‏إظهار الرسائل ذات التسميات خدر خلات بحزاني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خدر خلات بحزاني. إظهار كافة الرسائل

الأحد، ديسمبر 16، 2007

أعياد الإيزيدية وعلاقتها بالموسم الزراعي(*).. 2/2



خدر خلات بحزاني

عيد صوم ئيزيد:

يقع هذا العيد في أول يوم جمعة من كانون الأول الشرقي(**) بعد صيام لثلاثة أيام، حيث يكون الصيام في أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، واليوم الرابع (الجمعة) يكون هو يوم العيد، إن اختيار هذه الأيام الثلاثة ذات النهارات القصيرة لتكون أياماً للصيام لم يكن عبثاً وليس من باب الصدفة كما قد يتصور البعض.

نعود ونقول إن اللافت للنظر إن هذه الأيام الثلاثة المخصصة للصيام هي اقصر أيام السنة من حساب النهار لحساب الليل، وإذا كان الانقلاب الشتوي يقع في (23) كانون الأول بحيث تكون ليلة الانقلاب أطول ليلة في العام وتبلغ (14) ساعة وبضع دقائق، فيما يكون النهار (10) ساعات ناقصة بضع دقائق، فإن ما يعقب الانقلاب الشتوي مباشرة هو بداية العد العكسي بالنسبة لاستطالة الليل ولصالح النهار..

وباستمرار الأيام وتعاقبها، تقلّ ساعات ودقائق الليل تدريجياً فيما يستعيد النهار طوله على المسار الآخر، ويستمر الوضع على هذا المنوال إلى حين بلوغ الاعتدال (أو الانقلاب) الربيعي في (23) آذار حيث تتعادل ساعات النهار مع ساعات الليل، وبعد ذلك، يستمر النهار في الاستطالة ويبلغ ذروة استطالته في ليلة (23) حزيران حيث الانقلاب الصيفي، في حين يكون الليل في اقصر حالاته، وبعد الانقلاب الصيفي، يعاود الليل استرداد ما خسره تدريجياً ويتساوى طوله مع طول النهار عند بلوغهما الاعتدال (أو الانقلاب) الخريفي في (23) أيلول، ويستمر ازدياد ساعات الليل حتى تبلغ ذروتها في ليلة (23) كانون الأول..

هذه هي باختصار حكاية الانقلابات الفصلية الأربعة التي حدثت وتحدث وستحدث إلى ما يشاء الله، ومما لاشك فيه إن الفلكيون القدماء لم يغب عن ناظرهم ملاحظة هذه التغيرات التي تحدث طوال العام.

ونظراً لاعتماد الشعوب القديمة على الزراعة اعتماداً شبه مطلق في تامين غذائهم وغذاء مواشيهم، فقد وضع الكهنة ورجال المعابد ـ من الآريين عل وجه التحديد ـ عدة تفسيرات لهذه الظاهرة، ولعل ابرز هذه التفسيرات والذي نال القبول عند الشعوب القديمة يقول، إن النهارات المشمسة هي التي تجلب الدفء والخيرات، بينما الليالي الحالكة الظلمة هي التي تجلب البرد والأمراض، وبالتالي فقد تصوروا إن الشمس ـ وتحت أي عنوان كانت ـ هي مصدر الخير والنماء ومصدر رزق الإنسان وماشيته، وأن نور الشمس يجسد تلك الخيرات، وهكذا تم اعتبار (الشمس) إلهاً للخير والنور والألفة، أما الظلام فقد كُرست ونسّبت له الأعمال المضادة لأعمال الشمس، وعليه فقد تم اعتباره إلهاً للشرّ والقحط والجفاف والبرد والأمراض...الخ..

وعلى هذا الأساس تم بناء التصوّر الكامل لصراع خفي ما بين اله النور واله الظلام، وعندما كانت تقصر ساعات النهار وتطول ساعات الليل، فقد كان الناس القدماء يعتقدون إن اله الظلام يوشك على القضاء على اله النور، وعندما كان يبلغ طول الليل اشد ذروته، فقد كان القلق ينتاب هؤلاء الناس على مصير اله النور، ونظراً لمعرفتهم إن اله النور لابد أن يستعيد عافيته ويطرد بنوره فلول الظلام، فقد اتخذوا من الفترة الحرجة فترة صيام ولمدة ثلاثة أيام، تعبيراً عن تضامنهم الروحي والمعنوي مع اله النور ـ ولا يغيب عن بالنا المغزى السحري الذي يمتلكه الرقم (3) حسب المفاهيم القديمة ـ ويكون اليوم الرابع هو بداية بوادر انتصار اله النور والخير، وان اتخاذ اليوم الرابع عيداً هو تعبير عن الفرح الغامر بانتصار الخير على الشر، والنور على الظلام، وبانتصار اله النور فان ذلك يعني إن الشمس ستستمر في إرسال أشعتها الدافئة والكافية لنمو النباتات والمزروعات وإنضاجها فيما بعد وتوفير الغذاء للإنسان وماشيته على حد سواء (1).إن انحدار التصور أعلاه من الآريين القدماء إلى الإيزيديين ـ الآريين ـ ليس بالأمر الغريب، ولكن الغريب أن يترسخ هذا الطقس في العقيدة الإيزيدية توقيتاً وبما لا يتلاءم مع الفكر الإيزيدي الحالي والذي يؤكد على إن الخير والشرّ مصدرهما واحد، ويسيران ضمن مشيئة الله سبحانه وتعالى.

عيد بيلندة (Bêlinde)

:يقع هذا العيد في (26) كانون الأول الشرقي، وقد بات من المعلوم الآن وفي ضوء الدراسات الأخيرة وبحسب موقع هذا العيد من التقويم السنوي بأن له من الجذور العميقة والامتدادات الفلسفية والفلكية، إن دلّت على شيء فإنها تدل على معرفة متينة بعلم الفلك، بالإضافة إلى إدراك واسع بالتقلبات الطقسية طوال العام، ويمكننا القول إن لهذا العيد (صلة قرابة) فكرية وتوقيتية مع عيد ئيزيد، حيث إن الأخير يسبقه بنحو خمسة وعشرين يوماَ.

