لا مفرّ، وتصميم الثبات وسط الأمواج والتماوجات وتلاوين الشقلبة، وبدوية الغلب والمغالبة . ربما لوحة الموت الحاضرة في الذهن والدروب أشكالاً سريالية تختلط فيها الذكريات والصور الصاخبة المكتئبة، والتواريخ التي ترامت فتكلّست، والبلد العشق المطوي في علب السردين وأندية المافيا، واغتيال الحياة، والغربة الهاربة من لحظة حرية لم تتنشّقها، أو تقترب منها . ذكريات الشباب الطافح بالجموح الجامح وضحكاتك من غَمرنا وطوفنا المراهق، المندفع، الصادق، وكلماتنا الكبيرة التي تملأ جوف الليالي الطويلة، وتبرقش الفجر بتلاوين مختارة لا علاقة لكم ـ جيلكم ـ بها، رغم أننا ندّعي أننا منكم وإليكم، وأننا التوليد والبديل . الاستمرار والانقلاب . البرّ والعقوق(كنا نجمعهما في جيوبنا ولا نحسّ بأننا نتناقض)، فتتوحّدين معنا ولو مرغمة عاطفياً، وخائفة من(غدرات الزمن)، وتماسيح الدموع . اكتئاب التوّحد في الوحدة . قبض الريح لعمر آن له أن يستريح ..
عوامل كثيرة بالتأكيد تحرّضني أن أستعيد بعضك وقد مضى على رحيلك عقد ونصف وما نسيتك . وما رأيتك طويلاً.. طويلاً، فاعتقدت أنك سنديانة الأبدية التي تقهر الموت فلا يقترب منها، وربما يحترم جبروتها ومعاناتها، وانتظارها الطويل فيتمهّل ولو في ثقب شعاع يسرق ومض التكوّن، ومنطق الأشياء، و(التحليل الملموس للواقع الملموس)، وأنك أقوى من الجلطات والسكتات القلبية، ومن إغماض عينين مليئتين بالنداء والحسرة، وأمل اللقاء يوماً.. طالما قاومت وصارعت الطغيان (معنا، ولأجلنا)، وطالما حفيّت الأقدام المتشققة في الدروب إلى تدمر والمزة وصحنايا. وطالما جفّ الحلق خوفاً وسؤالاً عن الغالي الغائب ـ الحاضر، المُبهم، المطارَد.. وطالما تحمل الدعاءات رجاءات التلبية فيسكت الليل على وقع الهمس والرجاء، ثم ينتحب مقهوراً، لأن فجره عصيّ، مُغتصب بطريقة فاحشة.. تسقطين فجأة كما كثير أحلامنا، وأيامنا شبه الربيعية.. ولم أرك.. و" الغربة كرّبة" يا أم، فأندبك صمتاً يخشى البوح والاعتراف، وخشوعاً يتلظى في بؤر الجراح الكثيرة، ودموعاً تجففها عقود الغربة الصخرية فتمتصّ منها الاعتياد، وتتركني على حواف الأرصفة أشدو أغان عراقية تذكرني بك، وبحضيري أبو عزيز، وناظم الغزالي، وفيض الألم في وطن يرتحل إلى التلاشي .
