‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى اللداوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى اللداوي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، أبريل 14، 2010

الرد الإسرائيلي على مطالب الإدارة الأمريكية

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحث فلسطيني

لم يتأخر رد الحكومة الإسرائيلية على قائمة المطالب التي تقدمت بها الإدارة الأمريكية، وقد بدا أن الحكومة الإسرائيلية في مأزقٍ سياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن تعمدت توجيه إساءة إلى نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن خلال زيارته إلى تل أبيب، وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قد أخطرت الحكومة الإسرائيلية، وطالبتها بضرورة القيام بعددٍ من خطوات بناء واستعادة الثقة مع الجانب الفلسطيني، وكانت تتوقع من حكومة نتنياهو أن تقوم بالرد إيجاباً على رسالتها، ولكن الرد الإسرائيلي جاء فجاً عكس التوقعات، ومخالفاً للرغبات، ضارباً عرض الحائط بكل الأعراف والمواثيق الدولية، وبدت إسرائيل غير عابئة بالاتفاقيات والمعاهدات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، وغير مكترثة بالرأي العام الدولي، ولا بردات الفعل المتوقعة، وكأنها تحاول دفن أزمةٍ بأزمةٍ أخرى، فحتى ينسى الفلسطينيون والعالم قضية القدس والاستيطان، أرادت أن تشغلهم بقضيةٍ أكبر وأهم، فألقت بينهم مخططها الجديد في الترانسفير والترحيل الجماعي، وكأنها تقول للعالم كله، إذا لم يقبل الفلسطينيون بهذا الواقع، فإننا قادرون على أن نمنع الفلسطينيين من الإقامة في الضفة الغربية، وكان محللون إسرائيليون يعتقدون أن وراء المطالب الأمريكية التي عرضها الرئيس الامريكي، على رئيس الحكومة الاسرائيلية في البيت الأبيض، نية أمريكية لفرض حل دائم على اسرائيل والسلطة الفلسطينية خلال أقل من سنتين، وتوقع المحللون أن يحصل تحول درامي في سياسية الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، فكأن إسرائيل أرادت أن تحرف الإدارة الأمريكية عن ساساتها الجديدة ضدها، وأن تخبرها أن ما هو قائم خيرٌ مما هو آتٍ، وخيرٌ لها أن تقلع عن ضغوطاتها الحالية، وإلا فإن قادم الأيام على الفلسطيين سيكون أسوأ.
وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد طالب إسرائيل، بإعادة نشر قواتها العسكرية خارج المناطق المصنفة A+B، والعودة بها إلى ما قبل أكتوبر عام 2000، وإخلاء مناطق واسعة من الضفة الغربية من وجودها العسكري، كما طالبها بالقيام ببعض الإجراءات الإيجابية في الشطر الشرقي من مدينة القدس، ومنها إعادة فتح الغرفة التجارية الفلسطينية في القدس المحتلة، ووقف هدم المباني الفلسطينية في المدينة، ووقف البناء في ما يسمى بالأحياء اليهودية في القدس الشرقية، والامتناع عن البناء الاستيطاني في رمات شلومو، وهي المنطقة داخل القدس التي اشعلت فتيل الأزمة السياسية بين واشنطن وتل ابيب، عندما أعلنت الأخيرة عن موافقتها على بناء 1600 وحدة استيطانية داخلها، خلال زيارة نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن الى الدولة العبرية، كما أصر الرئيس الأمريكي على رئيس الحكومة الإسرائيلية على ضرورة مناقشة القضايا الجوهرية للصراع في المفاوضات غير المباشرة، فيما بدا أنه محاولة أمريكية لفرض حل دائم على الطرفين، كما طالبها بأن تخفف حصارها المفروض على سكان قطاع غزة، والسماح بإدخال المزيد من الوقود ومواد البناء، ورفع الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، والإفراج عن عددٍ من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والعمل على تحسين صورة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس حكومته سلام فياض.
ولكن الرد الإسرائيلي على المطالب الأمريكية، وإرهاصات العزل الدولي لها، وقبيل انتهاء أعمال القمة العربية الثانية والعشرين في مدينة سرت الليبية، التي قررت زيادة حجم التبرعات لمدينة القدس، جاء مزلزلاً، ومخالفاً لما كان متوقعاً، وفيه تحدي واضح لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومواجهة مع دول الاتحاد الأوروبي، ورد على مقررات قمة سرت العربية، إذ أمعنت أكثر في سياستها الاستيطانية، وأعلنت في أكثر من مناسبة، أن مدينة القدس هي العاصمة الأبدية والموحدة لدولة إسرائيل، وأنه لا يحق لأحدٍ أياً كان أن يمنع دولةً من البناء والتوسع في عاصمته، وأعلنت عن افتتاح أكثر من كنيسٍ يهودي في محيط المسجد الأقصى المبارك، وصادرت المزيد من الأراضي العربية في مدينة القدس الشرقية، وبدأت في تنفيذ أوامر هدمٍ سابقة بحق العديد من البيوت الفلسطينية، بحجة الشروع في بناء حدائق عامة في مدينة القدس.
أما الرد العنصري الإسرائيلي الأعنف على الإدارة الأمريكية، فكان تفعيل قرارها العسكري، القاضي بطرد عشرات آلاف الفلسطينيين من الضفة الغربية والقدس الشرقية، وإجبارهم على المغادرة إلى قطاع غزة، أو إلى الدول العربية والأجنبية التي جاؤوا منها، أو تقديمهم إلى المحاكمات العسكرية بتهمة التسلل إلى "أرض إسرائيل"، وذلك بحجة انتهاء تصاريح الزيارة، أو عدم حصولهم على أذونات إقامة قانونية في الضفة الغربية، وهذا يعني طرد آلاف عناصر الأمن الفلسطينيين الذين وفدوا مع الرئيس الفلسطيني الراحل، بعد توقيع اتفاقية اوسلو للسلام في سبتمبر عام 1993، بما يعني إعادة عناصر الشرطة الفلسطينية، والأمن الفلسطيني، وآلافٍ آخرين يعملون في مختلف المؤسسات السياسية والإدارية، إلى لبنان وسوريا والسودان واليمن وتونس ومصر والأردن، وهي الدول التي جاؤوا منها إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن تفسيخ آلاف العائلات الفلسطينية، التي يختلط فيها الأزواج بين غزة والضفة الغربية، بحكم أنهما يمثلان وطناً واحداً، وبلداً واحداً، بما يعني المزيد من تمزيق العائلات، وتشريد الأهل.
كما أن القرار الإسرائيلي يعني طرد آلاف الفلسطينيين الذين لجأوا إلى الضفة الغربية من قطاع غزة، إثر الخلاف بين حركتي فتح وحماس في قطاع غزة، ومن هؤلاء شخصيات رفيعة في السلطة الفلسطينية، أمثال محمد دحلان ونبيل شعث وروحي فتوح، ووزراء كبار في حكومة سلام فياض، ومسؤولين سابقين في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وغيرهم.
فهل ما تقوم به إسرائيل من إجراءاتٍ عنصرية استفزازية، إنما هو جزءٌ أصيل من برامجها السياسية، ومن مخططاتها الصهيونية، وأنها تأتي ضمن مخططها تجاه يهودية دولتها العبرية، الخالية من السكان العرب، والعودة إلى الحلم التاريخي للحركة الصهيونية، بإحداث ترانسفير فلسطيني كبير، ليجعل أرضهم بلا شعب، وبذا فهي تحاول تأكيد سيطرتها على مناطق الاستيطان الكبرى في الضفة الغربية، وهي غير معنية بأي ضغطٍ دولي عليها، أم أن إجراءاتها نوع من الرد العملي على المطالب الأمريكية، وأنها تستخدم هذه الإجراءات كأوراق ضغطٍ على الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي، للوقوف معها في مواجهة الخطر النووي الإيراني، لتدفعهم لتصليب مواقفهم في مواجهة إيران، والحيلولة دون امتلاكها للسلاح النووي، مقابل إلتزام إسرائيل ببعض الشروط الدولية والأمريكية، ومنح الفلسطينيين بعض التنازلات الشكلية، أم أن الحكومة الإسرائيلية تريد أن تسبق بإجراءاتها السلطة الفلسطينية والدول العربية، حال قيامهم بإعلان دولةٍ فلسطينية من طرفٍ واحد على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وأن تقطع الطريق على الولايات المتحدة الأمريكية، التي تهدد فرض حل من جانبها على الطرفين معاً.
الرد الإسرائيلي على المطالب الأمريكية، وعلى محاولات الاستجداء العربية والفلسطينية واضحٌ وصريح، وهو سريعٌ ولا يتأخر، فالإسرائيليون لا يعيرون الضعف العربي أي إهتمام، ولا يعيرون عجز الفلسطينية أي انتباه، ويردون على كل مبادرة عربية وفلسطينية بمزيدٍ من الإجراءات القاسية بحق الفلسطينيين، فكما كان ردهم على المبادرة العربية عام 2002، بحصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقر المقاطعة بمدينة رام الله، ثم حصار مخيم جنين وتدميره، هاهم يردون على المبادرة العربية للسلطة الفلسطينية للمضي معهم في مفاوضاتٍ غير مباشرة، بفتح باب الاستيطان على مصراعيه، وطرد آلاف الفلسطينيين من أرضهم، ومنعهم من الإقامة في وطنهم، ولعل هذا أبلغ رد على الواهمين بأن إسرائيل ستمنحهم حق العودة، وستسمح عبر المفاوضات للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، فإسرائيل لن تقبل بعودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم، ولذا فإن على الحالمين والواهمين والسادرين في غي المفاوضات، أن يستيقظوا من أحلامهم، وأن يكونوا على يقين بأن المفاوضات طريقٌ غير آمن، وسبيلٌ لا يؤدي إلى النجاة، وأن ما حققته إسرائيل لنفسها في ظل ما يسمى بعملية السلام، هو أضعاف ما تمكنت من تحقيقه في سني المقاومة والنضال.
وعلى الذين أمضَـوْا عشرات السِّـنين ينتظرون الضغط الأمريكي على إسرائيل، لتعويض الخلل في ميزان القوة بين الطرفيْـن المتفاوضيْـن، أن يدركوا بأن الحل السِّـلمي عبْـر الضغط الأمريكي سَـراب، وأن قوّة إسرائيل العسكرية تفرِض الأمر الواقِـع، وأنه لا حَـوْل ولا قُـوة لمن يستجدي حقه، ولمن يتسول لوطنه على موائد الدول الكبرى، فها هي الولايات المتحدة الأمريكية قد كشرت عن أنيابها تجاه إسرائيل، ولكن غضبتها لم تسفر عن تراجعٍ إسرائيلي، وتهديدتها لم تؤدِ إلى تغييرٍ في المواقف الإسرائيلية، بل دفعت بالجانب الإسرائيلي للإمعان أكثر في تنفيذ سياساتهم العنصرية البغيضة.
ليس هناك من سلاحٍ رادعٍ لإسرائيل غير القوة، والثبات على المواقف، والإصرار على المقاومة، وعدم الانجرار وراء سراب ووهم السلام، فإسرائيل وقفت عاجزة أمام فلسطينيي قطاع غزة، وقد استخدمت ضدهم سياسة الأرض المحروقة، وهذا ليس فقط في ظل عملية الرصاص المصبوب نهاية العام 2008، وإنما خلال فترة حكم أرئيل شارون، الذي دمر أطراف قطاع غزة، وحرث الأرض، ودمر البيوت في رفح وبيت حانون، ولكن الفلسطينيين بقوا في أرضهم، ثابتين على حقهم، وقد ودعوا إلى الأبد منهج النزوح واللجوء، واستبعدوا من قاموس نضالهم مفردات الهجرة والفرار، وبذا فإن ثبات أهلنا في أرضهم، وعدم استجابتهم لسياسات التهجير والإبعاد، فضلاً عن وحدتهم الوطنية، هو أمضى سلاح في مواجهة سياسات العزل العنصري الإسرائيلية.

الاثنين، أبريل 12، 2010

تركيا باللغة العربية

د. مصطفى يوسف اللداوي

كاتبٌ وباحث فلسطيني

في ظل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، نهاية العام 2008، وتحت ضغط الصورة الدموية والوحشية التي خلفتها آلة الحرب والدمار الإسرائيلية، والتي حصدت أرواح مئات الفلسطينيين، ودمرت بيوتهم ومساكنهم، قررت تركيا أن تطلق فضائيةً تركية ناطقة باللغة العربية، تطل من خلالها على الوطن العربي كله، وتخاطب سكانه بلغة الضاد، وبلسانٍ عربيٍ مبين، لتحاول أن تبني من خلالها مع الأمة العربية، جسوراً من الثقة والتعاون، وأن تستعيد ماضيها العريق لدى العالم العربي، الذي قضت فيه حاكمةً مئات السنوات، بعد فترةٍ طويلة من القطيعة معهم، والتقارب مع الدولة العبرية، وكانت تركيا قد نجحت في الدخول إلى البيوتات العربية كلها، من خلال مسلسلاتها المدبلجة إلى اللغة العربية، وقد استطاعت من خلالها أن تثبت قدرتها على الولوج إلى العالم العربي، لتشابهٍ كبير في العادات والتقاليد، ولتشابهٍ أكبر في الأسماء والأعلام، وقد تركت المسلسلات التركية أثراً كبيراً لدى المشاهد العربي، كما أفسحت المجال واسعاً نحو مزيدٍ من الانتاج الفني التركي، كان آخرها مسلسل "صرخة حجر"، الذي يروي المعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي، ويصور الحياة اليومية الفلسطينية في ظل الحصار والعدوان، وقد أثار المسلسل غضباً إسرائيلياً، وسبب في أزمةٍ دبلوماسية كبيرة بين البلدين، لم تنقضِ إلا بإعتذارٍ إسرائيلي واضح وصريح، في سابقةٍ لم تتعود عليها الحكومات الإسرائيلية.

تطل تركيا الحديثة، العثمانية الإمبراطورية، الإسلامية الهوية، على العالم العربي، بفضائيتها الجديدة الناطقة باللغة العربية، وقد تهيأت بآلاف الساعات الوثائقية التي تروي معاناة الشعب الفلسطيني، وتوثق بالصورة والأدلة والبرهان الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وتكشف عن المؤامرات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى المبارك، وتحاول أن تنبه العرب والمسلمين إلى خطورة المخططات الإسرائيلية، الهادفة إلى تهويد الحرم القدسي، والسيطرة على باحاته وساحاته، تمهيداً لهدمه، وبناء هيكل سليمان المزعوم مكانه، وإمعاناً في تأكيد الهدف التركي من الفضائية التركية الناطقة بالعربية، فقد قام رجب طيب أردوغان بشخصه بافتتاح الفضائية، بحضور ومشاركة العديد من الشخصيات العربية، في رسالةٍ تركية واضحة، أننا معكم في المطالبة بحقوقكم، وفي استعادة أرضكم، وفي مواجهة عدوكم، وفي إعادة بناء ما دمره وخربه العدوان الإسرائيلي، وفي رسالة تحدي واضحة وصريحة إلى الحكومة الإسرائيلية، بأنهم صناع الحرب، وأنهم سبب فقدان الأمن في المنطقة، وأنهم مصدر القلق والاضطراب في العالم، معلناً أن أمن تركيا إنما هو في استعادة الفلسطينيين لحقوقهم، وتمكينهم من بناء دولتهم، والعودة إلى وطنهم.

القناة التركية الناطقة باللغة العربية، عنوانٌ صريح لرغبةٍ تركية صادقة في الانفتاح على العالم العربي والإسلامي، وهي جزء من سياسةٍ رسمية وشعبية تستهدف تنمية التجارة البينية، والتكامل الاقتصادي والصناعي مع الدول العربية، وتسعى لتصفية المشكلات المزمنة معهم، وتقاسم الثروة المائية معهم، وتعزيز المواريث المشتركة بينهم، وهي كثيرةٌ ولها أصول موغلة في عمق التاريخ، كما أنها محاولة لنقل التجربة التركية إلى العالم العربي، والاستفادة منها في عملية النهوض والتنمية، والتطوير التقاني والمعرفي، وبناء أسس التبادل الثقافي، والفضائية التركية تسعى لإيصال صورة واضحة عنها، لرجال الأعمال والمستهلكين العرب، عن المستوى الذي بلغته تركيا في قدراتها الاقتصادية والتنموية والصناعية، وأنه من الممكن للطرفين أن يستفيدا في تطوير العلاقات الثنائية بينهما، وفي خلق أفاق لتجارةٍ بينية ناجحة بعيداً عن الأسواق الغربية، التي تحتكر وتفرض شروطها القاسية على منتجات الدول العربية.
وهي تسعى للتأكيد على علاقاتها التاريخية المشتركة مع العرب، التاريخ والثقافة والفن والموسيقى والدين والعادات والتقاليد، إذ أنها ستكون قناة عائلية، تخاطب الكبير والصغير والمرأة والرجل، وستساهم في عقد اجتماعات حوار للمثقفين العرب والأتراك، حول العديد من القضايا التي تهم الطرفين، وتساعد في مد وتمتين جسور التعارف فيما بينهم، وسيكون من مهام الفضائية التركية الوليدة، نقل وتعريف المشاهد العربي بصورة المجتمع التركي من الداخل، وطريقة عيشه، وستسلط الضوء على المعالم التاريخية والجغرافية ، والآثار المنتشرة في كل بقعة من تركيا، وستنقل إلى المشاهد العربي صورة عن الريف التركي، وما يقوله الشارع التركي في مختلف القضايا، التركية والعربية والدولية، وسيتعرف العرب على صورة تركيا الحديثة، بمشاهير كتابها ومفكريها، وبرواد الفن لديها، وبالرموز السياسية والعلمية والثقافية، الذين يحركون ويؤثرون مختلف جوانب الحياة في تركيا، وستتيح الفضائية الفرصة لتعريف المشاهد العربي، بأعظم العمارات الإسلامية التي بناها سلاطين الدولة العثمانية، تاركين خلفهم أعظم المساجد عمارةً، وأكثرها شهرة، وسيتمكن المشاهد العربي من الاطلاع بشكلٍ صحيح على التطورات السياسية والاقتصادية، وعلى كافة جوانب الحياة في تركيا، بفضل نشرات الأخبار والبرامج الحوارية التي تبث خلال أيام الأسبوع، وتتطلع الفضائية التركية لأن تساهم في تطوير العلاقات الاقتصادية بين كلا الجانبين، كما ستتيح القناة التركية العربية الفرصة لنقل اللقاءات الهامة والبرامج التي ستجريها في البلدان العربية إلى الشعب التركي، بفضل قنوات مؤسسة الاذاعة والتلفزيون التركية الأخرى، ما يعني أن القناة العربية ستتولى مهمة ثنائية الأهداف.