بداية من الضروري القول إن الاحتفال يتم مع نثر (زرع) مختلف أنواع البذور في الحقول واستئمان الأرض على تلك البذور من صقيع الشتاء القارص، وفي ليلة العيد يتم إشعال النيران بنوع معين من الأعشاب الجافة في فناء الدار، ويتم القفز فوق النار لثلاث مرات من قبل كافة أفراد الأسرة ومن يحتفل معهم من الجيران والأقرباء، كما إن الأطفال الصغار غير القادرين على القفز، يقوم ذويهم بحملهم و (إمرارهم) فوق النار لثلاث مرات متتالية أيضاً، فيما تكون ربة الدار تنثر الحلوى والزبيب والقسب فوق القافزين، فيلتقطها الأطفال في فرح وصخب.ومما يذكر بأنه والى الأمس القريب كان يتم إشعال النيران على الطرق الزراعية وعلى سطوح المنازل أو قرب زرائب الماشية، وكان يتم (إمرار) الثيران من فوق النيران، ويسمى هذا الطقس بـ (گورگه گاي) وهي لفظة مركبة من (گورگ) وتعني شعلة أو لهيب النار + (گا) وتعني الثور، ومجمل معنى الكلمة هو (شعلة لهب الثور) (2).

ومن الواضح هنا إن دور الثور في هذه العملية يشير إلى رمزية هذا الحيوان وما يمثله من قوة في الإخصاب، وان الاستعاضة عنه فيما بعد بالأطفال الذين يجسدون الخصوبة أو ما ينتج عن الخصوبة له المعنى نفسه وان اختلفت الوسيلة. ومن اجل الوقوف على المعاني الفلسفية لهذا العيد ـ الطقس ـ نقول بأنه (( كان على الإنسان البدائي أن يؤمّن عل استمرارية خصوبة الأرض وحفظ البذور سليمة تحت التراب، وتامين الأمطار اللازمة لنموها، فكان يلجأ للسحر التمثيلي أو التشاكلي من باب (الشبيه ينتج الشبه) وكانت تلك الأعمال السحرية تمثل عمليات الإخصاب بطرق مختلفة منها الإيحاء للتربة كي تسرع في إنبات البذور عن طريق (القيام بعملية جنسية داخل المزرعة) أو تقديم قربان دموي و رش دم الضحية في الحقول، كما كانوا يقومون بالسحر التمثيلي للاستسقاء بطريقة سحرية نسميها (بوكا باراني) وأيضاً هناك السحر الإيحائي الذي يتم من خلاله التظاهر بانجاز عمل ما بينما القصد منه الحصول على عمل شبيه له، و أحد هذه الأنواع هو إشعال النيران في ليلة بيلندة، وهذا العمل السحري القصد منه هو الإيحاء للشمس كي تبعث حرارتها لتحمي البذور من التلف بسبب الصقيع وفي نفس الوقت هو طلب للدفء لهم ولحيواناتهم))(3).

وإذا كان عيد بيلندة الإيزيدي يمثل عيد ميلاد (ئيزيد) حسب المعتقد الإيزيدي، فانه من الضروري جداً أن نعلم إن ((أصحاب المعتقدات القديمة اقتبسوا أو اتخذوا أياماً قريبة منه أعياداً لميلاد آلهتهم، حيث اتخذ أهل اليونان القديمة يوم (25) كانون الأول عيد ميلاد الإله (ديونيس) كما اعتبروا يوم (24) كانون الأول يوم ولادة الإله (أپولو) اله الشمس، أما المصريون فقد اتخذوا يوم (28) كانون الأول ميلاداً للإله (حوريس) ويوم (25) كانون الأول ميلاداً للإله (اوزيريس)، وعند الآريين القدماء كان يوم (21) كانون الأول عيد ميلاد الإله (مثرا) إله الشمس))(4).وأخيراً، لا يفوتنا أن نقول إن عيد ميلاد السيد المسيح (ع) حسب الكنيسة الكاثوليكية يصادف في (25) كانون الأول، بينما يصادف هذا الميلاد حسب الكنيسة الأرثوذكسية يوم (6) كانون الثاني(***).

ومن الجدير بالذكر إن هذه الفترة الحرجة من السنة والتي تتمثل في الانقلاب الشتوي تزدحم بالمناسبات الإيزيدية، فبالإضافة إلى عيد بيلندة الذي يقع في (26) كانون الأول الشرقي كما قلنا سابقاً، هناك أيضاً عيد صوم ئيزيد الذي يصادف أول جمعة من كانون الأول الشرقي، كما إن عيد أربعينية الشتاء يصادف في (12) كانون الأول الشرقي.وإذا كانت شهرة بعض المناسبات الإيزيدية كعيد (الجماعية) وعيد ألـ (سه ر سال) قد طغت على غيرها من المناسبات الدينية وغير الدينية، إلاّ انه هناك مناسبات أخرى ذات مفاهيم ترتبط بالزراعة لا تخلو من معاني فلسفية مازال الإيزيدية يمارسونها، ومن هذه الممارسات (سفرة اللبنات) أو (سفرة اللبن Sefra Masta) حيث تحلّ هذه المناسبة في الخامس عشر من شهر آذار الشرقي، وفي هذا اليوم تتوافد على معبد لالش قوافل من رجال الدين من القرى الإيزيدية كافة مع كميات من (اللبن)، والملفت للنظر إن هذا الطقس يتلاءم مع امتلاء ضراع (أثداء) المواشي بالخيرات، وان تدفق هذه الخيرات يستوجب تقديم الشكر والامتنان لله ـ جلّ جلاله ـ على هذه النعم، ويمكننا القول إن (سفرة اللبن) هي بمثابة التعبير عن الامتنان لهطول الخيرات، علماً بأن أصحاب المواشي من الإيزيدية يستبشرون خيراً بهذه المناسبة لكونها بمثابة (إعلان) لهم بالتوقف عن تقديم (العلف المخزون) لمواشيهم، لان الأعشاب والحشائش التي بدأت تطل باخضرارها في الحقول تسد رمق مواشيهم وأكثر وهي في ازدياد مستمر.