تفترس الغربة(يا أم علي) الأحلام والأماني والعمر، تبني سدودها الخاصة من كلس جيري يمتصّ الخصب، ويقتل الحياة، فترتفع الذكريات مِضغاً تتقيّأ اليوميات المرمية كالنفايات. تكبر الذكريات وقد غاب شفقها فبهتت إلا من الأنا القاعدة في جحر الندم . تتكدّس الأعوام القسرية كالبثور الطافحة، دماملاً تروي بعض فصول العربي المرتحل غصباً بحثاً عن فيء، وأمل لا يتغوّله السراب، والغربة أنواع وأنواع، وأكثرها مضاضة ومرًاراً غربة الذات عن، وفي الجدران المحاصرة، وغربة الأماني عن الواقع، وغربة الخيارات عن المعطيات، وغربة الرفاق في الرفاق، وغربة الموت في الاشتلاع .. وتلك المسافات الأبعد التي تغطي أفقاً مصطنعاً، فنكتحل بالكحلي، والغيوم عابرة وما جاءت بصورة الوعد، وما أنزلت غيثها المحمود، فتكوّرنا، ثم تمزّقنا نثاراً ننفخ بعضه عله يصل الديار فيذكُرُنا، ونستعيد شيئاَ مما حُفر، وشيئاً مما وهبنا وضحّينا(والأمور للأسف يا أم بالنتائج)، والنتائج كما ترين : سجون ومطاردة واغتصاب الأحلام، وقلع الآدمية، وتسول المِضغ من أشداق نهمة لا تعرف الوجل والخجل، ولا لحن الأبدية، ونحن نعاني استعادة الملامح ورسم الصور، وحفر قبور المضامين والتحولات، وبَيْتا المتنبي الشهيران يُعاودان الحضور رغماً عن أكوام غبار النسيان والتناسي، فتنتفض البيداء بعض عشق، وعودة، بعض حنين يركب حنيناً اختلاطياً لبدوي مجلبب بالحلم الفسيح، ينصب خيمة في البلعاس، والأمل بالصيد يضاهي وهج النيران المعطر بالسنديان والبطم وحنّة الصخور القديمة التي لم تتلوّث بالنهب والنهم، وتلك القرْصة من برد لذيذ تُلهب وقع السرمدي فيغيب في الفلا المفتوح، يرتطم الفلا بحداثي مقهور بثقل الأفكار، والكلمات، وأحمال الزمن الذي كان، وتلك الاندفاعة الأشبه باشتعال الحطب المُغتصب ..ويحضر المتنبي هارباً من وهج حلم أضاعه كافور..
عيد بأية حال عدّت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تسهيد
أما الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونـك بيـــداً بعدها بيــد
لم يحضر البلعاس إلا في خواطر الشعر والأدب، والحطابين الذين أدمنوا فعل القطع لتحويله إلى مرثية جرداء تعزف أغاني الحزن الموّرث في أخاديد الزمن الراكد، فيلجأ البعض إلى التورية خوفاً من فؤوس السلطان القاطعة، أو دخول مغارات الإنسان البدائي التي أعيد استخدامها وركوبها واستثمارها، وقد انتصبت الرؤوس المعلقة شواهد التعاقب لزمن عربي قديم ـ متجدد، يعشق البلطة والفؤوس، وذبح النفوس الحرّة التي ما اعتادت التدجّن والتليين والتلوين . وارث موروث .. أدمن قتل العطاء، والخضرة، والأحلام.. وأشجار التاريخ، وعبق الصخور، والبطم .
تنتصب أمي في وداعها الأخير(المفاجئ) قامة تصرخ مضرّجة بحزن دفين، تشقّ ثوب العتمة والخوف، والقهر، والظلم، والشقاء. تناديني الحضور في لحظاتها الأخيرة وقد اشتاقت كثيراً، وملت انتظار وعود الأمل، وغيمات التصيّف، وقحط الفصول . تلهج باسمي وتذكرني شوقاً يمزّق القلب، وحرقة حكاية طويلة، ثم تقرر المغادرة . أستعيدها مولولة خالي الذي جاء خبره مستشهدا في فلسطين، فتتكرر الولولة أزمان الاستبداد المجلبب بسراويل شعارات جديدة، وأقنعة فاخرة تتشدّق تكراراً عن الأهداف والمبادئ والشعب والعدالة والحرية والكرامة، فتغصّ أمي حنقاً هي التي ما عرفت الخوف، ولا تدوير الكلمات والزوايا والفصول والشعارات والثروات، وصوت الجرأة في زمن صعدت فيه النساء حدود السماء، فتراجع(الرجال الرجال ـ أشباههم وأنصافهم وخوفهم وجبنهم وتحسباتهم).. تضرب أمي(وجمهرة الأمهات والنساء) حواجز العسس وأسياط إدمان القهر والتخويف والتدجين أمام القصر الجمهوري، تبتعد الحواجز مهزومة، والإرادة صوت نسائي موحّد : مقابلة الرئيس لإطلاق سراح المعتقلين المظلومين الذين لم يفعلوا شيئاً سوى أن أحبوا الوطن بطريقتهم . حلموا بالاتساع الذي يفتح الأفق، فحشروا في عتمة الزنازين والأقبية، أشباه بشر، بعض بشر مرمية سنوات، وأمي تئنّ لكنها ترفض أن يسمع أنينها أحد(غريب) خوفاً من الشماتة، وفي الصبح تمسح دموعها ودعواتها، تصرّ بقجة الزوادة التي حضّرتها قبل أيام وفيها الكثير من الدموع الفخورة، والدموع المقهورة، والأغاني التي اعتادت شدْوها وهي تسرد لنا ما حفظت من سيرة بني هلال، وحكاية أبو زيد ودياب بن غانم، وعنترة، وكثيراً مما حفظت واحتفظت به مما يعتبر مفاخر العرب وعزّهم وكبريائهم ونخوتهم، وتضيف إليها ما يحبه كل ابن من مأكولات . تهدهد مهدنا وهي تستعيدنا صغاراً وتتحسر(كلما كبرتم كبر همّكم)، وهمنا كبير، وخطير، ومن العيار الثقيل(أعداء للوطن) ..
