‏إظهار الرسائل ذات التسميات خالد ساحلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خالد ساحلي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، أبريل 27، 2009

كوشمار

خالد ساحلي

فوضى العالم ، عناوين نشرة أخبار منتصف الليل . لولا الألم الشديد الذي جعلك تتخبط كطائر مذبوح ما أشعلت التلفاز، قد يلهيك و يسليك لتنسى ألمك بعض الوقت. أنصحك خذ مهدئا من علبة الإسعاف ، اللعنة على الضرس المسوّس . تورمت لثة أسنانك، التعفن يسبّب لك ألم تنهار منه الأعصاب يجعلك قلقا متوترا، هل رأيت مجنونا يشعل النار في ثيابه ؟ النار مشتعلة الآن في لحمك و عظامك ، وجع ، صداع ، قائما قاعدا وعلى جنبك ، يداك تفركان أصابعك تريد كسرها، احتكاك يولد حرارة على ظهر الكف و هذا أيضا يقلقك ، خدّك الأيمن يبدو فرن نار ما إن تضع أصبعك مكان الضرس إلا وتتوّجع وتكاد الروح تغادر بدنك و ترجع لبارئها. نصحوك بالذهاب للطبيب قبل أن يشتد الألم و إن اقتضى الأمر خلعه. أنت لا تخاف الكُلاّب و لا المشرط و لا الإبرة لكنك تتهاون في مداواة نفسك، حتى الحيوان يهرب مما يضره، رميت نفسك في مهلكة و أنت تترك المرض يأكل قوتك و ينخر مناعتك؛ فكرة الضرر التي يلحقها ابن آدم بنفسه التهور و اللامبالاة. ترتعد، تصطك أسنانك من الحمى، هي زكاة الجسد و تخفيفا للذنوب هكذا أخبرتك أمك في صغرك.
كن صريحا معي، أنت لا تكره الطبيب ؟ وترى في المرض الصفاء للذات و الروح ، وتعتقد المعافاة تكون بمغالبة المرض قبل مداواته. المغالبة تجعلك تحس بما يعانيه المرضى أو على الأقل تتفهم رد فعلهم فيما يعانونه من أمراض مزمنة. " اللعنة على هذا الضرس" لما لم تأخذ بنصيحتي قلعت ضرسك و استرحت.
منتصف الليل و أنت تشاهد صورة الأحداث إلى أين وصلت ، سألت نفسك أهؤلاء مثلك لم يأخذوا بنصيحة الطيبين و العقلاء و الحكماء ، لخلع ضرسهم المفسد عليهم حياتهم ؟ نخالف طبيعة الحياة و نخرج عن سبل النواميس الكونية فيصيبنا المرض و الفوضى و يعمّ الهرج و الفساد .
أتعتقد أنت أن النصيحة من بين النواميس ؟ أسمع ضرسك سيفسد عليك باقي أسنانك ، لا محالة سينقل العدوى انتبه .
إذن الطبيب له إمكانية دفع الضرر بإذن الله ، تدري قد تقع في يد طبيب أسنان غير كفأ أو مدمن كحول و حبوب أو يحب الحشيش أو له مواعيد سياسية يكون فيها متعجلا لحضورها أو شيء آخر من هذا القبيل و بدلا من أن يشفي ألمك قد يزيدك عذابا ومعاناة فيترك جزءا من ضرسك حين خلعه. هل ستقنعه إذن بالتخلي عن قلع ضرسك وتطالبه بوصفة أدوية ؟ غدوة في الصباح ستدرس الأمر و تقرر، المهم يتوقف هذا الألم هذا السم الكامن داخل ضرسك و يهدأ ثورانه .
التلفاز لا زال مشتعلا وأنت ترتدي ثيابا مضاعفة وغطاءا صوفيا؛ تشبه أنت المشردين في ساحة " صوفيا " خاصة طريقة لفك الغطاء بجسدك، تنكمش كل أعضائك كأنك عصفور بللّه المطر، نهر يجري من و رائك، ظهرك جدول عرق يصل حتى مؤخرتك، أتشعر بالبرد ؟ بالارتجاف ؟ عيناك محدقتيّن في التلفاز في هذه الأشلاء المحمولة بين يدي رجال المطافئ والممرضين، تلمح من يرتدي المآزر البيضاء، ذكروك بالطبيب ثانية، الأمر مختلف، الطبيب هناك يشرّح الموتى أما الطبيب الذي تتخيله أنت يده غليظة تريد أن تنتزع فكك السفلي. أنت قلت لن تكون غير معاينة روتينية لا غير. نعم أقول ستكون معاينة جرّب فقط .