ومن الجدير ذكره، إن عدداً من أهالي القرى الإيزيدية ممن يمتلكون أشجاراً للزيتون يكونون قد (عصروا) كميات من زيت الزيتون قبيل سفرة اللبن بأيام قلائل من اجل تقديمه إلى معبد لالش مع ألبانهم، وذلك للحاجة الماسة لزيت الزيتون في الاستخدامات الطقسية العديدة (في إشعال الفتائل مثلاَ) في أماسي أيام الأعياد والأربعاءات.. والخ..

عيد أربعينية الصيف:

يقع هذا العيد في (20) تموز الشرقي، بينما عيد أربعينية الشتاء يحلّ في (12) كانون الأول الشرقي، ولهذين العيدين علاقة واضحة بدورة الفصول الأربعة والتغيرات الطقسية في المناخ العام، علماً إن ما يفصلهما عن بعض زمانياً يبلغ (145) يوماً، أي اقل من خمسة أشهر ببضعة أيام، وليس ستة أشهر كما قد يتصوّر البعض، وان هذه الفترة هي المحصورة ما بين الانتهاء من أعمال الحصاد ودرس الحبوب وتصفيتها وخزن الاحتياجات السنوية مع الإبقاء على حصة العام المقبل من البذار وبذرها فيما بعد..

بينما يرى بعض الباحثين إن مناسبتي أربعينية الصيف وأربعينية الشتاء هي مناسبات ضرورية من اجل منح الفصول الأربعة نوعاً (قدسياً) من التوازن وقد استندوا في هذا الرأي على ما ورد في كتاب (الجلوة) حيث ورد ((للعناصر الأربعة، الأزمنة الأربعة، والأعمدة الأربعة التي أُحدثت حسب مقتضيات الخلق)) والعناصر الأربعة هي (الهواء، النار، الماء، التراب) والأزمنة الأربعة هي الفصول الأربعة وينبغي أن يكون لكل فصل عيداً خاصاً به لكي تستقر هذه الفصول بكل قدسية ومهابة على مرابعها السنوية، وأيضاً بسبب ارتباط هذه الفصول مع الأعمدة الأربعة التي تشير إلى الرياح التي تهب من جهات الكون الأربعة حيث إن هذه الرياح ـ حسب المعتقد المثروي ـ هي أربعة أنواع وهي مرتبطة بالفصول الإلهية الأربعة وهي تصفرّ كالجن وتوحي بالخوف حيناً وبالحب حيناً آخر (5).

هذا، وقد اخبرني احد الفلاحين الإيزيديين بأن هواء (رياح) أربعينية الصيف لها دور فعّال في إنضاج مختلف أنواع الفاكهة والخضروات الصيفية وليس الشمس فقط، وعندما تنضج ثمار البطيخ فان فلاّحي بعشيقة وبحزاني يأخذون كميات من محصول البطيخ في عيد أربعينية الصيف ويتوجهون إلى مزار (شيخو بكري ?êxo Bekri) الكائن في بحزاني حيث تقام بعض الطقوس الدينية ويتناولون البطيخ قرب المزار.

وعلى ذكر قرية بحزاني الإيزيدية، فقد كان وما زال بعض الفلاحين يقومون بضفر (أو بغزل) باقة كبيرة من سنابل الحنطة مع سيقانها وكانوا يعلّقونها على جدران غرفهم الداخلية، وقد كنت أظن إن هذه الباقة المضفورة بلا اسم محدد، ولكن اخبرني احد الفلاحين الإيزيديين بان فلاحي منطقة بعشيقة وبحزاني يسمون هذه الباقة بـ (المشط) بينما يسميها فلاحو منطقة الشيخان بـ (دارك گه لمى) وأضاف محدثي إن ضفر هذا المشط يكون قبل نضوج القمح بأيام قليلة بحيث إن السيقان تتحمل الشدّ واللوّي ولا تتكسّر، والذي يعنينا هنا هو إن هذه السنابل المضفورة التي تشبه المشط بشكل واضح، هو وجود (المشط) بشكله التقليدي المعروف منقوشاً على بعض الأحجار في داخل معبد لالش، كما إن الرسم المرفق والذي يعود للرسام (هنري رسام) الذي كان برفقة ألآثاري البريطاني (هنري لايارد) والذي زار معبد لالش عام 1852 يُظهر ذلك، وأيضاً إن (المشط) كرمز تعبيري هو الشعار المشير للإله (آدد) اله الأمطار والزوابع عند أبناء ميزوبوتاميا.

الخاتمة:

وأخيراً، وقبل أن نختتم موضوعنا هذا، لابد من القول إن علم الأبراج الحديث والمبني أساساً على حسابات فلكيو أهل بابل القديمة الذين كانوا أصلاً قد توارثوه عن أجدادهم السومريون، نقول إن الدورة السنوية لعلم الأبراج الحديث تبتدئ بيوم (21 آذار) أي ببرج الحمل (21 آذار لغاية 19 نيسان) وتنتهي ببرج الحوت (20 شباط لغاية 20 آذار.. وان اتخاذ يوم 21 آذار فاتحة لدورة الأبراج الفلكية دليل واضح على إن واضعو هذه الحسابات الفلكية هم شعب زراعي بحت، و إن بناء حركة الكواكب والنجوم قد استند على تعاقب حركة الفصول وليس العكس، لان اكتشاف الزراعة يسبق إدراك الإنسان لمجريات حركة الكواكب والنجوم بزمن كبير..