منذ الفجر، والنوم يجافي العيون وهو يعيد شريط الذكريات.. يوم تزوّجت، ويوم جاء بكرها صبيّاً، بعد ابنتين، سلمت واحدة منهما(وسط مجتمع ذكوري لا يتقبّل البنت كثيراً) فلم تسعها الدنيا(وكَرّ الصبيان) فرحاً يملأون البيت والأعماق(سنداً وظهراً.. وآهات)، لكنه البكر وهو سجين رهينة، سجين مظلوم على حساب أخيه، والآخر الذي لا تعرف أي أرض تحمله، ولا أية بقاع تغطيه بدعواتها، وبذلك (الحجاب ) القوي الذي دفعت فيه دم قلبها كي يحميه شرّ الأعداء، والأصغر، والبنت، وأولاد البنت الثلاث .. كومة أولاد (يلعنها أبو السياسة) والامتداد جولات تتعوّد فيها على معرفة الجغرافيا المتعرجة، والسجينة، والمحمية بآلاف (الكولبات) والعيون الغاضبة، والألسنة القذرة وهي تشهر سلاحها ومخزونها شتائماً وسباباً وإهانات من كل الأنواع، وتنوّع الفصول من سجن تدمر إلى المزة.. إلى صحنايا.. إلى الهمّ الأكبر على ذلك (الذي لبط النعمة) فجرّجر العائلة معه.. ثم توارى كالطير الذي لا يعرف أحدّ مستقرّه . تتقبل إهانات عناصر الأمن وشتائمهم، وقد استغربوا هذا الكم من الأولاد، والأقارب، وتلك العزيمة المصرّة على الحضور في مواعيد الزيارات، والجرأة في الردود ومحاولات التوضيح والتفصيح.. وعندما كان بعضهم يتهمها، أو يتهمهم بخيانة الوطن كان شموخها أقوى من الخوف فتردّ بما عرفته عنهم : لم يسرقوا، ولم يجرموا، ولم يسيئوا إلى أحد، وقد يفور الدم فيصل اللسان. يغلي الدم الحانق فيثور ببعض كلمات تفشّ بعض الخلق، وتنفّث شيئاً من كُربة . وقد تبكي حرقة داخلها فتكاد تلعنهم (أولادها) الذين جرجروها، وأقحموها فيما لم تكن تفهم به شيئاً، ودعوا مثل هؤلاء يهينونها.. وقد تعتب عليه ـ ذاك (الطافش) كالحلم، لكنها رغم كل شيء، ورغم أنه ركل السيارة والامتيازات، والجاه والعز .. فخورة به، وبهم.. وقد تجد عزاء، ولو مبطناً عندما يناديها بعض الصحاب ب"أم المناضلين" كأنها التعويض والتنفيس، والرد الأشمل عليهم هؤلاء(الأعداء)، وإن كانت لم تعرف سوى الغصّة والحرقة .. وجفاف الحلق، والدموع، وانتظار موعد الزيارات.. والدعاء الذي لا يتوقف بأن (يوفقهم وينصرهم ويُعيدهم)..
