‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد فوزي عبد الحي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد فوزي عبد الحي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، فبراير 21، 2010

مصر من جمهورية العلم إلى مملكة الطماطم

محمد فوزي عبد الحي

حاول العديد من كتاب الدراما المصرية الضحك على عقول المصريين خاصة والعرب عامة خلال العقدين الماضيين منذ بداية عقد التسعينات وحتى الآن، ولا يسعني أن أنكر دهاء صناع الدراما في مصر خلال العقدين الأخيرين في تنبؤهم بسرقة الحلم من الأغلبية واحتكار الأقلية له بكافة مفرداته، فجاءت أهم المسلسلات الدرامية تحكي قصص نجاح الفقراء والتعساء والكادحين في رسالة لمزيد من الأمل والحلم حتى الموت، فزاهية تتحول من فلاحة أمية إلى نائبة في البرلمان الدرامي عام 1992 رغم تزوير انتخابات 1995 في الدراما الواقعية، والخادم شخلول يتحول إلى رجل أعمال وكبير من كبار الفلاحين ليبتاع أرض وممتلكات سادته ويتزوج من عقيلتهم رغم أنفها، والحاج عبد الغفور البرعي يتحول من "الواد عبده الشيال" إلى رجل أعمال وصهر الوزير وتحية لمن لا يعيش في جلباب أبيه، والحاج متولي يصبح أشهر من تزوج من أربع زوجات في التاريخ العربي..
هذه نماذج قليلة، ويمكن لأي متابع جيد للدراما أن يزيد القراء من هذه الأعمال التنويمية، حيث أنني وللأسف متابع غير جيد وغير مقتنع بعملية التخدير والتنويم المغنطيسي التي يتكفل بها سدنة الفن والأدب المرضي عنهم في البلاط الأموي العربي بمختلف ممالكه الطائفية..
على أي حال، الفاضح في هذه الأعمال أنها لا حقيقة لها في الواقع ولا دليل على صدقها حيث كان الجد والعمل والتعلم هو السبيل إلى الرفعة والمكانة.. وهذه حقيقة لا ينكرها أحد ولكنها حقيقة ماتت بموت جمهورية العلم والعمل وقيام سياسة النهب في مملكة الطماطم..
من المفهوم للغاية أن ترقي أصحاب العلم في السلم المالي والاجتماعي أمر طبيعي ومستحق بل يجب ضمانه في كل ثقافات العالم، وهو نقيض ما يجري اليوم في مصر خلال العقود الأخيرة؛ حيث إن الترقي يقوم على أساس استراتيجية النهب، ومملكة الطماطم وقصة الصابون والصامولة الذهبية..
أعرف أن القاريء أوشك أن تفلت أعصابه من أحاديث مملكة الطماطم المجرمة واستراتيجية النهب، عموما حتى أحل لك اللغز.. عندما يصير أحد العلماء مستور الحال بعد سنوات من الغربة أو يشتري أحد الكادحين بعض الممتكات بعد سنوات الكدح هذا أمر طبيعي، أما ما يحدث في مصر فهو غير الطبيعي، وعلى سبيل المثال
البعض سرقوا أرض مصر فدفعوا للمتر وربما للفدان من الأرض جنيها واحدا أو جنيهات قليلة على الورق ثم أخذوا قروضا من المصارف بضمان القيمة الحقيقية بل والمبالغ فيها لهذه الأرض التي حازوها بوثائق ملكية صحيحة بحسب استراتيجية الصابون – زحلق لي وأزحلق لك ووالحقيقة أسفل الرغوة - وذلك بعد تثمين هذه الأرض من قبل المصارف ومن خلال هذه المليارات اشتروا مصانع مصر وابتنوا القرى السياحية وأصبحوا يمثلون مصر في المحافل الدولية باعتبارهم رجال المال والأعمال وكبار الاقتصاديين ، وذلك دون أن نراهم يدعمون مركز أبحاث أو يخرجون بابتكار صناعي أو يغزون فضاء عالميا أو يقيمون مشروعا قوميا يسترعي الاحترام وهذه هي استراتيجية الصابون!
أما حديث الصامولة فهو ذو شجون وخاصة بعدما أسس المعلم البرعي لامبراطوية الصامولة، حيث يعمل الأجير الفقير بإحدى المهن كخادم أو تابع، وهو في ذلك يتطلع إلى حياة أفضل بحكم قصص العاشقين في الأفلام والمسلسلات المصرية التي تحاول فك لغز الحب منذ ظهور السينما وقد حاولت مرارا وتكرارا كلاما وغزلا وشعرا وعريا ولا زالت تحاول.. ولن تصل فيما يبدو في القريب ..
يقوم هذا الطامح بالتعرف على تجار المخدرات أو تجار السلاح أو تهريبات الجمارك أو مافيا نهريب العمالة للخارج أو غسيل الأموال، وبعد شهر فعام يتغير الحال والمثل المصري يقول: "ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب"، أما شرطة من أين لك هذا فهي شرطة تفصيل حسب المقاس، وحيث لا زالت مصر تتميز بحياة أسرية وعائلية يعرف فيها الناس بعضهم البعض، فإن هؤلاء الطامحين يختارون النزوح إلى مدن أخرى تبعد عن موطنهم وبعد عام أو عامين يعودون إلى موطنهم ليحكوا لنا قصة الكفاح والنجاح وحكاية الصامولة الذهبية والرغوة الفضية وحديث الجد والاجتهاد والكد والسداد وتوفيق رب العباد، ومغامرات الزئبق في مدينة الذهب، ومن خلال استيراد الصامولة وربما الزيتونة تركوا عشش الطيور وطاروا للقصور، وهجروا أكل الفول واتجهوا للحمام أبو زغلول وحنيذ العجول.. وربنا يقيهم عيون كل بهلول!
أما مملكة الطماطم فلها قصة أجمل من هذه وأطرف بكثير، فعندما شاعت المعرفة وانتشر التلفزيون وعرف المصريون - بفضل وزارة الثقافة وهئية الآثار - أن الآثار التاريخية لها قيمة عظيمة وهي موجودة في معظم القرى القديمة على أرض مصر بل وقامت هيئة الآثار بتحدبد أماكن أثرية في مئات بل آلاف المواقع الريفية، قام العديد من الأهالي بمحاولة فك شفرة خوفو ومحاولة الحظوة بحضرة رمسيس وأمثاله، وبعد أن كانت القطع الأثرية يتم التخلص منها بالكسر والرمي نتيجة الجهل بقيمتها أصبح العثور عليها واحدا من أعظم أماني العارفين..
انتشرت عمليات البحث عن الآثار وأسعد الحظ الكثير من المصريين، فوجدوا آثار الأجداد وباعوها بأبخس الأثمان، ولكن أبخس الاثمان هذه تعني الملايين، فلا جرم أن تحول كثير من الفقر المدقع إلى الغنى الفاحش، وعندما فتشوا ونقبوا عن سبب وجيه لهذا الغنى وقع بعضهم على المجرمة الطماطم، فالطماطم عندما تصيبها نوبة جنون ويصير الكيلو الواحد بخمسة جنيهات مثلا هي التي تجلب الملايين وتقلب الموازين، ويصير المواطن سرحان أبو العينين مليونيرا في غمضة عين، بينما كان الشعب في سابع نومة... مظلومة الطماطم يا ناس، والسر عند الملك خوفو!!
عموما أمراء مملكة الطماطم ومنظرو استراتيجية الصابون يعدون الآن العدة لانتخابات البرلمان بينما تقف جمهورية العمل في ذهول تنتظر جود أمراء مملكة الطماطم وماذا عسى أن يقدموه لمواطني الجمهورية من مساعدات في مقابل الهيمنة على حاضرهم ومستقبلهم، وعموما هم أولى بذلك من أصحاب مساعدات عمو سام وإن كان الجميع من أولاد الحرام!
أخيرا، ألا تدركون معي التشابه الكبير بين صناع الدراما في مصر وبين دراما الواقع المصري حيث تنسج القصص الخيالية لتبرير عمليات الصعود المفاجيء وغير المستحق، الفارق الوحيد أن أبطال الدراما التلفزيونية يضحكون علينا بقصص وهمية دون أن يسرقونا أما صناع دراما الواقع فيضحكون علينا بعد أن يأخذوا كل شيء في طريقهم ويتركونا لحلم شخلول والمعلم البرعي..
كاتب مصري

الثلاثاء، يناير 26، 2010

هل يتعانق المصريون والجزائريون في لقاء الخميس؟

محمد فوزي عبد الحي

الجزائر، نبتة برية من الحب الإسلامي والعصبي زرعتها في قلبي كلمات الراحل الشيخ محمد الغزالي وكلمات العلامة الدكتور القرضاوي، لا أتذكر متى أحببت الجزائر غير أنني ما إن عرفت معنى الحب حتى وجدتني محبا للتراب العربي وخاصة جزائر الدم والشهداء، ولو هناك مكان أتمنى زيارته في العالم العربي فهو الجزائر، ليس هذا الحب غريبا على الشارع المصري والمواطن المصري فكم تألمت قلوب مصر مع كل عملية إجرامية كانت تحصد أرواح إخوانهم في الجزائر في حقبة التسعينات وحتى اليوم.
إن ما حدث في أم درمان زوبعة عارضة، اتخذ منها أعداء العروبة والإسلام وترا لشق الصف العربي وتعتيم الرؤية لدى الأجيال الناشئة التي أنهكتها غياهب الحاضر وترقب المستقبل عن قراءة تاريخ الأمة ومعرفة شريك الدم وساكن الخندق في العاشر من رمضان من العدو الغادر الذي يتلمظ غيظا من كل خطوة تقرب بين الأشقاء.
ما جرى كانت حربا تبارى فيها المنتفعون الانتهازيون على الضفتين، في إثبات وطنية موهومة تتلفع بألسنة حداد صوبوها نحو نحر العروبة والإسلام - وهم في الغالب من أعداء مصر والجزائر الداخليين ومن مساندي الدكتاتورية، ومن أعداء العربية لسانا ولحما ودما ودينا، كما ينتمون إلى حزب ابن أبي اللعين الذي يسرقنا ويهيننا ويخلّفنا باسم الشعب وباسم الوطنية وباسم الأمن وحفظ النظام!!
إذا كان كثير من الدعاة المصريين والجزائريين قد عبروا عن أسفهم لما جرى وحاولوا تطويق الفيروس الفضائي، وبكتيريا الغروب العربي، وجراثيم ميّت فهيه، وسفاسف إسفين تلمودي، فقد حان الوقت لمنتخب الساجدين المصري الذي أشاع السجود في ملاعب الدنيا وقال للعالم كله إن غزة في القلب وستبقى في القلب، آن لمنتخب الساجدين أن يضم أحفاد الشهداء إلى صدره كما فعل دائما وآن لأبناء رابح الذين نكن لهم كل الحب والاحترام - ولا أكره إلا تصريحاتهم بالفرنسية حيث أريدها عربية كألوانهم وأرواحهم وإيمانهم- أن يلتحموا في أمسية عربية مع أبناء الكنانة يبدءونها بالعناق والحب ويعزفونها باللعب النظيف والروح المسلمة التي تنبثق أصالة من رحم الحب "أوثق عرى الإيمان الحب في الله"، وتتصل في كل لحظاتها بالحب المتعدي قبل اللازم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
لتكن أمسية الخميس القادم دعوة مفتوحة لقراءة الشخصية العربية المسلمة الحقيقية التي قضى الغزالي سنوات غالية من عمره ليعيد زراعتها في الجزائر، جزائر المرابطين والموحدين، جزائر الأمير عبد القادر، سبط النبي، جزائر عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين، جزائر مالك بن نبي، الظاهرة العربية التي كتبت الظاهرة القرآنية.
وإذا كانت الجزائر المسلمة قد أخرجت أمثال هؤلاء العظماء وهي تعاني الاحتلال الفرنسي فمن المخجل أن تنبري لمعاداة رفيقة دربها وشقيقة قلبها مصر الكنانة وهي حرة مستقلة، إننا ندعو إلى لقاء حب، وعناق تاريخ، واستبطان جديد للحظات تاريخية فارقة عشناها معا ولحظات عديدة، تحوم من بعيد ومن قريب، ينتظر العرب والمسلمون جميعا أن نقف فيها معا، لتكن أمسية عربية إسلامية خاصة في الخميس المقبل بين منتخب الساجدين المصري ومنتخب أحفاد الشهداء الجزائري.
إنها أمنية كثيرين من العرب والمسلمين والمصريين والجزائرييين بيد أنك لا تسمع صوتهم عاليا ضرورة استمرار المؤامرة على الدم العربي والمصير الواحد والوحدة الضائعة، ولكن أملنا في أبناء شحاته ورابح كبير، وهم فوق ما جرى وأكبر بكثير مما نرى!!
مباراة ماتعة في لقاء الخميس أتمنى أن ينتصر فيها من يستطيع انتزاع الكأس في المباراة النهائية، ورفعها عاليا مع العلم الفلسطيني الجريح، وإهدائها إلى أطفال غزة المحاصرين بين محيط عربي ساكن أشبه بالأموات ونظام دولي جاهل لا تحركه إلا مصالح ومنافع تجار النفط والسلاح وأروقة الإمبريالية والصهيونية حول العالم.
كاتب مصري
Faqeeh2life@yahoo.com