والسياسة التي تعتمدها تركيا في فضائيتها العربية، سياسةٌ نظيفةٌ بريئة، ليس فيها خبثٌ ولا دهاء، ولا تسعى لاستمالةِ فريقٍ من العرب، أو التأثير على عقولهم وأفكارهم، أو إحداثِ فرقةٍ وخصومةٍ بينهم، أو تأليبِ فريقٍ على فريقٍ آخر، كما تسعى وسائل الإعلام الغربية، التي تتوجه بخطابها العربي إلى قطاعاتٍ واسعة من عالمنا العربي، بقصد التأثير عليه، وتحويل أفكاره، وثنيه عن معتقادته، وتأليبه على مجتمعه، والانقلاب على قيمه وموروثاته، وقد أغضبها كثيراً افتتاح تركيا لفضائيتها العربية، وانفتاحها على العالم العربي، فهي تخشى فضح حقيقتها، وكشف زيفها وخداعها، من خلال ما تبثه من إعلامٍ مسمومٍ خبيث، ولكن الهدف التركي من مخاطبة العرب بلسانهم مختلف، فغايتهم نبيلة، وأهدافهم تعزز من قوتنا، وتطور من قدراتنا، وتصقل خبراتنا، وتزيد في حجم التعاون المشترك معنا، وهي تريد خلق فرص للحوار العميق مع العرب، الذين يمثلون عمق الشرق، بعبقه القديم، وثرواته الهائلة، ومقدساته الدينية، وهو حسب ما قال رجب طيب أردوغان في حفل الافتتاح إنها ليست محاولة احتواء، بل هو مشروع انفتاحي تواصلي لا أكثر، وتحدث عن حجم التداخل بين العرب والأتراك، وتقارب الأمثال والأقوال المأثورة لدى الفريقين، وكيف أن الأتراك تابعوا عبر السنين نجوم الطرب، وكبار الشعراء والفنانين والمفكرين العرب، وقال" نحن كأصابع اليد الواحدة، ماضينا كان واحداً، ومستقبلنا أيضاً واحد، فعندما تصرخ العواصم العربية يصل الصدى إلى أنقرة، وعندما تنادي إستانبول يصل الصوت إلى القاهرة والرياض وعمان ودمشق وطرابلس الغرب، نحن في ثقافتنا تماماً مثلكم نبحث عن الجار قبل الدار" .
القناة التركية العربية تعبيرٌ صادق عن السياسة التركية التي تسعى للانفتاح على العرب، والتفاعل معهم، وتبني قضاياهم، وإن كانت تحمل رسالةً ضمنية إلى دول الإتحاد الأوروبي، الذين دأبوا على رفض انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، ووضعوا العراقيل والعقبات أمام اندماجها في المجتمع الغربي الأوروبي، فكان انفتاح تركيا نحو الشرق، وتوجهها نحو عمقها العربي والإسلامي، واستعدادها التام للتعاون معهم، وتذليل العقبات التي تعترضهم، ومواجهة إسرائيل التي تعتدي عليهم، وتحتل أرضهم، فعمدت إلى مخاطبة العرب بلغتهم، والتحدث إليهم بلسانهم، والتقرب إليهم عبر إنتاجٍ فنيٍ مبدع، كان العرب قد أبدوا من قبل إعجابهم وتأثرهم به، وتعلقهم بأحداثه وشخوصه وأبطاله.
وأشير هنا أن فكرة الكتابة عن دور الفضائية التركية الناطقة باللغة العربية، أوحي لي بها اقتصاديٌ فلسطيني شاب طموح، تربطه علاقات عملٍ تجارية كبيرة وواعدة مع تركيا، ويدرك من خلال زياراته المتكررة لها حجم هذه الدولة، ومدى الصدق في لهجتها، وحجم الاستفادة المتوقعة منها، وأن اقتصادها ينمو بإضطراد، وأنه قادر على النهوض باقتصاديات الدول العربية وتنميتها، كما أنها في حاجةٍ كبيرة إلى مقدرات الدول العربية وخيراتها، لإنعاش اقتصادها، وتحقيق نسبة أعلى من الجودة المنافسة، بما يخدم مصلحة وحاجة الطرفين، وقد سبر هذا الاقتصادي الشاب غور قيادتها، وأدرك أنها جادة في الانفتاح على العالم العربي، وأنها صادقة في مساندتها للقضية الفلسطينية ونصرة أهلها، فتمنى لو أن العرب يجارونها، ويساندونها في أهدافها وغاياتها، إذ رأى أن غاياتها لا تختلف كثيراً عن غاية كل عربيٍ ومسلم.
لذا فإنها محاولة جديدة من حزب العدالة والتنمية، ومن رئيسه رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، للانفتاح على العالم العربي، ببوابته الإسلامية الواسعة، ومن خلال قضيته الأهم، القضية الفلسطينية، لتتصدر تركيا جبهة المواجهة مع إسرائيل، وتتحدى سياساتها الرامية لتهويد القدس، والسيطرة على أرضها ومقدساتها، إنها مغامرة مدروسة بدقة من قبل الحكومة التركية، في محاولةٍ منها لاستعادة الثقة المهزوزة، والتأكيد على الهوية المشرقية، بطابعها القديم الجديد، وأنها قادرة على استنهاض ماضيها، والإفادة منه، والبناء عليه، وتتوقع الحكومة التركية من فضائيتها الجديدة نتائج طيبة ومرضية، لتنطلق من خلالها إلى آفاقٍ أوسع وأرحب، ولكن على العرب أن ينظروا إلى المحاولة التركية بنوعٍ من التقدير والاهتمام، وأن يبادلوا الأتراك الثقة والرغبة في بناء جسور الثقة، لتكون التجربة رائدة ومنافسة ومشجعة.

الأربعاء، أبريل 07، 2010

فياض يقامر بالشعب والوطن

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحث فلسطيني
لا شك أن تصريحات سلام فياض الأخيرة مقامرة علنية ووقحة بفلسطين وشعبها، ومغامرةٌ كبيرة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وجريمةٌ كبيرة تستوجب المحاكمة والتخوين، وهي تصريحاتٌ خطيرة جداً، وتحمل بذور صراعٍ فلسطيني داخلي كبير، وتزيد في حجم الشقة والخلاف بين الفرقاء الفلسطينيين، وتشف عن نوايا وسرائر ظن البعض أنها خفية، وأن أحداً لن يستطيع أن يتفوه بها، وهي تفصح عن الدور الحقيقي الذي جاء بفياض إلى سدة الحكم، أو ربما عن الهدف الحقيقي الذي جيئ به من الولايات المتحدة إلى فلسطين، وهي تصريحاتٌ غير مسبوقة، ولا ينبغي الصمت حيالها، أو عدم الرد على صاحبها، فهو قد تصرف بغير وجه حق، فيما لا يملك حق التصرف به، واعتدى على حقوق شعبٍ لم يسمح له بحرية التصرف فيها، علماً أن شعبه لم يختره رئيساً لحكومته، ولم يمنحه الثقة في منصبه، ولم يخوله الحق في أن يتحدث باسمه، لذا فإن للشعب الفلسطيني الحق في أن يستنكر تصريحاته، وأن ينكر مواقفه، وأن يرفض أن تكون معبرةً عنه، وأن يصف صاحبها بأنه مارقٌ، منسلخٌ عن جلده، مفارقٌ لشعبه، معادٍ له وموالٍ لعدوه، ولا يصلح أن يكون رائداً في أهله، ولا أميناً على قيم ومقدسات وطنه، فهو قد فرط في الأمانات، وتنازل عن الحقوق، وأبدى الاستعداد لأن يصفح وينسى، وأن يبارك للعدو ما اغتصب من أرضنا، وما نهب من خيراتنا، وأن يتجاوز له عن جرائمه بحق شعبنا، وأعلن عن نيته تقديم تهنئة للعدو في ذكرى تأسيس كيانه، والتي هي ذكرى نكبة شعبنا، وضياع أرضنا، وهو الذي شارك كبار قادة العدو الإسرائيلي، وكبار مفكريه واستراتيجيه في مؤتمر هرتسليا، الذي يضع الخطط والبرامج لمزيدٍ من السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على أرضنا وحقوقنا.
تصريحات فياض الغريبة تذكرنا بتجربة روابط القرى في الضفة الغربية منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، وتعيد إلى الأذهان المؤامرة الكبرى التي قادها مصطفى دودين، والتي نسج خيوطها مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الذي رعاها ومهد لها كثيراً، وراهن على نجاحها في تفتيت الشارع الفلسطيني، ووضع حدٍ لطموحات الفلسطينيين في أرضهم ووطنهم، ولكن الفلسطينيين وأدوا مؤامرة روابط القرى، ومزقوا خيوطها، ووضعوا نهايةً تامة لكل رموزها وأزلامها، الذين حاولوا أن يضربوا المشروع الوطني، وأن يقسموا الشارع الفلسطيني، وأن يحدثوا فيه شرخاً من خلال التقديمات الاقتصادية التي كان الاحتلال الإسرائيلي يسهلها لهم، ولكن قناع الرفاه الاقتصادي، وشعارات الأمن والسلامة التي كانوا يرفعونها، لم تستطع أن تخفي تعاونهم مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتقديمهم معلوماتٍ خطيرة، أضرت بالعمل الوطني، وتسببت في اعتقال العشرات من نشطاء المقاومة الفلسطينية، ولكن المقاومة بقيت وصمدت وانتصرت، بينما انهار المشروع التآمري، وسقطت رموزه، التي بقيت موسومة بالتعامل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
من الذي أعطى سلام فياض الحق في أن يتحدث باسم الشعب الفلسطيني في داخل الوطن وفي الشتات، وأن يدعي بأن الدولة الفلسطينية العتيدة، التي سيعلن عنها في أغسطس/آب من العام القادم، ستكون مهيأة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين، وأنها ستكون عوضاً لهم عن قراهم الأصلية التي هجروا منها، وأجبروا على مغادرتها، فمن الذي أعطاه الحق بأن يتنازل عن حق العودة إلى الوطن، وهو يعلم أن حق العودة هو حقٌ فردي وشخصي، وأنه لا يجوز التصرف فيه، أو التنازل عنه، وقد نص عليه قرارٌ دولي شهير، حمل الرقم 194، ومازال الفلسطينيون رغم شتاتهم، يتمسكون به، ويطالبون بعودتهم وذريتهم إلى قراهم وبلداتهم الأصلية.
ماذا يقصد فياض عندما يصنف الفلسطينيين بين معتدلين ومتطرفين، وعندما يؤكد بأن حكومته تقف على أهبة الاستعداد لمواجهة القوى المتطرفة، وأنه على استعداد لنشر المزيد من القوى الأمنية الفلسطينية في مختلف أرجاء الضفة الغربية، للحيلولة دون قيام أعمال مقاومة ضد إسرائيل، أليست سجونه مفتوحة على مصراعيها، تستقبل كل الوطنيين، وتحتجز كل المقاومين، وأليست أجهزته الأمنية تجهد في التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وتتسابق في تقديم المعلومات الأمنية الحساسة له، حتى ولو أفضت إلى قتل فلسطينيين أو اعتقالهم، فإن كان يحق لنا أن نصف طرفي الصراع، فإن الفلسطينيين هم المعتدلون، عندما يتمسكون بحقوقهم، ويصرون على تحرير وطنهم، والعودة إلى بلداتهم، بينما الاحتلال هو المتطرف، وهو المعتدي، عندما يصر على مصادرة الحقوق، واحتلال الأرض، وتدنيس المقدسات.
الفلسطينيون مهما اختلفوا فليسوا أعداءاً لبعضهم، والإسرائيليون مهما اعتدلوا فليسوا أصدقاءاً لنا، وليسوا مناصرين لحقنا، ويخطئ فياض عندما يرى في الإسرائيليين قرباً وحميميةً أكثر من أهله وشعبه، ويخطئ أكثر عندما يعتقد أن الخطر المحدق بالقضية الفلسطينية، إنما هو من جانب المقاومة، ويصفها بأنها هي التي تهدد المشروع الوطني الفلسطيني، ، وهو الذي صرح أكثر من مرة، أنه ضد المقاومة، وأنها لن تجلب للشعب الفلسطيني سوى المزيد من التعاسة، وأنه لا يأبه بانتقاد الفلسطينيين له، لتعاونه مع الاحتلال، وينسى أن الاحتلال الإسرائيلي هو العدو، وأنه من يسعى إلى تدمير أحلام الفلسطينيين، والسيطرة على أرضهم وتاريخهم ومقدساتهم وتراثهم.
السيد فياض يعتقد أن بناء مؤسسات الدولة، الاقتصادية والسياسية والأمنية، والتعايش مع الاحتلال، وخلق علاقات طبيعية معه، وإقامة تنسيق أمني مع أجهزته الأمنية، سيجبر إسرائيل على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وسيجبرها على الانسحاب من الضفة الغربية، وتفكيك مستوطناتها، والتسليم بالقدس الشرقية عاصمةً للدولة الفلسطينية، وسيدفعها للتخلي عن أحلامها وأطماعها وأساطيرها في الهيكل المزعوم، الذي تخطط لبناءه في باحات الحرم بعد هدم المسجد الأقصى المبارك، وقد نسي فياض أن مؤسسات الدولة الوطنية، لا تبنى تحت حراب الاحتلال، ولا تأخذ الشرعية من قوى الاحتلال، فإسرائيل هي التي دمرت كل البنى الوطنية، وخربت كل مؤسسات السلطة الفلسطينية، فهي التي حاصرت الرئيس ياسر عرفات في مبنى المقاطعة، وهي التي قصفت الدوائر الحكومية، ومقار الأجهزة الأمنية، ومجمعات الوزارات ومباني الحكومة الفلسطينية، وهي التي قوضت مباني المجلس الوطني الفلسطيني، فكيف نأمن على مؤسساتنا في ظل الاحتلال، فهو يخرب ولا يعمر، ويهدم ولا يبني، وحاله مع فياض، كراعٍ سمح للذئب أن يكون بين قطيع أغنامه، فهل يأمن الذئب على غنمه إلا جاهلٌ، أو راضٍ بما ستنهش أنيابه من غنمه، فلا استكمال لمؤسساتنا الوطنية في ظل الاحتلال، وإنما نحن بحاجةٍ إلى استكمال وحدتنا الوطنية، وبحاجةٍ إلى برنامج إجماعٍ وطني، نضمن من خلاله معاً رحيل الاحتلال، وتحقيق أهدافنا الوطنية، نحن في حاجةٍ إلى برنامجٍ تخشاه إسرائيل، وتتحسب منه، وليس هناك من برنامجٍ أفضل من المقاومة لتحقيق أهدافنا، وليس هناك من وسيلة غير القوة، لإرغام إسرائيل وقهرها، وهي تدرك – قبل غيرها – أن المقاومة خطرٌ عليها، وأن المستقبل هو للمقاومة وليس لها.
مواجهة مشروع فياض التآمري على القضية الفلسطينية ومستقبلها، واجبٌ وطني، بل هو فرض عين على كل فلسطيني، فواجب مواجهته والمطالبة بمحاكمته، بتهمة الخيانة وبيع الأرض والسمسرة عليها، والتفريط في الحقوق والأمانات، لا يقع على عاتق قوى المقاومة الفلسطينية وحدها، بل يجب على كل المثقفين والإعلاميين الغيورين، والطلاب وأصحاب الرأي، أن يجندوا أقلامهم وألسنتهم، لفضح هذا المشروع التآمري، وإماطة اللثام عن حقيقة البرنامج الذي يحمله فياض ويخطط له، وعن الدور المشبوه الذي أنيط به وبحكومته، فهذه ليست مسؤولية تنظيم أو حركةٍ بعينها، بل هي مسؤولية الشعب الفلسطيني كله، إذ أن الصمت عن مشروعه جريمة، والتخاذل عن مواجهته مساهمة في تمرير المؤامرة، إنه يسعى للاعتراف بيهودية الدولة العبرية، وبحقها في أن تكون دولتها نقية من غير اليهود، وحقها في أن تطرد أهلنا المرابطين على أرضهم، وفي الوقت نفسه يمنح الإسرائيليين الفرصة الكافية للمضي قدماً في تنفيذ مخططاتهم التوسعية الاستيطانية، وفي استكمال بناء جدار الفصل العنصري، وإحاطة المسجد الأقصى بالكنس اليهودية تمهيداً لهدمه، وبناء هيكل سليمان المزعوم مكانه.
هذه التصريحات ليست زلة لسان يمكن التراجع عنها، وهي ليست تصريحات مؤولة، أو أسيئ نقلها، أو حرفت بعض كلماتها، كما أنها ليست تصريحاتٌ تكتيكية، تهدف إلى تحريك الرأي العام الدولي ضد إسرائيل، والاستفادة من حجم الأخطاء التي ترتكبها حكومة اليمين الإسرائيلي، واستغلال الخلافات الأمريكية الإسرائيلية، بل هي ترجمة أمينة لمواقف حقيقية، يؤمن بها فياض وفريقه، ويعمل بأمانةٍ لها، ولن يتراجع عنها ما بقي في منصبه، ولن يتخلى عنها طالما أنه يجد في السلطة الفلسطينية من يناصره ويؤيده، وهي مسؤولية وطنية تتحملها حركة فتح بالدرجة الأولى، فهي المسؤولة عن بقاء هذا الرجل في منصبه، وهي التي تتحمل سلبيات تصريحاته، وعواقب مخططاته، وإلا فهي شريكٌ معه، على طاولة القمار، وتوشك معه أن تخسر الشعب والوطن والأرض، أمام الاحتلال، الذي هو الطرف الآخر على طاولة القمار، أو طاولة المفاوضات إذا طاب لبعضهم أن يطلق عليه اسم " شريك المفاوضات" .