****
لم أتحمل سماع نبأ وفاتها المفاجئ، وكنت أمنّي النفس أن تتحسن الظروف فأراها في غربتي (الغربة كربة يا ولدي).. فامتدّت الأعوام أعواماً، وتراخى الزمن كسولاً، عقيماً، جاحداً. خرجت وحيداً إلى شوارع حزينة ترتعش أشجارها فعل قصف الريح وما تلقيه من نفايات بشرية طفح بها عصر الاستهلاك فغطّى وجه العقل، واخضرار الأماني.. وتهت في إدراك معنى الرحيل والغياب، والحضور، والدمع الذي يصارع كبرياء يصرخ البدوي فيه أن توقف.. وذلك السكون الأشبه بقاع أفكارنا وآمالنا شبه المحنّطة.. فرحت أواسي آخري اليتيم بأن الغريب لا يعرف أن يحزن لأنه يموت بالقطعة، وينزف كل يوم بعض بعضه، وذكرياته، وكيانه، وعبق الأرض، والحياة.. ليستديم صقيع يابس، حاد يجرح الدمامل فتختلط أنواع القيح وهي تشكّل ما يشبه الساقية المتعثرة في مستنقع الانتظار .
أمشي بلا هدف، كأنني مطارد يستعيد سنوات خلت، كأنني أهرب من مفروض يفرض فروضه، فأرتطم بالوعي الخائب عائداً جنينات المراهقة وقد امتطى سيفاً لامعاً أشبه بسيوف الأطفال، فأهرب خوفاً، والخوف مأمَنَة . الخوف سياسة تنتج دجاج المزارع المقصوصة المنقار فلا تفعل شيئاً سوى البيض وانتظار موعد الذبح، وأنا مذبوح في غربة يتطاول فجور زمنها فيأكل وهم الفجر، وحكايا الرجوع . وتنتصب الكرامة درعاً ورأس حربة، ومتراساً ..فتهرب الفصول وقد اختلطت فما ارتوت، ولا شبعت .
ككل أمهاتنا أمي : خصب وعطاء لا يعرف الحسابات والأرقام ولغة المصالح، والأنا المتغولة، ولا قوس قزح السياسة، والتبرّج . وفوق ذلك كانت فطنة، لمّاحة، ورثت النكتة والتعليق الساخر، وقولة الحق ولو جارحة من أمها الشهيرة في عالم بلدتنا العجوز ـ الكئيبة ـ الفخورة بالغبار وزوابع الأفكار والشعر القاحل الذي يحاول أن يكون التعويض، والخضرة، والحلم الضائع، وعزف الزمان على البكائيات، والأمجاد التي لم يمسكها أحد، أو يراها مخلوق السلمية الجديدة التي نهضت من أنقاض الأنقاض، فاكتنزت أنين المضطهدين، وأناشيد الطامحين إلى وضع آخر، وانتحرت على أبواب الزمن الراكد، المحتبس كالأمطار التي ترفض النزول، فتجف الينابيع، وتتوقف الآبار عن الضخ، ويصرخ العطش باكياً، متوسلاً : لله يا محسنين، والمحسنين قلة، (لأن الحال من بعضه)، والقحط عام، والقطن يأكل أعراس الذكريات ، فتلعن الناس أمريكا وخدعها، والنظام الذي لا يعطي كتباً مجانية للتلاميذ .
تكبر الغصّة، والحرقة، ومعها حقد دفين على الوضع السائد، فتنتصب السياسة صحراء فسيحة : رواحاً، وامتطاء، وتعاقداً أبدياً، وإذ بأكوام الأحزاب تنتعش في زمن قصير، وإذ الدنيا تتشقلب بفيض كالطوفة الجارفة التي كانت تهدم البيوت الهشّة، والأوضاع الرثّة..محدثة ما يشبه الزلزال . زلزال السياسة كبير، والأمل محفور في صخور الجفاف، وأخاديد العسكر والانقلابات، والوعود بالتغيير ..