ومن البديهي القول إن اكتشاف الزراعة لم يقتصر على شعب أو قوم ما، بل إن الثورة الزراعية انتشرت في العهود القديمة وعمّت خيراتها على البشر أجمعين، ولكن التميّز الحقيقي هو في بناء وابتكار ممارسات وأساطير وحكايا ورموز وعلاقة صميمية بالزراعة وطقوسها، وليس أداء العملية الزراعية بمختلف مراحلها بشك فج و عارٍ عن أي فكر يستوعب العملية الزراعية ويمنحها المكانة المرموقة، لكونها كانت المورد الرئيسي لغذاء الإنسان وماشيته، وما زال ذلك المورد الدفاق يفيض بخيراته مع دورة الفصول الأربعة، فصل البذار، فصل الأمطار، فصل النضوج والحصاد، وأخيراً فصل الشكر والتمجيد على هذه النعم المستديمة إلى ما يشاء الله.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:
ـ (*): هذه المادة هي جزء من دراسة مقارنة موسعة للكاتب كانت تحت عنوان (الزراعة.. أعيادها، فلسفتها، أساطيرها.. وأشياء أخرى) وشملت (سكان العراق القديم، معتقدات الإغريق، الحيثيون والخوريون، مصر الفراعنة، الأموريون والكنعانيون، العهد القديم، وعند الإيزيدية) تم نشرها في مجلة لالش العدد 20 الصادرة في تشرين الأول 2003 عن مركز لالش الثقافي والاجتماعي / دهوك.(**): ننوّه بأننا حددنا تواقيت الأعياد الإيزيدية بالتقويم الشرقي الذي يتخلّف عن التقويم الغربي بـ (13) يوماً.

ـ (1): هناك آراء أخرى حول هذا الموضوع، مثلاً إن الصيام والإحساس بالجوع والعطش وبالتالي الإحساس بالفقراء وبمعاناتهم ومشاكلهم.. الخ.. فانه يمكننا أيضاً أن نقول إن الجوع سيعمّ للأرض إذا ما انتصر اله الظلام على اله النور والخير في المعركة الكونية، وان العيد بأطعمته الفاخرة والباذخة هي تعبير عن الخيرات الوافرة التي ستكون من نصيب البشر عندما ينتصر اله النور على اله الظلام في صراعه الكوني.

ـ (2): للمزيد راجع: ب . ش دلكوفان، بيلندة بين الأمس واليوم، مجلة لالش، العدد (11) ص42.

ـ (3): نفس المصدر.

ـ (4): نفس المصدر. ـ (***): ما زالت طائفة الكلدان الكاثوليك في بغداد تقوم بإشعال النيران والقفز من فوقها ولثلاث مرات، ولكن العيد لديهم تجري مراسيمه مع مطلع الأسبوع الرابع من شهر أيلول، أي تقريباً في 25 أيلول.

ـ (5): للمزيد، راجع: د. بير ممو ، ضوء على فلسفة الديانة اليزيدية واصلها، مجلة لالش، العدد (2 ـ 3)، ص155.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1ـ الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، لبنان 1997.2ـ الكتاب المقدس العهد الجديد، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، مطبعة أطلس في بغداد ومطبعة الذهب الأسود ـ كركوك، الطبعة الرابعة 1994.3ـ من الأسطورة إلى الفلسفة والعلم، تأليف ثامر مهدي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1990.4ـ الفكر الديني القديم، د. تقي الدباغ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1992.5ـ العراق القديم، جورج رو، دار الشؤون الثقافية العامة، ترجمة حسين علوان حسين، بغداد 1986.6ـ الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور، جورج كونتينو، دار الرشيد، ترجمة سليم طه التكريتي، وبرهان عبد التكريتي، بغداد 1979.7ـ بلاد ما بين النهرين، ليو اوبنهايم، ترجمة سعدي فيضي عبد الرزاق، دار الرشيد، بغداد 1981.8ـ اليزيدية بقايا الديانة المثرائية، توفيق وهبي، مجلة لالش، العدد (2ـ3)، دهوك، 1994.9ـ ضوء على فلسفة الديانة اليزيدية واصلها ، د. بير ممو ، مجلة لالش، العدد (2 ـ 3)، دهوك 1994.10ـ بيلندة بين الأمس واليوم، ب . ش دلكوفان (احمد ملا خليل مشختي)، مجلة لالش، العدد (11)، دهوك 1999.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، ديسمبر 13، 2007

