عبد الكريم عليــان
Elkarim76@hotmail.com
لعلنا نعيش في زمن الفوضى وانعدام الضمير والأخلاق دون وضع القواعد والضوابط لاحترام حقوق الآخرين.. على عكس ما يمكن أن توفره التكنولوجيا الحديثة لذلك، فقديما عندما كانت وسائل الاتصال محدودة وصعبة الوصول كانت السرقات الأدبية تتم بسهولة دون اكتشافها إلا بعد وقت طويل، فمثلا يكفي لأي متطفل على الأدب أو الثقافة أن يكون في بلد مثل المغرب، فيقوم بتجميع مواد أو مادة أدبية لينسبها له في بلد آخر مثل الأردن أو فلسطين مثلا ، أو العكس.. لكن ذلك كان يكتشف بعد وقت إذا ما تشكك في قدرة السارق، واستمراره على الكتابة، أو إذا ما تتبعه حاذق مختص.. ولعلّ ذاك الزمان كان لا يجود كثيرا بالأدباء والعلماء.. لكننا اليوم نعيش في زمن تغص فيه الشبكة العنكبوتية بالمنتديات الأدبية والثقافية بحيث يصعب على المختص مجاراتها ومتابعة ما يدور فيها، وامتلأت هذه المنتديات بالرواد والمنتسبين لها، وهذا ليس عيبا، لكن العيب هو أن يتم سرقة مواد أدبية، أو علمية لأدباء وشعراء وباحثين دون التدخل والمحاسبة من قبل المشرفين والقائمين على هذه المنتديات، والأغرب من ذلك عندما يقوم أحدهم بسرقة نص شعري نشر في المنتدى مسبقا، وقام فقط ! بتغيير عنوان القصيدة من "هذا الرجل" إلى "ذاك الرجل".. قد نفهم أن هذه الطريقة يستخدمها العاشقون، أو المبتدئون في تذوق الشعر، لكنهم لا يجرؤن على نشرها بأسمائهم.. خصوصا عندما يكون هذا اللص "المراقب العام" لملتقى ثقافي مرموقا ومشهورا كثيرا في أوساط المثقفين، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على فقر وضعف فكري وثقافي ولغوي لمشرف أو مراقب من المفترض أن يكون حريصا على تحقيق أهداف الملتقى وتطويره.. وللأسف! يبقى هذا اللص مراقبا ومشرفا حتى بعد معرفة صاحب الملتقى وبقية المشرفين والمراقبين..! ربما لم يشعر بمرارة وغصة الكاتب إلا كاتب مثله عندما يمر بنفس التجربة..! ولأن الفرزدق كان قد قال: "يمرّ عليّ وقت لقلع ضرس أهون علي فيه من قرض بيت شعر .."
في تجربة لي كنت قد نشرت مقالا سياسيا وفكريا في ملتقى ثقافي آخر، ومن دولة عربية أخرى فقام المسئول الأول وهو شاعر وأديب ـ كما يدعي ـ بحذف فقرة كاملة من المقال ليتغير المعنى ويفقد المقال جوهره والهدف منه، دون استشارتي وعلمي بما اقترفه من جرم، وعندما طالبته بحذف المقال رفض بالمطلق طلبي، وبقي المقال مشوها كي يرضي سياسة الدولة التي يعيش فيها علما بأن المقال لم يتطرق لدولته الغراء..!
كنت مع زميل لي نقرأ مقالا سياسيا لأحد المتطفلين على الكتابة، وتشككت في قدرة صاحبه وتشتت أسلوبه، فدفعني الفضول للبحث فوجدت فقرات كاملة من المقالة مسروقة حرفيا ولم يغير المتطفل فيها شيئا سوى ربط بعض الجمل وتغيير العنوان بعنوان آخر.. وبقي هذا يسرق ويكتب وصورته تتصدر عددا من المواقع والصحف الإلكترونية.. أما الصحيفة الورقية كمثال، فكانت تستكتب عددا من الكتاب والمراسلين ومحرري الأخبار والمنتجين فيكلفها الكثير مقابل ذلك .. أما الصحف الإلكترونية فينكبّ عليها الكتاب وما يسموا بكتاب ينشرون ما يروق لهم سواء الغث أو السمين .. سواء ضروريا أو مهما ، أو سفيه ولا يستحق النشر ! كل ذلك بدون ضوابط ولا حقوق .. ولا يكلف صاحب الصحيفة، أو المنتدى شيء سوى تصميم الموقع لمرة واحدة والاشتراك السنوي المحدود .. ومن جهة أخرى، كثير من الصحف والمواقع يمكنها أن تنسخ ما يروق لها من مواقع أخرى ( نسخ ولصق ) سواء المقالات أو الأخبار أو التقارير ، ويكفي للصحيفة أو الموقع شخص واحد أو اثنين ليقوم بكل المهمات .. وهنا يقع الكاتب في إشكاليات لم تؤخذ بالحسبان ، مثلا : قد يلصق بالكاتب تهمة الانتماء لتنظيم أو جمعية لأن مقالته منشورة فيها .. أو يمكن أن تصلك مقالة أو قصيدة شعر لا يعرف صاحبها.. إذن هناك الكثير من الكتاب والصحفيين سيفقدون لقمة عيشهم ، وكذلك هناك الكثير من المبدعين أصبحوا يدفعون من جيوبهم مقابل توصيل إبداعاتهم وإنتاجهم الذي أخذ منهم الوقت والجهد والاحتراق النفسي بما لا يقدر بثمن ؟ وصارت إبداعاتهم ليست ذو قيمة ، كما كان الكتاب الذي كنا نفتخر في زمن باقتنائه خاصة إذا كان فريدا .. وأي احتفالية سيقيمها المبدعين حينما تصدر كتبهم ؟! حتى الكتب النادرة أو الممنوعة في بعض الدول صار يمكن تحميلها والاحتفاظ بها وتناقلها بسهولة وسرعة كبيرة كما هي مصورة بدون الاحتفاظ بالحقوق الأدبية والأخلاقية لأصحابها ..
نحن لا نفهم كيف انهال بعض الكتاب الكبار على المواقع والصحف الإلكترونية لينشروا كتاباتهم في معظم المواقع؟ فما يكاد ينشأ موقع جديد حتى تجدهم يتصدرون صفحاته، فأصبحت تقرأ المقال الواحد أو القصيدة الواحدة في معظم المواقع، وكأنك تطالع صحيفة واحدة فقط ! ماذا لو توقف المبدعون عن نشر إبداعاتهم؟؟ ولماذا لا يطالبون مالا مقابل النشر كما هو معهود في الصحف الورقية؟؟ ربما لأن أصحاب المواقع لا يجمعون المال من ما يستخدمون الموقع، ولأن المال فقط ! صار يجمعه أصحاب الشبكات العنكبوتية وشركات الاتصال..؟ طبعا بالإضافة لما ذكر هناك العديد من القضايا التي نعرفها ، والتي لا نعرفها مثل قضايا التجسس والاختراق والسرقات وما شابه ... فبات مطلوبا منظومة من القواعد والأسس والقوانين التي تنظم استخدام هذه الشبكة المجنونة ، ومطلوب تكنولوجيا حلّ كثيرا من المشاكل التي يعاني منها الجميع .. وقد يكون هناك دولا باشرت في ذلك ، لكن دولنا ما زالت تنعم فقط ! بجباية الأموال من هذه الخدمة التي ليست من اختراعاتها ..؟
الثلاثاء، مارس 30، 2010
منتديات الإنترنت والسرقات الأدبية، أو الاعتداء على حقوق الكاتب
الأربعاء، سبتمبر 23، 2009
عفوا درويش على هذه الأرض من يصنع الحياة
أمين سر صالون القلم الفلسطيني
فريق إبداع الإعلامي في غزة أصر أن ينفذ برنامجه الترفيهي والثقافي ناقلا الجمهور من حالة الكبت الشديد الذي يعانيه في ظل حصار ظالم وحكم مستبد منع إقامة الحفلات الفنية حتى داخل الصالات، حيث أقيم الحفل في منتجع البيدر السياحي على شاطئ بحر غزة، فامتلأت قاعة البيدر بالعائلات الغزية مصطحبة الأطفال والشباب المقبلين على الزواج، إضافة إلى لفيف من الكتاب والمثقفين والمهتمين بالحركة الثقافية في غزة استطاعوا جميعا سرقة أكثر من ثلاثة ساعات من الفرح الذي بدا واضحا ومكشوفا على وجوه الجميع. قدم الحفل الشاب سامي عطا الله من فريق الإبداع الإعلامي بالترحيب بالحضور مقدما رؤية الفريق واهتمامه بالشأن الثقافي والحياتي للناس طالبا منهم أن يرموا همومهم وعذاباتهم وآلامهم خارج القاعة، وذكر بأن هذه الأمسية الثالثة التي أقامها الفريق معنونا خطاهم بشعار جميل وحكيم يقول: "لا تمشي أمامي ربما لن استطيع أن الحق بك.. ولا تمشي خلفي ربما لن استطع القيادة، بل امش بجني فسوف نصل .." وبدأ الحفل من المغني الشاب محمد عساف الذي ما أن على المنصة حتى قوبل بالتصفيق الحار من الجمهور الذي عرفه من قبل بأغنيته المشهورة "عليّ الكوفية" فقدم أغان جبلية جميلة لاقت حماسا وإعجابا شديدين من الحضور..
الفقرة الثانية كانت من فرقة "كراميش" للفلكلور الفلسطيني، فقدمت عرضا للدبكة الفلسطينية على أنغام العاتابا والميجانا وظريف الطول وجفرا.. وهذه الفرقة تتألف من فتية ناشئة حملت على عاتقها تراثا زاخرا بالإبداع الإنساني الفلسطيني لأكثر من ألفي عام مضت وما زالت.. فالدبكة الفلسطينية ليست فنا رياضيا أو رقصا فقط ! بل هي تمثيل يرتقي إلى مرتبة الأوبرا وأكثر باستخدامها لشتى أنواع الفنون من تمثيل ورقص وغناء ملحمي يعبر عن حقب تاريخية مختلفة، إنها ميثولوجيا الإنسان الفلسطيني وهويته.. ولا شك أن فرقة "كراميش" بزيها الفولكلوري قد أبدعت وقدمت ذلك في دقائق معدودة شحنت الحضور بالحنين إلى الماضي والتمسك والاعتزاز به.. ثم قدمت الفرقة عرضا آخرا للأطفال بعنوان "يا الله نعيش" منتحلة شخصيات ميكي ماوس والدببة والفيلة برقص يحبه الأطفال الذين علو المنصة وشاركوهم الرقص والتمثيل فدخلت الفرحة والأمل في قلوب الجميع..
فقرة أخرى من الفكاهة الهزلية قدمها الفنان علام السرساوي المشهور بتقليده للرؤساء، فبدأ عرضه بتقليد الشهيد الرئيس الراحل ياسر عرفات ـ رحمه الله حينما كان محاصرا في المقاطعة برام الله فقال: " يريدونني إما أسيرا، وإما قتيلا، وإما طريدا.. وأنا بقول لهم لا.. شهيدا شهيدا شهيدا ... على القدس رايحين شهداء بالملايين..." وما أن التفت حولي، ففجعت بما شاهدته من الدكتورة الزميلة ـ فاطمة قاسم التي اغرورقت عيناها بالدموع وانهمرت مدارا على وجنتيها.. وسارعت بالاتصال بعقيلة المرحوم ـ سها عرفات لتبلغها بأن "أبو عمار" ما زال حيا.. استمر الفنان علام بتقديم عروضه بتقليد الفنانين الكبار وبمشاهد من الأفلام القديمة والحديثة التي لاقت تصفيقا وحماسا من الجمهور.. ثم قدم الشاب ـ محمد أبو حميد فقرة المسابقات والجوائز، وكانت الفقرة غنية بالأسئلة الثقافية والعلمية والتاريخية المتنوعة وشارك بها الجمهور بحماسة وعصف للذهن حتى ينالوا العديد من الجوائز القيمة.. ثم قدمت فقرة من التهريج الهزلي المخلوط بالجد وبمشاركة عدد من الأطفال أيضا، ثم قدم الشاعر الشاب " محمد الإماراتي " قصيدة من الشعر النبطي وأغنية خليجية بصوته لاقت تصفيقا حارا، يذكر أن الشاعر محمد فلسطيني مولود في دولة الإمارات وترعرع وشب على أراضيها فشرب من ثقافتها وتقاليدها فأبدع من الشعر النبطي ما لم يبدعه شاعر خليجي في مثل سنه.. ثم تقدم المنصة الطفل المغني ـ محمد عطا الله ليفاجئ الجميع بأغنية من الطراز القديم "احكي لي ع اللي جرى" إذ من المعروف أن الشباب يميلون إلى الأغاني الحديثة والشابة.. حقا كانت تقديم رائع بأن نعيد للفن أصالته وعراقته من جيل جديد يبشرنا بفجر جديد..
تحية وألف تحية لمن يصنع البسمة على وجوه أطفالنا.. تحية وألف تحية لمن يحول العذابات والآلام إلى فنونا راقية.. تحية وألف تحية للشباب الذين يصنعون الحياة والحضارة .. هذه هي غزة الأبية .. هذه هي غزة التي تتحدى .. ها هي غزة التي سوف يهزم على شواطئها كل الغزاة والظالمين.. وسوف تنكسر شوكة الطغاة والحاقدين .. ألف تحية للشباب من فريق إبداع الإعلامي بغزة وإلى الأمام..
السبت، سبتمبر 05، 2009
الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" هو الرئيس الديمقراطي الأول في المنطقة
أمين سر صالون القلم الفلسطيني
في الوقت الذي يقف فيه الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني "أبو مازن" معلنا بقوة أن الانتخابات في موعدها الدستوري هي استحقاق وطني للفلسطينيين جميعا، وليس من حق لأحد أو لجهة ما التلاعب في هذا الحق، يخرج رئيس حكومة حماس المقالة في غزة ليقول: لا انتخابات دون اتفاق وطني، وإجراؤها في الضفة دون غزة جريمة.. نعم! جريمة لكن ما الذي يمنع حماس من إجراء الانتخابات في غزة؟ خصوصا أن غزة لا يوجد بها حواجز إسرائيلية أو أية معيقات.. ما الذي يمنع حماس من إجراء الانتخابات في غزة خصوصا هي التي تسيطر عسكريا على غزة وتوفر الأمن والحماية للجميع حسب ما تقول؟؟ لو كنت غير فلسطيني وأعيش في أوروبا أو أمريكا وخيرت بأن أقارن بين التصريحين تصريح رئيس حكومة حماس الذي يرفض الانتخابات، وتصريح الرئيس الشرعي محمود عباس الذي يقول الانتخابات في موعدها حق للمواطن وليس حق للأحزاب.. يا ترى من سأصدق أو أؤيد وأناصر وأقف بجانب من؟؟ بالطبع الجواب سيكون مع من يناصر المواطن ويقف بجانبه..
هكذا وبدون حسابات حزبية أو فئوية يقف الرئيس أبو مازن بكل صلابة منحازا لأبناء شعبه الذي دفع ثمنا باهظا من أجل الديمقراطية مقتنعا بها تماما كحل أساسي لحالة الانقسام التي لم تنجح جولات الحوار حتى الآن في إنهائها.. الديمقراطية هي: تبادل السلطة بطرق سلمية، والديمقراطية جاءت بديلا لاستخدام القوة لا مفر منها ولا خيار آخر غيرها.. الديمقراطية هي مشاركة الأحزاب في تشكيل حكومة وحدة وطنية.. نعتقد أن الرئيس محمود عباس فعلها من قبل عندما فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية الأخيرة حيث استلمت حكومة حماس وزارات ومؤسسات السلطة بهدوء دون أية إشكالية تذكر رغم معرفته بأن ذلك سوف يأتي بحصار شديد على شعبنا، لأن العالم الديمقراطي يشهد تطورا في العملية الديمقراطية إذ هناك الكثير من الدول لا تسمح بوجود أحزاب ذات مذهب ديني من جهة، ومن أخرى اتهمت حماس كمنظمة "إرهابية" من قبل إسرائيل واقتنع بذلك كثير من الدول.. في استطلاع للرأي تقوم به حاليا قناة تلفزيون إيطالية بعد الحرب على غزة، وكانت أسئلة الاستبيان، فيما إذا كانت إسرائيل انتهكت حقوق الإنسان باستخدامها قنابل فسفورية؟ أو حماس باستخدامها الناس دروعا بشرية؟ أو الاثنتين معا قد انتهكتا حقوق الإنسان؟ فأظهر الاستطلاع أن ما يقارب 82% من المستطلعين قد صوتوا بأن حماس هي التي اعتدت على حقوق الإنسان مقابل 15% اعتبروا إسرائيل هي المعتدية، و3% اعتبروا الاثنتين. بالطبع أنا لست مع ذلك.. لكن هذا ما أظهره استطلاع محايد، وهذا ما يؤكد رؤية العالم الغربي له..
مع ذلك تعامل الرئيس محمود عباس مع حماس كممثل للشعب الفلسطيني واحترم نتيجة الانتخابات بروح عالية من المسئولية، وحاول إقناع العالم بهذه النتيجة لكن ذلك لم يعطي ثمارا، مما أدى به لإقناع حماس بحكومة وحدة وطنية للخروج من هذه الأزمة، وفعلا تم تشكيل هذه الحكومة واستمرت فيما يقارب الخمسة شهور، لكن حماس قامت فيما بعد بانقلاب عسكري مستخدمة ميلشياتها وسيطرت على قطاع غزة بالكامل.. هذه هي ديمقراطية حماس وتوجهها.. بدلا من أن تستخدم قوتها البرلمانية بطريقة حضارية، راحت تسفك دماء شعبها وتدمر منجزات ومقدرات وطنية هي ليست ملكا لفتح أو لأشخاص.. ولو كانت كذلك، لماذا يتم تدمير منشآت هي أخيرا ملك للناس وللوطن، وإنها تساوي قيمة وثمن.؟ أي سياسة هذه ؟ وأية قيم نحتفظ بها لأجيالنا وتاريخنا؟ ماذا لو فعل الرئيس محمود عباس ما فعله زعماء عرب كثيرون؟؟ أيًّ زعيم عربي كان لديه الحكمة والصبر في الحفاظ على شعبه مثلما الرئيس محمود عباس؟ كلنا يعرف ماذا فعلت الحكومة الجزائرية عندما فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية بالانتخابات، وكلنا يعرف ماذا فعل النظام السوري في حماة عام 1982 عندما اكتشف خلايا مسلحة للإخوان المسلمين هناك.. كلنا يعرف أنه لا يوجد نظام عربي أو إسلامي واحد يمكنه أن يقبل بما فعلت به حماس في غزة.. الرئيس محمود عباس لم يقود شعبه إلى الهلاك والدمار، الرئيس محمود عباس رئيس للشعب الفلسطيني أينما كان ولديه مشروعا وطنيا هو مشروع منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترف العالم قاطبة بها كممثل شرعي ووحيد لشعبنا، وقادت النضال الفلسطيني ومازالت.. الرئيس محمود عباس ليس طوباويا، أو حالما، أو واهما، الرئيس محمود عباس قادر على تحقيق دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف وإنهاء الاحتلال دون اللجوء إلى هدنة طويلة (خمسين سنة) مع الاحتلال كما هو سقف حماس؟! الرئيس محمود عباس لم يمنع المقاومة ضد الاحتلال في غزة كما تمنعها حماس الآن..! الرئيس محمود عباس لم يقم بقتل المصلين وتدمير مساجد الله، كما فعلت حماس في رفح..