لِمَا تكثر الكلام هذه الأيام عن الطبيب ؟ إن كان محضوضا في مرافقته الرؤساء والحكام والملوك و الأمراء ؛ إن كان حاضرا في كل مكان إن كان الله قد جعل من مرض الآخرين ثروته، وجعله مستودع أسرار البشر. لا يهمك إن خان الأمانة التي رفضتها الجبال ، هو يحضر حتى مراسيم الوداع للمحكوم عليهم بالإعدام، حتى الإعدام ؟ أضيفك يلتقي بأشهر القتلة وأشهر الفنانين، يمكنه كذلك أن يلتقي بأشهر المعتوهين و الدراويش، بالسفاحين برجال الكنائس بالأئمة، يلتقي حتى برجال الظل. الطبيب يؤخذ أحيانا إلى حيث لا يعلم يلتقي ببائعي الأسرار والمعلومات، يعاينهم يعطيهم و صفات. لا يعلم الطبيب أنه ذو أهمية ؟ لا يعلم لأنه تحت الخدمة .
تقول هذا لأنك سمعت الكثير عن جارك الطبيب بأنه يخالط رجال العصابات و أصحاب النفوذ والمقاولين في السياسة، سمعت أم أنها مزحة لأنك تغار منه لأنه ينادونه بالحكيم ويملك عدة سكنات و فيلة في العاصمة. تقول عنه أنه تاجر ولا يحترم قانون السوق، و يتعامل مع وكلائه كما مع ضحاياه. سمعت أخبارا سيئة أنه بائع قطاع غيار بشري . اللعنة هل يمكن للطبيب أن يحيد عن وظيفته؟ هو بشر لا تضحك على نفسك .
هذيان الحمى ، أشباح كثيرة تحوم حولك بمآزر بيضاء ، وقع الأقدام ، سلاسل الرصاص والرشاشات مرمية على الأرض أمامها جثث مذبوحة و أخرى لا رأس لها ، الماء فوق البلاط تراه يتموج كموج البحر ألا يمكن أن ترى المشاهد على خشبة واحدة ، تقنع نفسك أنك ستتغلب على الحمى ، تعطي نفسك قليلا من الجلد ، تود إطفاء التلفاز ، تزيد في الصوت أحسن حتى تتأكد أنك بالفعل لا زلت تملك قليلا من الشعور و أن الغيبوبة التي تكلم عنها برغسون مجرد مزحة اجتماعية مثلها مثل الديمومة.
لما حضر الطبيب الآن؟ أين الطبيب ، أنت تسمع دقات خفيفة على الباب ، المزلاج فاسد ، أنت لم تقم لتفتح فكيف تأكدت أنه لا يعمل ؟ تمسك كوب الماء تشربه يزداد عطشك، الأخبار مر عليها ساعات، ما الذي تراه على التلفاز؟ التلفاز مغلق ولا ترى إلا مزيج ألوان مخططة وشعار القناة، إلى أين تنظر، لا تعرف ؟ اللعنة على الضرس على الحمى . لا تلعن الحمى فهي مرسلة من عند الله.
أنت تهذي ، تلقي خطبتك على الناس هرب منك عنوان الخطبة ، تذكرت الأخلاق و الحب و عن الدولة الواحدة و الجسم السليم في العقل السياسي السليم و عن الضرس المسوّس داخل المجتمع و الدولة المتحضرة ، عن كلاب الصيد التي تنبح كل يوم في الجوار و عوائها الذي يضايق حارس الورشة المقابلة لعمارتك ، عن البلوريتاريا و الحزب الشيوعي وحوارك على المسينجر مع صديقك الشيوعي اللاجئ في بلجيكا، عن الفأر القاضم لأصبعك يوم رحت تبحث في حذائك عما يوخزك فأخرجته ، عن ثأر الفئران و العبادة و الصلاة و عن الحج . الآن تذكرت لمّا وصلت لكلمة الحج وربطت إدراكك العقلي بالباطني لون الأبيض لون الكفن هو نفسه لون السلام هو نفسه لون الطبيب؟ الآن فقط يمكننك جمع شتات هذياناتك وتقرر في أي شيء كنت تتكلم ، كنت تتكلم عن الطبيب كنت تخبرني أشياءا كثيرة كنت تهذي حقا ، لكن لا شك أنت رجل سياسي لعين كنت تختفي وراء ضرسك اللعين ، تجرأ أنت على الخوض في اللا شعور في الفوضى فالمذهب العبثي لألبير كامي لا يخدمك و لست مؤمنا بالدادائية ، أنت نزعت لحد الآن أضراسا كثيرة و موعود بضرس آخر رغما عنك ، سبب فساد أسنانك و اللثة راجع لما تتفوه به من كلمات عن حقوق الإنسان و الحق و العدل ، تقلّع أضراسك لكثرة الكلام عن الفساد السياسي ، اللعنة على هذا الفم الذي لا يبرأ.
لحد الساعة أنت غير محظوظ كلما ذهبت إلى طبيب الأسنان إلا ووجدته يكلمك عن سراويل الجينز الأمريكية و قمصان إيطالية و أحذية فرنسا وعطورها، كلمك كثيرا عن ماركات لاكوسط وبيار كاردان و لوفيس ومورقان وماركة ناف ناف و عن البدلة العسكرية للمارينز ، طلب منك أن تقتني له بذلة عسكرية مظلية ، أخبرك قبل فحصك عن هوايته في الصيد وعن أشياء أخرى .
