الياس الزغبي
لم تعد المسألة سرّا . هناك رجل مكلّف تكليفا شرعيا بتسخيف القضايا الرئيسية وابدالها بأمور ذيليّة.
منتدب عن قوى واضحة تريد اشغال الناس عن أساس وجعها وقلقها، والغرق في هموم ومتاهات افتراضية، واشغال لبنان عن ذاته وأثقاله وأحماله وآماله فلا يبني دولة، ويبقى ورقة في مهبّ الريح.
بحثوا عنه كثيرا، "اشتغلوا" عليه طويلا، منذ كان في بداياته، في مؤسسة رسمية لا تطالها الشبهات. درسوا نوازعه وأوهامه وأسقامه، فوجدوا فيه ضالّتهم وصاحب الشخصية المركّبة، النموذجية للتكليف والتوظيف، ودفعوه الى الواجهة، على مراحل، جذبا وصدّا، مرّة بصورة بطل أو قدّيس، وأخرى بصورة منقذ، وثالثة بصورة ضحيّة، ورابعة بصورة سيف النصارى، وخامسة بصورة راجم الفساد وهادي العباد...
أوهموا الناس بأقنعته المتعدّدة ، فانطلت على طيبتهم البربارة السياسية، وتهافتوا اليه، وهتفوا له، وبايعوه، وبينهم عقلاء وأصحّاء كثر، بعضهم شفي، ومعظمهم نخره الوهم والداء فأعمته الخدعة الجحيمية.
وحين استوى به المقام الشعبي، واطمأنّ الى جموع المخدوعين، أسكرته صورته في ماء النرجس، ورفع الستر عن وجهه الصحيح، فظهر عاريا من ورقة التوت، وانكشف على أصله وفصله ودوره ودورانه، وخذل مشغّليه والمراهنين عليه، وضاع تعب نصف قرن، سقط الطلاء ووقف عاريا أمام الحقيقة كما خلقته يا رب.
اليوم، يلجأ الى آخر ابداعاته، يحاول اختراع طلاء جديد – قديم ، اسمه المخدّرات، لعلّه يخدّر بها من يحاول أن يستيقظ من الغارقين في النعاس الفكري:
- يمنع الكلام في سلاح "حزب الله"، والاّ يسقط الحوار.
- يمنع السياسة من خوض الانتخابات البلدية، والاّ ينسحب من مجلس الوزراء.
- يمنع الحديث عن المعسكرات خارج المخيّمات، والاّ "اذهبوا واسألوا وزيري الدفاع والداخلية".
- يمنع الاشارة الى اشتباكات الضاحية وصور وبعلبك والهرمل وقوسايا، والاّ التلويح بعيون أرغش.
- يمنع النقد في العلاقات اللبنانية – السورية ، والاّ فالعودة الى الوصاية.
- يمنع المطالبة بمصير المفقودين في سوريا، والاّ فالنبش في القبور والأحماض النووية للحرب.
- يمنع الاشارة الى ولاية الفقيه، والاّ فوضع الأمور في "نصاب 7 أيّار".
آخر صرعات هذا المكلّف الشرعي، صراخه في المخدّرات: انها الشيطان الأكبر! لا يعلو صوت فوق صوت المعركة ضدّها!
كل آثام لبنان هي هنا، فلتقطع ألسنة من يتساير بغيرها.
كل أوجاع لبنان هي هنا، هي المشكلة والحل: لا سلاح غير شرعي، لا حدود سائبة، لا دولة مفخّخة، لا مفقودون الاّ في المقابر، لا خطر على الدولة والكيان، أفندم كلّو تمام .
المخدّرات !
انتبهوا، لبنان كلّه مخدّر.
صحيح هذه هي مشكلة لبنان: تخدير العقول.
احذروا هذا المخدّر الأخطر، مع أنّ سحره بدأ يتلاشى بارتداده على لاعبيه.
الأربعاء، أبريل 14، 2010
المخدّر الأخطر
الاثنين، فبراير 08، 2010
حصرم حلب
الياس الزغبي
يحق لأي مهتد الى الايمان أن يسلك دروب القدّيسين ويقتفي آثار النسّاك. ويحق لأي تائب أن يكفّر عن زلاّته وذنوبه، ويلتمس رضا الله والأولياء، حيث يشاء. ولكن، أن يصبح الايمان استباحة، وتتحوّل التوبة سياحة، فذلك انحدار في سلّم القيم.
ما يقوم به "ماروني"، باسم الموارنة، على خط سير معاكس لتاريخهم، هو محاولة بائسة ويائسة، تحت شعار "خالف تعرف واكسر مزراب العين فيتحدّث عنك الناس" لقلب الحقائق وتغيير مجرى الحضارة.
صحيح أن الأب الأول للموارنة نشر دعوته في سهول حمص وبطاح حلب قبل 16 قرنا، لكنّ كينونتهم السياسية والرسالية أينعت في لبنان، ومنه في ديار العالم. سوريا حضنت الدعوة. لبنان أطلقها في الناس والحياة. هناك البشارة. هنا التجسّد. والتجسّد سرّ أسرار المسيحية وركن ايمانها.
سوريا قبل 1600 سنة كانت جغرافيا عامة غامضة، ملتقى شعوب وحضارات، هيولى سياسية، وجودا متعددا مفتوحا بلا حدود وضوابط. سوريا اليوم سياسة ونظام وأحادية ووظائف وأطماع. كانت حالة انسانية تاريخية تتفاعل في الامم والقيم. اليوم هي شبكة معقّدة من العقائد والمصالح والحسابات.
في الأمس، كانت سوريا مشاعا، الان هي حظيرة ايديولوجية مسوّرة.
المارونية تفتّحت خارج أرض نشأتها، صنعت موئلا لحريتها ونموّها، بعيدا عن كيد السلطان وقمعه. بَنَت ذاتها ومؤسساتها في مأمن من منّة الخلافة وجزيتها، الخلافة بوجهيها القديم والحديث. فمن هو هذا المقامر الذي يتوهّم استعادة زمن الخلافة المنقرضة، ويغامر بارجاع الموارنة الى قيد الذميّات؟
الخلافة القديمة في دمشق وظّفت موارنة "ملافنة" في اداراتها وفي خدمة مشروعها. الخلافة الحديثة توظّف موارنة أقل قدرا بأقل سعرا، والمشروع هو نفسه على مرّ العصور.
أولئك أطاعوا السلطان وخدموه على انكماش أهل عقيدتهم، وهؤلاء يقومون اليوم بالسخرة نفسها، ولو أطلقوا على أنفسهم ألقابا فضفاضة، وجلببوهم بعباءات "الزعامة المشرقية".
بسيط وسهل أن يرتضي "مسيحي ماروني" دور موظّف في بلاط، مهنة "يبرع فيها" من صنّفهم خليل حاوي في مستنقع الشرق، وكهوفه، وفنادقه!
غير البسيط والسهل أن يترسّل المسيحي الماروني للقيم، ويكون أمينا على وزنات الشهادة للحق، وعطاءات الأجداد.
ان أخطر ما تعانيه المارونية في سوريا توظيفها في حلف الأقليات، والأشد خطرا محاولة جر موارنة لبنان والانتشار الى هذا المشروع المدمّر، والأكثر ايلاما أن يتصدّر "زعيم ماروني" واجهته اللبنانية "المشرقية"، ودائما باسم مصلحة الموارنة وحقوقهم، و"بتكليف شرعي" مكشوف المصدر والأهداف، معروف "الولاية".
من يهمّه مصير المارونية فعلا، بتاريخها ومستقبلها، لا يصرف جهده في البحث الضائع عن حَجَريّتها وجمودها في التاريخ، ليقدّم خدمة سياسية لصاحب السلطان، ولو تحت شعار العودة الى الينابيع ومراقد الآباء المؤسّسين، بل ينخرط في حركتها الانسانية والسياسية والحضارية، واشعاع روحانيتها في أرضها المختارة، وتراثها الخلاّق، ومجالها الحيوي الذي ينداح دوائرحياة من بكركي وكفرحي وقنوبين الى كل لبنان، وسوريا نفسها، وسائر أصقاع الارض. فأيّ نبض وأيّ رسالة يلهث وراءهما في برّ حلب، غير الممسوح بعد في الضمير الماروني، وغير المحسوم بعد في الجغرافية التاريخية، والغارق في صقيع الفراغ الكياني، والعالق في براثن التخلّف الانساني؟
لا تينع المارونية في سلاسل الدولة المغلقة والقبضة السياسية القابضة، بل في رحاب المجتمعات الحرة. فبئس السعي لارجاعها الى طاعة البلاطات، ونظام الوصايات. المارونية اعتنقت لبنان، فلا يمكن حقنها بأيّ عقيدة أخرى.
أيّها "الماروني المجازف"، بل أيّها "الماروني التائه": رأس كنيستك قال: "لا أذهب الى سوريا الاّ وطائفتي معي". أنت تذهب، مرة بعد مرة، عاريا من طائفتك، وحيدا ولو كثر مرافقوك المستجمَعون.