السبت، يناير 02، 2010

رسالة غير مقروءة في الليلة الأخيرة

محمد فوزي عبد الحي
في الليلة الأخيرة التي تشبه نهايتنا الأخيرة، تنتهي سنة قديمة لتبدأ دورة جديدة، في الليلة الأخيرة ترقد على الفراش الرقدة الأخيرة تسترجع وثائق برنامج الحياة في اللحظة الأخيرة، وترى كيف عشت لا رجلا ولا سيدا ولا بين بين، وكيف كنت لا مؤمنا ولا كافرا ولا بين بين، وكيف تموت لا ملكا ولا أميرا ولا مواطنا ولا بين بين، وفي الليلة الأخيرة نسترجع نكبات العمر كما نسترجع ذكريات الطفولة وزخمات الفرح وبرهات الكرامة، وفي الليلة الأخيرة من كل عام نبعث هذا العام والعام الماضي وكل الأعوام...
في ليلة رأس العام، في الساعة الأخيرة من اللية الأخيرة.. ماذا تكتب يا قلمي من سفر الأحزان؟ ماذا تكتب عن سر الظلم القابع في رأس الفرعون وفي غرين النيل وفي جوف دفينِ الأهرام؟ ماذا تكتب عن تمساح الخوف يخيم في رأس القوم، في لفافة كل رضيع، في صرخة كل فطيم، في رغبة كل صبي، في لفتة كل فتاة، في حيرة فرسان الأحلام!
ماذا تكتب عن سفر الحرية؟ محروق سفر الحرية في ردهة قصر الظاهر في عصر الأقزام، وهناك حريق بين القصرين يدمر في ستر الخندق ويحرف أذكار النور، ويعتقل دولة سورة نون والقلم، ويسخر من ثورة "اقرأ" ويغير خط الرحلة ويخون أسفار يسوع .. يتنكر للعذراء.. ماتت العذراء ولم تزل في قلبي حية أغنية عذراء، لو تعلم العذراء أي عاشق تركت لم تمت!
ماذا تكتب عن غزة العذراء؟ افتضها الخنزير البري في عشرين ليلة شتوية وشوى أطفالها وألقمهم كلابه البرية، وحطم رجالها وجعل من جسامينهم أكبر مطعم لشواء اللحوم البشرية على أنغام القاذفات وشراب الرمان الفسفوري.
ماذا تكتب في الليلة الأخيرة، في الدقيقة الأخيرة، وقد آب الغريب إلى قريته وألقى يديه أمامه كمجداف يهز أمانيه العاثرة، ولكن ويح هذه القرى، لقد ماتت القرية وماتت المدينة ومات الأهل جميعا، لم يبق من ذلك السوق الجميل وتلك الليالي الخوالي سوى الذاكرة ولا زال الغريب يفر من الذاكرة، ولكنه يفر إليها فما عاد يذكر من الوطن سوى الفراغات الحزينة عندما أوهموه أن السطر الأول من الحلم يبدأ على باب المدرسة.. على باب المدرسة قرأ السطر الأول في أمسية المعرفة التائهة في صحاري العرب منذ قتل عليّ "وقل رب زدني علما"، مذ ذلك اليوم الحزين، مذ خضعنا للاغتصاب الأموي، مذ أصبحت طاعة السلطان هي القرآن، وأضحى السلطان صديقا للإبليس، لكننا استمرأنا الطاعة والاغتصاب، فزالت آلام الاغتصاب وصارت لذة المظلومية أثيرة بعيدة حتى طلوع الروح...
تغربنا جميعا، تغربت الأمة وهاجر الوطن من الدفء إلى الجليد، من الشمس إلى الثلوج.. قرأت سطور الغربة مذ ترك آدم وطنه في الجنة وتغرب في أرض القفار، ولكن محمد العظيم ترك غربة الوطن في مكة وهاجر إلى وطن الغربة في المدينة وصنع الجنة هناك، ولكن إبليس كان أيضا هناك ... فاغترب عليّ ثانية من جنة المدينة الملطخة بدماء الخلفاء وصار إلى الكوفة الغادرة حيث بدأ طريق الدم الطويل، وعلى درب الغربة ترك الحسين وطنه وذهب إلى قبره في كربلاء، ومن ذلك الحين تغربنا جميعا، وتغربت في وطني، تغرب الوطن وتغربت ثورة "اقرأ"، وتغرب القرآن وغربت الشمس مرارا ولكنها كانت تعود دائما اشد ضعفا وأقل ثورة وبريقا...
أخيرا، تواكبت روحي مع الثكل والغربة، وصرت أغني مع ابن الرومي الجميل الثاكل مثل العراقيين والفلسطينيين والصوماليين واليمنيين والجزائرييين والسودانييين، تخونني الكلمة..مثل العلويين آل البيت الأحبة، تخونني الكلمة.. مثل المسلمين الثكالى.. مثل الحريم!
قرات سطور ابن الرومي ورددتها على الساقية وفوق السطوح وفي عيني جارتي الجميلة البعيدة، قرأت في عينيها الخضراوين كتابي وشتاتي واغترابي الحزين، "وحبب أوطان الرجال اليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلك.." ولكن هل شعرت يوما أنها وطني وهل أحبت أن أكون لها وطنا؟
ربما يجيبني العام الجديد، ربما يموت الوطن، ويأتي العام الجديد بوطن جديد، ربما يهاجر الوطن لمواطن آخر، وربما يهاجر المواطن لوطن آخر، وقد يولد الوطن من جديد، وقد وقد...الوطن ثلاثة حروف صغيرة ولكنه يصنعنا كثيرا وأحيانا نصنعه، ويقتلنا كثيرا وأحيانا نقتله، ويشرب دمنا كثيرا وكثير من يشرب دمه، عشاقه كثير ولكن مزاجه عربي لا يعشق إلا السيد.. ..
على أي حال، سيشهد العام القادم دخلة الوطن ودخلة الوطن وجنازته شيء واحد، لقد تجهز المعازيم/المعزون لأخذ العزاء/الزغردة في المرحوم الوطن قبل الليلة الأخيرة، وثَمّ غربت الشمس!

باحث مصري

الأربعاء، ديسمبر 16، 2009

على هامش انتخابات نقابة الصحفيين وشيخوخة القيادة العربية

محمد فوزي عبد الحي

العاملون بالصحافة المصرية – شئنا أم أبينا – ينتمون إلى ما يحلو للكتاب العرب دعوته بالنخبة، وغني عن القول أن النخبة المصرية – بحكم التعداد السكاني والمؤسسات التعليمية الكبيرة - تمثل جمهرة النخبة العربية، والتي يعلق العرب والمصريون عليها أمل التغيير الذي بات قضية الجيل العربي كله، إلا إن النخبة المصرية تسير بها وهي مثقلة بهموم وآلام وقلاقل عدة على كافة المستويات الشخصية والجمعية للأمة بدءا من لقمة العيش وتدبير تكلفة الحياة وعبورا بنكبة المد القومي وانهيار التجربة الإسلامية وأخيرا بكابوس التوريث المنظور.

وهكذا يعيش هذا الجيل محنة القوميين بمختلف جذورهم ومنطلقاتهم الفكرية ومرجعياتهم الحضارية في مصر والعراق وسوريا وليبيا، وتعتصره نكبات الإسلاميين في الباكستان وبانجلاديش والسودان والجزائر والصومال وأفغانستان.

وإذا كانت انتخابات نقابة الصحافة عجرت عن اختيار بديل جديد يقود انتفاضة صحفية وفكرية جديدة ويوائم متطلبات المرحلة القادمة التي بدأها المصريون واستعدوا لها بأسلحة تختلف اختلافا كليا وتمتد من بيع الكلى والتبرع المدفوع بالدم وبيع الأولاد للأجانب مقابل مبالغ معلومة من المال ومرورا بشحنات القمح والأغذية والاسماك واللحوم وشيكة الانتهاء أو منتهية الصلاحية ووصولا لتجارة المخدرات والسلاح والتنقيب والتهريب المنظم للآثار – إذا فشل النخبة في إبراز دم مصلح جديد يرمي بفترة الولاءت والاستجداءات ويبدأ مرحلة الحقوق والتحرر، فهل هناك من أمل في إيجاد قيادة جديدة لمصرنا الحبيبة؟

إن نجاح النقيب السابق يعد علامة على الداء المستشري في العقلية المصرية (والعربية) المعاصرة، هذا الداء الذي يلمسه كل نابه من رؤسائه، وكل نابغة ممن هم أقدم منه، وكل مبدع تلقي به الأقدار بين المقلدين والغافلين .. هذا الداء مرض شائع يعبر عن شيخوخة مصر (والعرب) العلمية والسياسية والعسكرية والفكرية، تلك الشيخوخة التي توشك أن تقضي على مقدراتنا الذاتية ومواردنا الطبيعية وموروثاتنا الحضارية..

الاستاذ مكرم محمد أحمد قيمة كبيرة ومحل احترام من الجميع، وفي هذه اللحظة نهنيه بمقعد النقيب، ولكننا كذلك نخبره أنه لو شغل كل فرد مقعد القيادة بهذه الصورة فإن ملايين القادة سيموتون دون أن يسمع عنهم أحد..

إنني – أزعم – ولعلي مخطيء أن ما يحدث في مصر حالة لا وجود لها في العالم المتقدم، إنها حالة من الاستعمار الشيخوخي للأجيال المتتالية، حالة من الاستبداد الشيخوخي دون سابقة تاريخية، وفلسفة من الحقد الدفين ضد مواهب الأمة، ففي الحين الذي نرى فيه حيوية أوباما (47 سنة) تقود أمريكا بينما قاد ساركوزي فرنسا وهو في الثانية والخمسين، وقاد كيفن رود أستراليا وهو في الخمسين من عمره، وقاد نتانياهو - رئيس وزراء الكيان اليهودي الحالي - لأول مرة وهو في السابعة والأربعين من عمره أيضا وذلك عام 1996، فإن العرب من أهل العقد السابع والثامن يصادرون حقنا في القيادة، ويقضون على آمال الأمة في التعافي من داء التوريث الأموي الذي توارثته الأسر الطاغوتية الحاكمة وألصقوه بحضارة الإسلام وأحبطوا به تطور علم السياسة الإسلامي وقضوا على نمو الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية عبر القرون، وجعلوا من شروط الإمامة والاستحقاقات القيادية المدروسة فقهيا أمرا نظريا لا وجود له، كما أنهم أحبطوا ثورة العلم الإسلامي وكانوا حجر عثرة منع ظهور النهضة العلمية التطبيقية الحديثة على أرض الإسلام.

وهذا الاستبداد الشيخوخي، والذي عادة ما يحرث بذور التوريث وتترعرع في بيئته محاصيل الفساد والجور والسجن الداخلية، إلى جانب آفات التبعية وسياسة الذيل الخارجية - لا يجد موضع قدم في كتاب الاستحقاق الفكري والتارخي، لأن إخفاقات القيادة العربية لا مثيل لها على مدار التاريخ السياسي والفكري والعلمي إلا إذا استثنينا ممالك الطوائف في الجانب السياسي فحسب.

إننا إذ نتقبل نتيجة الانتخابات وبعد مرارة الشكوى التي لهج بها الأستاذ ضياء رشوان، من مساندة شيوخ الصحافة الأموية المملوكية لظاهرة الشيخوخة العربية، أجد أنه من نافلة القول أن ما يريده الشيوخ لا بد واقع، ولا عزاء للمستقلين والنابهين والمبدعين سواء أكانوا علماء أو كتابا أو غير ذلك، وعلى نموذج الأستاذ ضياء أن يدرس مراحل تدرج (وليس تطور) المسلسل القيادي العربي والذي يعرف حتى أطفالنا نهايته، وأنا واثق أن مواهبه الفكرية وقدراته كمفكر وكاتب وإنسان يمكن أن ترشحه لما هو أكبر من ذلك بكثير إذا آمن بنظرية الشيخوخة، وركب الموجة الأموية العربية المعاصرة..