الآن تحس الحافلات و الشاحنات تحت النافذة، يهتز زجاجها يحدث ضجيجا حادا من جراء قوة محركاتها، الشاحنات و الحافلات لا تتحرك إلا بعد سخونة محركاتها، اللعنة شقة أبيك تعاني الضوضاء، يوما ما ستنهار البناية. أنت الآن تكلمني، عن الحافلات و الشاحنات، يبدو أنك وعيت كم الوقت الآن ؟ هذا وقت اقتراب ذهاب الأطفال للمدرسة و العاملين للمعامل، كلمتني المرة السابقة عن تسريح العمال من المصانع وعن البطالة في عصر الحداثة التي سرق فيها اللصوص عرق الكادحين.
أسمع أنت تغط في نوم عميق و أنت لا تدري بنفسك، مستيقظ، لست مستيقظا أبدا، والدليل عليك أنك مصاب بتعفن ضرس خطير ودرجة حرارة جسدك تعدت الأربعين، أنت لا تسمعني. لمّا لا تتكلم عن الطبيب ؟ لو أني مصاب حقيقة بالمرض لما قعدت لا أبرح مكاني ناسيا أمر طبيب الأسنان، بت تشك في مرضك أو أنت خائف، لا تقل انك بصدد تعلم المقاومة ؟ ارفع يدك ارفع رجلك أفتح عينيك إن كنت فعلا تتعلم المقاومة ضرس واحد فعل بك كل هذا ؟
يُسْقِطْ الفرد مائة مليون فرد في لحظة واحدة، زر واحد من الأزرار يفجر الأرض كلها، وضرس واحد يتداعى له الجسد بالسهر و الحمى و اللاوعي. عدت ثانية لهذيانك، أنت تقاوم؟ لا، تقول أنك تقاوم أو تتعلم المقاومة ؟ نعم، أثبت إذن ، سوف تثبت ، آمرك بأمر تطبقه ، الشرط أن لا يتعدى قدراتك و لا تكن له صلة بقضايا الأمن القومي أو بما يتعلق بالرئاسة الفرنسية أو ميليشيات العراق أو الوساطة بين دولتين عربيتين و لا حتى بمعجزات كتوقيف الترماي في بريطانيا و جعل ركابه ينزلون أو كجعل العرب و اليهود يأكلون من مثرد واحد ، أو جعل تسونا مي يمر على أمريكا لتثأر الشعوب الضعيفة من القوية ، أو بلقاء بن لادن .
المهم أمرك مطاع فيما يتعلق بك فقط ، و بما هو متعلق بك و بكل ما في هذه الشقة ، أنت لا تزال تهذي و هذا دليل مرضك و أنك في حالة خطيرة والمقاومة عندك لا أثر لها، لما لا تقوم لترى الطبيب ليخلع لك ضرسك لتخلع عنك جنون أفكارك ؟
قلت لك أعطيك أمرا أثبت لك أنك في غيبوبة و لا عقل لك ووجودك الآن بالذات لا وجود له ، أنت تهذي فقط ، حسنا يمكنك أن تتبول على ذاك المسئول الحقير الذي يتكلم الآن من الشاشة ، لكن الشاشة مغلقة، لا أنت غيرّت القناة فهذه قناة أخرى تهتم بالسياسة ، هي كن شجاعا بما يكفي وتبول على ذاك المسئول الذي يعتقد أن لا احد يستطيع أن يفعل له شيء وانه محاط بحرصه، إنه يصرّح بقذارة ألفاظه عن أشياء خطيرة ، هل يمكنك أن تتبول عليه ، سيحس ببولك لا محالة ، سيشم رائحة النشادر صدقني التلفاز قد يحمل رسالة بولك . أنتظر إذا سترى دليلا.
رحت تتبول عليه بلذة و انتصار، لم تأبه بالحافين من حول السياسي القذر، بل بللت الجميع يستحقون هذا، لا تأبه لرؤية الناس لك عاريا في غير استحياء ، لأنهم يرون الآخرين و يسكتون. وأنت تصلي و تعرف ربي وتعرف حدود الشرع ؟ أعطيت الأمر الآن بعد أن أمرت لتحقق الدليل أضف هم يستحقون هذا و أكثر هم لا يأبهون لنا ، أعطيت الدليل واسترحت.
لم تستفق إلا و أنت تصرخ ببذاءة ألفاظ سوقية سفيهة ، البلل في سروالك ، غطائك الملفوف بجسدك المرتعش ، أسنانك تصطك من الحمى ، التلفاز شغال من ليلة البارحة ، الطبيب فوق رأسك يقرر : الحالة خطيرة جدا ينصح بنقله للمستشفى على الفور كنت ترى بياض مئزره اعتقدت انك ترى راية استسلامك المرفوعة فوق رأسك.