تتصارع الأحزاب وتتقاتل. تتجادل وتتفاعل، ويجد البعث مرتعه الكبير، فالهواء عليل، ونسمات البلعاس تنعش الأفكار والأفئدة، والبيداء ارتخاء المشاعر، والتهاب التصوّرات(والزمن العربي قادم).. وهات يا انتظار . وهات يا حركة، وخطابات وقصائد تستدعي العنترة القادم من وادي النيل : عملاقاً أسمراً يتأبط الأماني، والتراث، والفجر، والشمس، والحنين، ووجع الأنين .. فتلتهب الأكفّ تصفيقاً، وتبحّ الحناجر هتافات وزغاريداً..
لم تكن أمي سياسية، ولا علاقة لها بالأحزاب والسياسة.. رغم تعاطفها مع أخوتها(أخوالي) الذين تبعّثوا مبكراً .. شَقَوا، وناضلوا، وسُجن بعضهم(وما نالهم غير الركض والشقاء) وما نالوا غير قبض الريح وسوالف الذكريات عن الأمنيات..لكنها، وبفعلنا، وبزخم وقع الآمال والحكايا والوعود فينا.. صارت، في زمن قصير، المحلل السياسي الأول لنساء ورجالات الحارة(كبار السن)، والإذاعة المتنقلة التي تدافع عن البعث(والثورة)، وتعد الآخرين بأيام مختلفة قادمة، وبربيع دائم.. وإذ بها، مرغمة، في طوفة غمرنا الطافح، وإذ بها منافحة، مكافحة، تزعل وتُزعل، ويرتفع صوتها حمية، وإذ بها(سياسية من طراز خاص) تجمع فرحها بنا بحزنها على عبد الناصر يوم اختلف البعث معه فارتفعت تلال الاتهام لعقل عربي مدمن فعل التنتيف والتشقيف، ونكران الذاكرة، والأمس، وعبد الناصر كبير، يلج القلوب قبل العقول، فتستمع خلسة لخطاباته، ورنة صوته العذبة، الخاصة، لكنها (عندما يجدّ الجدّ) تتخندق في خندق الأهل : الأخوة، ثم الأولاد وكأنها تريد أن تقيم حاجزاً بين قلبها وعقلها، بين الأمس وما صار، وتلعن السياسة وأهلها لأنها فرقة واختلاف، و(ليس لها صاحب) ..
الخوف تراث، والخوف عبء على ىالقلب، والسياسة لا دين لها . وبوارق الرعد تجلب الصواعق، وأمي خائفة على أولادها شرّ الأشرار والمنافقين، أولئك القوس قزحيين الذين يتمرّغون بالحربائية، فتحذّر وتنصح . تفرّق بين أصحابي وكأنها تفحصهم واحداً واحداً(كانت نظرتها صائبة أغلب الأحيان)، تحب بعضهم كأولادها فتكثر من ضيافتها لهم حتى وإن كان الوقت ليلاً متأخراً، أو عزومة فجائية طالما أحرجتها بها، ونحن كومة شباب طافحين بالنهم والتنافس الأكلي والأفكار الساخطة ـ المنتشية، المسقية من نبع الصفاء، و(المثالية)، والتسابق في التثقيف والدخول إلى المناطق الوعرة، ثم ولوج التضاريس الناتئة وتجريح جروحها، وفضح دمها الأزرق المتخثّر في عقول كثير من أدعياء الرفاقية والثورة الاشتراكية . وبكثير من المداعبات التي كانت تغتصب النكتة منها فتعلق علينا كلمات مقذعة، لكنها عامرة بالحب، وتبدي انزعاجها من آخرين، فتلطشني ببعض حكمة العمر والحياة، فأمازحها. أمزج الجدّ بالسخرية فتبوح ببعض ما في القلب، فيغمرها حزن خائف، وتنبيه من هذا(العناد الموروث) ، وركب الرأس، أحلّفها أن تقول الصدق، وهل تريديني أن أكون خرقة، أو ممسحة قذرة، أو كيس نفايات تملأه قذارة مسروقة من رفات الأبرياء، ودموع المحرومين.. حينها ينتصب الكبرياء فخراً .. فتوصيني الصدق، والنخوة، والإباء .. فأنتشي .