باحث ومترجم – مصر
FAQEEH2LIFE@YAHOO.COM


الجمعة، نوفمبر 20، 2009

لماذا يكرهوننا؟

محمد فوزي عبد الحي
يتساءل العرب والمسلمون كعادتهم بقلوب طاهرة لا تعرف الحقد، وأنفس نقية لا تعرف الكراهية، وعقيدة خالصة لا تعرف المواربة، وصراحة حقيقية لا تعرف التقية بل بسذاجة لا تبحث الحقائق .. لماذا يكرهوننا؟ يكرهون حياءنا؟ كرهون عفافنا؟ يكرهون حجابنا؟ يكرهون لحانا؟ يكرهون نقابنا؟ يكرهون إنسانيتنا وتوحيدنا؟ يكرهون تاريخنا؟ يكرهون رسولنا؟ يكرهون ربنا؟
ولكن انظر إليهم في الشوارع، على المقاهي، في الحدائق، في العمل، على الشواطيء، تجارة الجنس والدعارة أربح أنواع التجارات لديهم، أفلامهم وقصصهم وخيالهم الجسدي لا يخرج من محراب العورة وعبادة اللذة، خيال إغريقي مريض جنسي ساقط، ثقافتهم ثقافة الخلع، ثقافة التعري، ثقافة الصفاقة، فلماذا لا نمنعهم من التعري؟ لماذا لا نميز ضد العاريات الخليعات اللاتي يجوبون مدن مصر وشواطئها ويدنسون مساجدها وآثارها؟
على نقيض ذلك، ثقافة الإسلام ثقافتنا ثقافة الستر، والحياء، والخصوصية، والعفاف، فلماذا يريدون منعنا من الحجاب؟ لماذا تسير الفرنسية عارية في شوارع القاهرة؛ بنت الأزهر ومعقل الإسلام؟ ولماذا لا يحق للمسلمة الفرنسة أن تدخل المدارس والمصالح الفرنسية وهي محتشمة شامخة ساترة طاهرة؟؟
لماذا تدخل الأوربية مسجد الحسين عارية؟ لماذا تدخل إلى الجامع الأزهر عارية؟ ولو تحلت بكامل الحياء ترتدي ملاءة خضراء لا تستر إلا القليل منها؟ وفي الحين نفسه تصرّ أوربا على محاربة الحجاب، ويميزون ضد العفيفات الطاهرات في أوربا؟ بل تعلن فرنسا – مهد الدساتير والحريات الأوربية - حربا ضروسا ضد الحجاب؟ أليست هذه ثورة أوربية ضد رموز الإسلام؟ لماذا يدخل العراة إلى مشيخة الأزهر ويضطهد المسلمات المنتقبات؟
لماذا يرون أسلحة وذخبرة وكراهية تحت شعر كل لحية مسلمة ولا يرون بشاعة أفعالهم ملحتين وحليقين؟ لماذا يكرهون الزواج المبكر ويستأجرون فرقا من الشواذ واللوطيين والمائعين والمهرجين ليكتبوا ويشنعوا على الزواج المبكر، بل يمنعون الزواج قبل الثامنة عشرة في حين أنهم يمارسون الجنس في الحادية عشر، ويقرفون منه ليتجهوا نحو السحاق واللواط، ويقرفون منه ليجامعوا الحيوانات والخنازير؟ لمذا يمارسون اللواط والسحاق ويأتون الحيوانات دون رادع؟
لماذا يريدوننا أن نتوقف عن الإنجاب وهم يكافئون كل طفل جديد في دولهم؟
لماذا يدعمون المستبدين ويساندون الدكتاتوريين ويقفون خلف الزعماء الأميين والملوك البصمجية، والأمراء المخنثين؟ لماذا يكرهوننا؟
لماذا يصمتون على اضطهاد الأحرار وقتل الأبرار؟ لماذا لم يعترفوا بحماس التي أتت بصناديق الانتخاب مع أنهم يعترفون ويدعمون اليمين اليهودي المتشدد حتى الجنون والمتعطش للدم مثل مصاصي الدماء؟ اليمين الصهيوني الذي يسرق أرض العرب وينهب ممتلكات العرب، ويهدم بيوت العرب، ويهود مدن وشوارع العرب ويمسخ تاريخ العرب؟ وبلغ حقده حتى الأسماء، يغير أسماء الأبطال ليضع بدلا منها أسماء مجرمي الحرب ومصاصي الدماء وقتلة الأطفال والنساء.
لماذا وأدوا انتخابات الجزائر عندما فاز بها التيار الإسلامي الإصلاحي، لماذا يساندون الملك العضوض في ممالك القهر؟ والرق السافر في جمهوريات الهوان؟ لماذا يدفعوننا للكراهية؟
قدسنا العظيمة، جرحنا الغائر، دموعنا الشاحبة، حزننا الولادي، نزفنا المستمر، لا نجد طبيبا يضمد الجراح، لا نجد زعيما يوقف الدموع، لا نجد بسمة حقيقية في غمار مأساة السقوط؟
ماذا سيكتب التاريخ يا عرب؟ ماذا سيكتب التاريخ؟
سيكتب التاريخ أن زعماءنا العظام وهبونا للصغار، هتكوا عرضنا، أكلوا أرضنا، سرقوا خيرنا، منحوا نفطنا، وسلموا أوراق تاريخنا القديم والحديث لثلة من الأراذل الفجار؟
ولكن التاريخ كما لن يرحم الزعماء الأغرار، كذلك لن يرحم الشعوب الساذجة، لن يرحم القوميات الزائفة، ما حدث بالأمس القريب في السودان وشرائط الردح الوطنية على الإذاعات والمواقع والتلفازات كلها تدل على أن هناك شيئا خفيا نستحق به أن يكرهوننا .. لقد تم مسخ الشخصية العربية المسلمة، لم نعد نستطيع الإقناع، تحولنا إلى مسخ إنساني لا يعرف أولوياته ولا يدافع عن قضاياه ولا يحترم أصالته، وإذا كنا أول الخائنين لقضايانا، والمتنصلين من تاريخنا، والناسين لأولوياتنا، والهادمين لشريعتنا وتراثنا وبنيتنا الحضارية، ألا نستحق أن يكرهوننا؟
faqeeh2life@yahoo.com

الأحد، نوفمبر 15، 2009

إيران وملء الفراغ في المنطقة العربية

محمد فوزي عبد الحي

في عالم الحياة، لا يوجد ما يسمى بالفراغ، حتى العاطل لا بد وأن يملأ فراغه بشيء ولو كان تافها، ولذلك ورد عن الإمام الشافعي: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

ولكن الفراغ الذي تعانيه الساحة العربية المهلهلة على مستوى النخبة – وأعمق وأوضح الأدلة على ذلك الأسماء المرشحة لخلافة مبارك على عرش مصر ، حيث لا نجد خطيبا بارعا متعلما ومثقفا متوهجا كأوباما، ولا محافظا متقشفا يشعرك أنه الثورة الخمينية حية حية تتقد لا تموت مثل أحمدي نجاد، كما لا نجد أحدا في جدية ووطنية وعقلية وتخطيط فلادمير بوتين الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي، بل والأدهى اننا لا نجد رئيسا ذكيا وقوميا مثل بيلير إنجلترا أو ساركوزي فرنسا – خلقت جرأة وأعطت ثقة لاختراق العرب على كافة الأصعدة وخاصة عندما يكون الطرف الذي يملأ الفراغ يشراك حركات التحرير أزمتهم ويمد يد العون ولو بحذر وبقدر لحركات الرفض والمقاومة والتي يجتمع على احترامها إن لم يكن حبها كل عربي، وهذا هو الباب الذي دخلت منه إيران إلى القلب العربي بالرغم من الخلافات القديمة والندوب النفسية وتباين الجغرافيا الفكرية والعقدية بين المحيط السني والإخوة الشيعة الذين نتمنى أن نحبهم.

خلقت حالة الاستبداد العربية المعاصرة نوعا من الفراغ على المستوى السياسي ونجم عنه فراغ على صعيد الاستراتيجية العربية، أدى إلى فقدان الثقة في توجهات النخبة ولو صاحبتها نوايا حسنة وعلى الأخص بعدما أثبتت الايام صحة حجب الثقة عنها..

ففي مصر، الأخت الشقيقة وصاحبة الوصاية التاريخية والمستحقة على المحيط العربي كما التاريخ العربي منذ العهد الأيوبي وحتى عام النكبة 1967 قد استقرت بركات ولاة أمرها على توريثها كعزبة ومن ثم فإن مخططاتهم لمصر لا تتجاوز مخططات الملتزم الإقطاعي صاحب العزبة، والمصريون يعون جيدا مفردات العزبة والملتزم الإقطاعي ويعرفون كيف كان ولا زال يعاملهم، ومن ثم فكيف لسياسات سادة العزبة أن تملأ الفراغ الإقليمي، خاصة والمثقف المصري العادي قومي الهوى إسلامي النزعة، والإدارة المصرية لا تدعم هذا التوجه العقدي لدى الأغلبية المصرية وهو ما يفسر نجاح التيار الإسلامي في الشارع المصري .

أما السعودية جواد البعث التوحيدي وصاحبة البركات النفطية، فحفظ العرش في السلالة المباركة أهم - ولا ريب - من مصلحة الأمة، وهذا يفسر الحلف الأمريكي للمملكة منذ نشأتها وحتى اليوم. هم فقط يصدرون لنا فتاوى تبديع أهل السنة، ونعوت الفرقة الناجية، ويعلنون أن علماء الأمة عاشوا اثني عشر قرنا وهم أشاعرة ضالون مبتدعون حتى شاء الله أن يحي الملة بشيخ الإسلام، وعلى ذلك فسلالة الشيخ تصدر لنا التوحيد الحقيقي الذي عاش مقبورا اثني عشر قرنا حتى بعث أخيرا في الجزيرة، ومعه بطاقات الخضوع للإمام وقضاء الدهر في الطاعة العمياء حتى تموت الأمة كلها ولا تفتات على السلطان.

عموما لم تكن السعودية بتوجهاتها الحالية الضيقة ولن تكون يوما بقائدة للأمة لأن الأمة ترفض من البداية البدعة الأموية الملعونة في توريث الحكم، والتي لم يعلن أحد من المشايخ المجددين من أهل الجزيرة أبدا أنها بدعة – كما اهتموا بما دون ذلك من البدع التي لا وزن لها والتي يعد البعض منها سننا في الحقيقة - وبالرغم من عدم وجود نص على جواز التوريث والتمليك، ورغم أنها لم تكن من سنة النبي، ورغم أن الصحابة ما رضوا بذلك، ورغم أن النبي قال – كما يستدلون على تسعين بالمئة من أحكامهم -: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" ، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد". وهذا عمل ليس عليه أمر الأمة، وليس من الإسلام إلا إن مفتي السلطة ممن تقوم قيامتهم لمؤذن صلى على النبي في مكبر الصوت لم تقم أبدا قائمتهم على عرض الأمة وكرامتها وسرقة إرادتها وتوريثها مثل حذاء قديم يرثه الابن من الوالد..

لقد سئمنا حديث الإصلاح المعوج الذي لا يصل إلى غاية، لقد حاربت أمريكا من أجل الوحدة وانتصرت وحاربت من أجل الحرية وانتصرت، وحاربت ألمانيا من اجل القومية واستمرت من أجل الكرامة وانتصرت، واجتمعت دول لا رابط بينها من دين ولا لغة ولا عاطفة غير الوحدة الجغرافية والسيادة المسيحية الرسمية فكونت الاتحاد الأوربي وانتصروا.

نحن لا نكره أصحاب العروش، لا نريد ان نزيلهم، دعهم يكونوا أمراء وملوك شرف يلبسون التيجان ويتمتعون بما بدا لهم شريطة أن يتركوا الأمة لتستأنف مسيرتها، كفانا استبدادا أيها العرب! إننا اليوم لا نحارب السلالات الحاكمة، إننا نحارب من أجل الوجود الذي نريده لنا ولهم في الغد، إنهم اليوم مثل الصحبة التي احتلت قاع السفينة في الحديث النبوي الصحيح وأرادت خرق السفينة من القاع لتصل للماء فإن تركناهم وما هم عليه من الفساد والاستبداد غرقنا جميعا وهم معنا بالطبع..