الأربعاء، مارس 31، 2010

يوم الأرض وحلم العودة إليها

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحث فلسطيني
يوم الأرض من المحطات الهامة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وصفحةٌ ناصعة من صفحات نضاله ومقاومته، وانعطافةٍٍ أساسية في مسيرته النضالية، وهي مناسبة يتوقف أمامها الفلسطينيون في أرضهم وشتاتهم كل عام، يحيون ذكراها في كل أرجاء الوطن وخارجه، ويؤكدون على معانيها، ويكررون الثوابت التي سقط من أجلها الشهداء، وهي أن الشعب الفلسطيني متمسك بأرضه، ثابتٌ على حقه، وأنه عصيٌ على الطرد، ومتمردٌ على الاقتلاع، ورافضٌ للرحيل، وهي مناسبة يحرص الفلسطينيون دوماً، أن يؤكدوا من خلالها على وحدة القضية الفلسطينية، ووحدة التراب الوطني الفلسطيني، وأن إسرائيل هي العدو الوحيد للشعب الفلسطيني، فهي التي احتلت واستوطنت واغتصبت وقتلت وشردت ونفت واعتدت، وهي التي سرقت ونهبت وصادرت وخربت، وهي التي هدمت البيوت، وخربت الزروع، ودنست المقدسات، وعاثت في تاريخ شعبنا فساداً وتخريباً، وهو يوم كشف فيه الفلسطينيون عن كثيرٍ من العزة والشموخ الوطني، والكرامة القومية، وقد هبوا جميعاً للدفاع عن أرضهم، والتصدي للمشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري، الذي لم يميز في سياساته بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والقدس الشرقية، وأراضي الفلسطينيين في المثلث والنقب وعكا والجليل، وفي سخنين وعرابة وكفر كنّا والطيبة وغيرها.
يوم الأرض 30/3/1976 علامةٌ فارقة في تاريخ شعبنا الفلسطيني، وانعطافة حقيقة ضد الممارسات الإسرائيلية، ورسالةٌ خالدة أن الأرض لدينا هي الهوية والعنوان، وهي الكرامة والشرف، وعليها ستكون حياتنا، وفيها سيكون موتنا، فقد ثار الفلسطينيون جميعاً ضد قرار المصادرة الإسرائيلي لأرضهم، وسقط منهم شهداء وجرحى دفاعاً عن حقوقهم، ليثبتوا للاحتلال أن الأرض لدينا عزيزة وغالية، وأننا نحميها بالمهج والأرواح، وقد أكد يوم الأرض المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تهويد الأرض الفلسطينية، وطرد سكانها العرب الفلسطينيين منها، وأن إسرائيل ماضية في مخططاتها الإجرامية، وهي وإن توقفت أحياناً، فإنها تنتهز الفرصة المناسبة لتحقيق أهدافها، فهذا حلمٌ راود المؤسسين الأوائل للدولة العبرية، ومازال يدغدغ عواطف قادتها الجدد، ويعيش في مخليتهم، وقد افصحوا عنه، وكشفوا للرأي العام عن حقيقة نواياهم، فهم يصورون أرض فلسطين أرضاً نقية، لا يسكنها غير اليهود، ولا يعيش فيها العرب، لا المسلمون ولا المسيحيون، فهي لليهود وطناً خالصاً، ولا مكان للأغيار فيها، وهم يعملون لمقولتهم الشهيرة أرض أكثر وعربٌ أقل، ولكن إحياء الفلسطينيين يوم الأرض من كل عام، رسالةٌ واضحة إلى العدو الإسرائيلي، أننا لن نستسلم لأي قرارٍ يصادر أرضنا، ويستولي على ممتلكاتنا، وسنبقى في أرضنا ثابتين أمام كل محاولات الخلع والطرد، وقد استغل الفلسطينيون هذا اليوم ليعلنوا تمسكهم بأرض آبائهم وأجدادهم، وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية والدينية، وحقهم في الدفاع عن وجودهم، رغم كل محاولات السلطة الإسرائيلية لخلعهم من أرضهم، واقتلاعهم من جذورهم، إذ أن إسرائيل تشعر بخطورة وجودهم، وتنامي أعدادهم، وأنهم سيسببون خللاً في التوزيع الديمغرافي للسكان، بما قد يجعل منهم يوماً أكثر عدداً من السكان اليهود، ما سيشكل خطراً على يهودية دولتهم.
وقد كان الفلسطينيون يملكون 75% من الأراضي فترة النكبة، ولكن وبفعل القوانين الاسرائيلية الجائرة، تم تجريدهم من هذه الأراضي، تارةً باعتبارها أراضٍ عسكرية، وتارة بدعوى المصادرة لأغراض الصالح العام، وأخرى تطبيقاً لقانون أملاك الغائبين، كما تم مصادرة أراضي الوقف الاسلامي، وأصبح الفلسطينيون يملكون 3.5% من الأرض، رغم أنهم يشكلون 20% من السكان، ولهذا شكل يوم الأرض أول تحدٍ حقيقي للممارسات الإسرائيلية، فكسر حاجز الخوف، وأدخل السكان الفلسطينيين في معارك نضالية ضد سلطات الاحتلال، مما أوقد الروح الوطنية لديهم، وأحيا فيهم مفاهيم الإنتماء والعودة إلى الأصول.
ويخطئ من يظن أن أهلنا الفلسطينيين، الذين مازالوا يسكنون أرضهم، ويعيشون فوق ترابهم، قد ضعفت عندهم رابطة الإنتماء لعروبتهم وإسلامهم، وأن إسرائيل قد أثرت عليهم بثقافتها وقيمها، وبما حاولت زرعه فيهم من عاداتٍ وتقاليدٍ غريبة، وبالأسماء العبرية التي فرضتها على شوارعهم، وباللغة العبرية التي فرضت تعليمها على أطفالهم، وبمحاولات السيطرة على المرأة، والتدخل في شؤون الأسرة العربية، ورغم ذلك فقد أضحى الفلسطينيون أشد تمسكاً بفلسطين من كثيرٍ غيرهم، وأكثر حرصاً على أرضهم وتراثهم وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم، فحافظ المسلمون على مساجدهم، والمسيحيون على كنائسهم، وتمسكت المرأة بحجابها، والشباب بمساجدهم، ووالتزم الفلسطينيون قرآنهم، وحافظوا على إسلامهم، وقد كان هناك اعتقادٌ بأن هذا الجزء من شعبنا في أراضي 48، قد استكان وسلم بالأمر الواقع، وخضع للاحتلال وتعامل معه، إلا أن يوم الارض جاء ليؤكد حقيقة أن شعبنا هناك، هو جزء أصيل من شعبنا الفلسطيني، إذ رغم كل المحاولات الإسرائيلية المحمومة، لعزل أهلنا في المناطق المحتلة عام 48، عن بقية أهلهم وشعبهم، إلا أن محاولاتهم كلها قد باءت بالفشل، ومازال أهلنا في أرضهم على حالهم لساناً وهيئةً وشكلاً، وعاداتٍ وتقاليد وقيم، لا يفرطون في موروثاتهم، ولا يتخلون عن معتقداتهم، ولا يتنازلون عن ثوابتهم وحقوقهم، ولا يفرطون في أرضهم، ولا يسكتون عن أي محاولة لمصادرتها، أو اغتصابها، ويعملون أجيالهم الطالعة حب الوطن، ويورثونهم يقينهم بحقهم، وإيمانهم بأرضهم، ويزرعون أنفسهم في أرضهم كالأشجار، لتعطي لأرضهم هويةً وإنتماءاً.
وهم اليوم حماة الأقصى، وجنود القدس، وهم الغيارى على المقدسات، والجنود المخلصين الذين ينافحون عن القدس، ضد غلاة المستوطنين، الذين يحاولون النيل من المسجد الأقصى وباحاته، فهم الذين يؤمون المسجد الأقصى للصلاة فيه، ويتبارون في الرباط في باحاته، في وقتٍ يصعب على أهل غزة الصلاة فيها، بينما يضع الاحتلال العراقيل أمام المصلين من مختلف أنحاء الضفة الغربية، فتنادوا من كل أرجاء فلسطين، لينوبوا عن شعبهم وأمتهم، في الذوذ عن حياض المسجد الأقصى المبارك، وفي تنبيه الأمة كلها إلى الأخطار المحدقة بالمسجد الأقصى المبارك.
وأهلنا المتمسكين بأرضهم في عمق فلسطين وشمالها، وفي صحراءها ووسطها، هم الذين يهبون دوماً لمساعدة إخوانهم المحاصرين في قطاع غزة، أو الذين تعرضوا للتدمير في مخيم جنين في الضفة الغربية، فقوافل المساعدة التي يهبون لتجهيزها، تحمل معها الكثير من أواصر المحبة والأخوة والتلاقي، فهم لا ينسون أهلهم المحاصرين، ولا يتخلون عن واجبهم تجاههم، ويتحملون من أجلهم الصعاب والعقبات، ويتعرضون في سبيلهم لأذى جنود الاحتلال، فيضربون ويعتقلون، ويتعرضون للإهانة والتجريح، ولكنهم يمضون قدماً في أداء واجبهم، ولا يلتفتون إلى المعاناة التي يلاقون، ويرفضون سياسة التجويع والحصار، والقتل والحرب والاعتداء، ويصدحون بعالي صوتهم فوق كل المنابر، وفي كل المناسبات، يفضحون ممارسات الاحتلال، ويؤكدون وقوفهم إلى جانب شبعبهم، وتمسكهم بحقهم في استعادة أرضهم، والحفاظ على هويتهم.
يوم الأرض الدامي، الذي لون تراب الوطن بالدم، وصبغ أرضه باللون الأحمر القاني، وأخرج الجماهير العربية والفلسطينية في ثورةٍ عارمة منذ أربعة وثلاثين عاماً، مازالت أحداثه إلى اليوم ماثلة، وجرائم الاحتلال على الأرض باقية، وقبور الشهداء مشادة، ولكنه يومٌ أرسى دعائم حاول العدو الإسرائيلي أن يهزها، وثبت قواعد كان يطمح الاحتلال إلى تحريكها، فربط يوم الأرض أطراف الوطن ببعضه، ونادى بتحرير كل أرضه، وعودة كل أبناءه، وأكد يوم الأرض على تمسك الفلسطينيين بممتلكاتهم، وحقهم المطلق في استعادة أملاكهم المغتصبة، فضلاً عن عودتهم إلى ديارهم المحتلة، وأكد أنها حقوق مقدسة وثابتة، وغير قابلة للتصرف أو المساومة، وأنه لا يحق لأيٍ كان أن يتصرف فيها، أو أن يتنازل عنها، فهي حق الأجيال، وملك الأمة، وقد أخذ الفلسطينيون يتطلعون إلى اليوم الذي يعود فيه ذووهم وأهلهم من الشتات، وبلاد اللجوء إلى أرضهم وطنهم، فيجتمع شملهم على أرضهم من جديد، ويرون أن هذا اليوم الذي يعودون فيه، يومٌ قادمٌ لا محالة، ولكنه يتطلب وحدةً فلسطينية، ومساندة عربية وإسلامية، ودعماً وتفهماً دولياً، وقبل هذا كله، إصرارٌ فلسطيني على الحق والثوابت، ورفضٌ تام للتنازل والتفريط، مهما عظمت الصعاب، وازدادت الخطوب.

الاثنين، مارس 29، 2010

نتنياهو بين باراك أوباما ورام إيمانويل

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

من الصعب أن نتجاوز الخلاف الأميركي - الإسرائيلي الذي طغى على جدول أعمال زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ولقاءاته في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، فقد بدا نتنياهو مرتبكاً خلال زيارته، ولم يسعفه كثيراً اللوبي اليهودي المتربع في الولايات المتحدة الأمريكية، كما لم تنقذه تصريحاته المدوية في اجتماعات الإيباك، ولا ترحيب ومرافقة بعض كبار أعضاء مجلسي الكونجرس والشيوخ الأمريكيين، الذين حاولوا أن يتجاوزا الإهانات الإسرائيلية المتكررة للإدارة الأمريكية، وأن يخففوا من آثار الأزمة التي سببتها تصريحات وزير الداخلية الإسرائيلية، الذي أعلن خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن، عزم الحكومة الإسرائيلية بناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية، وكان الفريق اليهودي العامل في البيت الأبيض، وفي مختلف دوائر الإدارة الأمريكية، يعمل بجد لضمان نجاح زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض، وضمان تجاوز الأزمات التي بدأت تظهر بين إدارة أوباما والحكومة الإسرائيلية، فاقترحوا له أنشطة، وعقدوا له لقاءات، ونشروا له صوراً، وعمموا تصريحاته وأقواله، ولكن كثيراً من تصريحاته أغضبت باراك أوباما، وزادت في حنقه، وأدت إلى تأكيد مواقفه من سياسة حكومة نتنياهو، وتوسيع الفجوة بينهما.
وقد بدت نذر الخلاف تظهر بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، منذ الأيام الأولى لتولي باراك أوباما إدارة البيت الأبيض، وقد علق كثيرٌ آمالاً كبيرة على تزايد الفجوة بين سياسات البلدين، وقد أدركت إسرائيل أن الفجوة بينها وبين الإدارة الأمريكية في ازدياد، وأنها في حاجةٍ ماسة لاستدراك أمرها، وتجاوز أزمتها، واستعادة ثقة الولايات المتحدة الأمريكية بها، وهذا ما عمل عليه الجندي الإسرائيلي السابق، رام إيمانويل، كبير موظفي البيت الأبيض، الذي وقف محتاراً وعاجزاً أمام الالتزام بوظيفته تجاه سيده ورب عمله الغاضب من سياسة الحكومة الإسرائيلية، وبين ولاءه لدولة إسرائيل، التي خدم فيها جندياً مقاتلاً، مؤمناً بأفكارها وسياساتها، والتي نذر حياته من أجلها، دفاعاً عنها، ومساندةً ومساعدةً لها، وقد عول نتنياهو ومعاونوه كثيراً على إيمانويل، لمساعدتهم في تجاوز الأزمات، وعقد اللقاءات، وترتيب الاتفاقيات، وإزالة كل ما علق في ذهن الإدارة الأمريكية ضد إسرائيل وسياساتها.
ولكن رام إيمانويل الذي يشرف على تفاصيل دقيقة وكثيرة في عمل البيت الأبيض، كان يدرك حجم غضب سيده من نتنياهو وفريق عمله، وقد بات مقتنعاً أن الحكومة الإسرائيلية تعجل في خطواتها نحو العزلة الدولية، وأن دول الاتحاد الأوروبي تطالب أوباما بالضغط على الحكومة الإسرائيلية للتراجع عن انتهاكاتها المتكررة تجاه الشعب الفلسطيني ومقدساته، وضرورة تخفيف حصارها عن قطاع غزة، وأنها باتت منزعجة من السلوك الإسرائيلي الأخير، الذي ورطت فيه العديد من الحكومات الأوروبية، عندما استخدمت جوازاتها في تنفيذ عملية اغتيال المبحوح في دبي، فحذر فريق عمل نتنياهو من أن المهمة الملقاة على عاتقه ومساعديه في البيت الأبيض كبيرة، وأنه قد لا يستطيع النجاح في مهمته، وأن أوباما جادٌ في مواقفه الغاضبة، وهذا يتطلب من نتنياهو وحكومته الانحناء قليلاً أمام العاصفة، وعدم تأجيج الخلاف بمزيدٍ من التصريحات الرعناء، ولا التصرفات الطائشة، وكاد إيمانويل أن ينجح في مهمته، ولكن فندق شيبرد الفلسطيني في حي الشيخ جراح في القدس، وضع نهايةً أليمة لجهوده، وأفشل محاولاته المحمومة لترميم العلاقة بين الرجلين، إذ أعلن وزير الداخلية الإسرائيلية قبيل انعقاد اللقاء بين أوباما ونتنياهو، عن الموافقة على بناء عشرين بيتاً فاخراً على أنقاض فندق شيبرد الفلسطيني، فأدرك رام إيمانويل أنه أصبح وفريق عمله يقفون على أنقاض علاقةٍ أمريكية إسرائيلية، وأنها أصبحت بحاجة إلى جهودٍ أكبر لترميمها، أو إعادتها إلى طبيعتها، وأن الوقت لا يعمل في صالح شعب دولة إسرائيل.
وبينما أغلق باراك أوباما على نفسه مع نتنياهو غرفة الاجتماع، أدرك إيمانويل أن محاولاته المتكررة مع فريقي عمل الإدارتين في أروقة البيت الأبيض لن تجدي نفعاً في إعادة الدفء إلى العلاقة بين الرجلين المجتمعين وحدهما، بعيداً عن الأضواء، وبعيداً عن المساعدين والمستشارين، وأن إسرائيل في مأزقٍ حقيقي لا يخرجها منه سوى تقديم بعض التنازلات، والاستجابة لبعض مطالب الإدارة الأمريكية، المتعلقة بالتخفيف عن الفلسطينيين، وبناء جسور حقيقية للثقة معهم، وبدا إيمانويل واضحاً تجاه فريق عمل نتنياهو، في وقتٍ كان يحاول فيه أن يسترق بعضاً مما يجري في الغرفة المغلقة على الرجلين منذ أكثر من ساعة ونصف الساعة، فنقل إليهم جدية المخاوف التي قد تواجه إسرائيل، نتيجة الإحراجات المتكررة التي تتلقاها الإدارة الأمريكية من الحكومة الإسرائيلية، خاصةً تلك التي سبقت انعقاد القمة العربية، إذ أن المواقف الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ستلحق الضرر بالمصالح الأمريكية، وهي الحليف الأقوى لإسرائيل، ونقل إليهم جدية تطلع باراك أوباما إلى بعض المواقف الإيجابية من حكومة نتنياهو قبيل انعقاد القمة العربية، علها تعزز جهوده وإدارته في إعادة الحياة إلى العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكانت هذه المواقف ذاتها قد نقلتها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، التي تعتبر على رأس الفريق المؤيد لإسرائيل في الإدارة الأمريكية، ولكنها وجدت نفسها مضطرة للوقوف إلى جانب أوباما في امتعاضه من التصرفات الإسرائيلية المحرجة، ولهذا كانت رسالتها إلى نتنياهو لا تخلو من بعض الشدة، وأنها لن تتسامح في تأخر الرد الإسرائيلي على رسالتها، وخاصة تجاه بعض القضايا المحددة التي طالبت الحكومة الإسرائيلية بالحصول على إجاباتٍ لها، خاصةً فيما يتعلق بموضوعي القدس والاستيطان.
ما من شك أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تمر بمرحلةٍ حرجة، وأن الإدارة الأمريكية غير راضية عن السلوك الإسرائيلي، وأن الاتجاه الدولي العام خاصة دول الاتحاد الأوروبي، مستاء من سياسة الحكومة الإسرائيلية، وقد بدت أجواء عدم الارتياح تظهر على وجوه وكلمات وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، ومفوضية الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها إسرائيل لمثل هذا الجو الخانق، فهي تواجه تهديداً في مستقبل علاقتها من أهم حليف استراتيجي لها، وتشعر بثقل الضغط الأوروبي عليها، وتخشى أن تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي عنها في معركتها مع البرنامج النووي الإيراني، وقد تكون هذه الخلافات مجرد أحلام وأوهام، وأنه لا أصل لها، بل هي مظاهر مخادعة، وتقصد دغدغة المشاعر العربية، وتحاول أن تكسبها في المعركة ضد إيران، إذ أنها في حاجة إلى اصطفاف عربي وإسلامي لمواجهة مشروع إيران النووي، ولكنها في حقيقتها لا تتخلى عن إسرائيل، ولا تتناقض مع أهدافها وسياساتها، ولا تفضل المصالح العربية على مصالح إسرائيل، فرغم أن الاحتمال الثاني قائمٌ، ولا يمكن تجاوزه أو إسقاطه أو تجاهله، إلا أن الحكومات العربية معنية أن تنتهز هذه الفرصة السانحة، وأن تستغل الظروف الدولية الضاغطة على إسرائيل، سواء كانت هذه الضغوط كاذبة أو حقيقية، للاستفادة منها في رفع الحصار عن قطاع غزة، ورفض سياسة التجويع التي تمارسها ضد سكان قطاع غزة، وإجبار الحكومة الإسرائيلية على وقف أنشطتها الاستيطانية، والكف عن محاولاتها تهويد القدس، وطرد مواطنيها، والاستيلاء على أرضهم.
بكل صراحةٍ ووضوح، إسرائيل تواجه غضباً عالمياً متصاعداً، وتهديداً حقيقياً بالعزل الدولي، كما تواجه إرادةً فلسطينية شعبية قوية وعنيفة، لذا لابد من دبلوماسية عربية قوية وهادفة، وموقف عربي موحد، وتهديد عربي وإسلامي جاد، بعيداً عن الخلافات والانقسامات، وبعيداً عن المناكفات والحسابات الخاطئة، كما لابد من الاستفادة من موقف تركيا المتقدم، لفرض الشروط العربية، وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، والتخفيف من معاناته، والحفاظ على أرضه ومقدساته، فهذه الفرصة مواتية، وقد لا تتكرر، فلنحسن استغلالها، والاستفادة من الظروف الدولية التي خلقتها، ولا نكن نحن بسياساتنا طود النجاة للحكومة الإسرائيلية المتهالكة.