الرئيس محمود عباس لم يقم بما قام به كثير من زعماء الجمهوريات العربية بتغيير الدستور كي يتسنى له البقاء في الحكم، أو يورثه لأبنائه.. الرئيس محمود عباس حافظ بدرجة كبيرة على نزاهة الانتخابات، وإجراؤها بحرية كاملة دون أية عقبات، أو مخالفات شهد العالم أجمع بشفافيتها ونزاهتها.. الرئيس محمود عباس: أنت رجل الديمقراطية الأول في المنطقة، وأنت الأجدر على قيادة الشعب الفلسطيني؛ فاصنع ما تراه مناسبا بما ينهي حالة الانقسام، وبما ينهي الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.. ولتسقط كل الأقنعة الزائفة وكل الأوهام ولا مبرر لأحد أن يفرض رؤيته وسياسته التي يريدها ولتكن هذه الانتخابات هي الرؤية الصحيحة التي يريدها شعبنا في إعادة الوحدة لصفوف شعبنا الممزقة وكفى..!
الأربعاء، أغسطس 26، 2009
مخيمُ أشرفٍ ورهانُ حماسٍ الخاسر
لمن لا يعرف شيء عن مخيم أشرف فهو يقع على بعد ستين كيلومترا إلى الشمال من بغداد العاصمة العراقية، وهو مخيم أقيم عام 1986 للاجئين الفارين من الحكم الإيراني، ومعظمهم ينتمي إلى منظمة ( مجاهدي خلق ) المناهضة للحكم الإمامي وولاية الفقيه الجديدة، ومما لا شك فيه أن الرئيس العراقي صدام حسين كان يدعم هؤلاء، وسمح لهم بالعمل من أراضيه ضد حكام إيران إلى أن صارت الحرب واحتلت العراق من قبل الجيوش الأمريكية تحت مبررات وحجج يعرفها الجميع.. وكان يمكن لأمريكا أن تستمر في رعاية وحماية اللاجئين الإيرانيين في مخيم أشرف خصوصا أن الجميع يعرف العداء الظاهر بين أمريكا وحكام إيران.. لكن الحرب غيرت كثيرا من المفاهيم والعلاقات الظاهرية بين الإيرانيين والأمريكان، وكما يقولون لا يوجد أخلاق أو مبادئ في السياسة.. كانت أمريكا تدعم صدام حسين في مواجهته وحربه ضد إيران، وكذلك كانت ترعى وتدعم منظمة مجاهدي خلق وتستقبلهم في أمريكا كأبطال، إذن ما عساها اليوم لا تبال بهم ؟ وذهبت لأبعد من ذلك في السماح للقوات العراقية التي تأتمر بقيادة الجيش الأمريكي بمهاجمة مخيم أشرف وقتل من استطاعت قتله وجرحت من جرحت منهم؟ وفرضت حصارا قويا على المخيم الذي يقطنه ما يقارب 3500 لاجئ إيراني صاروا جزء من الشعب العراقي..؟
هدوء الهجمة الشرسة من قبل أمريكا والغرب على إيران وحكومتها بشأن تخصيب اليورانيوم وإنتاجها للطاقة النووية له تفسير واحد هو التهادن واستخدام اللباقة السياسية بدلا من القوة خصوصا بعد فوز الرئيس أوباما برئاسة أمريكا، ويبدو أن هذه السياسة وصلت لمرحلة متقدمة جدا في العلاقات مع الحكومة الإيرانية التي لا نشك مرة في أن الحكم الإيراني يشكل أدنى خطر على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة بقدر ما يكون لهذا الحكم دورا في تنفيذ السياسة الإسرائيلية والأمريكية في الشرق الأوسط.. وما السياسة الإعلامية الظاهرة إلا تغطية لتلك السياسة السرية.. وإن ما يجري في مخيم اشرف لدليل واضح على مدى التعاون بين الإدارة الأمريكية والإيرانية وغزل صريح بين الحكومتين بتوافق الحكومة العراقية التي تسعى أيضا لعلاقة وطيدة مع الجار الإيراني.. ونعتقد أن النووي الإيراني لا يشكل خطرا مزعوما على قيادة الكوكب أو الكواكب الأخرى.. فأمريكا سمحت لجيران إيران الهند والباكستان بامتلاك تلك الطاقة الجبارة خصوصا أن تلك الدولتين أقل استقرارا من إيران، وربما ما كان يغيظ أمريكا والغرب هو تكنولوجيا إنتاج هذه الطاقة؛ فهي تكنولوجيا روسية وليست غربية.. وهنا يمكن التفاهم عليها بالطرق الدبلوماسية والتعاون فيما بينهما، ولأن إيران لن تشكل نقيضا أيديولوجيا أو اقتصاديا لأمريكا أو إسرائيل كما يشاع..
المتتبع للسياسة الإيرانية منذ حجة الإمام الخميني حتى وقتنا هذا يلاحظ أن إيران تختلق صراعات خارج أراضيها تحت حجج ثورية وتحررية لتغطية ما يجري ويدور على أراضيها من حكم تعسفي وسلاطين تربو يوميا على قوت ومقدرات الشعب الإيراني الذي تخلص من حكم ديكتاتوري قمعي، ليستبدله بحكم (ديونيزيوسي) يقدس النشوة ويمجد الفرح بعذابات البشر.!! وجرّ ويلات ودمارا لشعوب أخرى في المنطقة مثل لبنان وفلسطين ـ غزة.. والنتائج تقول أن الرابح الأكيد من هذا الخراب والدمار وهذه السياسة هو (إسرائيل)، خاصة بعد اندحار حزب الله عن الجنوب اللبناني وإلهائه بسياسة لبنان الداخلية، وكذلك حجم الدمار الهائل الذي لحق بغزة التي انجرّت لحرب مع إسرائيل بدعم إيراني كانت نتائجها القضاء على روح المقاومة الفلسطينية (هدنة طويلة غير معلنة) بالإضافة لشطر الشعب الفلسطيني جغرافيا وثقافيا واستمرار فرض الحصار على غزة، واستمرار تدخل إيران في الشؤون الفلسطينية؛ فعملت على إفشال الحوار الفلسطيني بالتوصل لوحدة الفلسطينيين المنشودة... كل ذلك يخدم المشروع الصهيوني بالدرجة الأولى.. ولعل الرجوع قليلا إلى تجربة القائد الفلسطيني الراحل أبو عمار الذي كان يدعم الثورة الإيرانية بقوة حتى انتصارها في عام 1979 فتنكروا لكل ما قدمته الثورة الفلسطينية لهم من دعم فيما بعد على أثر الحرب التي دارت بينهم وبين العراق..
بعد كل هذه الحقائق الدامغة للسياسة الإيرانية، وفيما لو أعلن عن اتفاق وتفاهم بين أمريكا وإيران، وهو موجود فعلا بشكل سري كما أشارت إليه كثير من التقارير، هل ستبقى إيران تقدم الدعم لحماس كما تقدمه الآن !؟ بالطبع لا.. حتى أمريكا التي تخلت عن موقفها وأخلاقها وعن المواثيق والاتفاقات الدولية تجاه مخيم أشرف الذي كانت تحميه وتقدم له الدعم والرعاية.. ونعتقد بشكل جازم أن إيران وحتى سوريا كذلك.. تستخدمان حماس وأفعالها كورقة ضغط لتحقيق مآرب سياسية لهما خصوصا أنه لا يوجد تقارب أيديولوجي أو مذهبي بين أيديولوجيا حماس وحكومة إيران وسوريا، بل على العكس تماما فإن هناك شبه عداء بين الفكر الوهابي الذي تتبناه حماس والفكر الشيعي الذي يحكم النظامان الإيراني والسوري والدليل على ذلك بأن إيران لن تسمح لأي مسلم يتبنى فكر الإخوان المسلمين بالتواجد على أراضيها، وكذلك سوريا التي قضت على سبعة وعشرين ألفا من السوريين في ليلة وضحاها بحجة وجود منظمات للإخوان بينهما في شباط عام 1982.. بعد كل هذا هل أدركت حماس على أي حصان تراهن..؟؟
الأحد، أغسطس 02، 2009
لماذا يخاف القاضي مواجهة المرافعة من محامية مكشوفة الوجه؟
الفلسطينيات الماجدات منذ فجر التاريخ أبدعن ملابسهن الزاهية ومطرزاتهن الفنية الراقية المنتجة من طبيعة فلسطين الخلابة، تلك الثياب التي مازالت تنتج يدويا حتى وقتنا الحاضر، والتي خلبت قلوب السائحين، وحيرت عقول الباحثين.. تلك الثياب التي حافظت على الهوية الفلسطينية قرونا طويلة، وأكثر من ذلك حين كان الثوب يرمز إلى وطن الفلسطيني أينما سافر، وأينما حل.. المكان الفلسطيني كان له دلالته الواضحة في ثوب المرأة الفلسطينية، فكانت تعرف المرأة الفلسطينية من أي قرية أو مدينة هي من خلال ثوبها وزخرفته ولونه، وكانت تعرف أيضا إن كانت متزوجة أم غير ذلك.. وحتى الرجال أيضا كانوا يتميزون بذلك فيعرف الرجل أو الشاب إن كان متزوجا أم لا من خلال لباسه وطريقة تفصيله، وكذلك يدل على قريته أو مدينته.. كنا نتوقع من قاضي غزة الشيخ أن يعيد لتراثنا رونقه وبهجته وإحياؤه، لكنه للأسف راح يفرض الحجاب السعودي أو الأفغاني، على الماجدات المناضلات اللواتي نتوسم بهن الخير في العدل والمساواة.. كما جاء في وثيقة الاستقلال التي لم يقرأها القاضي، أو لم يقتنع بها ونقتبس منها الفقرة : " إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، تصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون أو بين المرأة والرجل، في ظل دستور يؤمن بسيادة القانون والقضاء المستقل وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الأديان عبر القرون." كنا نتوقع من القاضي الشيخ أن يطالب الاحتلال بإعادة تراثنا المنهوب، أو يبحث في القانون الدولي حسب اختصاصه ويتقدم إلى المنظمات الحقوقية الدولية بمعاقبة الاحتلال على سرقة هويتنا وتراثنا المغتصب...
القرار الذي أصدره القاضي الشيخ رئيس المحكمة العليا بغزة بضرورة كساء المحاميات الفلسطينيات بالحجاب في المحكمة ليس له معنى، ولا يقدم شيئاً لقضيتنا، ولا يخفف شيئاً من أعباء ومعاناة شعبنا القاسية، ولا يوافق دستورنا الذي اعتمد على النظام الديمقراطي البرلماني الذي يحفظ للإنسان حريته والعيش بأمان في وطنه... وهذا القرار لا بد أنه يعبر عن ( مازوشية ) الرجل الذي لن يستطيع ضبط عواطفه وأحاسيسه أمام المرأة خصوصا إذا توفر فيها جاذبية قاهرة تهزم إرادة الرجل المتمتعة، وتحيل دوره إلى دور سلبي خاضع لا خيار له، ولا يملك إلا أن ينقاد لجاذبيتها.. إحدى النساء المطلقات في غزة قالت لي: إن أحد القضاة الشرعيين في غزة رفض تزويجها من شاب اتفقت معه على الزواج، وبعدها اتصل بها القاضي ليتغزل بها ويطلب منها الزواج..!
يا شيخ! نذكرك بحديث رسولنا الكريم e عندما دخل على زينب فقضى حاجته وخرج، فقال: " إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإنها معها مثل الذي معها" (سنن الترمذي، باب ما جاء في الرجل يرى المرأة تعجبه) هنا.. هل تعتقد أيها القاضي أن الرسول e قد رأى المرأة التي دفعته بأن يأت أهله، هل كانت تلك المرأة مكشوفة، أم محجبة؟؟ وإن كانت محجبة؛ فلماذا أثارت غرائزه؟؟ من يقنعني أن الشيخ أو أي رجل آخر في هذا العصر لم يجلس أمام الفضائيات، وأي الفضائيات تخلو من صور النساء وأصواتهن؟؟ ولو فرضنا أن المحامية قد حجبت فتنتها عن الرجال في المحكمة، فكيف ستحجب صوتها؟ خصوصا إذا كان في صوتها شجو يثير الرجال أيضا..؟ إن هذا القرار قد فتح المجال واسعا أمام المخبولين والمكبوتين والمتخلفين ليقوموا بتكسير وتخريب وتدمير ممتلكات المواطنين ومنجزاتهم، كما حدث مؤخرا لمحلات عرض الأزياء في غزة..؟! أهذا ما يريده القاضي؟؟ لماذا لم يأمر القاضي بملاحقة هؤلاء وتقديمهم للمحاكمة؟؟
إن هذا القرار يرجعنا إلى عصور بائدة ومستبدة في اضطهاد الإنسان ويشعرنا بسلطة الاحتلال القمعية، ويعكس ما في باطن الرجل وما يعانيه من قمع سياسي واقتصادي وثقافي.. يقول العالم ـ ولهام رايش، في كتابه علم النفس الاجتماعي الفاشي 1970The Mass Psychology of Fascism :"إن الوظيفة النفسية لاضطهاد النساء التي تمكن الرجل من تفجير ما يعانيه من قمع سياسي واقتصادي وثقافي، بصب عدوانيته على رفيقته، أقل بروزا من الجانب الاقتصادي لهذا الاضطهاد، ولكن مؤثراتها بالغة الضرر.." وأظهر الانتباه إلى وظائف الأسرة الأبوية في مجتمع يعاني من أزمة، فأشار إلى كون الحرية الاقتصادية تتواكب و(اختفاء المؤسسات القديمة) خاصة منها التي تتحكم في (السياسات الجنسية)، وأن الرجال الذين يعانون من القمع يميلون أقل من غيرهم إلى الثورة ضد الاستغلال الاقتصادي.. وهذا يعني: أن قمع الحاجات المادية بشكل فطن لا يمارس التأثير نفسه الذي يمارسه قمع الحاجات الجنسية، فالقمع الأول يؤدي إلى الثورة، أما الثاني فإنه يحول دون الثورة في إطار تواجد هذين الشكلين من القمع، بما أنه يكبت المتطلبات الجنسية ويخضعها للوعي، ويتجذر داخليا كشكل للدفاع الأخلاقي. وعلينا أن نلاحظ: أن منع الثورة هو نفسه غير واع، والرجل المتوسط الذي يفتقر إلى الوعي السياسي لا يشعر البتة بمبادئها الأولية..
إن الرجل المكبوت جنسيا ينشغل برموز كـ (الطهارة) و (الشرف) تبعا لقواعد المجتمع وبالتالي تبعا لقواعده الخاصة.. يضيف ولهام رايش: "إن الرجل الذي أرضي تناسليا إنسان شريف واع بواجبه، شجاع ومنتظم دون إثارة للضجيج وكل هذه المميزات ترتبط عضويا في شخصيته، والفرد الذي يعاني من ضعف تناسلي والذي تحفل بنيته الجنسية بالمتناقضات، يكون حذرا باستمرار حتى يتحكم في حياته الجنسية، وينقذ شرفه ويناضل بشجاعة ضد المغريات.." إلى هنا.. هل عرفنا لماذا نحارب التمييز بين الجنسين؟ وعلى أصحاب القرار أن يراجعوا حساباتهم عندما يتخذون القرارات الظالمة بحق شعبنا.. لألا نقول ما قاله، عمر ابن عبد العزيز قبل خلافته: "الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة.. اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا، فأرح الناس!."
السبت، يوليو 25، 2009
نتائج الثانوية العامة 2009 تحت المجهر؟؟
نتائج العام الماضي أفضل بكثير من هذا العام وليس كما ذكر في وسائل الإعلام !!
قبل البدء بعرض النتائج وتحليلها وجب التذكير بالسمات التي برزت خلال العام الدراسي 2008 / 2009 ونخص هذه الدراسة طلبة قطاع غزة فقط ! فمنذ بدء العام الدراسي اشتكى معظم الطلاب من عدم توفر معلمين ذوي خبرة في مجال التدريس الثانوي إذ من المعروف أن جزءً كبيرا من الطاقم التدريسي السابق متوقف عن التعليم نتيجة الانقسام السياسي المعروف والمستمر، وهذا لا يختلف عن المعاناة الشديدة التي يواجهها المواطن الغزّي في كافة الخدمات الحياتية.. والكل يعرف أن سلطة حماس بغزة استبدلت هؤلاء المعلمين بغيرهم مما أدى إلى إرباك كبير في العملية التعليمية مما دفع ببعض الطلبة لأن يتحولوا من القسم العلمي إلى العلوم الإنسانية حسب ما يعتقدون بأن العلوم الإنسانية يمكن تعلمها بيسر ولا يحتاجون إلى مدرسين فيها.. ولا يمكن القفز عن آثار الحرب المدمرة على قطاع غزة وما أثارته في نفوس الجميع سواء قبل الحرب وفي أثنائها أو بعدها.. والباقية آثارها على كافة أنشطة المواطن حتى وقتنا الحاضر! وأيضا الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها أهالي غزة، وبرزت مشكلة انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة عن معظم أحياء قطاع غزة مما كان له بالغ الأثر على طلابنا وتركيزهم على التحصيل، وكذلك الخوف الشديد الذي صاحب الطلبة والأهالي من المستقبل لعدم وضوح الرؤية بالاعتراف بالشهادة الثانوية فيما لو انقسمت الامتحانات إلى سلطتين، رغما عن بيانات الطمأنة التي كانت تصدر عن الجهات الرسمية سواء من رام الله أو من غزة.. إضافة لما ذكر من سمات هناك العديد من القضايا التي لا يمكن حصرها، ويعاني منها أبناؤنا ومدارسنا في قطاع غزة...