أما جزائر المليون شهيد، ففرنسا تعلن الوصاية العقلية واللغوية والوصاية السياسية والعسكرية ومعها الحقد الإمبريالي ومصالح النفط الأمريكية وأطماع أشباه بني أمية في الجزائر، ومع كل ذلك ثورات الحقد التي فجرها الغرب في العرق الأمازيغي الذي نشر الإسلام في أفريقيا ونصره في الأندلس وأقام دولتي المرابطين والموحدين، وجاهد المحتلين ولكنه اليوم نسي تاريخه الإسلامي الماجد وتعلق بالعصبية التي حرمها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، رسول العرب والأمازيغ والناس أجمعين، ولو قال المصريون نحن فراعنة، والسوريون نحن أشوريون، والفلسطينيون نحن كنعانيون، إلخ لخربت ديار الإسلام وتقوضت أرض العرب أكثر مما هي عليه الآن.

أما العراق فقد خرج – بفضل استبداد صدام وغبائه الذي قلما تجد له نظيرا في التاريخ - عن حرم مكة ليحتضن حوزة قم وتحضنه آيات الله الفارسية الصنع التي ترفع لافتة الجمهورية الإسلامية ولكنها تدعو الخليج العربي الخليح الفارسي وتنسى أن القرآن عربي وأن المسلم الحق، عربيا كان أم غير عربي، يشرف بكل عربي لغة وسلوكا وانتسابا، ولو لم أولد عربيا لتمنيت أن أكون عربيا لا حبا في العرب ولا فخرا بهم بل حبا لكلمة الله ودينه ونبيه. تفتت العراق، وسقطت دولة العرب والإسلام لتقوم دويلات الطوائف الكردية والشيعية والسنية وهلم جرا..

كما أن باقي الدول غير مؤهلة لملء الفراغ نظرا لضعف قوتها البشرية وضيق أراضيها وضعف دورها الإقليمي فدول مثل البحرين وسلطنة عمان والإمارات وقطر والكويت ولبنان الممزق لا تسطيع لعب دور إقليمي فاعل وموثر لصغر وزنها وضيق رقعتها وقلة سكانها ومحدودية جيشها، أما سوريا الجريحة وليبيا القذافي وتونس بن علي، فلا يمكنها ذلك أيضا فلديها مشكلاتها السياسية ونظمها الدكتاتورية كما أنها نموذج للدولة العزبة أيضا.

أما الصومال ومورتيانيا والمغرب فدول بعيدة عن القلب، والصومال في حكم الفوضى المخطط لها دوليا حتى إشعار آخر، وأما السودان فقد كفا الغرب شره بتقوية شوكة الانفصاليين في الجنوب والشمال وتسميم عقول الطامعين بالذهب الأسود الثائر ....

هل ندرك حالة الفوضى، حرب استقرار الكرسي على الموج البركاني، الاستبداد، التخلف، تحويل الأموال وسلب الأمة مقتنياتها التاريخية، كل هذه الجرائم في حق الأمة العربية تركت العرب بلا خريطة استراتيجية، ولكل هذه الاسباب وغيرها فمن حق المد الشيعي الصاعد في إيران كما هو حق أمريكا وإسرائيل وفرنسا ملء الفراغ...

وإذا كانت إسرائيل وأمريكا يدعمان التعدي الاثيوبي والتناحر الصومالي والتمرد المسيحي في جنوب السودان ليس حبا في المسيح بل في السيطرة والذهب والبترول والماء وكرها للعرب والإسلام والشريعة فلما لا تدعم إيران الحوثيين في صعدة ضد الحكومات السنية في السعودية واليمن؟

وإذا كانت إسرائيل وباقي القوى الغربية تقاسم امريكا فطيرة العراق، فلما لا تأخذ إيران نصيبها بيد إخوة الدين الطائفيين من شيعة العراق؟

وإذا كان القلب العربي في يد إسرائيل، والقدس الرمز تحت سيطرة اليهود، والمستعمرة اللبنانية في يد الاستثمار السعودي الحريري فلما لا نتقاسم النفوذ على القلب بيد حزب الله..

تشهد المنطقة الآن محاولات جادة من كافة القوى الغربية والشرقية لاستقطاب المال العربي، كما اشهد دخول تركيا إلى الحلبة العربية، وإنني إذ أرحب بتركيا أردوغان ورفاقه باعتبارها أجندة وطنية إسلامية فإننا يجب جميعا أن ننظر بعين الريبة لمحاولات إيران العبث بأمن المنطقة بعدما تبينت النوايا المتطرفة على أرض العراق. إن السادة زعماء الدول العربية المحورية وعلى رأسها مصر يقع عليهم إعداد أجندة لملء الفراغ الذي تعيشه المنطقة وبناء جسور لقيام كيان عربي قوي لا يمكن للكيانات الخارجية العبث به، علما بأن قيام هذا الكيان يمثل النقطة (أ) في معركة الزوال التاريخي للخلية السرطانية المدعوة تجاوزا دولة إسرائيل.

أخيرا، لا يسعني غلا التقدم بالتحية للشعب الفارسي البطل، تحية لرجال أمريكا العظام وزعماء فرنسا المخلصين، تحية خاصة لقادة إسرائيل المجرمين ... لو كان عندنا أبطال أو رجال أو قادة لما كان هناك فراغ، أما وأصحاب الفخامة والجلالة والسمو يتوارثون العزبة العربية ونحن من مجموع التركة فهنيئا لمن يغلب فالعبيد والجواري ليس لهم حق اختيار السيد!!!!

الجمعة، نوفمبر 13، 2009

ثورة المنبر

محمد فوزي عبد الحي

مدينة الألف مئذنة تئن من الضجيج، تعوم في الدخان والتراب، يقطع أمنها عواء الذئاب، تتلفظ أنفاسها الحزينة الساخنة من حر الغلاء، وفداحة الظلم، وطغيان الحاجة، ونار الطمع.
مدينة الألف مئذنة يقودها الجميع للانتحار، يقودها الطاقم التائه، الملاحون النائمون، الرعاة الغافلون، يضلها يهوذا في الظلام، ونباح الطامعين من خلف جيحون، ويلدغها الأفاعي في الردهات المكيفة، ويستأسد عليها أشباه الرجال في زمان العرائس.
والمساكين الغلابة يتامي صغار مات أبوهم من قديم، رحل بابا ذات مساء، دفنوه بعد العشاء، رحل ولم يترك لنا أصدقاء، ودون أن يترك الدليل، تركنا دون عشاء، وعشنا أذلاء بلا بابا منذ بعيد بعيد ..
أنا لا زلت أذكر يوم مات بابا وجاء رجل غريب وتزوج الأم قبل انقضاء العدة وبدأ يفرض الجزية على الصغار...
خرجنا فرارا نبحث عن مأوى .. كنا نراهن على المسجد، كنا نتصفح الوجوه في صلاة الجماعة، في يوم الجمعة، ساعة الظهيرة وعند كل ساعة، في بهجة الأعياد المؤقتة، في صدقات الفقراء وغيرة أولاد البلد...
لكن ... حرارة المساجد خبت لأن وقودها الدراهم وليست هناك دراهم، وروعة المساجد يعلوها غبار النفاق..
مسجد الرفاعي يعيش وحيدا في العهد الملكي لأنه يكره الحياة الحديثة، والجامع الأزهر يسافر كل صباح وكل مساء شرقا وغربا، هربا من العيون الزرقاء والخضراء، تخترق المآذن، هربا من النهود والخصور تربك التقاة في الصلاة، تأخذ قلوب الجباة..
في المساجد تقف المنابر الحزينة كأرملة عقيمة بلا مطر لأن الكلمات الجوفاء تخاصم الحكمة، لا تخالط القلوب.. لا تنبع من نور السماء.. لا تخاطب الحضارة القديمة ولا تعانق الحضارة الحديثة ..
كلمات الرضا بالعصر المملوكي، وسلطة الخليفة الأموي والجابي العثماني.. كلمات منشورة من نشارة النشارة البالية، كلمات محشورة لتحتل الدقائق الفارغة...
سألت المنبر ذات مساء بعدما دمعت من حر الصلاة، لماذا أيها المنبر تصير الكلمات بلا فائدة، لماذا خبت جذوة القرآن في القلوب الباردة، لماذا تفر المواعظ فوق الرءوس، لماذا لا يقوم الكسالى للصلاة؟ لماذا لا يجيبون الدعاء؟
لماذا لا ينهض العراة ويرتدون لباس الحضارة؟
لماذا نأكل من أوزارنا ونشرب الذنوب في أعماقنا؟
لماذا يضل السفين وتتيه القافلة ويهرب الدليل؟
لماذا يصير الضلال والفساد والهروب خيارا استراتيجيا للصغار والكبار؟
أيها المنبر الحزين في زمن التتار من يصنع قرار الفرار؟
لماذا نفر جميعا ونترك القطار بلا مسار؟ لماذا نرفض الخيار؟
أجابني صمت المنبر ونهنهة البكاء: لأننا نعيش بلا قيادة منذ قرون.. العلماء يبيعون الرسالة.. يخونون الأمانة .. والقادة يعملون طباخين في الردهات الخلفية..
يسمسر الوزراء وهم يبيعون تاريخ الأمة، ويجمعون ألبانها من ضرع مدخرات الفقراء من المصارف الصديقة المنهوبة يوم الجمعة حين الصلاة..
لأن الكبار يعيشون على وهم تجار السعادة.. لأن الساحر لا يزال يصنع التعاويذ والأحجبة، والوزير يعمل عصفورة وعضوا في فريق الحمام الزاجل.
لأننا نأكل القرآن ونأكل بالقرآن ..
لأننا نعلف من خيانتنا الكلاب.. نقلد الدواب .. نصير حينا كالذباب ونحيا في الخيانة كالذئاب..
لأن أعتاب المنبر الطاهرة صارت مسرحا للخرافات البابلية، تسكنها القضايا الميتة، والقصص الخاوية..
لأننا دائما نخاف غدر بيبرس، وخسارة الجبن على العشاء..
لأن المنابر الصامتة الواجفة تعيش وحيدة كأرملة قعيدة، كطفل يتيم ..
خرساء أيتها المنابر، خرساء أيتها المحابر، خرساء في صخب الزحام، خرساء في زمن الكلام، خرساء في زمن اللصوص العظام!!
تموت القلوب كل مساء .. تصير الجسوم بلا أرواح ، تصير الرءوس بلا أدمغة .. نمثل في كل شيء حتى الصلاة، ونخرج من مسرحية الحياة نحرك أشباح الهزيمة فوق أشلاء سكينة.. نركع للطواغيت حتى تنحني ظهورنا، ونسجد لهم حتى تنكسر رءوسنا..
يا شعبنا المحتضر ..
لأنكم تأكلون من أوزاركم..
وتشربون من دمائكم
وترسمون أحلامكم فوق قبور بعضكم
تفقدون الحدائق الداخلية ولا تزرعون الحدائق الخارجية ..
تعيشون في صحراء الجهل والتخلف ..
تستمتعون في جحيم الاستبداد والتكلف .. تعتادون محنة الشقاء ..
تموتون في وادي الضلالة والجهالة والسفالة وتحسبونه درب التحضر والحياة
- سيظل الخراب خيارا استراتيجيا!!