أعياد الإيزيدية وعلاقتها بالموسم الزراعي(*).. 1/2

خدر خلات بحزاني
القول إن المجتمع الإيزيدي هو مجتمع زراعي ـ رعوي ليس قولاً جديداً، ولكن الجديد هو اكتشاف البصمات والآثار المترسخة في هذا المجتمع الزراعي رموزاً وطقوساً واحتفالات، وان هذا الكشف بحد ذاته يتيح لنا الاطلاع على العمق التاريخي الذي تمتد الجذور الإيزيدية في ممارساتها الطقسية والرمزية المتعلقة بالزراعة وشؤونها..
ونحن نعلم علم اليقين إن الديانة الإيزيدية لم تظهر في ليلة وضحاها ولم تتبلور في عقد أو عقدين من الزمان اسوة بغيرها من الديانات، وإذا كنا نجهل التاريخ الحقيقي لانبعاث الديانة الإيزيدية، فإننا على الأقل ندرك إنها تملك من العمق التاريخي ما لا تملكه غيرها من الديانات الأخرى، وقبل أن يتهمنا البعض بالمبالغة نقول بأن كوردستان هي الموطن الأول والأخير للإيزيدية ـ الذين يشكلون جزءاً مهماً وأصيلاً من أبناء هذه المنطقة، وان شمالي العراق الحالي بالذات قد استقطب العديد من البعثات الأثرية الأوربية والأمريكية واليابانية وغيرها..
وقد كان ((شمال العراق مسرحاً للثورة النيولثية (حوالي 7000 ق. م) وهو أهم العصور في سلّم التطور الإنساني ـ قبل أن تهب رياح هذه الثورة على أوربا مثلاً بنحو 3500 سنة، فعلى سفوح جبال كوردستان التي ترويها الأمطار الأطلسية كل شتاء توقف الإنسان على أن يكون صياداً متجولاً ومعتمداً على مهارته وحظه في كسب قوته ورزقه، فأصبح مزارعاً مرتبطاً بقطعة ارض صغيرة يحصل منها على غذائه المعتاد، ومن الطين بنى بيته، واخترع أدوات جديدة لانجاز مختلف أعماله، ومن الخراف والماشية امن مصدراً سهلاً ودائماً للحليب واللحوم والصوف والجلود.. وفي نفس الوقت تطورت توجهاته الاجتماعية لان زراعة الأرض والدفاع عنها يستلزم تعاوناً اجتماعيا وثيقاً..
وما لبثت عدة عوائل أن تجمعت مع بعضها البعض مكوّنه (النطفة) الأولى التي ينشأ عنها جنين المنظمة الاجتماعية ، وستحصل بعد ذلك ثورات أخرى، فيحلّ المعدن محل الحجر، وتتحول القرى إلى مدن ثم تتحد هذه الأخيرة مع بعضها البعض مكونة ممالك ما تلبث أن تصبح إمبراطوريات، غير إن أسس الحياة الجوهرية وعمل الإنسان المنحني إلى أرضه الأم تحت رحمة الفصل الأربعة لم تتغير منذ تلك الأيام البعيدة جدا))(1).
ومع التطورات والتغيرات التي نتجت عن تلك التحالفات السكانية فقد تطورت أيضا الأفكار الدينية وتشعبت وتعمقت دلالاتها وأصابها التغيير حيناً، رغم أنها احتفظت بطابع عبادة قوى الطبيعة وتمسكت به، بل يمكننا القول إن (عبادة قوى الطبيعة) كانت العمود أو المتكأ الذي اتكأت عليه جميع المعتقدات والأفكار الدينية (بأعيادها واحتفالاتها وأساطيرها) للشعوب التي قطنت ارض ميزوبوتاميا.
وبناءا على ما تقدم، فانه يمكننا القول وبكل ثقة إن الإيزيدية الذين ترعرعوا على ارض كوردستان هم احد تلك الأقوام الذين ما زال عنصر (تقديس) وليس عبادة قوى الطبيعة يجد له صدىً في ثنايا طقوسهم الدينية والاجتماعية، وأيضا يمكننا القول وبثقة أيضا إن الأعياد الإيزيدية الكثيرة والمتنوعة والتي يمكننا أن نصفها بأنها ذات مفاهيم فلسفية عميقة الغورـ إذا ما تمعّنا ودققنا في طقوس وتوقيتات تلك الأعياد وبما يتعلّق بها من ممارسات وشعائر، وان يقيننا في كون الأعياد الإيزيدية تمتلك عمقاً تاريخياً هو تشابهها الكبير مع الكثير من عادات (الشعوب الغابرة) و إن ذلك التشابه رغم بعض التباينات دليل أكيد على النضوج الفكري الذي توّصل إليه الإيزيديين كفكر ديني عبر تاريخهم الطويل نسبياً، وكما سيظهر من سياق مقالنا.
وإذا شئنا الحديث عن الممارسات والطقوس الإيزيدية الدينية وغير الدينية ذوي المفاهيم الزراعية، فانه لابد لنا من الشرح والإطالة التي لا مفر منهما، لكون إن الزراعة ذات أبعاد واسعة جداً، والزراعة التي اقصدها كانت هاجساً يومياً وليست موسمياً كما قد يتصور البعض.
وهكذا فان الأساطير والأعياد والفلسفة الزراعية عند الإيزيدية سنتناولها وسنعطيها حقها لان الإيزيديون هم القوم الوحيدون الذين لم ينقرضوا مثلما انقرضت واندثرت حضارات الأقوام التي شملتها دراستنا باستثناء العبرانيين، علماً بأن محدودية معلوماتنا عن الأقوام الأخرى مرجعها هو قلة المراجع المتوفرة بالإضافة إلى إن تلك المراجع ركزت اهتمامها على الجوانب الرئيسية وأهملت التفاصيل اليومية.