الثلاثاء، مارس 23، 2010

من ياسين في علياءه إلى شارون في غيبوبته

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

سنواتٌ ست مرت على اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وسنواتٌ أربع مضت على رقود أرئيل شارون في غيبوبته، ومازال الشيخ ياسين رغم غيابه رمزاً يلهب حماس شعبه وأمته، وشهيداً في جنات الخلد يرقد، مرشداً لحركته، وقائداً في أمته، وشمعةً تضيئ دياجير الظلام، ومثالاً تحتذى خطواته، وتقتفى آثاره، ومازالت مبادئه حية، وأفكاره باقية، وجنوده في الميدان، والقواعد التي أرساها تمتد جذورها في الأرض، والشجرة الباسقة التي غرس بذرتها تنمو وتزدهر، وتورق وتزهر، وتمتد ظلالها، ويفيض فيئها، والرجال الذين رافقوه على العهد ماضون، يحملون الأمانة، ويؤدون الرسالة، ولا يحيدون عن الدرب، يحفظون وصيته، ويتطلعون إلى نصرٍ كان يحلم به، أو شهادةٍ تطلع إليها فنالها، بعد أن طالته ثلاثة صواريخ إسرائيلية وهو على عربته البسيطة، يدفع عجلاتها محبوه، ويحركه برفقٍ ومحبة أبناؤه، ولكن الله كان قد اختاره واجتباه، وقدر له صحبةً أخرى، وأحبةً آخرين.
أما قاتل الشيخ أحمد ياسين فقد أرانا الله فيه شأناً آخر، وجعله لغيره مثلاً وعبرة، فنكسه في الخلق، ورده إلى أرذل العمر رداً ذليلاً، وجعل من صورته أضحوكة، ومن نهايته عبرةً وحكمة، فتضاؤل حجمه، وبهتت صورته، وسكتت حركته، وفقد قدرته، وسيطر عليه العجز فأقعده، ذليلاً في مرقده، مهاناً في مسكنه، وحيداً دون صحبة، غريباً دون أنيس، فلا أهل يزورونه، ولا أصحاب يعزونه، ولا أولاد يبرونه، والكل ينتظر موته، ويتمنى دفنه، وقد غارت أفكاره، وسقطت نظرياته، وهزم جنوده، وتبعثرت قوته، وتشتت حزبه، وانفض مناصروه، وتخلى عنه مؤيدوه، ولم يعد فيه مطمع، ومنه رجاء، وفيه أمل، فعاف الإسرائيليون صورته، وأشاحوا بوجوههم عنه، ولم يعد أحدهم يقوى على رؤيته، أو النظر إلى بقايا عظامه، أو فتات جسده، فصورته مخيفة، وشكله يقزز النفوس، كالقذى يؤذي العيون، ويقيئ الأجساد، ويزكم الأنوف بفحش رائحته.
قتل شارون وعاش ياسين، وغاب شارون بينما بقي ياسين، أراد شارون وأد المقاومة فأوقد الله نارها، وألهب عزيمة رجالها، فسرت شرارة المقاومة لهيباً في كل أرجاء فلسطين، وكان رجالٌ فلسطينيون، هم تلاميذ الشيخ، مقاومين لا يعرفون مفردات الضعف والتردد والعجز، ولا يفهمون غير لغةِ القوة والشدة والبأس، أقضوا مضاجع شارون ومن خلفه، وأفشلوا خططه وبرامجه، وكان شارون قد عزم على النيل من إرادة الشعب الفلسطيني، لينسى حقه، ويتنازل عن وطنه، ويفرط في ثوابته، فكانت عزةً لا تعرف للذل طريقاً، وثباتاً لا يعرف معنى الخنوع، ولا سبل التراجع والانكفاء، وجرف شارون مخيم جنين، فبنى أهله فوق ركامه خياماً، وزرعوا في جوفه أجسادهم، وخيبوا أمال شارون بنزوحهم عن مخيمهم المدمر، وعلموه أن الفلسطينيين لن يتخلوا عن وطنهم، ولن يرحلوا عن مخيماتهم، وسيبقون في أرضهم مهما بالغ العدو في قتلهم، واجتاح شارون مدن ومخيمات قطاع غزة والضفة الغربية، فأبدى الفلسطينيون أمامه صموداً وثباتاً، فانهزم أمامهم، وخرج من قطاع غزة مدحوراً مخذولاً، وعيونه على جنوده مخافة القتل، وخشية الأسر، توارى شارون عن الميدان، فغارت معتقداته، ولم يعد جيشه الجيش الأسطورة الذي لا يهزم، واهتز جنوده فلم يعودوا واثقين بقوتهم، ومغترين بسلاحهم، ومعتدين بأنصارهم، فلاحقتهم الهزيمة، وشتتهم بؤس قادتهم، وسقطت رموزهم العسكرية والسياسية، وبات البناء الذي عكف عليه طويلاً يتهدم، والسور الذي رصد له الكثير يتصدع، والجدران التي اعتقد أنها ستجلب الحماية لشعبه تتهاوى، ومن تحتها يتسرب الموت إلى جنوده، ويسري الخوف بين أبناء شعبه، فلا جدر تحميهم، ولا أسوار تقيهم.
ولكن ياسين بقيت أفكاره لتحيى، فولَّد شللُهُ قدرةً، وعجزُ جسده إرادة، وضعف جسمه قوة، وقلة سلاحه وعتاده ذخيرةً لا تنضب، وسلاحاً لا يثلم، فانتصر أبناؤه على جلاديهم رغم القهر، وخرجوا من سجونه إلى فضاء المقاومة، وتخلصوا من قيده إلى زينة البندقية، ومن زنازينه الضيقة إلى ساحات الوطن، وميادين الجهاد، غاب الشيخ أحمد ياسين ولكنه أسس من بعده لنصرٍ كبير، تلاه تحريرٌ مبهرُ لغزة، وتطهيرٌ لها من رجس المستوطنات، وخطط لفوزٍ كاسح، حققه من بعده رجاله، فكانت نتائج الانتخابات حصيلة لما زرع، وحصيداً لما بذر، وحمل أتباعه أمانة الأهل، وأمل الشعب، فشكلوا حكومة، وأقاموا سلطة، وحققوا الأمن، ونشروا العدل، وغيبوا الظلم، وجعلوا للحرية فضاءاً ومكاناً، ونادوا لحظة فوزهم بالوحدة، وعملوا من أجل الألفة والصف الواحد، وقد أدركوا أن النصر مدعاة للوحدة، والفوز يلزمه سعة الصدر ورحابة القلب ورجاحة العقل.
اليوم يصدح الشيخ أحمد ياسين من عليائه في جنان الخلد، إلى أرئيل شارون الراقد في مستشفى شيبا، ويقول له، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، مقاومتنا باقية، واحتلالكم إلى زوال، عزمنا ماضٍ، وقوتكم في انحسار، فلسطين لنا كلها أرضاً ووطناً، ولا مكان لكم في وطننا، ولا مستقبل لكم على أرضنا، والقدس عاصمة دولتنا، وآية من كتاب ربنا، لا نفرط فيها، ولا نتنازل عنها، ولن نقبل فيها القسمة ولا الاقتسام، وحيفا إلينا ستعود، كما القدس والخليل ورام الله وبيسان والجليل، والطفل الرضيع الذي إلى حيفا ينتمي، وإلى الطيرة جده ترنو عيونه، وتهفو نفسه، فهو إلى فلسطين سيعود، وستكون له فلسطين دولةً ووطناً، وبعالي صوته يصدح الشيخ أحمد ياسين لخلفاء شارون، مذكراً إياهم بعجز سيدهم، وهزيمة جيشهم، وأن محاولاتهم للنيل من الشعب الفلسطيني وإرادته، ستبوء كلها بالفشل، بل إن عكس ما يريدون سيتحقق، ونقيض ما يسعون إليه سيكون.
وبعالي الصوت ينادي الشيخ أحمد ياسين في ذكرى استشهاده السادسة، أبناء الشعب الفلسطيني كلهم، في الوطن والشتات، أن يكونوا جميعاً صفاً واحداً، وأن يلتقوا على خيار المقاومة والعودة والتحرير، وأن ينأوا بأنفسهم عن كل أسباب الخلاف والشقاق والخصومة والعداوة، وأن يدركوا أنهم بحاجةٍ إلى الوحدة والاتفاق، وأنها سبيلهم إلى الحرية والاستقلال، وبدونها سينجح شارون الراقد في فراشه، في تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني، وضياع حلمه، وسيتمكن من تحقيق أهدافه، وترسيخ أقدامه، فالعدو الإسرائيلي يستغل الخلافات الفلسطينية، وينفد منها لتنفيذ أهدافه، والوصول إلى غاياته، وكأني بالشيخ أحمد ياسين ينادي فصائل المقاومة الفلسطينية لتتحد، والشعب الفلسطيني ليقف خلف خيار المقاومة، والأمة العربية والإسلامية للقيام بدورها وواجبها في نصرة الشعب الفلسطيني، وفي الدفاع عن مقدساته وحرماته، وأن يهبوا جميعاً لنجدة المسجد الأقصى المبارك من محاولات التهويد، والقدس من مساعي السيطرة والقضم والاستيطان.
أيها الشيخ الأجل مكانةً، والأسمى منزلةً، في يوم ذكراك لك من شعبك كل تحية، ومن الأمة كل تقدير، وعهداً لك سنمضي على الطريق، وسنواصل المشوار، وسنسير على ذات الدرب، فأنت مع الخالدين، ومن سار على دربك هو وحده من الناجين، ومن خالف درب الجهاد والمقاومة، لا محالة هو ومن معه من الهالكين، فسلام الله عليك ومن معك في الخالدين.

الجمعة، مارس 19، 2010

القدس تستصرخ الخراب

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
إن كان الإسرائيليون قد وضعوا حجر الأساس لكنيس الخراب في الشطر الشرقي من القدس، وعلى مقربةٍ من حائط البراق المقدس، فإن هذا لا يعني أنه لم يسبق لهم أن اعتدوا على حرمة المسجد الأقصى، أو أنهم لم يقترفوا جرائم ضد القدس وسكانها على مدى أكثر من ستين عاماً، وأن هذه هي جريمتهم الأولى ضد الفلسطينيين ومقدساتهم، ولكنهم بتدشين كنيس الخراب يعلنون عن خوضهم المعركة الأخيرة ضد العرب والمسلمين على المسجد الأقصى وساحاته، وعلى مدينة القدس وأحياءها، فهذا الكنيس الذي بان للعلن فجأة لم يكن وليد الساعة، كما لم يكن نتيجة سياسات حكومة نتنياهو اليمينية فقط، وإنما هو نتاج الحكومات الإسرائيلية السابقة، حكومات اليمين والوسط والعمل معاً، الذين سهلوا جميعهم بناء الكنيس، وتحقيق نبوءة حاخامٍ يهودي قبل أكثر من مائة وخمسين عاماً، قد رأى في منامه أن اليوم التالي لتدشين كنيس"ها حوربا" سيكون اليوم الأول في مرحلة استعادة الهيكل الثالث، وقد بدأ الإسرائيليون العمل لزرع الكنيس أمام قبة الصخرة المشرفة، آخذاً شكلها وهيئتها، قبل أكثر من خمس سنوات، ليباشر سدنة الهيكل في الإعداد للمرحلة الأخيرة لبناء الهيكل المزعوم، والذي يعني هدم المسجد الأقصى، لأنه لا مكان لهيكلٍ ومسجدٍ في آن، فإما المسجد وإما الهيكل، ويزعم حاخامات اليهود أن قواعد هيكلهم هي تحت المسجد الأقصى المبارك، وأنه لا سبيل لاستعادة الهيكل، إلا بتقويض المسجد الأقصى، والكشف عن القواعد التاريخية للهيكل.
وقد أقر الاحتلال الإسرائيلي بناء كنيس الخراب عام 2001، ورصدت له ميزانية بقيمة 12 مليون دولار، تقاسمتها الحكومة ومتبرعون من يهود العالم، وبدئ ببنائه في عام 2006، فور الانتهاء من وضع خرائط هندسية على أساس صور قديمة للكنيس قبل تهدمه عام 1948، ويطلق عليه اسم معبد "هاحوربا"، وكانت إسرائيل وفي قرار حكومي آخر، قد أوكلت مهام إدارة كنيس الخراب، إلى ما يسمى بـ"صندوق تراث المبكى"، وهي شركة تابعة للحكومة الإسرائيلية، تتابع شؤون حائط البراق بشكل مباشر من مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، وبحسب المزاعم الإسرائيلية، فإنه قد تم بناء كنيس الخراب في مطلع القرن الثامن عشر، ثم أعيد بناؤه في منتصف القرن التالي بعد خرابه، إلى أن تهدم عام 1948 خلال محاولة إسرائيلية لاحتلال القدس الشرقية، ومن هنا جاءت تسميته بكنيس الخراب، وقد أطلق عليه بعض حاخامات اليهود اسم "بيت ياكوف"، وبحسب المزاعم ذاتها فإن حاخاماً إسرائيلياً، عاش في العام 1750م، كتب متنبئاً أن يوم إعادة افتتاح كنيس الخراب، هو يوم بدء البناء في الهيكل الثالث المزعوم، وهو إيذانٌ بيوم الخلاص اليهودي، ولكن الحقيقة أن كنيس الخراب يقوم على بناء عثماني، وهو في الأصل مسجدٌ بني في ظل الخلافة العثمانية، ويقع ضمن الأبنية الإسلامية المجاورة للمسجد العمري التاريخي، المغلق منذ سنوات أمام المصلين، ويشاد الكنيس على أرضٍ وقف، وعلى حساب بيوت فلسطينية تابعة لحارة الشرف التي فشل الاحتلال بالاستيلاء عليها عام 1948، وفي عام 1967 تم هدم أغلب بيوتها، وإقامة حي استيطاني كبير سمي بـ"حارة اليهود" على حساب حي الشرف المقدسي.
ويستغرب المسؤولون الإسرائيليون من الهبة الجماهيرية الفلسطينية لسكان القدس وعموم فلسطين، ويرون أن الفلسطينيين يحملون الحادث أكبر من حجمه، وأنهم قد أججوا المجتمع الدولي ضدهم، وأنهم يحركون العالمين العربي والإسلامي ضد إسرائيل بغير وجه حق، وأن تصريحات الفلسطينيين أدت إلى توتير الأجواء، وإثارة الكراهية، وتهديد السلم في المنطقة، ولفت الأنظار عن ملف إيران النووي، الذي يهدد أمن المنطقة العربية قبل إسرائيل، حيث يسعى الإسرائيليون لتصوير تدشين الكنيس بأنه حادثٌ عادي، وأنه حقٌ يهوديٌ خالص، ولا يحق لأيٍ التدخل في شؤونهم الداخلية، ولكن الإسرائيليين يدركون أنهم يخططون لإزالة الحرم القدسي الشريف، وأنهم يتطلعون لأن يجعلوا من المسجد الأقصى صورةً مكررة عن الحرم الإبراهيمي الشريف، حيث أصبح لليهود فيه مكان أكثر مما للمسلمين، وقد أخذ اليهود يحيون مناسباتهم الدينية، واحتفالاتهم الاجتماعية داخل الحرم الإبراهيمي الشريف، ويحددون ساعات الصلاة فيه للمسلمين، ويحددون أياماً لا يسمح فيها للفلسطينيين بدخول المسجد، وأياماً أخرى لا يسمح للمسلمين بإقامة الآذان فيه، وقد رأى الإسرائيليون أن سياسة الخطوات المتدرجة التي اتبعوها في الحرم الإبراهيمي، قد حققت مرادهم، ومكنتهم من الدخول في المسجد، وتقسيم باحاته وساحاته، والسيطرة على بعض قبوره ومقاماته، وجعله يهودياً بكامل هيئته وطقوسه لأيامٍ عدة، فلا يعد يرى فيه غير اليهود بزيهم، والأطفال يوم ختانهم، والأزواج يوم عقد قرانهم، والمجندين لحظة قسمهم، والمجندات في ساعات تلقي التعليمات والإرشادات الدينية، والجنود ببنادقهم وأحذيتهم العسكرية، وتغيب عن الحرم كل المظاهر الإسلامية، صلاةً وآذاناً، وزيارةً وقراءةً للقرآن الكريم.
ما يجب أن ندركه نحن العرب والمسلمين أن هدم المسجد الأقصى غير مستبعد، وأن تدمير المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس أمرٌ ليس مستحيلاً، فلا نراهن على عقلانية الإسرائيليين، ولا على حرص الولايات المتحدة الأمريكية، ولا نركن إلى التخوفات الدولية من مغبة إقدام إسرائيل على خطوةٍ كهذه، فالإسرائيليون حرقوا المسجد الأقصى، وحاولوا نسفه وتدميره أكثر من مرة، وأطلقوا الرصاص على قبته المشرفة مراتٍ عديدة، ومازالت تنظيماتهم الإرهابية تخطط لتدميره ونسفه، كما أن الحكومات الإسرائيلية ماضية في الحفر تحت أساساته، وقد يأتي اليوم الذي ينهار فيه المسجد الأقصى، ولهذا نخطئ كثيراً عندما نستبعد احتمالاً إسرائيلياً كهذا، فلن يمنع الإسرائيليين عن القيام بهذه الجريمة استنكارٌ غربي، أو رفضٌ أمريكي، أو سخطٌ عالمي، أو امتناع ميتشيل أو غيره عن زيارتهم، أو الالتقاء بهم، كما لن يجبرهم على التراجع عن مخططاتهم قوة العرب، ولا سطوة المسلمين، فحال الاثنين مزري، وواقعهم أليم، وقدرتهم على الفعل محدودة، ويدهم عن الانتقام مكفوفة، وإسرائيل واثقة من عجزهم، مطمئنة إلى ضعفهم، وغير عابئة بردود فعلهم، ولا تبالي باستنكارهم، ولا تأبه بعالي صوتهم، ولا يضيرها جعجعة لا طحن فيها، وقد أعلن الإسرائيليون على لسان ايتامار بن جفير أحد زعماء المستوطنين، أن الاحتفال بتدشين كنيس الخراب رسالةٌ إلى البيت الأبيض، ولأوباما وللإدارة الأمريكية كلها، مفادها أننا نحن موحدون في القدس، والقدس لنا، وستظل لنا، وهذه الأمور يجب أن تقال بوضوح للإدارة الأمريكية، كل أرض إسرائيل ملكنا، والقدس لنا إلى الأبد.
أما الزعيم الروحي لحركة شاس الحاخام عوفاديا يوسف، فقد قال في عظته الدينية في تفسير السياسة التي ينبغي أن تدأب عليها الحكومة الإسرائيلية "في القدس لا يسكن سوى شعب إسرائيل، والسور يكرس قداسة المكان، ولا يسكن في المكان سوى اليهود، وكل الأغيار جميعاً سيأتي المسيح ويحرقهم كلهم، هكذا دفعة واحدة، ويلعن أباهم".
يخطئ الإسرائيليون عندما يعتقدون أن مزيداً من الممارسات القمعية، والإجراءات المشددة ستسكت الفلسطينيين، أو ستخيفهم، وأنها ستوقف مقاومتهم، وستجبرهم على القبول بواقعٍ تفرضه القوة، وتخطئ إسرائيل عندما تعتقد أن شرطتها التي تحتشد على بوابات المسجد الأقصى ستمنع المسلمين من أداء الصلاة في مسجدهم، وستخيفهم إجراءا ت القمع، وممارسات الذل والإهانة، ولكن ستبقى رحال المسلمين من كل مكانٍ تشد إلى المسجد الأقصى، طلباً للأجر، وحفاظاً على الهوية، وتأكيداً على عروبة وإسلامية الانتماء، وستبقى القدس وأهلها يثورون على محتليهم، وينتفضون على جلاديهم، سعياً للحرية والاستقلال، وستعطي القدس وفلسطين من دم أبناءها وشهداءها حتى تتحقق غايتها، وستواصل الثورة بدءاً من ثورة البراق وصولاً إلى كل الانتفاضات المقدسية من بعدها.
وعلى العالم أن يدرك أن إسرائيل تجر الفلسطينيين والمنطقة كلها نحو حربٍ دينية، وأنها تستفز المسلمين والمسيحيين معاً، فهذه الاعتداءات لا تطال الفلسطينيين وحدهم، ولا تستهدف سكان القدس دون غيرهم، إنما تستهدف المسلمين جميعاً، الذين يشعرون أن من واجبهم الدفاع عن القدس، ونصرة المسجد الأقصى المبارك، الذي هو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، إذ أن نصرته عباده، والدفاع عنه واجب، والقتال دونه فرض، والموت دفاعاً عنه شهادةً عند الله، إذ لن يحمي الأقصى إلا أهله، ولن يدافع عن القدس إلا المؤمنون بها.