باحث ومترجم – مصر
Faqeeh2life@yahoo.com

الثلاثاء، نوفمبر 10، 2009

مذكرات هارب من مصر: لحظة أتذكر اسمي يا وطني

محمد فوزي عبد الحي
عالم غريب هو عالم الهروب من الحقيقة، عالم اللجوء إلى الخيال، إلى الحلم، إلى العالم السالب هربا من العالم السليب، والهروب له ضروب عدة، ولذلك هناك فريق يهرب إلى المخدرات، وآخر يهرب إلى الكرة والغناء، وثالث يعايش المسرح والسينما والشبكة المعلوماتية لا ليستفيد ولكن ليخلع نفسه من نفسه ويتلبس بأبطال الأفلام، ويزول رويدا في أقلام القصاصين والروائيين، وربما ليقوم بعملية استعاضة فارغة للإنسان القابع في وجدانه وهو أمام شاشة الحاسوب، ولكن هناك فريق يقررالخيار الأصعب.. يركب البحر، ويحمل روحه الباهتة، ونفسه القلقة على قوارب الموت وهو يحلم بالحياة، إنه الهروب من الشمس الباردة للجليد الدافيء، هروب من ربقة العبد الجنوبي إلى صولجان الحر الشمالي...
إنه هروب أشد وأبشع من هروب رجال غسان كنفاني تحت شمس القهر العربية الغجرية..
بعد سنوات من غربته، عاد ابن النيل، سليل فرعون العنيد وبكر العربي الشامخ، عاد المصري محملا اليوم بآلام الأمة، وقد خرج مكلكلا بآلام نفسه، عاد ليسترجع سنواته التي حصدتها ريح الشمال، وشبابه الذي انزوى في حياة الجرذ، ونفس الجرذ، وسلوك الجرذ وثقافة الجرذ، وهو يدرك اليوم ملامح تاريخ الحقبة الجرذانية الذي تقوده الأنظمة السائدة.
حقا كانت رحلة عصيبة ، لكنها مرت بسلام، سنوات من التخفي والتنكر والخوف والانتحال والجرذنة، سنوات عجاف سمان.. عجاف من الحب، والأمن، والكرامة، والعزة، والحنان، والشخصية، والدين، والثقافة ..
عجاف من الوطن والأهل والأصالة.. عجاف لأن الغربة كرب وحدها فإذا اجتمع إليها غربة الاسم والدين والنفس، غرفة اللسان والفكر، غربة اللباس والسلوك والإشارة - زاد كربها كربا وغمها غما...
وهي سنوات سمان، تعلمت فيها كثيرا عن الحرية، تعلمت قيادة السيارات، امتلكت سيارة، أرسلت آلاف الجنيهات إلى الوطن السليب و اشتريت بيتا آوي إليه، وأصبح عندي مشروع صغير أعيش منه.
منذ سنوات لم أكن قط مسست فتاة أو كلمتها، وهنا تعلمت كيف تكون القبل باردة لا طعم لها، وكيف تكون اللذة رخيصة لا قيمة لها.
منذ سنوات كنت بريئا كما الطفل، طاهرا كماء البحر، عذبا كنيل مصر، فقيرا ككل المصريين.. لم أكن أستطيع الزواج من عقيلة كريمة أو نسيبة شريفة ولكني اليوم تدنست كثيرا، ولم أعد طفلا، وأصبحت رجلا له سيئات كثيرات وسوءات مقززات ومع ذلك يمكنني الآن الزواج من أجمل وأرق الإناث ومن أعز العائلات، والفضل بل الحقيقة تشدو بأنني صرت ثريا وخرجت من ربقة الفقر التي يخافونها وعرفت يدي الطريق إلى اليورو الساحر، الويل لنا جميعا لقد صرنا عبيدا للدرهم!
لقد تعلمت كثيرا، وأنا في رحلة الموت على قارب مكهن، تركت شهادتي الجامعية، وتاريخي العربي، ومضاضة الكراهية لمن قتلوا جدي وهو يحفر القناة، وشردوا أولاده من بعده، إنني ذاهب لأعمل أجيرا عند من سرقوا فلسطين ووهبوها للصوص .. استسلمت اليوم لبحر الروم الأوربي، ورضخت لرغبتي الجامحة في التحول، وحلمي اللحوح بالحياة ولو في قبضة الموت.. ولكن عجبا أيمنحوني الحياة التي حرموا جدي منها بلا ثمن ولا عوض؟؟
تعملت كثيرا وأنا في معسكرات اللاجئين.. نأكل الطعام الجيد، ونتسلم الزي الجيد.. يعاملوننا معاملة راقية وفي كل لحظة أتذكر وطني الذي هجرته وأهلي الذين فرحوا بشدة لسفري وغربتي، وفرحوا أكثر بما حققت من مكاسب.. لقد نجوت من الموت - على عكس كثير من إخواني - وصادفني التوفيق ونزلت بسلام على شواطيء اليونان، وانتقلت إلى فرنسا، ومنها إلى انكلترا ..
غيرت جنسيتي والتجئت إلى فلسطين الذبيحة؛ لأول مرة أرى لليهود فضلا عليّ، فالإنكليز الذين وعدوا بوطن لليهود ووفوا لهم بقيام إسرائيل يمنحون حق الحياة لضحايا ربيبتهم، ومن يتمسحون بها أيضا..
اليوم صرت فلسطينيا وتسميت اسما جديدا، واتخذت عنوانا جديدا، اليوم أنا من رام الله، أصبحت لي أوراق جديدة.. أعايش معالمي الجديدة، ووطني السليب الجديد، هل قدرنا أن نتجرع مرارة الأوطان السليبة؟
تجربة فريدة أن تترك اسمك واسم أبيك وجدك ولقبك لتعيش في ثوب آخر، وأن تتبرأ من وطنك للعمل في وطن آخر.. أليس قتلا أن يرحمك الضابط الإنكليزي الذي يعرف أنك كاذب وأنك مصري وأنك هارب من أرض الأهرام التي يعشقونها ومن النيل الذي يمجدونه، ومع ذلك يمنحك الحق في البقاء على أنك فلسطيني، يا الله!! هل الإنكليز الجرمانيون أرحم من المصريين العرب المسلمين؟
لكن الحاجة للعمل والحاجة لدخل أعلى تطلبت اسما جديدا، عمل في الصباح وآخر في المساء، ولو كان لي روحان لعملت بهما معا وتركت مصر لحظها تتعثر...
كان لدي ثلاثة أسماء، والأغرب أنه اختلط علي فوقعت في أحد الأعمال باسمي في العمل الآخر، وعندما تذكرت وحاولت تبرير تصرفي أمام الموظف، قلت له العربي الفسطيني يغير اسمه حسب البيئة فهو إلى جوار البحر هادي وسلسبيل وبحار، وفي الصحراء صخر وماهر وصابر وواسع، وفي البطحاء سهل وسهيل وربيع وربيعة، وفي الحدائق مطر ورياض وجمال وزاهر، وفي الحرب فارس وأمير وشجاع وماجد، وفي السماء نجم وبدر وسامي، وفي إنكلترا لا يعرف ما هو اسمه: لحظة أتذكر اسمي يا وطني!!!

Faqeeh2life@yahoo.com

السبت، نوفمبر 07، 2009

رد الشبهات عن سنة النقاب: دفاعا عن حق الإنسان في حرية اختيار ملبسه

الشيخ محمد فوزي عبد الحي

حقيقة لم أكن أود كتابة المزيد عن قضية النقاب، لأنني تصورت أن يعود المتطرفون في معاداتهم للإسلام إلى رشدهم خاصة وأن الحق أبلج، والمسألة أوضح من الشمس. ومع أنهم لم يعودوا بل لا زالوا يعقدون الندوات ويكتبون المقالات وينشرون الضلالات، فلم أعتن بالأمر، ولكن ما دفعني حقيقة لكتابة هذا المقال هو محاورة دارت أمامي تعلن فيها أم مصرية أنها بعد ما سمعت وقرأت لن تقبل أبدا بنقاب ابنتها، لأنه لو كان النقاب حقا ما حاربه الشيخ.. والوزير.. والبعرورة التي أعلنت منذ سنوات في برنامج تلفزيوني شاهدته بنفسي أنها لم تسمع عن أحاديث النهي عن التصوير في حياتها، بالرغم من أن الأحاديث مروية في البخاري ومسلم وباقي دواوين السنة، بالمناسبة كانت في هذا الوقت عميدة، ونأسف لكثير من العمداء الأفاضل أساتذتنا الكرام، حيث انضمت إلى صفوفهم مثل تيك، ولكن تلك صروف الدهر تقلب فينا تارات وتصرف.

بعد ردة الفعل غير الواعية عند بعض الناس أردت في هذه المقالة أن أنشر شبهات المناهضين للنقاب على أساس عقلي وشرعي يسير ومنضبط، وكلمة "أنشر" هنا لها معنيان مقصودان تماما:

الأول: عرض ورق التوت العفن الذي يموهون به على فضيلة النقاب من خلال بيان دعاويهم الباطلة وكلماتهم الفضفاضة المنافقة التي يريدون بها خداع الأبرياء.

الثاني: نشر حججهم بمعني قطعها إربا، ويا ليت من عنده شيء من الإخلاص أن يقر للحق ويخصع لله ولكن للأسف عز الإخلاص ووهن الإيمان.

الشبهات المطروحة:

الأولى: عادة وليس عبادة

الثانية: النقاب قمع للمرأة وسجن لحريتها وتمييز ضدها.

الثالثة: النقاب يمنع التواصل المباشر بين المنتقبة ومن يحادثها.

الشبهة الرابعة: النقاب عدو التقدم والتحضر وانظروا أين نحن من أوربا؟ (صحيح ناس ما تختشيش)

الخامسة: اللصوص والمجرمون يتخفون في النقاب.

السادسة: النقاب ليس دليلا على التدين.

السابعة: النقاب يعطي انطباعا سيئا عن المرأة المسلمة في الغرب

أما الشبهة الأولى فهي أوهى من بيت العنكبوت، وذلك لما يلي:

أولا: النقاب - بمعنى تغطية الوجه - سنة زوجات النبي وهن أطهر الأمة وخيرة نسائها وأمهات المؤمنين، فمن وافقنا على هذه المقدمات:

- أنهن زوجات النبي

- خير نساء الأمة

- أمهات المؤمنين

فعليه أن يسلم بأن تقليدهن سنة متبعة، وطريقة مشروعة، ومن هدي الإسلام، فإن سلم الاقتداء بزوجات النبي وصفوة نساء الأمة وأمهات المؤمنين، فقد كان الحجاب السابغ المغطي للوجه فرضا عليهن، ففي حديث عائشة عند البخاري من حديث عائشة في قصة الإفك: "... فخرجت مع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بعد ما أنزل الحجاب فكنت أحمل في ‏ ‏هودجي ‏ ‏وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من غزوته تلك وقفل دنونا من ‏ ‏المدينة ‏ ‏قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من ‏ ‏جزع ‏ ‏ظفار ‏ ‏قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت وأقبل ‏ ‏الرهط ‏ ‏الذين كانوا يرحلوني فاحتملوا ‏ ‏هودجي ‏ ‏فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم ‏ ‏يهبلن ‏ ‏ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن ‏ ‏العلقة ‏ ‏من الطعام فلم يستنكر القوم خفة ‏ ‏الهودج ‏ ‏حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب ‏ ‏فتيممت ‏ ‏منزلي ‏ ‏الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان ‏ ‏صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني ‏ ‏من وراء الجيش فأصبح عند منزلي ‏ ‏فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت ‏ باسترجاعه ‏ ‏حين عرفني ‏ ‏فخمرت ‏‏وجهي بجلبابي و والله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير ‏ ‏استرجاعه..."

فإذا كان هذا واجبا دينيا في حقهن، فلا أقل من أن يكون مندوبا في حق غيرهن، وليس هذا الأمر بمستغرب أو دخيل على الدين، فقد كان قيام الليل فرضا على النبي وهو في حقنا سنة مندوب إليها. ولولا اتباع الدليل ورهبة القول على الله بغير حق لاتبعنا القياس وقلنا بوجوب النقاب على كل المؤمنات لأنهن إليه أحوج من زوجات النبي؛ إذ هن بلا شك أدنى من نساء النبي فضلا ورتبة ودينا وخلقا.

إذا علمت ذلك فالنقاب من الدين، وتقليد أمهات المؤمنين هو الشرف الأسنى والرفعة المثلى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم"، "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا". فمن تقول على سنة خير نساء المؤمنين بأنها عادة فقد فارق هدى الأمة، واتبع غير سبيل المؤمنين.

فإن قال هي عبادة في حقهن دون غيرهن، قلن له: ما صح في الشرع أن يكون عبادة جاز لكل واحد فعله ما لم ينه عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الوصال في الصوم. لما فعله النبي عرفنا أنه عبادة، ففعله الصحابة فكره ذلك النبي ونهاهم عنه، فعلمنا أن التقليد يجوز في العبادة إن لم يكن على وجه الوجوب فعلى السنية والندب ما لم ينه النبي، والنبي ما نهى أحدا عن تغطية الوجه إلا المرأة المحرمة في الحج.