وحيدا وتندم. عبثا تبحث عن المارونية في حجر اليباس ورمل البادية. هي هنا في أرض لبنان. هي هناك، وهنالك، في مسافات الأزمنة والأمكنة الحرة.
موطنها الحرية، وليس عباءة الحمايات. لا تطلبها في الجفاف السياسي، ولا في حمض الأنظمة. ولا يخدعنّك حصرم حلب.
وايّاك أن تخلع رداءك كي تخفّف عنك حرّ الصحراء. من يخلع ثوبه يبرد، ولو في قيظ براد.
Elias_zoghby@hotmail.com
الأربعاء، نوفمبر 11، 2009
الخسارة تحت ستار الربح
انقشع غبار معركة تشكيل الحكومة عن حقائق معاكسة للمطالب والشعارات التي رفعها أهل الحصص في الحقائب والمنافع � "الحقوق"، وخصوصا منهم بعض أطراف الاقلية، وتحديدا رئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" النائب ميشال عون.
- الشعار الوهمي الاول الذي تهاوى عشية ولادة التشكيلة كان شعار الاستقلالية وعدم الرضوخ للضغوط والتأثيرات، فكان المشهد المفجع في دمشق: تلقّي موفد عون بلاغاً سورياً بالحصّة العونية المتدنّية كثيرا عن المعلن، وفيها أكثر من وديعة مفروضة من خارج كوادر التيار العوني الغائص الان في احتجاج هائج، وفيها فصل قسري صادم بين حقيبة الاتصالات و"الوزير � الجوكر" جبران باسيل. وكان العزاء في العاصمة السورية عزاءً حقيقياً بالقرار المستقل و"المسألة السيادية" التي طالما شهرها عون في وجه الرئيس الحريري! وفي اليوم التالي اكتمل المشهد "السيادي" في الضاحية برئاسة قائد المعارضة وسيّد المقاومة!
- ما يحسبه العماد عون انتصاراً بفرضه توزير راسب واحد هو، في حدّ ذاته، انكسار، ليس فقط لأنه استبعد الراسبين الاخرين الناقمين، بل لأن حسابه السياسي القريب والبعيد سيتضمّن نقطة سوداء في سجلّه (قد لا تهمّه واحدة اضافية)، وستلاحقه لعنة السابقة السيئة حتى النهاية السياسية، خصوصاً أنه الطرف الوحيد الذي تفرّد بهذه "المكرمة" التي لن تكون مثار فخر واعتزاز بل دافع خجل، فهي لا تشكّل عرفاً ايجابياً بل وصمة سياسية ضد الديمقراطية والرأي العام، وهي ستكون حتماً عاملاً جديدا للتراجع الشعبي والسياسي مضافاً الى عوامل الشطط الوطني التي أدّت الى الانحدار الموصوف.
- يبدو ادّعاء عون دعم موقف مسيحيي 14 اذار للحصول على حقائب وازنة أشبه بقصّة "الركب والذبابة" في أقصوصات لافونتين، حين طالبت الذبابة بثمن الطنين واللسعات!
الحقيقة أنّ تشبّثه بالحقائب لم يكن لحسابات مسيحية ولا يمت بصلة الى حقوق المسيحيين، لأن ما حصل عليه من حقائب لم يأخذه من حساب المسلمين بل من الحساب المقطوع للمسيحيين ضمن معادلة المناصفة في مجلس الوزراء، وهي، أو ما يوازيها، من حق أي قوة سياسية تمثلهم، ولا منّة في ذلك من أحد. فللمسيحيين حقيبتان سياديتان وأربع أساسية وخمس عادية وأربع حقائب دولة، وقد تم توزيعها بالتوازن ضمن الكوتا المسيحية بين الجهات الثلاث: رئاسة الجمهورية وقوى 14 اذار وأطراف ثلاثة في تكتّل� "الاصلاح والتغيير"، وليس هناك أي فضل لهذا الزعيم أو ذاك في التوزيع العادل المنصوص عليه في الدستور واتفاق الطائف. أمّا احتكار الفضل فليس سوى ادّعاء ترويجي تسويقي لتغطية الالتحاق السياسي وتبرير التراجعات تماما كما كانت يافطة "الحقوق المسيحية" في قانون ال 60 غطاء للتراجعات في الدوحة.
يكفي أن تأتي الشهادة ب "انجازات" عون من الصحافة السورية ووسائل اعلام 8 اذار كي� ينجلي معنى العزاء، فيلمس الجميع عمليات نفخ الاحجام وتجميل الورم السياسي على حساب العافية السياسية والشعبية. وما يحصل في الجامعات والنقابات، وما سيحصل حتما في محطّات لاحقة على مسار 7 حزيران، يجعل من الواجب اعتماد المثل السائر معدّلا: يربح جيّدا من يربح أخيرا.
الأربعاء، نوفمبر 04، 2009
من حالة وطنية إلى عالة حكومية
بماذا يتّصف الرجل السياسي أو الزعيم السياسي بأهم من صفة المدرك وصاحب الرؤية؟
وبماذا يتميّز رئيس أو قائد عن مرؤوسيه أو جنوده، إذا لم يكن بحسن الدراية والإدارة ودقّة التبصّر؟
سؤالان برسم العماد ميشال عون الذي حباه الله ميزة القيادة ومحضته الصدف والظروف السياسية والأمنية (وطيبة الناس) شعبية وزعامة استثنائيتين.
لم يبلغ زعيم سياسي لبناني ما بلغه عون من عزّ شعبي بلغ أوجه سنة 2005 (لم تكن لديه أي وسيلة إعلامية انذاك، وتراجع العز حين أصبح يملك كل أنواع الإعلام، أليس في ذلك مفارقة صاعقة تستدعي التوقّف والمساءلة ؟).
هذا الانحدار القياسي (لم يستغرق أكثر من ثلاث سنوات وهي مدّة سريعة جدّا في تحوّلات الأجسام السياسية الحيّة) سلك بوتيرة منتظمة خطّ الانحسار والانكماش من حالة وطنية إلى عالة حكومية تحت شعار خاو خادع: حقوق المسيحيين، وكأنّ منافع زعيم هي الخير العميم، أو كأنّ حقيبة تختصر حقبة من تاريخ الموارنة.
ثلاث صدمات كانت كافية لأحداث صدمة وعي واحدة عند العماد عون فأغفلها وتجاهلها وكابر عليها، وفضّل الدوران حول نفسه ونوازعه:
الصدمة الأولى تمثّلت بصدود متنام لدى المسيحيين لخياره السياسي في التزام مشروع "حزب الله" بوظيفتيه الإيرانية والسورية، فدفع ثمنا سياسيا وشعبيا باهظا في انتخابات 7 حزيران 2009 التي واجهته فيها مفارقة مدوّية: حين كان يمثّل أكثر من 70% من المسيحيين سنة 2005 حصل على 21 نائبا، وحين هبط تمثيله المسيحي إلى 50% والماروني إلى ما دون 40% سنة 2009 ارتفع عدد نوابه إلى 27 ! مفارقة تفضح حالة ورم سياسي آيلة حكما إلى الضمور.
الصدمة الثانية هي انكشاف رهانه على "الحلف الأبدي" (الإلهي المقدّس!) السوري الإيراني، فانزلق إليه بكل عتاده الشعبي والسياسي، وبدون حساب، أو بحساب بلدي، ولم يستشرف إمكان اهتزاز هذا الحلف ذات لحظة إقليمية ودولية، وخطر مأزق التمزّق بين فكّي الحلف، تماما كما بدأ يعانيه مرجعه المحلّي "حزب الله" . وهل ما يكابده عون من تجاذب بين الحليفين
"المتمايزين" حول حصّته في الحكومة دليل بسيط على خطر الانفلاق بين الطرفين؟!
أمّا الصدمة الثالثة فهي المتراكمة والمتمادية منذ 4 سنوات، وتتجسّد في الانكفاء المتنامي لجيل الشباب عن تيّاره، وعلامات الشيخوخة المبكرة، ونفور أجيال الجامعات والمعاهد من حالة الانغلاق الثقافي والسياسي والاجتماعي التي يفرضها "حزب الله" على "صهره" المسيحي كأحد أثمان "التفاهم" السرمدي.
ألا يقف ميشال عون في لحظة صدق ويسائل نفسه وأصفياءه عن سبب تبدّد الحيوية الشبابية من حوله وانهيار مؤيديه في الجامعات، الواحدة تلو الأخرى، أمام ناظريه، وهل أن هتاف مجموعة صغيرة بحياته أمام دارته ليلا يكفي للحكّ على "أناه" ودغدغة أحلامه وطمأنته إلى "الحقوق" المضمونة؟!