مهر الصدق يا أم كبير، والسياسة صراع واختلاف . انقسامات وخندقة، وسيوف تقطع صلات الرفقة، والمنتصر يروي التاريخ الذي يريد، والمهزوم يشتم ويلعن، وقد يؤلف قبل أن يخبو الصوت أو يغيب في الزنازين والمطاردة والكهوف والرحيل.. وحين وقف التاريخ البعثي على حد سيف الاختلاف.. كانت مهمومة، حزينة، بائسة، وكأنّ كثير تلك الأحلام تتبخر. كأنّ أناشيد البعث عن زمن آخر قد ملت فانشرخت الاسطوانة، وإذ بالأخوة الرفاق يتقاتلون، فيلعلع رصاص شعارات التمايز والاتهام، وإذ بعدد من الجثث تصل البلدة في جنازة الانقسام، وتنقسم أمي بين ما ترى، وما تسمع . بين أخوتها الأقرب إلى المنهزمين تحت يافطة اليمين، وبين نشوة النصر الخائف من غد يفتح مصاريع الشقلبة، وانقلاب الحراب على القلوب المؤمنة، ونسكت، لأن القلب محتقن بالكثير من الملاحظات والخوف، وسيل المعشبقين الذين تقدموا الصفوف وغنوا أغاني اليسار الثوري كأنهم أبناء بررة، بينما كانوا كالخلد تحت تراب الانتظار .
يطوي الزمن الأمس، والسلطة مَرْكبة يتعلق فيها كثير، والدمامل تتقعّر، أو تنزوي خائفة فعل البثور..وأمي يدها على قلبها، وحزيران فجيعة . حزيران انبهات الوعود المنتحرة فوق صخور الجولان الصلبة، المحصّنة، وزواريب القنيطرة التي لم تقاتل، ولم تدعها البلاغات العسكرية المريبة أن تصون عرضها.. فاستسلمت للرحيل والدموع والتوهان، كما الجيش الهائم في قرار الانسحاب الكيفي.. وفلتان الحقيقة من بين أصابع الأناشيد والبيانات العسكرية الصاخبة، والانتصار الموهوم .. والطائرات التي(أُسْقطت) ولم تسقط فعربدت ..وخوف الخوف من النقد والمصارحة، والمحاسبة والمعاقبة، والتلوي في الشعارات الكبيرة وسيلة، ومخرجاً، ومنفذاً، ورؤى .
تنتصر الهزيمة في مولودها الداخلي : حملاً رجيماً يسلق عواصف الريح، وأفكار الالتقاط الجاذبة للعاب وجمهرة الوعد بالتغيير، محاولاً تعبئتها في زجاجات الخندقة، وخناجر الاغتيال، وإذ بكثير الدمامل تبرز صارخة حقها القديم، المُصان، ودورها، ومكانها، وفعلها.. وإذ بكل شيء يترنّح في براد التردد، والغيبوبة، والخلاف.. وإذ بروائح العصور تطوف القصور وحانات الخمور .. تسأل الثأر.. وإذ بالدنيا غير الدنيا، والتعثر انتظار النتائج، والنتائج باهتة تأكل صوت الإذاعة وحروف الصحف، وصور التلفزة التعبة صراخاً عن الشعارات التي تتمزق، والثورة التي تذبح في الأردن، والآمال المندحرة في مؤتمرات القمة، وانسلال الحلول الداخلية مثل أفاعي الرمال، وفجيعة الفواجع برحيل الزعيم الكبير .
أبيضاً كالسكون ذلك الانقلاب المنقلب، والدنيا هيصة، ورجّة، وكلام كثير كبير، واتهامات بالجملة، ووعود سهلة بالرجعة.. وأمي مذعورة تنادينا من بعيد، كأنها تريد أن تحتضننا وقد خالتنا صغاراً يمكن لذراعيها أن تحوشنا فتحمينا شرّ الغولة التي تطرق أبوابنا، وكبرياءنا .. لكن هيهات ..