ثانيا: النقاب كان على عهد النبي ورآه وأقره، وفي البخاري: لا تنتقب المحرمة، وهو يفيد أن النقاب كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينه عنه إلا المحرمة، فهذا دليل مشروعية بسبيل الإقرار، كما أخرج أبو داود بسنده أن امرأة جاءت إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقال لها ‏ ‏أم خلاد ‏ ‏وهي منتقبة ‏ ‏تسأل عن ابنها وهو مقتول فقال لها بعض ‏ ‏أصحاب النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏جئت تسألين عن ابنك وأنت ‏ منتقبة ‏‏فقالت: إن ‏ ‏أرزأ (أصاب بمقتل)‏ ‏ابني، فلن ‏ ‏أرزأ ‏ (أُصاب بفقد) ‏حيائي. فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ ‏ابنك له أجر شهيدين. قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه قتله ‏أهل الكتاب"، وهو ضعيف، ويستأنس لذلك بقصة إجلاء بني قينقاع حيث راود اليهودي العربية عن كشف وجهها، ويستأنس لذلك بقصة مبايعة هند زوج أبي سفيان وهي منتقبة، وهذان الأثران وإن كانا ضعيفين إلا إنهما يدلان مع الحديث الصحيح السابق على أصل الوجود، وعليه عمل الأمة بعد ذلك، وهو الذي حكاه الأئمة في تفسير آية الأحزاب في صفة الإدناء.

ثالثا: ما ورد في التفاسير المعتمدة من ذهاب بعض الصحابة والتابعين إلى وجوب تغطية الوجه، ومعلوم أنه لا يجوز تسفيه آراء أهل العلم ولا السخرية من مذاهب الصحابة والتابعين ولو كانت مرجوحة، لأن خلاف الصحابي وإن جاز فلا يجوز تسفيه قوله. فإذا علمنا ذلك، تقرر أن تغطية الوجه والنقاب والبرقع والنصيف وغيرها من المسميات من الأمور المشروعة المندوب إليها لدخولها تحت الأصل الواجب وهو فرض الستر على المرأة، ومن زاد على الواجب فهو خير له. ولا يرد علينا متفيقه فيقول الزيادة على أربعة في الصلاة مبطلة وعلى ثلاث مرات في الوضوء مكروهة، لعلمنا بأن تلك الزيادة مخالفة للنص وهذا سبب البطلان والكراهة.

ولذلك يجوز للمسلم أن يخرج مالا أكثر مما وجب عليه في الزكاة، ويكون من الصدقات المندوبة، ويجوز أن يذبح أكثر من أضحية والواجب يتأتى بواحدة، ويجوز أن يصوم بعد رمضان ما شاء ما دام قد أفطر أيام العيدين، ويجوز أن يزيد في صلاة النافلة عن السنن المرتبة كأن يصلي ثمانية قبل الظهر أو ستة قبل العصر، أو خمسة عشر ركعة في قيام الليل، كل ذلك جائز ومندوب لإتيانه على الأصل المشروع دون نكير وعلى هذا صلى المسلمون التراويح ثلاثا وعشرين ركعة وبلغوا بها ثلاثا وأربعين وأكثر من ذلك، لعلمهم بهذا الأصل.

علمنا من ذلك كله أن زيادة الستر من زيادة الخير، فيكون النقاب من الدين لا يماري في ذلك فقيه ولا ينكر ذلك أحد من أهل العلم، أما فوضى الفتاوي وإصدار الصحافيين والطباخين والمشخصاتية والعمال والفلاحين الفتاوى على فضائيات المسخرة العربية، والصحف الأموية العربية فهذه الظاهرة تنسجم مع الفوضى الحضارية التي نعيشها حيث يعمل الدجالون عمل الأطباء، ودبلومات الصنايع مهندسين معماريين، وخريجي الفلسفة في وزارة التموين، وخريجي الزراعة مذيعين في الإذاعة والتلفزيون إلى آخر منظومة الفوضى التي لا تخفى عليكم.

ولو أن كل إنسان استمع إلى ثقات أهل العلم، لما صرنا لهذه المهزلة، وعلى سبيل المثال برنامج بريد الإسلام بإذاعة القرآن الكريم المصرية، برنامج رائع وراشد، حيث يجيب أساتذة الشريعة على فتاوى المستمعين حسب أقوال أهل العلم ورجوعا بالأقوال إلى مصادرها ونسبتها إلى قائليها على هدى الشريعة وعلم الأصول وقواعد الفقهاء، وسماحة أهل العلم والفقه.

أما أهل المسخرة والحنطرة والدغدغة فيقول أحدهم: أعتقد، أظن، أزعم، ويظن أنه أول الظانين، ومقدمة الزاعمين، وطليعة المعتقدين، إلا إنه بالقطع لا يعلم أنه من الأفاكين العاطلين، والله المستعان على الجاهلين.


تبين أن النقاب من الدين، وأنه ليس دخيلا على الإسلام، وليس مجرد عادة لا علاقة لها بالدين بل عادة أقرها النبي فصارت من السنة كما هو تعريف السنة عند العلماء، كما أنه أمر القرآن لنساء النبي وهن صفوة نساء الأمة، والاقتداء بهن من الفلاح والصلاح ولا ريب في ذلك.

الشبهة الثانية: النقاب قمع للمرأة وسجن لحريتها وتمييز ضدها.

والرد من وجوه:

الأول: دراسة الحال، فنقول: سلوا كل منتقبة هل فرض أحد عليها النقاب حتى يكون ذلك قمعا لها، وسجنا لحريتها..

فإن كان الجواب: نعم، قلنا لها اخلعي النقاب والتزمي ما فرض الله من الحجاب، وإن قالت: لا، قلنا لها: أنت في حل، تختاري ما تشائين مما أحل الله، ورضب به رسول الله، فإن رضيت لنفسك ما رضي الله ورسوله لأمهاتنا زوجات النبي فقد بؤت بالشرف الأسمى والقدوة الأعلى.

الثاني: لم يفرض النقاب أحد في مجتمعنا، بل عادت المسلمات الطاهرات طواعية بإرادتهن إلى ميراثهن الأصيل، وفاءت الأمة إلى نبعها الطهور، وتركت اللاهثين واللاهثات خلف تقاليد الأمم التي استعمرتنا وأهانت ديننا وقتلت أهلنا لشأنهم، إنه التحدي أيها السادة: هل نحن موجودون، شكلا وزيا وسلوكا وتدينا وحياة أم لا؟ فأين القمع والسجن!!

الثالث: دعونا نسأل: هل التمييز ضد المرأة يتم من خلال لباس بعينه؟ لو كان الأمر كذلك، فلما لا يكون القمع في الملابس الخليعة التي تحبس حركة المرأة وتجلب لها أنظار الناس، وتغرس الفتن في المجتمع؟ ولما لا يكون التمييز في براثن الأزياء القسرية المساة بالعصرية والتي يتفنن فيها المصممون المخنثون في إبراز جسد المرأة وعرضه فيها كما السلع الرخيصة، أليس ذلك تمييزا ضدها وتسليعا (جعلها سلعة) لها؟

رابعا: عندما يرفض المسئولون عن المدن الجامعية دخول المتقبة رغم موافقتها غير المشروطة على التحقق من شخصيتها، وعندما يرفض التلفزيون المصري - الذي يفترض حسب قوانين الانتخابات أن يمثل أغلبية الشعب - أن تكون مذيعاته محجبات ولا نقول منتقبات، وعندما يتم محاربة المرشحة المحجبة في مدينة نصر ألا يعد ذلك تمييزا ضد المنتقبات والمحجبات، من يميز ضد من؟؟

نسبة المحجبات تتعدى 80 % ونسبة المنتقبات تقارب 10% وهي في زيادة مطردة بفضل الله، فلماذا التمييز ضد هذه الفئات المحترمة التي ترفض التغرب والذوبان، هذه الفئات هي التي تلد من يدافعون عن تراب الوطن ومن يجتهدون لرفعة الوطن ومن يقضون أعمارهم في سبيل الأمة، وهم مع ذلك من يتم التمييز ضدهم حرمانا من حقوق المواطنة المشروعة ومن الوظائف والاستحقاقات التي يفترض أن الحجاب أو النقاب لا يمكن أن يكون مانعا منها.

ندعو الله ألا يصدر قانون يمنع المحجبات من حق التصويت!!!

الشبهة الثالثة: النقاب يمنع التواصل المباشر بين المنتقبة ومن يحادثها

هنا أسأل السادة التواصليين الوصوليين الكباااااار، أي نوع من التواصل تريدون؟ أنا بريء للغاية، وساذج وريفي ونيتي سليمة؟ فأي تواصل تريدون؟ هل التواصل الحلال الحق الضروري الذي ذكره الله فقال: وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب؟ أم هو تواصل من نوع آخر، على أية حال، إذا كان تواصلا من نوع آخر يحتاج لظهور الوجه والعيون وتفسير النظرات والابتسامات إلخخخخ، فهذا تواصل مقيت ما أقره شرع الله ولا ارتضاه الرجال، بل هو عادة المنافقين والمخنثين والفجرة.

وهنا يروق لي أن أسوق لكم قصة بديعة – لعل البعداء يستحيون - رواها الخطيب البغدادي بسنده إلى أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي، قال:

حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين، وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرا، فأنكر (أي أنكر الزوج).

فقال القاضي: شهودك؟ (أحضر البينة بإحضار شهودك على أداء المهر)

قال: قد أحضرتهم، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته.

فقام الشاهد.

وقال للمرأة قومي!

فقال الزوج: تفعلون ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة (كاشفة الوجه) لتصح عندهم معرفتها.

فقال الزوج: وإني أشهد القاضي أن لها علي هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها، فرُدت المرأة وأُخبرت بما كان من زوجها فقالت المرأة: فإني أشهد القاضي أني قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة.

عندما احتاج القاضي للإسفار عن وجه المرأة لتصح شهادة الشهود أقر الزوج بالمهر الذي كان ينكره، لأنه كره أن يراها أجنبي عنها ولو كان ذلك سبيلا لإسقاط المهر عنه.

لقد كانت للعربي نخوة عمل الغربي على سلخه منها وسلخها منه حتى نزع الحجب وتسامح في الاختلاط ثم حدث ما لا يحمده مسلم يخاف الله، وأي مواطن عادي يفتح صفحة الحوادث يرى الجرائم البشعة، ويقول استغفر الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن لا ينظر إلى العمق القريب: كيف حدثت هذه الجرائم؟ كيف تمت ههذ الخيانات التي قادت للقتل والسجن والعداوة العائلية وإيقاد الفتن الطائفية والقبلية، وهدم البيوت وشيوع اللقطاء، حتى إنك لتجد في الشارع الواحد دارين للأيتام وهذه هي التسمية التجميلية لكلمة اللقطاء في مصرنا المعاصرة.

أما لو كان القصد إلى التواصل الطيب الصالح النافع في حلقات العلم، حيث الأدب والاحتشام ورحم الدين والفضل والتقى، فمعروف أن مبنى هذا التواصل على المعلومة المرسلة [محتوى الرسالة]، وكم من أستاذ/تلميذ كفيف وأستاذة/تلميذة كفيفة أنار الله لهم البصيرة فنفذوا إلى قلوب من يستمع إليهم أو استوعبوا من العلم ما لم يدركه المبصرون، رغم أنه لا تواصل حقيقي لانعدام البصر كلية في المرسل أو المستقبل للرسالة، ولكن الأهم هو المحتوى وطريقة الاتصال الصحيحة باختيار السياق والمدخل وشرح المعلومة وجمال العرض وليس روعة التبرج والنظرات الخائنة.


الشبهة الرابعة: النقاب عدو التقدم والتحضر وانظروا أين نحن من أوربا؟ (صحيح ناس ما تختشيش)

وهذه الشبهة "أخيب" شبههم جميعا، لأنهم نسوا أننا في الخامس من حزيران/يونيو 1967 كنا عراة في التلفزيون وعلى الشواطيء وفي الأفلام والمسلسلات وكان عبده والست عاملينها سداح مداح في الحب والعشق والليل والآهات واللوعات والحرقات والقبلات وفن السباحة تحت الماء، وكانت أزياء الميني جيب والميكرو .. هي التي تسود مدننا بل إن الفتيات الريفيات كن يذهبن إلى المدارس حاسرات سافرات، وللأسف الشديد لم يمنع عنا كل ذلك سهام الهزيمة، ولم يحصن وطننا، ثم أخبروني يا بقية البقية المتبقية من حثالة الحثالة المستنورة: كيف ساد العرب الدنيا بهذه الجلابيب واللحى والنساء الحاجبات الساترات، وكيف أسقطوا عروش كسرى وقيصر، ودانت لهم الدنيا.. ثم أخبروني ماذا قدمتم لمصر والعروبة والإسلام على مدار قرن من الزمان سوى هدم مصر والمتاجرة بقضايا العرب ومعاداة الإسلام.