السبت، مارس 13، 2010

ماذا تنتظر مصر؟

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

ما الذي تنتظره الحكومة المصرية لإنجاز المصالحة الفلسطينية، وقد مضى على حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي قرابة الأربع سنوات، ومازالت مصر تحتكر وحدها ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية، ولا تسمح لأي طرفٍ أياً كان بأن يتدخل في هذا الملف، أو أن يلعب دوراً في تحقيق المصالحة الفلسطينية، وتقف الأطراف الأخرى التي ترغب في المساهمة في ملف المصالحة الداخلية الفلسطينية باحترام أمام الوكالة الحصرية المصرية تجاه هذا الملف، فامتنعت دولة قطر التي نجحت في الوصول إلى مصالحة بين فرقاء السلاح السودانيين، والمملكة العربية السعودية التي رعت اتفاق مكة الشهير، وتركيا، عن القيام بدور الوساطة بين حركتي فتح وحماس، وتتردد ليبيا قبيل انعقاد القمة العربية في طرابلس عن المباشرة في مساعي المصالحة بين الطرفين احتراماً لمصر ودورها، رغم أنها تتمنى أن تشهد قمتها حدث المصالحة، وأن يسجل التاريخ لقمة طرابلس ما سجل من قبل لقمة الخرطوم، ولكن الجميع يدرك حساسية وأهمية الملف الفلسطيني تجاه مصر، ويدركون أن الحكومة المصرية تبذل قصارى جهودها للوصول بالفرقاء الفلسطينيين إلى بر الأمان، ولهذا يسلمون لها بالدور والتفرد.
وكما ترفض السلطة الفلسطينية وحركة فتح قيام أي طرف عدا مصر بلعب دور الوساطة في حل المشاكل الداخلية الفلسطينية، وتؤكد بأن الوسيط الحصري في هذه القضية هي الحكومة المصرية، فإن حركة حماس بدورها تحترم الموقف المصري، وترفض تدخل أي وسيطٍ آخر غيرها في ملف المصالحة، وتعترف لها بالتفرد، وقد أبلغت موقفها أكثر من مرة للحكومة التركية التي تحرص على أن يكون لها دور في ملف المصالحة الفلسطينية، رغم أن لديها القدرة على القيام بهذا الدور، وقد شهدت وساطتها في ملف المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، قدرتها على أن تلعب دوراً وسيطاً ونزيهاً في محاولتها فض النزاع بين الأطراف الفلسطينية، فضلاً عن علاقتها المتميزة بأطراف الخلاف، كما أكدت حركة حماس للقيادة الروسية على أهمية وجدية المساعي المصرية، وأنها لا تعتزم نقل ملف المصالحة إلى أي طرفٍ آخر بعيداً عن مصر، وأنها لا تريد استبدال راعي الحوار الفلسطيني بآخرٍ عربيٍ كان أو دولي، وأنها تحرص على أن تكون القاهرة هي العاصمة التي تشهد توقيع الاتفاق الفلسطيني.
ليست فتح أو السلطة الفلسطينية وحدها من يصر على ضرورة أن تقوم مصر بدور الوساطة بين الفرقاء الفلسطينيين، وإنما تؤكد حركة حماس تقديرها للجهود المصرية، وتحترم مساعيها، وتبرر حرصها على القيام بهذا الواجب، وترفض تجاوز دورها، أو إهمال جهودها، نظراً لترابط المصالح المصرية مع الجانب الفلسطيني، فإن كان هذا الملف يعتبر ملفاً فلسطينياً داخلياً، فإنه في الوقت نفسه ملفٌ مصريٌ بامتياز، لما ينعكس على الأمن القومي المصري، ويؤثر على الحياة العامة المصرية، وتدرك الأطراف الفلسطينية وغيرها، أن مصر وحدها هي القادرة على صنع الاتفاق الفلسطيني ورعايته، ولا يوجد دولة عربية غيرها مهمومةً بالملف الفلسطيني مثلها، وذلك بحكم تشابك المصالح والجوار وأبعاد الصراع التاريخي مع العدو الإسرائيلي، كما أنها تملك نفوذاً كبيراً على مختلف الأطراف الفلسطينية، ولا يستطيع أي فصيل فلسطيني أن ينأى بنفسه بعيداً عن مصر.
ولكن المصالحة قد تأخرت، وقد فشلت كل المقترحات التي تم تقديمها وعرضها، ولم تتمكن مصر من إقناع الأطراف الفلسطينية المختلفة بالاتفاق على موقفٍ واحد، وخلال فترة المراوحة في ذات المكان يدفع سكان قطاع غزة وحدهم ثمن عرقلة المصالحة الفلسطينية، وتزداد معاناتهم يوماً بعد آخر، وتتعقد أمامهم سبل الحياة، وقد زاد الجدار الفولاذي الذي بني على حدود مصر مع قطاع غزة من بؤسهم، وفي كل يومٍ يسقط شهداء آخرون في قطاع غزة، بسبب الحصار الظالم المفروض عليهم، وتتعدد أشكال الشهادة والسبب واحد، فالمرضى المحرمون من العلاج والدواء يستشهدون، وجرحى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يعانون ثم يستشهدون، والعاملون في ظل التحدي في الأنفاق لجلب الغذاء والدواء لسكان قطاع غزة يقتلون تحت الأنفاق، وقذائف إسرائيل وصواريخها لا تتوقف عن قصف مناطق مختلفة في قطاع غزة، والغاز الذي يتسرب في الأنفاق من الجانب المصري يقتل أعداداً أخرى من بسطاء قطاع غزة، وأحياناً يقتل أخوةً أشقاء، وأبناء حيٍ واحد، كانوا قد تعاهدوا على العمل معاً، لكسب قوت يومهم، ولجلب الغوث لأهلهم، كلهم يقتلون في قطاع غزة بوسائل مختلفة، ولكن السبب يبقى دائماً واحد، وهو الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة، والذي يفرض على السكان المخاطرة والتحدي للبحث عن لقمة العيش.
ما الذي تنتظره مصر حتى تحقق المصالحة الوطنية الفلسطينية، فالأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تتدهور يوماً بعد آخر، ومعاناة الناس تزداد وتتفاقم، والظروف الاقتصادية في غاية السوء، ولا غذاء ولا دواء، ولا قدرة على السفر، ولا وسيلة يلجأ إليها الطلاب لمواصلة تعليمهم، ولا يستطيع الموظفون السفر لمزاولة أعمالهم، فكل جوانب الحياة معطلة، والناس في غزة والضفة متذمرة، وفي الشتات قلقة خائفة، والعرب والمسلمون المتضامنون مع الفلسطينيين يتطلعون بفارغ الصبر إلى اللحظة التي يلتقي فيها الأخوة، ويتصالح فيها شركاء الأرض والوطن، وفي الجانب الآخر يستفرد العدو الإسرائيلي بأهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية، فيقتل ويعتقل ويدمر ويخرب، ويواصل أعماله الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويستهدف بجرائمه المسجد الأقصى المبارك، فيحاول أن يستولي على باحاته وساحاته، وأن يتحكم في المصلين فيه والداخلين إليه، وكذا الحال في الحرم الإبراهيمي في مدينة خليل الرحمن، فلا أحد يتحمل أعباء تأخر الاتفاق سوى الفلسطينيين ومقدساتهم، فالقضية الفلسطينية التي أصبحت تتشوه صورتها يوماً بعد آخر هي التي تدفع ضريبة الخلاف، وتأخر الاتفاق، ولا يوجد غير مصر تستطيع أن تفرض على المتخاصمين وجوب الاتفاق، فهي وحدها التي تملك وسائل الضغط والنفوذ والإكراه، ولكننا نتمنى أن تكون وسائلها القاهرة على غير أبناء قطاع غزة المعدمين البسطاء.
فما الذي يمنع الحكومة المصرية من توجيه الدعوة إلى الفرقاء الفلسطينيين، وجمع شتاتهم من جديد، فليس هناك عذرٌ لتأخير اللقاء، ولا لتأجيل المصالحة، ولا حجة لأي طرف في التردد أو الإبطاء، فالفلسطينيون جميعاً يشرئبون بعيونهم نحو مصر، العريقة بتاريخها، العظيمة بأدوارها، لتعجل في اللقاء، ولتتجاوز العقبات، وتذلل الصعاب، ولتفسح المجال أمام كل الأطراف لإبداء رأيهم، وكل اللاعبين الدوليين الكبار والصغار لا يستطيعون تجاوز مصر، ولا تجاهل دورها ونفوذها، ويقدرون جهودها ومحاولاتها، ولكن لا بد لهذه الجهود من نتيجة، ولا بد لهذه المساعي من خاتمةٍ سعيدة، ولتجعل مصر قلبها رحباً لكل الأطراف، ولتصغِ لكل الآراء، إذ أن المصالحة على وضوح خيرٌ وأبقى وأضمن من التوقيع مع الغبن والغموض، وحتى لا تتكرر الصراعات، ولا نعود إلى أسباب الخلاف من جديد، فإن المصالحة تتطلب أن نبرأ الجراحات، وأن نعقم مكانها، وأن نحسن ضمادتها، وإلا فإن خراجها سيظهر من جديد، وستكون ويلاتها وآلامها أشد وأنكى من حالها الأول.

الأربعاء، مارس 10، 2010

المبحوح حياة نصر وشهادة فتح

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني


مضى محمود المبحوح شهيداً، ولكنه قضى علماً، وسما نجماً في عالمنا، ومازال اسمه يتردد رمزاً في زوايا الدنيا الأربع، وما زالت أصداء جريمة قتله تتردد بجديدٍ آخر في كلِ يومٍ في مختلف وسائل الإعلام، فشهادته باقية لم تبلى، وسيرته عطرةٌ لم تنسى، وتداعيات قتله لم تتوقف، ومخازي قاتليه لا تخفى، وجبن من نالوا منه تتكشف، ولعله انتقاء رباني له دون غيره، واصطفاء من الله له من خلقه، ليكون في شهادته علامةً فارقة في سماء الشهداء، ونقطة تحول في صراعنا مع الأعداء، ولينال في الدنيا بعض الثواب الذي حرمه في حياته، فصار اسمه علماً، وقصته حكاية، وأخباره متداولة، وصورته محفوظة، وكلماته المعدودة ترصع أيامه الأخيرة، لتكون له في حياته سجلاً وفي شهادته ذكراً.
حياة المبحوح كانت نصراً بحق، وعزاً بصدق، فما كان الشهيد يعرف الخنوع، ولم يكن يستسلم لليأس، وما عرف الاستكانة ولا الضعف، فقد كانت حياته مليئة بجوانب النصر التي كشفت جريمة قتله بعضها، وأماطت اللثام عن كثيرٍ منها، وسمحت لمن يعرف جوانبها بأن يسلط الضوء على بعضها، وفاءاً له، وإكراماً له ولذويه من بعده، فقد منح المقاومين عزاً، وأعطاهم ثقةً بأنفسهم، وكرس لديهم مفاهيم جديدة في المواجهة والقتال، وجعل من غزة ثكنة سلاح، يخشى العدو أن يدخل إليها، أو أن يجتاز شوارعها، وكان يفكر دوماً في وسائل للصمود جديدة، وكيف يجعل من غزةَ مدينةً تفوق في صمودها وثباتها أسطورة ستالينجراد، وقد كان على يقينٍ بأن لدى الفلسطينيين من العزم والإرادة ما يفتت جبروت ووحشية جيش الاحتلال، وما يجعل منهم مدرسةً جديدة متقدمة في عالم المقاومة والصمود.
ولم يكن الشهيد المبحوح يرى أن قوة الفلسطينيين تتحقق فقط في قوة حركة حماس التي اعتز بالانتماء إليها، والعمل في صفوفها، ولكنه كان يؤمن بقوة كل فصائل الشعب الفلسطيني، ويرى أن قوتهم هي قوة للمقاومة، وضعفهم ضعفٌ للمقاومة، فكان يعطيهم بعض ما يتوفر بين يديه من مالٍ وسلاح، ويزودهم بما يحتاجون إليه من سلاحٍ وعتاد، وييسر لهم سبل الحصول على ما ينقصهم، ولم يكن يشعر بغضاضةٍ في ذلك، بل كان يعتقد أن الصمود واستمرار المقاومة يتطلب تمكين كل القوى الفلسطينية بأسباب القوة والمنعة، دون اعتبارٍ لحزبيةٍ أو رابطةٍ تنظيمية، وهذا ما يفسر سر صداقته مع كثيرٍ من أبناء الفصائل الفلسطينية الأخرى، الذي استفاد منهم وأفادهم على مدى سنوات جهاده الطويلة.
حياة الشهيد محمود المبحوح شكلت مراحل نصرٍ للمقاومة، بما عرف الناس من صفحات جهاده وبما خفي عنهم، وما خفي عنهم أكثر بكثير مما تمكن عارفوه من أن يتحدثوا به عنه، ولعل رفعة حركة حماس، والمكانة التي تتمتع بها، لدى بعض الدول والحكومات، ما هي إلا نتائج بذورٍ طيبة زرعها الشهيد، وأشرف على ريها والعناية بها لسنين طويلة، ودأب على رعايتها والاهتمام بها طويلاً، وما كثيرٍ من الامتيازات التي تتمتع بها الحركة، سوى ثمرةً لجهوده، ونتيجةً لعمله، وما كان يسوؤه أن يعمل بصمت، وأن ينتج في الخفاء، بل جل ما كان يهمه أن تنعكس جهوده على الحركة المقاومة قوةً ورفعة، وما كان يضيره أنها قد لا تنعكس عليه منفعة أو مكسباً شخصياً، بل كان جل ما يهمه هو أن تستفيد حركته، وأن تقوى شوكتها، وأن تتعمق علاقتها، وأن تستفيد من قدرات المحيطين بها، دون أن يلتفت إلى من يجهل دوره، ومن ينكر جهده، رغم أن الكثير يعرف فضله، ويشهد بما قدم، ويعترف بأنه أنكر نفسه من أجل استمرار المقاومة لسنواتٍ طويلة من عمره.
فإن كان محمود المبحوح قد قضى زهرة حياته مقاتلاً مدافعاً عن فلسطين وأهلها، وقد كرس حياته لتبقى راية المقاومة خفاقة عالية نقيةً طاهرة، فإن شهادته كانت فتحاً لفلسطين كلها، وفخراً للفلسطينيين كلهم، فالعالم كله يتساءل ويستغرب، من هو هذا الرجل الذي جهزت له إسرائيل أكثر من ثلاثين رجلاً وامرأة لينالوا منه، ومن هو هذا الأسطورة الذي يتطلب قتله نشر فرقةٍ أمنيةٍ بكاملها حتى تجهز عليه، وتتعاون معهم ضده دولٌ بأكملها، فأظهرت شهادته جبن العدو وضعفه، وبينت أنه يستظل بغيره ليواجه، ولولا جوازات السفر الأوروبية التي حملها مجرموه لما تمكنوا من دخول دبي، ولما استطاعوا الوصول إليه، وهو الذي طاردهم لأكثر من ثلاثين سنة، ولم يتمكنوا من الوصول إليه، أو الحد من نشاطه.
وقد سجلت شهادة المبحوح لإمارة دبي وشرطتها فتحاً ما عهده العرب من قبل، فأثبت العرب قدرتهم على الملاحقة والمتابعة، وكشفوا عن شجاعتهم وجرأتهم في كشف المحاذير، وإماطة اللثام عن الأسرار، وكشف حقيقة الأشرار، دون خوفٍ أو ترددٍ أو حسابٍ لتهديدٍ أو تنبيه، ففتحت علينا شهادة المبحوح باباً من أبواب العزة، أن أسوارنا عالية، وأن عيوننا مفتوحة، وأننا بالمرصاد لكلِ من تسول له نفسه النيل منا، والتطاول علينا، ومن بركات شهادته أنها مكنت دولة الإمارات العربية المتحدة، ورئيس شرطة دبي، من بيان تفوقهم وتميزهم، ومن الإفصاح عن مهنيتهم وشفافيتهم في العمل، مما أدهش العالم كله قدرة دبي على كشف خيوط الجريمة، وفضح كل شخوصها في ساعاتٍ معدودة.
كما أن شهادة المبحوح قد وضعت كل أوروبا في موضع الشك والريبة، وجعلتها في دائرة الاتهام والتآمر، وحملتها المسؤولية عن جرائم العدو وتجاوزاته، فأصبحت الحكومات الغربية تتعثر في خطاها، ولا تعرف كيف تخرج من المأزق الذي وضعتها فيه إسرائيل، فشكلت طواقم تحقيق، واستدعت السفراء والقناصل الإسرائيليين المعتمدين لديها، وبعضهم استخدم لغةً خشنة في مخاطبة الحكومة الإسرائيلية، وبدأت مع الحكومة الإسرائيلية بوادر أزماتٍ دبلوماسية مع العديد من الدول الأوروبية وأستراليا، وأصبح من الصعب على الحكومات الأوروبية أن تدافع عن دورها في الجريمة، وأن تتملص من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عما ارتكبته إسرائيل بحقنا، مما دفع العديد من المسؤولين الأوروبيين للمباشرة في ترتيب زيارة غزة، للاطلاع على حقيقة الأوضاع التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، وبدأت المفوضية الأوروبية في التحرك، وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عزمه زيارة غزة، وكذلك مفوضية الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، وامتنع العديد من وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي عن لقاء وزير خارجية العدو الإسرائيلي، ولم يسمعوا لتبريراته، ولم يلقوا بالاً لمحاولته الإنكار، ونفي وجود اتهام حقيقي للموساد الإسرائيلي في جريمة اغتيال المبحوح.
وفي غزة كان عرس الشهيد الأكبر، حيث تغنت مآذن الوطن وهي تزف إلى أهل فلسطين بصوتٍ واحد، ونبرة تحدي صارمة، نبأ استشهاده، وفي بيته الذي دمره الاحتلال في حي تل الزعتر بمخيم جباليا، كانت هناك زحوفٌ من المهنئين، وجحافل من المقاتلين، كلها قد أمت بيت الشهيد، تقدم التهاني والمباركة لذويه، ولكنها كانت بين ثنيا الكلمات تحمل العزم على الانتقام، واليقين بالنصر.
وفي بيروت ودمشق وغيرهما من العواصم العربية، جاء الآلاف من الفلسطينيين والعرب، ممن لا يعرفون المبحوح ولم يكونوا قد سمعوا عنه، ولكنهم عرفوه بآثاره، وسمعوا عن أفعاله، فجاءوا من كل حدبٍ وصوب، يقدمون التهنئة لحركة حماس، إذا فيها رجالٌ كأبي الحسن، همهم المقاومة، وحلمهم الاستشهاد، فكان عرس الشهيد على مدى الأيام، ينتقل من بيتٍ إلى بيت، ومن مدينة إلى أخرى، كلها إلى حركة حماس تتقدم بأسمى آيات الفخر والاعتزاز، وإلى إخوانه وأصدقاءه الذين اندسوا بين الصفوف، والدموع تملأ مآقيهم، والحزن يسكن قلوبهم، أن المبحوح هو شهيدهم جميعاً، قبل أن يكون شهيد فلسطين.
أيها الشهيد الحبيب أبو الحسن، لست أبالغ إذا شبهتك بالفاروق عمر بن الخطاب، فأنت صنوه وشبيهه، قوةً وغيرةً وعنفاً وعدلاً وصدقاً، فإن كان الأول إسلامه عزاً، وهجرته فتحاً، وخلافته عدلاً، وسيرته عبقةٌ يحبها ويعشقها المسلمون جميعاً لما حوت من قصص وحكايا العدل والقوة والعزة والكرامة، فإن حياتك أيها الشهيد كانت نصراً، وشهادتك لفلسطين وحماس معاً أضحت فتحاً، فقد أذللت الاحتلال في حياتك، وأغظته في شهادتك، ورفعت رأس شعبك في حياتك صموداً وكرامة، وجعلته يزهو بك ويفخر بعد شهادتك، فإلى جنان الخلد أيها اللواء، يا حاملاً لواء المجد، ورافعاً راية النصر، أيها المزمجر والمرعد صوتاً وإرادة، يا أسداً كنت للوغى سيداً، وهزبراً كنت في الميدان قائداً، نودعك اليوم، ولكننا على يقين أننا سنلقاك غداً في جنان الخلد عند مليكٍ مقتدر، وفي صحبة خير خلق الله محمدٍ وصحبه، وسنجدك معنا هنا في ساحات الوغى، وميادين القتال، وقد حملت أجيالاً من بعدك الأمانة التي صنتها وحافظت عليها، وسيحافظ عليها من بعدك رجالٌ، وسيحملونها كجعفر بن أبي طالب مهما نالت منهم القذائف والصواريخ، ومهما تآمر عليهم العدو وحاول أن يسقط من بين أيديهم الراية الخفاقة التي في ظلها نعيش.