الأعياد الإيزيدية:
ولنبدأ بالأعياد الإيزيدية، ولكن من المهم أن ننوّه بأننا سنحدد تواقيت تلك الأعياد بالتقويم الشرقي الذي يتخلّف عن التقويم الغربي بـ (13) يوما، والبداية تكون مع بداية رأس السنة الإيزيدية (سه ر سال) والتي تقع في أول يوم أربعاء من شهر نيسان الشرقي، ومما لا جدال عليه إن التاريخ السنوي للاحتفال بالـ (سه ر سال) له علاقة واضحة بقدوم الخيرات والرفاه حيث إن الأرض تبدأ بتغيير جلدها الذي أقحلته ثلوج وصقيع الشتاء وتتحول الأرض إلى بيادر وحقول خضراء وو..الخ.
ويعتقد الإيزيديون بان (طاووس ملك) قد نزل إلى الأرض في مثل هذا اليوم بأمر من الله سبحانه وتعالى، وان الأرض تجمّدت تكريما لقدوم طاووس ملك وازدهت الحقول وانبثقت الأزهار والورود بمختلف الأصناف والألوان، وعليه فانه يتوجب على كل عائلة إيزيدية آن تسلق كمية من البيض، مع إضافة الأصباغ الملونة في إشارة بسيطة لتجمّد الأرض البيضوية الشكل، والألوان المضافة هي تجسيد لألوان الأزهار والورود التي تفتحت بمناسبة قدوم طاووس ملك، بالإضافة إلى انه يتوجب أيضا على الأسر الإيزيدية ـ الفتيات تحديداً ـ على الانطلاق إلى الحقول والجبال القريبة لغرض جلب باقات من أزهار (شقائق النعمان) الحمراء اللون، وهذا العمل يكون بيوم واحد قبل عيد (سه ر سال) ويتم إلصاق هذه الباقات على أبواب الدور وغرف المنازل بواسطة لبخة من الطين مع إضافة القليل من قشور البيض الملون.
كما إن بعض الفلاحين يتوجهون إلى حقولهم وبجعبتهم كمية من البيض المسلوق، حيث يتوجب عليهم تناول البيض وسط حقولهم ورمي القشور الملونة بين زروعاتهم، اعتقادا بحلول البركة بين زروعاتهم جراء عملهم هذا، كما إن تقديم الذبائح من الثيران والدجاج أمر لابد منه في هذا اليوم المبارك.هذا وتعقب احتفالات الـ (سه ر سال) بأيام قليلة احتفالات أخرى هي التي يسميها الإيزيدية بـ (الطوافات) جمع طوّافة ـ وحسب اعتقادنا إن كلمة طوّافة مشتقة من كلمة (التطواف) وهي عادة قديمة لدى العديد من الشعوب، حيث كان التطواف حول المعابد والمزارات من التقاليد المعروفة آنذاك، نعود ونقول إن طواقات الإيزيدية عبارة عن احتفالات دينية شعبية عفوية، وهي في مجملها تعبير عن الأفراح والتقدم بالشكر لله جل جلاله على الخيرات التي بدأت تمتلئ بها الحقول والمزارع، وان التعبير عن الفرح بهذه الخيرات الإلهية يكون بواسطة الدبكات الكوردية التي يتميز بها الإيزيدية حيث يشترك الجميع من الرجال والنساء والشباب والشابات بالرقصات الجماعية بمصاحبة (الطبل والزرناية) هذه الرقصات التي تقام في كل يوم (طوّافة) في أية قرية إيزيدية وبمشاركة عدد لا باس به من إيزيدية القرى القريبة والمجاورة.
عيد خدر الياس:
يقع هذا العيد في أول يوم خميس من شهر شباط الشرقي، وان الحديث عن عيد (خدر الياس) أو (خدر لياس) حسبما يلفظه الإيزيدية حديث طويل وعريض وذلك لكون إن شخصية (خدر الياس) لها ما يماثلها وما يتطابق معها في العديد من الأديان والمعتقدات، القديمة منها والجديدة.
مثلاً هو (الخضر) عند العرب المسلمين، ويسمى (خواجة خضر) عند الهنود المسلمون، وعند الأكراد هو (خدرى زينده Xidirê Zêndê) أي خدر الخالد الحي، ويسمى عند النصارى (جرجي أو جرجيوس) وعند بني إسرائيل (ارميا) بينما يرى آخرون انه (إيليا) بسبب التشابه اللفظي بين (إيليا و الياس) وعند بعض العرب (شيخ البحر) وعند آخرين (راعي المياه) (2).
والإيزيديون يصومون ثلاثة أيام قبل حلول يوم العيد، وبالأخص منهم من يحمل اسم خدر أو الياس. هذا وتكون الحبوب وبذور بعض البقوليات هي المادة الرئيسية لصناعة السويق أو الـ (پـوخين، پـيخون Poxîn ـ Pêxan) الذي لابد منه في يوم العيد هذا، حيث يتم طحن الحبوب المقلية وإضافة السكر أو مستخلص التمر (الدبس) من اجل صناعة (حلاوة) العيد.
في الحقيقة لا نريد التوسع أكثر في الحديث عن عيد خدر الياس (3) ولكن من الواضح إن لهذا العيد الذي يقع عقب نهاية موسم نثر البذور علاقة واضحة بالمعتقدات الزراعية وان قلي بعض البقوليات كالحمص والباقلاء وحبوب القمح إشارة واضحة إلى انتهاء موسم نثر البذار اسنادا إلى المقولة الإيزيدية الشعبية المعروفة (خدر لياس سال خلاص Xidir lias sal xilas) ما معناه مع قدوم خدر الياس يكون الموسم الزراعي قد انتهى حيث تقترب دورة السنة الزراعية من نهايتها مع اقتراب الاعتدال الربيعي بعد بضعة أيام، يليها أيضا (يوم نوروز) رأس السنة الكوردية حسب التقويم الكوردي.