قد تكون حساباته غير هذه الحسابات، وقد يهزأ صاحب العقل "الاستراتيجي"، مع حاشيته، من هذه الأسئلة "الساذجة"، ومن هذه الصدمات "الوهمية".
وقد تكون ثنائية السلطة والمال، لدى بعض الزعماء، أبلغ أثرا من ثنائية التاريخ والرجال... والرحمة على المبادىء والثوابت، ومصير الأوطان والشعوب.
*الكاتب إعلامي معروف ومعلق ومحلل سياسي وعضو في تجمع 14 آذار، وكان قيادياً بارزاً له موقعه الإعلامي المميز في التيار الوطني الحر قبل أن ينحرف هذا التيار عن شعاراته ويُلحِقه رئيسه العماد ميشال عون بالمحور السوري – الإيراني ويتخلى عن كل الثوابت الوطنية ويخرج عن مواقف مرجعية طائفته التاريخية
الخميس، أبريل 02، 2009
بين عون وجبران
الياس الزغبي
اذا كان الطعن في الميت حرام، فان الطعن في الشهيد جرم فظيع، ويصبح اشد ايلاما حين يستخدم مرتكبه "فن" الاغتياب ويستغل عجز الغائب عن الجواب وردّ الافتراء .
"موسمي"، كلمة واحدة أطلقها ميشال عون في غياب جبران تويني كانت كافية لتختصر مخزون" الوفاء" من "الحي" (!) للميت، ولتفيض بكل المشاعر السلبية التي تختلج في صدور الراقصين على القبور.
وليس في استطاعة أي مستكتب، مهما أوغل في الاسخريوطية وأتقن التماس فضة المخابرات، أن يطمس هذه الحقيقة.
لا يستطيع أحد انكار المسار السيادي لجبران تويني منذ بداياته السياسية الفعلية مع "الجبهة اللبنانية "وبشير الجميل، مرورا بعون في اليرزة وقصر بعبدا والمنفى، وصولا الى "قرنة شهوان" وثورة الارز.
خط مستقيم من الولادة الى الشهادة كان يغيظ أصحاب الالتواءات ويثير حقدهم المكبوت، الى أن انفجر فيهم هذا الحقد وتناثرت شظاياه على ألسنتهم "الدافئة "
كل من كان قريبا من سريرة عون، خلال فترة "عهده" في القصر الرئاسي وما بعده، يدرك عمق "الحساسية" التي كان يعانيها تجاه جبران: يريد حيويته واندفاعه والتزامه وقدرته على التعبئة، و يتحسس "في الوقت نفسه من" نجوميته "وثقة شعب" بيت الشعب " به، وخصوصا الشباب، ويتوجّس من أن يؤدي صدقه الى افتضاح زيف الحروب والارتباطات. أليست هذه هي "ميزة" عون تجاه كل من أعطى وضحّى؟
هذه العقدة "العونية" استمرت في مرحلة المنفى، وكان عون يتبرم كثيرا من ميل شباب تياره الى جبران والهتاف له في قاعات الجامعات، ولم يكن يكتم "غيرته" أمام كوادره فيطلب منهم لجم اندفاع الناشطين في تأييد نموذجهم الشاب من خلال بث الشكوك فيه وتشويه صورته.
وفي بدايات العام 2005 كان هم عون مع بطانته في باريس ضرب الحالة الشبابية والشعبية التي قادها جبران فحاول ثنيه عن الحركة الاستقلالية المتنامية وابعاده عن مكوناتها الثلاثة الفاعلة (قرنة شهوان، الحريري، جنبلاط).
ولما خابت محاولته عمد الى الابتزاز الاعلامي وهوّل بترشيح اللواء أبو جمرا في الاشرفية في وجه جبران الذي قصده في باريس ظنا منه أن عون مرجع سيادي واستقلالي فصدمه الوجه الاخر (بل الحقيقي ) لذاك الرجل، وكانت انذاك لحظة استشهاده الاول!
وبعد ثلاث سنوات ونصف على استشهاده الأخير، يفتح جبران عينيه على العابثين بدمه ويراقب هازئا كيف يعيدون لعبتهم المقيتة مع فلذة كبده .
الأحد، مارس 08، 2009
حلف 8 اذار: النشؤ والارتقاء
الياس الزغبي
بعد مضي 4 سنوات على انطلاق "تجمّع 8 اذار" في الحشد الشعبي الكبير في ساحة رياض الصلح، بات من المفيد القاء الضؤ على جذور هذا التجمّع وعلى حقيقة نشأته والظروف التي أدت الى تشكّله.
ومن السذاجة النظر الى هذه الحركة المؤثرة عميقا في مصير لبنان، كيانا ودولة ودورا ومعنى، وكأنها مجرد لقاء عفوي طارىء للقول "شكرا لسوريا" قبل شهر ونصف من انسحاب جيشها من لبنان، أو أنها فقط ترجمة شعبية لـ "لقاء عين التينة" وتعبير أوسع عن "اللقاء التشاوري" و"خلية حمد" وكل الخلايا التي أنتجها النظام السوري في السنة الأخيرة لعهده اللبناني.
ان "تجمّع 8 اذار" هو نتاج خطة سورية محكمة تضرب جذورها الى سنة 2000-2001، وهي سنة التحولات المفصلية: لبنانيا، الانتخابات النيابية ذات الدلالات التغييرية، اقليميا الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان ما أربك الشريك السوري الذي سارع الى نفض الغبار عن ملف مزارع شبعا لتعليق الورقة اللبنانية على مشجبه، ودوليا، الحدث التاريخي في نيويورك (11 أيلول 2001) وتردّداته الخطيرة.
واذا كان لـ "8 اذار" وظيفة اقليمية ودولية عبر سلاح "حزب الله" ، فان وظيفتها الداخلية هي محور هذا البحث، انطلاقا من الاساس السياسي الاتي: "8 اذار" هي رد فعل على "14 اذار" وليس العكس. انها معادلة واقعية تخالف الترتيب الزمني المألوف وتنسف المتعارف عليه في الخطاب السياسي اللبناني العام.
لماذا ارجاع نشؤ "8 اذار" الى 8 سنوات وليس 4 فقط، وكيف بدأ التأسيس لهذا الحلف بكل مكوّناته الراهنة بما فيها "التيار العوني" كعضو عامل وفاعل ومؤسس؟
1 – دوافع قيام جبهة "8 اذار"
ابتداء من صيف العام 2000 بدأ مزاج لبناني جديد بالتشكّل: انتخابات نيابية أنبثقت منها حالة سياسية لرفيق الحريري أثارت حفيظة حسابات دمشق، تحوّل في موقف وليد جنبلاط نحو المطالبة باعادة تموضع الجيش السوري ما أدى الى تخوينه وهدر دمه، نداء تاريخي لبكركي أرسى أسس السيادة والاستقلال وأطلق جسما سياسيا حيويا تحت اسم "لقاء قرنة شهوان".
منذ ذلك الحين بدأ حلف ثلاثي لبناني يتكون بين المسيحيين والسنة والدروز (قرنة شهوان، جنبلاط الحريري)، وكاد يصبح رباعيا مع نبيه بري الذي قمعت دمشق حركته نحو بكركي فصام شهرا وانكفأ. هذا الحلف غير المعلن شكّل في الواقع الأساس الاول لـ "ثورة الارز" وحركة 14 اذار 2005.
توجّس النظام السوري شرا من الحالة اللبنانية الناشئة ومن تلاقي الطوائف والقوى السياسية، وهو الذي بنى حكمه المديد على تفريقها وتعميق التناقضات بينها، فقرر وضع خطة لضرب هذه الصحوة بسلاحها، أي انتاج "حلف بين الطوائف والقوى السياسية لمواجهة وضرب الحالة الاستقلالية التي كانت في براعمها الاولى، اضافة الى السلاح التقليدي (القمع الامني) والذي تم استخدامه لاحقا "بجدارة".
2 – " الشريك " المسيحي
درس أهل الخطة السورية عوامل القوة والضعف لديهم، وتحققوا من قوتهم الاستثنائية في الطائفة الشيعية ("حزب الله" و"حركة أمل ")، وامكاناتهم الجيدة في أوساط السنّة (عمر كرامي، سليم الحص، أسامة سعد، عبدالرحيم مراد، ونواب - ودائع، وقوى متفرقة)، وقدرتهم على دعم مشاكسين في الوسط الدرزي (طلال ارسلان، القوميين، فيصل الداوود، مع استنباط مشاكسين جدد من صنع المخابرات).
لكنهم اصطدموا بضعف "الشريك" المسيحي في خطتهم: اذا كانت أوراقهم في الوسطين السنّي والدرزي كافية، وفق حساباتهم، لمواجهة الثنائي الحريري – جنبلاط، فان "الرموز" التي دعموها وراهنوا عليها في الوسط المسيحي (اميل لحود، الياس حبيقة، سليمان فرنجية، ونواب الحظوة، وبعض الودائع في الاحزاب المسيحية خصوصا حزبي الكتائب والقوات)، لم تكن مؤهلة لمواجهة الثنائي بكركي – قرنة شهوان، بسبب ضعفها الشعبي ومجافاتها للوجدان (السياسي) المسيحي.