الجمعة، مارس 05، 2010

دم المبحوح لعنةٌ تلاحق الحكومات الأوروبية

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

لم يخسر الفلسطينيون وحدهم عندما اغتالت إسرائيل محمود المبحوح في دبي، فإن كان الفلسطينيون قد فقدوا مقاتلاً صلباً، ورجلاً عنيداً، ومقاوماً لا يلين، فإن الشعب الفلسطيني قد تعود على تقديم الشهداء، وقد رضي بقدره أن يكون شعباً مقاوماً، وقد قدم خلال سني نضاله على مدى قرنٍ من الزمان عشرات آلاف الشهداء، وقتل منه آلاف في ميادين المواجهة، ومئاتٌ آخرون نالت منهم إسرائيل غدراً وغيلة، ولم يوقف مقاومته سيل الدماء، ولا كثرة الشهداء، ولم يمنعه من مواصلة جهاده بطش العدو، ولا صلف الاحتلال، وقد اعتاد الفلسطينيون أن يعوضوا شهداءهم، وأن يستلم الراية مقاومٌ عن شهيد، فلا تسقط الراية، ولا يتوقف الجهاد، وقد أثبت الفلسطينيون قدرتهم الفائقة على مواصلة حمل الراية، فلا يتعطل الجهاد بشهادةِ قائد، ولا تسقط الراية بغيابِ مجاهد، ودائماً يكون دم الشهداء وقود المراحل التالية، فتشعل دماؤهم الثورة في قلوب الملايين، وتجيش في نفوسهم العزم على مواصلة ذات الطريق، وربما خسر الفلسطينيون بشهادة محمود المبحوح رجلاً تشهد لها ساحات القتال بشدته ورجولته وعزمه ومضاءه وعطاءه وحبه لوطنه وشعبه، وتشهد غزة بصموده وفضله، ولكن خسارتنا مؤقتة، فجهادنا موصولٌ غير مقطوع، وغداً سيكون من بيننا مبحوحٌ آخر، أصلب وأقوى، وعلى العدو أشد وأنكى، وسيلحق بالاحتلال خسائر لم يكن يتوقعها، وسيكون له بصماتٌ على المقاومة أبلغ وأقوى، وعندها سيندم الإسرائيليون على ما جنت أيديهم، فالمبحوح ليس إلا تلميذ صلاح شحادة، الذي واصل طريقه وطور عمله، وسيكون تلاميذته من بعده أكثر براعةً منه، وأشد هولاً من التوقعات والحسابات الإسرائيلية، والتاريخ خير شاهدٍ، وإن غداً لناظره قريب.
أما الخاسر الأكبر إلى جانب إسرائيل التي تفقد كل يومٍ هيبتها العسكرية والأمنية، والتي لا يعني قتلها المبحوح أنها نجحت في مهمتها، فلا أقل على فقدانها لهيبتها وقدرتها أنها احتاجت لقرابة ثلاثين رجلاً وامرأة للنيل من المبحوح، وما كانت لتنال منه لولا أنه خدرته وأفقدته القدرة على الحركة، تبقى أوروبا هي الخاسر الأكبر، وأكثر المتضررين هم مواطنو الدول الأوروبية، الذين كانوا يحظون بمعاملةٍ خاصة ليس فقط لدى دخولهم دبي، وإنما عند دخولهم إلى جميع الدول العربية، حيث يدخل كثيرٌ منهم إلى الدول العربية دون تأشيرة دخول، وبعضهم الآخر يحصل على تأشيرة الدخول في المطار أو في المعابر الحدودية، كما يمنحون في الغالب إقامة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، ويحظون برعايةٍ خاصة من حكومات البلاد العربية، الذين يحفظون أمنهم، ويسهرون على راحتهم، ويحولون دون أي محاولة للنيل منهم، أو خداعهم، أو استغلالهم، وتحرص الأجهزة الأمنية للدول العربية دون اعتقال أو حجز أي أجنبي، خاصةً رعايا الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وتقوم عند وجود أي مخالفة بالتنسيق مع قناصل وسفارات المخالفين الأجانب، لئلا تقلق راحتهم، أو تعرضهم للازعاج.
كما يحرص مواطنو الدول العربية على تقديم العون لرعايا الدول الغربية، الذين يفدون إلى بلادنا، ويجولون في مدننا ومخيماتنا وقرانا، فيستضيفونهم، ويدخلونهم بيوتهم ومساكنهم، ويوفرون لهم كل سبل الراحة، ولا يسمحونٍ لأيٍ كان بأن يعكر عليهم صفو زيارتهم، أو أن يثير حولهم الشبهات، وأن يتهمهم بغير البراءة، رغم أنهم يحرصون على التقاط الصور التذكارية لهم في كل مكان، ومع كثيرٍ من الناس، الصغار والكبار، النساء والرجال، فكثيرٌ منهم يحمل معه كاميرا خاصة به، ووسائل أخرى للتسجيل والتدوين، ويزورون أماكن ومواقع يصعب على الاحتلال الإسرائيلي الوصول إليها، ولكن مواطني الدول العربية لا يشكون فيهم، ولا يتهمونهم بسوء النية، بل يسهلون لهم مهماتهم سواء بمقابلة الناس، أو بزيارة بعض المناطق، ويرافقونهم في جولاتهم، ويصطحبونهم في زياراتهم، دون أدنى إحساس بالخوف أو القلق.
أما الآن، وبعد جريمة اغتيال الشهيد محمود المبحوح، التي قام بها إسرائيليون يحملون جوازات سفر أوروبية، وقد قدموا من أوروبا، وهم يعرفون أنهم سيلقون من السلطات في دبي كل رعايةٍ واهتمام، وأنهم لن يجدوا منهم أي عقباتٍ أو صعاب، بل إن حكومة دبي ستحافظ على حياتهم وسلامتهم وأمنهم الشخصي، فماذا يتوقع مواطنو الدول الأوروبية من العرب والمسلمين بعد هذه الجريمة، هل ينتظرون منا أن نعاملهم بذات السذاجة التي كنا نلقاهم بها، أم هل ينتظرون منا أن ننظر إلى زياراتهم وأسئلتهم واهتماماتهم بكل براءةٍ وحسن نية، وهل يتوقعون منا أن نبش في وجوههم، وأن نبتسم لهم، وهم الذين سهلوا للإسرائيليين دخول بلادنا، والعبث بأمننا، والنيل من رجالنا، واستغلال كرم ضيافتنا، وحسن خلقنا، وبشاشتنا للضيوف، فسمحوا لهم باستغلال التسهيلات الممنوحة لهم، فاستخدموا جوازات سفرهم، وانتحلوا أسماءهم، وانطلقوا من عواصم بلادهم، وعادوا بعد ارتكابهم جريمتهم إليها وإلى غيرها، وما كان للإسرائيليين أن يدخلوا بلادنا، وأن يعيثوا بها فساداً، فضلاً عن قيامهم بجرائم قتلٍ فيها، لولا جوازات السفر الأوروبية التي يحملونها، والتي يسرت لهم دخول البلاد، والتجوال فيها.
رغم أن الذين ارتكبوا جريمة اغتيال المبحوح، كانوا يحملون جوازات سفر أوروبية، واستطاعوا أن يخدعوا المواطن العربي، إلا أننا نعتقد أن غالبية مواطني الدول الأوروبية وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، يرفضون هذا السلوك، ويستنكرون ما قامت به إسرائيل واستغلالها جنسية بلادهم، ويعتقدون أن إسرائيل قد أفسدت ود علاقتهم بالعالم العربي، واستطاعت أن تزرع بذور الشك وعدم الثقة في كثيرٍ ممن يحملون جوازات سفرٍ أوروبية، وجعلت اللقاء مع رعايا الدول الغربية محل شبهة، ومثار شكٍ وتساؤل، فقد أبدت بعض الحكومات العربية رغبتها في فرض إجراءاتٍ مشددة ضد دخول الأجانب إلى بلادها، ومنها ضرورة الحصول على تأشيرةٍ مسبقة لدخول البلاد، وتصوير كل الداخلين، وتحديد وجهة إقامتهم، وغاية زيارتهم، وغيرها من الشروط التي تحقق للدولة نوعاً من الطمأنينة التي سببت إسرائيل في فقدانها، ولم تعد مصالح الاستثمار، والرغبة في تنشيط عجلة الاقتصاد مدعاةً للتساهل في الإجراءات والضمانات الأمنية، ولم يعد مقبولاً التفريط في أمن وسلامة المواطنين العرب وضيوفهم، حتى ولو كان الثمن فقدان بعض فرص الاستثمار، وهروب بعض رؤوس المال، مع التأكيد على المعنى القرآني لدينا أنه "ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى".
على حكومات الدول الأوروبية أن تستدرك الخطأ الذي ورطتها فيه إسرائيل، فقد زجت بها وبمواطنيها في دائرة الاشتباه، وجعلت من الصعوبة استعادة الثقة، وقد تسبب لها أزماتٍ دبلوماسية مع كثيرٍ من الأنظمة العربية، فعليها بعد أن أعلنت شرطة دبي بالدليل القطعي أن المتهم بقتل محمود المبحوح هو الموساد الإسرائيلي، الذي استغل جوازات سفر أوروبية في تنفيذ جريمته، وبناءاً عليه فإن عليها أن تجابه إسرائيل، وأن تضع حداً لتصرفات الحكومات الإسرائيلية، ليس فقط فيما يتعلق بعمليات التصفية والاغتيال، وإنما فيما يخص جرائمها اليومية بحق الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية في الأرض المحتلة، فإذا أرادت أوروبا أن تكفر عن هذه الجريمة، فإن عليها أن تنتصر لحقوق الشعب الفلسطيني، وأن تقف بقوة ضد الممارسات الإسرائيلية الجائرة بحق شعبنا الفلسطيني، وهذا أقل ما يمكن أن تقدمه لنا إزاء هذه الجريمة النكراء، إذ أن الدول الأوروبية تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية إزاء هذه الجريمة، كما تتحمل بريطانيا المسؤولية التاريخية تجاه قضيتنا، ولن يتمكن شعبنا وأمتنا من تجاوز هذه المسؤولية دون خطواتٍ حقيقية من قبل الحكومات الأوروبية، تتجاوز الإدانة والاستنكار، وتصل إلى حد تهديد إسرائيل، ومطالبتها بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، والكف عن انتهاك حقوقه ومقدساته، وبغير ذلك فإن الدول الأوروبية ستكون متهمة، ومحل اشتباه، بل قد تكون متواطئة وعلى علمٍ مسبق بالجريمة الإسرائيلية وبموافقتها، وحينها ستكون الحكومات الغربية هي الخاسر الأكبر، وسيبقى دم المبحوح لعنةً تلاحقهم في كل مكان.

الثلاثاء، مارس 02، 2010

عزام الأحمد والغيرة على القانون

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
ليست هذه هي المرة الأولى التي يطلع علينا فيها عزام الأحمد بتصريحاتٍ غريبة، ومواقف غير مفهومة، إذ عودنا دائماً على مثل هذه التصريحات العجيبة، التي يحلو له أن يطلقها في أسوأ الظروف التي يواجهها الشعب الفلسطيني، وفي أوقاتٍ يسعى فيها الفلسطينيون نحو الوحدة والاتفاق، لمواجهة التحديات والصعاب التي تواجه شعبنا وقضيتنا، ويحار الفلسطينيون في فهم هذه التصريحات، ومعرفة كنهها ومدلولاتها ومغزاها، ومن المستفيد منها، ولماذا تصدر دوماً في الأوقات الحرجة، وهل تصدر عن عزام الأحمد شخصياً، بمعنى أنها تعكس آراءه ومواقفه الشخصية، أم أنها تعبر عن موقف كتلة حركة فتح البرلمانية، بحكم أنه رئيس كتلتها البرلمانية، أم أنها تعبر عن موقف رئيس السلطة الفلسطينية، خاصةً أن تصريحاته تكثر دوماً في المنعطفات الصعبة، وفي ظل المراحل الخطرة، وقبيل بدء الحوار الوطني الفلسطيني، أو في ظل التهيؤ لمواجهة تحديات الاحتلال الإسرائيلي، وهي تصريحات توتيرية تحريضية، تزيد في احتقان الشارع الفلسطيني، وتؤسس لعداواتٍ وخصوماتٍ جديدة.
أليس من حقنا أن نتساءل لماذا غضب الأحمد وثار عندما علم بدعوة الدكتور عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، لعقد جلسة خاصة لأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني بشقيه في الضفة الغربية وقطاع غزة، لمناقشة تداعيات القرارات الإسرائيلية الأخيرة، القاضية باعتبار الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، ومسجد بلال في بيت لحم مناطق أثرية يهودية، أما كان من الأجدر به أن يثور ضد إسرائيل، وضد حكومتها اليمينية المتطرفة، أو أن يثور ضد الداعين إلى التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي، والداعين إلى التسليم بالإجراءات الإسرائيلية، والذين يبدون استعداداً واضحاً للتنازل عن كثيرٍ من الحقوق الفلسطينية لصالح العدو الإسرائيلي، بينما يتصلبون في مواجهة إخوانهم وشركاءهم في القضية والوطن، ألم يكن أنسب للأحمد أن يثور ضد الممارسات الأمنية القاسية التي تمارسها أجهزة السلطة في رام الله ضد أبناء الشعب الفلسطيني، ألم يكن من الأنسب أن يجتمع الفلسطينيون بصفتهم نواباً عن الشعب الفلسطيني ليناقشوا أبعاد ومخاطر السياسات الإسرائيلية ضد المقدسات الإسلامية، ألم يكن من المتوقع أن تخدم هذه الجلسة الحوار الوطني الفلسطيني، وأن تهيئ الأجواء للقاء الوطني بين فصائل الشعب الفلسطيني، خاصةً أن الكثير من المراقبين والمتابعين قد رأوا أن هذه الجلسة البرلمانية ستكون الأولى الجامعة لكل الأطراف منذ منتصف العام 2007، وأنها لو عقدت فإنها ستنقي الأجواء الشعبية الفلسطينية، وستخلق أجواء ثقة متبادلة بين الفلسطينيين، وستخفف من حالة الاحتقان الشديدة بين الفرقاء الفلسطينيين، فماذا كان سيخسر عزام الأحمد لو عقدت هذه الجلسة، ألم يكن متوقعاً أن يصدر عنها إدانة لإسرائيل، أو دعوة الشعب الفلسطيني للثورة على الممارسات الإسرائيلية، والقيام بانتفاضة جديدة أشبه بانتفاضة الأقصى عام 2000، ألم يكن من المتوقع أن يدعو المجلس التشريعي الفلسطيني لو عقد جلسته، الأمة العربية والإسلامية لرفض السياسات الإسرائيلية، وتحريض المجتمع الدولي للوقوف ضد سياسات إسرائيل التعسفية، ولعل عزام يدرك قبل غيره أن المجلس التشريعي الفلسطيني لن يزيد في حدة الانقسام بين أبناء الوطن الواحد، ولن يتطاول أعضاؤه على رئيس السلطة الفلسطينية، ولن ينزعوا عنه صفة الرئاسة التي يتمسك بها، في حين أن تصريحاته التي تفتقر إلى الحكمة والعقل تزيد في تشتيت الشارع الفلسطيني، وتضيف خلافاتٍ جديدة إلى خلافاته القديمة.
ترى من المسؤول عن إغلاق بوابات المجلس التشريعي في مدينة رام الله، أهو عزام الأحمد صاحب التصريحات الرعناء، وقد نقل محتجاً بالقانون الذي ينتهكه ويخترقه شخصياً موقف حركة فتح القاضي بالمقاطعة، واعتبر أن الدكتور عزيز دويك غير ذي صفةٍ شرعية، وأنه لا يملك الصفة الشرعية للدعوة لعقد هذا اللقاء، أم أن السيد محمود عباس هو الذي أصدر أوامره إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية في رام بضرورة إغلاق قاعات وباحات المجلس التشريعي، ومنع انعقاد الجلسة التي دعا إليها رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، والتي تهيأ لها كل أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، علماً أن السيد محمود عباس قد انتهت مدة ولايته الدستورية، ولم يعد بحكم القانون الفلسطيني رئيساً للسلطة الفلسطينية، أي أنه لا يملك الصفة الشرعية لدعوة المجلس التشريعي للانعقاد في دورةٍ عادية أو طارئة، كما لا يملك حق الاعتراض على دعوة رئيس المجلس التشريعي لقد دورة عادية أو طارئة، وقد تكون شرعية المجلس التشريعي الفلسطيني ورئيسه أكثر قانونيةً من شرعية الرئيس، ذلك أن ولاية المجلس التشريعي الفلسطيني تمتد إلى حين انتخاب المجلس التشريعي الجديد وأداء القسم، في حين أن ولاية رئيس السلطة الفلسطينية منصوصٌ عليها بأربع سنواتٍ حكماً وقد انقضت.
وإني أدعو السيد عزام الأحمد أن يستقرئ رأي الشارع العربي والفلسطيني، وأن يتعرف على رأي المواطن العربي في تصريحاته، ليعرف حقيقة مواقفه، وليقف على أثر تصريحاته ومواقفه على شعبنا الفلسطيني، وليعرف من الشارع الفلسطيني من هم الذين يتآمرون على القضية الفلسطينية، وسأكون مع عزام الأحمد صادقاً وناصحاً، وأخبره أن معظم أبناء شعبنا وأمتنا يغلقون أجهزة التلفاز عندما يكون الضيف أو المتحدث هو عزام الأحمد، إذ لا يحبون الاستماع إلى وجهة نظره، ولا الإصغاء إلى رأيه، ذلك أنه فضلاً عن أنه يسيء دائماً إلى صورة شعبنا الفلسطيني، ويحاول جاهداً أن يرسم صورةً شوهاء لشعبنا وقضيتنا، فإنه لا يحسن التعبير، ولا يتقن انتقاء المفردات، ويتعثر بالكلمات التي لا يعرف كثيراً معناها أو مدلولها، ويعمد إلى استخدام الكلمات السوقية، والمفردات التي تثير النعرات وتخلق الفتن، كما أنه متقلب الرأي، ويتراجع عن كثيرٍ من تصريحاته، وينكر بعض ما ينسب إليه، ويختلف مع فريقه، ومع من هم حكماً من صفه، فينازعهم السلطات، ويختلف معهم على الصلاحيات، ولو استطعت أن أكون معه صريحاً أو جريئاً، لأخبرته عن اسمه الذي يتداوله الناس، أو اللقب الذي ينادونه به عندما يرونه على شاشات التلفاز، أو عندما يستشهد برأيه في الحوارات والنقاشات، وأعتقد أن الكثير ممن حوله يعرفون رأي الشارع الفلسطيني فيه، وكيف ينظرون إليه، وهل يقدرون مواقفه أم يستهزؤون بها.
بكل صراحةٍ ووضوح فإن أقل ما يقال عن هذه التصريحات أنها تصريحاتٌ تحريضية وغير مسئولة، وتفتقر إلى الحكمة والعقل، ولا تنم عن حسٍ وطني، ولا عن وعيٍ سياسي، ولا تعبر عن حاجة شعبنا، ولا تنسجم مع مصالح أهلنا، ولا تخدم قضايانا الوطنية، وهي تصريحاتٌ تهدم أكثر مما تعمر، وتؤخر ولا تقدم، ومنها يستفيد العدو ويبني عليها، فتصريحاته دعوةٌ مفتوحة لاستمرار الانقسام وتعميقه، وهي تقضي على كل فرصة للتفاهم واللقاء، وتحول دون نجاح أي مسعىً للمصالحة والاتفاق، وهو لا يحرض على الفتنة بين الأخوة فحسب، وإنما يؤلب مصر على حماس وعلى سكان قطاع غزة، فعلى السيد عزام الأحمد ومن يعمل له أو عنده، أن يضع حداً لكل هذه التصريحات، وأن يتوقف عن إطلاق مثل هذه المواقف، لأنها تضر بمصالح شعبنا، ولا تخدم سوى الاحتلال ومن يعمل له.