التاريخ: كتبت من زمن

السبت، يناير 17، 2009

لا زلت كما أنا

خالد ساحلي
من سنين لا زلت أنا كما أنا، وهم من سنين لا زالوا كما أعرفهم. تغيروا لا كما كانوا. وما كانوا يوما ما أرادوا، تنشد ذاكرتي ما وعدوا، ما وعدوا لا زال على التلفاز أشاهده، تكبر صورهم الجميلة على الجرائد، تكبر أصواتهم، تكبر من فوقها العناوين. باعوا الغاز و البنزين ، باعوا الموت للإخوان، حين استحال قنابل ، تلدها طائرات المحتل على الرؤوس ، يا مصانع السلاح على ترابنا المباح ، تنتجين للأبرياء الفناء بما باعوك. يا شوارع الغضب، من اشترى منك الصياح. باع دمك لدم الأعداء.
من سنين لا زلت أنا كما أنا، أتلهى بلقمة العيش، اليأس رفيقي في اكتظاظ السير، رفقاء نحن الاثنين على فاحشة الليل و النهار، أنغام الفن الداعر، نتسلى ثم ننبطح، هزيمة زنا الكلاب المهجنة، نتقيأ التاريخ السخي حين ينثر روايات مصيره. ننهزم كالغثيان ، ننضّم للقبائل التي عُدَتها المعتقل وبارود الكرنفال، نكسب الحاكم وننال السخاء. من سنين لا زلت أنا كما أنا، أسرد للأطفال المواقع المقدسة بجزيرة العرب كيف تًجْمَعُ العرب، شعائر الحج و الطواف و الرجم. لا يسكن الشيطان هناك فقط، إبليس فينا ومنا، لا أحد يرجمه، هو الحليف. لا زلت أنا كما أنا، أظهر الطهارة بصلاة الرياء، بتعويذة تبعد وساوس النفس الخبيثة أسمعها في الدعاء لمن حولي، أخفي الوحش الخبيث و الأنانية التي أتمناها، عساها توصلني لحكم كل الرقاب . أن أتزوج كل النساء و تتواصل علاقاتي بكل أنثى داخل حدود مملكتي. أن أجول كل عواصم العالم و أتربع على خيرات كل البلاد كيف السبيل لأرقى في السماء، أو حتى أصير ملكا ولو على كثبان رمال. أنا لا زلت كما أنا أحلم بمكان فيه دفأ الربح و لو بالوشاية، يضمن لأبنائي مستقبلا كما الزهور من بعدي ، لا وجع رأس فيه و لا هتاف معارض وخروج. الخيانة لا تعني شيئا فالثمن عهد الكبار ولاء حتى الأبد. لا زلت كما أنا في حلقات السمر في ليالي البكاء، التعازي للعزاء، ألعب دور البطل المغوار، و لا أرضى بما دون البطولة في التمثيل كيف الشقاق يجول أزقة عربية حمقاء، وقصة أهل الكهف الذين ناموا ببلاد الشام. أرض العرب كبيرة عرفها الاحتلال ، الفرنسيس و الانجليز و الأمريكان و البرتغال والأسبان كلهم خرجوا وعادوا تحت جناحي إسرائيل . أسرد للأطفال من كان البارحة محتلا لا يمكنه الدفاع عن المظلوم.. لا يمكنه أن يكون حليف الضعفاء. أنا لا زلت كما أنا لا خجل، أغتنم أنين الضعفاء، وصراخ الثكلى أعلّق نياشين اليسار، انتعل زوج أحذية اليمين، وحين يغيب وعيي في فهم دور البطولة، ديمقراطيات اللعب المعلبة أركض ملتجئا للوسط فالعصا يحلو بها اللعب ، حين تشد من الوسط . أنا لا زلت من قديم الزمان كما أنا. أنتقد الضعف العربي وبتروله و ماله المنهوب المعطى للمستثمر من الأعداء، لا زلت أحتج بفتح الفم الذي لا يتوقف عن الكلام، سبحان الذي شق فمي وجعل عليه الرقيب. لا زلت أتساءل بخبث ابن آوى، بالأموال ينشر دين الله في أصقاع الأرض، و ملايين النسخ الفاخرة من القرآن. تُظِهرُ دين الله، تثبيت العقيدة، تظهر كيف يصير الخلق سواسية، كيف تهون الدنيا عند الله في قتل مسلم... يا أرض الله يا فلسطين كم من شهيد تزفين؟ يا دمع هارون الرشيد لضفيرة الحرة تقطعها قلة الإنفاق، كتاب الحرة لأمير المؤمنين في الصرة، أغلى ما عند الحرة ضفيرتان، أجعلها رباطا فرس تغزو من أستباح المقدس فينا. يا ارض الله في أقصى الأرض أشهدي تهنئة الشهداء لا القتلى.
من سنين، لا زلت أنا كما أنا أقيم الصلاة في المسجد، أحضر الجمعة، أسمع خطبة الأمة الواحدة والدين الواحد، المصير المشترك كالبناء المرصوص... وجزاء الشهداء الأحياء عند ربهم.
من سنين تغيروا، وقّعوا بالصمت على الصمت، لغة الفهم استحالت لا كلام... بقعة أقصى الأرض حولوها بالحصار لمعتقل وأقاموا لأهلها المحرقة. قصف ودك البيوت، غول طاعون الموت، وقنابل ملونة بالفناء، ورسائل في السماء ترتجف، تدعو للمغادرة. تغيروا من سنين، تركوا الأحياء للموت، مثل الذباب تغيروا من سنين لبسوا السكوت، ألفوا صور القتلى، ومناظر التنكيل. تغيروا من سنين، حين قالوا ليست فلسطين المقدسة وديعة في أعناقنا. ورضوا بالمذبحة.و أنا لا زلت كما أنا أثقل الأرض حتى لا يختل قانون الجاذبية، كصخر صلد، كحجر في جبل، كأي شيء لا يتحرك. أنا لا زلت كما أنا وهم تغيروا.

الاثنين، أغسطس 04، 2008

الإنسان وما ذا بعد الإنسان؟

خالد ساحلي

ما الإنسان إن نزعت منه روحه؟ ألا تراه إن أرجع وديعة الروح إلى بارئها وغادرت قواه الخفية ذلك الجسد العفن بشهواته صار مادة كباقي المواد ، شبيه الأشياء المعروضة على قارعة الطريق و في الأسواق. ما الإنسان بدون روح؟ إنه الجثة المتعفنة التي دل عليها غراب البين. الإنسان بلا روح تفعل به ما تشاء لأنه لا يستجيب لك مهما أهنته ومهما اعتقدت أنك آلمته في كبريائه إنما بروحه إنسان لا غير.