أمام هذه الفجوة المسيحية الكبيرة في "الجبهة" السورية المستحدثة، استنبط "العقل" المخابراتي في دمشق وعنجر فكرة استخدام الاحتياط المسيحي المتمثل بالعماد ميشال عون، والذي عمل السوريون سابقا على انتاجه، بالفعل أو برد الفعل، منذ دعمهم عون الى موقع قيادة الجيش، وحتى من خلال حربي "التحرير" و"الالغاء" وتصدّيه لاتفاق الطائف، وصفقة جلائه عن قصر بعبدا وترتيب منفاه المريح.
لم تنقطع الاتصالات بين دمشق وعون طوال سنوات التسعينات، لكنها شهدت وتيرة متصاعدة بعد العام 2000 عملا بخطة المواجهة السورية للرباعي اللبناني ( بكركي، قرنة شهوان، جنبلاط ، الحريري ). سلكت هذه الاتصالات مسالك ثلاثة: الاول مباشر عبر لقاءات دورية في باريس بين عون وواصف شوكت (لم يكن بعد رئيسا للمخابرات) بترتيبات شارك فيها أكثر من شخص بينهم مراسل صحافي لصحيفة لبنانية، الثاني في حركة مكوكية لوزراء لبنانيين سابقين وموفدين بين دمشق وباريس، والثالث في التنسيق الدائم بين السفير السوري في واشنطن انذاك وليد المعلم وخليفته عماد مصطفى والفريق العوني هناك (طوني حداد وغابي عيسى الذي أصبح في نهاية العام 2004 مبعوثا لعون الى دمشق مع رسالة "صداقة" وتودد الى الرئيس بشار الاسد). وقد خضع التحالف السوري – العوني، في اطار 8 اذار الاصلية، لاختبارات ناجحة كان أبرزها حدث 7 و9 اب 2001 الذي كان منسقا بدقة بين عون والجهاز المخابراتي السوري اللبناني المشترك (عبر جميل السيد الذي كان على اتصال دوري بزعيم التيار العوني)، ثم اختبار الانتخابات الفرعية في بعبدا – عاليه سنة 2003 (حيث دعم الجهاز نفسه مرشح عون بشكل سافر)، وكان الاختبار الاقوى والحاسم في الانتخابات العامة في صيف 2005 والذي كان ثمرة 5 سنوات من التحالف والعمل الدؤوب، وتنفيذا أمينا لخطة (صفقة) عودة عون الى لبنان (تفاصيلها في بحثين نشرتهما "النهار" في 12- 2- 2007 و 4 – 11 – 2007).
3 - مأزق الاباء المؤسسين
لم يكن احتفال 8 اذار 2005 سوى تتويج للجهود السورية على مدى خمس سنوات وتكريس النجاح الاستثنائي في استقطاب "الشريك" المسيحي القديم – الجديد المتمثل بالعماد عون عبر النفخ في طموحاته السياسية. وخلال هذه المرحلة كان الهم الاول للراعي السوري تقوية كل طرف من أطراف 8 اذار في بيئته، سياسيا وشعبيا، وأمنيا لبعضهم، طالما انه كان مدركا لحتمية خروجه من لبنان.
وقد أولى عناية مركزة للحالة الشعبية لشريكه المسيحي الاثير، ولم يترك منشّطا الا واستخدمه لمضاعفة هذه الشعبية، من قمع واعتقالات وأحكام مدروسة وتضييق وتصريحات حادة واحداث مدبرة (7 اب) واستحقاقات (فرعيتي المتن وبعبدا- عاليه)، وكل ذلك بعيار مدوزن يعطي مفاعيله الشعبية بدون ايذاء كبير، ولم يكن انخراط عون في المرحلة الاولى من "ثورة الارز" الا للحفاظ على الزخم الشعبي لئلا تفلت الارض منه قبل أخذها الى ساحتها الاخيرة، ساحة 8 اذار.
وهنا يمكن تسجيل ملاحظتين معبّرتين: الاولى عدم سقوط شهيد عوني واحد أو جريح رغم المواجهات الطلابية المتكررة طوال سنوات، بينما سقط لناشطين سياديين اخرين (قوات وكتائب...) شهداء وجرحى. والثانية تمتع دعاة" العونية" في الاعلام والتوعية السياسية والتعبئة والمحاضرات والندوات بنوع من الحصانة المكتومة برغم حركتهم القوية ضد النظام السوري ليلا ونهارا من عكار الى جزين وزحلة وكل مدينة وبلدة وقرية وعلى منابر كل الجامعات والمعاهد، فهل كانت المخابرات السورية ذات مستوى ديمقراطي رفيع وصدر سياسي رحب فلم تمسهم بضغط أو تهديد أو حتى تهويل؟ الحقيقة أنها عاملتهم بسياسة "تسمين الخواريف" ليوم المرفع! ونحن اليوم في زمن القطاف.
وليس هناك ما يثير دهشة المراقبين، بل ابتسامتهم، اكثر من اصرار العماد عون وفريقه، حتى اليوم، على رفض تصنيفه في حلف 8 اذار بدون ان يثبت ما يميزه عنه، مع أنه من ابائه المؤسسين ومن غلاته في معظم الاحيان، تماما كما فعل ثلاث سنوات بمحاولة ايهام نفسه والناس أنه "متفاهم" مع "حزب الله" وليس متحالفا معه.
فهل هناك في القاموس السياسي تعريف لهذا الخطاب، وهل هو الديماغوجيا أم تعبير اخر؟
في الواقع، ان حلف 8 اذار قديم التكوين، وقد نجح مؤسسوه، خصوصا السوريين والعماد عون، في التستر على حقيقته خمس سنوات، وقد ذهبت ضحية هذا التخفي شرائح واسعة من اللبنانيين وتحديدا المسيحيين، وما زال قسم منهم ضحايا التوهّم حتى الان. وكانت اخر مناورات التخفي البرنامج الانتخابي الذي خاض العونيون الانتخابات على أساس عناوينه السيادية والاصلاحية، وحصدوا 22 نائبا و 70% من المسيحيين.
وبعد انتهاء الانتخابات باسابيع معدودة ارتد عون على أوراق البرنامج وأحرقها ورقة ورقة بخورا على ثلاثة مذابح: مذبح كنيسة "حزب الله" في الشياح، ومذبح كنيسة الملالي في طهران، ومذبح كنيسة البعث في براد، وانتظم بذلك علنا ونهائيا في الحلف الذي شارك في وضعه سرا قبل ثماني سنوات، وقد تلاشت الان قدرته على التمويه والمناورة الاّ أمام من صادر قدرتهم على التمييز، وبات شفاؤهم من التوهّم شبه مستحيل.
ان حقيقة مأزق مؤسسي حلف 8 اذار تكمن في انكشاف "شريكهم" المسيحي القديم وفقدانه وسائل لعبة الايهام والهروب الى الامام. والمأزق يزداد صعوبة مع اقتراب الانتخابات النيابية، فكيف يتفادونه بدون تعطيلها؟ هل لديهم حل اخر؟
إعلامي وكاتب ومحلل سياسي
الاثنين، نوفمبر 24، 2008
الزغبي: التيار العوني يغرق في الرمال المتحركة السورية
جهاد عون
اعتبر عضو "قوى 14 اذار" الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي ان النائب ميشال عون يتناسى انه اهدى النظام السوري مفاتيح لبنان والوجود المسيحي الحر عام 1990 بسياسته المدمرة والهوجاء التي ادت الى احتلال المنطقة الحرة وتدمير الجيش وسحق المسيحيين سياسياً. واضاف الزغبي الذي عمل مع عون وكان احد مساعديه الرئيسييين قبل انشقاقه عنه ان السؤال الكبير الذي يجب طرحه : "هل سيذهب عون لأستعادة المفاتيح ام لأستعادة الجيش السوري الى بيروت".
واعتبر الزغبي رداً على اسئلة Almustaqbal.org ان زيارة عون الى سوريا هي رفع الستارة الاخيرة عن حقيقة عون المتفاهم ضمناً مع النظام السوري من عام 1984 وليس كما يعتقد البعض منذ ثلاثة اعوام. واضاف ان هذه الحقائق انكشفت امامه منذ تولي عون قيادة الجيش عندما ارتبط عون بعلاقة عميقة مع النظام السوري، ولم تكن فترات الصدام والتناحر بين الجانبين الا الاستثناء الذي يثبت القاعدة في هذه العلاقة القديمة وخصوصاً حرب التحرير التي برمجها عون ودرس اساليبها وحققت هدفها المركزي عام 1990 بتمكين النظام السوري من اجتياح المناطق الحرة.