السبت، فبراير 20، 2010

هنيئاً لحاكم دبي ورئيس شرطتها

د. مصطفى يوسف اللداوي

من أعماق قلوبنا نهنئ سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم إمارة دبي، والفريق ضاحي خلفان رئيس شرطة إمارة دبي، ومن قبل نهنئ سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، على النتائج المبهرة والسريعة للتحقيقات المسؤولة والأمينة في جريمة اغتيال الشهيد محمود المبحوح في فندق روتانا البستان في دبي يوم 19 يناير 2010، في سابقةٍ أولى غير معهودة في عالمنا العربي، إذ لم يسبق أن قامت دولةٌ تم استهداف مقاومين على أرضها، من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي، بكشف تفاصيل الجريمة، وفك خيوطها، وتحليل تفاصيلها، وإعلان نتائج التحقيقات، والإصرار على توجيه الاتهام للمشتبه بهم أياً كانوا، والاستعداد بالتعاون مع الإنتربول الدولي على إصدار مذكرات توقيف جدية بحق المتهمين، الضالعين في الجريمةِ تخطيطاً وتنفيذاً، وأولئك الذين قاموا بإصدار أوامر الاغتيال، أو صادقوا بالموافقة على تنفيذها.
قد تكون هذه هي المرة الأولى التي تقوم بها دولةٌ عربية بفضح جهاز الموساد الإسرائيلي، والكشف بالأدلة والبراهين عن تورطه في جريمة الاغتيال، رغم أنه المتهم دوماً ولا متهم لدينا غيره، فجرائم الموساد الإسرائيلي في بلادنا العربية كثيرة، وهي لا تقتصر على عمليات الاغتيال والتصفية، وإن كان هذا هو تخصصه الأساس الذي عرف به، فقد ارتكب جرائم اغتيالٍ وتصفية في العديد من العواصم العربية والغربية، ولكن التحقيقات كانت تتوقف دوماً عند اتهام جهاز الموساد الإسرائيلي بالقيام بالجريمة، وكانت الجهات المقصودة تكتفي بالإعلان أننا سنرد على الإسرائيليين في الزمان والمكان المناسبين، ولكن أحداً لم يتمكن من فك أسرار عمليات الموساد كما فعلت دبي، كما لم يتمكن أحد من وضع الدولة العبرية في مثل هذه الظروف المحرجة لها دولياً، وخاصةً لدى حلفاءها، فقد باتت إسرائيل تتخوف من قطف الثمار المرة لجريمتها.
راهن كثيرون على نزاهة التحقيقات في دبي، وأنها لن تقيد الجريمة ضد مجهول، ولن تكتفي بالإعلان عن أن جهاز الموساد الإسرائيلي متورطٌ في هذه الجريمة، أو أنه هو الذي ارتكبها، ولن تقف عاجزة مكتوفة اليدين إزاء هذا الخرق الإسرائيلي لسيادتها، وقد ظن البعض أن إمارة دبي من الضعف بمكان لأن تقف عاجزة أمام هذه الجريمة، وأنها لن تقوى على مواجهة جريمة استباحة العدو الإسرائيلي لأرضها وسيادتها وأمنها، وأنها ستخضع للإملاءات والتوجيهات الأمريكية والغربية، وأنها لن تمضي قدماً في أعمال التحري والمتابعة، وقد طالب البعض بضرورة إشراك أطراف أخرى من أجل ضمان جدية التحقيقات، وضمان معرفة تفاصيل وحيثيات الجريمة، وقد ظن البعض أن دبي لن تكون جادة في تحقيقاتها، وذلك حرصاً منها على سمعتها الاقتصادية، ومكانتها الاستثمارية، ولكن وقائع التحقيقات أثبتت أن دبي ورئيس شرطتها أنهم أقدر على حماية أمنهم من غيرهم، وأنهم لن يسمحوا لإسرائيل وغيرها أن تعبث بأمنهم واستقرارهم وسلامة اقتصادهم، وأن لديهم من الجرأة والشجاعة والإرادة ما يكفيهم لمواجهة المعتدين على سيادة بلادهم.
وقد نجحت دبي في تعرية أسطورة جهاز الموساد، الذي يرتكب دوماً جرائمه دون أن يترك خلفه أثراً أو دليلاً يدل عليهم، وقد تباهوا إثر جريمتهم، معلقين على تحقيقات شرطة دبي، أن عمليات الموساد دوماً نظيفة، ولا تترك أثراً، وقد استخفوا بكلام الفريق ضاحي خلفان، عندما قال أنه يملك أدلة دامغة لا تحتاج إلى تأويل، فقال الإسرائيليون مستهزئين ساخرين عن الأدلة التي وضعت شرطة دبي يدها عليها، بأن لدى كل الفرق الخاصة في الموساد مجموعات للتمويه، هي التي تجمع مخلفات العملية، ولا تترك وراءها ما يدل عليها، وهي التي تترك وراءها آثاراً وهمية لتضليل المحققين، وإبعادهم عن الحقيقة، فها هي دبي تقول لإسرائيل ولسدنة أمنها، أن أسطورتكم الأمنية كما كانت أسطورة جيشكم العسكرية واهية وضعيفة، وها هي تنهار أمام حقيقة المعلومات والأدلة التي نضعها بكل الصدق والنزاهة أمام العالم كله.
نهنئ من قلوبنا إمارة دبي على الشجاعة المنقطعة النظير التي أبدتها في عملية التحقيق، وتحديها المجتمع الدولي بقوة القانون، وشرعية القانون، وأنها لن تتجاوز القوانين الدولية والمحلية في عملية التحقيق، ولن تستخدم في تحقيقاتها وسائل غير مشروعة، ولن تسلك ذات السبيل الذي سلكه الموساد، عندما اقترف جريمته بغدرٍ وخيانة، ونهنئها على الإصرار الشديد الذي أبدته في عزمها على كشف الجناة، وفضح أمرهم، وعلى المهنية العالية التي استخدمتها في تعقب الجناة، والتي أدت إلى جمع أدلةٍ قطعية، وشواهد ثابتة، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل هي التي ارتكبت هذه الجريمة، ونهنئ إمارة دبي لشفافيتها ووضوحها وصراحتها، فقد أعلنت منذ أن تبدى لها أن وراء مقتل المبحوح جريمة دولية، فقد أعلنت أنها ستعلن عن نتائج تحقيقاتها، وأنها لن تخفي شيئاً مما تكتشفه من معلومات، ما لم يكن ضاراً بسير عملية التحقيق، وبسلامة المعلومات التي يحصلون عليها، وقد كان لإمارة دبي ما أرادت، فأعلنت تباعاً عن كل المعلومات التي استطاعت أن تصل إليها، ولم تبدِ خوفاً أو تردداً إزاء حجم الجريمة، وقوة الدول التي تدعمها وتؤيدها، والتي تحاول أن تخفي معالم الجريمة، وأن تطمس كل الحقائق التي عرفت.
ونهنئ إمارة دبي على التقنية العالية التي استخدمتها في ملاحقة الجناة والمجرمين، وهي تقنية لا تعرف الكذب، ولا تخفي الحقائق، ولا تزور الشواهد، وهي رسالة إلى العالم كله، أن دبي ليست مجرد دولة ذات اقتصادٍ عالمي جبار، بل هي دولةٌ آمنة ومطمئنة، محروسة بأبنائها، ومحفوظة -بعد الله- بجهد العاملين فيها ولها، وقد نجحت دبي في توجيه رسالة هامة إلى كل الوافدين إليها، أن هذه البلاد آمنةٌ مطمئنة، وليس فيها مكان لمن يهدد أمنها، وسلامة وحياة المقيمين فيها، وإلا فإن عين القائمين على البلاد ساهرة، تحفظ حياة الناس وأمنهم، ولا مكان في دولة الإمارات لمن يريد أن يستغل انفتاح الدولة، للنيل من حياة الناس، والغدر بهم، ولن يحميهم من الملاحقة القانونية، وتطبيق العدالة، كونهم دولاً أو قادة.
وإنني بالأصالة عن نفسي، التي ارتبطت طويلاً بعلاقةٍ مميزة مع الشهيد محمود المبحوح، ابتداءاً من غزة، ومن مخيم جباليا، وحي تل الزعتر، وقد شهدت خلالها قوة أبي الحسن، وجسارته وجرأته وغيرته وحبه لوطنه وشعبه، وله عندي مئات القصص والحكايا التي تخبر أنه كان من يومه الأول ذا شأنٍ ومكانه، وصاحب رسالةٍ وأمانة، وامتداداً معه إلى الشتات بعيداً عن الوطن، في سوريا ولبنان، فقد عشت معه طويلاً، وسكنت وإياه شهوراً، وربطتني به مع الأيام دوماً علاقةٌ لا تنفصم، فبالأصالة عن نفسي الصديقة لمحمود، وبالنيابة عن أهل الشهيد وذويه، في دمشق وغزة وكل مكان، وعن كل الفلسطينيين الغيورين، نهيب بدولة الإمارات العربية المتحدة أن تواصل جهودها، وأن تستمر في عملية التحقيق، وصولاً إلى العقول المدبرة لهذه الجريمة وأمثالها، وألا تتوقف عن مواصلة الخطوة التي بدأتها، فهي مساعي مباركة وميمونة، يحمدها العرب والمسلمون، وقد تمنوها منذ سنين، وكلنا أمل في إمارة دبي وشرطتها، ألا تتوقف في تحقيقاتها عند محرمٍ أو ممنوع، وألا تتراجع أمام قوةٍ أو نفوذ، بل تمضي قدماً بذات الجرأة والشجاعة التي بدأت بها، فهذه جهودٌ سيحفظها التاريخ، وستخلدها الأمة، وسيؤجر عليها رب العزة، ويكفيكم عند الله فخراً، أنكم تدافعون عن دم شهيد، وتنتصرون لروح مقاومٍ، هو اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، يذكركم في حضرة النبي عليه السلام، ويدعو لكم رب العزة وهو في فردوسه الأعلى، وروحه في قناديل تحت عرش الرحمن، ينتظر يوم البعث ليكون للمدافعين عنه شفيعاً، ليدخلوا بشفاعته جنةً عرضها السموات والأرض، أعدت للمتقين.
استانبول

الثلاثاء، فبراير 09، 2010

وصية الشهيد محمود المبحوح

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحث فلسطيني


يحرص المقاومون وكان منهم الشهيد محمود المبحوح على ترك وصيتهم دوماً جاهزة، فهم يتهيأون للشهادة، ويتحضرون ليوم يلقون فيه ربهم شهداء، ويتطلعون إلى لقاء سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار، وخيرة الشهداء الذين سبقوهم إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، ووصيتهم المكتوبة لا تختلف عن الوصية التي قاتلوا من أجلها، وضحوا في سبيلها، وتخلوا عن كل شئ من متاع الدنيا من أجلها.
الشهداء ليسوا بؤساء، بل هم من خيرة الناس وأشرافهم، ومن أغنى الطبقات وأكثر المجتمعات رفاهيةً، وهم من أصدق الناس مع أنفسهم ومع ربهم ومجتمعهم، فهم ليسوا أشقياء أو هاربين من شظف العيش وقسوة الحياة، أو أنهم عاجزين عن مواجهة صعاب الحياة فيفرون إلى الموت شهادةً أو انتحاراً، بل هم يرون أن الحياة هي الحياة الآخرة، وأنهم بمقاومتهم وشهادتهم إنما يصنعون الحياة لغيرهم، ويبنون العزة لأمتهم، ويرسمون المجد لشعبهم، وأن دماءهم لا تذهب هدراً، ولا تضيع سدىً، وأن الأفكار التي ضحوا من أجلها لا تموت بشهادتهم، ولا تزول بغيابهم، بل ترويها دماؤهم لتبقى، وتعزز أرواحهم من وجودها لتقوى، فالشهيد دون غيره دوماً صادق اللهجة، نقي السريرة، بين الكلمة، ساعٍ نحو الحقيقة، رافضٍ للبهرج الكاذب، والإعلام المزيف، والأضواء المفسدة، والشهرة المفلسة، غير عابئٍ بالمظاهر الكاذبة، والشعارات البراقة، وكلمات النفاق، وعبارات التملق، ومساعي التكسب، فلا يقف أمام سلطان، ولا يخطب ود صاحب شأن، بل يصدح بالحق، ويجابه الباطل، ويتصدى للظلم، وينتزع ما يراه حقاً له بما أوتي من قوةٍ وبأس، ينتصر للضعيف، ويواجه الظالم، يكشف الحقائق، ويرفض ترقيع الأخطاء، وستر العيوب، والتغاضي عن السقطات، فتراه دوماً عالي الصوت، قوي العبارة، مقداماً غير هياب، مزاحماً جسواً غير ضعيف ولا خوار، يقتحم الخطوب، ويواجه التحديات، ويتصدى للصعاب، لا يبتئس إن كان وحيداً، ولا يغتر إن اجتمع الناس حوله، هذا هو الشهيد محمود المبحوح الذي عرفناه، صوتاً بالحق يصدح، وسيفاً مسلولاً من غمده قد تجرد، فما هو إلا صورةً نقية ناصعة عن كل الشهداء، حمل أمانة السابقين، وأودع اللاحقين من بعده وصيته، ونقلها إليهم بدمه، وهو يتمنى أن تبقى الأمانة مصونة، والعهود محفوظة، والأقدام على الحق راسخة.
أما الوصية الأولى التي كتبها الشهيد بدمه، فقد كانت فلسطين، الأرض والوطن، التراب والمقدسات، فلا تنازل عنها، ولا تخلي عن ذرة ترابٍ منها، فهي أرضنا وأرض الأجداد، أرض العرب وأرض المسلمين، حقاً نتوارثه، ووقفاً نحفظه، وقدساً نضحي من أجلها، وأنه مهما طال الزمن، واستوطن المحتلون، وتغطرس الاحتلال، فإنها ستعود عربيةً حرة، ترفرف فوق مآذنها رايات النصر، وتصدح في مساجدها نداءات الله أكبر، وليس عربياً ولا مسلماً من يفرط في ذرة ترابٍ من أرض فلسطين، أو يساوم على حقنا فيها.
أما وصية الشهيد الثانية فقد كانت المقاومة، والعهد على مواصلة نهج المقاومة، والحفاظ على البندقية، وتسليم الراية للأجيال القادمة ناصعةً نقية، دون عيبٍ يعتريها، أو شبهةٍ تشوبها، فلا تنازل أو مصالحة أو اعتراف، ولا تفريط ولا تخلي عن الحقوق أو بعضٍ منها، مذكراً بأن العدو الإسرائيلي المحتل لأرضنا، الغاصب لحقوقنا لا يفهم غير القوة، ولا يستجيب لغير المقاومة، فهي الوسيلة الوحيدة التي يفهما العدو، ويذعن ويخضع لها، وفلسطين والأمة العربية تزخر بالرجال المقاومين، وكلهم يعتز بالمقاومة، ويتمسك بها، ويعمل على استمرارها، فالبندقية لدى الشهيد المبحوح هي زينة الرجال، وذخر المقاومين، ودرع المجاهدين، وهي التي تحمي، وبها ندافع، وإن أي محاولة في فهمه لجمع سلاح المقاومة جريمةٌ لا تغتفر، ولا ينبغي على المقاومين أن يسلموا أسلحتهم، أو أن يتخلوا عن قوتهم، فهذا مطلبٌ إسرائيلي، وكل من ينادي به إنما يخدم الاحتلال، ويعمل ضد صالح شعبه، وهو الذي جاب الدنيا بحثاً عن سبل تسليح المقاومة، وجعلها قوة عصية على الكسر، وقادرة على الصمود، بل قادرة على إلحاق الأذى بالعدو الإسرائيلي، فكانت وصيته لكل المقاومين بالثبات على نهجهم، وعدم التخلي عن سلاحهم، وألا يركنوا إلى عدوهم أو يطمئنوا إليه .
أما وصية الشهيد الثالثة فقد كانت دعوته إلى الوحدة الوطنية، وضرورة التلاقي على أهداف شعبنا الفلسطيني الوطنية، فهي السبيل إلى تحرير الأرض، واستعادة الحقوق، والعودة إلى الوطن والديار، فالوحدة الوطنية عنده ضرورة وأساس، ولكن على قاعدة الثوابت والحقوق، وليس على قاعدة التفريط والتنازل، وقد عمل الشهيد خلال مسيرته النضالية على توحيد فصائل الثورة الفلسطينية على أرضية المقاومة، فكانت تربطه علاقات قوية مع المقاومين من كل الفصائل الفلسطينية، وكان يزود من احتاج منهم إلى السلاح والعتاد، ليضمن صيرورة المقاومة وشدة بأسها، ويتطلع الشهيد في وصيته إلى قادة الدول العربية لئلا يعترفوا بالعدو، وألا يقبلوا تطبيعاً معه، وألا يسمحوا له بأن يجوس خلال بلادنا فساداً وتخريباً، فالسلام مع إسرائيل زيفٌ وخداع، والاتفاقات معه باطلة ومخادعة، وشعوبنا العربية والإسلامية ترفض الاعتراف بالعدو، فلا أقل من أن يجري قادة الأمة العربية مصالحةً وطنية مع شعوبهم، لكن على قاعدة التمسك بالحقوق، ورفض الاعتراف بالعدو.
أما الوصية التي عاش من أجلها الشهيد، وضحى بحياته وهو يعمل لها، فقد كانت وجوب تحرير الأسرى، وضرورة العمل على عودتهم إلى بيوتهم وأهلهم، فقد كان هاجس الأسرى، الذين هم إخوانه ورفاقه، يلاحقه في كل مكان، ويهيمن على جل تفكيره وأوقاته، فكان يكرس الجزء الأكبر من عمله وجهده، في البحث عن سبل تحريرهم، ووسائل الإفراج عنهم، وهو الذي بدأ مقاومته بخطف الجنديين الإسرائيليين لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين، ورغم مضي السنوات الطويلة، إلا أن هم الأسرى والمعتقلين لم يغب عنه، فكان على اتصالٍ يوميٍ بالأسرى في السجون، وبذويهم في الأرض المحتلة، واعداً إياهم بالعمل الجاد والدؤوب من أجل ضمان تحريرهم من السجون والمعتقلات، وكانت عيونه تذرف الدمع وهو يتذكر إخوانه في السجون، وعلى وجه الخصوص محمد الشراتحة وروحي مشتهى، فكان يكز على أسنانه تصميماً، ويضرب بقبضة يده الهواء أو الجدار عزماً على تحقيق هذا الحلم، فكانت وصيته ألا ننسى أسرانا، وألا نفرط في حريتهم، وألا نألوا جهداً في العمل على استعادة حريتهم، وعودتهم إلى بيوتهم وأسرهم.
أما الوصية الخامسة التي أودعها المبحوح أمته وشعبه من بعده، فهي ضرورة ملاحقة العملاء، وتصفية الجواسيس والمتعاونين معه، وقد رأى أن العدو ما كان لينال من أمتنا لولا تآمر البعض، وتعامل آخرين، وكان الشهيد يرى أن العدو قد تمكن من اختراق الصفوف، وزرع العملاء والجواسيس، واختراق الحصون الوطنية، والقلاع المقاومة، لذا فقد آمن الشهيد بوجوب تطهير الصفوف، وتنقية الذات، والتخلص من كل الشوائب والعيوب، وأنه بغير فقئ عيون العدو، وبتر أطرافه التي يزرعها في صفوف شعبنا وأمتنا، فإنه سيكون من الصعب مواجهة العدو، والتمكن منه، وسيستمر في تسجيل انتصاراته علينا، وإحداث اختراقاتٍ في صفوفنا، فالعدو وحده أعجز عن مواجهة المقاومين، فهو يجبن عن المواجهة، ولا يقدم على عملٍ أو جريمة إلا بعد أن يستيقن من عيونه، ويتثبت من جواسيسه وعملاءه، لذا فقد رأى الشهيد أن المقاومة بحاجةٍ دائمة إلى صفوفٍ نقية، وسرائر وطنيةٍ صادقة، وجنودٍ مخلصين، وأتباعٍ مؤمنين، وكان بحسه الأمني وحدسه اليقظ دوماً، يرفض الركون إلى حسن النية، وسلامة المقصد، بل كان يخضع كل ملاحظاته للمراقبة والتدقيق، قبل أن يقوم بإصدار أحكامه ومواقفه، وكان يوصي إخوانه دوماً بضرورة أخذ الحيطة والحذر، وعدم الانجرار وراء العواطف الزائفة، والمشاعر المخادعة، داعياً إلى التثبت من كل المواقف، والتأكد من نزاهة كل العاملين.
وصية الشهيد محمود المبحوح لا تختلف في كثيرٍ عن وصايا الشهداء الذين سبقوه جهاداً ومقاومةً واستشهاداً، فهي وصيةٌ ممزوجة بالدم، وممهورة بروحه الطاهرة، وقد عمل من أجل تحقيقها في حياته، وقد حقق الكثير منها، وجند من أجل غاياته وأهدافه عشرات الرجال، الذين سيحملون الراية من بعده، وسينفذون ما عصي عليه تنفيذه، ولكنه استشهد وهو يقول أن إسرائيل ستعيد حربها على غزة، وستعتدي على القطاع من جديد، ولن تتوقف إسرائيل عن غيها، ولم تدفن أحلامها، بل مازالت تتطلع إلى كسر المقاومة والنيل منها، ولكن الشهيد يؤمن بأن المقاومة ستستمر وستنتصر، وسيتواصل الجهاد وسترتفع راياته، وستبقى الراية مرفوعة بطهرها ونقاءها جهادُ نصرٍ أو استشهاد.