عيد الجماعية:
من المعروف إن عيد الجماعية (جه ژنا جه مايـئ Cema) يعد أطول الأعياد الإيزيدية قاطبة، ويبدأ هذا العيد في 23 أيلول الشرقي من كل عام ويستمر لمدة سبعة أيام ويشتمل على الكثير من الطقوس والمراسيم التي تقام في معبد لالش النوراني طوال أيام العيد، وقد حظي عيد الجماعية بدراسات كثيرة ومتنوعة من قبل عدد من الباحثين والاختصاصيين منذ عشرينيات القرن المنصرم وحتى الآن.
ومما لاشك فيه إن توقيت هذا العيد ومراسيم تقديم الثور (للشيخ شمس) في اليوم السادس من العيد قد نال من الدراسة والتقييم ما لم ينله موضوع آخر نظراً لكون انه كان هناك الكثير من الأعياد والاحتفالات التي كانت تقام بين العديد من أبناء الشعوب والديانات القديمة تتوافق مع عيد الجماعية بشكل مذهل.مثلا انه يتطابق زمنياً مع أعياد جوبتير العظمى عند الرومان، ومع عيد الجمع العبراني، وعيد الجمع الكنعاني، ومع أعياد مثرا (Mithra) السنوية، ومع أعياد رأس السنة السومرية والبابلية حسب التقويم الأقدم لأبناء ميزوبوتاميا حيث كانت السنة تقسّم عند الشعوب الهندو ـ إيرانية إلى (360) يوما (12) شهراً و (30) يوماً لكل شهر والى فصلين فقط تسمى بـ (فصول الإله)، الفصل الأول من الربيع إلى الخريف، والفصل الثاني من الخريف إلى الربيع (3) حيث انه من المحتمل إن السومريون الذين وفدوا على جنوب العراق في بدايات الألف الثالث قبل الميلاد قد جلبوا تقويمهم القديم معهم من بلادهم الجبلية.
هذا، وان مراسيم تقديم الثور كضحية في اليوم السادس من العيد لها من المعاني والدلالات ذات الارتباطات العميقة الصلة بعلم الفلك ودورة الطبيعة وتبدلاتها الفصلية، حيث ان برج الثور كان يقابل الشمس مع مطلع كل خريف آنذاك، وكان يتوجب على الشمس أو على (اله الشمس) أن يتجاوز أو يقضي على الثور بنوره الوهاج لكي ينتهي موسم الجفاف والذبول ويبدأ موسم الأمطار والخيرات، وقد صوّر السومريون المشهد على شكل ثور راكع تحت قوة اله الشمس ـ شمش ـ الهائلة وهناك عقرباً ينهش أعضاء الثور التناسلية ـ الخصيتان تحديداً ـ وتجري منهما الدماء التي تسقي الزروع بمختلف أنواعها علماً بأن الثور حسب المفهوم الإغريقي القديم يمثل شهر تشرين الأول في علم النجوم، وهو نفس الثور الذي كان يتم تقديمه إلى الإله (ابولو Appolo) اله الشمس وأيضا هو نفس الثور الذي يصرعه (مثرا) اله الشمس في نفس التوقيت الميزوبوتامي ـ الروماني.. الخ.. وكل هذا من اجل القضاء على موسم الجدب والذبول والجفاف واستقبال موسم الأمطار التي لابد منها من اجل ارواء الناس وزراعاتهم وبالتالي تعميم الرفاه والنعم على الإنسان والحيوان والنبات.
عيد صوم ئيزيد:
يقع هذا العيد في أول يوم جمعة من كانون الأول الشرقي بعد صام لثلاثة أيام، حيث يكون الصيام في أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، واليوم الرابع (الجمعة) يكون هو يوم العيد، إن اختيار هذه الأيام الثلاثة ذات النهارات القصيرة لتكون أياماً للصيام لم يكن عبثاً وليس من باب الصدفة كما قد يتصور البعض.
..يُتبع بالقسم الثاني والأخير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:(*):
هذه المادة هي جزء من دراسة مقارنة موسعة للكاتب كانت تحت عنوان (الزراعة.. أعيادها، فلسفتها، أساطيرها.. وأشياء أخرى) وشملت (سكان العراق القديم، معتقدات الإغريق، الحيثيون والخوريون، مصر الفراعنة، الأموريون والكنعانيون، العهد القديم، وعند الإيزيدية) تم نشرها في مجلة لالش العدد 20 الصادرة في تشرين الاول 2003 عن مركز لالش الثقافي والاجتماعي / دهوك.
1 ـ للمزيد، راجع: العراق القديم، جورج رو، دار الشؤون الثقافية العامة، ترجمة حسين علوان حسين، ص79، بغداد/ 1986.
(2) ـ للمزيد، راجع ابو داسن، حول حقيقة الخدر، مجلة روز، العدد 4ـ5 مركز الايزيدية خارج الوطن، المانيا 1998.
(3) ـ للمزيد، كامل خديدا، خدر لياس، دراسة مقارنة، مجلة لالش، العدد 11 ص 65 وما بعدها..
Khederas@hotmail.com