واشار الزغبي الى تصريح لعون قبل يومين اكد فيه حرفياً ان الحرب مع السوريين كانت الاستثناء وهذا يعني ان الاساس هو التكامل والترابط كاملين بين اهداف البعث السوري والسياسة العونية سواء في مرحلة الرئيس حافظ الاسد ام في ظل بشار الاسد.
ورأى الزغبي في معرض تحليل رد فعل محازبي عون على زيارته السورية، ان الاخير نجح في تشويه الحس النقدي لدى شريحة واسعة من انصاره. وذكر الزغبي بنصريح لنائب رئيس الحكومة اللواء عصام ابو جمرة عام 2006 قال فيه "اننا لا نستطيع ان نتجه بتيارنا بسرعة الى سوريا بل نحتاج الى وقت".
ورأى الزغبي ان عون تمكن من انجاز هذا الامر خلال السنين الماضية وهو لوث وشوه فكر مجموعة واسعة من محازبيه ونزع قدرتهم على تحكيم المنطق واعمال العقل والتمييز بين الاسس والثوابت التي قامت عليها سياسته والنتائج التي وصل اليها اليوم.
واضاف ان هناك مجموعة من العونيين لا تريد التسليم ان زعيمهم باع ذاته ومبادئه وتحول من محرر الى منفذ للسياسة السورية. ووصف الزغبي حال هذه المجموعة من العونيين بالرجل الذي يقف على الرمال المتحركة ويظن انه لا يزال في مكانه في حين تنزلق به الرمال الى نقطة بعيدة لا عودة عنها.
وكشف الزغبي عن تململ مكتوم بين اوساط الاصحاء في التيار العوني وهم الذين كانوا برأيه اصلاً على خط النهج المسيحي التاريخي الذين صدقوا نظريات النائب عون ذات مساء من شباط 1990 حين رفع وخلال مؤتمر صحافي عقده في قصر بعبدا كتيباً ينص على مبادئ القوات اللبنانية وقال بالحرف الواحد:"هذه هي المبادئ التي ادافع عنها".
اما عن رد فعل الرأي العام المسيحي المتوقع على الزيارة فأعتبر الزغبي ان غالبيته مصدومة بما يقوم به عون، ورأى ان المسألة تحتاج الى حملة توعية ذكية لأنقاذ اذهان بعض اهل الارياف وبعض المثقفين واهل المهن من لوثة الاعتقاد بعصمة عون وعدم خضوعه للمساءلة والمحاسبة. لكنه خلص الى ان هذا الصراع سينتهي على المدى المتوسط لمصلحة النهج التاريخي المسيحي.
وعن النتائج المتوقعة للزيارة قال الزغبي ان اخطر ما يمكن ان يحصل هو ان يعود عون بمجموعة محدودة من المعتقلين في السجون السورية ليرتكب بذلك جريمة كبرى من خلال تغطيته على الجرائم التي ارتكبها النظام السوري بحق اللبنانيين
اما عن الفرق بين زيارة ايلي حبيقة وعون الى سوريا فرأى الزغبي ان حبيقة كان صاحب خيار معلن مع النظام السوري ولم يتردد فيه وسار في الاتفاق الثلاثي، اما ميشال عون فهوو اخطر بكثير ويمارس سياسة غسيل الدماغ واقناع جماعته بالتورط مع النظام السوري وتجاهل اطماعه وسياساته في لبنان.
واعتبر الزغبي ان اخطر ما يقوم به عون هو توسيع دائرة الصراعات المسيحية الى رقعة مسيحيي الشرق وهو يريد تلويث البيئة المسيحية السورية بلوثة الانقسامات التي اشعلها وطورها في البيئة المسيحية اللبنانية. واعتبر ان هذه النزاعات ستكون مكتومة بداية لكنها ستنفجر عند تبدل الحسابات السورية لمصلحة تعاكس مصلحة عون عندما يكتشف حكام دمشق انهم اخذوا اقصى ما يستطيعون من عون واستنزفوه حتى الثمالة.
الأحد، نوفمبر 04، 2007
الإنقـلاب العـوني: الـدوافع والـوقـائـع
هل حركة العماد ميشال عون الاخيرة نحو القوى المسيحية في 14 آذار هي إعادة تصحيح مساره في السنتين الاخيرتين، أم مجرّد تنويع سياسي مرحلي في إطار تحالف ثابت مع قوى 8 آذار والمحور الحاضن، وبهدف محدّد هو الوصول الى رئاسة الجمهورية؟
بسؤال أضيق: هل يقوم العماد عون بانقلاب على الانقلاب؟
للاجابة يجب ان نعود الى "ثوابت" السياسة العونية ومحطاتها المفصلية منذ 23 سنة الى هذه اللحظة، كي نميّز بين ما هو استراتيجي وتكتيكي، فنضع صورة الحركة الراهنة في اطارها السياسي العام.
متابعو التبدّل الذي طرأ نظريا على سياسة العماد عون وتيّاره منذ الانتخابات النيابية في ايار وحزيران 2005، واعلاميا بعد اعلان تاسيسه "حزب التيار الوطني الحر" في ايلول 2005، وفعليا مع توقيع اتفاق "التفاهم" مع "حزب الله" في شباط 2006، يحاولون تفسير هذا التبدّل في التحالفات والمواقف والخيارات بأسباب عدة: بعضهم يحمّل المسؤولية لفريق 14 آذار الذي "أحرج عون فأخرجه" بفعل الاتفاق الرباعي المعروف، البعض الثاني يسند "انقلاب" عون الى طموحه الشخصي وهوسه الرئاسي، البعض الثالث يربطه بمصالح سياسية ومالية ووعود والتزامات معقدة سبقت عودته الى لبنان، والبعض الرابع يرجعه الى "رؤية استراتيجية" لموازين القوى في المنطقة بنى عليها العماد عون سياسته وتنطلق من "حتمية" خسارة المشروع الاميركي – الغربي – العربي وتفوق المشروع الايراني – السوري، وفي حساباته ان "حزب الله" يستولي بسهولة على السلطة وليس هناك قوة لبنانية او عربية او دولية (اميركية) تقف في وجهه، وان اسرائيل لا يضيرها انغماسه في الداخل اللبناني وابتعاد "خطره" عن حدودها.
قد تكون كل هذه الاسباب صحيحة وواقعية، منفردة او مجتمعة، لكن متابعة دقيقة لـ"حالة" العماد عون على مدى 23 عاماً تثبت انه لم يقم بانقلاب سياسي فعلي، بل بسلسلة تكتيكات وردود فعل ظرفية ومرحلية لم يخرج فيها على "الاصل" السياسي ("التفاهم" مع النظام السوري) وعلى الخط البياني الاستراتيجي الذي اتبعه، فكان يبتعد موقتا (وظاهريا) عن هذا الخط ثم يعود اليه، الى ان اتضح كليا مدى ضلوعه فيه وتماهيه معه في الآونة الاخيرة. وأي تصحيح ظرفي او تكتيكي، على غرار الطفرات السابقة، لم يعد ممكنا ولا ناجحا لعدم وجود قدرة على المناورة حول "الثابتة" السياسية المذكورة (الطفرة الاخيرة تتمثل في حواراته مع قيادات 14 آذار
.
ومن أجل كشف هذه "الثابتة" والاضاءة عليها كان لا بد من اعتماد منهج علمي معرفي موضوعي يقوم على مبدأ ربط النتائج بالأسباب وتفسير الخواتيم بالمقدمات.
بالعودة الى العام 1984 يتبيّن ان تعيين العقيد ميشال عون قائداً للجيش (دون رتبة عميد) لم يكن فقط "باقتراح" سابق من الرئيس كميل شمعون، و"مباركة" من الرئيس حسين الحسيني، و"عدم رفض" من الرئيسين رشيد كرامي وسليم الحص، و"قبول على مضض" من الرئيس امين الجميل، بل كان "بترحيب" من دمشق التي لم يكن تعيين قائد للجيش اللبناني ممكنا بدون "رضاها". وقد تعزز هذا "الرضى" بزيارتين قام بهما "القائد" الجديد الى دمشق "علنا" وآخريين سريتين، ولم ينفع آنذاك اعتراض رئيس الجمهورية امين الجميل على ذلك النوع من التواصل.
والرواية المتداولة عن رسالة عون الى الرئيس حافظ الاسد معلنا "اعتزازه بأن يكون جنديا في جيش الاسد العظيم" (رواها خطيا اكثر من مرجع صحافي وسياسي)، سواء كانت صحيحة او مركبة، لا تضيف شيئا الى الواقعات المذكورة وحقيقة العلاقة. كما ان طلب رئيس الاركان السوري اللواء حكمت الشهابي من العماد عون القيام بعمل عسكري لانقاذ ايلي حبيقة ورفاقه من "المبنى الابيض" في الكرنتينا في 15 كانون الثاني 1986 والكلام المتناقل عن "دور ما" لعون في وضع "الاتفاق الثلاثي" (خصوصا منه الجانب العسكري الاستراتيجي)، لا يضيفان شيئا جوهريا على طبيعة تلك العلاقة.