الأحد، يناير 24، 2010

المبحوح وإرادة الصمود

د. مصطفى يوسف اللداوي

الجزء الثاني
حياة تزخر بالجهاد والمقاومة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً هي عمر مقاومته، وسني صموده، وصفحات عمره الطويلة المليئة بالجرأة والجسارة والتحدي والإرادة الصلبة، لم يتوقف خلالها أبو الحسن المبحوح عن القيام أو التفكير بالمقاومة، وفي الوقت الذي انشغل فيه آخرون بالتربية والإعداد، كان أبو الحسن يحمل بندقيته على كتفه، ويجوب وإخوانه بساتين مخيم جباليا والمنطقة الشرقية ومسجد حسن البنا على شاطئ المخيم، متدرباً على السلاح، مخططاً لمهامٍ قتالية، متحفزاً لمواجهة، أو متهيئاً لهجوم، ولم يكن أبو الحسن يعرف الخوف أو التردد، أو يدرك حسابات التوازن العسكري، أو مقاييس التكافؤ في القوى، بل كانت الجرأة عدته، والجسارته خطته، والتحدي منهجه، وقبضة يده تلوح في الأفق، بوجهٍ عابسٍ غاضب، ثائرٍ على الضعف، رافضٍ للاستسلام، يتحدى الظروف الصعبة، ويواجه الخطوب المعقدة، وكان ضباط الأمن الإسرائيليين المشرفين على مخيم جباليا، يعرفون هذا الشاب ذي الهمة العالية، والحركة السريعة، والأكتاف العريضة، والعضلات المفتولة، الذي ما ينتهي من صلاته حتى يهب واقفاً لمكان العبادة الآخر، الذي كان يقضي فيه جل أوقاته، فكانوا يخشون من غيابه، ويخافون من حضوره، فيباغتونه في بيته، أو يفاجئونه في مقر عمله .
وكانت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" قد تعرضت في الرابع عشر من شهر آب / أغسطس من العام 1988 لأول ضربةٍ أمنية إسرائيلية، إذ قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال المئات من نشطاء حركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، فغصت معتقلات أنصار "3" في النقب وسجن السرايا بغزة بنشطاء حركة حماس، وطالت الاعتقالات الشهيد القائد صلاح شحادة، الذي كان يشرف على النشاط العسكري للحركة، وقد كان يدير من بيت أبي الحسن المبحوح معظم عملياته العسكرية، ويشرف على تكوين الخلايا العسكرية الجديدة، ويتابع فعاليات الإنتفاضة الوليدة، وكان محمود من قبل قد قضى بصحبة الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي في سجن غزة المركزي قبل اندلاع الانتفاضة الأولى مدة عامٍ، بتهمة حيازةِ أسلحةٍ نارية، التي كان يحرص على حيازتها دوماً، إذ لم يكن يتحرك في غزة إلا ومسدسه على جنبه، أو في سيارته، وكان قد تهيأ له ولإخوانه سلاحٌ وفير، حيث كانت مجموعاتٌ عسكرية استطلاعية تقوم برصد السيارات الإسرائيلية التي تحوي أسلحة نارية، بينما يقوم آخرون بجلبها من مختلف المدن الإسرائيلية إلى قطاع غزة، حيث كان المبحوح وبعض العاملين معه، يشرفون على نقل الأسلحة من السيارات الإسرائيلية إلى أيدي المقاومة، الأمر الذي مكن مجموعات المقاومة الأولى من حيازةِ أسلحةٍ نارية ساعدتهم كثيراً على مباشرة العمليات العسكرية.
ولكن الضربة الأمنية الإسرائيلية الأقوى والأشد ضد حركة حماس، كانت في مايو / آيار عام 1989، وفيها اعتقل شيخ الانتفاضة الشهيد أحمد ياسين، وآلافٌ آخرون من نشطاء الحركة، وذلك إثر العمليتين العسكريتين النوعيتين، اللتين قام بهما المبحوح وإخوانه، حيث نفذوا أول عملية أسر ضد جنود العدو الإسرائيلي، وقاموا في العمق الإسرائيلي بأسر وقتل الجنديين الإسرائيليين آلان سعدون، وآفي سبورتس، في أول عمليةٍ عسكرية نوعية تقوم بها حركة حماس، فجن جنون قادة العدو الإسرائيلي، وأخذوا يتخبطون بحثاً عن الفاعلين، وبدأت الملاحقة الأمنية الأولى والأشد لأبي الحسن وإخوانه في داخل قطاع غزة، ولكنه كان يتحرك أمام أعينهم بخفة، فيسبقهم إلى بيته، ويجلس مع أهله، ويغادر بيته قبل وصولهم، أو أثناء مداهمتهم، ولكن أحداً من الجنود الإسرائيليين لم يقوَ على اعتقاله، ونفذت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بحقه عمليات ملاحقة ومداهمة وكمائن كثيرة، في مناطق عديدة من أحياء مدينة غزة ومخيم جباليا، ولكن أبا الحسن كان يقفز دوماً من فوق الأسوار، ويمشي فوق الأسطح، وعيون الإسرائيليين لا تدركه، وقبضاتهم لا تصل إليه، ونيران بنادقهم لا تطاله، فقد كان يراهم ويتابعهم، ويمشي خلفهم ويلاحقهم، ولا يخشى من التفاتتهم، ولا يحسب حساباً لقوتهم.
وانتقل أبو الحسن من غزة حيث المقاومة والتحدي، إلى خارج الوطن فلسطين، في عمليةٍ أقضت مضاجع الإسرائيليين وأذهلتهم، إذ كيف تمكن من الفرار والإفلات من الحصار المطبق على قطاع غزة، وهم الذين يلاحقونه في كل مكان، ويتابعون آثاره في كل أنحاء قطاع غزة، ويحلمون في اليوم الذي يلقون فيه القبض عليه، لينتقموا منه وقد مرغ بالتراب بزة جنودهم العسكرية، ولكن أبا الحسن كان كالضوء يتسلل، وكالهواء ينفذ، وكالظل بصمتٍ يتحرك، فلا يعرف بتحركه أحد، ولا يطلع أحداً على برامجه، يعتمد على حسه، ولا يخالف حدسه، عيناه لا تنامان، تتحركان في محجريهما في كل مكانٍ، تسجلان كل شئ، وترصدان كل حركة، فلم يكن يهمل أي معلومةٍ ولو صغرت، وكان يدرك أن الإسرائيليين لن يدعوه وشأنه في خارج فلسطين، وأنهم سيلاحقونه للنيل منه وتصفيته، ولكنه كان قد عزم على مواصلة الطريق الذي بدأه، ولن يتخلى عن نهج المقاومة الذي ارتضاه لنفسه، غير مبالٍ باليوم الذي تنال منه إسرائيل أو عملاؤها.
أدرك أبو الحسن أن إسرائيل لا يرغمها شئ غير القوة، ولا يكسر غطرستها غير عنفٍ أشد وأقوى، ولا يضع حداً لعدوانها إلا مقاومة صلبة، وإرادة قوية، وتحدي لا يلين، وأيقن أن الشعب الفلسطيني قادر على الصمود والمقاومة، وأنه قادر على منع إسرائيل من الاستمرار في الاعتداء عليه، ولكن الصمود يتطلب قوة، والقوة تحتاج إلى سلاح، وأن الشعب الفلسطيني إذا امتلك سلاحه فلن تقوَ إسرائيل على سحقه، ولن تتمكن أي جهةٍ من مصادرة حقه في دولته ووطنه وعودة أهله، فبدأ رحلةً شاقة من السفر والترحال، من بلدٍ إلى آخر، بحثاً عن سبل دعم المقاومة، وتسليح رجالها، فطاف في كل مكان، وزار كل البلاد، ونسج من أجل هدفه علاقاتٍ كثيرة، وصنع تحالفاتٍ عديدة، ونجح في مهمته نجاحاً كبيراً، أثار حنق وغضب إسرائيل وأعوانها، فلاحقته عيونهم في كل مكانٍ يكون فيه، ورصدت حركته، وتابعت سفره، وأعدت الخطط لتصفيته، وكلفت جهاتٍ عديدة بالبحث عنه ومراقبته ومتابعة تحركاته، ولكنه كان لهم دوماً بالمرصاد، يقظاً حذراً، يفشل مخططاتهم، ويعطل خططهم، فلم تنجح كل الجهود الذي بذلت من أجل النيل منه، ولم تتمكن عمليات الاعتقال والتضييق والتعذيب التي تعرض لها، من منعه من مواصلة طريقه، واستكمال مشواره، ولم تثنه عن عزمه، ولم تفت في عضده، بل كان يخرج دوماً بعد كل محنة أشد قوة، وأقوى مراساً، وأكثر عناداً، غير مبالٍ بكل ما يجد من صعابٍ وتحديات، بل كان يستخف بقوة العدو، ويستعظم إرادة المقاومين، وكان يشعر أن العدو يعيش مأزق قوة المقاومة، وصلابة إرادتها.
أيها الفلسطينيون، بل أيها العرب والمسلمون، يا من تعلقت قلوبكم بغزة وهي تحت القصف، وبتم تخافون عليها من الانكسار، وتخشون على المقاومة من الهزيمة، أنتم في حضرة رجلٍ عظيم عزيزٍ، لا يقبل بالإهانة، ولا يرضى بالذل، ولا يستسلم للضعف، ولا يعترف بالعجز، وقد كان له فضلٌ كبير في صناعة انتصار غزة والأمة، وصمود المقاومة، إنه واحدٍ من كثير كان لهم الفضل الكبير في ثبات المقاتلين وشدة بأسهم، إنه أحد الذين يقفون بصدقٍ وراء قوة المقاومة، التي آمن بها وعزّز سلاحها، ومكن رجالها من امتلاك الكثير من أسباب القوة والمنعة، وعمل بصمتٍ لسنواتٍ طويلة كجنديٍ في الخفاء، بعيداً عن الأضواء والإدعاءات، مضحياً بخصوصياته وحاجاته الشخصية، يتابع ويرصد ويوجه ويحرك، ولم يكن ينتظر غير الشهادة، وبجهوده ذاق الإسرائيليون ويلات الموت ومرارة الهزيمة والانكسار، وعرفوا أن في فلسطين رجالاً كالجبال الشم الرواس، وأبطالاً كالنجوم في علياء السماء، فحق لنا أن نفخر بك أبا الحسن ونعتز، وأن نباهي بجهادك ومقاومتك، فإن غبت يا أبا الحسن فإن جهدك سيبقى، وأثرك لن يزول، والقوة التي زرعت سنحصد ثمارها اليوم أو غداً عزةً وانتصاراً، وسيبقى اسمك لدى الأمة كلها في الخالدين، سيذكره الطالعون، وسيحفظه المقاتلون، وسيخلده المنتصرون، لذا فنحن معك يا أبا الحسن في كل يومٍ نتابع، رغم أن جثمانك بعد لم يوارى الثرى، إلا أننا معك غداً ومن أجلك سنحاول أن نعرف ... هل مُتَّ أم قُتلتَّ ... وأنت ثالث الثلاثة ...

الجمعة، يناير 22، 2010

المبحوح مات أم قتل: الجزء الأول

د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحث فلسطيني


إنه علمٌ فلسطيني يعرفه الإسرائيليون، ويخشون اسمه، ويتحسبون من جهده، ويخشون عمله، قد أبكاهم لسنوات، وأرق كثيراً قادة كيانهم عسكريين وسياسيين، وأذاقهم لباس الذل والهوان، مرغ بالتراب بزتهم العسكرية، ولاحق جنودهم المدججين بالسلاح، فبالوا على أنفسهم خوفاً منه، أثار اسمه وإخوانه الرعب في قلوب الجنود الإسرائيليين، فباتوا يتلمسون في الشوارع خوفاً من الاختطاف، بحثوا عنه في كل مكان، داهموا بيته، واعتقلوا أشقاءه وأمه وزوجته، وأطلقوا النار على أفراد أسرته، وسحلوا شقيقه في الشوارع، كمنوا له في مكان عمله، وأمطروا العاملين فيه بوابلٍ من الرصاص، وربطوا له في الأزقة والطرقات، انتظروه في بيته، فلمالم يجدوه دمروا بيته، وهو البيت العامر ببناءه ورجاله، إذ فيه رجال مقاومون، وشبابٌ مقاتلون، وأبٌ كبير سابقٌ بالخيرات، مرفوع الهامة، موفور الكرامة، مهاب الطلعة، يحتضن المقاومة، ويرعى المجاهدين، وينام وعينه مفتوحة تحرس بيوت الفلسطينيين، قد أنجب رجالاً ونذرهم كلهم لفلسطين، كباراً وصغاراً، حفدةً وبنين، نساءاً ورجالاً، كلهم قد سكنت فلسطين قلوبهم، وعمرت المقاومة حياتهم، فبيتهم بيت المقاومة، قد سكنه قادة المقاومة الكبار، فكان موئلاً للقائد الكبير الشهيد صلاح شحادة، الذي أسس وقاد أول عمل عسكري وأمني لحركة حماس في فلسطين، واتخذ من هذا البيت مقراً لقيادته العسكرية، إنه سليل أسرةٍ قُوْتها المقاومة، ومدادها الدم، وصفحاتها صفات عزٍ وكرامةٍ وإباء، لا يعرف الذل، ولا يقبل بالهوان، ولا يستسيغ الاستكانة.
إنه محمود عبد الرؤوف المبحوح، الفلسطيني الممتلئ قوةً وعنفواناً وحماسةً، والمسكون بالمقاومة، والحالم بالقتال، والساعي للمواجهة، ابن قرية بيت طيمة، التي كانت يوماً تابعة لقضاء غزة، كثير من الفلسطينيين يعرفونه، كما كان يعرفه الإسرائيليون، فيذكرون الشاب المتقد قوة وعنفاً، الذي كان يوماً يسكن مخيم الثائرين جباليا، ويجوب في شوارعه بسيارته البيجو، التي كانت تتميز عن غيرها دائماً، كونه يدير ورشة صيانة سيارات، التي كان يخفي فيها ووراءها كل أنشطته العسكرية، وقد اتخذ منها مقراً للتنسيق العسكري مع شركائه في المقاومة، إنه المقاتل بصمت، والمجاهد في الخفاء، والمناضل بلا جلبةٍ ولا ضوضاء، الرجل الذي نذر حياته ومستقبله وبيته وماله من أجل فلسطين وأهلها، فتحمل في سبيلها أذىً كثيراً، واحتسب ما لاقى عند الله سبحانه وتعالى، ولم يمنعه ما وجد من الاحتلال من مواصلة طريق الجهاد والمقاومة .
أبو الحسن محمود بهي الطلعة كان، حسن الهندام، أنيقٌ في ملبسه، نظيفٌ في ثيابه، عبق الرائحة، متزن الخطى، يسير مرفوع الرأس، منتصب القامة، سريع الخطى، كصخرةٍ تهوي، وجلمودٍ يسقط، لا يلتفت إلا إلى هدفه، لا تشغله الدنيا بفتنها، ولا المدينة ببهرجها، ولا الأشياء بجاذبيتها، كريم النفس، سخي اليد، معطاءٌ بلا حدود، متلافٌ للمال بلا حساب، يهدي من أنفس ما يملك، ويعطي من أطيب ما تجود به نفسه، يبش لمن أحبه قلبه، ويحسن استقباله، ويبالغ في الحفاوة به، يدعوه إلى بيته، ويكرمه كما يكرم أهله، ولكنه عبوسٌ مقطب الجبين تجاه من يكره، لا ينافق ولا يهادن ولا يداري، صادق اللهجة، نقي السريرة، لا يعرف الخبث إلى صدره سبيلاً، ولا إلى عقله طريقاً، يقسو أحياناً على من يحب ليقوم اعوجاجاً رآه فيهم، أو يصحح خطأً عرفه عنهم، يهب لنجدة الضعفاء، ويساعد الفقراء، شهامةً ونبلاً عن أسرته قد ورثها، فأبوه والشهامة والنبل صنوان لا يفترقان، على حاله مازال، رغم مضي الزمان، وتقدم العمر .لمن أحبه قلبه، ويحسن استقباله، ويبالغ في الحفاوة به، ولكنه عبوسٌ مقطب الجبين تجاه من يكره، لا يناق ولا يهادن ولا يداري، عطي منتشغله الدنيا بفتنها، ولا المدينة ببهرجها، ولا الأشياء بجاذب
محمود المبحوح صنو ابن الوليد خالد، لا ينام ولا ينيم، ولا يعرف غير الوغى والقتال سبيلاً للعيش، ولا يرى في غير السلاح وسيلةً للعزة والكرامة والنصر، وقد أقسم أن ينسي الإسرائيليين وساوسهم وأضغاث أحلامهم، وأن يعلمهم دروساً في المقاومة والصمود لا ينسوها، طاردوه فطاردهم، قاتلوه فقاتلهم، لاحقوه فلاحقهم، أرهبوه فأرهبهم، كانوا يفرون من مواجهته، وكان يصر على مواجهتهم، لم يكن في حياته مكان لغير المقاومة، ولا شيئ يشغل تفكيره غير قوة المقاومة، وتمكين رجالها، وتعزيز صمود مقاتليها، وتزويدهم بكل ما يحتاجون إليه من سلاحٍ ومال، فكان له في كل معركةٍ دورٌ وسهم، شارك في غيابه، وقاتل في حضوره، وترك في كلِ مكانٍ له بصمةً لن تنسى.
رجلٌ كالطود العظيم مهابةً ورجولةً، لا يقوى على منازلته أحد، ولا يستطيع مصارعته رجل، يبطش بخصمه، ويصرع من يتجرأ على مبارزته، كثيرةٌ هي الشواهد على رجولته وشهامته ونبل أخلاقه، وعديدة هي الحوادث التي كشفت عن جرأته وجسارته وقوة قلبه، لا يعرف الخوف إلى قلبه سبيلاً، ولا يتردد إذا عزم على فعل شيئ، يخشاه من يسمع صوته المجلجل، وصراخه المرعد، يدافع عن رأيه بقوةٍ وإيمان، ويتمسك بثوابته بعزيمةٍ وإصرار، ولكن دموعه قريبة، وعيونه بكاءة، سرعان ما تذرف عيونه الدموع على أهله وشعبه في فلسطين، ذرف الدموع غزيرة عندما اغتال الإسرائيليون قائده صلاح شحادة، ورفض الاستسلام لحقيقة شهادته، واصر على أنه مازال حياً وباقياً، وأن القنبلة التي كانت تزن ألف كيلو جرام، والتي ألقيت على الحي السكني الذي كان يسكنه صلاح شحادة في حي الدرج بغزة، لم تقتله، وأنه مازال يقود جحافل المقاومة في غزة، بكى أبو الحسن عليه كثيراً، وانتحب من أجله لا حباً فيه وحسب، وإنما حباً في المقاومة، وخوفاً على مسارها، وقلقاً على استمرارها وديمومتها، تبكي عيونه لطفلٍ صغيرٍ يتأوه، ويحزن لمنظر يراه معبراً عن حالة شعبه، يثور على صمت العرب، ويهتاج على عجز الأشقاء، ويكاد يتفجر غضباً وهو يرى غزة وحدها تلتهب، وغيرها صامتٌ لا يضطرب ولا يحرك ساكناً، يكز على أسنانه بغضب، ويضرب بقوةٍ بقبضة يده الطاولة أو الجدار، أو يلوح بقبضات يده في الهواء، متوعداً مزمجراً معاهداً على الانتقام، ويقسم بالله أن يذيق الإسرائيليين ويلات ما أقدموا عليه، ليندموا على جريمتهم، وألا يفكروا في العودة إلى مثلها من جديد .
إنه رجلٌ من جيلٍ قد مضى، عز فيه النظير، وندر فيه المثيل، إنه يتبع رجالاً كانوا قد عاهدوا الله على النصر أو الشهادة، فانتقاهم الله من بيننا، واختاره سبحانه وتعالى عن قصدٍ من بين جمعنا، قد غاب عنا المبحوح، هو شهيد عند الله نحسبه، قد ارتقى إلى العلا وروحه في قناديل تحت عرش الرحمن معلقة، هو اليوم مع النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، والشهداء الأخيار، يباهي بما وجد عند الله الدنيا وكل ما فيها، غاب ابو الحسن عن الدنيا ولم يلوِ فيها على شيئ، غاب وهو مسكونٌ بالمقاومة، مهمومٌ بإخوانه في الرباط والميدان، يفكر كيف ينصرهم، ويعمل لتحصين مواقعهم، ويجهد نفسه كيف يجعلهم أقوى سلاحاً، وأمضى عزيمةً، وأشد شكيمةً، وأقوى على النزال بما يملكون من عتادٍ وسلاح، ولكن هل تراه قد غاب عنا موتاً، أم أن يد الغدر قد نالت منه غيلةً وغدراً، فهل قتلته إسرائيل بيدها، أم كلفت يداً قذرة أخرى بقتله، أم نال منه شانئوه، وقتله مبغضوه، وانتقم منه سجانوه ؟ ...
سلام الله عليك أبا الحسن، وغفر الله لك، وأسكنك فسيح الجنان، وجمعك مع خير خلق الله، وأجلسك مع أصحابك الذين سبقوك، ياسين وصلاح، والرنتيسي والريان، وغيرهم ممن أحببت من صناديد المقاومة، وأبطال الصمود، معك أبا الحسن في كل يومٍ نتابع، وغداً من أجلك نحاول أن نعرف ...هل مُتَّ أم قُتلتَّ ... وسنرى ...