ويسري مثل التاريخ دخاناً في نيران اللظى(( ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس))، وأقول لأمي : رأسي كبيرة يصعب أن تدخل خرم الإجبار، وفعل التربّص، و"سيلول" الخيانة الصريحة للمبادئ، وما عرفناه بالشرعية، والنظام الداخلي، والأفكار الطائرة في وهج أحلامنا عن الثورة الثورة، والثورة التغيير، واليسار الجبّار.. وأداعبها بعيداً عن هموم أدركها، ومراهنات أعيها، ومتاعب ، وصعوبات، وتركة ثقيلة.. وضباب يغطي وجه الذي جرى.. وتعرف أنني(ألبط النعمة) بكل وعيٍ وجدارة.. وأن مرحلة أخرى قادمة سنصبح فيها مطلوبين ومطاردين..ومعتقلين.. فتضع يدها على قلبها وتسكت.. وأنا متأكد أنها فخورة في عمقها بتلك الأصالة التي رضعناها حليبها، وبعزيمة الصدق في الموقف، ونظافة الرأس واليد، وما في اليد حيلة غير الانتظار، والدفاع الهامس عن وجدان الهسهسة في محراب غد طال ..
تنهمر الشعارات كبَرَد أيار، أو تشرين . تحصد رؤوس السنابل الثقيلة المحملة بالقمح، تاركة (الزيوان) وتلك الفارغة للرقص في زار احتفائية الشبح القادم على جثث البعث المنتوف، والملفوف بغمر من كلام التشدّق في أسواق تسول الشرعنة، ويعلو قرع طبول الوهم، و(الرفاق) يعود معظمهم.. وفي حقيبة التبرير ما يضحك ويبكي، وتعلق مشانق الحزب الأمل، والحزب الوعد والمحاولة، والحزب الممكن، ومعظم القيادة في سجن أبدي : موت بطيء دون تهمة أو سؤال أو محاكمة، والضمير يقرع الوعي، والحصائل والقناعات، فينزلق القرار إلى حقل ألغام المراهنة، ورحلة البحث عن المفقود وسط الضواري، وكلاب المطاردة والنهش، ووسط دمامل التاريخ والغموض، والالتباس، والاحتباس، وقصص البطولة التي جبنت فما حرّكت نملة ..
اللوعة تلطم الخد وقد استقرت اليد عليه طويلاً، والخوف امتداد، والوصايا لا تجد مكانها، فيطول ليل الذعر(وقلب الأم دليلها)، والليل رفيق الأماني الغامضة، والمراهنات الخطيرة، والوعود الخلّبيّة، ومسرحيات المرور على أوكار الطيور .
****
وتقول لي من بعيد بعيد : كم مرة سنعيش ؟ . كم مرة يا ولدي ستحيا، والعمر شحّار وخوف وتعتير ؟. وتقتحم(وكري) للاطمئنان ومعها(حجاب) من النوع النادر، ل"عبقري" وعدها بأن يضع ستاراً كثيفاً بيني وبين عيون البصاصين، وأن يصيبهم بالعمى والطرَش فلا يرون ولا يسمعون، وتتوقف قدرة أجهزتهم على التنصت، وعملائهم على الاختراق.. فأداعب قناعتها، واحلّفها إن كانت مقتنعة بذلك الملفوف في صرّة، وتضحك وهي تروي لي عمر الليالي التي لا تنتهي، ومساحة الخوف عليّ وهي تستصبح الصبح دعاء صادقاً أن يحفظني الله من شرورهم وحقدهم الأسود، ونار انتقامهم، وأن دعاءها مُستجاب، مثلما هو وعد العرّاف.. والدليل : أنني رغم أنوف بحثهم وتنقيبهم .. ما زلت موجوداً .
كثيرة يا أم أحاديثنا تلك السويعات المرتجفة، وأكثر منها محاولات تهدئة روعك، وحقنك بوعود الأمل التي تناثرت في فمي وهي تدرك أنها للتصدير، وأعدك الحيطة والحذر، والدمع يحرق المُقل، وكأنك تودعينني الوداع الأخير. كأنك تقولين : أيها القاسي كم أحبك ..
جلال / عقاب يحيى
الجزائر ـ قبيل عيد الأم ـ آذار 2010