وجاءت الحركة الواسعة لموفديه الى دمشق عامي 1987 – 1988 (وأبرزهم السادة البر منصور وفايز القزي ورياض رعد ومحسن دلول) في سياق تعزيز العلاقة وتطبيقاتها العملية في وصوله الى الرئاسة. وتم تتويج هذه المفاوضات بقول حافظ الاسد لرفيق الحريري: "اذهب وبلغ صاحبك (المقصود عون نفسه) بأنه الرئيس المقبل". وقد تباهى لاحقا بهذه "الثقة" السورية العليا وكرر هذا القول، ولا يزال يكرره، امام انصاره وزواره والمتصلين به.
وحين أدت مناورة الاستخدام السورية وظيفتها وأثمرت نتائج سلبية وتبخرت الوعود الرئاسية لم يكن امام العماد عون سوى الارتداد على الخيبة والرد على "خيانة الاصدقاء" بمد اليد الى خصومهم كوسيلة ضغط لاعادة دمشق الى جادة "الوعد"، فعقد تحالفا مع صدام حسين وياسر عرفات، تسلحا ومالا، وأدار ظهره الى سائر العالم، وكانت "حرب التحرير" (1989) ضد الجيش السوري. لكن هذه الحرب أدت الى نتائج في السياق السوري نفسه، وكانت عمليا لمصلحة مضاعفة النفوذ العسكري والسياسي لدمشق، وبمثابة تمهيد وتبرير لاحتلال كل لبنان.
وشكّلت "حرب الالغاء" بين المسيحيين (1990) رصاصة الرحمة ومدماكا اخيرا في تعزيز هذا النفوذ فسقطت آخر منطقة لبنانية حرة وحل زمن الطائف والوصاية السورية المطلقة التي استباحت اسرار الدولة في وثائق وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، وصادرت القرار اللبناني ومصير لبنان لمدة 15 عاما. ومع مرور الزمن واكتمال المشهد وتسلسل المراحل لا يسع المراقب الا ان يسأل: هل ما اقدم عليه عون آنذاك كان مجرد رغبة في تحرير لبنان بغض النظر عن موازين القوى، ام نتيجة عنفوان شخصي مجروح بسبب تبخر الوعد، ام قصر نظر وحسابات خاطئة؟ مهما كان الجواب فالنتيجة واحدة: سقوط لبنان. والتاريخ خير قاض. وحتى الآن لم يقدم عون ومريدوه اي تفسير لتعاونهم المفتوح مع الجيش السوري و"حلفائه" على امتداد خطوط المجابهة طوال "حرب الالغاء"، من خط الضاحية الى وسط عاليه الى اعالي بعبدا والمتن الاوسط، تنسيقا وتموينا وسلاحا. ونشط موفدو عون ذهابا وايابا عبر المناطق "السورية" الى الشمال والبقاع والضاحية وبيروت تحت حماية مخابرات عنجر، وكنت احدهم كمدير للاخبار والبرامج السياسية في "تلفزيون لبنان"، ناقلا رسالة الى الرئيس سليمان فرنجية في 1-6-1990.
كما لم يعط عون، الى اليوم، تفسيرا لحرص القيادة السورية وحلفائها (خصوصا مسؤولين في "السوري القومي" و"البعث") على حماية الرموز "العونيين" واستضافتهم في المتن الاعلى والبقاع والشوف وبيروت والضاحية، وحتى في دمشق، بعد 13 تشرين الاول 1990. وقد جاءت روايات ضباط "عونيين" سابقين عن وقائع الحرب وظروف اعتقالهم في سوريا، بعد 17 سنة على الحدث، بمثالة اختزال لهذه الوقائع وتقديم "صورة حضارية وأخوية" للتعامل السوري معهم (لماذا الاصرار على تقديم هذه الصورة الآن؟) وتوقف كثيرون عند سبب "اطمئنان" عون قبل ساعات من الهجوم السوري عليه برغم تأكيد الجميع له على حتمية العملية العسكرية الوشيكة، وعند عملية "اخراج" خروجه بسرعة من قصر بعبدا الى السفارة الفرنسية، برغم اعلانه بالصورة والصوت انه سيكون آخر من يغادرون متراس المواجهة، فكان أولهم.
هذه الاسئلة والملاحظات ليست بريئة بالطبع، لكن المقارنة بين الماضي والحاضر وربط المراحل يجيزانها ويفتحان العقل على تفسيرات وقراءات كثيرة ترفدها وقائع سنوات المنفى: من مرسيليا، الى "البيت العالي"، الى حي "مونسو" الراقي وشارع "فالسبورغ" في باريس، حركة موفدين ولقاءات، بعضها علني ومعظمها سري. وزراء لبنانيون سابقون من أصفى اصفياء النظام السوري، وسطاء وسفراء ورجال اعمال سوريون ولبنانيون وضباط مخابرات رفيعو الرتب من دمشق وبيروت. العماد عون يكشف بنفسه، ولكن بعد سنوات، أمام اصدقاء وقريبين منه (من بينهم الكاتب بصفته مسؤولاً عن التوعية السياسية والاعلام)، جانباً من "العروض" السورية السخية عشية الانتخابات النيابية 1996 ثم انتخابات 2000: أكثر من 20 نائباً وعدد وافر من الوزراء (هل كانوا يعرضون عليه "الثلث المعطل" منذ ذلك الحين مع العدد نفسه من النواب الذي حصل عليه عام 2005؟). وحين كنا نسأله عن سبب عدم اتمام "الصفقة" كان يعزو الامر الى رفضه الشرط المقابل: التسليم بالوصاية السورية على لبنان!
لكن ما كان مرفوضاً قبل عام 2000 صار مقبولاً بعدها: سنتذاك، انتهى الاحتلال الاسرائيلي للجنوب، تحركت بكركي في ندائها السيادي الشهير (20 ايلول 2000)، انتفض وليد جنبلاط وطرح اعادة تموضع القوات السورية، "تسرّع" نبيه بري بخطوة نحو البطريركية المارونية (قمعها السوريون فوراً)، تأسس "لقاء قرنة شهوان"، بدأ تحوّل الرئيس رفيق الحريري نحو "لبنان اولاً"، ولاحت ارهاصات التغيير الدولي تجاه الشرق الاوسط وسوريا تحديداً بعد حدث 11 ايلول 2001 في نيويورك وواشنطن. تحالف رباعي سيادي بدأ يتكوّن في لبنان، ببطء ولكن بثبات: بكركي - جنبلاط - الحريري - "قرنة شهوان" مع طلائع شيعية خجولة مستقلة عن ارتباطات "حزب الله" بعد قمع حركة بري.
استشعرت دمشق "خطراً" لبنانياً متنامياً يتمثل في التقاء الطوائف حول مطلب السيادة والاستقلال، هذا الخطر الذي كافحته منذ دخول جيشها الى لبنان (رسمياً) في حزيران 1976 على قاعدة الاطفائي المهووس باشعال الحرائق والمسارعة الى اطفائها، فلم تغفل عينها عن أي محاولة تقارب جدية بين اللبنانيين، وطبّقت بنجاح معادلة "فرّق تسد".
في مواجهة هذا "الخطر" كان لا بد لها من تركيب جبهة مضادة ترتكز على أخلص "حلفائها": الرئيس اميل لحود، "حزب الله" وحركة "امل"، ومجموعة "القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية". كان ينقص هذا المشهد كي يكتمل مكون مسيحي ذو صدقية بعدما تبيّن ضعف لحود مسيحياً بعد مضي بضعة أشهر على تسليمه سدة الرئاسة الاولى في 24 تشرين الثاني 1998، وجزئية تمثيل المسيحيين الآخرين، وكان من البديهي في حسابات دمشق نفض الغبار عن دفاتر صداقاتها القديمة المتجددة، فاتجهت عنايتها نحو "الحالة" التي يشكلها العماد عون واحياء العروض القديمة، مع اضافة دسمة هذه المرة تستعيد وعد 1988 (كرسي الرئاسة.
تركّز المسعى السوري على استقطاب عون ودعم وضعه مسيحياً في مواجهة "قرنة شهوان" وبكركي، من خلال استهداف أنصاره بالملاحقة والقمع لاستثارة عطف المسيحيين على "مرجعيتهم" في المنفى وتشكيكهم بجدية أطراف "القرنة" وفاعليتهم. وقد جاء انسحاب عون منها فور اطلاقها، بحجة النقص في "خطابها السيادي" واستنادها الى اتفاق الطائف، بمثابة نذير للمواجهة اللاحقة التي توّجها بانسحابه من "ثورة الأرز" وتحالف 14 آذار. ولم تكن حادثتا 7 و9 آب 2001 (اعتقال عشرات العونيين وقمعهم) الا تجربة أولى ناجحة في اطار "الخطة الذكية" لتقوية الظاهرة العونية الشعبية، اذ "اشتعلت" على أثرهما حالة العطف المسيحي على "القائد المنفي"، ووجدت "قرنة شهوان" نفسها في موقع اللحاق بهذه الحالة، خصوصاً ان عملية 7 آب استهدفت ايضاً مصالحة الجبل التاريخية بين البطريرك صفير ووليد جنبلاط، ولم يكن عون بعيداً عن تفاصيلها ومجرياتها ومراميها.