إنك حين تهين إنسانا إنما أهنت روحه وحين تحقّره إنما حقرّت عقله الذي فيه. إن كان حيا يستجيب لك وقتئذ رافضا إذلاله و لو صابرا على أذاك. إن رفضه الإذلال تأكيدا لوجوده ولوجود بقية من الكرامة و الإباء و الشرف وكل تعلق بالحمية و العصبية وقيمة الإنسان فيه. إنما يحتج بتلك القوة الكامنة بداخله تلك الطاقة الفاعلة الرافضة للاستعباد المؤكدة للحرية التي خلق بها و لأجلها، الحرية التي تمنحه الحق في الدفاع عن ذاته في عالم يحكمه قانون المنفعة و الإخضاع. أما إن كان على غرار ذلك تابعا منقادا راضيا بطاعته لغيره مقدسا للمتحكم فيه قابلا باستعباده إنما أعلن بذلك انتهائه و فنائه بأبخس الأثمان لقد جلب العار بعرض من الدنيا يصيبه. قد يعذر الإنسان أخاه الإنسان لظروف ما ويقال عنه خضع لغسيل دماغ فصار كالحيوان مروّض لا غير أو كان تحت التهديد بين المسدس و قطعة الحلوى.
الإنسان كمثل الكلمة أو الكلمة جزء منه خلقت من قبله لأجله و الكلمة الطيبة تقع في النفس الموقع المفرح الموقع الحسن و كذلك الكلمة المهينة المحتقرة تشق جرحا غائرا، إنما الأولى عاملت الروح و رفعت من شأنها لعلمها بقدسية جوهر الإنسان و أما الثانية فقد قدمت الإهانة لأنها لا تعرف قدسية الجوهرة الغالية داخل الآدمي. الإنسان على قدر احترامه لنفسه على قدر احترامه لغيره و على قدر احترام الغير له مهما اختلفت أشكالهم وأصنافهم ، وعلى قدر إهانته للغير و ازدرائهم على قدر انحطاطه في عيون الآخرين وتشوه صورته و سقوطه من سلم القيم و الأخلاق التي يمثلها المصلحون والغيورين من الشرفاء داخل كل مجتمع. ومهما نظر له المنافقون والمخادعون نظرة الإعجاب إنما هم يوقعون بضحاياهم به فيضربون بيده. ما الإنسان؟ لما تؤثر فيه الكلمة على نوعيها؟

أليست الكلمة معنى يصل إلى محرك المعاني داخل البشري؟ أليست الروح سدرة منتهى قيمة الإنسان؟ ألا يبحث الإنسان الواعي عن مسلك لكماله الذي لا يكتمل؟ أليس الإنسان الباحث عن معناه الحقيقي داخل تيه المعنى محاصرا بمن يمنحه معناه الحقيقي في الحياة و بين من يحرمه إياه وبين و سطيهما؟ ما الإنسان الحديث القابل بكل شيء لأجل تحقيق متعته ومنفعته؟ ألا يمثل الإنسان الحديث الإنسان القديم؟ الذي بفضله شمخ صرح الحضارة؟ أليس امتدادا له؟ إن التاريخ ليقص علينا أحسن القصص و أشوقها في البطولات والمواقف ألم يكن التاريخ القديم مضرب المثل في التضحيات لأجل تأكيد الذات و رفع ذل العبودية و تكسير قيدها؟ هل مضى زمن الأنبياء و تابعيهم و القادة و الثوار و المصلحون الفلاسفة ليحل محله عصر كل شيء قابل للبيع حتى و لو كانت النفس البشرية ؟

الإنسان الحديث لا شك يدمر نفسه بتدمير الآخر والعالم من حوله ، يسارع في إظهار إمارات فنائه من خلال أنانيته التي يسميها مطلب اجتماعي و التي حرم بها حق غيره ، أنانيته لأجل البقاء ومحافظته على ذاته غير آبه للأرواح التي تسقط وتنهار في بقاع كثيرة من العالم ،غير آبه للغير فلو أستطاع سحب الهواء من أنوفهم لفعل.قليلون هم من يناصرون ما تبقى من القضايا العادلة المطالبة بضرورة حماية الإنسان و صون كرامته، كثيرون هم الضحايا و قليلون هم جلاديهم. من كثرة الضحايا من استهوتهم بضاعة روّجت لهم بألسنتهم فصاروا تحت تأثيرها راضين بهيمنتها عليهم جاعليها مقدسا لا تصل إليها أيديهم و إن وصلت أيدي غيرهم لاقت إثما عظيما و تعزيرا. إن الهيمنة التي فرضت كمركز و جعلت من الآخر الهامش هي من تملك قدر الإنسان المتخلف والضعيف.

المقلد التابع يفقد داعي الابتكار و الخلق و يتنازل في الوقت ذاته عن اللغة لأجل اللغة التي تتحدث بالهيمنة ومن يفقد الأولى و الثانية يفقد العقل المبتكر و اللغة المترجمة وهذان تابعان للروح داخل الآدمي. هل في خضوع الإنسان عندنا للقهر وحين تمارس عليه سياسات الهيمنة من الداخل يسهّل ذلك الهيمنة عليه من الخارج؟ إنسان الداخل مهد الطريق لاستعباد أخيه الذي رفض استعباد الخارج و هيمنته.