في ظل نواياكم الخبيثة وجهودكم العارية، وتجارتكم الخاسرة دنيا وآخرة، فقدنا فلسطين، وفقدنا العراق، وفقدنا الصومال، وفقدنا جنوب السودان، وفقدنا الكرامة، وبات العرب يعادي بعضهم بعضا. ألا تنظرون إلى الخريطة المحترقة المتحرقة على الحجاب، بين المغرب والجزائر، والداخل المغربي، واليمن والسعودية، والكويت والعراق والداخل العراقي، والإمارات وإيران، ومصر والسودان، والداخل السواداني وغيرها من المشكلات الرمادية المتوقدة تحت رماد الضغينة من الفتن الطائفية، والحركات الانفصالية، وإحياء القوميات الغابرة، ثم الأمازيغية والكردية والكنعانية وعندنا النوبية والقبطية، وقريبا الصعيدية والبحراوية والباقية تأتي!!!

إن التقدم المعرفي والعلمي لا يعرف لباسا ولا يلتزم بعرق، ولا يعترف بالتاريخ الماضي، ولا ينتسب إلى سلالة بعينها، ولا يتولد في جغرافيا خاصة، ولا يدين بدين خاص، ومشاهد التقدم الموزعة على جغرافيا العالم تقر كل ذلك، فمن اليابان وكوريا الجنوبية مرورا بماليزيا والصين وحتى أوربا وأمريكا، ومن الصاروخ الكوري الشمالي إلى الإيراني والإسرائيلي وحتى الأمريكي لا يدين الصاروخ بدين ولا يلتصق بزي، وهذه بيئات تتنوع تاريخا وثقافة ودينا وسلوكا ولباسا ولكن يجمعها جميعا العمل والإتقان والكفاءة وتقديم الأصلح وليس أهل ولاء وكوسة..

ولنتذكر جميعا أن ألمانيا لم تكن منتقبة عندما خسرت الحرب العالمية، وأن أمريكا هزمت في فيتنام وهي عارية، ولنتذكر أن الحضارة اليونانية القديمة سقطت قديما بعد أن هوت في درك الجنس والعري والشذوذ. اللباس لا يمكن أن يكون عدوا للتقدم ولكنه السلوك العقلي والمزاج الحضاري للأمة هو الذي يصنع التقدم أو يعاديه، وعندما تضيع قيم الكفاءة ويتساوى العامل والمهمل، ويفقد المجتهد حقه في نيل ثمرة اجتهاده يبدأ المجتمع في التخلف وهذا واقع الأمة اليوم، والحجاب والنقاب بريء من كل ذلك.

وحرى بمن يشغلون أنفسهم بالنقاب ومعاداته أن يساعدوا الشباب على إيجاد عمل وفتح بيت وتكوين أسرة وأولى بهم أن ينصحوا المحتكرين وشلة رجال الأعمال ليعيدوا بعضا من حقوق هذا الشعب إليه حتى يمكننا أن نرى طريقا للتقدم.

الشبهة الخامسة: اللصوص والمجرمون يتخفون في النقاب.

إذن، علينا منع من يرتدون البزات ورابطة العنق وهم أميون جهلة، لأن هذا انتحال، وعلينا منع الضباط من لباس الشرطة لأن المجرمين يسرقون به الناس على الطرقات ويقتحمون به البيوت ويروعون به الآمنين. فإذا كان منع ذلك من الحماقة، فمنع النقاب منها كذلك.

ثم إن عدد الجرائم من نوعية التخفي في النقاب عدد لا يذكر، وماذا سيسرق المغلوب المتخفي في النقاب، ولما لا تسألون من امتلكوا آلاف الأفدنة والعقارات عشرات الشركات كيف وصلوا لذلك دون نقاب، أم أن النقاب هو وسيلة السطو الأولى في عرفكم. ولقد ضحكتُ عندما قال لي صديقي المهندس المحترم الفقير المغلوب: لو قلنا لرجال الأعمال سيروا في أرض مصر وامشوا في مناكبها وأمسكوا بالمتر وقيسوا من أرضها وما قستموه ووضعتم عليه الحدود فهو لكم لما امتلكوا في مصر مثل ما امتلكوا خلال العقدين المشئومين الأخيرين، أكانوا يرتدون النقاب وهم يسرقون شعبا ويفقرون أمة ويحكمون بالموت والقهر والجهل والفقر على أجيال من البراء لا ذنب لهم سوى أنهم مصريون؟؟؟

الشبهة السادسة: النقاب ليس دليلا على التدين.

صحيح، ولكن هل التعري علامة على التدين؟ وهل بروز جسد المرأة أمام الناس وتبادل السلامات والابتسامات والجلسات والضحكات هو التدين؟ ثم لماذا تدعون على المنتقبة شيئا لم تدعيه هي، وهل قالت إنها متدينة وإنكم فسقة، ثم إن الإسلام لا ينص على أن مرتدية النقاب معصومة، ولا أن الملتحي معصوم، فإذا كنتم تعتبرون الملتحي متدينا والمنتقبة معصومين فهذا شأنكم وجهلكم فلا تحاسبونا عليه، وإذا كان النقاب وغيره من شعائر الإسلام من رموز حضارتنا ومعالمها فأنتم مدعون إلى حضارتنا التي هي حضارتكم، هذا إن لم تكونوا غيرتم جنسيتكم وربما دينكم واعتنقتم دين ساركوزي وأشباهه، وحينئذ فلا تلومونا على ديننا، فلكم دينكم ولنا ديننا.

الشبهة السابعة: النقاب يعطي انطباعا سيئا عن المرأة المسلمة في الغرب

النقاب شعيرة دينية، وسنة نبوية شريفة، ونحن نعلم أن غير المسلم ربما يتهكم من سجود المسلم على الأرض، ومن عدم استحلاله الربا وهو مكسب معقول للمال مقابل انتفاع المقترض، وربما يسخر من صومنا شهرا كاملا وإمساكنا عن لذة الطعام والشراب والجماع طوال النهار، وكثير هم من يتهمون الإسلام بالوثنية لعدم فهمهم بعض شعائر الحج؛ ما رأي السادة الانطباعيين أن نترك الإسلام حتى نلغي الانطباعات السيئة، أليست هذه حماقة حمقاء عرفنا أولها وإن كنا لا نجهل آخرها.

ولكن دعونا نسأل ببراءة، ألا يلبس اليهود على رأسهم اليامكة اليهودية، ألا يطبع النصارى الصليب على أيديهم كما في مصر وفي هذا أذى للبدن وإيلام له، أليست الصورة المتخيلة لمريم العذراء ترتدي فيها ما يشبه الحجاب الإسلامي حيث تستر رأسها، ألا تنتشر صور الأم تريزا عبر العالم وهي أقرب إلى مسلمة فقيرة ترتدي الحجاب، لماذا لا يأخذ العالم انطباعات سيئة عن كل هؤلاء؟؟

آلاف الملايين يعبدون الحجارة، وملايين أخرى تعبد الحيونات، وملايين لا تدين بدين رغم ما أظهره الله من صدق رسالة النبي وإعجاز القرآن وما ظهر من الآيات الدالة على أن القرآن كلمة الله الخاتمة، ومع كل ذلك يهاجم كثير من المسلمين الإسلام لا لشيء سوى أن يظلوا مع قافلة المجهول، من المجهول للمجهول تقذفنا الرياح فمتى نفيء إلى الله؟ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟

أليس الأحرى بفقهاء العصر الملهمين أن يفتونا عن جهودهم في محاربة الإباحية، وحماية الشباب من الفتنة، ومحاصرة بؤر الرذيلة، أين جهود الموتورين في تيسير الزواج؟ وأين جهودهم في خدمة الأكفاء والموهوبين، أين هم من أبناء هذا الوطن الحزين؟؟ أين هم من آلاف الأسر بلا سكن، وملايين االمسلمين بلا زوج/زوجة، ومئات الألاف من الأطفال بلا عائل، وملايين العاطلين والمتبطلين، أين هم من المسئول العبقري الذي يتقاضى مئات الآلاف ومئات الآلاف من المواطنين الذين يتقاضون ملاليم قليلة كل شهر؟ أين هم من الفساد الضاري؟ من تزوير إرادة الأمة وإعلان الوصاية عليها؟

حقيقة، ليست المشكلة في برقع الوجه ولكن مشكلتنا فيمن لا يستحون وهم يرتدون جلابيب النفاق وبراقع الوطنية ومايوهات الأمانة، بينما هم يخونون الأمة ويبيعون الوطن لقاء ثمن بخس، ويأخذون بنا جميعا إلى الهاوية.

يجب منح المسلمة الحرية في اختيار زيها ومنحها حقها في وظائف الدولة ومكانها اللائق في وسائل الإعلام لتؤدي دورها الحيوي في المجتمع إن لم يكن هذا من باب الانصياع لأوامر الدين الذين تعلنون الإيمان به فعلى الأقل من باب حق الإنسان في اختيار هويته ولباسه وعقيدته، وكما تمنحون الأقلية الخليعة كل الحق في كل شيء داخل الدولة.

إنني أرسل برسالة إلى كل مسلمة ومسلم، إننا في حرب على الوجود الفكري والحضاري والعقدي، وعلى كل فرد من الأمة أن يثبت سلوكا وفكرا ومظهرا أنه موجود وأن الأمة موجودة، إن مظاهر مثل المآذن، ورفع الآذان، واللحى المحمدية، والحجاب، والسواك، هي رموز إسلامية يجب الحرص عليها لنحي حقنا في الحياة ولنخرج بها إلى فضاء الإسلام الأوسع نحو آفاق العلم والمعرفة والريادة.

إنني أدعو كل سافرة بل وأدعو كل مسيحية أن تتحدى إن لم يكن من باب الالتزام الديني فمن باب العصبية القومية واللحمة العربية أن تتحدى النموذج الغريب الوافد، لأن أصحابه ما قدموا لنا إلا الاستعمار، والدمار، والانحلال، والفتن، وعندما رحلوا بجيوشهم أصروا على نشر الاستبداد والعري والخلاعة ومساندة اللصوص والأقزام والانهزاميين والمفسدين في أوطاننا.

أيتها الحبيبة، عودي إلى رحاب حضارتك واحرصي على زي المسلمة والعربية، أيتها المسلمة احرصي على نموذج فاطمة وعائشة وصفية رضي الله عنهن، أيتها المسيحية احرصي على لباس مريم - عليها السلام - وحشمتها وعفافها وأسوتها الطاهرة.. لنعلن معا أننا هنا وإلى الأبد!
Faqeeh2life@yahoo.com

الجمعة، نوفمبر 06، 2009

كيف يقرأ العرب؟


محمد فوزي عبد الحي
اختلاف القراءة هو المحك الأول لصناعة الرؤى المختلفة، ومن ثم إطلاق الأحكام المتباينة على الحالات المتماثلة، وهذا يوضح تباين فهم القراء للمقال الواحد وللقطعة الواحدة، وتفاوت تحليل المفكرين للحدث الواحد، والحركة الواحدة، اختلاف استنباط العلماء من نصوص الأحكام، وتباين تقييم البشر لما يشاهدونه ويعاصرونه من أحداث، وهذه كلها أنواع من القراءات للنصوص والأحداث والوقائع والثورات والمعارك والدعوات الإصلاحية والتسويقية والخداعية، بل والمسلسلات والأفلام والبرامج والإعلانات وأدواتها المستخدمة.

ولذلك يختلف القراء في تقييم الحدث الواحد وتفسير الخطاب الواحد، وينقسمون بين معارض ومناصر، ومن الجلي أن هذه الأمور طبيعية لا غبار عليها، بل هي من سنن الله المنثورة في الخليقة: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" القرآن الكريم (11/118)

الكارثة الحقيقية عندما يصاب جمهور الأمة بالقراءة الزائفة للنص والواقع، فعندما يكتب كاتب ثقة مشهود له بالموضوعية والاستقلال ضد عناكب الظلام وأفاعي الحقل المسروق ممن يسكنون سلة مهملات الثقافة العربية، ويتغذون - كما الحشرات - على فضلات أدبيات العقل العربي والمسلم، ويترعرعون كما الجرذان على أكوام القمامة والمخلفات الثقافية التي تعرفها كل أمة في أدوار نهضتها وتخلفها على السواء، وهذه البقع الثقافية لا تحمل إلا السموم والجراثيم بطبيعة الحال لأنها فضلات – ثم يختلف القراء في قراءة النص؛ فبينما يراه أنصار المشروع العربي الإسلامي واجبا من الواجبات، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وفضحا للإفك والكذب، يراه آخرون حربا على الإبداع، وتسلطا على الحرية، ومحاربة للعقل، إلخ تلك القصيدة المكذوبة.

ربما يرد قائل بأن هذا طبيعي؛ طبيعي أن يجد هؤلاء أنصارا لهم كما يجد أولئك أنصارا، ولكن هذا ليس طبيعيا بل شاذا، عندما تنقسم أمة على قراءة نص كتبه محامي الدفاع عن قضيتها وقلعتها، وتختلف على إكبار دور المجاهدين المناضلين في سبيلها، فتنقسم بين ساب ولاعن ومناصر، ماذا يرجى لها؟

من الطبيعي أن يختلف الناس في تأويل ما يقبل التأويل؛ أما عندما يختلفون في حكم من يخون الأمة، ويبيع الوطن، ويتاجر بدماء الشعب، ويسرق أعمار الأجيال، ويحتكر مواردهم، ويسلب حريتهم، ويتساهل مع من يسب نبيهم - صلى الله عليه وسلم – ويعادي عقيدتهم، ويحارب حضارتهم..

عندما يختلفون في وجوب الوقوف جبهة واحدة دفاعا عن حصون الأمة التي هددها حزب ابن أبي اللعين، واستباحها أتباع يهوذا وحزب صهيون في سويداء قلبها، ومتعصبو الصفويين في الجناح الشرقي، بينما خانها من يرفعون عقيرتهم بأنواع التوحيد وحقيقة التوحيد ويصدعون رءوسنا بالولاء والبراء ومن يدعون لرجوع الخلافة بعد أن ساهمت عصاباتهم في إسقاط الخلافة - فلا بد أن الأمة تعيش - وأتمنى لو ساغ استخدام الفعل "تعبر" - كارثة حقيقية في قراءتها.

حدث أن نشرتُ مقالا تحدثت فيه عن المهاجرين الغير شرعيين، وما يلقونه من متاعب في طريق رحلتهم، وعن تهافت أغلبهم على الحياة التي حرموها في أوطانهم ومن ثم انغماسهم في المحرمات الشرعية، ثم ما يلقونه من محاباة وإكبار في أوطانهم وذكرت نصا معبرا عن مأساتهم وملتفتا من ضمير الغائب إلى المتكلم لجذب الانتباه واسترعاء مشاعر القاريء وعينه:

"منذ سنوات لم أكن قط مسست فتاة أو كلمتها، وهنا تعلمت كيف تكون القبل باردة لا طعم لها، وكيف تكون اللذة رخيصة لا قيمة لها. منذ سنوات كنت بريئا كما الطفل، طاهرا كماء البحر، عذبا كنيل مصر، فقيرا ككل المصريين.. لم أكن أستطيع الزواج من عقيلة كريمة أو نسيبة شريفة ولكني اليوم تدنست كثيرا، ولم أعد طفلا، وأصبحت رجلا له سيئات كثيرات وسوءات مقززات ومع ذلك يمكنني الآن الزواج من أجمل وأرق الإناث ومن أعز العائلات، والفضل بل الحقيقة تشدو بأنني صرت ثريا وخرجت من ربقة الفقر التي يخافونها وعرفت يدي الطريق إلى اليورو الساحر، الويل لنا جميعا لقد صرنا عبيدا للدرهم"

ذكرت ذلك في محاولة لفضح سلوك المصريين الذين يمنعون بناتهم الفقراء الطائعين، رغم عفتهم وبراءتهم، ويبيعون بناتهم للأغنياء العائدين من الشمال مع دنسهم ومعصيتهم، اختلفت القراءة للنص، فالكاتب الذي يحارب هذا السلوك المشين عندما ينحاز الناس للدينار على حساب الدين، ويجعلون من المال حكما بينهم فوق توجيه الرسول الأمين - أصبح في نظر بعض القراء مشيعا للفاحشة، بل ومرتكبا للموبقات، ونسي هؤلاء أن القرآن حكى هم زوجة العزيز بنبيه يوسف، وحكى إعجاب النساء به وتقطيعهم الأيدي عند رؤيته ليؤكد على إخلاص يوسف وعفته وصبره، ولا يجرؤ أحد أن يتهم القرآن بإشاعة الفاحشة.

لماذا يصر العرب على قراءتين؛ قراءة تمثيلية خارجية تعبر عن قناعات كاذبة وفهوم مشوشة، ونقاط انطلاق موهومة؛ وقراءة أخرى داخلية لا تخرج إلا في الأماكن المغلقة وربما لا تسمعها إلا النفس الإنسانية، وهي تعتصر لحظاتها وهمومها وأحلامها الحاطمة.

في صورة أخرى للقراءات المزدوجة غير السوية، يجتمع المسئول – رئيسا أو وزيرا أو محافظا - بعمال أو موظفي إحدى المصالح، فينظمون الأشعار والخطب في مديحه، وعندما يولي دبره يأخذون في نقده وعيبه وكيل اللعائن والسباب له.

أليست هذه قراءة مزدوجة تعبر عن جريمة نفاق متعمدة لأعمال الشخص ذاته؛ قراءة نفاقية مصلحية تنظم الشعر، وتكتب الخطب، وترفع العقيرة بالكذب، هذه القراءة تعطن أنفاسك في الصحف والمجلات الأموية، والمسلسلات والأغاني الأموية، ومؤلفات المؤرخين الأمويين ممن ينظمون مواويل الديمقراطية الأموية الخرساء، ويشرحون دقائق ألواح الحرية السجينة، ويفسرون السياسات التائهة لمتون الاجتهادات الأموية في توريث يزيد، ويخرجون علينا بمئات التأويلات التي تدل على أنها وحي جديد من ألواح الوحي السماوي، وإعجاز ملهم من الإعجاز الرباني، وآيات شاهدات في الأرض على تأييد السماء!!!

هم هم ينقلبون على أنفسهم في الحجرات المغلقة والأحاديث الخاصة والشجون الشخصية ليمحو في السر ما كتبوا في العلن، وليلعنوا في الخفاء ما صرحوا به على الملأ، وليعبروا عن قراءة أخرى مناقضة تقود الأمة إلى النهاية..

إنها النهاية الحزينة التي يستشعرها كل مثقف عربي يلمس حجم الهوة التي نعيشها، وحجم الكارثة التي لا ندري المخرج منها، إننا نعيش عصر ملوك الطوائف مرة أخرى، ولكن العصر الحديث بسرعة تغيره وتطوره لن يترك للعرب الفرصة ليموتوا خلال خمسمائة عام، فقد تغيرت الظروف وبات علينا أن ننتظر النهاية خلال بضعة عقود قليلة.

قراءات حرباوية من قراءات العرب:

نحن ندعم فلسطين وندعم بقاء عروشنا برضا ماما أمريكا.
نحن حزانى لسقوط القدس وفي أشد الأسى لهدم الأقصى الوشيك ولكننا نتبع المصلحة الوطنية الاستراتيجية فنصدر الغاز والحديد لأولاد عمنا يهوذا.
نحن نعمل على تقوية الجبهة العربية والخلافات بيننا لا حصر لها والتبادل التجاري بيننا زي الزفت.
نحن عرب شجعان ولكننا نعمل من أجل سلام الخرفان.
نحن مسلمون ولكن هوانا أوروبي وأدبنا حداثي ولساننا فرانكفوني ووزراؤنا خريجو كتاتيب جامعات الغرب وأصحاب جوائز الدولة التقديرية من يلعنون ديننا ودين (اللي خلفونا).
أمين للحزب الكبير– وسلام للأحزان الشياشية - يصرح لي شخصيا: لو الإخوان وصلوا للحكم سأطلق لحيتي على الفور وأصبح إخوانيا.
مسئول كبير وداعية معروف يصرح لي شخصيا عن شيء كتبه وخالف فيه الجمهور ورأي نصره وهو واهن أفن: الحقيقة مطلوب نكتب كده.
داعية مشهور يتزوج من نصرانية ويعلم أولاده في مدارس قبطية ومع ذلك يصدع رءوسنا بأنه أزهري، وينتمي للأزهر شاء غيره أم أبى.. خلاص يا سيدي علم أولادك في الأزهر ولا إيه يا سي أزهري؟
هل ما زال العرب في طفولة فكرية، يتمسحون ويبكون صباحا لنيل دمية فارغة ثم يمزقونها ويرمون بها مساء؟

لماذا يصر كثير من العرب على التلبس بزي القديسين وهم عراة، وانتحال دور الورعين وهم فسقة، وتزعم دور الأحرار وهم عبيد، والانتساب إلى الوطن والتراب والأمة والدين وهم ممثلون أغرار، وأغراب لا انتماء لهم؟

لماذا يتمثل كثيرون وكثيرات أدوار المدافعين عن الدين وهم أجهل به من غير المسلمين؟ لماذا نحتكر دائما القراءة الصحيحة دون دليل قاطع ولا برهان ظاهر، عندما أعلنت الإمارة الإسلامية في أفغانستان كانت مشكلتها الكبرى احتكار قراءة وحيدة بل وغريبة للنص الديني والتحيز الأعمى لرأي واحد من بحر الفكر الفقهي الثري، لماذا نكره القراءات الصحيحة إذا خالفت قناعاتنا الكسيحة؟

بالأمس القريب انقضت حماس المغضوب على إسلامها وجهادها على الإمارة الإسلامية المعلنة في غزة، ورغم فجاجة هذا الإعلان، وتهافت الإخراج المسرحي له، وبرهنته على طفولة فكرية سياسية ودينية تحياها فصائل تتسنم دور النخبة – فإن حماس تعاملت معه بنفس القراءة الاحتكارية، وهم يرددون عبارات مفتيي السلطات والأنظمة الدكتاتورية من نحو: الافتيات على الإمام، ومفارقة الجماعة، والخروج على الشرعية، وهكذا يأخذون حكم الباغي الخارج والمستحق للقتل بحكم النص.

أليست مهزلة أن يتقاتل المساجين داخل السجن ويشنق بعضهم بعضا قبل صدور الحكم من السجان؟

عندما خرج شيوخ العرب ممن يحكمون العرب اليوم على دولة الخلافة العثمانية، وحاربوها ووقفوا يدعمون الإنجليز والحلفاء ضد دولة الإسلام نعت كل خارج نفسه بالمصلح والمحرر والقائد، وعندما سقطت الخلافة لعن الجميع كمال أتاتورك ونسوا أن يلعنوا قادة الإصلاح الكبار في الوطن الغجري الكبير.

عندما قاد عبد الناصر طريق الوحدة العربية غضب زعماء القبائل، وشيوخ العشائر المنعوتة بالدول، وقفوا إلى جانب العم سام حتى سقط ناصر وسقطت القومية، وسقط العرب، وعندما كانت إيران حليفا لأمريكا وقفت الجزيرة العربية إلى جانبها دعما ومساندة وودا، وعندما قامت الثورة الشيعية – وبغض النظر عن مثالبها – وقف الجميع ضد النموذج الإسلامي المطروح، وهو على أسوأ الفروض خير من نماذج العرب البائدة، واستبدادهم المنكر وحينئذ استخرجوا تراث الصفويين، ومكفرات الباطنية، وأوهام الإثنى عشرية، ودعموا صدام المسلم آنذاك في حربه ضد المسلمين ولكن عندما استهوت صدام فكرة القائد الزعيم واستولى على الكويت وقف الجميع يدعمون الحق الصباحي والخوف السعودي والحكمة المصرية، ويلعون صدام البعثي الملحد.

القراءة مغلوطة تستولي عليها عقيدة الحق النسبي ولكن الحق مطلق لا نسبي، الحق مطلق لا يتقيد إلا بالحق، الحق ينبثق من روح النص ولكن لا يلصق إفكا بالنص المعصوم والنص بريء منه.

متى نجيد القراءة؟ متى نعرف المصارحة؟ متى يتعلم العرب القراءة ويتخلصوا من متاهة الاجتهاد المأزور الذي لا يستند إلى ضوابط حاكمة، وقواعد مقررة، ومصالح مرعية، أو تأويل سائغ، متي يقرأ العرب؟