لقد أعطت 7 آب ثمارها السياسية الكاملة بعد أربع سنوات من حصولها، عبر التحالف الانتخابي والسياسي المتين بين جلاديها وضحاياها في انتخابات 2005، وكادت تكشف عن وجهها وتنتج ثمرة مبكرة في فرعية بعبدا - عاليه 2003 (بدعم الجهاز السوري - اللبناني). وما يلفت المراقب الثاقب هو كيف باتت ذكرى 7 آب تمر بكثير من الخجل واللامبالاة لدى "أهلها"، واذا ذكروها فمن أجل شن حملة على حكومة الرئيس السنيورة والاكثرية، والتعتيم على مرتكبيها الفعليين، حلفائهم اليوم. وهذا ما يحصل ايضاً في ذكرى 13 تشرين وكأن ذاكرات ورثتها السياسيين خالية من اسماء مرتكبيها الفعليين (النظام السوري، ورئيس الحكومة، ووزير الدفاع، وقائد الجيش آنذاك الرئيس لحود)، ومن اسماء عشرات الشهداء، مع "التبرّؤ" من عشرات المفقودين في السجون السورية والذين أصبحوا مجرد "معتقلين" في "ورقة التفاهم". اذاً، الحلف هو نفسه من 7 آب 2001 الى حزيران 2005 الى رئاسيات 2007، خرقه استثنائياً تحالف الضرورة بين عون و"قرنة شهوان" في فرعية المتن الشمالي صيف 2002.
لم يكن أمام عون سوى هذا الخيار خصوصاً ان المرشح هو غبريال المر صاحب المحطة التلفزيونية التي خصصت له حيّزاً اعلامياً بارزاً، فشارك في التحالف بدون اندفاع كبير، ولم يكن له موقف دفاعي حاسم في حماية فوز المر من لعبة سياسية عبر المجلس الدستوري استبدلته، وهو الفائز بأكثر من 35 ألف صوت، بمرشح لم ينل أكثر من 1700 صوت! ولكن موقف عون الملتبس انكشف لاحقاً بعد انتخابات 2005 حين تمسّك بالمجلس الدستوري نفسه المعروف بأنه "منتج" سوري كي يبت له الطعون التي قدمها (11 طعناً) و"ينوّب" له نواباً على طريقة فرعية المتن، وظل يتفجّع على ذلك المجلس "الطيب" الى اليوم. وكان هذا التمسك المثير به دليلاً قاطعاً على نوعية الروابط والتفاهمات المنسوجة قبل عودة عون الى لبنان. أما فرعية بعبدا - عاليه 2003 فكانت اختباراً أول للتحالف الانتخابي، والجميع مطلع على التسهيلات التي قدمها "النظام المشترك" السوري - اللبناني لمرشح عون.
مع استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه اصبح العماد عون أمام حالة جديدة أربكت "تفاهماته"، وكان لا بد من مناورة لاستيعاب الصدمة، فسارع الى اتهام المخابرات السورية خلافاً لـ"حكمة التريّث" وعدم التسرّع في الاتهام اللذين حلاً عليه لاحقاً وأوعز الينا من منفاه بتشكيل وفد للعزاء والتشييع، وقام بنفسه بزيارة تعزية الى دارة الحريري في باريس. المؤثّر والبليغ أن وجوهاً بيروتية مفجوعة قالت لنا بلهفة: "نرجوكم، فلينتبه الى نفسه (يقصدون العماد عون)، لا نستطيع أن نتحمّل ضربتين!". كانوا بالطبع يعبّرون عن خوفهم من اغتيال قائد سيادي آخر.
هذه الحالة البيروتية السنية، بل اللبنانية العامة، هي جوهر انتفاضة الاستقلال و"ثورة الارز"، فكيف استطاع عون التخلي عنها والذهاب الى مكان آخر؟
في الواقع ادرك العماد عون ان شيئا عظيما يتكون وان حالة فريدة بدأت: الارض سبقت القرار السياسي. "التيار" مثل سائر اللبنانيين، نزل الى ساحة الحرية وميدان الاستقلال بدون استئذان، الناس اقوى من القيادات، وكان الطوفان اللبناني في 14 آذار 2005.
في اليومين الاولين بدا عون مرتبكا: لا توجيهات واضحة لديه، قاعدة "التيار" في ساحة الشهداء ولكن الكوادر غائبون، على منبر الخطباء وحدهم "جماعة البريستول" (حلفاءه الالداء) في الواجهة، "الشعب العظيم" يكاد يفلت من يده، حشد 8 آذار (حلفاؤه المضمرون) اصبح باهتا. اتصل بي مساء اليوم الثالث من باريس طالبا بالحاح تشكيل وفد سريع من مسؤولي "التيار" والتوجه فورا الى الساحة الشعبية واعتلاء المنبر ومخاطبة المحتشدين. وهكذا حصل. وبدأت المشاركة الكاملة، قواعد وكوادر، وكنت اكثر المواظبين على الحضور لمتابعة يوميات الطلاب والاهالي المعتصمين، والمشاركة في المسيرات والنشاطات. لم اكن اعلم انه يريد حضورا "مدوزناً": الجسد في ساحة 14 آذار والروح في ساحة 8 آذار. في الحقيقة لم يكن عون شديد الحماسة لما سبقه اليه جمهوره، كانت له حسابات والتزامات اخرى. من جهة لا يستطيع لجم العفوية الشعبية المتفجرة، ومن جهة اخرى يتابع مفاوضات دقيقة وتفصيلية مع دمشق وحلفائها لترتيب ظروف عودته وشروطها في اطار التحالف القديم المتجدد. ولعل اندفاعي الكامل والعفوي في "ثورة الارز" وغير المضبوط على حساباته السرية التي كنت اجهلها آنذاك، شكل احدى خلفيات "انهاء خدماتي" وفق التعبير الذي استخدمه امام وسائل الاعلام، وكأنني كنت جنديا في جيشه او موظفا اعيش من ريعه!
عودة عون الى بيروت في 7 ايار 2005 كانت مدروسة ومبرمجة بدقة. اراد الايحاء أن "عودة المحرر" لم تكن في ظل الاحتلال السوري وبمنة منه (وقتها بعد 11 يوما من انسحاب الجيش السوري) في حين ان "ملائكة" الاحتلال ظلت حاضرة بقوة، ولا تزال، من خلال المخابرات والحلفاء والاتباع وهو طلب منا ابلاغ الجميع، وخصوصا اعضاء "قرنة شهوان" واطراف "لقاء البريستول" اي سياديي 14 آذار، برغبته في عدم مجيئهم لاستقباله في المطار وساحة الشهداء. وقد اعلنت شخصيا هذه الرغبة بصورة رسمية في مؤتمر صحافي عقدته في دار نقابة الصحافة اللبنانية لشرح ظروف العودة ووقائعها، وحددت المستقبلين بوفد من "التيار" واقرباء العماد عون وعائلاتهم فقط. واللافت ان عددا من الوجوه السياسية "تسرب" الى الاستقبال في المطار، وتبين لاحقا انهم من المرشحين المقررين سلفا على لوائح "التيار" في الانتخابات العتيدة.
واحاطت بيوم العودة اشارات والتباسات عدة: توتر العائد مع الاعلاميين، محطات توقفه عند ضريحي الجندي المجهول والرئيس الحريري ومنبر الخطابة هوية "الجهات الامنية" التي حمت مراحل الاستقبال، الحادثة الغامضة او الشائعة التي اثيرت عن محاولة التعرض بالسلاح للعماد عون في ساحة الشهداء واعتقال "مشتبه بهم"، وسرعان ما تم طيها فلم يكن لها اي صدى او متابعة، ولم يكن فيها اي مشتبه به!
اما الالتباس الاشد اثارة حول ظروف العودة فكان لجوء عون الى اتهام "بعض" اطراف "قرنة شهوان" بالسعي لدى الفرنسيين لمنع عودته او تأخيرها على الاقل، متسلحا بهذه الذريعة لتبرير انفصاله اللاحق. ولم يكن لديه اي ادلة او قرائن تثبت ادعاءه برغم الحاح من يتهمهم بكشفها، وكل ما عرضه من "معلومات" حول هذا الموضوع، وبعد سنتين من حديثه عنه، اقتصر على "نصيحة" من ضابط فرنسي سابق كان رفيق دورته بالتفكير في "مخاطر" العودة! فتحولت النصيحة العامة الى اتهام خاص، في اطار ضخ الغبار على تغير الخيار.
الاسابيع الثلاثة التي سبقت انطلاق انتخابات 2005 كانت كافية لاجراء كل المناورات السياسية اللازمة لتغطية خطة العودة والتزاماتها وموجباتها، خصوصا امام الرأي العام المسيحي المطلوب استنفاره وتعبئته: زيارة "انسانية" الى سجين اليرزة الدكتور سمير جعجع، واخرى الى بكركي واستقبالات حاشدة في الرابية، وحركة مرشحين بالعشرات، وخطاب سياسي مسيحي تعبوي في مواجهة "الاقطاب" المسلمين و"اتباعهم" من المسيحيين، واستخدام كامل لوصف "التسونامي" وعزف على العناوين السحرية (السيادة والحرية والاستقلال)، مع اضافة لازمة الفساد و"الاوديتنغ". في الوقت نفسه، خاض عون علنا غمار المفاوضات للتحالف الانتخابي مع "تيار المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي وسائر قوى 14 آذار، مع علمه المسبق بأنه لا يستطيع ابرام اي اتفاق معهم بسبب التزامه بتحالف آخر. وقد اتقن خوض المناورة حتى لحظتها الاخيرة لتعويم معاركه ماليا اولا، وسياسيا ثانيا، ونجح في تحقيق الهدفين: تحميل فريق 14 آذار مسؤولية فشل المفاوضات وتدفق المال السياسي بسخاء.
في بعض تفاصيل هذه المناورة ان المفاوضات مع جنبلاط والحريري توصلت الى اتفاق يقضي بحصول عون على 8 مقاعد في بعبدا – عاليه وزحلة والشمال وترك المتن الشمالي وكسروان وجبيل للاتفاق بينه وبين "قرنة شهوان". مساء 23 ايار 2005 قصد المفاوضان الوزير مروان حمادة والدكتور غطاس خوري دارة العماد عون في الرابيه لوضع اللمسات الاخيرة على الاتفاق وتوقيعه لكنهما فوجئا بشروط جديدة لم تكن في الحسبان (زيادة العدد وتغيير المذاهب)، فأدركا ان عون اوقعهما في خدعة وعادا قبيل منتصف الليل الى بيروت خائبين. في صبيحة اليوم التالي عقد زعيم "التيار" مؤتمرا صحافيا اعلن فيه "حرب التحرير" الانتخابية متسلحا بشعار مواجهة "الحلف الرباعي المسلم" وبغطاء لوجستي متين.
ما هو التحالف الآخر الذي كان العماد عون يرتبط به؟
البعض يصفه بأنه "صفقة العودة" وآخرون بأنه "حلف الضرورة" بسبب انهيار تحالفه مع 14 آذار. الحقيقة انه نتاج خطة مرسومة بعناية، تستند في عمقها التاريخي على العلاقة الطيبة مع النظام السوري، وفي مبرراتها البراغماتية على المصلحة المتبادلة: العماد عون يواجه منافسيه من قوى 14 آذار ويحقق طموحه الرئاسي، والنظام السوري ينتقم لـ"خسارته" لبنان باستعادة نفوذه.
الخطة اوجبت على "حزب الله" الدخول في "الاتفاق الرباعي" وعلى عون البقاء خارجه، وما يخسرانه (والخسارة لم تكن مؤكدة!) في بعبدا – عاليه يعوضانه مضاعفا في المتن وكسروان وزحلة والشمال كرد فعل مسيحي على التحالف الرباعي "المسلم". ففي العمق كان هذا التحالف خماسيا، لأن عون لعب فيه دور الشريك المضارب وحصد بفضله 21 نائبا. لا شك في ان النتيجة فاجأته، فهو لم يكن يتوقع، قبل بضعة ايام من المعركة (وكان يؤكد لنا ذلك باستمرار) كسب اكثر من 3 مقاعد بين المتن وكسروان وجبيل. ولكن شركاءه (الرئيس لحود وضباطه ومخابراته و"حزب بالله" ورعاتهم في النظام السوري) كانوا اكثر ثقة ودقة وخبرة معرفة في حركة الرياح السياسية والمزاج الشعبي. وفي حين اضطر "حزب الله" لاعتماد "التكليف الشرعي" في بعبدا، صب كل اصواته للوائح عون في الدوائر الاخرى (زحله، كسروان وجبيل، المتن، والشمال،) واذا نقلنا هذه الاصوات الى اللوائح الاخرى لانقلب الكثير من النتائج ولكان اليوم عدد من النواب العونيين في عداد الراسبين.
الا ان دائرتي الشمال فاجأتا الخطة السورية – العونية، اذ ان "التسونامي" المسيحي لم يفعل فعله هناك، فانحدرت نسبة الـ72% من اصوات المسيحيين المؤيدين لعون وحلفائه (في جبل لبنا ن وزحله) الى 52% كمعدل عام في الشمال، أي 20 نقطة، ما يساوي اكثر من اربعين الف صوت كانت كافية لقلب النتائج رأسا على عقب ولتغيير موازين القوى القائمة راهنا.
هذه الصدمة الشمالية لخطة الرباعي (دمشق – بعبدا – حارة حريك – الرابية) جعلته ينتقل الى "الخطة ب" المستمرة الى اليوم لضرب المعادلة السياسية بكل الوسائل السلمية وغير السلمية.
باختصار، هناك خطة انقلاب سياسي معززة بوسائل غير سياسية ومحتضنة سوريا، مرت بالمراحل الاتية:
- انتخابات 2005 لاستعادة "الحالة" السورية ديموقراطيا، فشلت بفضل الشمال.
- هدنة موقتة لتمرير مكاسب ثلاثة (انتخاب بري رئيسا لمجلس النواب، ادخال ثلث معطل الى الحكومة، اسقاط معادلة الأكثرية بواسطة المجلس الدستوري صاحب السابقة الشهيرة في المتن)، وقد سقط المكسبان الاخيران بفضل الوعي الوطني لثلاثة وزراء وتنبه الاكثرية الى لعبة الطعون امام مؤسسة مطعون فيها.
العودة الى سياسة اغتيال نواب ووزراء (جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، انطوان غانم.
- استخدام الشارع والاستقالات والتهديد بالعنف والحرب الاهلية لاسقاط الحكومة والمحكمة الدولية.
- تحريك البؤر المسلحة (نهر البارد) وتسييب الحدود وتسريب الاسلحة وتدريب المسلحين. واذا كانت الضغوط السعودية – الايرانية لجمت الفتنة المذهبية فان الضغط السوري يتركز على تخريب الاستحقاق الرئاسي في حال لم يأت رئيس من اهل الخطة نفسها.
ولكن، هل كان نجاح الخطة سيأتي بالعماد عون رئيسا للجمهورية نزولا عند الوعد التاريخي؟
الجواب لم يكن محسوما، لأن لدى "حزب الله" ووراءه الثنائي السوري الايراني حسابات معقدة وبراغماتية، وهناك بيادق كثيرة على رقعة الشطرنج الواسعة الممتدة من لبنان الى غزة والعراق، وملفات خطيرة تبدأ من نظام الابناء الوراثي في سوريا وتنتهي بتشخيص مصلحة نظام الملالي النووي في ايران. ويكون بذلك كل ما انتجته سياسة عون سقوط حلمه بالرئاسة سواء "جيّر" شعبيته او لم يجيّرها وسواء كان "ملكاَ او صانع ملوك"، وكذلك اقعاد لبنان عن الخروج من مأزقه، او اعاقة مسيرة "ثورة الارز" في احسن ا لاحوال، كمثل ذاك الذي يخسر نفسه ولا يربح العالم.
من كل ما سبق يمكن تتبع الخيط الرفيع الذي يربط المراحل السياسية للعماد عون والاضاءة على ما وصف بـ"الانقلاب العوني"، وطرح السؤال: هل كان انقلابا بالفعل ام مجرد تأرجح تكتيكي وظرفي داخل السياق السياسي الثابت، وكانت كل العناوين والشعارات تنويعا على الأصل؟ ولا تكفي محاولة اعادة التموضع التي قام بها في الايام الاخيرة قبل انقضاء مهلة الاستحقاق الرئاسي، داخل الفريق المسيحي، وبدوافع الضغط الخارجي وانسداد أفق حظوظه عند حلفائه، ونتيجة الارتباك والتخبط في الخيارات، لتحديد ماهية "الانقلاب" الجديد، لأن لحظة انعطاف واحدة لا تصلح للحكم على "تراث" تقلبات 23 سنة.
وبعد، السؤال يتكرر: هل تكون عودة عون الى القوى السيادية ثابتة ونهائية، ام ان المنجمين يكذبون ولو صدقوا!
•فصل من دراسة واسعة ستصدر تحت عنوان: "التيار الوطني الحر، إشكالية النصوص والممارسة".
مسؤول مركزي سابق في "التيار الوطني الحر