أخيرا قبلها وهو لا يتلاءم و لا يتأقلم مع طبيعتها إنما قبول المضطر قبول دون الرضا. من هو الإنسان إذن بين هذا و ذاك برغم إدعاء الأول التحضر و الثاني الكثيرة شكواه للوضع القائم المؤثر عليه دون التأثير فيه ونداءاته المتكررة المتعالية للحالة البائسة الحصيد من جراء صراعات الإنسان، صراع الإنسان مع ذاته و تواطئه معها على نفسه وتواطأ الإنسان مع الآخر على الآخر وتواطأ الآخر مع الآخر على الإنسان وفي كل الحالات الإنسان يعمل على هلاكه وخسرانه لأنه يورد نفسه الموارد الهالكة لاعتقاده أنها سبب رفاهيته وراحته وتقدمه . العصر والإنسان في خسر لاهثا في مسيرة فنائه لكن وماذا بعد الإنسان في فقدان قدسيته؟ ماذا بعد هذه الحضارة التي يجمع الجميع على فنائها ؟ ثمة كثير من الأسئلة التي تدلنا على أننا كلما فكرنا في الصعود أكثر نفقد ماهيتنا و نصبح نتدلى دون تربة و لا جذور.

الاثنين، يوليو 14، 2008

عصر حديث النهايات والفناء


خالد ساحلي


إن النظرة الصحيحة المستمرة القابلة لكسب روح الخلود هي النظرة المستمدة من نور الله الذي زرعه في عقولنا وروحها من روحه. فالفناء حقيقة كونية ينتظرها الآدمي الطامح لترك أثره في الحياة بطريق سلكه لأجل بقاء معنوي يذكره به نسله فينبعث من خلاله. يفعل ذلك لأجل أجيال قادمة تطيّب ذكره وسيرته أو حتى تبني على ما ترك إن كان في الأساس هناك ما خلّفه من بناء صحيح يخدم الإنسانية. قد لا يرمم بناءه أصلا في حضرة الدخيل إن كان مقامه أخطاء فقط أجتهد فيها و قد لا تشفع له نيته ولا قصده مهما كانت غايته الوصول للصواب المنفلت عن أذهان الناس المستعصي الحل على العقول. أليست النظرة الصحيحة هي البحث عن البقاء في حب البقاء لأجل ساعة الرحيل التي ستزف فيها لحظات الفناء؟ التمهيد للرجوع للبداية لإعادة أصلها، إنه الهاجس المصاحب لكل عقل متقد، إن الذي يحيا حياة المادة لا وجود لفكرة الوجود و الفناء عنده البتة؛ إنه يحيا حياة البهائم و الترع لأنه يشترك فيها معها بالخوف فقط في الحفاظ على حياته و كفايته البيولوجية ينحجب النور هنا.
النظرة الصحيحة دائمة، رغم فرض الفناء وجوده الأزلي المخلوق لأجل تجديد الحياة فحقيقته كونية، النظرة المستمدة من نور الله تفرض بقائها الأزلي و اختصارها للفناء لأن الله الأول المستمر و لأنه الآخر الباقي ولأنه وحده تعالى الخالق. من هذا المنطلق فكل مصدر من الله فهو أزلي باقيا مثله. لا يتغير إنما هو المصدر المحدث للتغيير في المشكلات المواكبة لمراحل تطور الإنسان من يوم النزول الأول لآدم للأرض و المتلاحق إلى اليوم و إلى الغد النائم في ظلام غيب الله. إنما الدائم يؤكده الفناء كما النقص " المخلوق" يأخذ من المطلق " الله" و لا يضاف إليه إنما ينتمي بدخوله إطاره اللامحدود و لا يخرج عليه.إنه الحد الذي يتوق لتعدي حده و الانتقال للا نهاية فاللا نهاية وحدها من تمنح الفضاء المعترف بالحرية الغير مقيدة للعقل الباحث عن كمال لا كمال فيه للعقل. المانحة لحق المحافظة على العقل لأنه أساس البقاء الذائب في بقاء الفناء. في اللحظة هذه نفسها و أنا أكتب مقالي حول هذه الإشكالية طرح عليّ أحدهم سؤال: ــ ألا زلت تكتب؟
( سؤال السخرية يمكنه أيضا حمل الفناء). استحالة العثور على إجابة في هذا الموقف. السؤال يحمل فنائه وقد يحمل أوجه كثيرة يمنح من خلالها مفاتيح المغاليق الكثيرة في الحياة. استحالة العثور على جواب: ألا زلت تكتب في جدوى واقعك المزري؟ هل هناك معنى للبحث عن بقاء في فناء ثواني أعمارنا؟ القدرة الإلهية منحتنا في خبايا العمر المحدود أسرارا متعلقة بحياتنا العقلية و الباطنية و كبحت ألسنتنا عن البوح بها. البوح بالسر يحدد عمر الآدمي وما دام السر لا زال أسير العقل الباطن فهو يقدم الدعوة للبحث حاثا على تخطي حاجز الزمن. الكلام عن السر فناء البقاء، وسر الكلام بنظرة صحيحة مستمدة من نور الله الممجد للعقل بقاء. الكلام في السر قد يستعير ألسنة أخرى و عقول أخرى. هل الإنسان يكتب فنائه بيده؟ أم يستعير روح الكتابة ليضمن بقاء نسبي باستعارة العقول القارئة؟ الأمر لا يبدو مألوفا و غير قابل للتداول الثقافي و الفكري فالنهايات و البدايات تشابه أمر المعنى فيها و اللا معنى أو تشابك اللامعنى مع المعنى وأفقده خصوصيته وصار جدله يوازي اللاجدل . النظرة الصحيحة مستمدة من نور الله المستمر لا من موروث عقيم مكتسب بتلقين الحفظ الآلي البارد الحامل لفنائه في بقائه كل هذه السنين. الله هو ذاته دائما وليس مختلفا عما كان في قرون خلت كما يحب أن يصوره لنا الآخرون في الكتب الميتة. إن النظرة الصحيحة يشترك فيها كل من يرى بعقله و عيناه منفتحتان من خلال قلبه على الكون. ما المرتجى من هذا السؤال أو من سؤال آخر يحمل التهكم و السخرية في عالم تحكمه الفوضى والمنفعة و لا ينقاد للعقل؟ سؤال: ألا زلت هنا في هذا الوطن؟ ألا زلت تكتب؟ سؤال المجتمعات الغير معترفة بحق الاختلاف و التميز السالبة لحرية وجودك. هذه المجتمعات أعطتك الفناء المسبق، إنه الفناء المصنوع بأيديهم و ليس الفناء المقدّر من الله.
أليست المظاهر البريئة الصادقة دليل أصحابها؟ للأسف هناك أنذالا دائما ينتحلونها يفسدون قيمة الأخلاق فيها، يشوّهون صورتها يحمّلونها محمل الفناء. من خلال ذلك يعلن الفرد حكمه، الحكم المعلن من الفرد وقتها غير قابل للنقاش و لا يحمل التأويل لأن الفرد حينئذ تحت تأثير صورة قبيحة متخيلة لردة الفعل. إنه يشابه نظام الفوضى الذي يحكمه. إن حكم الفرد واقع بحت فهو انعكاس لسلوكات وقعت عليه جورا وظلما وتضييقا هو الاستبداد المتبادل لا غير. الفرد وقتها يحكم حكمه بحكم المطلق كأن الفناء حل.. فداحة تأثير الفعل السالب يعمّم من خلاله الفرد الحكم الحاقد حتى على ما بقى من فعل بريء و نية صادقة داخل المحيط و المجتمع. كيف يصبح التمييز مقبولا بين السلوك الطبيعي الحقيقي و بين الانتحال لكثير من النفاق الذي لا زال في نفوسنا، إنه في الأصل كل فساد وهلاك قابلا في نفس الوقت للتصفية والتنقية. إنها منطلقات اللعبة الآدمية التي لم يردها الله أن تكون اللعبة و لكن شاءها الإنس و الجن. النظرة الصحيحة لا تحمل التجريح إنما تستلهم من جروح العلماء و الفلاسفة و المفكرين ترياقها. أحدث سقراط الجرح في أصل المنطق الأثيني وذم الآلهة الكثيرة ، فتح جرحا تداوى مع الزمن بالتوحيد لكن دفع روحه مقابل جرح أزلي. أحدث كوبرنكوس الجرح الكوني باكتشافه كروية الأرض ودورانها ودفع روحه ثمنا لاكتشافه ، أكتشف فرويد اللاوعي في الإنسان وكان مصطلح الجرح النرجسي من ابتكاره، أحدث نيوتن جرح الجاذبية في الفيزياء من الثمرة المتساقطة أصل الخطيئة الأولى كما احدث أينشتاين الجرح النسبي. من قبله أحدث ابن سينا الجرح الطبي بتشريحه اللحم البشري ونال من خلالها شهادة بدرجة الكفر.قال ميشال فوكو بالجنون بوصفه الآخر المنزاح من المركز وقال هايدغر أنه كائن التناهي و النسيان، هو موت الإنسان عند فوكو وموت المؤلف عند بارت ونهاية الإنسان عند فوكوياما، كل هذه الجروح كانت لتقترن بعمل الفناء بصفة أو بأخرى. بعض الجروح أنتقدت حركة المسيرة العلمية و الفلسفية و الدينية عبر تاريخ طويل إلى اليوم لأنها تحولت إلى صراع بوجوه كثيرة صراع التشاؤم الثقافي مع التشاؤم التاريخي. إن جرح نتشه في نهاية الرجل الأخير دعوة فناء لبعث جديد لرجل جديد نازعا عنه ثوب الصخب لابسا ثوب الإيمان و الصمت الموّلد لحلول المشكلات. الإنسان الإمبراطور. جرح فوكوياما في التاريخ بنهايته و انتصار الليبرالية توحش في طريق العولمة تمليه القوى المهيمنة على العقول الضعيفة لتسويق الوصاية الثقافية والحضارية و ثقافة التفوق للآخر. ألم يتحول هذا العصر إلى عصر دعوات الفناء أو التكهن باقتراب النهايات؟ أليست البحوث حول نهايات الثروات الحية القائمة عليها التكنولوجيا( النفط الغاز الماء) و الاحتباس الحراري واختراق الأغلفة الجوية و الخطر المحدق بالأرض من خلال النيازك التي ستصطدم بها أليست كل هذه استقراءات للفناء؟ أليست تنبؤات الرؤساء المتنازعون فيما بينهم بزوال دولة من على الأرض أو تهديد دولة بتفجير دولا بكاملها فناء؟ ألا ترى ممثلي الديانات المتشاحنة و اصطدام الحضارات دعوة للفناء؟ الإنسان اليوم ليس في موقف الفارح بما هو آتي بل المتأسي على ما فاته.إنه مجموع تأسفات كاملة لا يستنطقها الإنسان المعاصر داخل ذاته لأنه يعتقد اليقين أنه ليس طرفا فيما هو حادث و إنما هو نتاج لصناعة فناء صنعه من كان قبله لذلك يركز على اقتناص سعادته الآتية و لو على سعادة الآخرين معتقدا بالجزم في الفناء الذي قد ينزل في كل لحظة. هذا كله الحاصل خاصة في البلدان التي يفرّخ فيها التخلّف بسرعة الضوء أو هو استقراء المفكرين الذين يحيون في البلدان السائرة بسرعة الضوء حينما يُسْـقِطون واقع العالم على حال واقع البلدان المعطل عقل أهلها... ليتنا نصبر فقط ونأمل لغد جديد دون التفكير في الفناء الذي تختلقه الهيمنة لأجل تحويل الإنسان إلى آلة فناء من وفي ذاته .

الأربعاء، يوليو 09، 2008

عتبات الخطاب و مبدأ الأقلية

خالد ساحلي
الانتفاع الفوقي الطبقي داخل المجتمع يحتّم على الفرد العناية بكل المسالك الناقلة لنفايات انتفاعه حتى تأخذ طريقها لمجاريها دون إثارة الانتباه لطبقات المجتمع برائحتها العفنة أو بانسداد قنوات تصريف فسادها.
إن ذلك يثير الاستياء في النفوس و يغرس القلق في قلب الهدوء؛ يفجّر الفوضى ويحرّك احتجاج الجميع للمطالبة بالإصلاح. قد يعرّض ذلك الهرم لفقدان توازنه بمجرد التدافع نحو الأعلى لأجل رؤية ما يحدث والوقوف على معرفة سبب حياتهم في هذا الوسط العفن الذي قلب عليهم جوّهم الصافي النقي إلى وسط نتن الرائحة.
هذا يدفع إما للهروب والرحيل ومغادرة ما هم تحت تأثيره أو التكتل لأجل الصعود حتى على البنية حامية الهرم نفسها وتكسير القوانين وأصنامها... سيفعلون ذلك رغم تفرقهم واختلاف مستوياتهم داخل المجتمع.
إن الانتفاع الفوقي في الهرم إنما حصّل هذا بفضل السلالم التي تخطاها داخل البناء السياسي و الثقافي بعد أن ألفه المجتمع و المجتمع ألفه و ألف خطابه الإيديولوجي الداعي للتغير والإصلاح. الأغلبية تندفع وراء الجاهز و المباشر لذلك تقع في شراك الأكاذيب السياسية المنطلقة من مرجعيات ثقافية داخل إطار المجتمع التابع.
الأقلية هنا لا تتدخل لا في صناعة التغيير و لا الحث عليه لأنها ترى ذلك مؤشر نهاية متعفنة وبداية فوضى لحقبة جديدة تتخذ الحياد الايجابي. الأقلية هي و لا شك المؤمنة بالفكرة الغير ثابتة للخطاب، لأنها تحمل دائما الفكرة المشككة الباحثة عن النتائج في الأسباب والمعلنة عن الأزمات قبل حدوثها، هذه الفئة تحذر قبل وقوع الخطر لكن لا يسمع لها صوت و لا يلقى لها بال لأنها تعتبر مثالية وقتها توضع في زمرة الذباب الطنان الأخضر المفسد لنوم البغل المستريح بعد العناء وعمله الشاق.
الأقلية هنا لا تتدخل ولا تشارك في حل الاحتقان أو السعي للانفراج السلمي بعد الانسداد الجزئي أو الكلي مع أنواع الطبقات المختلفة داخل المجتمع. تبقى الأقلية الورقة الأخيرة التي تلجا إليها إما السلطة لتخطب نيابة عنها و لتحسين الوضع القائم و إطفاء نار الفوضى من خلال ما تقدمه من توعية و توجيه للرأي العام لأنها تملك وسائل الإقناع و إما تكون مقصد الجماهير فهي تحتاجها لتفاوض بواسطتها النظام القائم داخل هرم السلطة.
في الوقت ذاته العداء تخفيه الجهتين لهذه الأقلية . حين تنطلي حيلة السلطة داخل الهرم لا تعدو الأقلية إلا مذنبا وجب محاسبته و نفيه. هذه الفئة القليلة حاملة الجرس مصدر الإزعاج بتهمة التآمر على قلب الوضع القائم. أما جهة الجماهير المصدّقة للوعود و النائمة في عسل الأكاذيب فكانت الوسيلة الحقيرة المنتقمة من الأقلية المفكرة إما بإقصائها من الحياة الفكرية و إما بوضع الحواجز المثبطة المتمثلة في المقاطعة الواسعة أو بالتكذيب بالابتعاد عن جرعاتها العلاجية ورشقها باللإ استماع و اللا إتباع لأمرها.وإفساد الناس لبنائها بما تداولوه من افتراءات فيتطير منها الخلق وتحل اللعنة عليها أينما توجهت.
من تكون إذا الفئة القليلة أليست هي امتزاج لأفكار السلطة والمجتمع؟ أليس للمجتمع نخبة و للسلطة نخبة ونخبة الحياد؟ لا وجود للفكرة البريئة الساذجة كما لا وجود للفكرة المحتالة لا الأولى تجسر على تكسير الشائع و أصنامه ولا الثانية تسمح بالمنافسة.