تجدر الإشارة أن وسائل الإعلام وخاصة إعلام حركة حماس قد طبلت وزمرت قبل ظهور النتيجة بأسبوع وهي تبشر الناس أن النتيجة لهذا العام هي أفضل بكثير من العام السابق في محاولة منها بانعكاس ذلك على أدائها وإدارتها للحكم في غزة والحقيقة الساطعة مغايرة تماما لما ذكرته وسائل الإعلام عن غزة إذ بلغت نسبة النجاح العامة في العام الماضي 52.19 % ، أما هذا العام فبلغت 49.76 % من عدد الذين تقدموا للامتحان، والمتتبع للتصريحات والبيانات الوزارية قد لا يستطيع الحصول على الأرقام الحقيقية إذا لم تذكر أية بيانات مستقلة أو منفردة عن طلاب غزة فيما عدا النجاح والعشرة الأوائل.. ونعتقد أن هذا الإخفاء مقصودا، أو أنه غير مهني من الجهاز التعليمي برمته.؟! إذ كان من المتوقع أن يصدر بيانا تفصيليا وتقويميا من وزارة التربية والتعليم بهذا الخصوص. ولا نخفي القارئ بأنني قمت بجهد كبير في الحصول على البيانات وتبويبها وإجراء العمليات الإحصائية لتفسيرها بالطريقة العلمية، ومع أنني قمت بذلك في العام الماضي إلا أنني لم أواجه صعوبة كبيرة مثل هذا العام.. الملفت للنظر هو اهتمام الهيئات الرسمية وغير الرسمية، وكذلك وسائل الإعلام المختلفة بالطلبة المتفوقين مثلما يحصل في كل عام.. هذا جميل ومرضي عنه؛ لكن الأهم والذي لم ينتبه له أحد هو الفئة الراسبة والتي تخلفت عن النجاح، أو كما يقولون: (لم يحالفهم الحظ !) وكأن هؤلاء لم تشكلهم الظروف التي نعرفها، ولم تتأثر بما يجري في محيطها.. وأن الجهاز التعليمي الذي يديره السياسيون المنقسمون غير مسئولين عن هذا الفشل الذريع..؟ في الدول المتقدمة، نعم ! يهتمون بالفئة المتقدمة لكنهم يهتمون أكثر بالفئة المتأخرة أيضا، ويحكمون على نتيجة الامتحان بأن الجهاز التعليمي والجهاز الحكومي كله مسئولا عن النتيجة! وإذا ما ظهرت النسبة بأن الناجحين كانوا 50 % مثلا؛ فهذا يعني أن الجهاز التعليمي لم يقم بواجبه بقدر 50% أيضا ويجب تشديد الرقابة علية وزيادة ميزانيته بشكل يضمن تحسين قدرته على العمل.. ويبدو أن القائمين على الامتحانات لم يكن لديهم فلسفة التقويم لعملهم وكل همهم هو فرز أبنائنا وتصنيفهم بما يروق لهم ويتلذذون بخراب المجتمع وعدم الاكتراث بالنتائج المدمرة لعملهم.. وهنا نذكر: " بأن وظائف القياس (الامتحان) لم تعد مقصورة على تحديد الدرجات وتكوين الأحكام الخاصة بالترفيع والترسيب، وإنما أصبحت بالإضافة لذلك وسيلة تهدف للحصول على المعلومات ومعالجتها بقصد تحسين عمليات التعلم والتعليم، وهي تستند إلى أكبر قدر من البيانات يمكن توفيرها عن الأفراد، وهي وسائل ضبط لنوعية العملية التربوية بحيث يتم الحكم في نهاية كل مرحلة على ما إذا كانت تلك فعالة، ولا مانع من الاستمرار بها، أو أنها تحتاج إلى إيقاف أو تعديل بالإضافة إلى أنها وسائل تساعد على التعرف على ما إذا كانت الأبدال المختلفة للممارسات التربوية فعالة أم لا في تحقيق الأهداف والغايات التربوية المنشودة. (القياس والتقويم ، جامعة القدس المفتوحة ، ص 53 ، القدس: 1992) .."
لنبدأ الآن بعرض النتائج كما ظهرت أو وزعت على مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام بالنسبة للناجحين في كل الفروع، وكما أشرنا بذلك نخص هنا قطاع غزة فقط ! حيث تقدم للامتحان هذا العام ما مجموعه 38317 طالبا وطالبة منهم ما يقارب 7000 طالبا في القسم العلمي ، و30000 في قسم العلوم الإنسانية، و1500 طالبا في الفروع الصناعية والتجارية والزراعية، وبلغ عدد الناجحين من هؤلاء 19070 طالبا أي بنسبة مقدارها 49.76 %. وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقا في أن العملية التعليمية في تدهور خطير مقارنة مع العام الماضي أو الأعوام السابقة، وليس كما نشر في وسائل الإعلام المختلفة بأن هناك تقدما ملموسا في عدد الناجحين هذا العام عن العام الماضي.. كيف ذلك والأرقام تقول العكس، حيث كانت نسبة الناجحين هي: 52.19% أي بتدهور مقداره 2.43 % عن العام الماضي؟ الملاحظة المهمة خارج نطاق نتيجة الامتحان، وهي عدد طلاب القسم العلمي مقارنة مع القسم الأدبي متدنية جدا ؛ فبينما كانت نسبتهم في السابق تزيد عن 30 % من إجمالي الطلبة انخفضت هذه السنة إلى 22 % ، وهذا يعني أن العملية التعليمية يشوبها الكثير من التشويه وأنها لا تسير وفق أهداف محددة يحتاجها المجتمع والدولة خصوصا أن الحياة العصرية تتطلب أن يكون عدد الطلبة في القسم العلمي أكثر منهم في قسم العلوم الإنسانية مما يستدعي منا إعادة النظر في برامج المدرسة وأنشطتها في كافة المراحل التعليمية ..
فيما لو قسمنا الناجحين إلى فئات فستكون على النحو التالي: الفئة الضعيفة وهي من (50 درجة إلى أقل من 60 درجة) بلغ عددهم 7153 طالبا بنسبة مقدارها: 37.50% من عدد الناجحين، أما الفئة الأعلى أو المقبولة وهي من حصلوا على درجات بين ( 60 إلى أقل من 70 درجة) فبلغ عددهم: 4775 بنسبة مقدارها: 25.03% من عدد الناجحين، والفئة الجيدة وهي بين ( 70 إلى أقل من 80 درجة) بلغ عددهم 3322 طالبا أي بنسبة مقدارها: 17.42%، والفئة جيد جدا وهي بين (80 إلى أقل من 90 درجة) بلغ عددهم: 2651 طالبا أي بنسبة مقدارها: 13.45%، والفئة الممتازة أو المبدعة وهي بين ( 90 إلى أقل من 100 درجة ) بلغ عددهم: 1169 طالبا أي بنسبة مقدارها: 6.13% من عدد الناجحين. الاستنتاج السريع لهذه الأرقام يقول: أن النتيجة غير طبيعية وغير منطقية، حيث أنها بعيدة جدا عن التوزيع الطبيعي لأي فئة بشرية، هذا إن دل على شيء فسيدلنا أولا: بأن الامتحان لا يتصف بالصدق أو الثبات ولا يمكن أن يكون موثوقا به، وإما يكونوا قد تلاعبوا في النتيجة الطبيعية للطلبة فظهرت النتيجة مختلة وهذا جلي وواضح من خلال العدد الكبير الذي ظهر في الفئة الضعيفة أي الناجحين الذين حصلوا على علامات مابين (50 إلى أقل من 60 درجة) وجاءت نسبتهم 37.50%من عدد الناجحين كمؤشر على ترفيع عددا كبيرا من الراسبين ونقلهم إلى الفئة الأولى للناجحين فتضخمت وأخلت بالميزان الطبيعي للنتيجة فأفقدها المصداقية.. الشيء الغير منطقي أيضا هي الفئة الممتازة والتي جاءت نسبتها 6.13% وهي نسبة غير موجودة في أي مجتمع في العالم إذ من المعروف أن هذه النسبة لا يمكن أن تتجاوز 2.5% لأي مجتمع حسب ما تشير إليه الدراسات العالمية في هذا الشأن وهذا دليل آخر على عدم مصداقية الامتحانات التي يشكك في وضعيتها أو في تصحيحها لتخرج بهذه النتيجة. ولو فرقنا بين القسم العلمي وقسم العلوم الإنسانية فسوف تظهر النتيجة واضحة كما في الجدول التالي :
نسبة النجاح للقسم العلمي
نسبة النجاح لقسم العلوم الإنسانية
الفئة
لسنة 2008
لسنة 2009
لسنة 2008
لسنة 2009
الضعيفة (50 إلى أقل من 60 درجة)
7.52 %
6.33 %
33.20 %
47.84 %
مقبول (60 إلى أقل من 70 درجة)
20.00 %
22.83 %
32.09 %
25.25 %
جيد (70 إلى أقل من 80 درجة)
26.50 %
25.86 %
20.14 %
14.75 %
جيد جدا (80 إلى أقل من 90 درجة)
24.61 %
29.28 %
11.77 %
9.06 %
ممتاز ( 90 إلى أقل من 100 درجة)
17.50 %
15.60 %
2.76 %
3.08 %
(جدول مقارنة لنسبة الناجحين في كل فئة للقسمين العلمي والأدبي في السنة الماضية وهذه السنة)
بلغ عدد الناجحين في القسم الأدبي لهذا العام 2009 (13999) من أصل (30000) طالبا تقدموا للامتحان أي بنسبة مقدارها 46.66 % ولو أضفنا لهم عدد الفئة الضعيفة الذين لا يمكنهم دخول الجامعات الفلسطينية (متطلب دخول الجامعات هو: حصول الطالب على معدل 60% كحد أدنى في الثانوية العامة ـ حسب قانون وزارة التربية والتعليم العالي) فسوف يصبح عدد الراسبين لهذا العام هو: 22699 من أصل الـ 000 30 طالبا، ونعتقد أن هذا في حد ذاته يكفي لأن نقول: أن هناك إرباكا وتخبطا واضحا في العملية التعليمية وعلى الأخص في امتحان الثانوية العامة الذي هو الحصيلة النهائية للتعليم المدرسي والسبب الرئيسي وراء ذلك هو: استمرار الانقسام وحالة التشرذم السياسي، كما هي الحالة في جميع مناحي الحياة المختلفة في محافظات غزة، فهل أدرك السياسيون والقادة حجم الخلل والدمار الذي أنتجوه، وبدلا من التباهي والاحتفال بالفئة المتفوقة يقوموا بعمل جلسات نقاش وإعادة حساباتهم ومدركاتهم... لتكون بداية لإعادة اللحمة لشعبنا وتوحيد صفوفه لمواجهة التحديات المقبلة بدلا من حسابات فئوية ضيقة..؟! يمكننا أن نقبل بالنتيجة عندما تكون متزنة بمعني أن تتساوى الفئة الضعيفة مع الفئة الممتازة التي جاءت أيضا مرتفعة حسب المقاييس الدولية، خاصة في القسم العلمي حيث جاءت بنسبة تساوي: 15.60 % من عدد الناجحين، ولو جاءت مساوية أو قريبة من الفئة الضعيفة بمقدار 6.33 % لقلنا أن النتيجة يمكن أن تشكل توزانا منطقيا أو طبيعيا، وكذلك في القسم الأدبي الذي يتجلى الخلل بشكل كبير في النتيجة كما هو ظاهر في الجدول.
على كل حال نحن أمام معضلة كبيرة بحجم الخلل في الفئة الضعيفة لقسم العلوم الإنسانية التي جاءت بمقدار 47.84 % من الناجحين وهذا يدفعنا لتغيير قانون قبول طلبتنا في الجامعات الفلسطينية إما باعتماد معدل السنوات الثلاثة في الثانوية العامة، أو تقوم الجامعات بعمل امتحان قبول لكل تخصص على حدة كيفما يرغب الطالب باختياره، وهذا معمول به في كثير من جامعات العالم دون الاعتماد على معدل الثانوية العامة لأنه: " لا توجد هناك أداة قياس تعطي نتائج أو قياسات دقيقة بشكل مطلق، وفي العادة تكون نتائج القياس تقريبية تعتمد في دقتها على دقة أدوات القياس المستخدمة. وكذلك أن مجرد النجاح في الثانوية لا يعني ضمان النجاح في الدراسة الجامعية.. (ثورانديك، روبرت، هيجن، اليزابيث، القياس والتقويم في علم النفس والتربية، ترجمة: كيلاني، عبد الله، عدس، عبد الرحمن، مركز الكتب الأردني، عمان: 1984 ) " السؤال المهم موجه لوزارة التربية والتعليم العالي وهو: كيف لا يمكن أن نثق بنتائج مدارسنا في المرحلة الثانوية أي الصف العاشر والحادي عشر لنقوم بعمل امتحان موحد للصف الثاني عشر؟؟ أليس هذا يفقدنا الثقة بكل الجهاز التعليمي برمته؟؟ نعتقد أننا بحاجة لتغيير نظرتنا عن مركزية القرار وإعطاء الفرصة لمدارسنا ويمكن اعتمادنا لمعايير الجودة لهذه المدارس فيما بعد ولجامعاتنا كذلك مادام أن جميع مؤسساتنا تقوم بعمل امتحان لخريجي الجامعات في حال توظيفهم أو تشغيلهم في تلك المؤسسات.. وفي الختام لا يسعني إلا أن أقدم التهنئة للناجحين، والوقوف بجانب الذين تخلفوا عن الانتقال من هذه المرحلة ليقوموا من جديد كدافع للتقدم والنجاح...
الخميس، يوليو 16، 2009
التحديات وصناعة الإنسان؟
في تسعينات القرن الماضي أقام اتحاد الصناعيين الإسرائيليين في تل أبيب مركزا سمي بمركز المبادرات القطرية، وانبثقت فكرة المركز من منطلق صناعي، حيث تفيد الدراسات أن ما يقارب 60% من المنتجات المستهلكة في السوق مخصصة للطفل..! وبالتأكيد غالبية هذه المنتجات هي من إنتاج الكبار، ولا نعرف إن كان الأطفال هم بحاجة حقيقية لهذه المنتجات؟ أم غير ذلك..؟ أم هم بحاجة إلى أشياء أخرى.. نجهلها نحن الكبار.. ولم نستطع سبر غور الأطفال واكتشاف مكنوناتهم..؟ يحتوي المركز على قاعات للمحاضرات مجهزة بأحدث التقنيات العلمية الحديثة من أجهزة عرض ووسائل أخرى.. بالإضافة إلى غرفة اتصال تمكن المشارك من الوصول لأي معلومة أو توضيح لأي شيء يحتاجه، سواء كانت صناعية أو زراعية أو علمية أو غير ذلك.. وخصص داخل المركز قسما من الورش المتعددة تمكن المشارك من صناعة أي شيء يريد.. ويشرف على المركز طاقم من المدربين ذوي خبرة كبيرة ومستوى عال من التأهيل والثقافة..
تقوم كل مدرسة بشكل اختياري إرسال فريقا من طلاب المدرسة إلى المركز، يقوم المركز بتدريب الفريق بشكل نظري وعملي بشكل مكثف على أساليب حل المشكلات، والبحث العلمي،والسيطرة، والاستقصاء، والاستنتاج بالإضافة إلى تعريفهم بعلوم عديدة، وكذلك علوم إدارية وتجارية، وتعريفهم على المنشآت الصناعية المختلفة في إسرائيل، بعدها يطلب من الفريق أن يعد نفسه كشركة إنتاجية، أو تجارية كما يرغبون، وتسجل رسميا باسمهم جميعا.. من ثم يقوم الطلبة بطرح مشكلة، أو مشاكل هم يعانون منها للبدء في بحث الحلول لتلك المشكلة بالشكل العلمي سواء كان الحل ماديا أم غير ذلك.. إحدى الفرق المدرسية طرحت مشكلة يعاني منها المدرس بالدرجة الأولى ومن ثم الطلبة، هذه المشكلة هي: استخدام المعلم " للسبورة الطباشيرية " حيث يعاني المدرس والجميع من مشكلة صحية وبيئية مرهقة.. بعد طرح المشكلة من قبل الفريق أقر الجميع بضرورة إيجاد سبورة بمواصفات أخرى تقضي على مشاكل الأولى وبالتالي ستخفف كثيرا من الأعباء الكثيرة عن كاهل المدرس.. العمل الدءوب لتلك المجموعة أفضى بإنتاج سبورة ضوئية لا يستخدم المعلم فيها الطباشير حيث تمكن المعلم أو الطالب الكتابة عليها كيفما يشاء ويمحي ما يكتب عليها بسرعة كبيرة وبدون جهد يذكر، وبدون تلوث أيضا... وبعد نجاح هذا الفريق بالتغلب على المشكلة سجل له براءة اختراع للسبورة، ثم قام أحد الصناعيين بشراء الاختراع ودفع للفريق مبلغا قدره مليون ونصف من الدولارات، وبالطبع قام هو بصناعتها بشكل تجاري كبير دخلت اليوم في كثير من المدارس، وفي أنحاء مختلفة من العالم...
هذا التطبيق، وهذه التجارب لم تكن إسرائيلية فقط ! بل هي موجودة في كثير من الدول المتقدمة، لكنني لم أعلم حتى الآن بوجود مثل هذه التجارب وهذا التأهيل في دول عربية مثلاً.. كأن مجتمعاتنا وصلت حد الكمال، أو أن أطفالنا أصحاء يتربون في مؤسسات عالية التأهيل، وتخلو من أية مشاكل تذكر!! إضافة لتلك التجارب الرائدة في عالم التأهيل والتربية أو التعليم. مازالت إسرائيل تتربع على عرش المصروفات التي تصرفها الدول على التعليم، فعام 1999 بلغ حجم الإنفاق على التعليم في إسرائيل 6.6% مقابل 5.3 % في أمريكا و 3.8% في اليابان من مجمل الإنتاج القومي لتلك الدول، وفي عام 2001 بلغت مصروفات ثلاثين دولة من الدول المتطورة في العالم إلى 6.2% من إنتاجها القومي، في حين بلغ ما أنفقته إسرائيل على هذا القطاع في نفس العام إلى 8.2% من إنتاجها القومي..(جهاز التعليم في إسرائيل: د. خالد أبو عصبة ـ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار ـ ط 1 ، رام الله: 2006 ) . من هنا يتضح أهمية الاستثمار في قطاع التعليم، وكلما استثمرت الدولة أكثر في هذا القطاع كلما كانت النتائج أفضل خاصة في الدول التي لا تمتلك ثروات طبيعية لأن الدخل فيها يعتمد على الكادر البشري وإسرائيل واليابان خير دليل على ذلك..
لو تفحصنا ظروفنا الاقتصادية في غزة والضفة (الدولة الفلسطينية المقترح إقامتها في العهد القريب) فلن نجد أي من الثروات الطبيعية التي قد تغطي مصروفات الدولة، ومن هنا لا يمكن أن يكون لها أي مستقبل يذكر.. ومهما يكن من أمر فلا يوجد حلولا يمكنها أن تغير واقع هذا الشعب الذي مورس ضده الظلم والقهر لأكثر من قرن من الزمان، وما لم تتغير وسائل الإنتاج في هذا المجتمع فلا أمل في التغيير، ولا يوجد دولة بأكملها تعيش على التسول..! وإن وجد فستبقى هزيلة لا يمكنها لأن تستمر طويلا، وتجربة مشروع السلطة الفلسطينية على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية أثبتت أنها لا يمكن أن تلبي حاجة مجتمعنا بسبب اعتمادها على تمويل الدول المانحة، وارتباطها الكامل بإسرائيل... إذن لا يوجد مفر لنا من تغيير السياسة الاقتصادية القائمة، وإن أردنا أن نكون أقوياء فلا بد من الاعتماد على تأهيل الثروة البشرية التي لا نمتلك غيرها، ويجب أن ينصب كل الجهد في المرحلة الأولى على قطاع التعليم بدء من المفاهيم السائدة والفلسفة التربوية القائمة وانتهاء بمجانية التعليم حتى مرحلة الجامعة وما بعدها.. فالانفجار المعرفي المتسارع والتقدم التكنولوجي الهائل الذي شهدته العقود الأخيرة وما يتوقع أن نشهده في العقود المقبلة هو من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات عامة ومجتمعنا الفلسطيني خاصة . لم يكن في يوم ما التغير الثقافي والعلمي والتكنولوجي سريعا وعميقا وشاملا كما هو عليه الآن، ولا يمكن للتعليم الاستجابة لهذا التغير إلا بإستراتيجية تربوية شاملة ومنفتحة ومرنة وعلمية ومنظمة ومتكاملة.. إستراتيجية واضحة المعالم والأهداف والأساليب والاتجاهات والمسارات ، إستراتيجية تأخذ الاحتمالات والمتغيرات المستقبلية ، كما تأخذ الماضي والحاضر في حساباتها، حيث أصبح من الضروري أن يبقى الإنسان متعلما طيلة حياته حتى يواكب التقدم والتغير، وبات التعليم المستديم مطلبا ضروريا لجميع الناس.. للمتعلمين وغير المتعلمين، للصغار والكبار، للذكور والإناث.. وعلى مدى حياتهم .
إن التعليم المدرسي وحتى التعليم الجامعي وحدهما غير قادرين على تلبية الحاجات المعرفية والتوافقية لإنسان هذا العصر ولا بد والحالة هذه من الاستعانة بروافد تعلمية وتربوية أخرى موازية ومكملة للمؤسسات التربوية المدرسية النظامية والتي يتوقع منها أن تقوم بتعزيز مردودها، وتوسيع مضامينها ومناهجها وبرامجها، والعمل على تعميقها . وما كنا نتغنى به: بأن لدينا أعلى نسبة متعلمين في العالم سقطت مع أول محك لنا في إدارة شؤوننا وتحقيق استقلالنا، وطغى على السطح الزبد.. وبرزت الأمية الحرفية والثقافية العالية في مجتمعنا، كما ظهر لدينا نقص خطير في الكوادر المتخصصة وفي جميع المجالات.. وما كان علينا إلا أن نتخبط بفوضى وعشوائية في إدارة شئوننا الحياتية العامة، وعم الفساد في معظم مؤسساتنا بما فيها المؤسسة التربوية ...
إننا نحتاج إلى ثورة في البناء .. أكبر من ثورة شعبنا الطويلة والمستمرة والشاقة، ثورة في بناء الإنسان الفلسطيني ( الثروة البشرية ) التي لا نملك ثروة غيرها. وكان علينا منذ وقت طويل إعادة النظر ومراجعة الحسابات حول مفاهيم وطرق خاطئة عديدة.. فالاهتمام أولا وقبل أي شيء بصناعة الإنسان .. الإنسان الفلسطيني الذي يجب أن يتميز عن غيره بعقل جبار ، وثقافة عالية المستوى كي نستطيع بناء دولتنا المستقلة، واستعادة حقوقنا المسلوبة .. علينا إعادة النظر في تصرفات كل مؤسساتنا ونبني فلسفتنا بشكل يؤدي إلى تحقيق أهدافنا....
الأحد، يونيو 28، 2009
اتحاد الكتاب الفلسطينيين بين الماضي والحاضر
آن لي أن أصرخ الآنَ
وأن أسقط عن صوتي قناع الكلمة؛
هذه زنزانة يا سيدي، لا محكمة
وأنا الشاهد والقاضي، وأنت الهيئة المتهمة
فاترك المقعدَ، واذهب: أنت حرٌّ أنت حرٌّ.... (محمود درويش)
في البدء يجب الإشارة إلى النقابات كعنوان للنضال ضد الاستغلال من جهة، وخلق حالة من التوازن بين المنتج والمستهلك من جهة أخرى.. وخاضت النقابات منذ عشرينات القرن الماضي نضالات بطولية كثيرة في كثير من البلدان العربية وغير العربية، وحققت انجازات كبيرة أحيانا.. وأخفقت أحيانا في أمور كثيرة أيضا.. لكنها بقيت العنوان الذي يمكن من خلاله تحقيق مكتسبات لأعضائها كل في نقابته..! وحالة النقابات الفلسطينية اكتسبت طبيعة مختلفة خاصة في عهد الاحتلال إذ كتب عليها النضال من جانبين جانب مهني، وجانب يرفض الاحتلال ويقاومه.. وفي تلك المرحلة اكتسبت النقابات وما زالت طابعا سياسيا على الأغلب، من بين هذه النقابات كانت نقابة اتحاد الكتاب الفلسطينيين ونخص مقالتنا هذه فرع الاتحاد في غزة فقط ! بحكم التجربة المعاشة لي فترة ليست بقليلة سكرتيرا له قبل السلطة وبعدها..
إذا ما أردنا الحكم على أية نقابة مهنية؛ فعلينا أن نحدد العلاقة بين أعضاء النقابة ذات المهنة الواحدة والمشغّل لهذه المهنة وظروف عملها في ظل حالة الاقتصاد السائدة .. وفي حالة الكتاب الذين يمتهنون الكتابة، وحالة اتحادنا الذي خُصص لمن يملكون الإبداع الأدبي فقط ! كما يحلو للقائمين عليه تسمية ذلك.. وهنا في غزة لم نعلم عن شاعر، أو قاص يعمل عند رب عمل بشعره أو بقصصه..! فكيف إذن نصنف اتحاد الكتاب إذا ما كان نقابة، أم غير ذلك..؟ ولو فحصنا أعضاء اتحاد الكتاب في غزة واللذين لا يتجاوز عددهم عن سبعين عضوا، وما يقارب العشرين منهم يعملون أساتذة جامعات وينتمون إلى نقابات مهنية أخرى غير اتحاد الكتاب، ولا نعرف إن كان لهم حضورا ثقافيا، سوى عملهم الأكاديمي.. ومن الطبيعي أن يقوم بعضهم بحكم وظيفته بإنتاج دراسة، أو نقدا أدبيا لا يتسم بأي طابع إبداعي.. وأعتقد أن هؤلاء الأساتذة تجيشوا لحسابات فئوية في مرحلة ما قبل السلطة وبعدها.. كذلك لو دققنا في حال الأعضاء الآخرين لوجدنا من بينهم عددا من المؤسسين للاتحاد هم ليسوا بكتاب وليس لهم أي إنتاج أدبي، بل كانوا من مثقفي اليسار الذين اهتموا بالشأن العام ويحسب لهم هذا الإنجاز في تأسيس الاتحاد، وساهموا في بداياته في تطور الحركة الثقافية في قطاع غزة.. وعدد آخر من الأعضاء لم يعد لهم أي نشاط أو إنتاج ثقافي منذ زمن بعيد.. وبقي عدد قليل منهم يمارس الكتابة ولم يستطع نشرها لسبب أو لآخر..! وما بين أربعة أو خمسة أعضاء لهم حضورهم المستمر في الكتابة عبر الشبكة العنكبوتية التي أصبحت وسيلة النشر الأولى والوحيدة في غزة لتوصيل إنتاجهم للمتلقي، في وقت تعج به الشبكة بكتاب ومبدعين لم يحصلوا بعد على عضوية اتحاد الكتاب..!
إذن لا يوجد أديب يعمل في أدبه عند رب عمل، فيما لو استثنينا بعض من كتاب الرأي الذين يحتكرون أعمدة في الصحف المحلية التي لا يزيد عددها عن أربعة صحف، وأغلبهم موظفين كبار في مؤسسات السلطة الفلسطينية.. ويتقاضون من هذه الصحف رواتبا إضافية على رواتبهم المرتفعة، ولا يحتاجون لنقابة تدافع عن حقوقهم.. وبقي كثر من المبدعين والكتاب لم يجدوا عملا، أو ما يقيتهم ويقيت عوائلهم.. وإذا ما افترضنا أن هؤلاء الأدباء والكتاب يحتاجون إلى نقابة كاتحاد الكتاب كي يحسنوا من ظروفهم ومعيشتهم فإن نقيضهم الأساسي الذي يجب مواجهته هو: السلطة أو الدولة..! التي يجب أن توفر لهؤلاء عيشة كريمة، ولكن بحكم طموح هؤلاء وخيالهم الواسع سوف يبقيهم على نقيض مع السلطة خاصة في عالمنا الثالثي.. وليس خافيا على أحد أن رئيس اتحاد الكتاب هو موظف بدرجة وكيل وزارة، ونائبه في غزة مدير عام.. فكيف إذن يكون اهتمام هذان النقابيان بالهم الثقافي أو النقابي؟؟
قبل عهد السلطة كان يقيم الاتحاد ندوة شبه أسبوعية يناقش من خلالها عملا أدبيا، وشاع هذا التقليد تحت عنوان "فنجان قهوة" وتزايد حضوره وتنوعه بحيث لاقى استحسانا ورضا من جلّ المهتمين بالعمل الثقافي خاصة عندما نحت هذه الندوات لأعمال فنية أخرى كالمسرح والسينما والغناء أيضا.. وبالطبع كان يقوم الاتحاد بطباعة كتاب كلما توفرت الأموال اللازمة لذلك.. وشارك الاتحاد في العديد من الأنشطة المختلفة للعديد من المؤسسات المحلية في أنحاء مختلفة من قطاع غزة.. في شباط من العام 1995 دخل شاب لمقر اتحاد الكتاب في غزة حيث كنت أعمل سكرتيرا له، وطلب مني مجموعة من الكتب ليقرأها السيد الأخ أحمد عبد الرحمن ـ الأمين العام لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين ـ الذي كان عائدا لتوه لأرض الوطن، ومقيما في فندق آدم بغزة.. أعطيته بعض الكتب واتصلت في اليوم التالي مرحبا بالأخ الأمين العام وحددت موعدا معه لمقابلته بالهيئة الإدارية للاتحاد، ثم أبلغت أعضاء الهيئة، فتجمعنا مساء وتم اللقاء بالفندق حيث استقبلنا بحرارة كبيرة، واقترحت توسيع اللقاء في حفل إفطار جماعي، حيث تزامن ذلك في شهر الصيام الفضيل، وبالفعل كانت أمسية جميلة حضرها ما يقارب خمسون كاتبا وضيفا.. بعدها تم تعيين رئيس الفرع في إحدى الوزارات وتم تعيين عددا من الكتاب كذلك.. ومن قبل كان خصص الرئيس "أبو عمار ـ رحمه الله" للاتحاد ميزانية متواضعة بجهود رئيسه ـ المرحوم الكاتب الدكتور الروائي عزت الغزاوي، تمكن من خلالها طباعة مجموعة من الكتب، أو شراء كمية من الكتب إذا ما طبعها الكاتب من حسابه الخاص أو بطريقته هو بشرط أن يكون عضوا من أعضاء الاتحاد، بالإضافة للمصاريف الجارية، ولا نعرف إن بقيت هذه الميزانية مستمرة، أو في أي وقت توقفت..؟
نستطيع القول أن الاتحاد لم يرتق بعد إلى درجة الرضا لا جماهيريا ولا نقابيا، ولم يخلق حالة مؤثرة في الرأي العام حتى يكون له دوره الريادي كما يرومه كل كاتب، أو مثقف..! وحتى يتحقق الحد الأدنى من ذلك؛ فهو أمام إشكاليات عدة عليه مواجهتها وليس الهروب منها، أو انتظار الظروف والتماهي معها كي يبق القائمون على الاتحاد أكبر فترة ممكنة كأي حزب حاكم يتربع على الحكم لوحده..! ولا نفهم لماذا باب العضوية مغلق في وجه الكتاب؟ وما هي المعايير التي يستندون عليها في منح العضوية؟ خاصة أن عددا كبيرا من كتاب الرأي والمقالة لم يجدوا ضالتهم في اتحاد الكتاب ولا في رابطة الصحفيين، وحتى نكون منصفين فإن اتحاد الكتاب الذي لا يزيد أعضاؤه عن السبعين عليه أن يقبل كتاب المقالة كأعضاء أيضا، ولأن غالبية الأدباء يكتبون المقالة عندما لا يأتيهم إلهام الشعر، أو الأدب فيعبرون عما يجول بخاطرهم بالمقالة.. أو أن ما لا يمكن التعبير عنه بالشعر أو القصة فيمكن التعبير عنه بالمقالة التي تعتبر فرع من فروع الأدب! والكتاب جميعا أمام معضلة حقيقية في عصر الإنترنت واكتظاظه بالمواقع والصحف المختلفة وتهافت الكتاب على توصيل إنتاجهم للمتلقي بسرعة كبيرة بدون ضوابط، وبدون تمييز الغث من السمين منها.. وأخيرا لماذا باب الاتحاد مغلق دائما..؟ فالبيوت تموت إذا غاب سكانها... فهل وصلت الرسالة أيها الرئيس؟؟
الأحد، يونيو 07، 2009
مصطفى الحمدني ـ المعلم الأول كان بمفرده حزبا وطنيا كبيرا
كان يكبرني بعشرة سنين.. في أوائل الثمانينات من القرن الماضي زارني الرفيق مصطفى الحمدني "أبو عبد الله" في بيتي، كانت علاقتي به حديثة العهد.. لم أكن أعرف توجهاته أو انتماؤه السياسي، وحين لاحظ بعض الكتب الفلسفية والتاريخية التي كنت أقتنيها اكتشف أنني سأكون جاهزا لانضمامي للحزب الذي ينتمي إليه.. وأنا شعرت أنني أعرفه منذ وقت طويل، لم يكن الحديث بيننا متناقضا أو حادا بقدر ما كانت وجهات نظرنا متقاربة في معظم القضايا التي كنا نناقشها.. بعد أيام دعاني للمشاركة في رحلة عائلية نقوم فيها بزيارة عدد من قرانا المحتلة عام 1948 القريبة من حدود غزة.. لم أكن أعرف أن الرحلة ستكون جزء من تصوير لمشاهد من فيلم " جيتو غزة.. " حينها لم يبال الساسة الإسرائيليون لمثل هذه الأعمال إذ أن العمل الثوري في قطاع غزة كان شبه متوقف، ومع ذلك عندما دخلنا قرية (دمرا) اعترضنا رئيس الكيبوتس الذي استوطن القرية بعد أن شرد أهلها، وقال: " ممنوع التجول هنا.." في حين كان المشاركون يتحسسون بيوتهم وأراضيهم وأشياؤهم التي مازال منها قائما شامخا بعد أربعين سنة من الاحتلال، يبدو أن رئيس الكيبوتس فهم هدفنا من الزيارة خاصة أنه لاحظ المصور والمخرج السويديين الأصل الذي كان يلازمهما أبو عبد الله كأنه هو المخرج والمنتج للفيلم.. الوعي الوطني والفكري للرفيق أبو عبد الله كان يتقدم الجميع..
طبقتنا العاملة في الورش والمزارع الإسرائيلية كانت تتزايد سنة بعد سنة، إلا أنها لم تكن تدرك حقوقها ولم تشكل ما يمكن أن نسميه وعيا عماليا يؤسس لتنظيم ما أو نقابة تستطيع أن تحميهم في أي ظرف، وكانت طبقة عمالنا منقسمة إلى فئتين، الأولى منظمة بشكل رسمي يخصم من رواتبهم للمنظمات والنقابات الإسرائيلية مثل الإسرائيليين، لكنهم لا يتمتعون بنفس الامتيازات، وجلهم كان لا يعرف ذلك.. والفئة الثانية غير منظمة أو غير رسمية لا يحميها أي قانون.. الرفيق أبو عبد الله لم يعمل في إسرائيل إلا فترة قليلة جدا إذ من المعروف أنه كان يعمل مخدرا في غرفة العمليات الجراحية بالمستشفى الأهلي بغزة معظم حياته، لكن وعيه وإدراكه لقضيتنا الفلسطينية كان جد متقدما، وطبقتنا العاملة وقضاياها كانت تأخذ من اهتمامه الكثير، وكان يتابعها بشغف إذ بوعيه المتقدم مع بعض رفاقه ساهم في إعادة تنشيط نقابات غزة المغلقة منذ احتلال غزة عام 67 تمهيدا لضم وإلحاق آلاف العمال إلى هذه النقابات إلى أن أجريت أول انتخابات لها في عهد الاحتلال عام 1987، وقد فاز حزبه (الحزب الشيوعي الفلسطيني ـ حزب الشعب حاليا) بنقابة البناء والنجارة النقابة الوحيدة التي أجرت انتخابات في ذلك الوقت.. وتنبه الحاكم العسكري لغزة في حينها لمستقبل صعب للاحتلال إذ لم يدم طويلا حتى نهاية العام من نفس السنة بدأت الانتفاضة الشعبية في غزة ومن ثم انتقلت إلى الضفة الغربية.. كان لأبي عبد الله إدراكه المتميز في دور هذه الطبقة.. ما زلت أذكر الاحتفال المتواضع الذي نظمه الرفيق بمناسبة الأول من أيار لعام 1984 في حديقة مقبرة الإنجليز بغزة إذ حضره عدد كبير من رفاق الحزب وأصدقاؤه مع عائلاتهم في وقت لم يكن فيه العمال هنا.. يعرفون شيء عن هذا العيد أو رمزيته.. إذ أن جلهم كان يعمل في إسرائيل التي ما زالت حتى يومنا هذا لا تعترف بهذا العيد ولا تحتفل به.. وليس غريبا أنه كان دائما يحدثني عن عمله، وكيف يكون الوعي النقابي متدنيا حتى عند المتعلمين إذ أنه استغرق وقتا طويلا في تشكيل أول لجنة (نقابة) للعاملين في المستشفى الذي كان يعمل فيه، ويشهد جميع من عمل معه بأنه أسس لنقابة نموذجية، بالمثابرة حقق انجازات نقابية لهم كان آخرها حسب ما حدثني قبل وفاته بسنتين أنه يجوز لأي عامل في المستشفى بعد تقاعده القانوني أن يبقى في عمله إذا كانت صحته تسمح بذلك بأجر يومي إن هو أراد ذلك بعد أن يكون قد أخذ مستحقاته التقاعدية، وبالفعل استمر هو في العمل بعد ذلك لأكثر من سنة حتى أصابه المرض الذي لم يمهله طويلا..
الرفيق أبو عبد الله كان مثقفا كبيرا يهتم ويقرأ كل شيء ولا يفوته مقالة، أو كتابا حديثا، أو قصيدة شعر، أو قصة قصيرة، أو رواية، أو مسرحية.. ولم يقف عند قراءتها فقط ! بل كان يعمل دائما على تدويلها بين الرفاق والأصدقاء الذين يقرؤون، أو يحكيها ويتناول الفائدة منها لمن لا يستطيع إمداده بها.. ليس ذلك فحسب، بل اصطحبني أكثر من مرة للسفر من غزة إلى القدس أو الضفة الغربية لحضور مسرحية أو نشاط ثقافي.. ومما أذكره أننا سافرنا مرة مع زوجاتنا أيضا لحضور مسرحية ( جليلي يا علي ) التي عرضت على مسرح الحكواتي في القدس في سنة 1984 ولا أعتقد أنه يوجد مثقفا كبيرا يسافر من غزة إلى القدس لحضور مسرحية! لكن قلّ من كان يسافر من غزة إلى الناصرة أو حيفا لشراء الكتب وإحضار عددا من جريدة الاتحاد والنشرات التقدمية.. الرفيق أبو عبد الله كان متمردا على التقاليد الضارة، والموروث العائلي والقبلي المتخلف إذ تحدى كل الأعراف السائدة في المجتمع عندما أرسل ابنته الكبيرة لدراسة الطب في روسيا سنة 1988 وهي الآن طبيبة مرموقة تعمل في وزارة الصحة بغزة، في وقت كان يخاف فيه الناس بإرسال أبناءهم الذكور للتعليم في دول غير عربية، وندرة منهم أرسلوا بناتهم للتعليم في دول عربية! بمن فيهم قيادات الحزب، ولم يتجرؤوا أن يقوموا ما كان يقوم به أبو عبد الله.. كان دائما يسعى إلى تغيير الناس إلى الأفضل، وكان متميزا فريدا يتقدم الجميع، يفعل ما يؤمن به كما قال أحد الفلاسفة: " إن عظمة الإنسان تكمن في إقامة علاقة جدلية بين جانبه العملي والقول.. " وقد يكون هذا ما سبب له كثيرا من المتاعب حتى من رفاقه، لكنه كان دائما سعيدا صابرا ودودا واثقا من أنه سيجني ثماره..
أبو عبد الله يسكن مع عائلته الكبيرة المكونة من ستة أبناء من الذكور جميعهم أنهى التعليم الجامعي، وكذلك خمسة من الإناث تزوجن جميعا وأنهين تعليمهن الجامعي أيضا.. في بيت صغير بمخيم جباليا الذي يعتبر أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين من حيث عدد السكان، لكنه قليل المساحة ومحدود الخدمات إذ كانت معظم شوارعه وأزقته الضيقة غير مرصوفة، وبدون بنية تحتية، ويصعب تنظيفها.. أبو عبد الله كان يهتم بالمكان الذي يأويه مع اللاجئين الذين يقاسموه نفس الهم، ومحافظا على البيئة التي تحيط به؛ فكان مبادرا جريئا لتنفيذ أفكاره المنظمة.. إذ بدأ مع عدد قليل من رفاقه بتنفيذ أول عمل تطوعي بتنظيف عدد من شوارع المخيم، وكان يهدف من خلال هذا العمل توسيع القاعدة الجماهيرية للحزب أيضا.. ثم تطور هذا العمل ليقوموا بتنفيذ قناة للمياه العادمة بالتعاون مع مكتب الصحة التابع لوكالة الغوث. ويبدو أن هذه التجربة دفعته مع الرفاق للانتقال إلى مدينة غزة لتوسيع قاعدة الحزب هناك أيضا.. لم يخلو مكان في أنحاء غزة إلا وخلق فيه قاعدة للحزب، كان يبحث دائما عن الأماكن التي لا يوجد فيها منظمة حزبية ليزورها ويعمل على تنظيمها وخلق أصدقاء وجماهيرا للحزب فيها، كأنه كان يعرف أن دورها في العمل الوطني سيأتي حينا لا محالة..
في اليوم الثاني للانتفاضة المجيدة عام 1987 حيث أصيب ابنه البكر (عبد الله) في أثناء المظاهرة الأولى لطلبة الثانوية والتي استشهد فيها الطالب حاتم السيسي وأصيب أكثر من سبعة عشر طالبا أيضا، جاءني مساء ذلك اليوم حاملا البيان الأول للانتفاضة الموقع باسم (القوى الوطنية) وكان عبارة عن نصف ورقة نسخت على عجل بطريقة يدوية، وحمل البيان كثيرا من عبارات التحريض ضد الاحتلال مطالبا الجماهير بمزيد من التنظيم واستمرار الاحتجاجات الشعبية... كل منا حمل رزمة من البيان وأخذ له حارة من حارات المخيم لنوزع البيان من منافذ وأبواب البيوت في حلكة الليل، كنا ليلتها ستة من الرفاق جميعهم يكبرونني كثيرا في العمر.. بعد يومين أرسل لي الرفيق أبو عبد الله اثنين من الرفاق، وطلبوا مني أن نقوم بصناعة الأعلام الفلسطينية حيث كان يعرف أنني أعمل في مجال الخياطة والأزياء في حينها، ذهبت مع الرسولان وقمنا بشراء أقمشة كثيرة بألوان العلم وعدنا إلى بيتي، بمساعدة الرفيقين أنجزت خياطة أكثر من ستين علما فلسطينيا أشرعت في صباح اليوم التالي فوق أعمدة الكهرباء في المخيم وخارجه.. ويبدو أن الرفيق أبو عبد الله قد شارك في تعليق الأعلام، كما أشار بذلك الأديب القاص عمر حمش في "اللؤلؤة المغادرة.." حيث كتب :" في تلك الليلة كنا قد قررنا تعليقه على أعالي أسلاك كهرباء الضغط العالي، في شارع (الترنس) الذي كان شارعا رئيسا في مخيم جباليا، والعلم كان غريبا يومها، ممنوعا، ورؤيته كانت تعني لهم - إن ارتفع - نهاية دولتهم المدججة بالسلاح! وأصرّ مصطفى الحمدني أن يكون العلم قبالة ثكنتهم في أعالي شارع (الترنس)! كان يقذفه؛ فيترنح إلينا العلمُ عائدا، ومع كلّ محاولة كانت أضواء العربات العسكرية تفاجئنا بالمجيء! كنا نلتقط العلم، ونختفي في زاوية هي اليوم مطعمٌ يرتاده سكان المخيم، ويعود الراحلُ مُصرّا بالعلم، وأعودُ معه للمحاولة، كانت الأسلاك بعيدة تناطحُ الفضاء، وكان علينا أن نعاجل، وأن نحاول مراتٍ ومرات قبل أن تكتشفنا الأضواء، ولن أنسى – بعد عودتنا - بهجة محياه وهو يبتسم لانسدال العلم، الذي تركناه يغيظهم، ويرفرف فوق المخيم، قبالة ثكنتهم للمرة الأولى! كان ليلتها علم فلسطين كبيرا، جميلا، بهيّا،علقته أياد نظيفة بلا أوامر من ضابطٍ، ولا برغبةٍ في راتبٍ، ولا بوعدٍ في وظيفة!!"
البيان الثاني للانتفاضة الموقع أيضا باسم (القوى الوطنية) شارك الرفيق أبو عبد الله الرفيق الأمين العام لحزب الشعب حاليا (بسام الصالحي) الذي كان حينها عضوا في اللجنة المركزية، وحلقة الوصل للحزب بين غزة والضفة.. أعتقد أن ذاك البيان صيغ في بيت أحد الرفاق بمخيم البريج، وقمنا بتوزيعه في مخيم جباليا بنفس الطريقة السابقة، وهكذا بدأ عصب الانتفاضة يشتد ويزداد قوة وينتقل إلى كافة المناطق، وتوالت تلك البيانات التي كان يصاحبها فعاليات مختلفة ضد جيش الاحتلال إلى أن لحقت الجبهة الشعبية ومن ثم حركة فتح والجبهة الديمقراطية في الشهر الثاني للانتفاضة، إلى أن تم تشكيل القيادة الوطنية الموحدة (قاوم).. اعتقل الرفيق أبو عبد الله مع العديد من قيادة الحزب وكوادر القوى الأخرى في الأشهر الأولى للانتفاضة، وزجوا جميعا في سجن أقيم خصيصا حينها في صحراء النقب سمي بسجن (كيتصعوت) ..
أبو عبد الله ـ كان يدرك حجم الانتفاضة وأثرها على الناس مقابل الرد العنيف من قبل الاحتلال وتعنته ومحاربته لكل مقومات الصمود، فمنذ البدايات بادر الرفيق بتشكيل اللجان الشعبية في حارات المخيم ليزيد من وعيها وإدراكها وتحميلها المسئولية عن تعزيز قوة الجماهير ورفع معنوياتها، ومازال أهالي المخيم يذكرون دور هذه اللجان في تعزيز صمودهم ومواجهتهم لكل أشكال العقاب الجماعي الذي كان يفرضه جيش الاحتلال المتغطرس من قتل وتدمير إلى فرض منع التجول لفترات طويلة إلى حصار..إلخ، في بدايات عمل (القوى الضاربة) للانتفاضة رفض أبو عبد الله ما قامت به حين سحبت البطاقات الممغنطة وتصاريح العمال في إسرائيل، ودافع بشدة عن العمال وعدم المساس بهم؛ لأنه يدرك بوعيه الطبقي أن لا فرار من ذلك في ظل ارتباطنا الاقتصادي كاملا بإسرائيل إن لم تتوفر بدائل أخرى للعمال حتى وقتنا هذا بعد عشرين سنة من ذلك..
مشروع أوسلو كان بالنسبة له يمثل انطلاقة جديدة لشعبنا الفلسطيني وامتحانا عصيبا إذا ما استطاع إدارة نفسه بنفسه، وإدارة الصراع لصالح الشعب الفلسطيني الذي عمل من أجله معظم حياته إذ لم يلتقي بي مرة واحدة إلا وكان يناقشني بالقضايا العامة، ونادرا ما كان يحدثني عن ظروفه الخاصة..! مع بدايات تكوين السلطة الوطنية في غزة، وتكوين المؤسسات والوزارات راح الرفيق أبو عبد الله لتأسيس مؤسسة جديدة وفريدة من نوعها هي: المركز الفلسطيني ضد العنف ـ كأنه كان يعرف أن الانتفاضة تركت آثارا سلبية على المجتمع، فبدأت مؤسسته بالمساهمة في الحد من ظاهرة العنف ضد المرأة والطفل سواء في الأسرة أو المدرسة، وبالطبع جند معه العديد من أخصائيين في علم النفس والقانون، عقدوا ورشات عديدة وزاروا مؤسسات وبيوت كثيرة.. وكذلك عمل الرفيق أبو عبد الله على تأسيس فرقة مسرحية ساهمت إلى حد كبير في علاج ظاهرة العنف من خلال عرضها اسكتشات ومسرحيات عديدة في المدارس والنوادي والمؤسسات الاجتماعية.. كنت أراه سعيدا عندما كان يصاحب فرقة المسرح، وهو يوزع منشورات وملصقات المركز الإرشادية والتوعوية إذا ما زارت الفرقة مدرسة ما..
كثيرا ما كان أبو عبد الله يعبر عن خوفه من عسكرة مجتمعنا الغزي، خاصة عندما تضخمت الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وكان يؤكد لي دائما أننا لسنا بحاجة إلى كل هذه الأجهزة وكل هذا العدد الذي اعتبره البعض حلا لمشكلة البطالة التي يعاني منها مجتمعنا خاصة عندما بدأت الانتفاضة الثانية ولم تستطع تلك الأجهزة وعددها من حماية الناس، ولا حماية أنفسهم أيضا.. وهذا ما دفع المجتمع فيما بعد بإيجاد خيارات أخرى لمقاومة الاحتلال الذي رسم مخططا لتدمير منجزات السلطة الفتية وتجلى ذلك في حركة حماس فيما بعد.. حالة الفلتان الأمني التي اجتاحت غزة قبل انقلاب حماس كانت مقلقة جدا للرفيق أبو عبد الله الذي كان سباقا في المطالبة بتطبيق القانون واحترام استقلال القضاء، فبعد شجار بين عائلتين في المخيم حدث في نيسان من عام 2003 راح ضحيته مقتل شاب لإحدى العائلتين نتيجة استخدام السلاح، اتصل بي الرفيق مصطفى، وقمنا بصياغة بيان للرأي العام طالبنا فيه التوقف عن استخدام السلاح بشكل خاطئ واحترام سيادة القانون واستقلاليته، وترسيخ مبدأ المحاسبة بدون تمييز، ودعونا فيه إلى عدم الانجرار وراء النزعات الفردية والاحتكام لصوت العقل والحكمة والمصلحة العامة والتجاوب مع كل الجهود الخيرة والطيبة.. ووقع على البيان في حينها عشرات من الشخصيات العامة، كالمثقفين والفنانين، والمؤسسات الرسمية والأهلية في المخيم، نشرت حينها في صحيفتي الأيام والحياة الجديدة.
عندما استعرت الهجمة الإسرائيلية على شعبنا في غزة في انتفاضة الأقصى باجتياحات متتالية طالت معظم خطوط التماس، وأحيانا كانت تتوغل لأطراف المخيم مما أثارت الرعب والفزع في نفوس أهلنا العزل.. سارع الرفيق ـ أبو عبد الله بالمبادرة ؛ فصغت معه بيانا بعنوان: " كيف نتصرف في حالة الاجتياح؟" وممهورا باسم (لجان الحماية الشعبية ـ مخيم جباليا بتاريخ 3/4/2002 ) وجاء في البيان : يا شعبنا المكافح/ إن مواجهة هذا الوحش المنفلت تقتضي واجبات على كل فرد وأسرة داخل أزقة مخيمنا البطل، فكيف يمكن تحويل مخيمنا إلى صرخة واحدة تجلجل الأرض تحت أقدام الغزاة المعتدين ومجنزراتهم؟ وتشكل تجربة فريدة في التصدي الشعبي الجماعي بدلا من الخلاص الفردي.. يا شعبنا البطل/ هل ننتظر حتى نذبح في بيوتنا؟! هل نهرب ونترك أطفالنا ونسائنا تحت رحمة إرهاب المحتلين؟! هل ننصاع لإرادة الاحتلال ونتعرض للاعتقال والإذلال؟! أتذكرون كيف كان أطفالنا يطاردون جنود الاحتلال وآلياته في الانتفاضة الأولى ويجبرونهم على الهرب والتقهقر من أزقة مخيمنا؟! لذا تدعوكم الحماية الشعبية إلى: الإسراع بتشكيل لجان أحياء في كل أرجاء المخيم لمواجهة هذه الهجمة والتصدي للإشاعات المغرضة، وتقديم المساعدات المختلفة. في حالة الاجتياح ضرورة الالتزام بالبقاء في المخيم وعدم مغادرته، والتكبير بصوت واحد: الله أكبر الله أكبر فوق قيد المعتدي، لكي نكسر إرادة الاحتلال ونربك جنوده وخططه، ولنستخدم كل مكبرات الصوت بما فيها مكبرات المساجد لتعزيز قوة وحدتنا. عصيان أوامر جيش الاحتلال وعدم الخروج من البيوت، وفي حالة استخدام القوة فليخرج الجميع شيوخا، أطفالا، نساء "كحماية بشرية ونفسية لشبابنا" والاعتصام في الشوارع الرئيسية كي تتحول المعركة بين شعبنا البطل المسلح بالإرادة مع جنود الاحتلال ودباباته التي ستهزم حتما أمام هذه الإرادة الجماعية القوية.. الله أكبر والعزة لله ، الله أكبر والعزة للوطن...
أبو عبد الله منظرا سياسيا من الطراز الأول، لم ألتق شخصا حتى الآن..! أقوى منه في تحليل المواقف السياسية سواء على المستوى الفلسطيني العربي بكل تعقيداته، أو على المستوى الدولي بكل مشاكله وأقطابه.. ويعتمد في تحليله على معطيات دقيقة ليربطها بمصالح الأطراف المتعددة، ومن ثم يستشرف المستقبل بطريقة مقنعة وأقرب إلى الصواب دائما... قبل انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة في العام 2006 حيث اهتم الرفيق مصطفى بما آلت إليه أمور شعبنا.. وكأنه كان يعرف نتيجة الانتخابات مسبقا؛ فقبل عملية الانتخابات بثلاثة شهور ناقشني الرفيق بموضوع الانتخابات فوصلت معه إلى نتيجة، أن حركة حماس ستكتسح الدائرة في شمال غزة لسبب رئيسي هو: أن حماس أكبر قوة منظمة في شمال غزة، وقدر عدد عناصرها العاملة بـ13 ألف عنصرا، ولا أعرف من أين حصل على الرقم، فضرب العدد في 3 فكان الناتج 39 ألف صوت، والحقيقة أن أكبر مرشح حصل على أكثر الأصوات كان حمساويا، حيث حصد 37 ألفا من الأصوات.. في الوقت الذي كانت فيه حركة فتح منقسمة على نفسها وتشرذمت عناصرها بين مستقلين ومنقسمين... اتفقت معه على وضع خطة يمكننا من خلالها اكتساب عضوا أو أكثر من أعضاء الدائرة الخمس المتنافس عليها، وتتركز الخطة بكيفية توحيد كل الأطراف الأخرى بما فيها المستقلين، بحيث نقدم خمسة مرشحين يتفق عليهم الجميع ويكونوا مقنعين جماهيريا، ونعمل جميعا كقوة موحدة أمام حركة حماس، فقمنا معا بعمل اجتماعات كثيرة مع المستقلين وباقي الأطر باستثناء القائمين على حركة فتح التي كانت منهمكة في مشاكلها وواهمة في قوتها.. وصاغ الرفيق أبو عبد الله بيانا بعنوان: "لدعم ومساندة أوسع تحالف وطني وديمقراطي" جاء في البيان: يا شعبنا العظيم / في 25 يناير القادم يأتي يوم الحساب الكبير الذي انتظرناه طويلا، يوم الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، يأتي هذا اليوم في ظل ظروف الخنق والسجن الكبير والاحتلال البغيض والفقر الذي يجثم على صدورنا.. وتفتح الأسواق على مصراعيها لمن يملك المال والسلطان كي يوزع الرشاوى والكوبونات والشعارات النارية حتى تستمر عملية تزوير إرادة الناس، وشراء الذمم.. كل ذلك من أجل إعادة إنتاج نفس النظام الذي ألحق ضررا كبيرا وفادحا بأصحابه أولا وبمشروعنا الوطني الاجتماعي والاقتصادي.. لقد أثبتت التجربة الإنسانية انهيار وفشل أنظمة الحزب الواحد مهما كان لونه وشكله، مما سهل على القوى المعادية للشعوب بإعادة احتلالها تحت يافطة الديمقراطية المزعومة كما حدث في العراق الشقيق وما سيحدث لباقي نفس الأنظمة. إن حاجتنا لانتخاب نظام سياسي جديد هي حاجة وطنية ملحة لترسيخ مبدأ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وفصل السلطات وسيادة القانون تأتي فقط من خلال صناديق الاقتراع وتعزز أوسع مشاركة ومحاسبة مستمرة، وتعمل على تقوية جبهتنا الداخلية وتخليصها من كل الفاسدين والمزايدين، وتفرز ممثلين للشعب صادقين نظيفي اليد ومدافعين عن مشروعنا الوطني حاملين هموم الفقراء والعمال والمهمشين. يا جماهير شعبنا/ ماذا سنقول لآلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين إذا عادوا..؟ هل قاتلتم من أجل هذه النتائج الهزيلة!؟ لقد عزلت غزة وتحولت إلى سجن كبير بكاميرات على معبر رفح، وقيود جديدة بدون سيادة..؟ هل نكتفي بدعاء أنكم أحياء في وجداننا وأنكم الأكرمين؟ ماذا نقول للفقراء والعمال الذين تحولوا إلى متسولين؟ هل نكتفي بأنكم قوم الجبارين والمرابطين؟ كيف يمكن أن نصدق من يجيدون ركوب كل المراحل بما فيها مرحلة الانتخابات الحالية وهم نتاج لعشر سنوات عجاف؟! إننا نتوجه بكم ومعكم في دعم أوسع تحالف ديمقراطي وطني إنساني يحافظ على كرامة كل مواطن وحقه في المشاركة بصناعة مستقبله بحرية، ويراعي مصالح أوسع الفئات الاجتماعية تضررا من عمال وفقراء ومهمشين، ويكافح من أجل الاستقلال والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإبراز الوجه الحضاري لشعبنا.. إن دعمنا لهذا التوجه والتحالف سيؤدي حتما إلى إفراز نظام سياسي عصري يصمد أمام العواصف الخارجية والداخلية، ويمنع إعادة إنتاج نظام حكم الحزب الواحد مهما كان لونه وشعاراته لعشر سنوات أخرى.. لقد آن الأوان بدون تردد كي يحمل كل منا ضميره ويذهب لتقرير مصيره ومستقبله في يوم الحساب العسير (يوم الانتخابات).. ـ لجان دعم ومساندة التحالف الديمقراطي 19تشرين الثاني 2005 .
أبو عبد الله اكتشف مبكرا حالة الاستقطاب الحادة للجماهير بين حركتي فتح وحماس، وأدرك بأن ذلك ألحق ضررا فادحا بمشروعنا الوطني، وأن استمرار ذلك سوف يزيد من معاناة شعبنا ويعيق من تحقيق أهدافه.. أبو عبد الله لديه الحل والخروج من هذه الحالة، وسارع إلى خلق تجمع جديد من الشرفاء طمح بأن يكبر هذا التجمع بحيث يشكل وسيلة ضغط لتغيير النظام السياسي الفلسطيني بما يتلاءم وحاجات شعبنا، وصرخ عاليا في مقدمة البيان التأسيسي لهذا التجمع الذي أسماه ( كفـا )،وجاءت صرخته ومناداته مدوية: كفا للفقر، كفا للظلم والقهر، كفا للفساد، كفا للفوضى، كفا للفئوية والعشائرية، كفا للتطرف والتجهيل... وتلى في مقدمة البيان : استمرار لنضال شعبنا الطويل في الوصول إلى الحرية والاستقلال والعودة، كي نعيش في وطن حر خال من الفساد والإكراه يمارس فيه كل فلسطيني حقه في الحياة الكريمة ويأخذ دوره الطبيعي بين الشعوب، ويساهم بشكل كبير في الحضارة الإنسانية. رغم أن الاحتلال هو المسئول عن كل ما لحق بمجتمعنا من دمار وتشويه في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وإن تجربتنا المريرة تستحق منا إعادة النظر في أدائنا ومكونات نظامنا السياسي والاجتماعي، وضرورة تطويره. إن التجربة الإنسانية أثبتت فشل نظام سيطرة الحزب الحاكم وتفرده، وألحقت ضررا فادحا بمصالح الشعوب وتطورها. إن التجمع الفلسطيني (كفــا) يسعى لتطوير نظامنا السياسي بما يتلاءم مع حاجتنا إلى تقوية جبهتنا الداخلية وتحصينها للوقوف أمام المخاطر المحدقة بشعبنا. كفـا هو تجمع طوعي من الفلسطينيين الطامحين في وطن حر مستقل يمارس فيه كل مواطن حقه في العيش بكرامة وشرف، وينحاز لقضايا الناس وهمومهم خاصة الفقراء والعمال والشرائح المتوسطة، ويشكل حالة جديدة لعلاقات مبنية على الاحترام المتبادل، ويتبنى الحوار مع المواطنين والقوى السياسية والشخصيات المستقلة على قاعدة الاستقلالية والمصلحة العامة لشعبنا ومستقبله، ويعمل أعضاؤه بعقلية منفتحة على الجميع رافضين ثقافة الإقصاء والفئوية الضيقة والعشائرية المتعصبة واليأس والإحباط. ويهدف إلى: التمسك بالمشروع الوطني من خلال تعزيز ثقافة الحوار والديمقراطية وقبول الآخر وتحسين النظام السياسي الفلسطيني والوصول إلى حل سياسي عادل وشامل يستجيب للحقوق الشرعية لشعبنا. إحداث حراك سياسي شامل باتجاه رفض القطبية، وتعزيز التعددية لبلورة اتجاه ديمقراطي ثالث. تحسين فرص اختيار ممثلين صادقين أقوياء يواجهون الفساد وقوى التطرف والمغالاة والتجهيل. الاستمرار في الدفاع عن قضايا الناس المعيشية وحقهم في مجانية التعليم والصحة، والحق في العمل والسكن الملائم. العمل على تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون وسيادته. تكثيف الجهود لخلق فرص عمل للجميع واجتثاث البطالة المتفشية. العمل على إيجاد آليات وأدوات للمراقبة والمحاسبة في أداء السلطة التنفيذية من خلال ربط نواب المجلس التشريعي بالمواطن بشكل مستمر. العمل على إعادة النظر بالقوانين المشرعة والتي ألحقت ضررا فادحا بالمواطن خاصة القوانين الاقتصادية، والتوزيع الغير عادل للدخل، ومحاسبة من اعتدوا على الأموال والأملاك العامة..
لم يتسن للراحل أبو عبد الله مواصلة الدرب الذي آمن به، وحالة الانقسام أعاقت كثيرا من ممارسة فكرته، إضافة إلى حالة المرض التي لم تمهله كثيرا إلى أن فارق الحياة في الأول من أيار الفارط، لكنه ترك لنا تراثا غنيا من الفكر والممارسة الكفاحية عسى أن تكون نبراسا لنا لتحقيق أهدافنا الوطنية..
بكل الإباء والشمم غادرنا الرفيق مصطفى..
اطمئن يا رفيق فسنة التاريخ أن لا يصح إلا الصحيح..
سنواصل دربك الكفاحي ، وستظل ذكراك عطرة في نفوسنا..
لك المجد أبدا والخلود دوما، وطبت حيا وميتا.. وسلام لك...
الاثنين، مايو 25، 2009
الأسئلة النموذجية (كراسات الامتحانات) دليل واضح على جهلنا بالعملية التعليمية؟
قبل الامتحانات النهائية والفصلية تنتشر في مجتمعنا كرا ريس الأسئلة والأجوبة النموذجية، وكذلك نماذج الامتحانات لكل المراحل التعليمية وفي كل المواد المقررة، ويهتم بذلك أولياء الأمور والمدرسين على حد سواء لاعتقاد الجميع أنه يجب على الأبناء التمرن على الامتحانات لفهمهم الخاطئ بأن ذلك سوف يمنحهم القدرة على إجابة أسئلة الامتحانات بشكل جيد.. ويجتهد كثير من المدرسين في إعداد مثل هذه الكراريس طلبا للمال من جهة، أو للشهرة من جهة أخرى.. قبل أن يطبق المنهاج الحديث كنت أتابع سلوك طلبتنا وهم خارجين للتو من قاعة الامتحان فسمعت أحدهم يقول: " طز... في ملزمة الأستاذ... " استهجنت من حديث الطلبة، ودفعني الفضول لأتقصى الحقائق التي دفعتهم لقول ذلك..! فاكتشفت أنهم يخصون ملزمة (كراس) الأستاذ المذكور، والتي تعتبر مشهورة في أوساط الطلبة بأهميتها ودقة إجابتها على أسئلة امتحانات العديد من السنوات الماضية، وأسئلة نموذجية أعدها المدرس نفسه... وكان يتخذها الطلبة مرجعا أساسيا في دراستهم، حتى أن بعضهم اعتبر أسئلة الامتحان لذلك العام لا بد وأن تتكون من الأسئلة الواردة في الملزمة؛ ومنهم من راح يحفظها عن ظهر قلب.. من يراقب أحوال أبنائنا خصوصا طلبة التوجيهي يجد أن عددا كبيرا منهم إن لم يكن غالبيتهم التحقوا بدروس (الخصوصي) مما شكل عبئا إضافيا على أسرهم في ظروف يعرفها الجميع.. ويتمثل هذا العبء في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية من توتر وقلق وانفعال زمن الامتحانات، وعند طلبة التوجيهي يمتد هذا القلق والتوتر طيلة العام الذي يعتبره غالبيتهم عاما غير عادي، وقد يكون أطول بكثير من الزمن المعروف لدى الجميع... لماذا تكونت هذه الحالة؟ ولماذا أصبح الخوف كبيرا ومقيتا من الامتحان ؟؟
إن هذه الحالة ترسخت في وعي أبنائنا ووعي المجتمع كافة عبر سنيين طويلة من تبني اتجاهات خاطئة عن الامتحانات في مدارسنا وجامعاتنا أيضا.. مع التطور الكبير الذي حصل للعلوم التربوية، والمناهج المدرسية إلا أن الامتحانات لم تتغير إلى مواقف تعليمية من جهة، وتقويمية للعملية التعليمية من جهة أخرى.. إن عددا كبيرا من المعلمين إن لم يكن غالبيتهم انتهجوا طريقة غير سليمة في التعليم، منذ زمن طويل وهم يلقنون أبناءنا طريقة ( حل السؤال ) واختيار الإجابة النموذجية وغالبا ما يكون ذلك في قوالب جاهزة.. وابتعدوا عن الأهداف الرئيسية والثانوية أيضا، وابتعدوا عن تعليم مهارات الفهم والتحليل والتركيب والتطبيق والحكم...إلخ. من هنا فقد الطالب ثقته بنفسه وانتابه القلق والتوتر والخوف...! سنوات طويلة والمدرس العام والخاص يلقنوا طلابنا إجابة السؤال، وتوقع المدرس لسؤال الامتحان.. لذلك مطلوب من الجهات المسئولة تبني فلسفة جديدة في طريقة اعداد أسئلة الامتحانات واعتمادها على عدم تكرارها لنفس الأسئلة من السنوات الماضية، وأن تعتبر الأسئلة مقياسا للأهداف التعليمية المبتغاة، وأن تكون مباشرة وان تأخذ بالحسبان الفروق الفردية للمعلمين في طرق تدريسهم وانتهاجهم لطرق التعليم، حيث أشارت العديد من الدراسات، وأكد ذلك علماء التربية والقياس والتقويم أنه: " لا توجد هناك أداة قياس تعطي نتائج أو قياسات دقيقة بشكل مطلق.. وفي العادة تكون نتائج القياس تقريبية تعتمد في دقتها على دقة أدوات القياس المستخدمة، وكما هو معلوم أن الاختبار أيا كان نوعه، من غي الممكن أن يغطي كافة المادة الدراسية التي يتعلمها الطلبة في مجال معرفي معين.."
في احدى السنوات، وبعد تقديم امتحانات الثانوية العامة، سألت عددا من الطلبة المتفوقين عن مدى صعوبة الأسئلة في ذلك الامتحان، فأجاب غالبيتهم: أنهم لم يكونوا يتوقعوا تلك الأسئلة، فقد جاءت مغايرة لما كانت عليه في سنوات سابقة... هذا يعني أنهم لم يستطيعوا التعامل مع الامتحان على أنه اختبار لمدى قدرتهم على الفهم والاستيعاب والتحليل والتركيب والتطبيق، ومن ثم الحكم، أو التقويم، أو الاستنتاج.. وأنهم تدربوا على الحفظ الذي لم يساعدهم على حل الأسئلة بالشكل الأمثل، حتى أن طالبة قد حصلت على نتيجة من المراتب الأولى أكدت لي أنها لم تتذكر شيء مما تعلمت بعد الامتحان مباشرة، وأنه لا يعنيها ما فات...
شتان بين أن يكون الإنسان صاحب فكر يحلل ويربط ، وبين أن يكون صاحب فكر يحفظ ويقبل ويرفض ضمن أسس ثابتة وسابقة لا يحيد عنها فقط لأنه وجدها بين يديه، ووجد نفسه في خضمها،فالنموذج الأول يمثل ثقافة الابداع التي تستند إلى نسبية الحقيقة وتعدد أوجهها، بينما يمثل النموذج الثاني ثقافة الذاكرة، أو الحفظ المستندة إلى مبدأ اليقين والحقيقة المطلقة.. وبين النموذجين فارق شاسع يظهر في الفكر والعمل؛ فالنمط الأول يدخل في إطار الوعي، ذلك أنه يمارس وعيه، بينما الثاني يدخل في إطار يضع فيه وعيه جانبا لا يستجيب فيه للتغيير أو لتبدل الأحوال والظروف والنظم المعرفية.. فيا أصحاب التربية أي النموذجين تريدون..؟؟
الأربعاء، مايو 13، 2009
النكبة ، اللجوء ، الانقسام.. في الذكرى الحادية والستين للنكبة
عبـد الكـريم عليـــان
عضو صالون القلم الفلسطيني
لا يوجد قسوة ومعاناة أكبر من أن يقتلع الإنسان من أرضه أو بيته الذي ولد وعاش فيه.. الهجرة لن تفضي بصاحبها إلا مزيدا من الألم والمعاناة مهما كان فيها من رخاء.. كثر هم الذين يعيشون وتجنسوا في دول هي بالأصل ليست دولهم، واكتسبوا حقوقا وواجبات في تلك الدول لكنهم ما زالوا لا يستطيعون العيش فيها لعدة عوامل وأسباب ليست مجال حديثنا هنا.. النكبة الفلسطينية التي بدأت في عام 1948 وتهجر الشعب الفلسطيني في أصقاع الأرض المختلفة ما زالت هي جوهر الصراع الصهيوني العربي، طال الزمن أم قصر لا يمكن فرض أي حلول إلا بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وبيوتهم التي طردوا منها بالقوة حسب قرارات الأمم المتحدة، وأي حل يمكنه أن يمرر في المرحلة الحالية إذا ما فرض على الشعب الفلسطيني لا يأخذ بالحسبان قضية اللاجئين الأساسية يعتبر مغشوشا وسوف لا يعيش طويلا..! وكلما اعتقد البعض أن عامل الوقت سوف يلغي هذا الحق كلما زادت المطالبة به، وصار واضحا للجميع أن الذين هاجروا وتجنسوا في دول عديدة هم أكثر الفلسطينيين مطالبة بهذا الحق وشيدوا المؤسسات التي ترسخ وتدعم مطالبهم..
(اللاجئ) : من لاذ بغير وطنه فرارا من اضطهاد أو حرب أو مجاعة . وجمعها (لاجئون) . (الملجأ) : المعقل والملاذ . عرف الإنسان اللجوء منذ القدم ؛ ودائما كان يلجأ إلى مكان يحميه ويجد فيه قوته كي يستمر في البقاء.. ولجأ الإنسان في بداية التاريخ إلى المغر والكهوف الطبيعية في الجبال والوديان هربا من الحيوانات المفترسة، وقسوة الطبيعة أحيانا.. إلى أن استطاع أن يستقر ويبني له بيتا من الحجر أو الخشب، وكذلك ليس منفردا بل على شكل جماعات وأسر ومن ثم قبائل ومجتمعات إلى أن أصبحت بلدانا ودولا لها حدودا تحافظ عليها وتحميها من طمع الآخرين ..!
في العصر الحديث يمتلئ العالم باللاجئين من كل الأجناس والدول سواء للبحث عن عيش كريم أو هروبا وخوفا من ظلم قد يتعرض له الإنسان في وطنه فيتركه إلى وطن آخر يجد فيه أمنه وعيشه .. أو من أجل تحقيق ذاته في رغبة داخله لا يستطيع الوصول إليها في وطنه سواء كانت هذه الرغبة علميه وأدبية أو مادية أو عاطفية.. والدول التي تستقبل هؤلاء اللاجئين كثيرة منها ما هي مؤهلة للاستقبال في حدود ما.. ومنها ما هي غير مؤهلة لذلك أو خوفا من نوعية هؤلاء اللاجئين فتغلق حدودها في وجههم . لو نظرنا إلى دول أوروبا سنجد في جميعها تقريبا لاجئينا عربا وبالملايين.. لكن لو عكسنا الصورة فهل سنجد لاجئينا من أوروبا في الدول العربية؟؟ لا نعرف دولة عربية واحدة فيها لاجئين من أوروبا أو غيرها مع أن هناك دولا عربية غنية تستطيع أن تستقبل ملايين من اللاجئين ليصبحوا مواطنين صالحين يزيدوا من تطوير هذه الدول واغتنائها أكثر من قبل..! إذن العربي يشتاق للغرب المسيحي أو العلماني من أجل الحرية وتحقيق الذات وينبهر بالنظام والتكنولوجيا المتطورة وجمال الأنثى الأبيض (المهاجرون العرب ـ غالبيتهم من الذكور)، أما الغربيون ينظرون إلى الشرق بأنه ليس ببعيد عنهم فيأتون إليه سياحا لينعمون قليلا بسحره وشمسه ولذة طعامه الطازج، ليعودوا إلى أوطانهم حيث الصناعة والإنتاج.. لديهم من المال والقانون ما يجعلهم يزورن الشرق كل سنة على الأقل..! إضافة إلى نظرتهم للشرق المتخلف والمستبد من قبل أنظمة دكتاتورية تعتبر قطع شطرنج في أيديهم لتجعلهم مستهلكين لصناعاتهم الغالية الثمن، ويباتوا مطمئنين آمنين ...
كل اللاجئون في العالم مختلفون عن اللاجئين الفلسطينيين إذ بإمكان غالبيتهم العودة إلى أوطانهم وقتما شاءوا ما عدا من له مشكلة قد تكون فردية سواء مع النظام أو مع أفراد من المجتمع.. لكن اللاجئ الفلسطيني إلى أي وطن يعود..؟ اللاجئون الفلسطينيون طردوا من وطنهم المحتل على مراحل كانت الأولى عام 1948 والثانية عام 1956 والثالثة عام 1967 ، ويبدو أن مرحلة جديدة من اللجوء بدأت منذ الانقسام بين غزة والضفة... منهم من لجأ إلى دول عربية كلبنان وسوريا والعراق والأردن ومصر أو في فلسطين نفسها سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو حتى إسرائيل.. أو إلى دول أوروبا أو الأمريكيتين! كلهم لجئوا نتيجة حروب مع إسرائيل، أو طردوا بالقوة بعد الاحتلال، أو بسبب نشاطهم السياسي أو الثوري، وكذلك منهم من كان خارج فلسطين واستقر في الدولة التي كان يعيش فيها أو سافر لدولة أخرى وجد فيها لقمة عيشه.. فمثلا في ظروف غزة الحالية حيث الحصار مطبق عليها منذ ما يقارب السنتين هناك أكثر من خمسة آلاف طالب أنهوا دراستهم العلمية هذا العام، ومثلها في العام السابق في دول عربية وغيرها.. ولم يجدوا وسيلة للعودة إلى غزة لأن المعابر مغلقة فلجأ غالبيتهم إلى دول غربية مثل كندا والسويد والنرويج وأمريكا وغيرها ، حتى من كان يتعلم في دولة عربية وأنهى تعليمة فتقدم بطلب هجرة إلى دول غربية؛ لأن العرب لن يسمحوا له بالمكوث في دولهم وإن تعاطفوا معه بالإقامة مؤقتا، إذن يمكن القول أن الآلاف من الفلسطينيين يهاجروا لسبب أو لآخر ليزيد عددهم سنويا.. ولو فحصنا حياة اللاجئ الفلسطيني في الدول العربية لوجدنا أنه يعيش حياة ضنكى، ملؤها العذاب والقسوة؛ فهو ممنوع من الحركة والتنقل، وممنوع من العمل والتعليم العالي في بعض الدول، تمارس عليه الدولة التي تأويه رقابة شديدة (انظروا إلى مخيمات اللجوء في سوريا ولبنان والأردن ..) مثال صارخ على قسوة العيش.. بقيت هذه المخيمات كما هي منذ عام 1948 دون عناية أو تطوير.. بحجة عدم توطين هؤلاء وضياع قضيتهم ووطنهم المسلوب..!؟
في استطلاعات للرأي أجريت مؤخرا في غزة، أكد أكثر من سبعين بالمائة من الشباب استعدادهم للهجرة واللجوء خارج غزة فيما لو أتيحت لهم فرصة ذلك.! السبب في ذلك واضحا لا لبس فيه نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي يعيشها شعب غزة؟ ولمن لا يعرف جغرافية غزة السياسية، فهي عبارة عن جيب صغير في أقصى ساحل فلسطين الجنوبي بعرض تسعة كيلومترات وطول خمسة وأربعين كيلومترات يحدها من الغرب البحر الأبيض المتوسط، حيث تسيطر عليه القوة الإسرائيلية ومن الشمال والشرق والجنوب جدارا قويا بنته إسرائيل قبل خروجها من غزة حيث تسيطر عليه تماما ما عدا الشريط الذي يربط غزة بمصر من الجهة الجنوبية ويبلغ هذا الشريط عشرين كيلو مترا من البحر إلى الجنوب الشرقي، حيث كان يربط غزة بمصر معبرا يدار من قبل السلطة الفلسطينية ومصر وإسرائيل بإشراف أوروبي من خلال اتفاقية رباعية أشرفت عليها الولايات المتحدة، لكن هذا المنفذ أغلق تماما بعد انقلاب حماس وسيطرتها على غزة؛ فبقي الفلسطينيون في غزة يعيشون في سجن كبير لا يسمح لهم إلا بالعيش بين الحياة والموت..!
إذن غزة التي قارب عدد سكانها المليونين يعيشون داخل سجن كبير تبلغ مساحته ثلاثمائة وستين كيلومترا مربعا تنعدم داخله مقومات الحياة الأساسية، وأبواب السجن الخارجية تتحكم به قوة ضخمة يقولون عنها : أنها رابع قوة في العالم.. ويحكمه من الداخل قوة ظلامية لا تهتم إلا بعناصرها ، وتلتقي سياستها أحيانا مع سياسة السجان الرئيسي وبعض الدول العربية..؟ جميعهم لا يريد كيانا فلسطينيا مستقلا في حدود معترف فيها يمارس فيها حياته مثل باقي شعوب الأرض..! أما حركة حماس التي تسيطر على غزة حاليا فهي لا تولي أي اهتمام لموضوع النكبة الذي ظلت منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها رافعة راية العودة وحقوق اللاجئين؛ لأنها جوهر الصراع وجوهر القضية التي دفع شعبنا ثمنها غاليا وما زال.. وها هي حماس كي ترضي جهات إقليمية تأخذ دعمها وتأييدها منها تعطل أي اتفاق للمصالحة يمكن أن ينهي الانقسام الذي يساوي في مأساته مأساة النكبة الأولى بحجة مشروعها الوهمي في الخلافة التي يمكن أن تبدأها أولا دولة مستقلة ومتطورة تعتمد على ذاتها قبل كل شيء، وإن كانت حركة حماس تعتمد على ذلك كدولة مثل إيران، لكننا لا نفهم كيف لحماس أن تتحالف مع دولة ضد أيدلوجيتها الدينية والفكرية وتحالفت دوما مع الصهيونية وأمريكا ضد أي تطور وتقدم لأي دولة عربية.. وشاركت أمريكا في عدوانها على العراق وأفغانستان، وها هي اليوم تشارك إسرائيل في تحقيقها للانقسام الفلسطيني الفلسطيني، واللبناني اللبناني أيضا لمصالح تخصها هي أولا.. لا بحجة الإسلام ولا بحجة معارضتها للاحتلال..! كل الذين شاركوا في حوارات القاهرة من كل الفصائل بما فيها حركة الجهاد الإسلامي أعلنوا في أكثر من مناسبة بأن الخلاف مع حماس لم يكن على الثوابت الفلسطينية، بقدر ما هو خلاف على شكل الحكومة والمحاصصة بين فتح وحماس.. يا ناس ! عودوا إلى رشدكم.. فلسطين أغلى بكثير، وأكبر بكثير من مصالحكم المحدودة، وإن حققتم التحرير والعودة؛ ففلسطين سوف تغنيكم جميعا وسترتقي بكم إلى الرقي والتقدم.. لكن ذلك لن يتحقق إلا بالوحدة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام والتشرذم الذي نعيشه...!
Elkarim76@hotmail.com
الأربعاء، أبريل 08، 2009
معلمو وكالة الغوث الدولية بغزة
عبـد الكـريم عليـــان
قبل سنة تقريبا حضرت لقاء مع السيد جون كنج مدير عمليات وكالة الغوث الدولية بغزة، وضم اللقاء عددا من الكتاب والمثقفين والمهتمين بالعملية التعليمية، حيث استعرض السيد جون نتائج التقييم التي أجراها في كافة مدارس الوكالة للصفوف من الرابع وحتى التاسع، ودار نقاش مستفيض حول مواطن الضعف والقوة التي أظهرتها نتائج الامتحانات، وكذلك تحدث السيد جون عن الخطط والبرامج التي تنوي الوكالة عملها لتقويم العملية التعليمية.. وكان من بين هذه الخطط التنسيق مع أساتذة التربية في الجامعة الإسلامية والجامعات المحلية لعمل الدراسات حول المشكلات التربوية والوقوف على الحلول التي يمكنها أن تخفف، أو تحد من هذه المشكلات.. وأذكر أن أحد الحاضرين اعترض على اقتراح السيد جون في هذا الأمر، وقال مخاطبه: لا تعول كثيرا على هؤلاء؛ فهم سبب رئيسي في المشكلة إذ تخرج على أيديهم آلافا من المدرسين الذين يعمل عدد كبير منهم الآن في مدارس وكالة الغوث بغزة.. الآن اتضحت الصورة تماما من خلال نتائج الانتخابات التي تمت في لجان العاملين بالوكالة حيث فازت عناصر حماس أو مؤيديها في لجنة العاملين الخاصة بالمعلمين، ولسنا هنا في معرض الحديث عن النتائج السياسية لتلك الانتخابات بقدر ما يعنينا من انعكاس ذلك على أبنائنا ومستقبل شخصياتهم ومستوياتهم العلمية، وهذا ما أدركه الكاتب الذي اعترض على اقتراح السيد جون قبل أكثر من سنة..
ليس لدينا بيانات عن عدد المعلمين الذين يعملون في مدارس وكالة الغوث، لكن من الواضح أن لخريجي الجامعة الإسلامية حصة الأسد من هؤلاء وهذا لا يعني أن الآخرين من خريجي جامعات غزة هم أفضل من هؤلاء وأحسن تأهيلا منهم، لكن المؤسف حقا هو: في درجة الأدلجة السياسية والفكرية لخريجي الجامعة الإسلامية من جهة، ومن أخرى أثر المقررات الجامعية في تأهيل هؤلاء المعلمين وانعكاس كل ذلك على شخصية أبنائنا ومستوى تحصيلهم العلمي والفكري.. هذا يقودنا إلى أسئلة كبيرة وخطيرة عن دور هذه الجامعة وقدرتها على إنتاج المعلم المؤهل فكريا وتربويا ووطنيا بما يخدم المصلحة العليا للوطن والشعب بعيدا عن التحزب السياسي خاصة في مدارسنا، وجامعاتنا أيضا.. وإذا كان التوجه العالمي حديثا لا يسمح بترخيص أحزابا سياسية ذات توجه ديني؛ فكيف نسمح لجامعة تهدف إلى أدلجة مجتمع بأكمله بفكر متحجر يقمع العقل من التفكير، ويقتل ملكات الإنسان من الانطلاق نحو الإبداع والتطور.. بالطبع سوف ينتقدني الكثير ممن يجهلون مقررات التربية في هذه الجامعة والمقدمة للطلبة الذين يقودون المجتمع، وعلى الأخص المعلمين الذين يعملون على تربية أبنائنا، من هنا نوجه الدعوة للمهتمين والمختصين للقيام بتفحص هذه المقررات، وكذلك ندعو كل الجهات الرسمية التي تصادق على الشهادات التي تمنحها هذه الجامعة لخريجيها بتجميد هذا التصديق لحين تغيير هذه الجامعة لخططها وإعادة تأهيل خريجيها، وحتى لا يتهمنا أحد بالتجني فلمحة بسيطة وسريعة على مقررات كليات التربية سوف تكتشفون ضمن هذه المقررات مساقات علمية، مثل: مناهج البحث العلمي، والقياس والتقويم، وتكنولوجيا التعليم، والحاسوب.. أن هذه المساقات لا يمكن تعليمها أو فهمها بدون متطلب سابق، هو : الإحصاء، ويجب أن ينجح فيه المتعلم وبتفوق حتى يستطيع التعامل مع تلك المساقات وفهمها.. إلا أن خطط الجامعة ومقرراتها لا تتضمن هذا المساق، وكذلك إذا تسنى لك الاطلاع على مساق البحث العلمي فإنه لا يقدم للطالب سوى تعريفات محدودة جدا يمكن تدريسها لطلبة المرحلة الإعدادية أو الثانوية، وكذلك لا تعرف كليات التربية أي شيء عن علم النفس التطوري.. من هنا لا يمكننا إلا أن نستنتج وبشكل لا غموض فيه أن هذه الجامعة تعمدت بشكل واضح حذف هذه المقررات (العلمية) لأن الأولي تعمل على تنمية العقل وتزيد من درجة الشك لديه وهي اللحظة المهمة، أو كما يسمونها اللحظة الحرجة للوعي والإدراك للشخصية الإنسانية التي تدفعه إلى التقدم والتطور.. وبالنسبة لعلم النفس التطوري الذي يعتمد بدرجة أساسية على (الداروينية) التي لا تعترف بها عقلية الجامعة الإسلامية وفكرها، مثلما منعت علوم وفلسفة ابن رشد وابن خلدون من الدخول إليها، وكما هو معروف أن علوم وفلسفة هذين العالمين كانت عاملا رئيسيا في نهضة أوربا فيما بعد العصور الوسطى... كيف إذن نعتمد على جامعة لا تعترف بعلوم أساسية كانت السبب في تطور البشرية..؟
طبعا كل ذلك له بالغ الأثر على شخصية المعلم وثقافته التي تحدد سلوكه وتعامله مع الطلبة ومع المنهاج المقرر ومع محيطه في المجتمع أيضا، من هنا يمكننا ملاحظة تصرف وسلوك هؤلاء المعلمون في أثناء عملهم داخل الصفوف؛ فلا يوجد معلم من هؤلاء أيا كان تخصصه وحصته لا يشرح درسه بعيدا عن السياسة والخطاب الديني الذي تأسس عليهما في الجامعة الإسلامية.. ولا يكتفون بذلك، فراح بعضهم يدعو طلاب صفه للقائهم في المسجد أيضا، وبالطبع لا يمكننا هنا تناول تفاصيل كثيرة دقيقة والتي يقرر فيها هذا المعلم من الحرام والحلال، ومنع الطلبة من تناول الفن والأغاني والموسيقى التي من المفترض أن تدرس في الصف وبشكل أساسي مثل باقي العلوم، وأيضا تدخله في المأكل والملبس وحلق الشعر.. إضافة لذلك تركيزه على طريقة التلقين والحفظ وابتعاده بشكل مقصود عن تعليم مهارات الفهم والتحليل والتركيب والاستنتاج.. ولا يفوتنا هنا استخدام العقاب البدني والتوبيخ بشكل يؤكد عجز المعلم عن استخدامه لوسائل تربوية كثيرة حتى ينتج لنا شخصية عاجزة متكلة على الآخرين تؤدي الطاعة والولاء لأمراء المجتمع الذي يريدون..؟!
والسؤال الأهم والخطير أيضا موجه لوكالة الغوث الدولية التي تشرف على تنشئة أبنائنا في مراحلهم الأولى، وهو: كيف سمحت هذه المؤسسة بتوظيف معلمين كثر تخرجوا من هذه الجامعة وهم يحملون هذا الفكر وهذا النهج ليقوموا بالدور المنوط بهم؟ وأعتقد أن جلهم لا يعرفون، ولا يدركون هذا القصد؟ ولا نعتقد أن القائمين على المؤسسة قد غفلوا عن هذا القصد بقدر ما كان هناك جهات سياسية تدرك مدى أهمية ذلك على قضيتنا وعلى مجتمعنا في نفس الوقت..!
عضو صالون القلم الفلسطيني
Elkarim76@hotmail.com
السبت، مارس 28، 2009
الجندي جلعاد شاليط أصبح حصان طروادة للسياسة الإسرائيلية
عبـد الكـريم عليـــان
الخامس والعشرين من حزيران للعام 2006، هو اليوم الذي أسر فيه المقاتلون الفلسطينيون الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في العملية العسكرية التي سميت بالوهم المتبدد، واعتبرت في حينها خسارة فادحة للجيش الإسرائيلي، منذ ذلك الوقت وحتى الآن دفع الشعب الفلسطيني ومازال.. ثمنا باهظا لا يكمن عده وحسابه في الأرواح والممتلكات، وذاق أهل غزة الويل جراء الحصار الغاشم الذي فرضته إسرائيل بمساعدة دول إقليمية وعالمية لإرضاء الإسرائيليين.. هذا أقل ما يمكن عمله من العالم الذي يدعي التحضر ويحترم حقوق الإنسان؟! وكأن الإنسان الوحيد على هذه الأرض، أو على الأقل في الشرق الأوسط ،هو: الإسرائيلي ! ونسي هذا العالم، أو تناسى بأن القادة الإسرائيليين قد استدرجوه ليشاركهم جرائمهم البشعة والموغلة في الجريمة بحق الإنسانية جمعاء.. إذ كيف يقبلون أن تمارس إسرائيل العقاب الجماعي ضد شعب بأكمله؟ لا ذنب له سوى أنه طرد من أرضه منذ أكثر من ستين عاما، ومازالت العصابات الإسرائيلية تلاحقه في تشرده أينما كان لتقضي عليه، ولا تعطيه فرصة ليثبت للعالم أنه جدير بمشاركته الحضارة والتقدم.. وكلما خطا خطوة للأمام تغتاظ منها إسرائيل فتتحين الفرصة بالانقضاض عليه لتعيده مكسورا سنوات حتى يجبر كسره ليعود من جديد، وهكذا دواليك.. بعد خمسين سنة من النضال قبل الشعب الفلسطيني الضعيف اتفاقا هزيلا قد لا يلبي طموح طفل لاجئ من أي مخيم أو قرية أو مدينة.. وقبلت إسرائيل اتفاق أوسلو على مضد تحت ضغط دولي، أو كنتاج لما بعد الحرب على العراق، أو أنها قبلت بذلك مؤقتا لتعود بعد وقت بلخبطة الأوراق حينما رفضت دفع الاستحقاقات للفلسطينيين، وبذلك أعادت دوامة العنف للمنطقة من جديد.. لأنها لم تتعود على الهدوء والاستقرار، أو أنها اكتشفت أن ذلك يتنافى مع وظيفتها وكينونتها كجسم غريب في المنطقة.. وتوصلت لنتيجة واحدة هي: السلام والاستقرار سوف يضعفها أمام شعوب المنطقة!
عندما انتبه العالم لوحشية إسرائيل فعرض على الجميع حلولا سميت في حينها خارطة الطريق التي اقترحتها الرباعية الدولية.. ومع ذلك لم يعجبها الاقتراح وراحت تلتف عليه بانسحابها الخبيث من غزة لتوهم العالم بأنها بذلك قد تخلت عن شيء ثمين لصالح الفلسطينيين وراحت تطبق الخناق على غزة من كل النواحي والاتجاهات.. وعندما أظهر الفلسطينيون أنهم مثل: أي شعب متحضر يمارسون الديمقراطية بشفافية ونزاهة شهد لها العالم أجمع، اغتاظت أكثر.! ووجدت في نتيجة الانتخابات حجة، أو مبررا لتستمر في معاقبة الفلسطينيين والانقضاض عليهم من جديد بحجة فوز حماس كمنظمة (إرهابية)، والحقيقة من وجهة نظر الإسرائيليين أن العرب جميعهم إرهابيين، وما شعار "الموت للعرب.." الذي يردده الشعب الإسرائيلي بأكمله إلا دليلا على تطرف وعنصرية هذا الشعب الذي وجد في تراثه وتجربته ما يعزز سياسته الفاشية ضد البشرية بأكملها وليس العرب فحسب! فراح يعادي ويتجهم ضد أي بلد يمكن أن يعتدل بعض الشيء إذا ما وقفت بجانب العرب حتى لو كان معنويا، وأقل ما يمكن أن تقوم به ضد هذا البلد تنعته بأنه ضد السامية..
هكذا هي إسرائيل على مدى أكثر من ستين عاما تدور في فلك الحرب.. ستون سنة من سفك الدماء غير كافية لإنتاج ديجول إسرائيلي يقرر مرة واحدة: أن سياسة العنف لا تولد إلا عنفا متزايدا... ستون سنة من ملاحقة شعب أعزل غير كافية وغير مقنعة لهم بأن ذلك غير مجدي ولا يمكن أن يقضي على شعب، وكلما أوغلوا في الجريمة كلما زاد هذا الشعب عنفوانا وشموخا.. وكلما زاد فساد القادة الإسرائيليين وفساد مجتمعهم البغيض.. هكذا هي إسرائيل! ليبرمان وجماعته الذين لم يتعلموا العبرية بعد! صاروا جد متطرفين ولا يرغبون بوجود العرب هنا.. وحازوا على تأييد واسع من المجتمع الإسرائيلي الذي تربى على التطرف والعدوان.. ولن ننسى أن هذا المجتمع لم ينتظر رئيس وزرائه رابين أن يحقق لهم قليلا من السلام فاغتالوه على الفور، ومنذ ذلك الوقت وهم يبحثون عن مبررات تبعدهم عن تحقيق السلام، ويضعون العراقيل تلو العراقيل في طريق تقدم الشعب الفلسطيني خطوة إلى الأمام دون أي اعتبار لحقوق الإنسان ولو كان ذلك يكلفهم المزيد من الضحايا، وما قضية شاليط إلا برهانا واضحا على سياستهم الهوجاء، وإن لم يكن شاليط فسوف يجدون عشرات الشلاليط لتنفيذ هذه السياسة، ضاربين بعرض الحائط كل آمال العالم الذي بات يحلم بأن تكف إسرائيل عن إقلاق مضاجعه..
إسرائيل أوقفت الحرب على غزة وانسحبت منها؛ لأنها لا تريد حلولا وخوفا من أن يتوحد الفلسطينيون وينتهي الانقسام تاركة شاليط خلفها لحسابات سياسية كي يبقى مسمار جحا، أو حصان طروادة الذي به يمكنها تنفيذ سياستها التي تريد... وهاهو ينجلي الأمر تماما خاصة أن حوارات المصالحة الفلسطينية في القاهرة بدأت تعطي ثمارها، لكنها اصطدمت بسياسة إسرائيل لأن أي برنامج لحكومة الوحدة الفلسطينية لن ينجح، ولن تفتح المعابر، وسيبقى الحصار وسيستمر العدوان مادام شاليط في غزة، وإن تجدد الحديث عن إعادة إتمام صفقة التبادل قبل تسلم الحكومة الإسرائيلية الجديدة؛ فستجد هذه الحكومة أو أية حكومة مبررات كثيرة لاستمرار حالة اللا حرب واللا سلم التي ظلت إسرائيل تعتمد عليها منذ قيامها وحتى الآن! وإن كان الفلسطينيون يبحثون عن أية وسيلة لتحرير أسراهم من القيد، فإسرائيل يوميا تعتقل منهم المزيد والمزيد بمبرر، وبدون مبرر.. هكذا هي إسرائيل إن نجحت باستخدام حصان طروادة في تنفيذ سياستها، لكنها نسيت أو تناست أن طروادة وإسبارطة لم تعد موجودتان، وبعدها انقرضت إمبراطوريات عظمى .. وهكذا ستزول إسرائيل طال الزمن، أم قصر لأنها تعيش أساطيرا وهمية في عصر أصبح العالم قرية صغيرة ولا يمكن لأي دولة أن تعيش معزولة عن محيطها..
عضو صالون القلم الفلسطيني
Elkarim76@hotmail.com
الأربعاء، مارس 18، 2009
رواتب الموظفين واقتصاد غزة المنهار هو الغائب عن حوارات القاهرة
عبـد الكـريم عليـــان
المتجول في أسواق غزة منذ بداية الشهر الجاري وحتى كتابة هذا المقال يلاحظ فورا مدى الكساد التجاري الذي أصاب هذه الأسواق، وحتى النشاط العام أصبح شبه مشلول والسبب في ذلك ينجلي تماما عند الأميّ والمتعلم وحتى كل شرائح المجتمع الغزي.. جميعهم يقولون لك لعدم استلام الموظفين رواتبهم، ويقصد بذلك موظفي السلطة اللذين يتقاضون رواتبهم من حكومة تصريف الأعمال في رام الله التي التزمت مشكورة بدفع الرواتب وما تأخر من مستحقات قديمة طيلة فترة الانقسام، إلا أن راتب شهر شباط لم يتسلمه بعد موظفي غزة، ولا أحد يعرف حقيقة تأخير ذلك.. سوى ما تردد في وسائل الإعلام عن عدم سماح السلطات الإسرائيلية بنقل الأموال لغزة.. ومنذ وقت طويل تستخدم إسرائيل هذه السياسة ولا أحد استنكر هذه الإجراءات البشعة التي ترتكبها إسرائيل بهدف زيادة الضغط على غزة كعقاب جماعي، وهي متأكدة تماما أن هذه الأموال لن تذهب إلى حماس لأنها تدخل في حسابات الموظفين مباشرة كل على حدا، ومن الطبيعي أن يكون لهذه الأموال أثر مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية..إلخ، وجدير بالذكر أن حكومة السلطة الفلسطينية هي المشغل الأكبر في غزة إذ يبلغ عدد الموظفين المدنيين والعسكريين الذين يتقاضون رواتبا حوالي سبعة وسبعين ألف موظف، يبقى ما تدفعه وكالة الغوث لموظفيها في غزة، وما تدفعه حكومة حماس لموظفيها، لكن من الواضح جدا أن أموال أو رواتب هذين المشغلين لم يغيرا من حركة السوق بشيء علما أن رواتبهما يتم تسليمها بأزمان مختلفة من الشهر..
بعد أن كتبت المقدمة السابقة بدأت البنوك بدفع الرواتب، وبحجة عدم وجود عملة إسرائيلية(الشاقل) وهي عملة التداول في أسواق غزة والضفة أيضا، وهي العملة التي ضختها السلطة في البنوك، ولأن الرواتب تحسب بالعملة الإسرائيلية كذلك.. راحت هذه البنوك استبدال الرواتب بالدولار الأمريكي، أو بالدينار الأردني بسعر أعلى من السعر الحقيقي في السوق السوداء..ولا نفهم كيف إسرائيل سمحت بدخول أموالا كالدولار أو الدينار، ولم تسمح بدخول عملتها الشيقل؟ وهذا غير منطقي.. والأصح أن البنوك هي التي تتحجج بعدم وجود الشيقل كي تقوم بتحصيل مرابح هائلة من خلال تحويل الرواتب إلى عملة أخرى.. يخرج الموظف من البنك ليحول الدينار أو الدولار الذي استلمه من البنك إلى العملة الإسرائيلية المتداولة في الأسواق كي يغطي تكلفة حياته وحياة أسرته، فيجد أنه قد خسر من راتبه مبلغا يتراوح ما بين 0.5 ـ 1.5 % إن لم يكن أكثر في بعض البنوك حسب سعر الدولار فيها.. كل هذا يحدث في ظل الحكومة الرشيدة المسئولة أولا عن حياة الناس وأمنهم في غزة..؟! ويبدو أن مفهومهم للحكم هو ما يتعلق بالسياسة والتناحر السياسي مع الأحزاب، أو التنظيمات الأخرى..
كيف لهذه البنوك أن تحقق أرباحا خيالية في بلد لا ينتج شيء غير التسول ..؟ بل على العكس تماما في ظل الحصار ساهمت هذه البنوك في إحكام الحصار على المواطن والسلطة على حد سواء، ولو عدنا للوراء قليلا منذ بدء الحصار، كان همها الرئيسي كيف تسترد أموالها المقروضة للموظف الذي بات لا يعرف ما له وما عليه؟ وابتدعت هذه البنوك طرقا ووسائل متعددة في كيفية سرقة الناس وابتزازهم إلى حد لا يمكن السكوت عليه وتتحمل سلطة النقد والمجلس التشريعي والسلطة القضائية المسئولية الكاملة عن تصرفات البنوك؛ لأن الموظف أو المواطن ليس بخبير في الحسابات البنكية، ومن بين تلك الطرق ما يعرف بمصطلح ( المدين دوار ) فهو عبارة عن منح الموظف راتبا كاملا أو راتبين مسبقا من البنك بضمان الراتب أو بضمان مدخراته من التأمين والمعاشات... هذه الطريقة السحرية والملتوية، وهي غير متوفرة حتى في دول الليبرالية المتوحشة.. قد تساعد الموظف وتحل له مشكلة محدودة مرة واحدة لكنه يبقى يسدد فوائدها شهريا طيلة الحياة.. بمعنى أن البنك ضمن من الموظف ربحا ثابتا ما لم يسدد هذا الراتب؟ ولو افترضنا أن البنك يجني فائدة بنكية من كل راتب بمعدل 35 شيقلا على الأقل ولو كان عدد الموظفين المدينين دوار 10 آلاف موظف في كل بنك ، فالبنك سيحقق دخلا شهريا منهم ما يقارب الـ 100 ألف دولار فقط من هذه الوسيلة؟ ما دامت هذه البنوك مؤسسات لا فائدة وطنية منها ولا تعمل على التنمية.. وتعمل فقط على كيفية الاستفادة من رواتب الموظفين، إذن فلتتحول إلى مؤسسات حكومية توظفها الدولة لتسهيل صرف رواتب موظفيها.. أو تستغني عنها وتجد طريقة أخرى لتسليم الموظفين رواتبهم بدلا من أن تكون هذه البنوك وحش يأكل لحم المواطنين!!
مع أن جميع مواطني غزة ينتظرون بفارغ الصبر نتائج حوارات المصالحة في القاهرة، ويرونها مهما كانت نتائجها، الخلاص المنتظر لمشاكلهم ومعاناتهم التي لا حدود لها.. لكن الواقع شيء والمأمول شيء آخر إذ شكلت خمس لجان للمصالحة كلها تهم العمل السياسي لتلك التنظيمات، لكنها لم تتطرق إلى ما هو أهم لحياة الناس ونشاطهم الذي قد يفشل أي اتفاق يتوصلون إليه، أو هم أنفسهم سيختلفون فيما بعد على حصصهم التي يتفقون عليها الآن! لكن قد لا يتسع الوعاء مستقبلا لكل رغباتهم كما حصل في السابق وتجربة السلطة في هذا المجال كانت قاسية جدا منذ نشأتها وحتى الانقسام، والتي كانت سببا رئيسيا لحدوثه، ومن قبله خسارة فتح وباقي الفصائل في انتخابات 2006.. صحيح أننا تطرقنا إلى رواتب الموظفين كمثال لأكبر شريحة اقتصادية في غزة، ولأن مجمل النشاط الاقتصادي في غزة يعتمد عليها ويدور على امتصاص قدر أكبر من هذه الأموال بدء من البنوك قبل تسليمها لهذه الفلوس وانتهاء بأصغر تاجرا في السوق لأنه ينتهز فرصة رفع سعر سلعته لزيادة الطلب عليها في أسبوع تسليم الرواتب! ألم يكن حري بنا إضافة لجنة اقتصادية للجان الخمس تبحث في السياسة المالية والاقتصادية لترسيخ قاعدة وأسسا اقتصادية تقوي من صمود شعبنا وتحفظ له كرامته حتى لا يتكرر مشهد الفساد المالي والإداري؟؟
عضو صالون القلم الفلسطيني
Elkarim76@hotmail.com
الجمعة، مارس 13، 2009
غزة تنهض من كبوتها
عبـد الكـريم عليـــان
بعدما انتهت الحرب على غزة والتي لم تنتهي تماما.. تفاجأ المجتمع الغزي من حجم الغضب والانفعال الذي أختزن في وجدان الغزيين بعامة، والمثقفين بشكل خاص! الذي ثار فجأة كالبركان المتدفق ليملأ الساحة الثقافية ميلادا جديدا لا يمكن القفز عنه بسهولة خاصة للجمهور المتابع للحركة الثقافية والتي يجب أن تكون العنوان الرئيسي للحركة السياسية وقادتها الذين يعملون بعيدا عن هذا المؤشر المهم، ولعل هذا يؤكد ما ذهب إليه المشتغلون في علم الاجتماع عن حساسية مفرطة بين المثقف والسياسي خاصة في المجتمعات العربية، ومجتمعات العالم الثالث... وتجدر الإشارة إلى ضعف وسائل الإعلام التي تتبارى في التقاط الأحداث الساخنة، وتحيد بشكل مقصود أو غير مقصود عن كل الأحداث الإنسانية والثقافية التي تنتج أو تقوم يوميا في غزة المحاصرة... وكما يذكرنا التاريخ بحصار لينينجراد عندما حاصرتها مدافع الألمان سنة 1944 مدة 900 يوما تحت طقس شديد البرودة ووفاة ما يقارب 800 ألف من الروس جراء الحصار النازي.. إلا أن أكثر ما كان يغيظ الألمان هو الأوبرا التي كانت تصدح تحت دوي المدافع.. بالطبع سجل التاريخ الذي كان فقيرا حينها لوسائل الإعلام الحالية مفخرة للإنسان وصموده الأسطوري.. لكن هل ستسجل غزة بصمودها الذي يوازي في ذلك حصار لينينجراد مع فارق الزمن الذي نعيشه بكل أدواته المختلفة عن ذلك الزمن..؟ غسان بن جدو مذيع ومقدم برامج مشهور في قناة الجزيرة الإعلامية قد فشل في توصيل رسالة إعلامية لأنه أغفل الجوانب الإنسانية التي يعاني منها المجتمع الغزي جراء الحصار والعدوان الشرس، واقتصر برنامجه الذي بث في أكثر من حلقة على حياة المقاتلين وخاصة عناصر من حماس والجهاد..
ما أن انتهى العدوان على غزة حتى فاجأنا الفنان التشكيلي فايز السرساوي بمعرضه النحتي "ميلاد مدينة" هي مدينته التي خرجت للتو من الركام بمنحوتاته الجديدة، والتي كان للعدوان أثر بارز في تفاصيلها، كما عكست أحلام الفنان ومعاناته الشديدة مع أسرته زمن الحرب.. ما كاد للمعرض أن ينتهي حتى باغتتنا الأديبة مي نايف رئيسة صالون نون الأدبي بندوة أدبية قدم فيها الدكتور حماد أبو شاويش من جامعة الأقصى دراسة عن صورة المرأة في أعمال الأديب غريب عسقلاني وتخللت الندوة قراءات شعرية جديدة لعدد من الشاعرات الحديثات مما كان للندوة نكهة مميزة.. في يوم المرأة العالمي حيث احتشدت النساء من كل أنحاء غزة أمام باحات المجلس التشريعي الذي دمرته الطائرات، وبدلا من أن يتلقين الورود والابتسامات في هذا اليوم كانت هتافاتهن تنطلق إلى عنان السماء يطالبن بالوحدة وانتهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ولم يفتن مطالبتهن بالمساواة مع الشريك حيث يشاركنه ويقتسمن معه السراء والضراء.. وهناك في نفس الظهيرة افتتح في المركز الثقافي الفرنسي معرضا فنيا لسبعة من الفنانات الناشئات اللواتي عبرن عن آلامهن وأحلامهن بالألوان في صور فنية جميلة تؤثر في النفس الإنسانية لتبقى حية تؤرخ لشعبنا مدى الدهر.. يستمر هذا الزخم الفني المتدفق ليبهرنا الفنان التشكيلي إياد صباح صاحب تمثال العنقاء المنتصب في ساحة الشهداء وسط مدينة غزة بمعرضه المعنون "ظلال حمراء" في المركز الفرنسي أيضا، وجمع المعرض بين منحوتات ولوحات فنية كما لو كانت قصائد شعرية غنية باللغة والبلاغة لها رنين وصدى موسيقيين لتثير في نفس المشاهد فرحا وحزنا معا.. أما على خشبة مسرح المسحال الثقافي عرض المخرج الشاب عصام شاهين مسرحية بعنوان "بكفي تمثيل..!" تميزت المسرحية بطاقة هائلة لحركة الممثلين الشباب وأداء لا يشوبه أي خلل يذكر بما يتلاءم وفكرة المسرحية التي جمعت بين الهزل والعبث في حالة من السريالية للمجتمع الغزي الذي يعاني قسوة العيش من لقمة الحياة إلى أزمة الكهرباء والوقود إلى التناحر السياسي والكذب إلى الأزمات الانفعالية والعاطفية التي يمر بها شبابنا بأسئلة مفتوحة للمشاهد عله يجد إجابتها في عنوان المسرحية بكفي تمثيل..؟
بالطبع هناك العديد من القصائد الشعرية والقصص والأعمال الأدبية التي كتبت في الحرب، منها ما نشر ومنها ما لم ينشر.. كلها تنتظر الباحثين والمنشغلين بالعمل الثقافي كي يقدموها لنا بشكل يؤرخ لمرحلة سطر فيها شعبنا آيات للخلود والعزة..! ومن لا يدرك هذه القيمة التي تميز بها شعبنا مدى التاريخ عليه أن يتذكر ما ورثنا إياه آباؤنا وأجدادنا من تراث مادي ومعنوي هائل انشغل به الباحثون ومازالوا.. إن المعاناة عندما تتحول إلى فنون راقية تعوض عن أصحابها قسوة الحياة؛ لا شك أنها أسمى صور الإنسانية والحضارية وشعب بهذه الروح لا بد أن ينتصر كما انتصر الروس وشعب لينينجراد، وكذلك مات نيرون ولم تمت روما وستبقى غزة وسيموت كل ظلامها وستسقط كل المؤامرات المحاكة ضدها..
عضو صالون القلم الفلسطيني
Elkarim76@hotmail.com
الاثنين، مارس 09، 2009
أقراص ( دواء ) لمنع الحكي
عبـد الكـريم عليـــان
سألتني : لماذا توقفت عن الكتابة؟ حيث أننا بحاجة إلى الكلمة الصادقة، والفكرة الصائبة، فأجبت : ما جدوى الكتابة إن أصبح جل الناس مغيبون بالنصر؟ وما جدوى الأفكار الواقعية إذا توج النصر بكرامات وأساطير يبثونها من على منابر الله، وفضائياتهم الكثيرة؟! فقالت: وهل أنت غير مؤمن بذلك..؟ قلت: أنا أؤمن بما أحس به وأبصره.. فقالت: كيف سترى وتحس وأنت لست بين المجاهدين المحاربين في أرض المعركة؟ قلت: بل أنني أر وأحس بكل شيء، وأتابع ما يدور بدقة متناهية.. صارت الدبابات على مقربة أمتار من المخيم، وكذلك وصلت إلى داخل أحياء من غزة والطائرات لم تترك مكانا إلا واستهدفته، والزنانات (طائرات الاستطلاع وهي بدون طيار، طور نوع منها لإطلاق صواريخا محدودة لتغتال بها أبناءنا، وسميت كذالك لصوتها الذي لم يتوقف عن الزّن..) تصور وتتابع كل حركة على الأرض، وكذلك سيطرت التكنولوجيا عل شبكة الجوال؛ فأصبحت خطوط العوام مغلقة، ما عدا خطوط المجاهدين والعاملين في الشأن العسكري والسياسي.. ولم أسمع عن معركة حقيقية تدور رحاها في أرجائنا كي ألتحق بها، والمجاهدين انسحبوا إلى البيوت ينتظرون معركة الشوارع. قالت: أنت تقول ذلك لأنك ضد حماس، فقلت: صحيحا، لأنها لا تحمل مشروعا وطنيا لشعبنا.. يا إلهي كيف لي أن أفسر لها ذلك..؟! ماذا أقول لها؟ كيف سأشرح لها أهداف حماس وأيدلوجيتها؟ أسعفتني فكرة طازجة حيث كان إسماعيل هنية قد ألقى خطابا مسجلا في أثناء العدوان وسمعت هي ذلك الخطاب، فقلت لها: ماذا كانت مطالب حماس سوى فك الحصار وفتح المعابر؟ هل قضيتنا الفلسطينية صارت معابر لدخول الموز والفواكه الإسرائيلية؟ وهل كان علينا أن ندفع كل ذلك الثمن..؟ أين غابت قضية الدولة واللاجئين والقدس؟ وإذا كانت حماس تؤكد في كل مرة أنها لن تعترف بإسرائيل فلماذا تريد معابرا معها؟ ولماذا تريد هدنة طويلة لا أحد يعرف لما ستؤول؟ هل سيكون لهذه الهدنة ما سيمكننا من استعادة حقوقنا؟ كيف ذلك..؟
الأبناء باتوا منهمكين ومنبهرين بصور لإطلاق الصواريخ الكاذبة التي تبثها الأجهزة الإعلامية لفصائل المقاومة..! ولا شيء يعنيهم سوى مشاهدة أفلام الرعب والسوبرمان التي تبثها الفضائيات العربية والعبثية.. وأصبحوا يهربون من البرامج الإنسانية والثقافية، وإذا قلت لهم يا أبنائي إن ذلك لا يفيدكم فلا أحد منهم يستجيب لندائك، وإذا ما تذاكيت وحاولت السيطرة على التلفزيون وفرضت عليهم أن يشاهدوا فيلما ثقافيا، أو عاطفيا فإنهم يهربون ويهزؤون منك؛ فعالم الحداثة لديهم هي أفلام الآكشن وصور الرعب والثأر التي تبثها التلفزيونات المؤدلجة والغير واقعية في تناولها للأحداث.. يا إلهي! توقفوا عن التعلم وصارت مهمات التربية صعبة وشاقة للمدرسة والبيت معا.. صارت حياتهم عبثية بدون هدف، أو معنى.. ستنتهي الحرب وتضع أوزارها بدون أن نتمكن من تنفيذ برامجا وأنشطة تعيد إعمار غزة، ونقصد النفس الإنسانية لأهلنا، وأبنائنا..
بعد انتهاء العدوان الشرس على غزة انتابتني حالة من القلق وعدم الاستقرار إضافة إلى العصبية والانفعال السريع من أبسط الأشياء مما سببت لي هذه الحالة كثيرا من المشاكل مع الناس والأصدقاء، خاصة مع زوجتي وأبنائي.. خفت من أن تستمر هذه الحالة لتصاحبني ما تبقى لي من الحياة وبالطبع هذا غير لائق لي وغير ملائم لرجل كبير السن يحب أن تنتهي حياته ويكون حلمه قد تحقق ويفرح إن تأكد أن أبناءه سوف يعيشون مستقبل أفضل.. قررت أن أزور الطبيب حتى يصف لي دواء شافيا يعافيني من حالة القلق والانفعال السريع.. سألني الطبيب عن مشكلتي حيث لم يظهر على ملامحي علامات للمرض؟ احترت في الرد، لكنني لا أعرف كيف طلبت منه أقراصا، أو عقارا يمنعني عن الحكي..؟ استغرب الطبيب طلبي وأعاد السؤال كي يتأكد من إجابتي العجيبة والغير مألوفة.. بعدما تفقد الغرفة إن كان يتواجد بها أحد غيرنا؟ فأعدت الإجابة مؤكدا بأنني بحاجة لعقار يمنعني عن الحكي.. تعجب الطبيب مرة أخرى، وسألني لماذا؟ فقلت له: يا سيدي أنا تعبت من حالتي حيث لا يمكنني الصمت، لكن لم يعد أحد يفهمني؛ فإن قلت لزوجتي غربا تعاكسني شرقا، وإن قلت لأبنائي بأن يتجهوا شمالا؛ فإنهم يتجهون جنوبا.. وإن تحدثت مع الناس في أمورنا؛ فسوف أفقد ساقيا.. أليس الأجدر بي أن أتناول أقراصا لمنع الحكي..؟!
عضو صالون القلم الفلسطيني
Elkarim76@hotmail.com