الخميس، أغسطس 23، 2007

قميص عثمان الإيزيدي...!

خدر خلات بحزاني
منذ أن كنا في المرحلة الثانوية قبل أكثر من عشرين عاماً، ما زالت ذاكرتي تحتفظ بواحدة من العبارات التي كان غالباً ما يكررها مدير مدرستنا عندما كانت تحدث مشكلة ما في الصف الدراسي، حيث كان يقول ((الطلبة المعروفين والمشهورة أسمائهم لدى إدارة المدرسة هم نوعين، الأول هو الطالب المجتهد، والثاني هو الطالب الكسول والمشاغب)).
تذكرت هذه المقولة، وأنا أرى اليوم إن معظم وسائل الإعلام المتلفزة والالكترونية والمسموعة والمقروءة تتناقل أخبار الإيزيدية، أو بصورة أدق أخبار (نكبة سنجار). هؤلاء الإيزيدية الذين أمسوا بين ليلة وضحاها يتصدرون الأخبار والتقارير في شتى وسائل الإعلام..!
وأيضاً.. ومع نهاية حرب الخليج الثانية (أم الهزائم) ومع الشلل الذي أصاب الكهرباء آنذاك (إسوة بحاله اليوم) كنا نتابع الأخبار من خلال المذياع، وفي إذاعة مونتي كارلو وفي إحدى الليالي القريبة من بعد نهاية تلك الحرب المجنونة قال الإعلامي اللبناني غسان سلامة ـ وزير الإعلام السابق على ما أظن ـ في إحدى تعليقاته (( اليوم العراق لم يعد يتصدر الأخبار، بل الصومال بعد اندلاع حرب طاحنة هناك..)) واعتبر سلامة إن العراق سيرتاح قليلاً لأنه لم يعد يتصدر الأخبار..!
أعود وأقول.. لا هنيئاً لمن يتصدر الأخبار وتتركز عليه الأضواء.. و الإيزيديون اليوم انتقلوا من الحضيض ـ على المستوى الإعلامي ـ إلى القمة.. والأدهى إنها نجومية (نكبوية) والتي قال عنها احدهم بأنها من (اكبر الكوارث العراقية منذ سقوط صنم ساحة الفردوس) بينما وصفها آخر بـ (ضربة نووية صغيرة)..! والأكثر مرارة، وبينما كنت أتابع احد التقارير الخاصة بالنكبة الإيزيدية في احد المواقع التابع لإحدى الفضائيات المعروفة، استوقفني تعليق لأحد القراء من جملة تلك التعليقات التي تجاوزت ألمائتي تعليق، حيث قال موبخاً أصحاب التعليقات ((أكثر من أربعمائة إنسان إيزيدي قتلوا ما بين طفل وشيخ، وانتم تسالون: من هم الإيزيدية؟ ماذا يعبدون؟ ماذا يأكلون؟ كيف يتزوجون؟؟ وقلة قليلة منكم قدمت تعازيها بهذا المصاب..))..!
لنعود للشهرة الإيزيدية، ونسال، من أين جاء مصدرها؟؟
شهرة الإيزيدية لم تأتِ من خلال مقتل أربع وعشرين عاملا إيزيدياً من منتسبي معمل نسيج الموصل على يد ثلة إرهابية في 22 من نيسان الماضي..
وشهرة الإيزيدية لم تأت من تهجير عشرات العوائل الإيزيدية من (بغداد، البصرة، ديالى، الرمادي، كركوك، والموصل).
وشهرة الإيزيدية لم تأت من اختطاف مواطنين إيزيديين على طريق الموصل بعويزة حيث كانوا قد ذهبوا لجلب طحين الحصة التموينية لكونهم يمتلكون وكالة مواد غذائية، فخطفتهم ثلة إرهابية واقتادوهم إلى حي الانتصار (شرق الموصل) وقتلوهم رجما بالحجارة والبلوك...!
وشهرة الإيزيدية لم تأت من خلال اختطاف مواطنين إيزيديين آخرين من باعة الزيتون على طريق بغداد كركوك وقتلهم في اليوم التالي قرب منطقة الرشاد بالحجارة والبلوك في (مهرجان) دموي على صيحات (الله اكبر)..!
وشهرة الإيزيدية لم تأت من منع أكثر من سبعمائة وخمسين طالبا إيزيدياً من أداء امتحاناتهم في جامعة الموصل. وشهرة الإيزيدية لم تأت من منع أكثر من ثلاثمائة موظف إيزيدي حكومي من ارتياد الموصل وتهديدهم بالقتل علناً.
وشهرة الإيزيدية لم تأت من اصطيادهم فرادى وجماعات على الطرق المؤدية للموصل، والعثور على جثثهم مهشمة وممزقة فيما بعد على قارعات الطرق والمقابر..!
بل إن شهرة الإيزيدية (المشهورون سابقا بعبادة الشيطان ـ كذا ـ ) أتت من خلال قتل فتاة إيزيدية كانت على علاقة آثمة بشاب مسلم..! حيث قتلت تلك الفتاة في نهاية الأسبوع الأول من نيسان الماضي بطريقة غريبة عن تقاليد المجتمع الإيزيدي، وبطريقة تعتبر سابقة خطيرة في سجل الإيزيدية، حيث قتلت رجماً بالحجارة والبلوك عل يد (بضعة) أشخاص لا يمثلون سوى أنفسهم، ومعظم الفتلة محتجزون لدى السلطات بانتظار محاكمتهم لينالوا جزاء ما اقترفت أيديهم من عمل مشين أدانه الإيزيدية قبل غيرهم، حيث أدانه سمو الأمير تحسين بك أمير الإيزيدية، وأدانه المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى، كما صدرت عشرات بيانات الاستنكارات والإدانة من (جميع) المؤسسات الثقافية والاجتماعية الإيزيدية سواء في كوردستان أو العراق أو في المهجر، إضافة إلى إدانة تلك الحادثة البشعة من قبل الشخصيات الإيزيدية المرموقة ممن تبوأوا أو يتبوأون مناصب (مهمة) سواء في حكومة العراق الفيدرالية، أو في حكومة إقليم كوردستان..وكل تلك الإدانات لم تنفع ولم تشفع للإيزيدية.. وبالتالي (عثرت) مجاميع الإرهاب والجريمة المتعطشة أصلاً للدماء على (قميص عثمان الإيزيدي) وبدا التنكيل والتقتيل ومعه بدا نزيف الدم الإيزيدي، ولا احد يعلم متى سيتوقف ذلك النزيف..!
قبل بضعة أشهر نشرنا مقالنا المتواضع المعنون (إيزيدية ضد الإيزيدية..!) فسمعنا اللوم والتقريع من إخواننا المهتمين بالشأن والهمّ الإيزيدي، وقبل فترة قصيرة نشرنا مقالنا الآخر (اقتلوا الإيزيدية.. فلا نصير لهم..!) فسمعنا التقريع واللوم ذاته..!
وها نحن نكرر دعوتنا ونقول للإيزيدية: ابقوا على حالكم من التشرذم والتنافر والتصارع والتقاتل ولـ (يأكل أولكم لحم ثانيكم) وفي نفس الوقت ستستمر المهرجانات الدموية والاحتفالية التي تقام على شرف الأضاحي الإيزيديين..!
أين نصيرنا؟ أين مناصرنا؟ هل تم الكشف عن خيط (لجريمة واحدة) من عشرات الجرائم التي طالت الإيزيدية؟؟.. الجواب أقوله وبثقة.. كلا..فما دام المجني عليه إيزيدي من أولئك الكفرة المارقون ممن تجرؤوا على قتل (فتاة طائشة) أشيع عنها كذباً وافتراءاً إنها أعلنت إسلامها، الأمر الذي نفاه أبيها في مؤتمر صحفي مصغر ـ أقول ما دام المجني عليه إيزيدي، فلا حاجة للعناء في كشف الجريمة..!!
إذن يا سادتي.. كل الإيزيدية هم مشاريع للقتل والإبادة المجانية، ولا تستغربوا إذا سمعتم أخباراً مهولة أخرى عن استباحة الإنسان الإيزيدي واستباحة التجمعات الإيزيدية، ومن الآن عليكم تهيئة بيانات الاستنكار والإدانة..!
قبل أن نختم موضوعنا هذا، وكي لا نكون جاحدين، نقول: إن حكومة إقليم كوردستان ـ مشكورة ـ قدمت ما بوسعها فور وقوع نكبة سنجار، ولكن الم يكن من الممكن تجنب تلك الكارثة من خلال توفير الحماية للمناطق الإيزيدية بقوات البيشمركة؟؟
سيقول لي احدهم هناك عقبات دستورية تمنع ذلك.. وعليه أقول: أليس هناك من وسيلة للتنسيق في المواقف ما بين الحكومة الفيدرالية ـ الغارقة في مشاكلها ـ والحكومة الكوردستانية لحماية الإيزيدية، إلى حين أن ينجلي الموقف من المادة 140 من الدستور الفيدرالي؟؟
أليس من الممكن إن ذلك التنسيق سيمنع نكبات وكوارث أخرى؟؟
هل الإنسان يصنع الدستور كي يحميه ويحمي حقوقه، أم كي يتركه مهملا على قارعة الطرقات عرضة للأخطار والنكبات؟؟
khederas@hotmail.com
**
إقرأوا أيضاً للكاتب:

الأربعاء، أغسطس 23، 2006

مقالات خدر خلات بحزاني



لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى: