رضوان عبد الله
هذه السطور التي اخطها عبر هذه المقالة المذكرات، ليست من نسج الخيال، ولا هي من اختراعات بنات افكاري ولن تكون وهمية ولو قرأها القارئون بعد عشرات السنين .
رب سائل ما الهدف من هذه السطور، ولمَ اكتبها بمقالة وليس بكتاب كعادة من يرغب بكتابة مذكراته او خواطر ذكرياته؟! وهل تكفي مقالة بسطور معدودة لتغطي مذكرات حقيقية؟ الجواب ياتيكم بعد قراءة السطور فستثلج قلوبكم وتجاوبون على هوامس افكاركم وبرحابة صدركم طبعا. عبر السنوات العشر الاولى من حياتي الطلابية التي قضيتها في مدارس الاونروا حيث وبسبب الحرب وظروف التهجير، تلقيت التعليم الابتدائي والمتوسط في اربع من تلك مدارس في منطقة صور، لا ضرورة لذكرها فالهدف ليس المديح ولن يكون التشهير طبعا بل التذكير بامور ربما تكون جميلة ، وربما لا !
المهم من الامر انه في احدى تلك المدارس كان مدير مدرستنا انذاك يقف امامنا في الطابور الصباحي لدقائق تتراوح ما بين الخمسة والعشرة ليلقننا "درس اليوم" وهو عبارة عن نصائح وادبيات ودروس ومواعظ لنا المستقبل كي نستفيد منها لحياتنا المقبلة اذا اردنا ذلك، وهذا طبعا جانب ايجابي يتحلى به مدير المدرسة اطال الله بعمره . الطابور كان بدون اي نفس من اي طالب وطالبة، وكانت الابرة ترن على مسامعنا لو سقطت من اي فتاة او حتى من اي شاب، فالخوف موجود والاقرام معقود والالتزام بالانضباط وقتها كان معهودا.
الامر المهم الاخر ان نفس المدير كان يكابد من اجل ان يسعدنا حين يكون اي مدرس غائب ويدخل ليعطينا درسا في الموسيقى (كونه كان عضو كشافة في فلسطين) وكان من جانب اخر يلاعبنا كرة قدم، عسى ان ننفع منتخبنا الوطني او يتخذ منا منتخبا من المدرسة في دوري كروي ما.
في جانب اخر العديد من مدرسينا، ان لم يكن غالبيتهم، ولكن ليس كلهم، كانوا يهمون بأمرنا وبدراستنا وكان الخوف يعترينا حين نواجه احدهم في الحارة او في احد طرقات المخيم حتى ولو كنا مع اهالينا، لان القصاص سيكون قاسيا في اليوم التالي لدرجة كرهنا لمادة معينة بسبب تجاوز العديد من المدرسين حدود القصاص التي كانت تصل الى "الارهاب" او حتى الانتقام من التلميذ او التلميذة اذا لم يكن على قدر مهم من المذاكرة لدروسه (او لدروسها)، ولا انكر اني عانيت مثل كثير من زملائي الطلاب، خصوصا في المرحلة المتوسطة، من "جهل" بعض المعلمين لشعورنا واحاسيسنا وافكارنا، التي لم يرغبوا حتى بسماعها وليس فقط مناقشتها. واتجرا بضرب مثل احد مدرس اللغة الانكليزية كان محبب لي كثيرا يقابله احد مدرسي اللغة العربية الذي اوشكت ان اكره تلك اللغة، رغم قدسيتها لنا كعرب وكمسلمين، بسبب التعاطي السيء في طريقة تعليمنا اياها، يضاف اليه مدرس مواد الاجتماعيات (تاريخ، جغرافيا، وتربية مدنية) الذي لا اعتقد اني استطيع مسامحته لان درجتي كانت تتراجع من الاول الى الثاني او الثالث بسبب بخله بالعلامة معي وبسبب عدم مزاجية اسلوب مذاكرتي مع عصاه الغليظة، ومع طريقة استيعابه لنا كطلاب، وهذا ينطبق على عشرات من الطلاب بل مئات كانوا يعانون مثلي طبعا من ظلم وتعسف المدرس ، وربّما المدرّسة لتلميذٍ او تلميذة آخرين ، حيث انه لم يحصل وان تعلمت على يد مدرّسة على الاقل في مرحلتي الابتدائية و المتوسطة .
و اذكر منها الذكريات الاليمة ما حصل مع احدى الزميلات التي تجرأت على "جواب" المدرس المناوب ان تنضبط بالصف كان قالت له انها منضبطة فاعتبر ذلك "تطاولا" على مقامه الرفيع الذي لم يكن "بسماكة" عصاه بالطبع فإنهار على جنباتها ولم يتجرأ اي من "الارانب" الذين ربما تجاوز عددن وقتها "800" ارنب وارنبة" ان يردوا ظلمة عن زميلتهم التي قاومته برد عصاه عنها بيديها، الى ان جاء مدير المدرسة وزميلين له على صوت الصراخ والحوار الفظ الذي وصل صداه الى داخل الادارة وجوار المدرسة العازل لنا عن الفرار الى حرية العطلة التي كنا نفكر ، فردوه عنها بعد ان تهشم وجهها وبكل اسف شديد و ربما كسرت بعض اضلعها ، وكادت تلك المشكلة ان توقع خلافا كبيرا ليس بين عائلتي المدرس والتلميذة بل بين اهالي المخيم بحد ذاته لولا تدخل المخلصين من لجان اهل محلية و غير ذلك وقتئذٍ ، وتدخل مباشر من قيادة التنظيمين اللذين كانا ينتميان اليهما المدرس واهل التلميذة.
اكثر من ذلك فان المدرس الاخر الذي كان يعلمنا خطأ، او على الاقل يحل لنا بعض مسائل الرياضيات خطأ وحين تجرأنا بعرض مسالة منهن على مدرس اخر رفض حل المسألة لنا لعدم احراج زميله امامنا ونحن الذين "اكتشفنا" خطأه "ومسكنا عليه ممسك " ، ولكن ذلك المدرس اخاب املنا في اخذ ذلك "الممسك " الى المدير. ولكن بعد طول العمر المدرس الاول صار مدير مدرسة خاصة ويتاجر ما يتاجر بالطلاب، اما المدرس الثاني فإن تواضعه الزائد عن اللزوم جعله يرفض (المديرية) في احدى المدارس بسبب له او لاخر... وبعد جهد جهيد زرجاي متكرر ومتعدد تسلم ادارة احدى المدارس .
ربما " احك على جرب" بكتابتي هذه الوقائع الحقة وكتلميذ لم اكن افكر يوما بانني ربما اذكرها في مقالة وعلى الملأ، ولكن رغم كل ذلك كانت مدارس الاونروا تحترم النخبة الفلسطينية الحقة، رغم النسبة الكبير غير المتعلمة التي كانت من اهالينا، ورغم المستوى التعليمي المتوسط لكثير من معلمينا اذ لم يكن الكثير من المعلمين يحملون اجازة جامعية. الذي كان يكد ويجد من اجل يدرسنا بامانة كان يمازحنا حيث تتواصل العلامات العالية معنا (نحن الاوائل) وبما انه يستعير قلم احمر منا لتصحيح العلامات لنشاط معين او امتحان معين ان يقول لنا "ان القلم مخاوز معكم، ولكن تستاهلو علامات مش مثل اولئك الهناشل"، والهنشل حسب ما استفسرنا من احدهم يومها انه تعريب لكلمة هنكل وهي الشاحنة الكبيرة الضخمة بالهيكل الفارغ او ما شابه من شيء ضخم فارغ.
على كل حال فان المذكرات تستمر، والباب مفتوح للجميع ان يحك دماغه ليتذكر ولكن لم يكن الهدف اخذ العبرة وليس المديح الا بمكانية ولا التشهير كا خلت قلت اعلاه ولو بمكانه.
المهم يا اخوة ويا اصدقاء لو جاء لأحدكم ابنه او إبنته الآن بكسل لمدحتموه ولم تعاقبوه لأنه الحق على المعلم ! وهذا غير صحيح الى حد ما فـ " فاللحمات لك والعظمات لنا" هذا كان شعارا الاهالي القدامى ، اليوم لا نريد ان نأخذ ذلك قدوة لنا لكن على الاقل فقد اصبحنا اهالي لابنائنا ونحن على الاقل متعلمون بجزء كبير من اكثر من اهالينا "القدامى".
فرصة التعلم توفرت لنا اكثر من جيل النكبة، و اكثر طبعا بكثير وهذا بمعرفتكم جميعا، والطالب الذي كان يذهب مشيا من بيته الى المدرسة لمسافات طويلة تحت مطر الشتاء معتمرا النايلون او قبوعة فوق مريوله والجزمة البلاستيك ليتحاشى الغوص في وحل الزواريب والطرقات وفي الجانب الاخر يتمطى تحت شمس الربيع واوائل الصيف صار اليوم مثيله لا يذهب لمدرسته التي يراها من نافذة بيته الا بالباص او بالبسيارة ان لم يكن بالرانج روفر او بالـ....!
والمدرسة التي كانت تهدر الرياح الخمسينية او عواصف الشتاء تكسر زجاجها من قصف جوي او مدفعي او حتى بحري ويضطر الاهالي ومدراء المدارس وضع لوائح النايلون عليها الى ان تتوفر الامكانيات لاصلاح ما تكسر منها، ام المختبر المتواضع الذي كنا ندخله لاجراء بعض التجارب البسيطة فيه او في المشغل الاكثر تواضعا والذي كنا نمضي فيه حصة جميلة من المهارات اليدوية والابداعية لا يمكن ان يكون اجمل وسائل الايضاح المتطورة الحالية فلو توفرت بالمدارس لابدع اليوم من ابدع من الطلاب بشتى الاجيال. حتى البوق الكشف الذي كان مديرنا المحبوب يعلمنا عليه نشيد (اه يا زين العابدين) وكنا نستمتع به لا اعتقد انه كان يلبي طموح المدير نفسه، بل يا ترى ما ذا يحصل او توفرت الادوات الموسيقية الجميلة والمتطورة من ضمن مشتريات المدرسة؟!
ماذا يمكن ان اتذكر بعد لاعبر لكم ولنا عن خالص تحياتنا لمدرسينا الذين كنا نحبهم والى اولئك الذين اخطأوا بحقنا ربما كانوا على صواب وربما كانوا يهدفون بان يصنعوا منا جيلا ما صنع منه جيل من قبل... ولا من بعد؟ ربما كنا نشعر بالظلم ولكن (الله يرحم من بكانا وبكى علينا وليس من ضحكنا وضحك علينا) كما كان يرددها علينا ذلك المدير نفسه في طابور الصباح.
الطابور الذي كنا نغادر عبره من صفنا الى بوابة المدرسة (واحد ورا واحد دون نظرة الى الوراء وبدون نفس) اين هو اليوم؟ الانضباط اولا وثانيا واخرا... الخوف وليس الرعب مطلوب ان تفرض شخصية المدرس حتى توحيد اللباس الموحد (مش ضروري كاكي) يعطي رونقا جميلا يعتز به الطلاب كما كنا فعلا نعتز به ولو بلونه الكاكي الذي لم يكن محببا الينا لانه يذكرنا بالجندي البريطاني الذي وهب وطننا الى الاعداء بل ان من لم يكن يلبسه يعاقب ورغم ظلم العقاب الا انه كان ياتي بنتيجة ويجعل الطالب واهله منضبطين بالمحافظة على اللباس ولو اضطروا لغسله مساءا وكويه صباحا....
هل من ذكريات اخرى الحقكم بها واتحفكم بسماعها ؟! نعم ، احدى المدارس التي تعلمنا تحت اسقف جمعتنا ، طلاب و طالبات ، و بين حيطان قديمة هي جدران صفوفها ، كان المدرسون يجعلون من عامل المنافسة يغزو قلوبنا حتى ان احد المدرسين لمادة الرياضيات حفزنا بجائزة معنوية لمن ينهي الامتحان كاملا صحيحا بعشر دقائق، وحين كان ذلك تفاجأ المدرسين الذي كان يناوب بالملعب اننا (اول ثلاثة طلاب) خارج الصف، لكنه فوجئ بأننا انهينا مسابقة الرياضيات بعشر دقائق وبعد ان تأكد من مدرس مادتنا سمح لنا بمغادرة المدرسة الى المنزل. الى هنا لم تنته القصة، فمن ناحية حين وصلت الى الممنزل "تناولتني والدتي "ليش راجع من المدرسة بكير، في اضراب او عطله"مستدركة " بس ما في قصف على شي مخيم ولا مناسبة وطنية او غير وطنية ؟ وفوجئتت والدتي الحنون بإني انهيت الامتحان وسردت لها قصتنا نحن الثلاثة الاوائل... وطبعا باليوم التالي اخبر زميلي الاخرين ان امهما ايضا استجوبتهم بنفس استجواب والدتي، فالآباء كانوا بالعمل وقتئذ، فرغم امية امهاتنا كن يهتممن بعلمنا ويعرفن كيف يتابعون امور دراستنا في غياب الوالد الذي كان يسعى ويكد من اجل لقمة عيشنا وقوت العائلة .
لا نستطيع ان نختصر المذكرات ولا الذكريات بصفحات معدودة ولكن الايام الماضية نستطيع تذكر الجميل فيها والامر السيء لا يمكن ايضا ان ننساه، ولهذا وفي الايام العصيبة التي كنا نمر بها في فترة ما بين 76 الى 82، حيث كانت ايام قصف وتهجير ودمار وحروب والغاء متكرر للشهادات الحكومية وربما لامتحانات نهاية السنة، وهذا رغم المه كان يريحنا من الدراسة ولا انكر ذلك....
هذه الذكريات من المرحلة الابتدائية والمتوسطة، اما المرحلتين الاخريين (الثانوية والمتوسطة كان لها لقاء اخر... ربما يكون هنا على هذه الصفحات الغراء... ربما يكون في كتاب... وربما لا يكون، لماذا؟ اقلبوا الصفحة وتذكروا ما كان يحصل معكم، واعرضوا تجاربكم على الاقل على ابنائكم او اخوتكم الاصغر فابنائهم وبناتهم علّ العبر تفيدهم وتفيدنا جميعا... ولا تنسوا ان تتذكروا الماضي البعيد فالاقرب فالاقرب، ربما يُزال الصدأ عن الذاكرة كي نحيي الامل الجميل... تذكروا فأحيوا لتحيوا ونحيا !!!
وترحموا على من توفي من اساتذتنا ومدراء مدارسنا واطال الله بعمر من بقي وامدّهم من عنده مدا جميلا .
*كاتب وباحث فلسطيني مقيم في لبنان
إظهار الرسائل ذات التسميات رضوان عبد الله. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات رضوان عبد الله. إظهار كافة الرسائل
الخميس، أغسطس 28، 2008
مذكرات طالب
الاثنين، مايو 05، 2008
حق العودة و عقدة الذنب البريطانية!
رضوان عبد الله
المجالس البرلمانية المشتركة للشرق الاوسط ، و المكونة من مجلس حزب العمال للشرق الاوسط و مجلس حزب المحافظين للشرق الاوسط و مجلس حزب الديمقراطيين الاحرار للشرق الاوسط ، شكلت بعثة تقصي حقائق اللاجئين الفلسطينيين " كهيئة مستقلة " في تموز 2000 ، حيث قامت سكرتارية البعثة " بالاتصال بالسلطة الوطنية الفلسطينية و الحكومة الاسرائيلية عبر بعثاتهما الدبلوماسية في لندن للاطلاع على المشروع ..." .
وبعد ان قامت بزيارة مدتها عشرة ايام من اجل " جمع الحقائق من فلسطين و الاردن و سوريا و لبنان " استعانت خلالها البعثة " بنصائح كل من وزارة الخاجية البريطانية و منظمة التحرير الفلسطينية و الاكاديميين و الخبراء المختصين باللاجئين الفلسطينيين حول المنظمات و الشخصيات التي تتوجه اليها... "وبعد ان اجرت " نقاشات طويلة مع كل من الحكومات السورية واللبنانية و الاردنية و السلطة الوطنية الفلسطينية بهدف طلب معاونتهم لعمل البعثة واستشارتهم عن الشخصيات والمنظمات التي يمكن ان تستعين بهم البعثة في كل مراحل عملها ..." قامت بجمع "شهادات اللاجئين " التي كانت نوعان من الشهادات " شهادات شفهية من اللاجئين والتي تشكل الجزء الرئيسي من هذا التقرير ... بالاضافة الى عدد قليل من الشهادات المكتوبة ...
وملخص اجتماعات جمعت من الاجتماعات التي عقدتها البعثة مع مسؤولي المؤسسات والمنظمات والخبراء والقيادات السياسية ..." و جمعت الشهادات ، بحسب التقرير ، باللغتين العربية و الانكليزية، حيث "تم تسجيل اسماء كل اللاجئين الذين ادلوا بشهاداتهم مع ذكر اسم المدينة او القرية المنحدرين منها بالاضافة الى اسم المحافظة اثناء فترة الانتداب ..." قامت اللجنة بترجمة الطبعة الانكليزية الثانية الصادرة في لندن ، آذار 2001 ، لتقريرها الذي اعدته تحت عنوان " حق العودة " ، بعد ان سجلت ملاحظاتها وتوصياتها ، الناتجة عن مجموعة من الاسئلة وجهت لفئة من اللاجئين ، و اخذت شهاداتهم ، و شهادات بعض المؤسسات و المنظمات غير الحكومية العاملة في الوسط الفلسطيني ،إضافة الى شهادات مثقفين و باحثين فلسطينيين ...
و قليل منهم ضمن اطر منظمة التحرير الفلسطينية ، حيث إجتمعت البعثة أيضاً " مع عدد عدد من المسؤولين الحكوميين و مسؤولي المنظمات و المؤسسات المعنية باللاجئين الفلسطينيين " .
ورغم ان الافتتاحية ، وهي بقلم بروفسور ريتشارد فالك من جامعة برينسيتون ، تظهر إهتمام كاتبها بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين و بواقع القضية الفلسطينية و " المأساوية اليومية الحالية للاجئين الفلسطينيين ...." و تبدي صدمة البروفيسور فالك " من الاوضاع المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون...
" و تباكيه على " وجود الفراغ المؤسسي القائم منذ عقود ..." إلا انه يتساءل عن مسألة تمثيل اللاجئين و ذلك من خلال " إعادة التفكير حول اهمية قضية اللاجئين لأي عملية سلمية حقيقية ، و في الدرجة الاولى توجد مسألة تمثيل اللاجئين : هل يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية تمثيل مصالح اللاجئين الفلسطينيين في الشتات؟ " مدعيا من مخاوف حول إهتمام " منظمة تحرير فلسطين بحقوق اللاجئين المقيمين داخل الاراضي الفلسطينية الخاضعة لإدارة السلطة الوطنية الفلسطينية " وينسب تلك المخاوف الى الاعتقاد " بأن السلطة الوطنية الفلسطينية تركز بشكل رئيسي على اقامة الدولة الفلسطينية ، و تبدي استعدادا للتنازل عن أغلب ، ان لم يكن كل ، حقوق اللاجئين الفلسطينيين المستندة الى القانون الدولي و المبادئ الاخلاقية ...
"ويكمل الروفيسور فالك " اهتمامه " بالتمثيل الفلسطيني حيث يرجع الى المجتمع الدولي عاتقه و بمسؤولية خاصة " تتعلق بانشاء آلية لتمثيل اللاجئين الفلسطينيين بصفة عامة ، و المقيمين في الاردن وسوريا و لبنان بصفة خاصة ..." ويعزو البروفيسور فالك اهمية التقرير البرلماني الى " احتوائه على عدد كبير من شهادات اللاجئين الفلسطينيين التي عبرت عن صلابة تمسك اللاجئين الفلسطينيين بتنفيذ حق العودة كجزء لا يتجزأ من عملية السلام و المصالحة الاسرائيلية الفلسطينية...." معربا عن موقفه بفرضية قادة الجانبين (الفلسطيني و الاسرائيلي ) بامكانية " التفاوض عل حل يتجاهل المطالب الاساسية للمجتمع الاوسع للاجئين الفلسطينيين ... " بأن ذلك" خطأ كان احد الاسباب الرئيسية التي ادت الى فشل اطار اوسلو منذ البداية ...
من المحتمل ان يؤدي هذا الفشل الى تحلي الطرفين بالواقعية كشرط مسبق لسلام حقيقي ، و التوصل الى آليات تقود الى الارض الموعودة " اما عضو البرلمان البريطاني عن مقاطعة داندي ، اسكتلندا ، إيرني روس ، رئيس بعثة التقصي الذي كتب مقدمة التقرير، أدرك بأن اللقاء مع اطفال مخيم المية و مية هو " جوهر بعثة تقصي الحقائق والسبب الرئيسي لوجودنا في هذا المكان ...
حيث كان اطفال المخيم ، و هم الجيل الثالث من اللاجئين و يعيشون في مخيمات مضى على اقامتها اكثر من خمسين عاماً " فان هؤلاء الاطفال " عندما تحدثوا معنا عن محنتهم، كانوا يتحدثون بصراحة وبدون مواربة ، كانوا معتزين بشخصيتهم بالرغم من الفقر و الحرمان وقسوة حياتهم في مخيمات اللاجئين " ويضيف روس " عكست الطريقة التي تحدثوا بها عن احلامهم في المستقبل عن احزانهم ، لادراهكم ان صفة اللاجئ التي يحملونها سوف تحرمهم للأبد من الفرص التي تتوفر للأطفال الآخرين الذين يعيشون كمواطنين داخل بلادهم ...." و بعد ان يأمل البرلماني البريطاني للأطفال بأن " يكبروا و يتمتعوا بكافة الحقوق و الفر المتوفرة للاطفال في كل مكان .... " يطالب بالعمل لكي " يكون هذا الجيل هو آخر جيل من اللاجئين الفلسطينيين " لأنه " لقد حان الوقت لأن يعودوا الى ديارهم ".
بعد عرض للإطار التاريخي لأزمة اللاجئين و النتائج الرئيسية المستخلصة من شهادات اللاجئين و التي اوجزها التقرير بالنقاط الرئيسية التالية :" جوهر الصراع ـ خطر الاستبعاد ـ عدم التمثيل ـ الارض و الناس ـ الدور البريطاني و المسؤوليات الاسرائيلية و الدولية "، أورد التقرير ملاحظات عامة و تحليل يتضمن " آراء سياسية حالية للاجئين الفلسطينيين و الانتفاضة و التمثيل و موضوع اللاجئين في سياق عملية اوسلو للسلام" حسب ما ورد بالتقرير ، جاءت التوصيات من البعثة التي تحدثت عن الدور " الذي لعبته بريطانيا في تسببها في أزمة اللاجئين الفلسطينيين " حيث شعرت البعثة " بضرورة ان تقوم الحكومة البريطانية بالإعلان عن بعض الالتزامات لإيجاد حل عادل لمأساة اللاجئين الفلسطينيين..." بعد ان فوجئت " بأن كل اللاجئين قد عبروا عن هذا المطلب ..." وحمّل التقرير المجتمع الدولي المسؤولية " حيث ساهم في خلق هذه المشكلة باعلان التقسيم عام 1947 ..."لافتاً النظر الى ان امام بريطانيا "الفرصة المتاحة لتقديم المساعدة في المشاريع الصغيرة و الملحة و العلمية ..." و من هذه المشاريع تمويل مشروع الملفات العائلية في بريطانيا المخصص " لحفظ الوثائق الاصلية لأملاك اللاجئين التي انتزعت منهم في عام 1948 وهي مهددة بالتلف بسبب وسائل الحفظ غير المناسبة ..." ووجدت البعثة " ان منظمة الاونروا تمر بمرحلة خطيرة تؤثر على استمرارها و من البديهي ان يتوفر حل عملي قبيل الشروع في تقليص دورها .
" و يضيف التقرير انه " يمكن ان يكون للمنظمة دور في القيام بوظائف الخدمات الحكومية عن طريق اعارة موظف بريطاني كبير حتى يأتي الوقت الذي يتم فيه الوصول الى حل .
و في كل الاحوال يمكن لبريطانيا ان تقدم البادرة الايجابية الى اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تجاهلهم لفترة طويلة و كذلك الى المنظمة التي تقدم الخدمات الاساسية اليهم ، وذلك عبر دعمها لهذه المهمة الصغيرة و الفائقة الاهمية .." اما التوصية الثانية و التي جاءت تحت عنوان " آليات المطالب الجماعية و المطالب الفردية للاجئين الفلسطينيين " فهي تشكل محاولة لمعالجة عدد غير قليل من المشاكل التي يعاني منها اللاجئون الفلسطينيون حاليا نتيجة لعدم توافر الآليات التي تسمح لهم بالتعبير و توصيل اصواتهم " حسب ما جاء في التقرير .
وتعكس التوصية ما اعتبر "مشاعر القلق التي عبر عنها اللاجئون الفلسطينيون في شهاداتهم من استبعادهم من العملية السلمية الرسمية " و التي اسفرت حسب التقرير" عن فصلهم على المستوى التنظيمي و عمليا عن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية " و ذلك بسبب " خلق السلطة الوطنية الفلسطينية و نقل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الى الضفة الغربية و قطاع غزة ...
" واقترحت البعثة أخيراً ، الى الاتحاد الاوروبي و الى المفوضية الاوروبية للاجئين " البدء في دراسة كيفية خلق آليتين متمايزتين للاستجابة لمطالب اللاجئين و المنفيين الفلسطينيين ... لمعالجة نوعين من المطالب المتعلقة باللاجئين ...احد هذين المطلبين جماعي : خلق آلية لتمكين و تعزيز الاجراءات الديموقراطية لصناعة القرار عبر تضمين آراء اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات ... وفردي : هناك حاجة للتعامل مع القضية الشائكة الخاصة بالملكية و الاختيار الفردي بين العودة و التعويض على اساس الحقوق الفردية ...
" و تود لجنة تقصي الحقائق " ان توصي الاتحاد الاوروبي و مفوضيته بالبدء في دراسة العناصر النظرية و العملية لهذه الآلية خاصة انها في وضع يتيح لها القيام بذلك ..." اما تشكيل و اجراءات عمل بعثة تقصي الحقائق فجاءت" بعد ان اجتمعت اللجنة البرلمانية المشتركة لتقصي الحقائق الخاصة باللاجئين الفلسطينيين ، استجابة الى القلق المتزايد بين اعضاء مجلس النواب البريطاني حول التجاهل الخطير لمسألة اللاجئين في ظل اتفاقيات اوسلو .
" حيث شعر المجتمعون " ان موضوع اللاجئين لم يحظ بالاهتمام الكافي بالرغم من حجم و تعقيد المشكلة و اهميتها الجوهرية في العملية السلمية و في أذهان الفلسطينيين في كل مكان ." وتركزت اهداف البعثة بإعداد ورقة عمل حددت فيها الاهداف العامة و الاطار القانوني للمشروع و صيغت ورقة العمل " وفق مبدأ اختيار اللاجئين في اطار قرار الامم المتحدة 194 ، و على اساس انه يوفر افضل اطار يمكن العمل بموجبه ..." ، و حدد الغرض من جمع شهادات اللاجئين مساعدة اللجنة " في خلق آلية تمكننا من توصيل آراء و مطالب اللاجئين الفلسطينيين المتعلقة بحق العودة بشكل مباشر و اصيل ..." . وكان احد المهام لزيارة اللجنة الى المنطقة " التعرف الى آراء المسؤولين و الحكومات و المنظمات في المنطقة و المرتبط عملها بتجمعات اللاجئين ".
بعد ان ادركت اللجنة ان موضوع اللاجئين " يؤثر على العديد من دول المنطقة ، و بخاصة الدول المضيفة التي استضافت اللاجئين الفلسطينيين لأكثر من خمسين عاما ، و يجب ان يتناول أي حل ، مطالب حكومات هذه الدول المضيفة." أما المبادئ الارشادية التي استندت عليها البعثة فتركزت حول مبدآن اساسيان : " الاول المسؤولية التاريخية و القانونية للمجتمع الدولي نحو اللاجئين الفلسطينيين ، وتمثل الثاني في حق اللاجئين في الاختيار ".
و التزمت البعثة " بوجهة النظر التي تفسر قرار الامم المتحدة 194 باعتباره الاساس القانوني الذي يستند عليه حق العودة للاجئين الفلسطينيين ". بعد ان ادركت ان " هذا القرار يتألف من اربعة مكونات : العودة ،إعادة الاسكان ، و التأهيل الاقتصادي و الاجتماعي ، و التعويض " وبعد ان اقتنعت البعثة " بأن هذه الحقوق لا تتعارض ، بل بالاحرى، تتوافق ، مع القانون الدولي المعمول به .
" بينما اختارت البعثة ان يكون احد مبادئ عملها " الموافقة و الشمولية ، اذ يشكل اللاجئون الفلسطينيون ثلثي الشعب الفلسطيني..." ، لذا رأت البعثة ان مشاركة وموافقة اللاجئين الفلسطينيين " ضرورية لانجاح اي صيغة سلمية ، و يجب التوصل الى حلول تستند الى القانون الدولي و الموافقة الشعبية و التي تعتبر من العلامات المميزة للقانون الدولي الحالي التي تؤيدها بريطانيا باستمرار في مواقفها السياسية الخارجية بدون استثناء ...." .
رغم الملاحظات التي ممكن ان نسجلها على اداء البعثة بالنسبة للشهادات الموجودة ، حيث ورود بعض الاسماء التي نسبوا أصحابها على انهم باحثين ، و اسماء اخرى لمسؤولي منتديات او تجمعات او حتى مجموعات ، و نحن نعرفهم جيداً ، و من ناحية اخرى هناك محاولة تغييب لدور منظمة التحرير الفلسطينية بطريقة أو بأخرى ، رغم الاتصالات المسبقة من قبل البعثة بالمنظمة ، و رغم وجود شهادات صادرة عن أعضاء سابقين في الهيئة التنفيذية للمنظمة او اعضاء سابقين لهم علاقة بملفات اللاجئين في المنظمة ، طبعا مع الاحترام والتقدير لكافة الاسماء و الاشخاص ، و رغم الاخطاء الكثيرة الواردة بالترجمة التي عبرت عن جهل المترجم بالاسماء باللغة العربية ... حيث تكررت الاخطاء .
رغم كل شيئ ربما تكون البعثة البرلمانية البريطانية لتقصي الحقائق حول اللاجئين الفلسطينيين هذه ، و هي هيئة مستقلة كما ورد خلال التقرير ، قد بدأت بدايةً أقل ما يمكن أن نقول أنها تكفرعن الذنب الذي اقترفه آبائهم وأجدادهم ، حيث نستطيع ان نعتبر ان هذا التقرير يشكل مبادرة غير عربية ، صادرة بلغة غير عربية أيضاً( التقرير صدر اساساً باللغة الانكليزية ) ، لتوصيل رسالة الى المجتمع الدولي حول الحق الفلسطيني بعودة اللاجئين الى ارضهم و وطنهم ، و من المهم جداً أيضاً الاستفادة من هذا الموقف البرلماني البريطاني المتقدم والذي يشكل ظاهرة صحية في مجتمع أعمته غيوم الصهيونية عن الحق العربي حتى أصدر قادته وعد بلفور المشؤوم ، و شرد شعباً تمتد جذوره لآلاف السنين في فلسطين ، و لربما يكون هذا التقرير كلمة حق من جزء من نواب الشعب البريطاني الذي ينحدر من امبراطورية استعمارية لم تكن تغيب عنها الشمس يوماً .
الجمعة، ديسمبر 07، 2007
المعوق الفلسطيني بين الضباع والضياع
رضوان عبد الله
يصادف الثالث من كانون الاول من كل عام انه يوم احتفالي لتكريم المعوق العالمي و هذه بادرة حسنة الى حد ما اذا ما اكتملت بعمل ميداني يحقق رغبات و حقوق المعوقين و يخفف معاناتهم النفسية و الجسدية و الفكرية ، الا انه يسود التذمر معظم اهالي المعوقين الفلسطينيين في لبنان نتيجة الاضرار المعنوية التي لحقت بالاهالي من حيث تدمير نفسية ابنائهم وبناتهم من حيث حاجات الاهالي وغياب البرامج الفعالة المتواصلة استراتيجيا ، رغم وجود برامج صغيرة هنا و هناك لا تنفع بالكثير منها الا فقط للقيمين عليها من خلال رحلاتهم المكوكية ، مثلا ، الى عالم متطور حضاريا و لكن ماذا استفاد المعوق من الزيارات المكوكية لتلك الحضارة ( عبر رحلات فاخرة و فنجان قهوة بـ 250 يورو اي حوالي 250 جنيه استرليني فقط لا غير ، واذا لا تتملك من اللغة الاجنبية كالعديد من .... الزوار الرحالة ... ربما يغشوك بالسعر مع اضعف الاحتمالات ) ، تلك الرحلات البطوطية ، نسبة الى ابن بطوطة ، تكلف بمجموعها اكثر من بناء نموذجي فاخر مجهز يتقنيات حضارية ربما نستطيع احضارها من لندن او حتى من واشنطن ... و ربما لو بني لاستفاد منه ما يزيد عن 650 طفلا معوقا يعاني اهاليهم ما يعانون ... فقد تحدث الينا عشرات من الاهالي عن ان هناك حاجة ماسة الى ما يلي:
• متطلبات تتعلق بالاطفال من حيث الملبس والحليب والمأكل واحتياجات اخرى تتعلق باللهو مثل الالعاب والدمى المتحركة او المجسمات من أجل الترفية عن الاطفال...
• ما يتعلق باحتياجات الاطفال الملتحقين باروضات وبالمدارس اي من 5 سنوات وما فوق فان هناك حاجة للعديد منهم من اجل متابعة هواياتهم ومواهبهم وهذا برز في اكثر من روضة او مدرسة يتعلم فيها الاطفال المعوقون الفلسطينيون حيث لا توزع عليهم ادوات تتعلق بالرسم مثل التلوين والدفاتر والمعجون، وايضاً هناك حاجة ماسة للمتابعة النفسية والتأهيلية لللمعوقين .
• هناك حاجة ماسة للترفيه عن نفس الاطفال بأخذهم رحل ونزهات للتموية والترويح عن انفسهم .
• الحزن الشديد يسود الاطفال بسبب ترك العديد منهم لمنازلهم دون الالتحاق بالمدارس و هذا ولد إحباطاً لديهم .
• الخوف المسيطر على الاطفال واهاليهم فالقلق سائدا حول من سيعيد البسمة اليهم الخ...
• هناك قلق من امراض مستقبلية بسبب الاهمال الصحي تجاه المعوقين و اهاليهم و عدم الاكتراث بهم الا بالمناسبات وقليلا جدا ، وهناك خوف من زيادة الاعاقات بالولادات الحدثية التي ستولد بعد حرب عام 2006 و التي طالت المخيمات و التجمعات الفلسطينية ، مباشرة او بطريقة غير مباشرة ، بعد ان تأثرت الامهات بالوضع ( خوف- تعب-قلة- تغذية- ارهاق-توتر نفسي- الخ...)
• المطلوب اهتمام كبير بالاطفال المعوقين و الامهات من حيث الرعاية الصحية والنفسية وترميم ما تصدع من جوانب نفسية لهم ، وتخفيف الضغط عنهم.
و كان التمني على الحكومة اللبنانية من قبل المؤسسات الفلسطينية التي اجمتعت مرارا بوزراء لبنانيين مثل معالي الوزيرة نايلة معوض و غيرها ... بالامور التالية : ـ
- العمل على احصائية موحدة بين المعاق اللبناني والفلسطيني.
- العمل على حصول ترخيص للمؤسسات الفلسطينية وعلى ان يكون الرئيس فلسطيني وليس لبناني.
- الغاء الجمارك والضرائب عن المعاق الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية.
- العمل على تامين احتياجاته والحصول على نفس الحقوق التي يتمتع بها المعاق اللبناني.
عودة الى بدء ، فان حركة الاعاقة لدى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ترجع بتاريخها الى اوائل السبعينات حين بادر بعض المعوقين الفلسطينيين مع جرحى الثورة الفلسطينية الى تكوين مجموعات داعمة، وكانت هذه التجربة تظهر وتختفي منذ ذلك بسبب الظروف السياسية والامنية التي كانت تعصف بلبنان، لكن الحركة الحالية بدأت بالتبلور منذ نهاية الثمانينات حين بدأت مجموعات المعوقين بالنشوء وكذلك الجمعيات والمؤسسات العاملة في مجال الاعاقة، وبدأت خيوط التعاون والتنسيق بالتطور والتفرع حتى تبلورت مظلة شاملة لكل هذه الحركة في العام 1997 تحت اسم "هيئة الاعاقة الفلسطينية" لذا فإنه من الصعوبة بمكان القول بإنجازات لحركة الاعاقة خلال هذه السنوات الثماني اذا تكلمنا على المستوى الشمولي لمطالب المعوقين لكنا نستطيع الحديث بموضوعية عن ما عملته هيئة الاعاقة الفلسطينية منذ نشأتها الى اليوم، بعد ان تم افشال محاولة جدية لانشاء اتحاد عام للمعوقين الفلسطينيين في لبنان، تلك المحاولة كانت رائدة في طليعة بداياتها لكن مصالح ذاتية لبعض القيمين عليها غلبت عى مصالح المعوقين الذين كان لهم الفضل في بداية الفكرة، وهكذا اجهضت المحاولة في مرحلة التكوين، وذلك موضوع آخر .
فقد تشكلت هيئة الاعاقة الفلسطينية منذ حوالي ثماني سنوات بعد افشال محاولة تأسيس الاتحاد، وتضم الان الهيئة الموقرة 18 مؤسسة، وربما بعض المؤسسات على الطريق، هذه المؤسسات التي تعمل داخل المجتمع الفلسطيني وجدت انه من الافضل، لها، وللمعوقين، توحيد الجهود لتخفيف العبء المالي وتحقيق اكبر قدر من الافادة.
وتعتبر هيئة الاعاقة نفسها الجسم الممثل لـتلك المؤسسات والجمعيات حيث تعمل كمظلة غير سياسية لها في اماكن تواجدها، وعملها في المخيمات، والتجمعات المتواجدة على كامل الاراضي اللبنانية، وتحصل على جزء من تمويل مشاريعها من العديد من الهيئات، والمؤسسات الدولية، والسفارات، والمستشاريات الاوروبية المانحة، وكان اخر مشروع تعمل عليه هذه الهيئة ، ومشروع الدمج المدرسي، والذي تستمر مدته ما بين ثلاث سنوات، واربع سنوات حيث بدئ بهذا المشروع عن طريق اقامة ندوات، ومحاضرات، ودورات تدريبية للكادر القيم على المشروع ميدانيا، وللمدرسين، وتجتمع هذه الهيئة مرة كل شهر ولديها نظام داخلي اتفق عليه، ولهذه الهيئة لجان مناطقية تتابع امورها بالتنسيق مع المؤسسات المعنية، وتستقبل الوفود الزائرة، والاخرى الداعمة للانشطة، وللمشاريع المقدمة من شتى المؤسسات، وتنسق الهيئة مع الجهات، والهيئات التالية :
1- الاونروا
2- جمعية المساعدات الشعبية النروجية
3- جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني
4- منظمة التحرير الفلسطينية .
5 – مؤسسة التعاون .
و تسعى الهيئة الى التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية في السلطة الوطنية الفلسطينية ، كما تسعى الى الاستحصال على تمويل من عدة هيئات و مؤسسات و جهات و سفارات دول مانحة . من جهة اخرى فقد قامت هيئة الاعاقة سنة 1997 بإحصائية من اجل الوقوف على العدد الحقيقي للمعوقين الفلسطينيين في لبنان ، حيث وصل العدد الى ما يقارب الـ 3430 معوق و معوقة نهاية العام 2000 ، و هناك كثير من الاعاقات لا تستطيع الهيئة ان تضعها داخل برنامجها لاسباب عديدة اذ ان هناك صعوبة كبيرة في تحديد الناس المصابين بأمراض نفسية ، و اعتبر الكثير منهم غير معوقين . وسنة 2001 حصل عرض حول إحصائية 1997 نتج بعده اعتماد البطاقة الخاصة بالمعوق الفلسطيني الذي يستفيد على اساسه من العلاجات و تقديم الخدمات اللازمة له من المؤسسات المعنية ، و ما زال العمل بالبطاقة ساريا حتى الان .
ماذا حصل للمعوقين الفلسطينيين في لبنان حتى الان ؟؟؟
هناك شراكة ما بين الأنروا وجمعية المساعدات الشعبية النرويجية ومنظمة التحرير الفلسطينية في تقديم الكثير من العلاجات والخدمات الصحية للمعوقين اضافة الى الخدمة المجانية التي تنفرد بتقديمها منظمة التحرير الفلسطينية شهريا حيث تقدم الحفاضات للمعوقين لكافة الأعمار وفي كل لبنان حيث وصلت المساعدات الى اكثر من 2000 دولار للحفاضات وحدها عدا عن المساعدات المالية والعينية المقدمة أيضاً من قبل المنظمة للعشرات من المعوقين الفلسطينين في لبنان بمجالات عديدة و متنوعة .
و حين كنت احاول المشاركة في انجاز قاموس يتعلق بالمعوقين الذين يعانون من اعاقة عقلية ، والتي قامت به منظمة الصحة العالمية ،صادفت عشرات من الاهالي في عدة مخيمات و تحدثوا معي عن معاناة ابنائهم و بناتهم المعوقين و اهمال ذوو الشأن تجاههم او على الاقل التقصير الموجود من قبل المعنيين ، ، اذ قالت احداهن ( م. ح. ) و هي شابة معوقة "نطلب ان يتذكر العالم المعاقين وان يعترفوا اكثر بحقوقهم وان يعرفوا جيدا ما هو المعوق وما هي حاجاته ليس من ناحية انسانية بحتة بل من نواحي الحقوق والواجبات ". اما ع. م. بدوره أجابنا وهو يحاول رفع رجله التي يصارع ظلم الحياة بقيادته سيارة اجرة من اجل ان يعتاش هو و عائلته "انه لا يعم انه يوجد يوم للاهتمام بالمعوقين و لكنه اكد على الاحتياجات الخاصة التي يحتاجها المعوقون، لكن بكل اسف فإن المؤسسات العاملة في هذا المجال لم تستطع تلبية كافة احتياجات المعوقين ولم يحاولوا الاتصال به على الاقل من اجل سؤاله عن حاجاته و ظروف معيشته ..." فالمعوق بوجهة نظره "لا يحتاج فقط الى جهاز داعم او الى عكاز او كرسي متحرك او سماعة او ... بل يحتاج الى تأهيل وتشغيل ودمج بالمجتمع ورعاية صحية ومهنية وتربوية كي يتحول من البطالة الى ان يكون مصدر عون و طاقة بحد ذاتها ...و الى دينامو عمل منتجة وفعالة ".
و توجه ع. م. بـرسالة الى الدولة اللبنانية التي ترعى المعوقين اللبنانيين فطالب بـ " حقوق مدنية واجتماعية لنأخذ دورنا في المجتمع ..." و تنفيذا للوعود التي قطعا الوزراء حين جاؤوا لزيارة المخيمات و بان يتم رعاية الفلسطيني و خصوصا من لديهم حاجات خاصة " منوها الى ان ضرورة اهتمام المؤسسات المانحة " بدعم مشاريع انتاجية خاصة بالمعوقين كي يأخذوا دورهم مع باقي افراد شعبنا الفلسطيني ، ولا ان يتكلوا على مؤسسات تتجار بالناس وخصوصا المعوقين وهم كثر...".
اما م . ب. الذي اعاقته بسبب رصاصة طائشة خلال حرب بائسة في مخيم عين الحلوة فكان قد قال لنا في حديث سابق "ان لدينا الكثير من المطالب نرفعها الى المعنيين في هذا اليوم مثل الادوية الطبية والعمليات الجراحية والاستشفاء الكافل والادوية". واثنت على كلامه غ. ج. التي غصت الدمعة من عيونها وهي التي تعيش لوحدها في منزلها ولا من يسال عنها ، فقد أشارت الى حاجة البيوت الى تأهيل هندسي وصحي كي يتناسب مع المعوق فالبيوت في اكثريتها حماماتها غير مجهزة اضافة الى المعوقات الهندسية الاخرى . حتى بالتنقلات العامة "الباصات غير مجهزة لنا و كابينات التلفونات عالية في كثير من اماكن تواجدها و صعب على المعوق الاستفادة منها ، و كثير من المباني لا يوجد فيها مصاعد و هذه مشكلة كبيرة ".
بدوره و.م. ، و هو معوق ترك المدرسة بسن السادسة بسبب عدم تأمين مستلزمات الدمج له في مدارس الاونروا وعدم الاهتمام به من قبل مؤسسات الاعاقة التي لم يكن لديها برامج دامجة بعد لكنها حاولت العمل على تهيأته لمهنة تقيه خطر الرمي بالشارع ، طلب من المسؤولين " ان يكون الاهتمام اكثر بالعوق واعتباره انسانا كباقي البشرلا ان ينظر اليه وكأنه عجيبة من عجائب الدنيا و يهمل من قبل الناس..." .
من جهتها كانت قد اعتبرت اميرة الحاج ، في مقابلة سابقة معها ،ان هذا يوم كي يتذكرنا الناس وتمنت " ان تشعر معنا المؤسسات وتؤهل المعوقين كي يكونوا منتجين لا ان يبقوا عالة على اهلهم ومجتمعهم " . ايضا كان فادي طه قد افادنا سابقا بحديث شيق و مثمر قائلا" نحن منتجون ولسنا عالة ، فكل انسان لديه اعاقة لكنها نسبية، ونحن مثل بقية الناس لدينا فكرنا وقدرتنا على العمل. نتمنى ان لا يتم استثناءنا من قانون حق العمل في المؤسسات مثلنا مثل المعوقين اللبنانيين بحكم وجودنا في لبنان..." . وطلب طه من هيئة الاعاقة "ان ييسروا امورنا ويدعمونا بأخذ دورنا في المجتمع...".
من جهة اخرى اعتبر السيد قاسم الصباح المنسق العام لهيئة الاعاقة الفلسطينية في تصريح سابق خاص لنا ادلى به في يوم الاعاقة العالمي "ان هذا اليوم هو مناسبة عالمية لتذكير العالم بأن عشرات الملايين يعانون من نوع من الاعاقة في مختلف انحاء العالم، وكجزء من تضامن الانسانية جمعاء من اجل حياة افضل، فعلى القادرين من الدول والاشخاص والمؤسسات الى ملايين الاشخاص من المعوقين ويحاولون ان يساعدوهم من اجل العيش بكرامة ومن اجل التعبير عن انفسهم وفتح مجالهن في المشاركة في الحياة العامة، وتحسين ظروف حياتهم الخاصة". وعلى المستوى الفلسطيني في لبنان اكد صباح "ان شعبنا الفلسطيني من اكثر الشعوب التي من اكثر الشعوب التي عانت من الاعاقات على مستوى الاشخاص وعلى المستوى الوطني والسياسي منذ استلاب الوطن العزيز فلسطين وخلال مسيرة النضال الطويلة سقط الكثير من الشهداء والجرحى والذين بقي العديد منهم يعانون من اعاقات مزمنة...". و اضاف " ان هذه مناسبة هي للفت نظر العالم بأن الحروب وعدم ايجاد حلول للشعوب المستلبة والمظلومة التي تضطر في النهاية الى القول والتذكير بأن هذه الشعوب السلام والعدل لن يتحقق الا بارجاع الحق الى حقه والا سيستمر سقوط الشهداء والجرحى والمعوقين وحتى تحرير فلسطين".
اما فيما يتعلق بالحقوق المدنية للمعوقين الفلسطينيين فأعتبر الصباح على "انها الحقوق العامة المدنية للفلسطينيين عموما ولا نستطيع ان نعترف هذه عن تلك وان مجرد منح الحقوق المدنية للفلسطينيين عامة ستفتح المجال للمعوقين الفلسطينيين بأن يحصلوا بعض حقوقهم ونترك للمؤسسات الدولية والفلسطينية مساعدة هؤلاء المعوقين للتعبير عن انفسهم والعيش بكرامة. ولم ينس السيد قاسم الصباح بان يعتبر "بان اليوم العالمي للمعوق هو مناسبة للتذكير لا أكثر حيث ان آلاف الشباب الفلسطيني سقطوا في النضال وسقطوا في الانتفاضات المتواصلة في فلسطين" ، وأكد ان الاعاقة من اجل فلسطين هي اكبر شيء ممكن ان يحققه انسان.
ن .خ . ، ناشطة في المجال الاجتماعي ، دعت الى الاهتمام اكثر بالمعوقين والى التوضيح للناس عن ماهية الاعاقات وعن الاهتمام بالمعاق اينما وجد وحيثما كان. والى التفكير اكثر بالانسان المعاق الذي يجب ان لا يقل بحقوقه عن الانسان غير المعاق، وممكن ان يكون هناك بصيص امل او حل من قبل اولئك الذين يتعرفوا من جديد على انواع الاعاقات " . اما ر ه و هي متطوعة سابقة في مؤسسة تهتم بالاعاقة فقد توجهت لهيئة الاعاقة الفلسطينية بالاهتمام اكثر بمؤسسات الاعاقة و بالمعوقين الفلسطينيين و خصوصا ما يتعلق بالتعليم و الصحة و تأهيل المنازل ... وخصوصا طلب الاهل افتتاح مراكز مهنية للشباب المعوقين كي لا يبقوا في الشارع بعد ان ينتهي برنامج الدمج او برامج التعليم في مدارس مختصة ..."
اما ض. ع. ، و هي مربية مختصة تعمل في مدرسة تهتم بالمعوقين ، فقد طالبت "المنظمة والهيئات المحلية واللجان الشعبية والاونروا الذين هم ركيزتنا وبدونهم ليس لنا وجود ان يدعموا المؤسسات الاهلية و المعوقين واهاليهم في كافة المجالات وتلبية حاجات المعوق وترميم بيوتهم وراحتهم وتأمين كل حقوقات حياتهم من ماء وكهرباء وطرقات وتعليم ومصاعد لسكان البنايات المتواجدين خارج المخيمات. ... ".
ماذا يقول الاهالي ؟
ام فادي ا . تعاني من مشكلة اذ لا يساعدها احد في حلها حتى الان فابنها لا يوجد من يستوعبه رغم المراجعات العديدة لمؤسسات الاعاقة بعد ان تجاوز عمره الخمسة عشر ربيعا . ( فهو يحتاج الى تأهيل مهني ) ، والدة الصبية ل. خ . ، التي لديها اعاقة شلل اطفال و اعاقة بصرية ، وهي تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها ، و لا تدري ما هو مستقبل ابنتها المهني اذ لا مجال لاي مركز مهني يستقبلها حتى الان ، و لا ترغب بان تمارس مهنة حياكة القش لانه ادنى بكثير من طموحاتها كما تسر بالقول لوالدتها ، و ترغب بتعلم الكومبيوتر و العمل به و لكن حتى الان لا يوجد اي برنامج في اي مؤسسة يمكن ان يلامس طموحاتها . اما والد الطفل احمد ق . ، و الذي يتشوق لان يرى ابنه قد تعلم و لو قليلا من العلم فابنه يعاني من اعاقة عقلية جعلت الاطفال يسخرون منه لدرجة الذل و الهوان ، فلم يعد يتجرأ ان يرسله لاي مدرسة ولا لاي مركز و ذلك لعدم ثقته بمراكز التعليم من جهة و لخوفه على البقية المتبقية من عقل ابنه من جهة اخرى (...) ، ايضا والدة الطفل محمد خ. اكدت ان ولدها يمكن ان يستطيع العيش حياة عادية لو تأمن له بعض العلاجات الفيزيائية مع عملية شد عصب ليديه و رجليه و هذا ما لم يحصل حتى الآن . هذه امثلة قليلة من كثير ممن رموا او اوشك رميهم في شوارع و ازقة المخيمات في ظل " مظلة " تظلل ما تظلله من مؤسسات مختصة .
• الدمج الى اين ؟
من النواحي العملية ، و بما ان الدمج هو موضوع تربوي فيلزمه كادر متخصص من جميع جوانب القضية اذ لا يمكن ان يتابع امور تربوية من ليس له علاقة بالعلم او بالتربية ، و لا يمكن ان يتابع امور المنشآت من ليس ملما بامور الهندسة او على الاقل البناء المعماري ، اكثر من ذلك نستطيع القول و بصراحة كاملة و رؤية واضحة وضوح الشمس ان الدمج التربوي السليم لا يستقيم الا بكادر متعلم و متخصص الى حد ما فكما اننا نلوم الروضات و مدارس الاونروا و نتصدى لها اذا ما قصرت بتأهيل المربين و المربيات و الكادر الاداري و التربوي فمن حقنا ان نلوم و نعاتب المؤسسات العاملة في مجال الاعاقة دونما استثناء اذا ما قصرت كذلك ، لانها الامينة على الاطفال المعوقين خصوصا و على حقوق المعوقين بوجه عام .
لذا فان المعوق ، المزمع دمجه او المدموج حاليا في اي روضة او مدرسة ، من حقه ان يكون مربيه و مشرفه و متابعه التنسيقي و الميداني متعلما و مثقفا و على درجة عالية من الاهتمام فالقضية ليست وظيفية فقط بل هي وظيفية و مهنية و امانة و رسالة و تربية و تعليم ، فمن الافضل ان يكون التعاطي على اساس الخلفية التربوية و المستوى الثقافي بعيدا عن المغالطات و المزايدات و المصالح الذاتية التي لا تخدم سوى الشخص نفسه و من لف لفه ، فكم من دامج ليس له من الدمج سوى الاسم ؟ فهل من العدل ان تتابع امور مربيات ومربين في روضات الاطفال و مدارس المخيمات و التجمعات الفلسطينية ويكون المتابع عينه ( هو او هي ) ، في مستواه / ها التعليمي او التربوي ، اقل بكثير من مستوى حارس تلك الروضة او المدرسة مع الاحترام و التقدير لمستويات الناس جميعا و لكن اليس لكل مقال مقام فـ ( هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ؟ ) . هل بتلبيس الطرابيش يستفيد الطفل من الدمج ؟ هل ستكون رسالتنا التربوية قد وصلت حين نزاوج ما بين الجهل و المعرفة ؟ هل نغامر بصف كامل في مدرسة او روضة من اجل خاطر مدرس جاهل او حتى مدرب ذو مستوى ضعيف جدا ؟ بل هل عملنا على تنفيذ توصيات مربيات الاطفال التي رفعت للمؤسسات العاملة على الدمج من خلال ورش العمل ام اننا لا نقرأ ، و اذا قرأنا لا نفهم ، و اذا فهمنا لا نطبق ؟ الا نريد ان نجعل الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مثل الاطفال العاديين غير المعوقين ؟ كيف ذلك ؟ هل بالمصالح ام بالمواقف ؟ هذه التساؤلات و المخاوف برسم كل من يعنيه الامر ومهتم بمشروع الدمج خصوصا .
لكن وعلى المستوى العملي فإن الانجازات المتواضعة ، وحسب ما لخصها رئيس الهيئة السيد قاسم الصباح في رسالته الى الهانديكاب انترناشيونال ، و انصافا للحقيقة نستطيع ايجازها بما يلي :
- إنجاز مشروع إحصاء المعوقين الفلسطينيين في لبنان والمستمر منذ 1997 .
- إيجاد جهاز رقابي على أداء العاملين لتحقيق مستوى لائق من طرف التعامل مع المعوقين.
- خلق مجموعات من المعوقين انفسهم للعمل على تأمين حقوقهم.
- تبادل الخبرات في مجالات التأهيل والتمويل.
- إيجاد برنامج تمويل مشترك لبعض الاحتياجات الاساسية للمعوقين.
- خلق مرجعية عامة يعود إليها المهتمون بالاعاقة على المستوى الفلسطيني. وإيجاد أنظمة داخلية واليات تحكم عمل الهيئة والعلاقات بين أعضائها والمحيط.
- إنجاز بعض المشاريع المشتركة وخصوصاً في مجالات التدريب والدمج.
ان الدعم المطلوب حسب ما يرغب به الصباح هو " العمل على عزل حركة الاعاقة عن النزاعات السياسية والتجاذبات التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، والعمل على تحقيق اعتراف ما بحق اللاجئيين الفلسطينيين بالحياة الكريمة والتمتع بالحقوق المدنية وحق العودة لان العلاقة الموجودة بين العاملين في مجال الاعاقة وصلت الى تطور مهم في ظل الهيئة والاعتراف بها كمرجعية فلسطينية في مجال الاعاقة ..." ، ولا ندري اذا كانت الإستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقات المتبعة في لبنان تشمل المعوقين الفلسطينيين ام بحاجة الى تحريك من خلال استراتيجيات مؤسسات الاعاقة الفلسطينية في لبنان ، او مؤسسات خدماتية اخرى ، ام اننا بحاجة الى ان نرفع الصوت عاليا من اجل ان يستشعر المعنيين بحقوق المعوق المهدورة لاكثر من 4000 معوق و معوقة فلسطينيين موجودين في لبنان يشكلوا شريحة لا تقل اهمية عن اي من شرائح المجتمع الفلسطيني الذي يعاني الامرين جراء حرمانه من حقوقه المدنية و الاجتماعية و السياسية ، ام اننا كمجتمع فلسطيني يجب ان نبحث عن شريك استراتيجي بديل عن الذي تمثله بعض الجمعيات والهيئات الاجتماعية العاملة في مجال الإعاقات . وان يتم إقامة هيئة تنسيق رقابية لمأسسسة عمل هذا الشريك ليساهم في مزيد من المشاركة الأهلية كي لا يقع المعوق الفلسطيني ضحية من جديد بين الضباع و الضياع ، كما عبر لي احد الزملاء الذين حاولوا صناعة وابداع افكار هامة تتعلق بتطوير حياة المعوقين الفلسطينيين و تم التأمر عليهم جميعا وابعدوا عن برنامج تأهيلي معين له علاقة بالاعاقة و بالمعوقين ، و بالتالي فان الدعم الحقيقي هو الدعم المباشر لللمعوق الفلسطيني نفسه في اخذ دوره الحياتي في المخيم و التجمع ، في الروضة و المدرسة و الجامعة و المهنية ، و في كل مكان و من لديه الجرأة فليعمل عملا صالحا بعيدا عن المحسوبيات و التجاذبات الرخيصة التي يذهب ضحيتها اولا وآخرا المعوق الفلسطيني ، و هذا ما اكدته مؤسسة حقوقية فلسطينية بعد ما لمسته في معاناة المعوقين الفلسطينيين في نهر البارد .
* كاتب و باحث فلسطيني مقيم في لبنان
• متطلبات تتعلق بالاطفال من حيث الملبس والحليب والمأكل واحتياجات اخرى تتعلق باللهو مثل الالعاب والدمى المتحركة او المجسمات من أجل الترفية عن الاطفال...
• ما يتعلق باحتياجات الاطفال الملتحقين باروضات وبالمدارس اي من 5 سنوات وما فوق فان هناك حاجة للعديد منهم من اجل متابعة هواياتهم ومواهبهم وهذا برز في اكثر من روضة او مدرسة يتعلم فيها الاطفال المعوقون الفلسطينيون حيث لا توزع عليهم ادوات تتعلق بالرسم مثل التلوين والدفاتر والمعجون، وايضاً هناك حاجة ماسة للمتابعة النفسية والتأهيلية لللمعوقين .
• هناك حاجة ماسة للترفيه عن نفس الاطفال بأخذهم رحل ونزهات للتموية والترويح عن انفسهم .
• الحزن الشديد يسود الاطفال بسبب ترك العديد منهم لمنازلهم دون الالتحاق بالمدارس و هذا ولد إحباطاً لديهم .
• الخوف المسيطر على الاطفال واهاليهم فالقلق سائدا حول من سيعيد البسمة اليهم الخ...
• هناك قلق من امراض مستقبلية بسبب الاهمال الصحي تجاه المعوقين و اهاليهم و عدم الاكتراث بهم الا بالمناسبات وقليلا جدا ، وهناك خوف من زيادة الاعاقات بالولادات الحدثية التي ستولد بعد حرب عام 2006 و التي طالت المخيمات و التجمعات الفلسطينية ، مباشرة او بطريقة غير مباشرة ، بعد ان تأثرت الامهات بالوضع ( خوف- تعب-قلة- تغذية- ارهاق-توتر نفسي- الخ...)
• المطلوب اهتمام كبير بالاطفال المعوقين و الامهات من حيث الرعاية الصحية والنفسية وترميم ما تصدع من جوانب نفسية لهم ، وتخفيف الضغط عنهم.
و كان التمني على الحكومة اللبنانية من قبل المؤسسات الفلسطينية التي اجمتعت مرارا بوزراء لبنانيين مثل معالي الوزيرة نايلة معوض و غيرها ... بالامور التالية : ـ
- العمل على احصائية موحدة بين المعاق اللبناني والفلسطيني.
- العمل على حصول ترخيص للمؤسسات الفلسطينية وعلى ان يكون الرئيس فلسطيني وليس لبناني.
- الغاء الجمارك والضرائب عن المعاق الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية.
- العمل على تامين احتياجاته والحصول على نفس الحقوق التي يتمتع بها المعاق اللبناني.
عودة الى بدء ، فان حركة الاعاقة لدى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ترجع بتاريخها الى اوائل السبعينات حين بادر بعض المعوقين الفلسطينيين مع جرحى الثورة الفلسطينية الى تكوين مجموعات داعمة، وكانت هذه التجربة تظهر وتختفي منذ ذلك بسبب الظروف السياسية والامنية التي كانت تعصف بلبنان، لكن الحركة الحالية بدأت بالتبلور منذ نهاية الثمانينات حين بدأت مجموعات المعوقين بالنشوء وكذلك الجمعيات والمؤسسات العاملة في مجال الاعاقة، وبدأت خيوط التعاون والتنسيق بالتطور والتفرع حتى تبلورت مظلة شاملة لكل هذه الحركة في العام 1997 تحت اسم "هيئة الاعاقة الفلسطينية" لذا فإنه من الصعوبة بمكان القول بإنجازات لحركة الاعاقة خلال هذه السنوات الثماني اذا تكلمنا على المستوى الشمولي لمطالب المعوقين لكنا نستطيع الحديث بموضوعية عن ما عملته هيئة الاعاقة الفلسطينية منذ نشأتها الى اليوم، بعد ان تم افشال محاولة جدية لانشاء اتحاد عام للمعوقين الفلسطينيين في لبنان، تلك المحاولة كانت رائدة في طليعة بداياتها لكن مصالح ذاتية لبعض القيمين عليها غلبت عى مصالح المعوقين الذين كان لهم الفضل في بداية الفكرة، وهكذا اجهضت المحاولة في مرحلة التكوين، وذلك موضوع آخر .
فقد تشكلت هيئة الاعاقة الفلسطينية منذ حوالي ثماني سنوات بعد افشال محاولة تأسيس الاتحاد، وتضم الان الهيئة الموقرة 18 مؤسسة، وربما بعض المؤسسات على الطريق، هذه المؤسسات التي تعمل داخل المجتمع الفلسطيني وجدت انه من الافضل، لها، وللمعوقين، توحيد الجهود لتخفيف العبء المالي وتحقيق اكبر قدر من الافادة.
وتعتبر هيئة الاعاقة نفسها الجسم الممثل لـتلك المؤسسات والجمعيات حيث تعمل كمظلة غير سياسية لها في اماكن تواجدها، وعملها في المخيمات، والتجمعات المتواجدة على كامل الاراضي اللبنانية، وتحصل على جزء من تمويل مشاريعها من العديد من الهيئات، والمؤسسات الدولية، والسفارات، والمستشاريات الاوروبية المانحة، وكان اخر مشروع تعمل عليه هذه الهيئة ، ومشروع الدمج المدرسي، والذي تستمر مدته ما بين ثلاث سنوات، واربع سنوات حيث بدئ بهذا المشروع عن طريق اقامة ندوات، ومحاضرات، ودورات تدريبية للكادر القيم على المشروع ميدانيا، وللمدرسين، وتجتمع هذه الهيئة مرة كل شهر ولديها نظام داخلي اتفق عليه، ولهذه الهيئة لجان مناطقية تتابع امورها بالتنسيق مع المؤسسات المعنية، وتستقبل الوفود الزائرة، والاخرى الداعمة للانشطة، وللمشاريع المقدمة من شتى المؤسسات، وتنسق الهيئة مع الجهات، والهيئات التالية :
1- الاونروا
2- جمعية المساعدات الشعبية النروجية
3- جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني
4- منظمة التحرير الفلسطينية .
5 – مؤسسة التعاون .
و تسعى الهيئة الى التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية في السلطة الوطنية الفلسطينية ، كما تسعى الى الاستحصال على تمويل من عدة هيئات و مؤسسات و جهات و سفارات دول مانحة . من جهة اخرى فقد قامت هيئة الاعاقة سنة 1997 بإحصائية من اجل الوقوف على العدد الحقيقي للمعوقين الفلسطينيين في لبنان ، حيث وصل العدد الى ما يقارب الـ 3430 معوق و معوقة نهاية العام 2000 ، و هناك كثير من الاعاقات لا تستطيع الهيئة ان تضعها داخل برنامجها لاسباب عديدة اذ ان هناك صعوبة كبيرة في تحديد الناس المصابين بأمراض نفسية ، و اعتبر الكثير منهم غير معوقين . وسنة 2001 حصل عرض حول إحصائية 1997 نتج بعده اعتماد البطاقة الخاصة بالمعوق الفلسطيني الذي يستفيد على اساسه من العلاجات و تقديم الخدمات اللازمة له من المؤسسات المعنية ، و ما زال العمل بالبطاقة ساريا حتى الان .
ماذا حصل للمعوقين الفلسطينيين في لبنان حتى الان ؟؟؟
هناك شراكة ما بين الأنروا وجمعية المساعدات الشعبية النرويجية ومنظمة التحرير الفلسطينية في تقديم الكثير من العلاجات والخدمات الصحية للمعوقين اضافة الى الخدمة المجانية التي تنفرد بتقديمها منظمة التحرير الفلسطينية شهريا حيث تقدم الحفاضات للمعوقين لكافة الأعمار وفي كل لبنان حيث وصلت المساعدات الى اكثر من 2000 دولار للحفاضات وحدها عدا عن المساعدات المالية والعينية المقدمة أيضاً من قبل المنظمة للعشرات من المعوقين الفلسطينين في لبنان بمجالات عديدة و متنوعة .
و حين كنت احاول المشاركة في انجاز قاموس يتعلق بالمعوقين الذين يعانون من اعاقة عقلية ، والتي قامت به منظمة الصحة العالمية ،صادفت عشرات من الاهالي في عدة مخيمات و تحدثوا معي عن معاناة ابنائهم و بناتهم المعوقين و اهمال ذوو الشأن تجاههم او على الاقل التقصير الموجود من قبل المعنيين ، ، اذ قالت احداهن ( م. ح. ) و هي شابة معوقة "نطلب ان يتذكر العالم المعاقين وان يعترفوا اكثر بحقوقهم وان يعرفوا جيدا ما هو المعوق وما هي حاجاته ليس من ناحية انسانية بحتة بل من نواحي الحقوق والواجبات ". اما ع. م. بدوره أجابنا وهو يحاول رفع رجله التي يصارع ظلم الحياة بقيادته سيارة اجرة من اجل ان يعتاش هو و عائلته "انه لا يعم انه يوجد يوم للاهتمام بالمعوقين و لكنه اكد على الاحتياجات الخاصة التي يحتاجها المعوقون، لكن بكل اسف فإن المؤسسات العاملة في هذا المجال لم تستطع تلبية كافة احتياجات المعوقين ولم يحاولوا الاتصال به على الاقل من اجل سؤاله عن حاجاته و ظروف معيشته ..." فالمعوق بوجهة نظره "لا يحتاج فقط الى جهاز داعم او الى عكاز او كرسي متحرك او سماعة او ... بل يحتاج الى تأهيل وتشغيل ودمج بالمجتمع ورعاية صحية ومهنية وتربوية كي يتحول من البطالة الى ان يكون مصدر عون و طاقة بحد ذاتها ...و الى دينامو عمل منتجة وفعالة ".
و توجه ع. م. بـرسالة الى الدولة اللبنانية التي ترعى المعوقين اللبنانيين فطالب بـ " حقوق مدنية واجتماعية لنأخذ دورنا في المجتمع ..." و تنفيذا للوعود التي قطعا الوزراء حين جاؤوا لزيارة المخيمات و بان يتم رعاية الفلسطيني و خصوصا من لديهم حاجات خاصة " منوها الى ان ضرورة اهتمام المؤسسات المانحة " بدعم مشاريع انتاجية خاصة بالمعوقين كي يأخذوا دورهم مع باقي افراد شعبنا الفلسطيني ، ولا ان يتكلوا على مؤسسات تتجار بالناس وخصوصا المعوقين وهم كثر...".
اما م . ب. الذي اعاقته بسبب رصاصة طائشة خلال حرب بائسة في مخيم عين الحلوة فكان قد قال لنا في حديث سابق "ان لدينا الكثير من المطالب نرفعها الى المعنيين في هذا اليوم مثل الادوية الطبية والعمليات الجراحية والاستشفاء الكافل والادوية". واثنت على كلامه غ. ج. التي غصت الدمعة من عيونها وهي التي تعيش لوحدها في منزلها ولا من يسال عنها ، فقد أشارت الى حاجة البيوت الى تأهيل هندسي وصحي كي يتناسب مع المعوق فالبيوت في اكثريتها حماماتها غير مجهزة اضافة الى المعوقات الهندسية الاخرى . حتى بالتنقلات العامة "الباصات غير مجهزة لنا و كابينات التلفونات عالية في كثير من اماكن تواجدها و صعب على المعوق الاستفادة منها ، و كثير من المباني لا يوجد فيها مصاعد و هذه مشكلة كبيرة ".
بدوره و.م. ، و هو معوق ترك المدرسة بسن السادسة بسبب عدم تأمين مستلزمات الدمج له في مدارس الاونروا وعدم الاهتمام به من قبل مؤسسات الاعاقة التي لم يكن لديها برامج دامجة بعد لكنها حاولت العمل على تهيأته لمهنة تقيه خطر الرمي بالشارع ، طلب من المسؤولين " ان يكون الاهتمام اكثر بالعوق واعتباره انسانا كباقي البشرلا ان ينظر اليه وكأنه عجيبة من عجائب الدنيا و يهمل من قبل الناس..." .
من جهتها كانت قد اعتبرت اميرة الحاج ، في مقابلة سابقة معها ،ان هذا يوم كي يتذكرنا الناس وتمنت " ان تشعر معنا المؤسسات وتؤهل المعوقين كي يكونوا منتجين لا ان يبقوا عالة على اهلهم ومجتمعهم " . ايضا كان فادي طه قد افادنا سابقا بحديث شيق و مثمر قائلا" نحن منتجون ولسنا عالة ، فكل انسان لديه اعاقة لكنها نسبية، ونحن مثل بقية الناس لدينا فكرنا وقدرتنا على العمل. نتمنى ان لا يتم استثناءنا من قانون حق العمل في المؤسسات مثلنا مثل المعوقين اللبنانيين بحكم وجودنا في لبنان..." . وطلب طه من هيئة الاعاقة "ان ييسروا امورنا ويدعمونا بأخذ دورنا في المجتمع...".
من جهة اخرى اعتبر السيد قاسم الصباح المنسق العام لهيئة الاعاقة الفلسطينية في تصريح سابق خاص لنا ادلى به في يوم الاعاقة العالمي "ان هذا اليوم هو مناسبة عالمية لتذكير العالم بأن عشرات الملايين يعانون من نوع من الاعاقة في مختلف انحاء العالم، وكجزء من تضامن الانسانية جمعاء من اجل حياة افضل، فعلى القادرين من الدول والاشخاص والمؤسسات الى ملايين الاشخاص من المعوقين ويحاولون ان يساعدوهم من اجل العيش بكرامة ومن اجل التعبير عن انفسهم وفتح مجالهن في المشاركة في الحياة العامة، وتحسين ظروف حياتهم الخاصة". وعلى المستوى الفلسطيني في لبنان اكد صباح "ان شعبنا الفلسطيني من اكثر الشعوب التي من اكثر الشعوب التي عانت من الاعاقات على مستوى الاشخاص وعلى المستوى الوطني والسياسي منذ استلاب الوطن العزيز فلسطين وخلال مسيرة النضال الطويلة سقط الكثير من الشهداء والجرحى والذين بقي العديد منهم يعانون من اعاقات مزمنة...". و اضاف " ان هذه مناسبة هي للفت نظر العالم بأن الحروب وعدم ايجاد حلول للشعوب المستلبة والمظلومة التي تضطر في النهاية الى القول والتذكير بأن هذه الشعوب السلام والعدل لن يتحقق الا بارجاع الحق الى حقه والا سيستمر سقوط الشهداء والجرحى والمعوقين وحتى تحرير فلسطين".
اما فيما يتعلق بالحقوق المدنية للمعوقين الفلسطينيين فأعتبر الصباح على "انها الحقوق العامة المدنية للفلسطينيين عموما ولا نستطيع ان نعترف هذه عن تلك وان مجرد منح الحقوق المدنية للفلسطينيين عامة ستفتح المجال للمعوقين الفلسطينيين بأن يحصلوا بعض حقوقهم ونترك للمؤسسات الدولية والفلسطينية مساعدة هؤلاء المعوقين للتعبير عن انفسهم والعيش بكرامة. ولم ينس السيد قاسم الصباح بان يعتبر "بان اليوم العالمي للمعوق هو مناسبة للتذكير لا أكثر حيث ان آلاف الشباب الفلسطيني سقطوا في النضال وسقطوا في الانتفاضات المتواصلة في فلسطين" ، وأكد ان الاعاقة من اجل فلسطين هي اكبر شيء ممكن ان يحققه انسان.
ن .خ . ، ناشطة في المجال الاجتماعي ، دعت الى الاهتمام اكثر بالمعوقين والى التوضيح للناس عن ماهية الاعاقات وعن الاهتمام بالمعاق اينما وجد وحيثما كان. والى التفكير اكثر بالانسان المعاق الذي يجب ان لا يقل بحقوقه عن الانسان غير المعاق، وممكن ان يكون هناك بصيص امل او حل من قبل اولئك الذين يتعرفوا من جديد على انواع الاعاقات " . اما ر ه و هي متطوعة سابقة في مؤسسة تهتم بالاعاقة فقد توجهت لهيئة الاعاقة الفلسطينية بالاهتمام اكثر بمؤسسات الاعاقة و بالمعوقين الفلسطينيين و خصوصا ما يتعلق بالتعليم و الصحة و تأهيل المنازل ... وخصوصا طلب الاهل افتتاح مراكز مهنية للشباب المعوقين كي لا يبقوا في الشارع بعد ان ينتهي برنامج الدمج او برامج التعليم في مدارس مختصة ..."
اما ض. ع. ، و هي مربية مختصة تعمل في مدرسة تهتم بالمعوقين ، فقد طالبت "المنظمة والهيئات المحلية واللجان الشعبية والاونروا الذين هم ركيزتنا وبدونهم ليس لنا وجود ان يدعموا المؤسسات الاهلية و المعوقين واهاليهم في كافة المجالات وتلبية حاجات المعوق وترميم بيوتهم وراحتهم وتأمين كل حقوقات حياتهم من ماء وكهرباء وطرقات وتعليم ومصاعد لسكان البنايات المتواجدين خارج المخيمات. ... ".
ماذا يقول الاهالي ؟
ام فادي ا . تعاني من مشكلة اذ لا يساعدها احد في حلها حتى الان فابنها لا يوجد من يستوعبه رغم المراجعات العديدة لمؤسسات الاعاقة بعد ان تجاوز عمره الخمسة عشر ربيعا . ( فهو يحتاج الى تأهيل مهني ) ، والدة الصبية ل. خ . ، التي لديها اعاقة شلل اطفال و اعاقة بصرية ، وهي تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها ، و لا تدري ما هو مستقبل ابنتها المهني اذ لا مجال لاي مركز مهني يستقبلها حتى الان ، و لا ترغب بان تمارس مهنة حياكة القش لانه ادنى بكثير من طموحاتها كما تسر بالقول لوالدتها ، و ترغب بتعلم الكومبيوتر و العمل به و لكن حتى الان لا يوجد اي برنامج في اي مؤسسة يمكن ان يلامس طموحاتها . اما والد الطفل احمد ق . ، و الذي يتشوق لان يرى ابنه قد تعلم و لو قليلا من العلم فابنه يعاني من اعاقة عقلية جعلت الاطفال يسخرون منه لدرجة الذل و الهوان ، فلم يعد يتجرأ ان يرسله لاي مدرسة ولا لاي مركز و ذلك لعدم ثقته بمراكز التعليم من جهة و لخوفه على البقية المتبقية من عقل ابنه من جهة اخرى (...) ، ايضا والدة الطفل محمد خ. اكدت ان ولدها يمكن ان يستطيع العيش حياة عادية لو تأمن له بعض العلاجات الفيزيائية مع عملية شد عصب ليديه و رجليه و هذا ما لم يحصل حتى الآن . هذه امثلة قليلة من كثير ممن رموا او اوشك رميهم في شوارع و ازقة المخيمات في ظل " مظلة " تظلل ما تظلله من مؤسسات مختصة .
• الدمج الى اين ؟
من النواحي العملية ، و بما ان الدمج هو موضوع تربوي فيلزمه كادر متخصص من جميع جوانب القضية اذ لا يمكن ان يتابع امور تربوية من ليس له علاقة بالعلم او بالتربية ، و لا يمكن ان يتابع امور المنشآت من ليس ملما بامور الهندسة او على الاقل البناء المعماري ، اكثر من ذلك نستطيع القول و بصراحة كاملة و رؤية واضحة وضوح الشمس ان الدمج التربوي السليم لا يستقيم الا بكادر متعلم و متخصص الى حد ما فكما اننا نلوم الروضات و مدارس الاونروا و نتصدى لها اذا ما قصرت بتأهيل المربين و المربيات و الكادر الاداري و التربوي فمن حقنا ان نلوم و نعاتب المؤسسات العاملة في مجال الاعاقة دونما استثناء اذا ما قصرت كذلك ، لانها الامينة على الاطفال المعوقين خصوصا و على حقوق المعوقين بوجه عام .
لذا فان المعوق ، المزمع دمجه او المدموج حاليا في اي روضة او مدرسة ، من حقه ان يكون مربيه و مشرفه و متابعه التنسيقي و الميداني متعلما و مثقفا و على درجة عالية من الاهتمام فالقضية ليست وظيفية فقط بل هي وظيفية و مهنية و امانة و رسالة و تربية و تعليم ، فمن الافضل ان يكون التعاطي على اساس الخلفية التربوية و المستوى الثقافي بعيدا عن المغالطات و المزايدات و المصالح الذاتية التي لا تخدم سوى الشخص نفسه و من لف لفه ، فكم من دامج ليس له من الدمج سوى الاسم ؟ فهل من العدل ان تتابع امور مربيات ومربين في روضات الاطفال و مدارس المخيمات و التجمعات الفلسطينية ويكون المتابع عينه ( هو او هي ) ، في مستواه / ها التعليمي او التربوي ، اقل بكثير من مستوى حارس تلك الروضة او المدرسة مع الاحترام و التقدير لمستويات الناس جميعا و لكن اليس لكل مقال مقام فـ ( هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ؟ ) . هل بتلبيس الطرابيش يستفيد الطفل من الدمج ؟ هل ستكون رسالتنا التربوية قد وصلت حين نزاوج ما بين الجهل و المعرفة ؟ هل نغامر بصف كامل في مدرسة او روضة من اجل خاطر مدرس جاهل او حتى مدرب ذو مستوى ضعيف جدا ؟ بل هل عملنا على تنفيذ توصيات مربيات الاطفال التي رفعت للمؤسسات العاملة على الدمج من خلال ورش العمل ام اننا لا نقرأ ، و اذا قرأنا لا نفهم ، و اذا فهمنا لا نطبق ؟ الا نريد ان نجعل الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مثل الاطفال العاديين غير المعوقين ؟ كيف ذلك ؟ هل بالمصالح ام بالمواقف ؟ هذه التساؤلات و المخاوف برسم كل من يعنيه الامر ومهتم بمشروع الدمج خصوصا .
لكن وعلى المستوى العملي فإن الانجازات المتواضعة ، وحسب ما لخصها رئيس الهيئة السيد قاسم الصباح في رسالته الى الهانديكاب انترناشيونال ، و انصافا للحقيقة نستطيع ايجازها بما يلي :
- إنجاز مشروع إحصاء المعوقين الفلسطينيين في لبنان والمستمر منذ 1997 .
- إيجاد جهاز رقابي على أداء العاملين لتحقيق مستوى لائق من طرف التعامل مع المعوقين.
- خلق مجموعات من المعوقين انفسهم للعمل على تأمين حقوقهم.
- تبادل الخبرات في مجالات التأهيل والتمويل.
- إيجاد برنامج تمويل مشترك لبعض الاحتياجات الاساسية للمعوقين.
- خلق مرجعية عامة يعود إليها المهتمون بالاعاقة على المستوى الفلسطيني. وإيجاد أنظمة داخلية واليات تحكم عمل الهيئة والعلاقات بين أعضائها والمحيط.
- إنجاز بعض المشاريع المشتركة وخصوصاً في مجالات التدريب والدمج.
ان الدعم المطلوب حسب ما يرغب به الصباح هو " العمل على عزل حركة الاعاقة عن النزاعات السياسية والتجاذبات التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، والعمل على تحقيق اعتراف ما بحق اللاجئيين الفلسطينيين بالحياة الكريمة والتمتع بالحقوق المدنية وحق العودة لان العلاقة الموجودة بين العاملين في مجال الاعاقة وصلت الى تطور مهم في ظل الهيئة والاعتراف بها كمرجعية فلسطينية في مجال الاعاقة ..." ، ولا ندري اذا كانت الإستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقات المتبعة في لبنان تشمل المعوقين الفلسطينيين ام بحاجة الى تحريك من خلال استراتيجيات مؤسسات الاعاقة الفلسطينية في لبنان ، او مؤسسات خدماتية اخرى ، ام اننا بحاجة الى ان نرفع الصوت عاليا من اجل ان يستشعر المعنيين بحقوق المعوق المهدورة لاكثر من 4000 معوق و معوقة فلسطينيين موجودين في لبنان يشكلوا شريحة لا تقل اهمية عن اي من شرائح المجتمع الفلسطيني الذي يعاني الامرين جراء حرمانه من حقوقه المدنية و الاجتماعية و السياسية ، ام اننا كمجتمع فلسطيني يجب ان نبحث عن شريك استراتيجي بديل عن الذي تمثله بعض الجمعيات والهيئات الاجتماعية العاملة في مجال الإعاقات . وان يتم إقامة هيئة تنسيق رقابية لمأسسسة عمل هذا الشريك ليساهم في مزيد من المشاركة الأهلية كي لا يقع المعوق الفلسطيني ضحية من جديد بين الضباع و الضياع ، كما عبر لي احد الزملاء الذين حاولوا صناعة وابداع افكار هامة تتعلق بتطوير حياة المعوقين الفلسطينيين و تم التأمر عليهم جميعا وابعدوا عن برنامج تأهيلي معين له علاقة بالاعاقة و بالمعوقين ، و بالتالي فان الدعم الحقيقي هو الدعم المباشر لللمعوق الفلسطيني نفسه في اخذ دوره الحياتي في المخيم و التجمع ، في الروضة و المدرسة و الجامعة و المهنية ، و في كل مكان و من لديه الجرأة فليعمل عملا صالحا بعيدا عن المحسوبيات و التجاذبات الرخيصة التي يذهب ضحيتها اولا وآخرا المعوق الفلسطيني ، و هذا ما اكدته مؤسسة حقوقية فلسطينية بعد ما لمسته في معاناة المعوقين الفلسطينيين في نهر البارد .
* كاتب و باحث فلسطيني مقيم في لبنان
الخميس، نوفمبر 29، 2007
الاتحاد العام لطلبة فلسطين دور وطني بحاجة الى تفعيل
رضوان عبد الله
• مقدمة
ان المرحلة النضالية الراهنة التي يخوضها الشعب الفلسطيني، هي استكمال لمرحلة التحرر الوطني التي بدأت مع بدايات الخمسينيات من القرن الماضي و ذلك مع بدايات الوعي الفكري و الثقافي الفلسطيني المتمثل بالنهضة الطلابية الفلسطينية التي كان على رأسها الشهداء القادة ابو عمار و ابو جهاد و ابو الهول و ابو اياد و فيصل الحسيني و وعلي ابو طوق وبشير البرغوثي و معهم عشرات من الكوادر و القادة الاحياء ، الكثر بالكم و النوعية ، امد الله بعمرهم . تلك النهضة التي اثمرت حركة طلابية فلسطينية عريقة و ولدت الظاهرة النقابية الفلسطينية الفريدة من نوعها في العالمين العربي و الاسلامي كأول مؤسسة فلسطينية تقوم على حق الانتخاب جاءت ايضا اول رد عملي على تقسيم فلسطين ، تلك الظاهرة هي الاتحاد العام لطلبة فلسطين ، و كان اول رئيس له الاخ القائد الرمز الشهيد الرئيس ابو عمار .
وفي هذه المرحلة ايضا تتداخل وتتكامل المهمات الوطنية مع المهمات الديمقراطية والاجتماعية لذا فإن التناقض الرئيسي في هذه المرحلة هو بين الشعب الفلسطيني بكافة طبقاته وفئاته الاجتماعية و شرائحه وبين الاحتلال الإسرائيلي بعنصريته الكاملة ، و هكذا فان النضال من أجل تحقيق أهداف شعبنا الوطنية يكمن في احقاق حقوقنا الوطنية و على رأسها حق كل فرد من افراد شعبنا بانجاز العودة وتقرير المصير و إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
و إن قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، على جزء من الارض الفلسطينية ، رغم تدمير كافة معالمها من قبل الاحتلال الاسرائيلي بما فيها مقرات الاجهزة الامنية و مطار غزة و المباني الحكومية الخ ... و رغم الانقلاب الذي ارتكبت حماقته حركة حماس و اجهزتها الظلامية الاجرامية ، رغم كل ذلك فان قيام السلطة الوطنية على اراضي فلسطينية قد أحدث تحولا نوعيا في مجرى قضية النضال الديمقراطي والاجتماعي والاقتصادي منذ اعلان الاستقلال الذي اقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 في دورته التي عقدت في الجزائر ، و ذلك من خلال المسؤوليات المباشرة التي تتحملها السلطة الوطنية الفلسطينية ، تجاه جماهيرنا داخل الوطن ، استنادا للثوابت الوطنية الفلسطينية بمرجعيتها الشرعية و الوحيدة الا وهي منظمة التحرير الفلسطينية. و إن ما تتميز به المرحلة الراهنة من التداخل الجدلي العميق بين المهمات الوطنية والمهمات الديمقراطية والاجتماعية بات يتطلب تحديدا دقيقا للمهام على الصعيد الوطني العام، مستندا في تحقيقها على الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه بكافة طبقات وفئاته الاجتماعية وفصائله وأحزابه وقواه السياسية والاجتماعية، كما يتطلب أيضا تحديدا دقيقا للمهمات الديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية، مستندا في تحقيقها على أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية وعلى أساس احترامها للديمقراطية والتعددية السياسية، والحقوق الأساسية وتطبيق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تكفل الحياة الكريمة للمواطنين، وتمسكها بالبرنامج الوطني بأهدافه المتمثلة في حق العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
وهكذا كان ، فقد لعب الطلاب الفلسطينييون دورا بارزا في الحركة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيسها فكان الاتحاد العام لطلبة فلسطين أحد أول وأهم المؤسسات الوطنية والنقابية التي تأسست في الخمسينات من القرن العشرين. ولم يكن الاهتمام بالقضايا الطلابية المعروفة الدافع الرئيس من وراء إنشاء الاتحاد ، فقد كان الهدف هو تجميع شباب وطلاب فلسطين في شكل من أجل الحفاظ على هويتهم الوطنية والقومية والمساهمة العملية في النظال من أجل تحرير فلسطين. لذا فإن جل نشاطه انصب على العمل الوطني الفلسطيني والمساهمة في الثورة الفلسطينية. واصبح الاتحاد فيها بعد ممثلا للشباب الفلسطيني في المحافل الدولية والعربية وكانت فروع الاتحاد المنتشرة في إنحاء من العالم تقوم بنشاط على محاور عدة لدعم القضية الفلسطينية.
• الصراع الحزبي على الحركة الطلابية الفلسطينية
وقد شكل إنشاء الاتحاد العام لطلبة فلسطين مبادرة شبابية على درجة عالية من حمل المسؤولية الوطنية والاجتماعية للحفاظ على الشباب الفلسطيني وهويتهم الوطنية والثقافية ولامساهمة في لعب دور فاعل على الصعيد الوطني والسياسي إضافة الى الجوانب الاخرى، وهو فعلا شكل من أشكال العمل النقابي الرائد في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.
فقد كانت الجمعات والكليات الفلسطينية في الاراضي المحتلة مسرحاً لنشاط وطني واجتماعي بدأ يبرز منذ أواخر السبعينات. ولم تكن الجامعات والكليات مجرد أماكن للدراسة بل انها كانت خلية من النشاط والحركة، فعدا على تنظيم الفعاليات الوطنية والمظاهرات ضد الاحتلال الاسرائيلي، فقد قامت الاطر الطلابية ومجالس الطلبية بتنظيم المهرجات الفنية والتراثية السنوية والفصلية وتنظيم العمل التطوعي في قطف الزيتون وكذلك إقامة المعارض الفنية والتراثية الفلسطينية.
الى ذلك، ثمة نشاط سياسي فلسطيني في الخارج، حيث دأب الطلاب الفلسطينيون على اصدار الصحف، وتنظيم علاقات وطنية بالاحزاب العربية، من اجل قضية بلادهم الوطنية، اذ أن نكبة 1948 الفلسطينية أحدثت تغييرات ملحوظة في المشهد، من بينهما تدمير البنية السياسية الفلسطينية، وتدفق الفلسطينيين الى مصر ولبنان وسوريا والاردن اضافة الى قطاع غزة والضفة الغربية. ومن المعروف بأنه قد ننجح القسم الانشط من التجمع الشيوعي في الضفة في تأسيس رابطة في الوسط الطلابي الفلسطيني وفي مصر نجح الماركسيون ايضا حيث ترأس الطالب في كلية الطب، ابن صفد نديم نحوي في تأسيس عصبة طلابية. ومع مرور الوقت، نجح "حزب البعث" في الضفة الغربية في تأسيس فرع له في الوسط نفسه، وتبعته "حركة القوميين العرب" في الاتجاه نفسه. اما الاخوان المسلمون فتضافروا من قطاع غزة ومصر، فكان فرعهم في الوسط الطلابي الفلسطيني الاكثر عدداً، حتى سنة 1957.
اما الهيئة العربية العليا، وحكومة عموم فلسطين فقدتا مبرر وجودهما. واكتفتا باليافطة، لذا كان طبيعياً ان يتركز النشاط السياسي الفلسطيني هنا في "رابطة الطلبة الفلسطينيون"، التي غدت بمثابة مدرسة كادر لتخريج القيادات السياسية اللاحقة. فكان الرئيس ياسر عرفات، أول رئيس لهذه الرابطة (1950-1956)، وأيضا الشهيد صلاح خلف (ابو اياد)، الذي كان نائبا للرئيس ياسر عرفات، وخلفه في رئاسة الرابطة سنة 1956، فضلا عن السيد فاروق القدومي ابو اللطف، و الشهيد خليل الوزير ( ابو جهاد ) الذي كان سكرتيراً عاماً لرابطة الطلاب الفلسطينين في غزة، و الشهيد فيصل الحسيني الذي انضم عام 1959 الى حركة القوميين العرب، ورابطة الطلبة الفلسطينيين التي تحولت في نفس العام الى الى الاتحاد العام لطلبة فلسطين، والشهيد هايل عبد الحميد ( ابو الهول ) والشهيد بشير البرغوثي ونشطاء آخرين من بينهم السيد تيسير قبعة.
• إرهاصات تشكيل الاتحاد
مما تقدم يمكن فهم الصراع الحزبي الذي احتدم من اجل الاستحواذ على قيادة "رابطة الطلبة" ومن بعدها "الاتحاد". ومعروف بأن "الاتحاد العام لطلبة فلسطين"، اتخذ من القاهرة مقراً له، منذ قام سنة 1959، بعد اتحاد الروابط الطلابية الفلسطينية في مصر وسوريا ولبنان وغيرها من الاقطار العربية والاجنبية.
منذ سنة 1957ـ بدأت الحكومة المصرية تتدخل ، باطراد، في أمر تشكيل قيادة " الرابطة" ومن بعدها "الاتحاد"، فيحن كان النظام المصري راضيا عن "البعث" – جانب عوامل اخرى – تولى اعضاء من "البعث" رئاسة الاتحاد، وكانت لهم الاغلبية في هيئتة التنفيذية. حتى اذا ما اصطدم النظام الناصري بالبعثيين، صيف 1963، نقل دعمه الى "حركة القوميين العرب"، حتى اواسط الستينيات، حيث انتقل بدعمة الى طلبة "الطليعة العربية"، الموالية لعبد الناصر. مما قلل من الوزن السياسي لهذا الاتحاد، الامر الذي تعزز بعد قيام منظمة التحرير في اواسط السيتنات، بمؤسساتها السياسية والثقافية والعسكرية فضلا عن تنظيمها الشعبي.
الى جانب "الرابطة" تاسس في القاهرة "النادي الفلسطيني العربي" سنة 1953،ومن عام 1957 انتقل مقر النادي الى مصر الجديدة، ثم عاد الى وسط القاهرة، عام 1960، وبقي هناك حتى سنة 1964 وفي موازاته تأسس "النادي الفلسطيني العربي"، في الاسكندرية، عدا فرعان للنادي في مدينتي العريش وبور سعيد وقد استهدفت هذه النوادي تعزيز الروابط بين الفلسطينيين المقيمين في مصر، ونشر الوعي السياسي بينهم، وتبني مشاكلهم الاجتماعية والثقافية.
تعود أصول الحركة الطلابية الفلسطينية ما بعد النكبة الى 29/11/1959 تاريخ تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين حيث اقره المؤتمر لاعام الذي عقد في القاهرة للروابط الطلابية الفلسطينية التي جاءت من غزة ودمشق وبيروت و الاسكندرية كذلك رابطة طلبة القاهرة. ففي تشرين ثاني عام 1959 قرر الطلبة المجتمعون في المؤتمر التأسيسي في القهرة بتأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين كـ "منظمة طلابية ديموقراطية تمثل طلبة فلسطين في جميع انحاء العالم"، إيماناً "بالدور الطليعي لاذي يجب على الطالب ان يقوم به في نضال شعبه"، حسب ما ورد في دستور الاتحاد، وذلك تحت تأثير الوعي الجماهيري، والذي اطلق بدوره مسيرة النضال الفلسطينية و حصل على عضوية دائمة في الجامعة العربية كأول مؤسسة فلسطينية بعد النكبة تقوم على حق الانتخاب.
• قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية
منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، صيف 1964، ازداد النشاط العلني الفلسطيني في مصر الى ما بعد حرب 1967. ونشط مكتباها في القاهرة والاسكندرية، عدا مقر اللجنة التنفيذية للمنظمة في العاصمة المصرية، حيث سمحت السلطات المصرية، بعد هذه الحرب وصعود المنظمات الفدائية لحركة "فتح" بالنشاط العلني في مصر، فافتتحت الحرة عدة مكاتب، غالبيتها في القاهرة، فيما اعتبرت قيادة اتحاد الطلاب "ان الاتحاد قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية" ، و ليس كما هو حاصل اليوم من تحويل الاتحاد الى بؤر للصراع على انجازاته و مكتسباته المهمة التي يحاول السيطرة عليها المتسلقون ممن يسمونهم كوادر او قيادات منظماتية رغم ان تلك المكتسبات كانت قد احرزت خلال الست و خمسين عاما المنصرمة بهمة و كفاح الطلبة و القيادة الفلسطينية و على رأسها القيادة الفتحوية التي اخذت على عاتقها حماية الاتحاد من اي انقسام او تجزأة .
• تعزيز دور الاتحادات
و قد عزز المجلس الوطني في دورته الحادية عشرة التي عقدت في القاهرة 6-10/ كانون ثاني 1973 دور التنظيمات الشعبية والنقابات والاتحادات حيث اكد على:-
- ضرورة زيادة تمثيل الاتحادات الشعربية والنقابات في المجلس الوطني الفلسطيني واي مجلس سيط بينة وبين اللجنة التنفيذية.
- ضرورة مشاركة الاتحادات والنقابات ذات الاختصاص في المؤتمرات والوفود التي تشارك فيها منظمة التحرير.
- على منظمة التحرير الفلسطينية تقديم كافة الامكانيات لتسهيل عمل المنظمات الشعبية والنقابات عن طريق دائرة التنظيم الشعبي ومكاتب المنظمة ومن خلال الامانات العامة فقط دون إخلال بأنظمة الاتحاد ولوائحها الداخلية.
- تقوم المنظمات الشعبية والنقابية بالتشاور مع اللجنة التنفيذية ودائرة التنظيم الشعبي ببحث كافة الوسائل التي تمكن الاتحادات الشعبية والنقابات من اجراء اتصالات مع القطاعات الشعبية داخل الارض المحتلة لاستكمال بناء المنظمات الشعبية والنقابية للنضال ضد مشاريع الاستيعاب والاستيطان الاسرائيلي.
و قد تم دعم العمل النقابي الفلسطيني من قبل منظمة التحرير الفلسطينية من خلال ما اقره المجلس الوطني الفلسطيني ، في نفس الدورة ، بتوصيات لدعم العمل النقابي الفلسطيني من خلال لجنة التنظيم الشعبي كان اهمها :
1. التنظيمات الشعبية والنقابية الفلسطينية هي بناء ديمقراطي شعبي تنظيمي يقوم على اساسا المهنة او المجنس او العمر. وهي تنظيمات نضالية مهمتها تنظيمية انتاجية تشارك في النضال السياسي لإبراز الكيان النضالي وتعمل على تحقيق الوحدة الوطنية.
2. التنظيمات الشعبية والنقابية هي أطر لتعبئة وتنظيم قطاعات الشعب الفلسطيني وربطها في المجرى العام لحركة النضال الوطني المتمثل في الثورة الفلسطينية المسلحة.
3. تلتزم التنظيمات الشعبية والنقابية الفلسطينية تشكل بطريق ديمقراطي من القاعدة.
4. تطوير واستنباط الاشكال والبنيات التنظيمية للمنظمات الشعبية والنقابات من خلال مؤتمراتها وأطرها التنظيمية بما يخدم المنطلقات السابقة الذكر.
5. المنظمات الشعبية والنقابات قوى مراقبة وضاغطة على القيادة السياسية للثورة الفلسطينية.
6. التأكيد على حق المنظمات الشعبية والنقابية في تسمية ممثليها الى المؤتمرات والهيئات القيادية في منظمة التحرير كافة.
7. جعل المعونات التي تقرر للمنظمات الشعبية والنقابية الى معونات ثابتة تدفع بشكل دوري دون ربطها بقرارات مسبقة من اللجنة التنفيذية.
8. ضرورة ان تعمل منظمة التحرير الفلسطينية على زيادة قبول الطلبة الفلسطينيين في الجامعات العربية بعد ان خفضت الدول العربية قبولهم في جامعاتها بنسبة كبيرة بعد سنة 1970. على أن يكون قبولهم عن طريق دائرة التعليم في منظمة التحرير.
9. تتعاون الدائرة الثقافية في المنظمة مع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في اختيار البعثات الدراسية المقدمة من الدول الصديقة لمنظمة التحرير وأجهزتها.
و تم التجديد لمثل هذه الدعوة من قبل الدائرة السياسية للمنظمة ببيانها الصادر في تونس مع حلول الذكرى السابعة و الخمسين لنكبة فلسطين ، و بتاريخ 15/5/2005 حيث عقد لقاء بتونس في بمقر الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية بين الاخ ابو اللطف ، فاروق القدومي ، رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وزير خارجية دولة فلسطين ، و بين وفد من ممثلي بيان الجاليات الفلسطينية في الشتات و الذي اعلن يوم 15/12/2004 و ما تبعه من بيانات و لقاءات في 8/1/2005 الخ ... تم خلالها تبنـــي بيان الجاليــــات الفلسطينيـــة في الشتات و الاتفاق على:
1- تفعيل مؤسسات و هياكل منظمة التحرير الفلسطينية و الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني وفقا لمركبات القضية الفلسطينية .
2- التمسك بالثوابت و الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة و على راسها حق العودة للاجئين الفلسطينيين و ازالة الاحتلال و اقامة الدولة الفلسطينية و عاصمتها القدس .
3- الدعوة لعقد المجلس الوطني الفلسطيني باسرع وقت ممكن ، و قبل نهاية هذا العام و اشراك الجاليات في التشاور و الانتخابات له.
4- التأكيد على ان الجاليات الفلسطينية في الشتات و المهجر هي جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني الواحد و الداعم لصمود شعبنا .
5- الدعوة لعقد مؤتمر عام للجاليات الفلسطينية في الشتات في الربع الاخير من هذا العام وفقا لما تم الاتفاق عليه كحد ادنى .
طبعا فان تفعيل مؤسسات و هياكل المنظمة يعني تفعيل كافة الهياكل و من ضمنها الاتحاد العام لطلبة فلسطين بفروعه كلها.
• مقاومة الاحتلال
منذ اواسط السبعينات، بدأت تتشكل لجان العمل التطوعي في الاراضي الفلسطينية وكان لهذه اللجان دورا فاعلا نحو تعزيز العمل التطوعي كأحد أهم أشكال العمل المجتمعي، وربما شكلا من أشكال المقاومة والاثبات للاحتلال أن الشعب الفلسطيني متمسك بأرضه وثراه. وكانت تتركز أنشطة هذه اللجان في تنظيم فعاليات قطف الزيتون وحملات النظافة في المدن والقرى وزراعة الاشجار وتنظيم المعسكرات التطوعية الشبابية، وبدأت تتشكل من خلال هذا حلقة اتصال بين الشباب في الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل ما يسمى "بالخط الاخضر".
وفي فترة الانتفاضة الاولى (1987-1993) فقد بدأت الحياة الفلسطينية عموما تأخذ نمطا وتفكير جديدا. فلقد أدرك الجميع اولا أن الانتفاضة ستستمر الى فترة طويلة، لذا فقد بدأت تتشكل اللجان الشعبية المختلفة من أجل تنظيم فعاليات الانتفاضة من أعمال مواجهات وإصدار البيانات وغيرها. وكان الطلاب العنصر المحرك والقائد للانتفاضة في كافة أشكالها وتوجهاتها، وبدأت القيادة الموحدة والتي تضم جميع الاطر المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية في تشكيل اللجان المختلفة من اجل الاشراف المباشر على فعاليات الانتفاضة. واصبحت فيما يعرف بالقوات الضاربة احد اهم اذرع الانتفاضة. والقوات الضاربة هي القوة التنفيذية لفعاليات الانتفاضة وهي تتشكل اساسا بنسبة كبيرة من الطلاب. وباتت هذه القوات الجهة المحركة والموجهة لنشاط الشارع الفلسطيني على مدار فترة الانتفاضة، ولم يقتصر عملها على رشق الحجارة والمقاومة ضد الاحتلال، فقد قامت بمهمات اجتماعية متعددة تتعلق بالانتفاضة مثل توزيع المواد التموينية على الاسر المحتاجة وزيارة بيوت الشهداء وتقديم العزاء لهم وكذلك الجرحى والمصابين والمعتقلين. وقامت بتنظيم فعاليات الحراسة والتعليم الشعبي في القرن والمدن الفلسطينية في ظل استمرار الحصار ومنع التجول على القرى والمدن والبلديات والمخيمات الفلسطينية. وكذلك حل بعض المشاكل والخلافات بين افراد المجتمع. ومن هنا يمكن النظر الى دور جديد للطلاب في معالجة القضايا المجتمعية والتي نتجت في المجتمع. ومن هنا يمكن النظر الى دور جديد للطلاب في معالجة القضايا المجتمعية والتي نتجت بشكل مباشر عن الانتفاضة.
وبعد توقيع اتفاقية " اوسلو" بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية في العام 1993 ومن ثم إنشاء السلطة الفلسطينية، بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الشعب الفلسطيني الذي بدأ يملك وللمرة الاولى السيطرة على جزء من ارضه. وقد اعقب انشاء السلطة الفلسطينية انشاء الوزارات ومنها وزارة تعني بالشباب والرياضة و وزارة اخرى تعني بالتربية والتعليم و اخرى تعني بالثقافة. وقد بدأت تبلور لدى المنظمات الشبابية رؤية جديدة لعملها، ولا سيما تلك المنظمات التي تتبع لمنظمات سياسية وفصائل طنية. فقد أخذت تتحول الى شكل أخر من العمل الشبابي يتماشى مع الواقع الجديد ومرحلة بناء المجتمع المدني والدور المجتمعي الجديد للقطاعات المختلفة.
وقد بادرت هذه الاتحادات الى تأسيس مجلس الشباب الفلسطيني في العام 1998 ليكون مظلة تجمعها و نحو بلورة رؤية جديدة للعمل الشبابي في فلسطين. وقد برز من خلال عمل هذه المؤسسات والاتحادات الحاجة الملحة الى العمل بشكل مبرمج وممنهج من أجل صياغة خطط عملية لتطوير وتنمية قطاع الشباب في فلسطين. ومما لا شك فيه، ان هذه الخطط ستعالج بشكل شمولي الجوانب المختلفة من العمل الشبابي والعوامل التي تؤثر في تنمية الشباب وبالتالي تكون شكلا من المؤسسات الاجتماعية لتمكين وتعزيز دور السياسة ظلت هاجس الفلسطينيين، اينما حلوا، منذ النكبة، لذاغرقت المؤسسات النقابية ولاشعبية الفلسطينية في النشاط السياسي، على حساب الشأنين النقابي والمطلبي.
• بطاقة تعريف للاتحاد العام لطلبة فلسطين
- الإسم: الاتحاد العام لطلبة فلسطين
- تاريخ الميلاد: 29/11/1959
- الجنس: منظمة غير حكومية حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية حيث اعتبر نفسه قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية.
- الوزن: 46 فرع في دول عربية و اوروبية وعالمية مختلفة.
- المهنة: نقابة طلابية.
- العنوان: القدس مقره الدائم.
• هيئات الاتحاد العام لطلبة فلسطين
- الهيئة التنفيذية: عددها احدى عشر عضوا وتقود الاتحاد بمهامه المتعددة.
- المجلس الاداري: ويتألف من ثلاثة وثلاثين عضوا ويشرف على عمل الهيئة التنفيذية.
- الفروع: 46 فرع، ذو هيئات ادارةي موجهة ( من 7 الى 13 عضوا ).
- الوحدات: هيئات مصغرة تتشكل منها الفروع.
- الرئيس الشرفي: سلطة معنوية منتخب من المؤتمر.
- المؤتمر العام: هيئة عليا تجتمع بصورة غير دورية وحيتن تقتضي الضرورة. ( تم عقد عشر مؤتمرات كان آخرها في ايار 1990 في بغداد ).
• الخطوط العريضة للنشاطات
- الدفاع عن القطاع العام في التعليم.
- مساهمة الطلبة في النقاش السياسي الوطني.
- شؤون الشباب وخصوصاً الطلاب.
- الحقوق النقابية والاجتماعية للطلبة.
• الاتحاد العام لطلبة فلسطين عضوا في:
- اتحاد الشباب العربي.
- الاتحاد العام للطلبة العرب.
- الفيدرالية العالمية للشباب الديمقراطي.
- الاتحاد العالمي للطلبة.
خطوة لاعادة تجديد الحياة
بعد عودة القيادة الفلسطينية الى ارض الوطن ، و في خطوة حيوية باتجاه اعادة الحياة النقابية لاطره بادر الاتحاد العام لطلبة فلسطين بعقد دورته السابعة والثلاثين على ارض الوطن في مدينة غزة بحضور الرئيس الشهيد ابو عمار وعدد من اعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح واعضاء المجلس الثوري وجمهوري واسع من المسؤولين واعضاء الاتحاد وممثلي المنظمات الشعبية. وقد اكد المتحدثون على اهمية عقد هذه الدورات ودعوا الى باقي التنظيمات الشعبية لعمل ذلك على ارض الوطن.
كلمة الرئيس الشهيد ياسر عرفات كان قد القاها الطيب عبد الرحيم امين عام الرئاسة الفلسطينية حيث اكد ان الوضع الحالي يتطلب اعداد طلائع طلابية وتنظيمية تكون دائماً في حالة استنفار لمواجهة الهجمة الاستيطانية التي تشنها حكومة نتنياهو مؤكداً ان التعنت الاسرائيلي لا يواجه الا بالاستنفار.. واشاد بمبادرة الاتحاد العام لطلبة فلسطين بعقد الدورة السابعة والثلاثين له على ارض الوطن واعرب عن امله ان تقوم باقي التنظيمات الشعبية الفلسطينية بعمل ذلك على رض الوطن وذلك ايماناً بأن مركز العمل الوطني قد انطلق فوق ساحات الوطن مع عدم التقليل من ساحات العمل الاخرى مشيراً الى ان الاتحاد كان مصنعاً للرجال ومدرسة للحركة الوطنية الفلسطينية وشهد كل مراحلها وساهم في خلق مراحل نضالها ومنعطفاتها بدءاً من الرئيس عرفات حتى جموع الشهداء والجرحى حيث كان الاتحاد القاعدة الاساسية للثورة عند انطلاقتها وقاعدة لـ م.ت.ف حيث ان معظم الوزراء والمكلاء من اعضاء الاتحاد.... حسب ما جاء في الكلمة.
كلمة مفوض المنظمات الشعبية القاها روحي فتوح نائب مفوض المنظمات الشعبية في منظمة التحرير الفلسطينية حيث أكد "انه بانعقاد هذه الدورة للمجلس الاداري للاتحاد العام لطلبة فلسطين، تبدأ دورة الحياة الطلابية من جديد بكل عنفوانها وفاعليتها باعتبار هذا الاتحاد قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية، وقاعدة اساسية من قواعد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني عبر اتحاداته ونقاباته ومنظماته الشعبية..."
كلمة الاتحاد القاها ابراهيم خريشة رئيس الهيئة التنفيذية للاتحاد حيث ذكّر "بالطلائع الاولى لطلبة فلسطين التي اسست الاتحاد كردّ نضالي حضاري على النكبة التي المّت بشعبنا، بادئة بروابط الطلبة في القاهرة والاسكندرية ودمشق وبيروت، التي كانت المشاركة الاولى فيها لقائد المسيرة الاخ ابو عمار والشهيد صلاح خلف والاخ زهير العلمي في صوفيا عام 54 حيث كانت هذه المشاركة هي الانطلاقة الاولى نحو العالم للتعريف بقضية شعبنا العادلة ولتؤكد بان شعبنا قد عقد العزم على حمل الرسالة، مسلحاً بعدالة قضيته وقوة ارادته للدفاع عن حقوقه الوطنية والمشروعة، وكانت بدايات العمل الطلابي الفلسطيني هي القاعدة الاساسية لانطلاقة ثورتنا الفلسطينية المعاصرة، وقد لعب الاتحاد دوراً ريادياً ومشرفا في خوض معارك الثورة الفلسطينية في كل الميادين وعلى كل الجبهات فكان اعضاؤه ولازالوا سفراء لشعبنا في انحاء المعمورة حيث وصلوا الى اكثر من 46 دولة من خلال 46 فرع في العالم. وكان لامتداد اتحادنا الطبيعي في الوطن الدور الاول والاساسي في انطلاقة الانتفاضة الباسلة التي تصدرها الطلبة والشباب والتي جاءت لتمثل البعد الابداعي النضالي لشعبنا الفلسطيني ولطلبتنا وشبابنا".
واضاف خريشة " يأتي اللقاء الاول على ارض الوطن تحت اسم الاخ ورفيق الدرب الشهيد ابراهيم اسد الرئيس الاسبق لاتحادنا واحد عناوينه النضالية ليعيد اللحمة لاتحادنا كاطار نقابي وديمقراطي ولمشاركة اوسع لكل القواعد الطلابية والشبابية عبر الاتحاد ولتوحيد كافة الاطر الطلابية على ارضية الالتزام بثوابت اتحادنا النضالية والقضية والتنظيمية ومن اجل تطوير هياكل وتحديث دستوره ونظامه الداخلي بما يكفل التفعيل والتماسك".
ودعا لان "تشكل هذه المحطة الدستورية انطلاقة لقد المؤتمر الوطني الحادي عشر للاتحاد في اقرب فرصة عملية الامر الذي يستدعي من كل الطلبة والشباب ومن كل القوى والتيارات بذل المزيد من الجهد ولاعطاء لانجاح تجربة جديدة وبمواصفات عصرية قاعدة على ان تجيب على المتطلبات الاساسية لطلبتنا وشبابنا مرتكزة على الوحدة المصيرية التي تربطنا والمصلحة الوطنية التي تجمعنا حتى يتسنى لنا ان نساهم بشكل فاعل وديمقراطي في بناء المجتمع الفلسطيني والذي يشكل الطلبة منه والشباب لاغالبية على اسس علمية".
و اختتم خريشة كلامه مشددا على ان "نتطلع لتجربتنا الجديدة بكل شفافية وحرص من اجل انجاحها كي تشكل نموذجاً يحتذى لباقي المنظمات الشعبية الفلسطينية الامر الذي سيعزز العمل الشعبي لافلسطيني ويضعه في اطره السليمة فالعمل الديمقراطي وبناء المجتمع المدني لا يمكن ان يتم عبر الافرازات اللامدروسة وعبر الطفرات الزمينة، فهناك العشرات من الاطر الطلابية والشبابية التي تشكلت وتتشكل كل يوم تحت مسميات مختلفة لا جديد فيها مكررة احياناً الاسم والاشخاص والبرامج لتوقعنا في حالة من الفوضى، وتشتت جهودنا وتبعدنا عن المسؤوليات الاساسية تجاه قواعدنا الطلابية والشبابية وتعطي مجالا واسعاً للدسائس والاختراقات وبدون قصد او بعفوية توقعنا في شباك الخصم، فالاطر الوطنية ضرورة ملحة والتوجهات المدروسة والمبادرات النوعية في التجاهات المختلفة يجب ان تنطلق من ارضية واضحة ومتماسكة ومعدة جيداً، فالشعلة لا زالت مضيئة وجيل الشباب ولاطلبة قادر على حملها بامانة وصولاً للقدس الشريف عاصمة دولتنا المستقلة".
• تجربة لبنان
من خلال متابعتنا للمراحل النضالية التي خاضها الاتحاد العام لطلبة فلسطين في لبنان قبل و بعد مرحلة الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 كان للاتحاد عدة محاولات من اجل رفع الغبن عن الطلاب الفلسطينيين في لبنان حيث قام برفع مطالب الطلاب الفلسطينيين للاونروا من خلال المدير العام في لبنان ومن خلال رفعه لعدة تصورات لمؤسسات اهلية ولمنظمة التحرير الفلسطينية.
• اهم ما تقدم به الاتحاد من مطالب للاونروا:
- تحميل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ومن خلالها المجتمع الدولي مسؤولياته الادبية والتاريخية عن مأساة اللاجئيين ومطابهم، بالاستمرار في الوفاء بالتزاماتهم تجاه اللاجئين في الوطن والشتات، وذلك بالتعاون والتنسيق مع دائرة شؤون العائدين في منظمة التحرير الفلسطينية والبلد المضيف، لبنان، والعمل على تحديث وتطوير البنية التحتية لهذه المخيمات واتاحة الفرص لتوسيعها ليتلاءم مع النمو السكاني وتأمين وتطوير الخدمات الاساسية الصحية والتعلمية والثقافية وفرص العمل لأبنائنا.
- العمل على رفع مرحلة التعليم الالزامي والمجاني الى نهاية المرحلة الاعدادية واتخاذ اجراءات فعالة لوقف ظاهرة التسرب من المدارس.
- العمل على توحيد وفلسطنة، وتطوير المناهج التعليمية واعادة تعليم تاريخ وجغرافية فلسطين واعطاء اهتمام اكبر للعلوم والتكنولوجيا.
- زيادة عدد المدارس والغرف التدريسية وتزويدها بأحدث الوسائل التعليمية العالي في متناول من يستحقونه وفقا لمؤهلاتهم وليس لقدراتهم المالية؟.
- تطوير برامج الدراسات للطلاب الفلسطينيين ووضع سياسات مركزية لتطوير التعليم المهني والتقني في المدارس والمعاهد، خصوصاً معهد سبلين.
- توفير المنح الدراسية الخارجية للطلاب المتفوقين لإستفادة من التخصصات النادرة والعالية.
- تحسين اوضاع المدرسين المعيشية ورفع كفاءاتهم من خلال الدورات الدراسية والتأهيلية.
- تفعيل دور لجان الاهل في مدارس الاونروا لتحمل المسؤولية جنباً الى جنب مع الادارة و الاهالي.
• مطالب المنظمات الطلابية
وكان في الوقت ذاته مطالب من قبل المنظمات الطلابية الفلسطينية من اجل تفعيل دور اتحاد الطلاب نحو الافضل:
- العمل على اعادة تنظيم وتوحيد الاتحاد العام للطلاب الفلسطينيين على أسس ديمقراطية، ووفق قاعدة التمثيل النسبي وضمان استقلاليته وتمكينه من القيام بدوره في الدفاع عن قضايا ومصالح وحقوق الطلاب خدمة لدورهم المستقبلي في المجتمع.
- اعادة تنظيم وتطوير دور اللجان الطلابية في الجامعات والمعاهد العليا،من اجل الدفاع عن حقوقهم المطلبية النقابية ورفع مستواهم التعليمي وتطوير كفاءاتهم العلمية والتربوية.
- العمل على توفير الخدامات التربوية لافة ابناء الشعب الفلسطيني في المدن والقرى والمخيمات حيث يعتبر احد المسؤوليات الاساسية التي يجب ان تحلها منظمة التحرير الفلسطينية، والاتحاد بشكل خاص.
- الضغط من اجل تطوير وتحديث الجهاز التربوي في مدارس الاونروا و تفعيل دائرة التربية والتعليم في منظمة التحرير الفلسطينية من اجل اخذ دورها التربوي والتطويري الانمائي، وعلى وجه الخصوص التعاون مع الاونروا من اجل توفير المستلزمات التعليمية الحديثة في المدارس وتوسيعها وزيادة عد المدارس والغرف فيها.
- الضغط على الاونروا لتطوير نظام الضمان الصحي ليشمل الطلاب ايضا ، مع تحسين الخدمات المقدمة للمدرسين .
- توفير العلاج والادوية، بأسعار معقولة ، للطلاب ولتكون وفي متناول الجميع.
- حماية التراث الشعبي والثقافي الفلسطيني الذي يحمل ويعكس المضامين الانسانية والحضارية في تاريخ شعبنا.
- نشر وتشجيع الانتاج الادبي والثقافي والفني وتنمية روح الابداع والبحث العملي.
- وضع نظام للحوافز لتشجيع المبدعين في مجالات الثقافية والفنون الجميلة.
بالمقابل فان فرع لبنان بلجنته التحضيرية ( التي ما زالت قائمة ومعطلة بالوقت ذاته منذ العام 1997 الى نهايات هذا العام ( الـ 2007 ) يهمل كثيرا من الامور الهامة التي يجب ان يكون له دور بحلها او الرد على الافتراءات الحاصلة ضد الاداء الطلابي و التربوي الفلسطيني ، فعلى سبيل المثال ما تم تناوله جريدة البلد اللبنانية عدد 288 الصادر في 11 تشرين الاول 2004 ، تحت عنوان ( احوال التعليم الرسمي في لبنان حلقة 3 ) ، حيث تم تناول موضوع الطلبة الفلسطينيين من منظور سيئ و من باب مذهبي ان لم نقل عنصري ، و لا ندري ما الذي دفع بالمدعو شادي عبود (كاتب المقال ) ان يتناول الطلبة الفلسطينيين من هذا المنطلق ، اذ يقول عن حالة التعليم في السبعينيات "...تفاعلت الطالبات الفلسطينيات اللواتي يشكلن قسما كبيرا من الجسم الطالبي في الثانوية (و يقصد ثانوية البنات ) ....و صادقت الفلسطينية بنات العائلة السنية و الشيعية و المسيحية ...." ، لا ندري ما هي المصادقات التي يقصدها عبود في مقالته تلك بل ماذا تفيد الا في اثارة الشكوك حول اللحمة الوطنية للطلبة الفلسطينيين و اللبنانيين ان كانوا اناثا او بنينا ، بل واي ضرر يحصل من مصادقات الطالبات او الطلاب بشكل عام ؟؟!!! .
اما الجملة الاخبث في موضوع عبود فهو ما جاء في معرض حديثه عن اكثرية للطلبة الفلسطينيين في ثانوية الصبيان في قوله ".... هذا كله اثر في تركيبة الجسم الطالبي الذي صار فيه الفلسطينيون يؤلفون اكثره مما اخاف العديد من العائلات التي اغتنمت اية فرصة لنقل ابنائها الى ثانوية اخرى اكثر امنا و استقرارا ..." و عن العامل الجغرافي يسترسل عبود في معرض وصفه (للاخطار لوجود دعم طالبي للقضية الفلسطينية من قبل طلاب و معلمين الثانوية فيدعي بان الثانوية اصبحت "... مرتعا للمظاهر المسلحة داخل الصفوف و في الملاعب ونقطة انطلاق للكثير من المواقف المؤيدة لقضايا الشعب الفلسطيني ...." اما ما يتعلق بنسبة النجاح في الثانويات فنتركه الى مديري الثانويات الذين لهم الحق بالرد على المهاترات الواردة في الصحيفة المذكورة ، و ان يبينوا الحقائق كاملة و خصوصا حول الدور الفلسطيني و عن الاكثرية الطلابية الفلسطينية كما ادعى كاتب المقالة و عن النسب و نجاح الطلاب و عن مراتع الاسلحة و لا نعلم اين هي تلك المراتع !!!....
وكان العديد من الدراسات الصادرة عن روابط و جمعيات للخريجين الفلسطينيين قد تناولت تعليم الفلسطينيين في لبنان و من ضمنها موضوع تعليم الفلسطينيين في المدارس الرسمية حيث ان الفلسطيني مثله مثل اي طالب اجنبي لا يحق له التعليم في المدارس الحكومية الا بنسبة قليلة لا تتجاوز الخمسة بالمئة حسب القوانين الللبنانية ، و تطرقت تلك الدراسات الى معاناة الفلسطينيين في مدارس الاونروا و بالمقابل نسبة النجاح للطلاب في تلك المدارس مقارنة بطلاب فلسطينيين يرفعون من نسبة النجاح لدى المدارس الحكومية حيث ان الكثير من تلك المدارس يكون المتفوقون فيها هم من الفلسطينيين و من المخيمات تحديدا ، و هذا موثق لدى سجلات العلامات الحكومية في دوائر التربية و التعليم (بالاسم و العلامات ) اضافة الى العديد ممن استطاع اهاليهم الحاقهم بمدارس خاصة وكانوا على لوائح الشرف في تلك المدارس ، و لا مجال لذكر الاسماء هنا .
و اذا كان بعض الزملاء الصحفيين تنقصهم الخبرة بالتقاط المعلومات فنحن على استعداد لتزويدهم و ارشادهم الى من يمكنه تزويدهم بما يريدون من نواقص لتثبت ما نقوله لا ان يكون الموضوع ثرثرة و تلصق بالتعليم الصاقا ، حيث نرى و بكل اسف ما لا يمكن قوله الا افتراء على قدرات شعبنا و اتهامهم لبعض المدراء بانهم افسحوا المجال للفوضى الفلسطينية في مدارسهم مما ادى الى تدني مستوى التعليم و هذا امر ليس مغلوطا فقط بل انه محض افتراء و لا يمت للحقيقة باي صلة و هنا نتوجه للسادة مدراء المدارس الثانوية الحكومية ( بنين و بنات ) لان يقولوا كلمتهم الحقة الصادقة و التي تتحدث عن ضميرهم المهني ، حيث ان المعدلات موجودة لديهم و بامكان الجميع الاطلاع عليها .
و نستطيع ان نستند الى وثيقة وردت لدينا من اهالي بعض الطالبات اللواتي تقدمن أهاليهن للحصول على منحة دراسية من الاونروا العام الدراسي ( 2002 ـ 2003 ) ، و لم يتم اموافقة على اعطائهن المنح لان ذنبهن أنهن تفوقن وحصلن على نتائج جيدة أعلى من 75% و لكن في مدارس حكومية ( طبعا غير الاونروا ) ، و هذا معروف لدى عامة الناس ، و في هذا الخصوص لم يحرك الاتحاد ساكنا لانه لم يكن على دراية او متابعة لمثل هذا الموضوع المهم .
فيما يتعلق بباقي الاموروالنعرات الطائفية و المذهبية بل و العنصرية التي اراد اثارتها كاتب المقالة حول الدور الفلسطيني في المدارس و خوف العائلات على ابنائهم فهذا كان له دعوة من قبل هيئات الخريجين الفلسطينيين لكافة الهيئات الحزبية اللبنانية الوطنية منها و الاسلامية او المسيحية ان تأخذ دورها لردع العنصرية من بين سطور بعض الصحف اللبنانية و ان تقول كلمتها بذلك و ان توضح الحقائق الواضحة وضوح الشمس في ظهر النهار و لم يكن للاتحاد اي دور و هذا يدعو للقلق من تحوله فقط الى بوق اعلامي لبعض الفصائل الفلسطينية صغيرة كانت او كبيرة ، رغم ان التحرك النقابي للاتحاد من شأنه دعم السلم الاهلي من قبل من قبل كافة الفصائل و الجمعيات الفلسطينية و بالتالي مدعوم هذا جموع الشعب الفلسطيني الذي يقدر و يثمن جهود كافة الشرائح اللبنانية لدعمها القضية الفلسطينية بكافة مراحلها ، ... كما انه ، و بكل اسف شديد ، لم يكن لاتحاد الطلاب الفلسطينيين في لبنان ، على سبيل المثال ، اي دور مهم هذا العام الدراسي ، 2005 ـ 2006 ، رغم ضياع مليون دولار ـ في مكاتب الاونروا ـ هم مجموع رسوم لمنح جامعية لطلبة فلسطينيين حازوا على معدل فوق الستين بالمئة و تشملهم شروط المنحة التي ضاعت بين جوارير مديرة دائرة التربية و التعليم بالاونروا المدعوة عفاف مكية و لم يتحرك القيمون على لجان الاتحاد التحضيرية باي ساكن تجاه هذه السرقة للمنح الاوروبية ، و بالتالي احيل الطلاب الى معهد سبلين و رمي الطلاب المتقدمون خارج الجامعات ، رغم نجاحهم بمعدلات عاليا ، فكثير منهم حصلوا في الشهادة الحكومية على معدلات جيد او حتى جيد جدا ، و تم رميهم الى معاهد دنيا او متوسطة و بالتالي حرموا من المنح الجامعية التي كانت من حقهم من الاونروا او حتى من الاتحاد الاوروبي عبر مؤسسات محلية و دولية لها مكاتب و ادارات في لبنان !!! .
• وبعد
فقد كان للاتحاد العام لطلبة فلسطين في الخارج دور فاعل وهام جدا في رفد الثورة الفلسطينية بالرجال فضلاً عن دورة كوسيلة اعلامية واسعة الانتشار عبر فروع هذا الاتحاد المنتشرة في انحاء العالم ، وكذلك الامر كانت الحركة الطلابية في فلسطين ، عندما بدأت بالتراجع عن دورها الفاعل في مرحلة العمل العسكري السري ثم مرحلة الانتفاضة الاولى ومصانع الرجال في الجامعات بالانتقال الى مرحلة التسوية السليمة وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية حيث حصل التباس للدور الطلابي في فهم حقيقة دوره في المساهمة بالبناء .
ولم تعد الحركة الطلابية اليوم كسابق عهدها والتي كانت فيه السمة الرئيسية للثورة الفلسطينية في كافة مراحلها فهي غائبة عن مساحة الفلسطينية اليوم ، ويبدو ان المرحلة الحالية ( مرحلة انتفاضة الاقصى ) لم تستطع حتى الآن ان تظهر على السطح قادة من الطلبة لقيادة المرحلة والمراحل القادمة كما حدث سابقاً في تاريخ ثورتنا الفلسطينية التي تخرج غالبية قياداتها من المدرسة النضالية الطلابية ، ابتداءً من الرئيس الشهيد ابو عمار الى العشرات من القيادات والكادرات الفلسطينية مروراً بالشهداء ابو جهاد وابو الهول وابو اياد وعز الدين القلق وفيصل الحسيني وعلي ابو طوق وبشير البرغوثي الى آخر المواكب من شهداء الثورة الفلسطينية المعاصرة ووصولاً الى القادة فاروق القدومي وتسير قبعة ومروان عبد الحميد ، ناصر القدوة ، مروان جيلاني ، ابراهيم خريشة ، هشام قاسم ، ورئيس فرع لبنان الاسبق الشهيد كمال شحرور ، والاخوة رضوان عبد الله ، وسميرة درباج ، محمد عوض ، يحيى حجير ، كمال الحاج،.... و غيرهم العشرات ان لم يكن المئات بل مئات العشرات ممن توالوا على حمل الراية الفلسطينية ، راية القائد الرمز ياسر عرفات ، بعيدا عن التجاذبات التنظيمية الضيقة والانفعالات التشكيكية بعمل الطلاب وقادتهم وتجاهل انجازاتهم و التآمر عليهم من قبل بعض المتنفذين على رقاب عمل الاتحاد العام لطلبة فلسطين .
واليوم ، نحن ندخل إطار مرحلة جديدة وهامة تتمثل بمفاوضات عسيرة لما بعد انتفاضة الاقصى التي تحافظ على استمراريتها منذ ايلول 2000 ، ولو من الناحية المبدئية ، بتحول وتطور اساليبها في المقاومة حتى تحرير الارض من الاحتلال وقيام الدولة وعاصمتها القدس الشريف ، تلك الانتفاضة التي فرضت الكثير من الامور سواء على القوى والفصائل الفلسطينية في تأكيدها الوحدة الوطنية والعمل المشترك وتأكيدها استمرارية الانتفاضة ، كما انها ( انتفاضة الاقصى ) أخذت السلطة الوطنية وأجهزتها دور الدفاع عن شعبنا بكل الوسائل المتاحة ، وهي ايضاً ( مرحلة انتفاضة الاقصى ) تفترض على الحركة الطلابية ان نستفيق من عجزها الحالي وتتطلع إلى خلق واقع جديد تضع به على رأس اولويتها الهم الشعبي كهدف مشترك لكل الكتل الطلابية في الجامعات اولا ، وفي باقي المؤسسات التعليمية ثانيا ، وبالتالي عودة الى ممارسة الدور الحقيقي الفاعل للحركة الطلابية وكسابق عهدها خصوصا في هذه المرحلة الصعبة و التحولات التنظيمية و الحزبية الموجودة والمستجدة على ارض الوطن وفي الشتات ، وهنا يتطلب العمل على تفعيل انشطة الطلاب ، حيث يتم تحقيق الأهداف العامة للأنشطة الطلابية كما يلي :
تأكيد انتماء الطلاب لأمتهم ووطنهم ومساعدتهم للتزود بالمعرفة الإنسانية في شتى مجالاتها.
تعميق القيم الاجتماعية السليمة وترجمتها إلى أفعال وسلوك للطلاب، متخذين من الشهداء القادة المثل والقدوة .
غرس المعاني السامية لحب الوطن والانتماء له وأداء الواجب نحوه من المبادئ والثوابت الوطنية .
تنمية شخصية الطالب من خلال تنوع مصادر الثقافة في ضوء التربية الوطنية .
الإسهام في الإعداد المتكامل للشباب روحياً وعلمياً وفكرياً وجسدياً وتنمية الثقة بالنفس لأداء واجبهم لتحرير وطننا السليب.
الإفادة من أوقات الفراغ لدى الشباب وحسن استثمارها و تنمية وصقل مواهبهم وتوجيهها التوجيه السليم وتدريبهم على المشاركة الفكرية الفعالة
إعداد قادة متمكنين من الطلاب في كافة مجالات الأنشطة.
الإسهام في تعويد الطلاب على التسامح والوسطية والحوار البناء وتقبل الآخرين والآراء المخالفة .
إيجاد روح التعاون والترابط بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في كافة المدارس .
العمل على اندماج الشباب بالمجتمع المحلي ومؤسساته والتعود على التطوع .
تشجيع روح الإبداع والابتكار.
مواكبة التطور والتعرف على ما توصلت إليه التقنيات الحديثة ووسائل جمع المعلومات.
نشر الوعي في كافة مجالات الحياة بين الشباب بما يتوافق مع عاداتنا وتقاليد مجتمعنا الفلسطيني و امتنا العربية و انسجاما مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.
بعد ثمانية واربعين عاما سنبقى نذكر ياسر عرفات
لا بد ان للحركة الطلابية ، وبأسرع وقت ، مراجعة نفسها وصياغة برامجها بشكل متوحد ، من خلال الرجوع الى الدستور والانظمة الداخلية للاتحاد العام لطلبة فلسطين ، بدءاً من الجامعات اولا وعلى اعتبار ان الهم الشعبي اكبر منا جميعا ، ومن دون ذلك ستبقى الحركة الطلابية مجرد ادارة تحركها التنظيمات وبالتالي ان نأخذ دورها الحقيقي ، وهذا ليس مدعاة للتشاؤم وانما هو مدعاة لتفاؤلنا بالحركة الطلابية الفلسطينية ، و التي كانت بعد اثني عشرة سنة قد حولت اللاجئين الى مناضلين بقيادة طالب فلسطيني اكمل دراسته الجامعية في جامعة فؤاد الاول ( جامعة القاهرة لاحقا ) ، بعد ان كان قد أمضى بعض طفولته في غزة ، ودرس في مدرسة الزيتون الثانوية ، والتحق بمنظمة "الفتوة" ثم عمل مع "جيش الجهاد المقدس" الذي أسّسه الشهيد عبد القادر الحسيني وقاده حتى استشهاده في معركة القسطل يوم 3/4/1948.
ياسر عرفات الذي انتقل الى مصر للدراسة و باشر فور وصوله عملاً دؤوباً لجمع الأسلحة التي خلفتها دول الحلفاء والمحور في الصحراء الكبرى ثم إرسالها الى القاهرة كي ترسل الى فلسطين ، وما كاد العام 1946 ينصرم حتى صار ياسر عرفات شخصية معروفة في حقل تهريب السلاح الى فلسطين ، واشتهر كرجل شجاع ومقدام.
التحق بجامعة فؤاد الأول (القاهرة لاحقا) سنة 1947، واقترب من جماعة الاخوان المسلمين، لكنه لم ينتم إليها البتة ثم راح يجتمع مع مجموعة من رفاقه في مقر جمعية الشبان المسلمين في القاهرة. وفي هذه الأثناء انبثقت "رابطة الطلاب الفلسطينيين"، وكان عبد القادر الحسيني أول رئيس لها، ثم تولى ياسر عرفات رئاستها بين 1951 و1956. وقبل ذلك، في أثناء معارك الحرب في فلسطين تطوع للقتال مع مجموعات الاخوان المسلمين، وساهم في القتال في غزة.
عندما رجع الى القاهرة سنة 1949 أصدر مجلة "صوت فلسطين" وكرئيس للاتحاد العام لطلاب فلسطين (بعد تغيير اسم الرابطة) خرج على رأس تظاهرة سنة 1953 إلى مقر قيادة الثورة وقابل الرئيس جمال عبد الناصر، وطلب إليه السماح بتشكيل قوة مسلحة فلسطينية. وقرر عبد الناصر استجابة له تدريب بعض الفلسطينيين. و بعد ان اصبح فيما بعد الرئيس الاول للاتحاد العام لطلبة فلسطين ورئيس حركة فتح و رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، نفتخر به كرئيس لجمعية الخريجين الفلسطينيين و كرئيس لدولة فلسطين شاء من شاء و ابى من ابى ، ذلك هو ياسر عرفات الذي قال عنه ناحوم غولدمان، بعدما استمع إلى خطابه في الأمم المتحدة عام 1974: "لقد هز ياسر عرفات في داخلي تاريخا من غياب الوعي ، وجعلني أشعر بأنه ما زال ممكنا أن تلد أرض فلسطين الأنبياء" ، و لم يخف ايضا بعض من اختلف معهم بالرأي من حبهم له ، ففي مقابلة له على احدى الفضائيات العربية منتصف العام 2003 ، اعلن جوني عبدو المديرالعام السابق للمخابرات اللبنانية ، و كان قد تم تكليفه بالاتصال بالرئيس ياسر عرفات من اجل نقل رسالة له من رئيس الوزراء السابق شفيق الوزان تتعلق بالانسحاب من بيروت ، و بعد ان خرج من عنده سئل عبدو من قبل بعض المقربين منه عن الرئيس ياسر عرفات و اللقاء به ـ و كان ذلك اللقاء الاول و الاخير بينهما ـ فكانت اجابته حرفيا " الحمد لله الذي لم اكن اعرف هذا الرجل من قبل لانني من اول هذه المقابلة احببته من اول دقيقة قابلته ...." .
هذا هو القائد الفذ ، الذي يعجب به بل و يحبه حتى المختلفين معه بالراي او بالفكر ، و نذكره اليوم بذكرنا لذكرى تأسيسه الاتحاد العام لطلبة فلسطين في 29 / 11 / 1959 ، ذلك الفدائي الذي لم يستطع كل حكام الكيان الإسرائيلي الغاصب امثال مناحيم بيغن وإسحق شامير وبنيامين نتنياهو الى إيهود باراك وأرييل شارون ان يزيلوه من خارطة القادة السياسيين الصعاب ، فيتحول دوما و مع كل خط دفاع عن فلسطين الارض و الشعب و المقدسات الى فدائي يقاتل بالرصاص دفاعا عن شعبه كما في كل مرة . وهذا ما حصل عندما واجه بيغن عدة مرات من خلال محاولات الانزال المتكررة على قلعة الشقيف في جنوب لبنان ، تلك القلعة الايوبية الصامدة بصمود مقاتليها العرب والفلسطينيين اثناء حرب الاستنزاف الفلسطينية ـ الاسرائيلية ما بين عامي 78 و 82 ، و ما حصل بعدها في الانتفاضة الاولى عام 1987 و الانتفاضة الاخرى بتاريخ 28/9/2000 عندما اندلعت انتفاضة الأقصى ، ولم يستطع أحد أن ينتزع البندقية من يده إلا الموت.
هنا لا نستطيع الا ان نوجه البوصلة الفلسطينية بالاتجاه الفلسطيني الصحيح الذي وجهنا اليه الرئيس الشهيد ياسر عرفات ، ايوب المسلمين ، يوسف العرب و سبارتاكوس الاحرار في العالم ، الطالب الفلسطيني الذي قاد حركة طلابية فلسطينية تحولت فيما بعد الى ثورة فلسطينية معاصرة لا يوجد مثيل لها في تاريخنا المعاصر ، وحول بالوقت ذاته قضية اللاجئين الفلسطينيين من قضية بحت انسانية الى قضية سياسية اركانها شعب مناضل ، فهو راية المناضلين و منارة الثوار المتوجهين الى فلسطين ، اسطورة النضال والجهاد ، القائد الذي قال عنه يفغيني بريماكوف انه " بلا ريب قائد متألق يجسد نضال الشعب الفلسطيني في سبيل حقوقه. كما انه غدا بمثابة راية للمناضلين من اجل قيام الدولة الفلسطينية " ، فلا بد الا ان تكون للحركة الطلابية الفلسطينية الكلمة الاولى في استمرار بهج الانتفاضة والثورة حتى النصر والتي تجسد حلمنا العرفاتي ، مفخرة شعبنا العظيم و الكبير ، منذ تفجيره للثورة الفلسطينية العملاقة بالايمان بحتمية النصر المؤزر و الاكيد بدولة فلسطينية مستقلة و عاصمتها القدس الشريف و دوما و ابدا كما كان يعلمنا اياها الطالب الذي حوّل اللاجئين الى مناضلين ، ذلك الجبل الذي ما هزته رياح و لن تهزنا رياح من بعد استشهاده ما دمنا نستلهم نور كفاحنا من روحه العلياء الشامخة في عنان السماء، وكما قال عنه الكاتب الفلسطيني الكبير بكر ابو بكر " لقد استطاع ياسر عرفات أن يضع أرجل الشعب الفلسطيني على طريق الوطن والسلطة والدولة بعد أن نجح بجدارة في استعادة الشخصية والهوية والكيانية الفلسطينية التي تآمر عليها القريب والبعيد والشوفيني القومي والاسلاموي والشيوعي .... فالرمز الراحل ياسرعرفات يكفيه فخرا أن صنع بكوفيته مجد أمة وعظمة شعب كان من المقدر له أن يكون قضية منسية فالكبار يموتون والصغار ينسون - كما قال جون فوستر دالاس- ولكن الكبار ظلوا أحياء وهم شهداء والصغار تسلموا الراية...." ففي ذكرى تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين في 29 تشرين ثاني من كل عام سنبقى نذكرك ابا عمار طالبا فلسطينيا حمل قلمه وحوله الى شعلة نضالية أنارت طريق الحرية و النضال امام احرار العالم اجمع ، فرحمك الله يا ياسر عرفات .
*كاتب و باحث فلسطيني مقيم في لبنان
السبت، نوفمبر 10، 2007
حذار لما بعد الحرب و بعد بعد الحرب !!!
رضوان عبد الله
تمهيد :
"كان السكان المدنيون في لبنان وشمال إسرائيل الخاسر الأكبر في دوامة العنف هذه التي لا طائل تحتها والتي مضى عليها الآن شهر كامل بالضبط ... والمفروض أن تصان أرواح المدنيين وفي هذا النـزاع لا يحصل ذلك."جان إيغلاند ، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. 10 آب 2006
مقدمة
مع بداية اليوم الثاني عشر من تموز 2006 بدأت الحرب عاشرة ، و التي تعتبرها بعض وسائل الاعلام الحرب السادسة ، و لكن ضمن التأريخ العربي الحديث و تبعا للحروب العربية ـ الاسرائيلية المتعاقبة نستطيع ان نعتبرها الحرب العاشرة وفقا للتسلسل التاريخي التالي :
1948 الحرب الاولى و حدوث نكبة فلسطين .
1952 العدوان الثلاثي على مصر .
1967 العدوان الاسرائيلي على سوريا و الاردن و مصر و احتلال اجزاء من الدول الثلاثة و سقوط كامل لمدينة القدس عاصمة فلسطين .
1972 العدوان الاسرائيلي على منطقة العرقوب في لبنان .
1978 العدوان الاسرائيلي على لبنان و احتلال شريط من الاراضي اللبنانية ، حوالي ثلث جنوب لبنان ، على طول الحدود مع فلسطين المحتلة .
1981 العدوان الاسرائيلي على لبنان و تدمير للجسور في جنوب لبنان .
1982 الاجتياح الاسرائيلي للبنان و احتلال العاصمة العربية الثانية بيروت بعد سقوط القدس .
1993 العدوان الاسرائيلي على لبنان بحجة منع هجمات حزب الله .
1996 العدوان الاسرائيلي على لبنان و الذي نتج عنه مجزرة قانا ، باستشهاد اكثر من مئة لبناني ما بين رجل و امرأة و طفل ، بقصف موقع اختبأ فيه المدنيون اللبنانيون من القصف و استهدفوا بالطائرات الصهيونية .
اما الحرب العاشرة و التي جرت فيها مواجهة عسكرية كبرى لآكثر من ثلاثة و ثلاثين يوما امتدت ما بين 12 تموز و14 آب بين حزب الله و"إسرائيل" في أعقاب أسر جنديين إسرائيليين وقتل آخرين على يد المقاومة الاسلامية اللبنانية المتمثلة بحزب الله في غارة جريئة للحزب عبر الحدود الفاصلة بين فلسطين المحتلة ولبنان.
وقد شنت "إسرائيل" هجمات على جميع الاراضي اللبنانية براً وبحراً وجواً ، فاغتالت اكثر من 1400 مدني منهم ما يزيد عن 30 % من الاطفال ، و أطلق حزب الله ما يربو عن الاربعة آلاف من الصواريخ المتنوعة المدى على شمال "إسرائيل" ، طالت و لآول مرة بتاريخ الصراع العربي الصهيوني مدنا فلسطينية محتلة في الداخل الفلسطيني المحتل مثل حيفا و الناصرة و بيسان ، و كما قال أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله " ما بعد حيفا و ما بعد بعد حيفا " ، فقتل نتيجة هذه الحرب ما يزيد عن مئة صهيوني بين مدني و عسكري ، و جرح اكثر من1500 آخرين خلال شهر واحد فقط و بالاعترافات الاسرائيلية نفسها ، و هذه تعتبر نسبة عالية اذا ما قورنت بالخسائر الاسرائيلية السابقة في حروب الكيان الصهيوني المغتصب مع العرب خلال حوالي ستين عاما مضوا ، كما تم تهجير مئات الآلاف من المحتلين بين مستوطن و محتل إسرائيلي ، فيما سجل لدى هيئات الاغاثة في لبنان نزوح اكثر من مليون مدني لبناني و فلسطيني باتجاه شمال الليطاني وصولا الى طرابلس و الداخل السوري هربا من هول القصف العشوائي الصهيوني للتجمعات المدنية في القرى و المدن و المخيمات في لبنان حيث كان جيش الاحتلال المعتدي ينتقم من المدنيين لرد الاعتبار لنفسه و لقيادته المهزومة عسكريا و معنويا نتيجة الصمود المشرف للمقاومة اللبنانية الوطنية و الاسلامية الباسلة .
ويلخص تقرير موجز صادر عن منظمة العفو الدولية ، بالمعلومات الأولية المتوافرة الموثقة لديها ، الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية المدنية في لبنان خلال النـزاع . ويستند إلى معلومات مباشرة استُقيت من بعثة ميدانية زارت لبنان ؛ ومقابلات أجريت مع العشرات من ضحايا الهجمات ؛ وبيانات رسمية وتقارير صحفية ومناقشات مع الأمم المتحدة والجيش الإسرائيلي ومسؤولي الحكومة اللبنانية وأحاديث جرت مع المجموعات غير الحكومية الإسرائيلية واللبنانية.
الا ان التقرير الموجز يغطي بأي درجة من التفصيل الانعكاسات الأوسع لحملة القصف ، و لا يجري للأسف الشديد ، تقييماً لمدى تأثيرها على حقوق الإنسان ، بما في ذلك انتهاكات الحقوق في الحياة أو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل الحق في الغذاء والصحة والسكن ، ولا يتناول التأثير الاقتصادي الأبعد مدى والتهجير الهائل داخلياً وعبر الحدود. كما أنه لا يتناول الهجمات التي شنها حزب الله على "إسرائيل" وتأثيرها على المجتمع الاسرائيلي الهش لذا فانه يسلط الضوء على جانب واحد من النـزاع ، و يشدد على الحاجة لإجراء تحقيق دولي عاجل وشامل في إدارة العمليات من جانب كلا الطرفين واضعا و بكل اسف الضحية بمستوى الجلاد .
فمنذ اندلاع النـزاع، بعثت منظمة العفو الدولية بمندوبين إلى "إسرائيل" و لبنان على السواء ووجهت مناشدات علنية إلى الحكومة الإسرائيلية وحزب الله على السواء للتقيد بمبادئ القانون الإنساني الدولي. وقام أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها حول العالم بحملة لوقف إطلاق النار ودعوا إلى فتح ممر آمن لمرور المدنيين المحاصرين وحثوا كلا من "إسرائيل" ولبنان على الموافقة على إجراء تحقيق من جانب هيئة مستقلة وحيادية في نمط الهجمات التي شنتها "إسرائيل" وحزب الله على السواء .
تدمير متعمد أم "أضرار جانبية"؟
خلال ما يزيد على أربعة أسابيع من القصف البري والجوي للبنان من جانب القوات الإسرائيلية المعتدية ، أُصيبت البنية الأساسية للبنان بدمار على نطاق لا يمكن وصفه إلا بالكارثي و هذا ما دعا برئيس وزراء لبنان في مؤتمر صحفي بثته وسائل الاعلام العربية و العالمية ان يعلن لبنان دولة منكوبة ، بكل ما لهذه الكلمة من معنى كارثي و انساني ... إذ دكت القوات الإسرائيلية المباني وسوَّتها بالأرض وحولت أحياء بأكملها إلى ركام وحولت القرى والبلدات إلى مدن أشباح، مع هروب سكانها من القصف. ونُسفت الطرق الرئيسية والجسور ومحطات الوقود وتناثرت حطاماً. وقُتلت عائلات بأكملها في الضربات الجوية على منازلها أو سياراتها أثناء هروبها من الاعتداءات الجوية على قراها. وظل عشرات الأشخاص مدفونين تحت أنقاض منازلهم طوال أسابيع ، فيما مُنع العاملون في الصليب الأحمر وغيرهم من عمال الإنقاذ من الدخول إلى المناطق بسبب استمرار الضربات الإسرائيلية. وواجه مئات الآلاف من اللبنانيين الذين فروا من القصف خطر الذخائر غير المنفجرة فيما يتوجهون إلى ديارهم بعد وقف النار ، و بعد سبعة و خمسين مجزرة ارتكبتها يد الاجرام الصهيونية الغاشمة و سجلتها وسائل الاعلام اللبنانية و العربية و منظمات حقوق الانسان .
و حسب تقرير منظمة العفو الدولية نفسه ( فقد شن سلاح الجو الإسرائيلي ما يزيد على 7000 غارة جوية على حوالي 7000 هدف في لبنان بين 12 يوليو/تموز و14 أغسطس/آب، بينما شنت البحرية الإسرائيلية 2500 عملية قصف إضافية....... ورغم اتساع نطاق الهجمات، إلا أنها ركزت بشكل خاص على مناطق معينة. وإضافة إلى الخسائر البشرية المباشرة - والتي تُقدَّر بأكثر من 1183 قتيلاً، كان ثلثهم من الأطفال، و4054 جريحاً وتهجير 970,000 لبناني - أُصيبت البنية التحتية اللبنانية بأضرار فادحة....) . وتشير تقديرات الحكومة اللبنانية ( إلى أن 31 "نقطة حيوية" ـ مثل المطارات والموانئ البحرية ومحطات معالجة المياه والمجاري والمرافق الكهربائية ـ تعرضت لتدمير شامل أو جزئي ، شأنها شأن ما لا يقل عن 80 جسراً و94 طريقاً ، كما أُصيبت أكثر من 25 محطة وقود ونحو 900 مؤسسة تجارية. ويتجاوز عدد العقارات السكنية والمكاتب والمتاجر التي دمرت كلياً 30,000. وتعرض مستشفيان حكوميان - في بنت جبيل وميس الجبل - للتدمير الكامل في الهجمات الإسرائيلية وأُصيبت ثلاثة مستشفيات أخرى بأضرار جسيمة في كل من بعلبك و جبشيت و تبنين . وقال فضل شلق رئيس مجلس الإنماء والإعمار في البلاد في 16 آب إن "قيمة الأضرار التي وقعت تصل إلى 3,5 مليار دولار أمريكي": مليارا دولار للأبنية و1,5 مليار دولار للبنية التحتية مثل الجسور والطرقات ومحطات الطاقة. وأظهرت دراسة ميدانية أعدها المجلس استناداً إلى عمليات المعاينة الميدانية في وسط وشمال لبنان والمكالمات الهاتفية التي تلقاها المهندسون وموظفو البلديات في الجنوب، أن شبكة الطرق تعرضت لأكبر قدر من الأضرار ، حيث تم تدمير 120 جسراً (وهذا رقم أعلى كثيراً من ذلك الذي ذكرته الحكومة). وقال فضل شلق إن استبدال الجسر الذي يربط جبل لبنان بسهل البقاع فوق نهر سلفي على الطريق المؤدية إلى دمشق يكلف نحو 65 مليون دولار أمريكي. "وهو جسر جميل يرتكز على أعمدة يبلغ ارتفاعها 70 متراً، وأحد الجسور الفريدة من نوعها في الشرق الأوسط بأسره. فلماذا يدمرون مثل هذا الجسر؟" على حد قوله. "كان بإمكانهم قصف بدايته ونهايته ووقف حركة المرور. لكنهم أمعنوا في قصف هذا الجسر عدة مرات."
وتشير قائمة الحكومة اللبنانية للطرق التي لحقت بها أضرار حتى 31 يوليو/تموز إلى أن القصف الإسرائيلي المتكرر عطل قرابة 100 طريق، حيث دُمر زهاء 200,000 متر مربع من الطرق تدميراً كاملاً. ووفقاً لملف الحقائق الصادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في 16 آب، فقد جرى تدمير 15000 منـزل مدني - بيوت وشقق ، و هذا ما اكده الامين العام لحزب الله في حديث تلفزيوني مسجل بثته قناة المنار نهاية الحرب . و وفقاً لليونيفل ، ففي 15 آب كانت نسبة 80 بالمائة من منازل المدنيين في قرية الطيبة مدمرة ، و50 بالمائة في قريتي مركبا والقنطرة، و30 بالمائة في ميس الجبل و20 بالمائة في حولا و15 بالمائة في طلوسة. وفي اليوم التالي ، ذكرت اليونيفل أن 80 بالمائة من المنازل المدنية في قرية الغندورية قد دُمرت و60 بالمائة في قرية زبقين و50 بالمائة في جبل البطم والبياضة و30 بالمائة في بيت ليف و25 بالمائة في كفرا.
وفي بلد يقارب عدد سكانه عن أربعة ملايين نسمة ، خرج أكثر من 25 بالمئة منهم إلى الشوارع كمهجرين . والتجأ حوالي 500,000 منهم إلى بيـروت وحدها، حيث افترش العديد منهم الأرض في الحدائق والأماكن العامة، بدون ماء ولا مرافق للاغتسال. وذكر مندوبو منظمة العفو الدولية في جنوب لبنان ( أنه في قرية بعد قرية في شتى أنحاء جنوب لبنان كان النمط متشابهاً : الشوارع، وبخاصة الشوارع الرئيسية تخللتها الحفر التي أحدثتها قذائف المدفعية على امتدادها . وفي بعض الحالات ، ظهرت آثار القنابل العنقودية. واستُهدفت المنازل بهجمات شُنت بواسطة الصواريخ الموجهة التي تتسم بالدقة وتعرضت لتدمير شامل أو جزئي ، نتيجة لذلك. واستهدفت المباني التجارية ، مثل محلات السوبر ماركت أو محلات المواد الغذائية ومحطات خدمة السيارات ومحطات الوقود ، غالباً بذخائر موجهة دقيقة وقذائف مدفعية تسببت باندلاع الحرائق وتدمير محتوياتها ....).
ومع انقطاع الكهرباء وعدم وصول المؤن الغذائية وغيرها من الإمدادات إلى القرى ، لعب تدمير محلات السوبر ماركت ومحطات الوقود دوراً حاسماً في إجبار السكان المحليين على النـزوح و ذلك بسبب نقص المواد التموينية و الغذائية الضرورية و المحروقات اللازمة الذي من خلاله يستطيع السكان التزود في المياه بواسطة مضخات الآبار الجوفية ، لأن مضخات المياه تحتاج إلى كهرباء أو مولدات تتغذى بالوقود.... وقد قدَّرت الحكومة اللبنانية تكلفة الأضرار التي لحقت بمرافق المياه بأكثر من 70 مليون دولار اعتباراً من 8 آب.وتشمل مرافق المياه المتضررة والمدمرة أربع آبار في فخر الدين ، فضلاً عن الأنابيب الممتدة بين محطة فخر الدين ووادي الراشد. وتعرضت صهاريج التخزين في منطقة صيدا وبنت جبيل والوزاني للضرر أو التدمير. ودُمرت محطة ضخ في منطقة بعلبك- الأسيرة ، فضلاً عن أنبوب المياه بين سبعة والدلبي. وفي منطقة الليطاني، أُصيبت قناة القاسمية والأنبوب الممتد من جون إلى الأولي . فيما تركت الغارات الجوية الإسرائيلية التي شنت في الأسبوع المنتهي يومي 12 و13 آب، قبيل دخول وقف إطلاق النار حيز النفاذ، مدينتي صيدا وصور بدون كهرباء. وتُقدر تكلفة الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء بحوالي 208 ملايين دولار أمريكي .
و كانت الطائرات و البوارج الإسرائيلية قد قصفت محطة كهرباء الجية التي تبعد حوالي 25 كيلومتراً جنوب بيـروت وصهاريج الوقود فيها في 13 تموز ومرة أخرى في 15 تموز. وغطت النيران التي اندلعت جراء ذلك ، والتي ظلت مشتعلة طوال ثلاثة أسابيع ، المناطق المحيطة بغبار أبيض ناعم من الخرسانة المطحونة وملأت الجو بسخام أسود. وإضافة إلى ذلك، تسبب ذلك الهجوم بتسرب 15000 طن من الوقود الثقيل إلى البحر. ولوثت بقعة الزيت أكثر من 150 كيلومتراً من الخط الساحلي اللبناني، وانتشرت شمالاً إلى المياه السورية. ووصفها برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة بأنها واحدة من أسوأ الكوارث البيئية التي شهدتها المنطقة. وتُقدَّر تكلفة التنظيف الشامل بحوالي 150 مليون دولار ويستغرق العمل سنة كاملة. و قال ستافروس ديماس المفوض الأوروبي المكلف بجهود احتواء الضرر إن "التسرب النفطي الأخير قبالة الساحل اللبناني يشكل كارثة بيئية وقد يؤثر على موارد الرزق والصحة ومستقبل لبنان والدول المحيطة به". و وفقاً للمنظمة غير الحكومية البيئية اللبنانية غرينلاين : "فإن صهاريج الوقود أطلقت سحابة من الهيدروكربونات العطرية المتعددة والديوكسين ومواد دقائقية وكلها يمكن أن تسبب السرطان ومشاكل في جهاز التنفس ومشاكل هرمونية".
وقال أتشيم ستاينر، نائب الأمن العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة "إنها ... حقيقة محزنة أن تكون البيئة - التي تبرز فيها بشكل صارخ البقعة النفطية والخط الساحلي المتضرر والمسوَّد - ضحية أيضاً مع ما لها من انعكاسات على مصادر الرزق وصحة الإنسان والتنمية الاقتصادية والأنظمة البيئية ومصائد الأسماك والسياحة والحياة البرية النادرة والمعرضة لخطر الفناء." ولم يتم بعد تقييم الضرر الذي لحق بقطاعين فتيين من الاقتصاد اللبناني - هما السياحة التي كان من المتوقع قبل النـزاع أن تحقق 12 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي للأمة هذا العام والصيد التجاري للأسماك.
وأدى قصف المحولات الكهربائية مثل ذلك الذي أُصيب في صيدا في 12 آب إلى انبعاث ثنائي الفنيل المكلور المتعدد في الهواء. وما زال لبنان يستخدم محولات تتضمن أجزاء صنعت من هذه المادة بالرغم من وجود حظر دولي على استخدامها وحذرت غرينبيس من أن ثنائي الفنيل المكلور المتعدد هو عبارة "عن مادة كيماوية متراكمة حيوياً وثابتة، لذا عندما تتنشقها تبقى في جسمك وتسبب السرطان". كذلك أدى قصف المصانع التي تصنع منتجات مثل الزجاج والمواد الغذائية والبلاستيك (اللدائن) إلى انبعاث هذه المواد الكيماوية والكلورين في الجو في المناطق الوسطى من لبنان، ويحتمل أن تكون أثرت على مليوني شخص.
ماذا على الصعيد السياسي ؟
أصر الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية على أنهم كانوا يستهدفون مواقع حزب الله ومرافق إسناده وأن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية كانت عرضية أو نجمت عن استخدام حزب الله للسكان المدنيين " كدروع بشرية" حسب ادعاء القادة العسكريين الااسرائيليين . بيد أن نمط ونطاق الهجمات ، فضلاً عن عدد الإصابات التي وقعت في صفوف المدنيين ومقدار الأضرار التي لحقت بالممتلكات ، تجعل من هذا التبرير كلاماً أجوف. وتوحي الأدلة بقوة بأن التدمير الواسع للمرافق العامة وشبكات الطاقة ومنازل المدنيين والصناعات كان متعمداً وجزءاً لا يتجزأ من استراتيجية عسكرية ، وليس مجرد "أضرار جانبية" أو أضرار عرضية لحقت بالمدنيين أو الممتلكات المدنية نتيجة لاستهداف الأهداف العسكرية.
ويبدو أن التصريحات التي أدلى بها المسؤولون العسكريون الإسرائيليون تؤكد أن تدمير البنية التحتية كان بالفعل هدفاً للحملة العسكرية. ففي 13 تموز، بعيد بدء الضربات الجوية ، هدد الجنرال دان حالوتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ( أن كل بيـروت يمكن أن تُشمل ضمن الأهداف إذا استمرت صواريخ حزب الله في ضرب شمال إسرائيل ) ، و اعلن صراحة ان " لا شيء في مأمن (بلبنان) ". وبعد ثلاثة أيام، وفقاً لصحيفة جيروزلم بوست، هدد أحد كبار ضباط الجيش الإسرائيلي بأن (إسرائيل قد تدمر محطات الطاقة اللبنانية إذا أطلق حزب الله صواريخ بعيدة المدى على منشآت استراتيجية في شمال إسرائيل....) .
وفي 24 يوليو/تموز، وفي مؤتمر صحفي عقده أحد كبار ضباط سلاح الجو الإسرائيلي، قال للمراسلين ( إن رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي أمر العسكريين بتدمير 10 مبانٍ في بيـروت مقابل كل صاروخ كاتيوشا يضرب حيفا...) . ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، قال رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي إن الضربات الجوية تستهدف مواصلة الضغط على المسؤولين اللبنانيين، وإرسال رسالة إلى الحكومة اللبنانية بأنها يجب أن تتحمل مسؤولية أفعال حزب الله....
ويظهرالتدمير واسع النطاق للشقق والمنازل ومرافق الكهرباء والماء والطرقات والجسور والمصانع والمرافئ ، إضافة إلى عدة تصريحات أدلى بها المسؤولون الإسرائيليون، بوجود سياسة لمعاقبة كل من الحكومة اللبنانية والسكان المدنيين في مسعى لحملهم على الانقلاب على حزب الله. ولم تتراجع الهجمات الإسرائيلية ولم يبدُ أن نمط الهجمات يتغير، حتى عندما بات واضحاً أن ضحايا القصف كانوا بأغلبيتهم من المدنيين، وهذا ما حصل منذ الأيام الأولى للنـزاع .
ورغم الخسائر الفادحة التي كان تكبدها جيشه الا ان وزير الدفاع الاسرائيلي عمير بيرتس قال "بأنه لا يمكن لإسرائيل أن توافق على وقف فوري لإطلاق النار في لبنان لان المتطرفين سيرفعون رؤوسهم مجددا في مثل هذه الحالة ويعود الوضع في المنطقة إلى سابق عهده في غضون بضعة أشهر" . و اضاف بيرتس خلال خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي ظهر اليوم الذي ارتكب فيه الجيش الاسرائيلي المجزرة المخيفة في قرية قانا في الجنوب اللبناني التي راح ضحيتها اكثر من 60 شهيدًا معظمهم من الأطفال "أن إسرائيل وافقت على فرض قيود على عمليات سلاح الجو في لبنان لمدة ثمان وأربعين ساعة كلفتة إنسانية بعد حادث مقتل المدنيين اللبنانيين في قرية قانا غير أن الجيش سيوسع نطاق عملياته ضد حزب الله ". الا انه استدرك بالقول : "ممنوع الموافقة على وقف لإطلاق النار نحن ننوي أن ننتصر". وزعم بيرتس "أن الشعب الإسرائيلي وجيشه يريدون تغيير الواقع في الشرق الأوسط ، ويريدون إنهاء التهديد عن الجبهة الشمالية".
من ناحيته فقد قال وزير العدل الإسرائيلي حاييم رامون "إن تعليق إسرائيل ضرباتها الجوية في لبنان لمدة 48 ساعة لا يعني "انتهاء الحرب" ضد حزب الله. وصرح رامون لإذاعة الجيش الإسرائيلي أن "تعليق نشاطاتنا الجوية لا يعني بأي شكل من الأشكال انتهاء الحرب بالعكس،هذا القرار سيتيح لنا كسب هذه الحرب وتخفيف الضغوط الدولية". وتعرضت "إسرائيل" لانتقادات دولية حادة بسبب ارتكابها مجزرة في بلدة قانا جنوب لبنان أسفرت عن مقتل العشرات معظمهم من الأطفال . وأكدت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي " أن إسرائيل علقت وبشكل فوري ضرباتها الجوية على لبنان لمدة 48 ساعة لكنها تحتفظ لنفسها بحق الاستمرار في مهاجمة مجموعات مسلحة محتملة لحزب الله تستعد لإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل".
من جهة اخرى ، و في رد اولي على التصريحات الاسرائيلية ، دعا الرئيس اللبناني أميل لحود "إسرائيل" إلى وقف عملياتها و الانسحاب إلى الخط الأزرق معبرا عن امله في انه سيتم بعد ذلك و في أسرع وقت ممكن بحث كل المواضيع حتى تنتهي القضية اللبنانية محملا في نفس الوقت الولايات المتحدة المسؤولية عما يجري في لبنان قائلا " إن ما يحدث هو خطة أمريكية محضرة مسبقا تنفذها إسرائيل " . و قد رفض الرئيس اللبناني أميل لحود موافقة بلاده على نشر قوات متعددة الجنسيات في الأراضي اللبنانية معبرا عن دعمه " لتعزيز قوات الطوارئ الدولية الموجودة حاليا على الحدود "، رافضا "... أي قرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي تملي على لبنان شروط إسرائيل... ". وهدد لحود " بدخول الجيش اللبناني في المعركة إذا ما دخلت قوات برية إسرائيلية إلى لبنان مؤكدا انه لا يمكن التخلي مرحليا عن المقاومة اللبنانية ونزع سلاحها !".
و على الصعيد الدولي ايضا فان اللبنانيون ، ومن خلال الحكومة ، أجمعوا على الوثيقة التي قدمها الرئيس السنيورة إلى قمة روما ، والتي تكشف عن الرؤية اللبنانية للحل ، وبذلك قطعوا الطريق على أي محاولة للعب على التناقضات بين القوى اللبنانية. و ظهر ما يجري في لبنان من قصف وتدمير وقتل للابرياء دون السماح بوقف إطلاق النار يدل على حجم المشكلة ، وتعقيداتها، ومخاطرها ، وأبعدها ، والرئيس نبيه بري كان واضحاً عندما قال :( ما يجري هو مؤامرة على لبنان. واضاف بري في حوار مباشر مع قناة الجزيرة إن على الدول العربية وخاصة تلك المقربة من الولايات المتحدة أن تنزل بضغطها وتلزم "إسرائيل" وواشنطن على الدخول في مفاوضات واسعة تشارك فيها جميع الأطراف لبحث حل نهائي للنزاع في الشرق الأوسط ...). و وضع بري الدول العربية أمام خيار آخر يتمثل في ( توسيع الحرب المفروضة على لبنان بدخول الدول العربية على خط المواجهة ) ، مشيرا إلى ( أن النار التي يكتوي بها لبنان ستصل إلى الأطراف العربية وبالتالي عليها أن تتحرك في أقرب وقت ..) . و وصف بري - الذي خوله حزب الله للتفاوض بشأن ملف الأسرى- ( إن الحرب التي تشنها "إسرائيل" على لبنان مدبرة ومدروسة في اتجاه ممارسة مزيد من الضغوط على سوريا وإيران إلى جانب كونها مؤامرة على لبنان . فقد انعقد مؤتمر روما بحضور الدول الثماني الكبرى مع تحرك عربي خجول لم يصل إلى مستوى عقد قمة عربية ، علماً أنّ ما كان يجري على الارض هو أمر خطير فهناك تصور أميركي بإنشاء شرق أوسط جديد يلبي طموحات واشنطن واسرائيل الامنية والسياسية والاقتصادية ) .
وفي نفس المجال و في كلمة متلفزة ، بثتها وسائل الاعلام اللبنانية و العربية المرئية ، اعتبر السيد حسن نصرالله ما جاء على لسان رايس هو الاساس في المعركة الدائرة حالياً وليس أسر الجنديين ، واكد ان مخطط الاعتداء على لبنان ليس جديداً وانما عمره شهور، وكان ينتظر الاعداد الكامل كي يشكل عنصر المفاجأة عاملاً مؤثراً فيه ، وجاءت عملية أسر الجنديين لترغم الاسرائيليين على الكشف عن مشروعهم ، والبدء بالهجوم مفتقدين لعنصر المفاجأة، وهذا ما أعطى قوة الصمود للمقاومة . اذا ، فالمشروع الاميركي الاسرائيلي الذي يستهدف المنطقة قائم ، وهو يستهدف ضرب مختلف حركات التحرر والقوى المقاومة لإفساح المجال لعلاقات طبيعية تأخذ فيه "إسرائيل" وضعها الطبيعي كدولة تمتلك ترسانة نووية تفرض السياسة الاميركية في المنطقة.
خطة اسرائيلية ـ امريكية للمنطقة
كلام نصر الله المتلفز يستند على معطيات يملكها حزب الله و قيادته السياسية ، و يأتي استكمالا لما نشر من تقارير سرية والتي كان آخرها اللقاء الأمني السياسي السري الذي عقد في فلوريدا بالولايات المتحدة في شهر تشرين الاول من العام 2005 وشاركت فيه عدة جهات إقليمية ودولية ومشاركة اسرائيلية ننشر تقريرا سريا آخر يؤكد ان الولايات المتحدة وتل أبيب أعدتا خطة من 17 نقطة وبندا لرسم خارطة جديدة للمنطقة، تشكل الحرب على الساحتين اللبنانية والفلسطينية جزءا من هذه الخطة الموضوعة منذ مدة طويلة، وبالتالي ، يؤكد التقرير ان اسر الجنود الاسرائيليين الثلاثة من جانب حزب الله وحركة حماس مجرد ذريعة واهية تستند اليها تل أبيب وامريكا في شن الحرب المندلعة حاليا، كما يؤكد التقرير مشاركة واشنطن الفعلية في هذه الحرب بالسلاح والحشد والمعلومات والتجنيد واستخدام الادوات وتكليف الحلفاء في المنطقة بالادوار المطلوبة واللازمة.
يقول التقرير السري :(ان الولايات المتحدة وتل أبيب حاولتا بطرق عديدة اشعال حروب اهلية في فلسطين ولبنان حتى يسهل عليها تنفيذ الخطة المؤلفة من سبعة عشر بندا، الا ان هذه المحاولات فشلت، وبالتالي، كان لا بد من شن الحرب المدمرة...)، ويذكر التقرير ( ان الخطة وضعتها طواقم مشتركة محدودة العدد من كبار المسئولين والمقربين لكل من الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اريئيل شارون واستغرق إعدادها ثمانية اشهر ، وجاءت بعد لقاءات واجتماعات واتصالات مطولة عقدت بشكل سري في اماكن متعددة داخل تل أبيب والولايات المتحدة، وتمت الموافقة عليها من جانب بوش وشارون، واطلع عليها ايهود اولمرت في مرحلة متأخرة، وتحديدا بعد دخول شارون المستشفى للمرة الاولى، لكن، رئيس الاركان الاسرائيلي دان حالوتس، كان على اطلاع اكثر، أما ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي فكان يطلع اولا باول على النتائج التفصيلية للقاءات والاجتماعات السرية ) .
و يشير التقرير الى ( ان الحروب التدميرية هي الوسيلة الانجع للتنفيذ في حال فشلت محاولات اشعال الحروب الاهلية واثارة الفتن في الساحات المستهدفة ، وهي كما وردت في التقرير فلسطين ولبنان وسوريا وايران، وبعد نجاح الخطة في الساحات المذكورة وكما جاء في الخطة تبدأ عملية اسقاط بعض الانظمة والحكام في ساحات اخرى واستبدالهم بآخرين تم اعدادهم لهذه الادوار مسبقا ) ، حتى ان التقرير يكشف عن ازاحة حكام بعد استكمال الخطة رغم مشاركتهم في التنفيذ لادوار يكلفون بادائها. والخطة الاسرائيلية الامريكية ، كما جاء في التقرير ( ترسم خارطة جديدة للمنطقة ، من خلال صياغة ورسم حدود الدولة العبرية ، وهذا هو عنوان الخطة التي تضمنت طبيعة الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة بشكل يحقق الامن الاسرائيلي ويمنع الاحتكاك، وكذلك الامر بالنسبة لسوريا والضفة الغربية...) .
واورد التقرير ( ان رسم حدود الدولة العبرية يجب ان ينتهي العمل منه حتى العام 2010 ، وان هذه الخطة بدأت مرحلتها الاولى ) ، بمعنى ان البند الاول منها ( تم تطبيقه عندما انسحبت تل أبيب من قطاع غزة من جانب واحد.) . ويضيف التقرير ( ان الخطة احتوت على فقرة ، تقول: يجب ان تزول كل العقبات ، وفي مقدمتها حزب الله، بكل السبل والوسائل'. وانه يجب ان تنطلق تل أبيب بدعم امريكي واسع ومشاركة فعالة لشن حرب تدميرية في المنطقة تتجاوز لبنان وفلسطين الى سوريا وايران دون اكتراث للمجتمع الدولي، وانه بعد اتمام وتنفيذ الخطة يمكن الالتفات الى الردود والمواقف الدولية ومعالجتها ) . ويخلص التقرير الى القول بان ( الخطة المذكورة هي الطريق الى انهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي في موعد لا يتجاوز العام 2010 مع تطويع المنطقة بالكامل لخدمة الحل الامريكي الاسرائيلي لهذا الصراع ) .
الموقف الامريكي المنحاز
من ناحية اخرى فان إصرار وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس على استمرار الحرب على لبنان ، واعطاء مزيد من الوقت للجيش الاسرائيلي لإحداث اختراق عسكري يؤكد ضلوع واشنطن في مؤامرة ذبح الشعبين اللبناني والفلسطيني فالغارات استمرت على مختلف المناطق اللبنانية وخاصة مناطق صور و الضاحية الجنوبية و البقاع ، اضافة الى قرى و بلدات قضاءي بنت جبيل و النبطية . رغم ذلك فان المقاومة بقيت مشتعلة و تقاوم على طريقتها لإثبات قدرتها على المواجهة وعلى كسب الوقت لتعطيل أية إمكانية لجيش الاحتلال للسيطرة على الشريط الامني المُخطط له بالسرعة التي تريدها " إسرائيل" لإرسال رسالة واضحة إلى مؤتمر روما . وقد كشفت رايس عن الانحياز الاميركي الكامل لصالح " إسرائيل" على حساب شعوب المنطقة وذلك من خلال جولتها في المنطقة التي ترافقت مع القصف الاسرائيلي التدميري لقطاع غزة وللبنان وتعطيل أية مساعي للتهدئة ، خاصة ان رايس رفضت المناقشة في أفكارها فهي جاءت لتفرض آراءها ، وتملي ما تجده الادارة الاميركية مناسباً من حلول على الطريقة العراقية والافغانية.
هذا الموقف الاميركي المصر على تسليم الجنديين الاسيرين أولاً وقبل كل شيء، ثم تسليم حزب الله لسلاحه إلى الدولة ، والانسحاب إلى ما بعد الليطاني ونزول قوات دولية في الشريط الحدودي دون التطرق إلى وقف إطلاق النار جعل سقف مؤتمر روما والنتائج التي ستصدر عنه منخفضة ، أي أنّ الحلول والقرارات ستأخذ مصلحة "إسرائيل" بعين الاعتبار أولاً وقبل كل شيء. علماً ان هناك ضغطاً عربياً كاملاً بضرورة وقف إطلاق النار لوقف المجازر وانسحاب "إسرائيل" من شبعا ونزول قوات دولية ثم معالجة باقي القضايا.
و مع استمرار المقاومة لاسابيع ثلاثة و اكثر ، اتضح أن الولايات المتحدة تسعى باتجاه الضغط على "اسرائيل" للاستمرار في الحرب والتدمير رغم أنّ بعض المسؤولين الاسرائيليين بدأ يتململ لأنّ هناك خسائر فادحة أيضاً لدى الجانب الاسرائيلي بسبب قصف حيفا التي هجرها 30% من أهلها إضافة إلى 20% منها غادروا "إسرائيل" بالكامل الا انه يبدو أن الادارة الاميركية تريد أن تستنزف الجيش الاسرائيلي في معركة تخدم مصالحها هي أيضاً .
قمة روما والتحرك الاوروبي المتأخر
لقد عول بعض المراقبين على قمة روما خيرا اذ كان من المأمول أن تتمكن تلك القمة من فرض وقف لإطلاق النار لوقف المجزرة ، لكن على ما يبدو أن الاولوية في المؤتمر كانت لإرسال قوة دولية ضاربة تتولى هي بنفسها ، وانطلاقاً من الشريط الامني الذي تسعى إليه "إسرائيل" ، لمعالجة موضوع حزب الله وعلاقة الحزب بالحكومة. لكن لا يجب أن لا ننسى أن حزب الله ما زال يمتلك القدرة على المقاومة والصمود ، وانه يراهن على هذا النصر لتعطيل المشروع الاسرائيلي برمته . و بعد ان راحت السكرة وجاءت الفكرة ، وانفضّ المجتمعون في قمة روما بعد أن شربوا الكأس الاميركية وأصيبوا بحالة من الخمول والضعف والتخاذل ، وجعلهم يصمتون ويبصمون على ما أرادته رايس . وفي اليوم الثاني عندما صرّح وزير الحرب الاسرائيلي بأن قمة روما أعطت جيشه الضوء الاخضر لمواصلة عدوانه على لبنان تنّبهت العواصم الاوروبية وخاصة روما وبريطانيا وفرنسا إلى ما سيلحقه هذا التصريح بسمعتها السياسية أمام شعوبها. والذي حرّك هذا الموضوع أكثر هو المظاهرات والاحتجاجات التي عمَّت عواصم العالم ، والتي تطالب بوقف فوري وشامل لإطلاق النار، وهذا ما جعل شيراك يسارع للمطالبة بعقد اجتماع لمجلس الامن لأخذ قرار بوقف إطلاق النار أسوة بكل مشاكل العالم وصراعاته، حيث انه لاول مرة تجتمع الدول العظمى وتوافق على المطلب الاميركي بعدم وقف إطلاق النار مما يعني الانصياع التام للمصالح الاميركية والأطماع الاسرائيلية ، كذلك تحرك بلير رئيس الوزراء البريطاني وبسرعة للقاء الرئيس الامريكي بوش في البيت الابيض مطالباً أياه بالموافقة على وقف إطلاق النار تمهيداً لنشر قوة دولية ، وأشار بلير بنفسه إلى ان رايس ستزور المنطقة وستحمل مقترحات جديدة لوقف إطلاق النار ولإرساء الحلول . كذلك رئيس الوزراء الايطالي الذي تحرك في الاطار نفسه محاولاً إستعادة كرامة ايطاليا التي أقَّرت قمة روما على أرضها ذبحَ الشعب اللبناني .
وفي هذه الاجواء تحرّكت الترويكا الاوروبية لتلتقي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ، وكذلك رئيس الوزراء فؤاد السنيورة وتمّ الخوض في تفاصيل المبادرة التي قدمتها حكومة السنيورة . وقد أُعتبرت زيارة الترويكا ردّ إعتبار للبنان الذي يُذبح بأداة القتل الاسرائيلية خاصة أنها ايدت بالكامل الورقة اللبنانية ، و بعد ان اسيتقظت العواصم الاوروبية وبدأت تحركاً له الطابع الانساني لكنه دون شك يتمحور حول نقطتين ، إنتشار القوة الدولية ووقف إطلاق النار، أضطرت رايس ان لا تترك الفرصة للأوروبيين ، وأن تبقى ممسكة بزمام الامور . لكن من الواضح انَّ تراجع القوة الاسرائيلية من مثلت بنت جبيل - مارون الراس- تلة مسعود بعد ان تكبّدت خسائر فادحة، وسقوط طائرة بدون طيار ، وقصف العفولة بصواريخ " خيبر 1"، وحالة الارباك في المؤسسات الاسرائيلية ، كل ذلك كان له الأثر الكبير في تحرك رايس وتوجهاتها.
وحدة لبنان هزيمة لـ"اسرائيل"
اللبنانيون ومن خلال الحكومة أجمعوا على الوثيقة التي قدمها الرئيس السنيورة إلى قمة روما ، والتي تكشف عن الرؤية اللبنانية للحل ، وبذلك قطعوا الطريق على أي محاولة للعب على التناقضات بين القوى اللبنانية. ان ما جرى في لبنان من قصف وتدمير وقتل للابرياء دون السماح بوقف إطلاق النار يدل على حجم المشكلة وتعقيداتها ومخاطرها وأبعادها، والرئيس نبيه بري كان واضحاً عندما قال: ما يجري هو مؤامرة على لبنان . فبعد ان عجزت " اسرائيل " عن تحقيق انجازات عسكرية في منطقة الجنوب نتيجة اصطدامها بمقاومة هائلة ومحكمة ، فلم يكن أمامها إلاّ أن تهرب إلى بعلبك حيث الاهداف المدنية ، مستشفى الحكمة ، البيوت المدنية، المدنيون العُزّل و بعد ان فشلت قواتها من النخبة في اختراق فعلي لتواجد المقاومة في الجنوب و بعد التغييرات المهمة التي حصلت في قيادة الجيش الاسرائيلي اهمها تغيير في قيادة المنطقة الشمالية ، وافراغ تلك المنطقة من المستوطنين بشكل كلي من قرى و مستوطنات صهيونية و لاول مرة منذ نكبة فلسطين عام 1948 .
و في الجنوب ايضا ، ما زالت قوات الاحتلال الاسرائيلي ، رغم فِرَق الاحتياط التي حشدتها ، عاجزة عن تثبيت أقدامها في القرى والبلدات الحدودية ، فهي تدخل بجنودٍ مرعوبين ، وسرعان ما يختل التوازن ، فتتكبد الخسائر البشرية والعسكرية والمعنوية ، ثم تنسحب، مدّعيةً أن هذا الانسحاب تكتيكي . صورة الجيش الاسرائيلي القوي الرعديد و الذي لا يقهر فقدت بريقها أمام الاسرائيليين انفسهم وأمام العالم اجمع ، فسمعة "اسرائيل" اليوم في الحضيض ، "إسرائيل" اليوم هي "إسرائيل" التي تتقن قتل الأطفال وتتفنن بارتكاب المجازر ، وهي التي تدمّر الابنية على سكانها، وهي التي تمنع هيئات الاسعاف والاغاثة والدفاع المدني من الوصول إلى الضحايا تحت الانقاض ، و"اسرائيل" اليوم هي العاجزة عسكرياً عن تحقيق اختراق عسكري في الجنوب تُسعِفَ به الموقف الاميركي المُنتظَر على أحرّ من الجمر نصراً كهذا. وحتى لو تقدمت قوات الاحتلال أمتاراً فإن هذه القوات لن تستطيع الثبات والبقاء ، لأنّ المقاومة مازالت تمتلك قدراتها على المجابهة ، وهذه المقاومة هي التي توعّدت الجيش الاسرائيلي و هزمته فعليا .
لقد ثبت وأمام العالم بأسره إنهيار الجيش الاسرائيلي عسكرياً ومعنوياً في معارك القرى الحدودية سواء في بنت جبيل ومارون الراس وتلة مسعود، أو الطيبة والعديسة وكفر كلا ، أو عيتا الشعب وعيترون ، وفي كل قرية قصة صمود ومقاومة.وكلما إنكشف عجز الجيش الاسرائيلي اكثر أمام العالم الذي أعطى المزيد من الوقت لاسرائيل لتحقق انجازاً، نراهُ يهرب إلى قصف المناطق المدنية في البقاع والشمال والضاحية، والقرى الجنوبية، وحين لا يجد بيتاً او جسرا او حتى طريقا نجا من حقده ، يعود فيقصف تلك البيوت و الجسور و الطرقات المقصوفة ، فينتقم مجدداً من الضحايا تحت الانقاض .
ماذا حقق حزب الله ؟
رغم ذلك فان ما يجري على أرض الجنوب من مقاومة ، ومن صمود ليس سهلاً وستكون له تأثيراته المستقبلية على كافة الأصعدة المحلية ، والعربية، والدولية، فهناك متغيّرات ستفرضُ نفسها على أرض الواقع ، ولعلّ أبرز هذه المتغيرات هي :
أولاً: إنّ حرب العصابات التي تعتمد على قدرات الفرد قادرة على هزيمة الاحتلال مهما كانت قواته العسكرية، وقدراته التكنولوجية، وامتداداته الدولية.
ثانياً: أثبت حزبُ الله مصداقيته مع القوى الأخرى في لبنان التي خاض معها حوارات مكيّفة وشاقة ، وحاول عبرها إقناع الجميع بأنّ المقاومة قادرة على طرد الاحتلال ، وتحرير الارض ، و من ذلك اعلان الحزب على لسان قياداته انه من خلال الحوارات ايضا كان قد طرح امكانية أسر جنود صهاينة من اجل استبدالهم بالاسرى اللبنانيين الذين ما زالوا في سجون الاحتلال .
ثالثاً: فرض حزب الله ، ومن خلال تضحياته الراهنة ضد "إسرائيل" ، موقفاً وطنياً شاملاً على صعيد الساحة اللبنانية ، وحقّق بذلك إلتفافاً حول المقاومة.
رابعاً: من خلال الصمود في الجنوب قطع حزب الله الطريق على "اسرائيل" والولايات المتحدة ومحاولاتهما شق الصف اللبناني ، وتأليب بعض القوى لصالحهما ، وأعرب الجميع عن إدانتهم لجيش الاحتلال وممارساته ، وحمّلوه مسؤولية التدمير والقصف والقتل بعد أن حاولت "إسرائيل" تحميل الحزب مسؤولية وتبعات ما تقوم به من تدمير .
خامساً: الحقيقة التي لا بد من قولها أيضاً أنّ حزب الله أصبح مديناً لمختلف القوى السياسية ، وللطوائف الدينية نظراً لما قدّموه من غطاء سياسي وشعبي للحزب في مقاومته ، وهذا ما يفرض على الحزب مرونة كبيرة في التعاطي مع القضايا الوطنية المطروحة سابقاً ولاحقاً ، خاصة بعد النصر الكبير الذي تحقّق حتى الآن على الاقل على المستوى العسكري .
البحث الاسرائيلي في التيه
من المهم القول هنا ان "إسرائيل" كانت تبحث جاهدةً عن نصر تسجِّله في الملف السياسي قبل أن ينْفذ صبر العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي خرجت عن كل الآداب السياسية والدبلوماسية وأصّرت على عدم وقف إطلاق النار. و"إسرائيل" اصبحت في غاية الاحراج لأنه إذا بقيت المعطيات العسكرية على ما هي عليه فإنها مضطرة للذهاب إلى التفاوض بكفي حنين ، وستكون عاجزة عن فرض أية شروط . لذلك فإن ما شاهدناه من تصعيد وتكثيف عسكري كان ضرورة ملحّة بالنسبة لـ"إسرائيل" كدولة متفوقة عسكرياً على دول الشرق الأوسط كافة ، وكدولة مضطرة لحماية مصالحها في المنطقة. هنا تكمن أهمية ما كان يجري على أرض الجنوب فـ"إسرائيل" ، و هي المعتدية بإستمرار ، تتحدث عن حاجتها إلى الامن ، وتتحدث عن السلام وهي من قوَّض أُسس وقواعد السلام في المنطقة ، تتهم الآخرين ـ كلَّ الآخرين ـ بالإرهاب وهي ملكة الارهاب والخبيرة رقم واحد في إرتكاب المجازر وقتل الأطفال والنساء . "اسرائيل" تعيش على الكذب والخداع فهو مبرر وجودها ، لإنها أصلاً قامت على خداع المجتمع الدولي .
وما جرى و لازال يجري يؤكد أن "إسرائيل" مجتمع عنصري قائم على الحرب والعدوان، وهي تحاول دائماً البحث عن مبررات للإمعان في القتل والدمار، وما تفعله في لبنان وفلسطين يؤكد أنها تخوض حرب إبادة بشرية ضد الشعبين، وهي تبحث عن ذرائع لتنفِّذ خططها وبرامجها ، ففي فلسطين تتخذ من خطف الاسير الاسرائيلي مبرراً لمزيد من المجازر، وفي لبنان أتخذت من خطف الأسيرين الاسرائيلين مبرراً لافتعال عشرات المجازر ايضا في لبنان من مروحين إلى صريفا ، إلى قانا، الى سلعا، والى الشياح ، إلى الغازية و القاع ، ورغم ذلك كله فإن مجلس الامن بقي يدرس موضوع امكانية وقف إطلاق النار، و يبدو ان حجم الضحايا والدمار الذي تمّ حتى الآن لا يكفي والمطلوب إعطاء الفرصة الاضافية لـ"إسرائيل" لتقتل المزيد ، وحتى الذي يشيِّعون الشهداء يُقصفون، ويُقتلون، و لا من رادع لهم .
وقف النار ونشر الجيش
بعد وقف إطلاق النار ، قررت الحكومة اللبنانية ، وفي خطوة مهمة وأساسية استعدادها لنشر الجيش اللبناني في الجنوب ، وإنسحاب العدو الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية ، ووضع مزارع شبعا تحت وصاية الامم المتحدة تمهيداً لتحديد ما اذا كانت لبنانية أو سورية . هذه الخطوة الجرئية والمهمة حملها الوفد اللبناني والعربي الى مجلس الامن وهي خطوة كافية لإقفال أفواه كل المعطّلين لوقف إطلاق النار الفوري. فلبنان مستعد لأخذ دوره الكامل وفي إطار توافق سياسي جماعي بما في ذلك حزب الله. فالخطوة التي تبناها لبنان والتي تدل على وعي قيادته السياسية ، وتقديرها للمسؤولية ، قطعت الطريق على الاسرائيلين والاميركيين ، فالمطلوب حلٌّ مُشرِّفٌ للبنان ومقاومته فهو البلد العربي الصغير في جغرافيته لكنه الكبير بتضحايه ، وإرادته الوطنية.
وبعد هذا الموقف اللبناني الواضح لا يمكن تبرير موقف مجلس الامن والاطراف المعطَّلة إلاّ بأنها ترغب في تحطيم العنفوان اللبناني ، وتدمير ما تبقى من بنيته التحتية، وتلبية الرغبة الاسرائيلية. فالخطوة اللبنانية بنشر الجيش مهمة جداً داخلياً وخارجياً، فهي تضع الحلول والاجابات على كافة الاسئلة والتساؤلات، فلبنان واضح، لكنّ السؤال موَّجه الى "اسرائيل" التي تريد الحرب من أجل الحرب ، ولو كانت تريد الاستقرار لكانت انسحبت من مزارع شبعا وانتهى الموضوع. و قد اصبح الآن بين يدي العرب قضية عادلة وتحتاج إلى محامين قادرين لتثبيت الحق اللبناني أولاً ، ولإثبات أن "اسرائيل" كيان عنصري معادٍ للأنسانية، ولنقل صورة حقيقية عن ممارسات هذا الكيان الإجرامية ، وإلى فضح الديموقراطية التي تتغنى بها واشنطن . فإلى متى سيبقى العرب أسوأ محامين لأعدل قضية.
المواجهات و سياسة الارض المحروقة
على الصعيد الحربي فقد صرّح قادة جيش الاحتلال بأنهم حشدوا ثلاثة أضعاف ما كان لديهم على أمل أن يحققوا تقدماً،ولما لم يتمكن العدو من تحقيق تقدم في منطقة القطاع الغربي ، حيث المواجهات كانت ساخنة ، بدأ يركّز على أقرب النقاط من نهر الليطاني ، أي محور العدوسية الغندورية والطيبة ، بحيث تصبح القوات الاسرائيلية مشرفة على مجرى نهر الليطاني من الجهة الشرقية، وتسجَّل بذلك نصراً مزيّفاً يمكن المتاجرة به إعلامياً، ويمكن بالتالي خداع الجمهور الاسرائيلي بأن الجيش الاسرائيلي حقق هدفه ، علماً أن قواته التي وقعت في شرك المقاومة ما زالت تراوح في المنطقة الحدودية مع تكبُّد خسائر فادحة بالأرواح والعتاد والمعنويات.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف لجأت "اسرائيل" إلى استخدام سياسة الارض المحروقة ، والابادة البشرية حيث ارتكبت مجزرة جديدة بحق اهالي مرجعيون من الجيش والمدنيين الذين أخذوا إذناً بواسطة قوات اليونيفيل والصليب الاحمر بالمغادرة إلى النبطية ، كما إرتكبت مجزرة أخرى في بلدة رشاف حيث دُمِّر المبنى على اهله فاستشهد حوالي احد عشر من المدنيين المختبئين في بيوتهم . وأظهرت المعطيات الميدانية ان "اسرائيل" ما زالت عازمة على احداث انجاز على الارض يساعد فريقها الديبلوماسي في نيويورك لفرض شروطها لوقف النار، بعيداً عن الشروط اللبنانية المتمثلة بالنقاط السبع لخطة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة . وفي هذا السياق ، عقدت الحكومة الأمنية الاسرائيلية المصغرة اجتماعاً في اليوم التاسع و العشرين للاعتداء على لبنان ، و ذلك للبحث في امكان توسيع العمليات البرية وسط اعادة تأكيد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ان لا حدود لتحرك الجيش الاسرائيلي في لبنان.
و يندرج هذا الاجتماع المصغر في اطار التحضير للعملية البرية التي حدد الاسرائيليون فيه هدفهم بانشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني ، فيما دمرت قوات الاحتلال جسر القاسمية والعبارات البديلة المستحدثة وواصل الطيران المعادي تحليقه في اجواء المنطقة للحؤول دون اي محاولة لاستحداث معبر جديد ، وهددت قوات الاحتلال بقصف اي سيارة تمر في منطقة جنوب الليطاني ، كما رفعت قوات الاحتلال درجة استعداداتها للعملية وحشدت مزيداً من الاحتياط على الحدود مع لبنان.
يونيفيل مجلس الامن !
بالمقابل استمع اعضاء مجلس الامن الدولي من الوفد العربي الذي ارسله مؤتمر وزراء الخارجية العرب لنقل وجهة النظر اللبنانية من مشروع القرار الفرنسي - الأميركي والسعي لادخال تعديلات عليه انطلاقاً من البنود السبعة للرئيس السنيورة ، وتلاقى هذا الجهد مع صدى ايجابي دولي لقرار الحكومة ارسال 15 ألف جندي الى الجنوب. وكان الرئيس السنيورة اكد في مقابلة تلفزيونية "اننا نريد حلاً قادراً ان يؤدي الى نتيجة وان يكون مقبولاً لدى كل الأطراف" مشدداً على ان "وقف اطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية يجب ان يسبقا انتشار الجيش اللبناني وانه بعد وقف النار يكون قرار دولي بتشكيل القوة الدولية".
وأعلن السنيورة ان وزير الخارجية السورية وليد المعلم ابلغه "بوضوح شديد بأن سورية لا مانع لديها على الاطلاق ان تنتشر قوة "اليونيفيل" في مزارع شبعا وذلك بدلاً من وجود القوات الاسرائيلية". وأجرى السنيورة اتصالات هاتفية مكثفة بوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مرتين ، وبوزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي والأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان ، وجرى نقاش حول الصيغ المقترحة بخصوص مشروع القرار المطروح على مجلس الأمن ، وقد وضع الرئيس السنيورة رايس في اجواء اجتماع ومقررات مجلس وزراء خارجية الدول العربية وفي اجواء وابعاد قرار مجلس الوزراء ارسال الجيش الى الجنوب. وأوضح المكتب الاعلامي للرئيس السنيورة ان هناك استماعاً باهتمام للأفكار اللبنانية اضافة الى تحقيق تقدم بالصياغات المقترحة لمشروع القرار، لكن ما زالت الأمور بحاجة الى مزيد من الجهد أملاً بالتقدم المطلوب . من ناحيته وزير الخارجية الالمانية فرانك فالتر شتاينماير ، و الذي زار بيروت في الاسبوع الاخير من الحرب ، اعتبر ان "لبنان ليس في موقع يسمح له بطلب تعديلات على مشروع القرار في مجلس الأمن". وقال الوزير الالماني :" انه بحث الموقف اللبناني مع نظيره فوزي صلوخ ، لكنه رأى ان بيروت غير قادرة على تعديل صيغة مسودة القرار..." ، معتبراً انه "على الدول الأعضاء في مجلس الامن الدولي ان توافق على صيغة القرار النهائية".
الانتحار الاسرائيلي
على الصعيد الاسرائيلي فان اولمرت ، وقبل وقف العمليات ، يريد أن يرسل رسالة واضحة للإسرائيليين أولاً بأنه قائد فاشل يقود نفسه وجيشه إلى الإنتحار السياسي والعسكري، ويضحي يجنوده المهزومين معنوياً ونفسياً ، وهم يرون غيرهم يحترق داخل الميركافا الشهيرة ، يضحي بهم من أجل أن ترتفع نسبة مؤيدي اولمرت بعد تدني المستوى من 75% الى 35%، فهل فهم الاسرائيليون الدرس؟ وهل استوعبوا انهم أولاً وقبل كل شيء جزءٌ من المخطط الاميركي ، ومن اللعبة الاميركية ؟ ومن القرار الاميركي المحكوم حالياً بطغمة من المحافظين الجدد المتصهينيين المسيحيين ؟ ايضاً فان أولمرت وجّه رسالة الى العرب ، وليس إلى اللبنانيين فقط ، مفادها أن اسرائيل كيان يعيش على العدوان، ويتغّذى من دماء الاطفال والنساء، ويبني أمجاده على المجازر، فقد بدأ هذا الكيان وجوده السياسي بمجزرة دير ياسين ، وإستمر في قبية وكفر قاسم ، ثم إنتعش هذا الكيان بوجود شارون مع مجزرة صبرا وشاتيلا ، وأعاد شمعون بيريس رفع لواء كيانه بمجزرة قانا، واليوم يصرُّ أولمرت على إدراج إسمه في سجل مرتكبي المجازر حتى يكون إسرائيلياً حقيقياً لأن من صفات ومواصفات الاسرائيلي أن تتلطّخ يداه بالدماء... وهكذا ارتكبت مجزرة قانا الثانية بعد مجزرة مروحين ، وحتى يثبت إنتماءه الصهيوني كما لم يترك مدينة أو بلدة إلاّ وارتكب فيها مجزرة من الجنوب حتى رشاف، وصريفا، وسلعا، مروراً بالغازية والشياح والضاحية وصولاً الى عكار وشرقاً إلى بعلبك و الهرمل و القاع . فهل ترك اولمرت فسحة للسلام الذي تحدثت عنه الاطراف الدولية والاقليمية؟؟!!
فبصدور القرار 1701 تنفّس أولمرت الصعداء الذي أعاد إليه الأمل بأنه سيتخلّص من وحل الهزيمة ، ومن هذه الورطة العسكرية الذي دخل فيها دون حسابات دقيقة، ومدفوعاً بمعلومات أوهمته بها أجهزة المخابرات. فقد كان يظنُّ ان الوصول إلى نهر الليطاني نزهة لتسجيل إنتصار يحطِّم عنفوان المقاومة وفوجئ بأن الوصول الى اللبونة وعيتا الشعب والطيبة هو عبارة عن رحلة موت وهزيمة لجنوده وجيشه المدّرب أفضل تدريب. فقد إهتز توازن أولمرت ومعه قيادة الجيش لأنّ حساباتهم مختلفة عن الواقع الميداني ، اذ إستهان بخصمه الذي وجَّه إليه الضربات القاتلة والسريعة فأنهكه ، وأفقده توازنه ، ولم يعد سهلاً عليه البحث عن خيارات أخرى ، وليس أمامه إلاّ ان ينتظر الضربات القاسية ، مراهناً على الوقت الذي تتمكن فيه الولايات المتحدة من فرض رؤيتها على القوى العظمى ، والتوصل الى قرار دولي ينقذ "إسرائيل" مما وقعت فيه.
و ما ان أُعلن عن صدور القرار الدولي 1701 حتى أخذ أولمرت قراره المغامر بإنزال مئات من الجنود خلف المواقع التي تدور فيها الاشتباكات الراهنة، ظناً منه بأنه قد يفاجئ المقاومة ويتمكن من تحقيق إنجازات ميدانية تُسجَّل له إعلامياً وسياسياً عند جون بولتون ورايس اللذين ينتظران على أحرَّ من الجمر إنجازاً يستندان إليه في ضغوطهما على الأطراف الأخرى. و تم انزال مئات الجنود مستعينين بطائرات مروحية ناقلة، وفوجئوا بأن رجال المقاومة بإنتظارهم في كافة المحاور، وبجاهزية تامة وإرادة قوية ، فكانوا كسربٍ من الطيور وقع في مرمى طائفة من الصيادين المنتظرين على أحر من الجمر صيداً ثميناً.
وفي ليلة السبت المشهورة ، و هي ليلة آخر اسبوع من الاعتداءات على لبنان ، و هي ايضا ليلة سوداء وقعها على الجيش الاسرائيلي و قيادته ، حدث فيها ما اسماه الاسرائيليون والمراقبون مجزرة الدبابات حيث دُمِّر لـ"اسرائيل" 34 دبابة من نوع ميركافا ، وعلى الصعيد البشري فقد قُتِل ما يقارب 24 جندياً وجُرح مئة إصابة(11) منهم خطيرة حسب إعترافات الاسرائيليين انفسهم . ساد التخبط وتضاربت التصريحات في تل ابيب وسادت التوقعات بوقف العمليات القتالية بين يوم وآخر تليه الانسحابات في غضون اسبوع او اثنين بعد ان الحقت المقاومة الاسلامية في لبنان أكبر حصيلة من الخسائر البشرية والآلية في صفوف الجيش الاسرائيلي منذ بدء هجومه على لبنان قبل 32 يوما ، وذلك مع تضارب تصريحات القادة العسكريين والسياسيين الاسرائيليين بشأن المدة المتبقية لمواصلة الهجوم ومدى توسيعه. وفي محاولة لتثبيت شيء يذكر على الارض قام الجيش الاسرائيلي بأكبر عمليات انزال منذ حرب تشرين عام 1973، شاركت فيها 50 مروحية تم اسقاط احداها بصواريخ حزب الله ما ادى الى تفجيرها واحتراقها ومقتل طاقمها الذي تضاربت الأنباء حول عدده، حيث ذكرت بعض المصادر انهم اربعة جنود في حين قالت مصادر اخرى انهم ثمانية، ثم اعترفت" اسرائيل" بأنهم خمسة.
في غضون ذلك ذكرت مصادر اعلامية ان 22 جنديا اسرائيليا قتلوا ومئة آخرين جرحوا في المعارك البرية بجنوب لبنان ، الا ان الجيش الاسرائيلي اعترف بمقتل 17 جنديا اضافة الى طاقم الطائرة التي اعترف باسقاطها وأكد اصابة مئة جندي بينهم 11 اصاباتهم بالغة، وأعلن حزب الله انه دمر 34 دبابة من طراز "ميركافا"، وهو ما وصفه امينه العام حسن نصر الله في كلمته المتلفزة بـ"بمجزرة الدبابات".
وما يشير الى ارتباك القيادة في اسرائيل، قالت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيفي ليفني ، في ذلك السبت ، ان الهجوم سيتواصل رغم صدور قرار وقف القتال من الامم المتحدة ، مضيفة "سنمنح الجيش الوقت حتى يوم الاثنين لتحقيق اهدافه ..."، واعلن قائد المنطقة العسكرية في شمال "اسرائيل" عودي آدم ،في السبت الاخير من الحرب ايضا :"ان قسما كبيرا من جنوب لبنان سيكون تحت سيطرة الجيش الاسرائيلي الاثنين في حال تم الاتفاق في هذا اليوم على وقف الاعمال الحربية بين اسرائيل وحزب الله الشيعي اللبناني ".
وكانت المصادر الاسرائيلية قد ذكرت ان قرار الامم المتحدة سيدخل حيز التنفيذ عند الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين ، و هو اليوم الثالث و الثلاثين للحرب ، قبل ان يعلن امين عام الامم المتحدة كوفي عنان الوقت الاكيد لوقف النارفي الساعة الخامسة بتوقيت غرينيتش ، اي الثامنة بتوقيت بيروت الصيفي . فيما قال رئيس أركان الجيش الاسرائيلي دان حالوتس انه سيواصل الهجوم ضد مقاتلي حزب الله لحين يتضح كيف سيطبق قرار الامم المتحدة الداعي لوقف الاعمال القتالية. وقال حالوتس للصحفيين "اننا نقاتل حزب الله وسنواصل القتال لحين الوصول لقرار يوقف اطلاق النار.. وأكثر من ذلك.. الى أن تتقرر آلية لتنفيذ وقف اطلاق النار". وأضاف "سنواصل العمل لحين تحقيق أهدافنا". من جانبه قال قائد المنطقة العسكرية الشمالية في اسرائيل الجنرال الون فريدمان للاذاعة الرسمية الاسرائيلية ان العملية البرية الواسعة "قد تستمر اسابيع" و"تمتد الى ما وراء نهر الليطاني".
وصرح متحدث باسم الحكومة الاسرائيلية لوكالة فرانس برس ان العملية البرية واسعة النطاق التي شنها الجيش الاسرائيلي صباح السبت"ليست محددة زمنيا". وقال افي بازنر ان "هذه العملية التي تهدف الى شل قدرات حزب الله على اطلاق قذائف وصواريخ على شمال اسرائيل ليست محددة زمنيا".
ونقل موقع يديعوت احرونوت على الشبكة الالكترونية عن مسؤول في مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهواد اولمرت ان الانسحاب الاسرائيلي سيبدأ في غضون اسبوع او اثنين بالتزامن مع بدء انتشار الجيش اللبناني والقوات الدولية، مشيرا الى ان الانسحاب سيكون سريعا.
و قال مبعوث للامم المتحدة ان المنظمة الدولية تتوقع أن ينتهي الهجوم البري الاسرائيلي في يوم أو يومين وان القوة الدولية الموسعة ستبدأ انتشارها في جنوب لبنان في غضون ما بين أسبوع وعشرة أيام. وقال ألفادر ودي سوتو مبعوث الامم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الاوسط لرويترز "اننا لن نبدأ من الصفر.. فلدينا أحجار بناء في الموقع في اطار ترتيبات اعداد مع عدد من الدول".
انتصار حزب الله
ان ما جرى بعد صدور القرار 1701 من نيات عدوانية مبيتة لدى الاسرائيليين ، من احقاد صهيونية ، ومن إصرار على القتل والتدمير ، كل ذلك لا يبشِّر بالخير فليس امام اللبنانيين سوى التأكيد على الوحدة الوطنية ، والتماسك بين ابناء الوطن ، والابقاء على المقاومة ، اي المحافظة على المقاومة ، فالعدو لا يؤتمن ، وهو عدوٌّ للسلام ، والسلام لا يكون إلاَّ بين الاقوياء.صدر القرار الدولي رقم 1701 ، ونص على وقف تام للعمليات العسكرية في لبنان ، و كان التصويت لصالح القرار بالاجماع بعد ان جاء ذلك بمشاورات ومناقشات مكثّفة في نيويورك و في بيروت ، وبعد ضغوطات مارسها الوفد العربي المكلّف رسمياً بمتابعة هذا الموضوع من قبل قمة وزراء الخارجية العرب التي انعقدت في بيروت.
والقرار يحدد الصراع بأنه بين "اسرائيل" وحزب الله ، وهذا انتصار سياسي اول و مهم لحزب الله بأن يكون طرفاً بمواجهة "إسرائيل" تحمّل مسؤولياته العسكرية على اكمل وجه. وحزب الله كما نعلم رفض مشاركة أي طرف له في تحضيراته العسكرية واعداداته وبرامجه ، وحافظ على السرية التامة، وقد سلّم له الجميع بهذا الخيار الذي اختاره ، وتركوا له تحمُّل المسؤولية كاملة طالما هو الذي ارتضى بأن تكون المقاومة حزب الله، وحزب الله هو المقاومة ووعد بأنه سيقدم النصر هدية إلى شعب لبنان.
الانتصار السياسي الثاني هو أنّ الحكومة اللبنانية احتضنت حزب الله وتبنَّت وجهات نظره التي تتوافق مع حساسية الوضع اللبناني، وتضمن سيادة واستقلال لبنان، والتوفيق بين الخيارات الصعبة، خاصة أنّ لبنان تعرّض لجحيم من الدمار والموت. والتوافق على قضية المقاومة كان إجماعياً وهذا يشكل موقفاً أصيلاً للجميع كان عرابه رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.
الانتصار السياسي الثالث هو تمكـُّن لبنان من فرض وجهة نظره في تركيبة القوة الدولية ، فهي ليست قوة متعددة الجنسيات تأتمر بإمرة مجلس الأمن حسب الفصل السابع ، فالقوة هي قوة اليونيفيل مدعّمة بقوات وعتاد جديد تابعة للامم المتحدة وملزمة بتنفيذ مواد الفصل السادس وليس السابع .
فالفصل السادس كما هو معروف ينص على حسم الخلافات الناشبة بين الطرفين بالتفاوض والتفاهم والتحكيم الدولي وحل النزاع سلمياً ، بينما الفصل السابع في المادة 41 و 42 فانه يعطي الحق باستخدام القوة البرية والبحرية والجوية لحسم الخلافات ، ويكون ذلك بقرار من مجلس الامن وليس الامم المتحدة. وهذا يعني أنه ستكون هناك مرونة في التعامل مع حزب الله، وأنّ المجتمع الدولي يأخذ بعين الاعتبار أهمية الدور المعنوي والسياسي والوجداني الذي لعبه الحزب، وخطورة أن يتم التعاطي معه بالقوة مما قد يؤجج المشاعر العدوانية ضد القوات الاجنية، وبالتالي تتعرض إلى ما تعرضت له بعد الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 عندما استهدفت المقاومة قوات المارينز بانفجارات أودت بحياة ما يزيد على 260 جندياً وكذلك القوات الفرنسية التي خسرت قرابة الخمسين جندياً.
الانتصار السياسي الرابع هو أن الجيش اللبناني سينتشر في جنوب الليطاني بشكل واسع وليس مجرد مراكز أو مخافر، أي أن الجيش اللبناني سيكون على الحدود الجنوبية، وهذا يعني الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية، فالجيش اللبناني هو الذي سيتحمل مسؤولياته في المنطقة ما بين الليطاني والحدود، وهذا يعني أن الحزب سيتجنب المطلب السابق الضاغط من القوى اللبنانية والدولية بنشر الجيش، وبالتالي فإنّ حزب الله قادر على التعاطي مع الجيش بما يضمن مستقبل وضعية الحزب ، ومصير أسلحته الصاروخية وغير الصاروخية.بمعنى أوضح أن موضوع المقاومة سينتقل من مرحلة استفراد الحزب به إلى مرحلة وضعه على طاولة الحكومة اللبنانية بكل أطيافها، وبالتالي هل ستستمر المقاومة؟ وإلى متى؟ وما هي المبررات المستقبلية المقبولة دولياً.؟
الانتصار السياسي الخامس هو أن لبنان مكلف بضبط حدوده ومعابره، وليست أية قوة ثانية، وهذا ما سيعزّز القدرة على الحركة والمرونة لدى الحزب، فالمسؤولية داخلية ضمنية، وهذا يتطلب بالتأكيد قدرة الحزب على محاورة الاطراف الأخرى في الحكومة للتوصل إلى صيغ غير منفّرة، صيغ مقبولة، فالقوى الأخرى التي تبنّت المقاومة، لن تقبل أن تُعطى اسرائيل فرصة أخرى لتدمير لبنان، أو ما تبقى من لبنان، وهذا أمر سيواجهه حزب الله في المستقبل.
الانتصار السياسي السادس وهو أنّ المشكلتين الأساسيتين اللتين بنيت على أساسهما المقاومة وهما مزارع شبعا التي ما زالت محتلة ، والاسرى اللبنانيين وجدتا قناتين للحل وان لم يكن بالمستوى المطلوب، وهناك اعتراف دولي بهما، فمزارع شبعا المختلف عليها تُركت للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ليقدم اقتراحاً بخصوص مستقبلها، والامر يتطلب موقفاً واضحاً من دمشق بأنّ لا حقّ لها في مزارع شبعا، وانّ هذه الاراضي التي ما زالت اسرائيل تحتلها هي أراضٍ لبنانية، بمعنى أوضح سحب الذرائع من يد "اسرائيل" التي تدعي أنها سورية، وأن التعامل معها يكون حسب القرار 242 الذي صدر عام 1967، وأما اذا كانت لبنانية فينطبق عليها القرار 425، وهذا يعني الانسحاب الفوري الاسرائيلي منها، لأنّ "إسرائيل" وافقت على تنفيذ القرار 425 ونفّذت الجزء الاكبر منه عام 2000.
أما موضوع الأسرى وهو الذي كان المبرّر الذي اتخذته "اسرائيل" لشن العدوان المبيّت على لبنان فقد مالت الكفة فيه لصالح "إسرائيل" حيث طـُلب تسليم الاسيرين، ولكن في الوقت نفسه نص القرار على ضرورة البحث عن طريقة لحل مشكلة الأسرى اللبنانيين ، أي أنّ هناك توجّها لتبادل الأسرى، وهناك اعتراف دولي بضرورة حل هذا الموضوع.
الانتصار السياسي السابع وهو أن صمود حزب الله حمل الدول العربية جامعة ، على عقد قمة وزراء خارجية في بيروت رغم التباينات التي كانت في المواقف سابقاً ، وهذا الصمود فرض على القمة العربية أن تتبنى الموقف اللبناني الرسمي والذي وافق عليه حزب الله سابقاً. وهذا الموقف العربي لعب دوراً مهماً في التصدي للهجوم الدبلوماسي والسياسي الذي كانت تقوده واشنطن و"اسرائيل" في مجلس الامن وعلى المستوى الدولي.
العرب آخر ... من يتحرك
لثلاثة و ثلاثين يوما من الحرب على لبنان ، و رغم سقوط اكثر من الف شهيد لبناني جراء القصف الاسرائيلي للمنازل و المباني السكنية و الجسور و الطرقات من بينهم حوالي 30% منهم من الأطفال دون سن الثانية عشرة ، و مع زيادة عدد الجرحى عن 4000 جريح ، و مع تدمير ما يزيد عن الخمسة عشر الف وحدة سكنية و تدمير لما يزيد عن 150 جسرا و عبارة وفق احصاءات متعددة بالاستناد الى مصادر رسمية لبنانية الا ان ارادة اللبنانيين لن تنكسر و هذا ما اكده رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة امام الوفد المصري الذي زار لبنان داعما و مؤيدا له ، السنيورة اشترط وقف النار وانسحاب "اسرائيل" قبل انتشار الجيش اللبناني ، و بينما أظهرت المعطيات الميدانية ان "اسرائيل" كانت مصرة على احداث انجاز على الارض يساعد فريقها الديبلوماسي في نيويورك لفرض شروطها لوقف النار، بعيداً عن الشروط اللبنانية المتمثلة بالنقاط السبع لخطة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة. وفي هذا السياق ، عقدت الحكومة الأمنية الاسرائيلية المصغرة اجتماعاً للبحث في امكان توسيع العمليات البرية وسط اعادة تأكيد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ان لا حدود لتحرك الجيش الاسرائيلي في لبنان. ويندرج في اطار التحضير للعملية البرية التي حدد العدو هدفها بانشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني ، دمرت قوات الاحتلال جسر القاسمية والعبارات البديلة المستحدثة وواصل الطيران المعادي تحليقه في اجواء المنطقة للحؤول دون اي محاولة لاستحداث معبر جديد ، كما هددت قوات الاحتلال بقصف اي سيارة تمر في منطقة جنوب الليطاني، كما رفعت قوات الاحتلال درجة استعداداتها للعملية وحشدت مزيداً من الاحتياط على الحدود مع لبنان.
من ناحيتهم فقد استمع اعضاء مجلس الامن الدولي من الوفد العربي الذي ارسله مؤتمر وزراء الخارجية العرب لنقل وجهة النظر اللبنانية من مشروع القرار الفرنسي - الأميركي والسعي لادخال تعديلات عليه انطلاقاً من البنود السبعة للرئيس السنيورة ، وتلاقى هذا الجهد مع صدى ايجابي دولي لقرار الحكومة ارسال 15 ألف جندي الى الجنوب. وكان الرئيس السنيورة اكد في مقابلة تلفزيونية "اننا نريد حلاً قادراً ان يؤدي الى نتيجة وان يكون مقبولاً لدى كل الأطراف" مشدداً على ان "وقف اطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية يجب ان يسبقا انتشار الجيش اللبناني وانه بعد وقف النار يكون قرار دولي بتشكيل القوة الدولية". وأعلن السنيورة ان وزير الخارجية السورية وليد المعلم ابلغه "بوضوح شديد بأن سورية لا مانع لديها على الاطلاق ان تنتشر قوة "اليونيفيل" في مزارع شبعا وذلك بدلاً من وجود القوات الاسرائيلية ".
الشجاعة صبر ساعة
في موازاة تصريحاته أجرى السنيورة اتصالات هاتفية بوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مرتين ، وبوزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي والأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان، وجرى نقاش حول الصيغ المقترحة بخصوص مشروع القرار المطروح على مجلس الأمن، وقد وضع الرئيس السنيورة رايس في اجواء اجتماع ومقررات مجلس وزراء خارجية الدول العربية وفي اجواء وابعاد قرار مجلس الوزراء ارسال الجيش الى الجنوب. وأوضح المكتب الاعلامي للرئيس السنيورة ان هناك استماعاً باهتمام للأفكار اللبنانية اضافة الى تحقيق تقدم بالصياغات المقترحة لمشروع القرار، لكن ما زالت الأمور بحاجة الى مزيد من الجهد أملاً بالتقدم المطلوب. اما وزير الخارجية الالمانية فرانك فالتر شتاينماير ، الذي زار بيروت للاطلاع عن قرب على الموقف اللبناني من التحرك الدولي ، اعتبر ان "لبنان ليس في موقع يسمح له بطلب تعديلات على مشروع القرار في مجلس الأمن". وقال الوزير الالماني انه بحث الموقف اللبناني مع نظيره فوزي صلوخ ، لكنه رأى ان بيروت غير قادرة على تعديل صيغة مسودة القرار، معتبراً انه "على الدول الأعضاء في مجلس الامن الدولي ان توافق على صيغة القرار النهائية".
بالمقابل رئيس كتلة "المستقبل" النيابية النائب سعد الحريري كان قد واصل اتصالاته العربية والدولية في اطار الجهود الرامية الى احلال التوازن في الحل المطروح امام مجلس الامن الدولي للأزمة في لبنان . وفي اول تعليق له على قرار الحكومة اللبنانية نشر 15 الف جندي من الجيش اللبناني في الجنوب لحفظ الأمن والاستقرار فيه بالتعاون مع قوات من الأمم المتحدة، اشاد النائب الحريري بقرار الحكومة اللبنانية وباجماع الوزراء عليه ، وكرر دعمه للحكومة وللرئيس السنيورة ، كما حيّا الدور الوطني الذي لعبه رئيس المجلس النيابي نبيه بري في التوصل الى هذا القرار، وأشاد بالجهود السياسية التي يبذلها لحفظ مصالح الوطن . وتوقف النائب الحريري في شكل خاص عند انضمام وزيري "حزب الله" في الحكومة الى هذا الاجماع ، واعلان الحزب موافقته على هذا القرار، معتبراً "ان موقف الحزب هو موقف مسؤول، يدعم الحكومة اللبنانية في موقعها التفاوضي تجاه مجلس الامن الدولي، ويؤكد على وحدة اللبنانيين في مواجهة تداعيات العدوان الاسرائيلي على لبنان". وفي حديث الى شبكة "سي.ان.ان" قال الحريري: "يجب علينا ان نفهم ان القرار الذي اتخذ كان باجماع الحكومة اللبنانية ، وحزب الله كان موجوداً، وقد شارك في اتخاذ القرار مع الحكومة اللبنانية، وهو منخرط بشكل ايجابي وللمرة الأولى يقبل حزب الله بارسال الجيش الى الجنوب...".
رغم التصريحات اللبنانية و العربية و الدولية التي كانت تتصاعد ، و ترفض العدوان الارهابي الاسرائيلي على لبنان و تدعو لوقفه ، كانت "إسرائيل" لا زالت تبحث جاهدةً عن نصر تسجِّله في الملف السياسي قبل أن ينْفذ صبر العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي خرجت عن كل الآداب السياسية والدبلوماسية منذ بداية الحرب وأصّرت على عدم وقف إطلاق النار. واصبحت "إسرائيل" في غاية الاحراج لأنه إذا بقيت المعطيات العسكرية على ما هي عليه فإنها مضطرة للذهاب إلى التفاوض بكفي حنين ، وبالتالي ستكون عاجزة عن فرض أية شروط . لذلك فإن ما شاهدناه من تصعيد وتكثيف عسكري كان ضرورة ملحّة بالنسبة لـ"إسرائيل" كدولة متفوقة عسكرياً على دول الشرق الأوسط ، وكدولة مضطرة لحماية مصالحها في المنطقة .
... فهل يتنصر سياسيا ؟؟؟
بقي لبنان صامدا بصمود مقاوميه ، و بارادة شعبه التي لا تلين و بموقفه الحكومي الذي عاد و احتضن انتصارات المقاومة العسكرية ، بعد ان كان منذ البداية قد تنصل من العملية العسكرية التي اسر خلالها حزب الله الجنديين الاسرائيليين ، و الذي اتخذت من اسرها الحكومة الاسرائيلية ذريعة لاجتياح لبنان جوا و بحرا و لو استطاعت برا لما قصرت . الى ذلك ، اشترط حزب الله في بياناته العسكرية و لآخر يوم من المعارك ، لوقف اطلاق الصواريخ " بوقف العدوان على شعبنا ووطننا المقاوم... ". و بقي حزب الله مضطرا لأن يدافع عن مواقع تواجده مهما بلغت التضحيات وذلك لعـدة أسبـاب أهم ما رصدها المحللون هي :-
أولاً:- إنَّ حزب الله كمقاومة قد حذَّر "إسرائيل" مراراً وتكراراً من أي تقدُّم بري ، وكثيراً ما رحَّب بأي مغامرة عسكرية إسرائيلية لأنه سيكبِّد القوة المتقدمة خسائر فادحة، وهنا تمكن مصداقية حزب الله أمام العالم، ,أمام العدو والصديق. وحتى الآن أثبت حزب الله مقدرة مميَّزة في مواجهة القوات الاسرائيلية وهي قوات خاصة والتي تُسمى بلواء غولاني ، والاسرائيليون أنفسهم لأول مرة يعترفون بسقوط حوالي ستين جندياً في الاشتباكات والقصف . ورغم أن "إسرائيل" وسَّعت جبهة القتال في المناطق الحدودية، وشملت خمسة محاور، إلاَّ انّ المقاومة إستطاعت أن تقاوم في المحاور الخمسة.
ثانياً:- الالتفاف الشعبي والسياسي حول المقاومة في لبنان وفي العالم تولَّد بسبب انتصار حزب الله وتمكنه من دحر قوات الاحتلال وعدم السماح لها بالتمركز في أي موقع دون وجود مقاومة، وإذا ما تراجع الحزب عسكرياً فإنه سيفقد جزءاً كبيراً من هذا البريق، ولذلك فهو يسِّجل ملحمة في المقاومة والاستشهاد بلغت حدود الاسطورة لأنََ الصمود يتم بوجه أعتى جيوش المنطقة وأشدها عنصرية وهمجية. وعلينا ان لا ننسى أن للهزيمة أباً واحداً أما النصرُ فله آلالف الآباء و الا مهات .
ثالثاً:- إن مستقبل حزب الله كحزب يتبنى المقاومة بالكامل في لبنان ، وقدرته على فرض تصوراته ورؤيته المستقبلية من خلال الحوار مع باقي القوى اللبنانية يعتمد أساساً على النصر الذي سيحققه الحزب ، وهذا النصر هو الذي سيفتح له آفاقاً سياسية جديدة ، وهو الذي سيمنحه القدرة على إثبات مصداقيته ، وهو الذي سيفرض على الآخرين الذين كانوا يحضِّرون قائمة من الاعتراضات والانتقادات والمخاوف سيفرضُ عليهم ان يضعوا هذه القائمة جانباً، وأن يتعاملوا بانفتاح مع المستجدات ، وان يفتحوا صفحة جديدة، وهذا يتوقف طبعاً على تواضع حزب الله وقدرته في توظيف النصر في خدمة الكل اللبناني، كي يشعر كل لبناني بأنه منتصر.
و ما صراحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله و توجهه بأمانة و صدق حين كان يخاطب جماهيره و كامل الجماهير المنتظرة لمواقفه الا بداية النصر سياسي كان ام عسكري ، و ما النصر العسكري الذي حققته المقاومة الا نصر للبنان ، و ما انتصار لبنان الرسمي و الشعبي لمقاوميه الا انتصار للحق العربي المقاوم للمعتدين ، و نحن عندما نبحث عن الانتصارات السياسية لحزب الله وللمقاومة فإننا نأخذ بعين الاعتبار الواقع الدولي المساند لـ"اسرائيل" ، والوضع العربي المفكك، وحجم الدمار والمجازر والنازحين في لبنان، هذه عوامل يجب ان لا ننساها عندما نقيّم أية خطوة سياسية أو أيّ قرار على هذا المستوى كما لا يجب ان ننسى في الحسبان الانتصارات العسكرية للمقاومة في الجنوب و التي عدلت من كثير من المواقف لدى القوى السياسية العربية و الاوروبية و بالتالي عدلت من مسودات قرار مجلس الامن و هذا عامل آخر يجب اخذه بالحسبان لنصر حزب الله السياسي المرادف للنصر العسكري .
رابعا : ان ما يحصل في لبنان اليوم ، خاصة بعد فشل الحوار وحصول عدة سجالات كلامية و غير كلامية من قبل اقطاب السياسة واتباعهم ، و ما جرى من حرتقات عسكرية و محاولات تسلح وصولا الى مناورات عسكرية جنوبا وربما كما ينقل عبر وسائل الاعلام ما يحصل من تسلح بالداخل ، اضافة الى حرب مخيم نهر البارد وتبعياتها و تأجيل الانتخابات للحد الاقصى المسموح به (الى 21 من شهر تشرين الثاني ) اي ما قبل نهاية ولاية الرئيس بيومين فقط ، تشتد خطورته بالتفرق والتمزق ما بين اللبنانيين ، فالنصر للمقاومة هو نصر للجميع والهزيمة في السياسة اللبنانية هي انكسار ايضا للجميع ، وما تفرق اللبنانيين الا فتنة لا تخدم الا العدو الاسرائيلي مهما كانت اسبابها وايما كان البادئ بها ، فالانهيار خسارة للجميع من جبل وسهل وبقاع و مروج ومدن وقرى وسهول ، فحذار من الانهيار ، حذار مما بعد الحرب وما بعد بعد الحرب !!! .
*كاتب و باحث فلسطيني مقيم في لبنان
تمهيد :
"كان السكان المدنيون في لبنان وشمال إسرائيل الخاسر الأكبر في دوامة العنف هذه التي لا طائل تحتها والتي مضى عليها الآن شهر كامل بالضبط ... والمفروض أن تصان أرواح المدنيين وفي هذا النـزاع لا يحصل ذلك."جان إيغلاند ، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. 10 آب 2006
مقدمة
مع بداية اليوم الثاني عشر من تموز 2006 بدأت الحرب عاشرة ، و التي تعتبرها بعض وسائل الاعلام الحرب السادسة ، و لكن ضمن التأريخ العربي الحديث و تبعا للحروب العربية ـ الاسرائيلية المتعاقبة نستطيع ان نعتبرها الحرب العاشرة وفقا للتسلسل التاريخي التالي :
1948 الحرب الاولى و حدوث نكبة فلسطين .
1952 العدوان الثلاثي على مصر .
1967 العدوان الاسرائيلي على سوريا و الاردن و مصر و احتلال اجزاء من الدول الثلاثة و سقوط كامل لمدينة القدس عاصمة فلسطين .
1972 العدوان الاسرائيلي على منطقة العرقوب في لبنان .
1978 العدوان الاسرائيلي على لبنان و احتلال شريط من الاراضي اللبنانية ، حوالي ثلث جنوب لبنان ، على طول الحدود مع فلسطين المحتلة .
1981 العدوان الاسرائيلي على لبنان و تدمير للجسور في جنوب لبنان .
1982 الاجتياح الاسرائيلي للبنان و احتلال العاصمة العربية الثانية بيروت بعد سقوط القدس .
1993 العدوان الاسرائيلي على لبنان بحجة منع هجمات حزب الله .
1996 العدوان الاسرائيلي على لبنان و الذي نتج عنه مجزرة قانا ، باستشهاد اكثر من مئة لبناني ما بين رجل و امرأة و طفل ، بقصف موقع اختبأ فيه المدنيون اللبنانيون من القصف و استهدفوا بالطائرات الصهيونية .
اما الحرب العاشرة و التي جرت فيها مواجهة عسكرية كبرى لآكثر من ثلاثة و ثلاثين يوما امتدت ما بين 12 تموز و14 آب بين حزب الله و"إسرائيل" في أعقاب أسر جنديين إسرائيليين وقتل آخرين على يد المقاومة الاسلامية اللبنانية المتمثلة بحزب الله في غارة جريئة للحزب عبر الحدود الفاصلة بين فلسطين المحتلة ولبنان.
وقد شنت "إسرائيل" هجمات على جميع الاراضي اللبنانية براً وبحراً وجواً ، فاغتالت اكثر من 1400 مدني منهم ما يزيد عن 30 % من الاطفال ، و أطلق حزب الله ما يربو عن الاربعة آلاف من الصواريخ المتنوعة المدى على شمال "إسرائيل" ، طالت و لآول مرة بتاريخ الصراع العربي الصهيوني مدنا فلسطينية محتلة في الداخل الفلسطيني المحتل مثل حيفا و الناصرة و بيسان ، و كما قال أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله " ما بعد حيفا و ما بعد بعد حيفا " ، فقتل نتيجة هذه الحرب ما يزيد عن مئة صهيوني بين مدني و عسكري ، و جرح اكثر من1500 آخرين خلال شهر واحد فقط و بالاعترافات الاسرائيلية نفسها ، و هذه تعتبر نسبة عالية اذا ما قورنت بالخسائر الاسرائيلية السابقة في حروب الكيان الصهيوني المغتصب مع العرب خلال حوالي ستين عاما مضوا ، كما تم تهجير مئات الآلاف من المحتلين بين مستوطن و محتل إسرائيلي ، فيما سجل لدى هيئات الاغاثة في لبنان نزوح اكثر من مليون مدني لبناني و فلسطيني باتجاه شمال الليطاني وصولا الى طرابلس و الداخل السوري هربا من هول القصف العشوائي الصهيوني للتجمعات المدنية في القرى و المدن و المخيمات في لبنان حيث كان جيش الاحتلال المعتدي ينتقم من المدنيين لرد الاعتبار لنفسه و لقيادته المهزومة عسكريا و معنويا نتيجة الصمود المشرف للمقاومة اللبنانية الوطنية و الاسلامية الباسلة .
ويلخص تقرير موجز صادر عن منظمة العفو الدولية ، بالمعلومات الأولية المتوافرة الموثقة لديها ، الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية المدنية في لبنان خلال النـزاع . ويستند إلى معلومات مباشرة استُقيت من بعثة ميدانية زارت لبنان ؛ ومقابلات أجريت مع العشرات من ضحايا الهجمات ؛ وبيانات رسمية وتقارير صحفية ومناقشات مع الأمم المتحدة والجيش الإسرائيلي ومسؤولي الحكومة اللبنانية وأحاديث جرت مع المجموعات غير الحكومية الإسرائيلية واللبنانية.
الا ان التقرير الموجز يغطي بأي درجة من التفصيل الانعكاسات الأوسع لحملة القصف ، و لا يجري للأسف الشديد ، تقييماً لمدى تأثيرها على حقوق الإنسان ، بما في ذلك انتهاكات الحقوق في الحياة أو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل الحق في الغذاء والصحة والسكن ، ولا يتناول التأثير الاقتصادي الأبعد مدى والتهجير الهائل داخلياً وعبر الحدود. كما أنه لا يتناول الهجمات التي شنها حزب الله على "إسرائيل" وتأثيرها على المجتمع الاسرائيلي الهش لذا فانه يسلط الضوء على جانب واحد من النـزاع ، و يشدد على الحاجة لإجراء تحقيق دولي عاجل وشامل في إدارة العمليات من جانب كلا الطرفين واضعا و بكل اسف الضحية بمستوى الجلاد .
فمنذ اندلاع النـزاع، بعثت منظمة العفو الدولية بمندوبين إلى "إسرائيل" و لبنان على السواء ووجهت مناشدات علنية إلى الحكومة الإسرائيلية وحزب الله على السواء للتقيد بمبادئ القانون الإنساني الدولي. وقام أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها حول العالم بحملة لوقف إطلاق النار ودعوا إلى فتح ممر آمن لمرور المدنيين المحاصرين وحثوا كلا من "إسرائيل" ولبنان على الموافقة على إجراء تحقيق من جانب هيئة مستقلة وحيادية في نمط الهجمات التي شنتها "إسرائيل" وحزب الله على السواء .
تدمير متعمد أم "أضرار جانبية"؟
خلال ما يزيد على أربعة أسابيع من القصف البري والجوي للبنان من جانب القوات الإسرائيلية المعتدية ، أُصيبت البنية الأساسية للبنان بدمار على نطاق لا يمكن وصفه إلا بالكارثي و هذا ما دعا برئيس وزراء لبنان في مؤتمر صحفي بثته وسائل الاعلام العربية و العالمية ان يعلن لبنان دولة منكوبة ، بكل ما لهذه الكلمة من معنى كارثي و انساني ... إذ دكت القوات الإسرائيلية المباني وسوَّتها بالأرض وحولت أحياء بأكملها إلى ركام وحولت القرى والبلدات إلى مدن أشباح، مع هروب سكانها من القصف. ونُسفت الطرق الرئيسية والجسور ومحطات الوقود وتناثرت حطاماً. وقُتلت عائلات بأكملها في الضربات الجوية على منازلها أو سياراتها أثناء هروبها من الاعتداءات الجوية على قراها. وظل عشرات الأشخاص مدفونين تحت أنقاض منازلهم طوال أسابيع ، فيما مُنع العاملون في الصليب الأحمر وغيرهم من عمال الإنقاذ من الدخول إلى المناطق بسبب استمرار الضربات الإسرائيلية. وواجه مئات الآلاف من اللبنانيين الذين فروا من القصف خطر الذخائر غير المنفجرة فيما يتوجهون إلى ديارهم بعد وقف النار ، و بعد سبعة و خمسين مجزرة ارتكبتها يد الاجرام الصهيونية الغاشمة و سجلتها وسائل الاعلام اللبنانية و العربية و منظمات حقوق الانسان .
و حسب تقرير منظمة العفو الدولية نفسه ( فقد شن سلاح الجو الإسرائيلي ما يزيد على 7000 غارة جوية على حوالي 7000 هدف في لبنان بين 12 يوليو/تموز و14 أغسطس/آب، بينما شنت البحرية الإسرائيلية 2500 عملية قصف إضافية....... ورغم اتساع نطاق الهجمات، إلا أنها ركزت بشكل خاص على مناطق معينة. وإضافة إلى الخسائر البشرية المباشرة - والتي تُقدَّر بأكثر من 1183 قتيلاً، كان ثلثهم من الأطفال، و4054 جريحاً وتهجير 970,000 لبناني - أُصيبت البنية التحتية اللبنانية بأضرار فادحة....) . وتشير تقديرات الحكومة اللبنانية ( إلى أن 31 "نقطة حيوية" ـ مثل المطارات والموانئ البحرية ومحطات معالجة المياه والمجاري والمرافق الكهربائية ـ تعرضت لتدمير شامل أو جزئي ، شأنها شأن ما لا يقل عن 80 جسراً و94 طريقاً ، كما أُصيبت أكثر من 25 محطة وقود ونحو 900 مؤسسة تجارية. ويتجاوز عدد العقارات السكنية والمكاتب والمتاجر التي دمرت كلياً 30,000. وتعرض مستشفيان حكوميان - في بنت جبيل وميس الجبل - للتدمير الكامل في الهجمات الإسرائيلية وأُصيبت ثلاثة مستشفيات أخرى بأضرار جسيمة في كل من بعلبك و جبشيت و تبنين . وقال فضل شلق رئيس مجلس الإنماء والإعمار في البلاد في 16 آب إن "قيمة الأضرار التي وقعت تصل إلى 3,5 مليار دولار أمريكي": مليارا دولار للأبنية و1,5 مليار دولار للبنية التحتية مثل الجسور والطرقات ومحطات الطاقة. وأظهرت دراسة ميدانية أعدها المجلس استناداً إلى عمليات المعاينة الميدانية في وسط وشمال لبنان والمكالمات الهاتفية التي تلقاها المهندسون وموظفو البلديات في الجنوب، أن شبكة الطرق تعرضت لأكبر قدر من الأضرار ، حيث تم تدمير 120 جسراً (وهذا رقم أعلى كثيراً من ذلك الذي ذكرته الحكومة). وقال فضل شلق إن استبدال الجسر الذي يربط جبل لبنان بسهل البقاع فوق نهر سلفي على الطريق المؤدية إلى دمشق يكلف نحو 65 مليون دولار أمريكي. "وهو جسر جميل يرتكز على أعمدة يبلغ ارتفاعها 70 متراً، وأحد الجسور الفريدة من نوعها في الشرق الأوسط بأسره. فلماذا يدمرون مثل هذا الجسر؟" على حد قوله. "كان بإمكانهم قصف بدايته ونهايته ووقف حركة المرور. لكنهم أمعنوا في قصف هذا الجسر عدة مرات."
وتشير قائمة الحكومة اللبنانية للطرق التي لحقت بها أضرار حتى 31 يوليو/تموز إلى أن القصف الإسرائيلي المتكرر عطل قرابة 100 طريق، حيث دُمر زهاء 200,000 متر مربع من الطرق تدميراً كاملاً. ووفقاً لملف الحقائق الصادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في 16 آب، فقد جرى تدمير 15000 منـزل مدني - بيوت وشقق ، و هذا ما اكده الامين العام لحزب الله في حديث تلفزيوني مسجل بثته قناة المنار نهاية الحرب . و وفقاً لليونيفل ، ففي 15 آب كانت نسبة 80 بالمائة من منازل المدنيين في قرية الطيبة مدمرة ، و50 بالمائة في قريتي مركبا والقنطرة، و30 بالمائة في ميس الجبل و20 بالمائة في حولا و15 بالمائة في طلوسة. وفي اليوم التالي ، ذكرت اليونيفل أن 80 بالمائة من المنازل المدنية في قرية الغندورية قد دُمرت و60 بالمائة في قرية زبقين و50 بالمائة في جبل البطم والبياضة و30 بالمائة في بيت ليف و25 بالمائة في كفرا.
وفي بلد يقارب عدد سكانه عن أربعة ملايين نسمة ، خرج أكثر من 25 بالمئة منهم إلى الشوارع كمهجرين . والتجأ حوالي 500,000 منهم إلى بيـروت وحدها، حيث افترش العديد منهم الأرض في الحدائق والأماكن العامة، بدون ماء ولا مرافق للاغتسال. وذكر مندوبو منظمة العفو الدولية في جنوب لبنان ( أنه في قرية بعد قرية في شتى أنحاء جنوب لبنان كان النمط متشابهاً : الشوارع، وبخاصة الشوارع الرئيسية تخللتها الحفر التي أحدثتها قذائف المدفعية على امتدادها . وفي بعض الحالات ، ظهرت آثار القنابل العنقودية. واستُهدفت المنازل بهجمات شُنت بواسطة الصواريخ الموجهة التي تتسم بالدقة وتعرضت لتدمير شامل أو جزئي ، نتيجة لذلك. واستهدفت المباني التجارية ، مثل محلات السوبر ماركت أو محلات المواد الغذائية ومحطات خدمة السيارات ومحطات الوقود ، غالباً بذخائر موجهة دقيقة وقذائف مدفعية تسببت باندلاع الحرائق وتدمير محتوياتها ....).
ومع انقطاع الكهرباء وعدم وصول المؤن الغذائية وغيرها من الإمدادات إلى القرى ، لعب تدمير محلات السوبر ماركت ومحطات الوقود دوراً حاسماً في إجبار السكان المحليين على النـزوح و ذلك بسبب نقص المواد التموينية و الغذائية الضرورية و المحروقات اللازمة الذي من خلاله يستطيع السكان التزود في المياه بواسطة مضخات الآبار الجوفية ، لأن مضخات المياه تحتاج إلى كهرباء أو مولدات تتغذى بالوقود.... وقد قدَّرت الحكومة اللبنانية تكلفة الأضرار التي لحقت بمرافق المياه بأكثر من 70 مليون دولار اعتباراً من 8 آب.وتشمل مرافق المياه المتضررة والمدمرة أربع آبار في فخر الدين ، فضلاً عن الأنابيب الممتدة بين محطة فخر الدين ووادي الراشد. وتعرضت صهاريج التخزين في منطقة صيدا وبنت جبيل والوزاني للضرر أو التدمير. ودُمرت محطة ضخ في منطقة بعلبك- الأسيرة ، فضلاً عن أنبوب المياه بين سبعة والدلبي. وفي منطقة الليطاني، أُصيبت قناة القاسمية والأنبوب الممتد من جون إلى الأولي . فيما تركت الغارات الجوية الإسرائيلية التي شنت في الأسبوع المنتهي يومي 12 و13 آب، قبيل دخول وقف إطلاق النار حيز النفاذ، مدينتي صيدا وصور بدون كهرباء. وتُقدر تكلفة الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء بحوالي 208 ملايين دولار أمريكي .
و كانت الطائرات و البوارج الإسرائيلية قد قصفت محطة كهرباء الجية التي تبعد حوالي 25 كيلومتراً جنوب بيـروت وصهاريج الوقود فيها في 13 تموز ومرة أخرى في 15 تموز. وغطت النيران التي اندلعت جراء ذلك ، والتي ظلت مشتعلة طوال ثلاثة أسابيع ، المناطق المحيطة بغبار أبيض ناعم من الخرسانة المطحونة وملأت الجو بسخام أسود. وإضافة إلى ذلك، تسبب ذلك الهجوم بتسرب 15000 طن من الوقود الثقيل إلى البحر. ولوثت بقعة الزيت أكثر من 150 كيلومتراً من الخط الساحلي اللبناني، وانتشرت شمالاً إلى المياه السورية. ووصفها برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة بأنها واحدة من أسوأ الكوارث البيئية التي شهدتها المنطقة. وتُقدَّر تكلفة التنظيف الشامل بحوالي 150 مليون دولار ويستغرق العمل سنة كاملة. و قال ستافروس ديماس المفوض الأوروبي المكلف بجهود احتواء الضرر إن "التسرب النفطي الأخير قبالة الساحل اللبناني يشكل كارثة بيئية وقد يؤثر على موارد الرزق والصحة ومستقبل لبنان والدول المحيطة به". و وفقاً للمنظمة غير الحكومية البيئية اللبنانية غرينلاين : "فإن صهاريج الوقود أطلقت سحابة من الهيدروكربونات العطرية المتعددة والديوكسين ومواد دقائقية وكلها يمكن أن تسبب السرطان ومشاكل في جهاز التنفس ومشاكل هرمونية".
وقال أتشيم ستاينر، نائب الأمن العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة "إنها ... حقيقة محزنة أن تكون البيئة - التي تبرز فيها بشكل صارخ البقعة النفطية والخط الساحلي المتضرر والمسوَّد - ضحية أيضاً مع ما لها من انعكاسات على مصادر الرزق وصحة الإنسان والتنمية الاقتصادية والأنظمة البيئية ومصائد الأسماك والسياحة والحياة البرية النادرة والمعرضة لخطر الفناء." ولم يتم بعد تقييم الضرر الذي لحق بقطاعين فتيين من الاقتصاد اللبناني - هما السياحة التي كان من المتوقع قبل النـزاع أن تحقق 12 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي للأمة هذا العام والصيد التجاري للأسماك.
وأدى قصف المحولات الكهربائية مثل ذلك الذي أُصيب في صيدا في 12 آب إلى انبعاث ثنائي الفنيل المكلور المتعدد في الهواء. وما زال لبنان يستخدم محولات تتضمن أجزاء صنعت من هذه المادة بالرغم من وجود حظر دولي على استخدامها وحذرت غرينبيس من أن ثنائي الفنيل المكلور المتعدد هو عبارة "عن مادة كيماوية متراكمة حيوياً وثابتة، لذا عندما تتنشقها تبقى في جسمك وتسبب السرطان". كذلك أدى قصف المصانع التي تصنع منتجات مثل الزجاج والمواد الغذائية والبلاستيك (اللدائن) إلى انبعاث هذه المواد الكيماوية والكلورين في الجو في المناطق الوسطى من لبنان، ويحتمل أن تكون أثرت على مليوني شخص.
ماذا على الصعيد السياسي ؟
أصر الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية على أنهم كانوا يستهدفون مواقع حزب الله ومرافق إسناده وأن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية كانت عرضية أو نجمت عن استخدام حزب الله للسكان المدنيين " كدروع بشرية" حسب ادعاء القادة العسكريين الااسرائيليين . بيد أن نمط ونطاق الهجمات ، فضلاً عن عدد الإصابات التي وقعت في صفوف المدنيين ومقدار الأضرار التي لحقت بالممتلكات ، تجعل من هذا التبرير كلاماً أجوف. وتوحي الأدلة بقوة بأن التدمير الواسع للمرافق العامة وشبكات الطاقة ومنازل المدنيين والصناعات كان متعمداً وجزءاً لا يتجزأ من استراتيجية عسكرية ، وليس مجرد "أضرار جانبية" أو أضرار عرضية لحقت بالمدنيين أو الممتلكات المدنية نتيجة لاستهداف الأهداف العسكرية.
ويبدو أن التصريحات التي أدلى بها المسؤولون العسكريون الإسرائيليون تؤكد أن تدمير البنية التحتية كان بالفعل هدفاً للحملة العسكرية. ففي 13 تموز، بعيد بدء الضربات الجوية ، هدد الجنرال دان حالوتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ( أن كل بيـروت يمكن أن تُشمل ضمن الأهداف إذا استمرت صواريخ حزب الله في ضرب شمال إسرائيل ) ، و اعلن صراحة ان " لا شيء في مأمن (بلبنان) ". وبعد ثلاثة أيام، وفقاً لصحيفة جيروزلم بوست، هدد أحد كبار ضباط الجيش الإسرائيلي بأن (إسرائيل قد تدمر محطات الطاقة اللبنانية إذا أطلق حزب الله صواريخ بعيدة المدى على منشآت استراتيجية في شمال إسرائيل....) .
وفي 24 يوليو/تموز، وفي مؤتمر صحفي عقده أحد كبار ضباط سلاح الجو الإسرائيلي، قال للمراسلين ( إن رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي أمر العسكريين بتدمير 10 مبانٍ في بيـروت مقابل كل صاروخ كاتيوشا يضرب حيفا...) . ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، قال رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي إن الضربات الجوية تستهدف مواصلة الضغط على المسؤولين اللبنانيين، وإرسال رسالة إلى الحكومة اللبنانية بأنها يجب أن تتحمل مسؤولية أفعال حزب الله....
ويظهرالتدمير واسع النطاق للشقق والمنازل ومرافق الكهرباء والماء والطرقات والجسور والمصانع والمرافئ ، إضافة إلى عدة تصريحات أدلى بها المسؤولون الإسرائيليون، بوجود سياسة لمعاقبة كل من الحكومة اللبنانية والسكان المدنيين في مسعى لحملهم على الانقلاب على حزب الله. ولم تتراجع الهجمات الإسرائيلية ولم يبدُ أن نمط الهجمات يتغير، حتى عندما بات واضحاً أن ضحايا القصف كانوا بأغلبيتهم من المدنيين، وهذا ما حصل منذ الأيام الأولى للنـزاع .
ورغم الخسائر الفادحة التي كان تكبدها جيشه الا ان وزير الدفاع الاسرائيلي عمير بيرتس قال "بأنه لا يمكن لإسرائيل أن توافق على وقف فوري لإطلاق النار في لبنان لان المتطرفين سيرفعون رؤوسهم مجددا في مثل هذه الحالة ويعود الوضع في المنطقة إلى سابق عهده في غضون بضعة أشهر" . و اضاف بيرتس خلال خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي ظهر اليوم الذي ارتكب فيه الجيش الاسرائيلي المجزرة المخيفة في قرية قانا في الجنوب اللبناني التي راح ضحيتها اكثر من 60 شهيدًا معظمهم من الأطفال "أن إسرائيل وافقت على فرض قيود على عمليات سلاح الجو في لبنان لمدة ثمان وأربعين ساعة كلفتة إنسانية بعد حادث مقتل المدنيين اللبنانيين في قرية قانا غير أن الجيش سيوسع نطاق عملياته ضد حزب الله ". الا انه استدرك بالقول : "ممنوع الموافقة على وقف لإطلاق النار نحن ننوي أن ننتصر". وزعم بيرتس "أن الشعب الإسرائيلي وجيشه يريدون تغيير الواقع في الشرق الأوسط ، ويريدون إنهاء التهديد عن الجبهة الشمالية".
من ناحيته فقد قال وزير العدل الإسرائيلي حاييم رامون "إن تعليق إسرائيل ضرباتها الجوية في لبنان لمدة 48 ساعة لا يعني "انتهاء الحرب" ضد حزب الله. وصرح رامون لإذاعة الجيش الإسرائيلي أن "تعليق نشاطاتنا الجوية لا يعني بأي شكل من الأشكال انتهاء الحرب بالعكس،هذا القرار سيتيح لنا كسب هذه الحرب وتخفيف الضغوط الدولية". وتعرضت "إسرائيل" لانتقادات دولية حادة بسبب ارتكابها مجزرة في بلدة قانا جنوب لبنان أسفرت عن مقتل العشرات معظمهم من الأطفال . وأكدت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي " أن إسرائيل علقت وبشكل فوري ضرباتها الجوية على لبنان لمدة 48 ساعة لكنها تحتفظ لنفسها بحق الاستمرار في مهاجمة مجموعات مسلحة محتملة لحزب الله تستعد لإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل".
من جهة اخرى ، و في رد اولي على التصريحات الاسرائيلية ، دعا الرئيس اللبناني أميل لحود "إسرائيل" إلى وقف عملياتها و الانسحاب إلى الخط الأزرق معبرا عن امله في انه سيتم بعد ذلك و في أسرع وقت ممكن بحث كل المواضيع حتى تنتهي القضية اللبنانية محملا في نفس الوقت الولايات المتحدة المسؤولية عما يجري في لبنان قائلا " إن ما يحدث هو خطة أمريكية محضرة مسبقا تنفذها إسرائيل " . و قد رفض الرئيس اللبناني أميل لحود موافقة بلاده على نشر قوات متعددة الجنسيات في الأراضي اللبنانية معبرا عن دعمه " لتعزيز قوات الطوارئ الدولية الموجودة حاليا على الحدود "، رافضا "... أي قرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي تملي على لبنان شروط إسرائيل... ". وهدد لحود " بدخول الجيش اللبناني في المعركة إذا ما دخلت قوات برية إسرائيلية إلى لبنان مؤكدا انه لا يمكن التخلي مرحليا عن المقاومة اللبنانية ونزع سلاحها !".
و على الصعيد الدولي ايضا فان اللبنانيون ، ومن خلال الحكومة ، أجمعوا على الوثيقة التي قدمها الرئيس السنيورة إلى قمة روما ، والتي تكشف عن الرؤية اللبنانية للحل ، وبذلك قطعوا الطريق على أي محاولة للعب على التناقضات بين القوى اللبنانية. و ظهر ما يجري في لبنان من قصف وتدمير وقتل للابرياء دون السماح بوقف إطلاق النار يدل على حجم المشكلة ، وتعقيداتها، ومخاطرها ، وأبعدها ، والرئيس نبيه بري كان واضحاً عندما قال :( ما يجري هو مؤامرة على لبنان. واضاف بري في حوار مباشر مع قناة الجزيرة إن على الدول العربية وخاصة تلك المقربة من الولايات المتحدة أن تنزل بضغطها وتلزم "إسرائيل" وواشنطن على الدخول في مفاوضات واسعة تشارك فيها جميع الأطراف لبحث حل نهائي للنزاع في الشرق الأوسط ...). و وضع بري الدول العربية أمام خيار آخر يتمثل في ( توسيع الحرب المفروضة على لبنان بدخول الدول العربية على خط المواجهة ) ، مشيرا إلى ( أن النار التي يكتوي بها لبنان ستصل إلى الأطراف العربية وبالتالي عليها أن تتحرك في أقرب وقت ..) . و وصف بري - الذي خوله حزب الله للتفاوض بشأن ملف الأسرى- ( إن الحرب التي تشنها "إسرائيل" على لبنان مدبرة ومدروسة في اتجاه ممارسة مزيد من الضغوط على سوريا وإيران إلى جانب كونها مؤامرة على لبنان . فقد انعقد مؤتمر روما بحضور الدول الثماني الكبرى مع تحرك عربي خجول لم يصل إلى مستوى عقد قمة عربية ، علماً أنّ ما كان يجري على الارض هو أمر خطير فهناك تصور أميركي بإنشاء شرق أوسط جديد يلبي طموحات واشنطن واسرائيل الامنية والسياسية والاقتصادية ) .
وفي نفس المجال و في كلمة متلفزة ، بثتها وسائل الاعلام اللبنانية و العربية المرئية ، اعتبر السيد حسن نصرالله ما جاء على لسان رايس هو الاساس في المعركة الدائرة حالياً وليس أسر الجنديين ، واكد ان مخطط الاعتداء على لبنان ليس جديداً وانما عمره شهور، وكان ينتظر الاعداد الكامل كي يشكل عنصر المفاجأة عاملاً مؤثراً فيه ، وجاءت عملية أسر الجنديين لترغم الاسرائيليين على الكشف عن مشروعهم ، والبدء بالهجوم مفتقدين لعنصر المفاجأة، وهذا ما أعطى قوة الصمود للمقاومة . اذا ، فالمشروع الاميركي الاسرائيلي الذي يستهدف المنطقة قائم ، وهو يستهدف ضرب مختلف حركات التحرر والقوى المقاومة لإفساح المجال لعلاقات طبيعية تأخذ فيه "إسرائيل" وضعها الطبيعي كدولة تمتلك ترسانة نووية تفرض السياسة الاميركية في المنطقة.
خطة اسرائيلية ـ امريكية للمنطقة
كلام نصر الله المتلفز يستند على معطيات يملكها حزب الله و قيادته السياسية ، و يأتي استكمالا لما نشر من تقارير سرية والتي كان آخرها اللقاء الأمني السياسي السري الذي عقد في فلوريدا بالولايات المتحدة في شهر تشرين الاول من العام 2005 وشاركت فيه عدة جهات إقليمية ودولية ومشاركة اسرائيلية ننشر تقريرا سريا آخر يؤكد ان الولايات المتحدة وتل أبيب أعدتا خطة من 17 نقطة وبندا لرسم خارطة جديدة للمنطقة، تشكل الحرب على الساحتين اللبنانية والفلسطينية جزءا من هذه الخطة الموضوعة منذ مدة طويلة، وبالتالي ، يؤكد التقرير ان اسر الجنود الاسرائيليين الثلاثة من جانب حزب الله وحركة حماس مجرد ذريعة واهية تستند اليها تل أبيب وامريكا في شن الحرب المندلعة حاليا، كما يؤكد التقرير مشاركة واشنطن الفعلية في هذه الحرب بالسلاح والحشد والمعلومات والتجنيد واستخدام الادوات وتكليف الحلفاء في المنطقة بالادوار المطلوبة واللازمة.
يقول التقرير السري :(ان الولايات المتحدة وتل أبيب حاولتا بطرق عديدة اشعال حروب اهلية في فلسطين ولبنان حتى يسهل عليها تنفيذ الخطة المؤلفة من سبعة عشر بندا، الا ان هذه المحاولات فشلت، وبالتالي، كان لا بد من شن الحرب المدمرة...)، ويذكر التقرير ( ان الخطة وضعتها طواقم مشتركة محدودة العدد من كبار المسئولين والمقربين لكل من الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اريئيل شارون واستغرق إعدادها ثمانية اشهر ، وجاءت بعد لقاءات واجتماعات واتصالات مطولة عقدت بشكل سري في اماكن متعددة داخل تل أبيب والولايات المتحدة، وتمت الموافقة عليها من جانب بوش وشارون، واطلع عليها ايهود اولمرت في مرحلة متأخرة، وتحديدا بعد دخول شارون المستشفى للمرة الاولى، لكن، رئيس الاركان الاسرائيلي دان حالوتس، كان على اطلاع اكثر، أما ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي فكان يطلع اولا باول على النتائج التفصيلية للقاءات والاجتماعات السرية ) .
و يشير التقرير الى ( ان الحروب التدميرية هي الوسيلة الانجع للتنفيذ في حال فشلت محاولات اشعال الحروب الاهلية واثارة الفتن في الساحات المستهدفة ، وهي كما وردت في التقرير فلسطين ولبنان وسوريا وايران، وبعد نجاح الخطة في الساحات المذكورة وكما جاء في الخطة تبدأ عملية اسقاط بعض الانظمة والحكام في ساحات اخرى واستبدالهم بآخرين تم اعدادهم لهذه الادوار مسبقا ) ، حتى ان التقرير يكشف عن ازاحة حكام بعد استكمال الخطة رغم مشاركتهم في التنفيذ لادوار يكلفون بادائها. والخطة الاسرائيلية الامريكية ، كما جاء في التقرير ( ترسم خارطة جديدة للمنطقة ، من خلال صياغة ورسم حدود الدولة العبرية ، وهذا هو عنوان الخطة التي تضمنت طبيعة الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة بشكل يحقق الامن الاسرائيلي ويمنع الاحتكاك، وكذلك الامر بالنسبة لسوريا والضفة الغربية...) .
واورد التقرير ( ان رسم حدود الدولة العبرية يجب ان ينتهي العمل منه حتى العام 2010 ، وان هذه الخطة بدأت مرحلتها الاولى ) ، بمعنى ان البند الاول منها ( تم تطبيقه عندما انسحبت تل أبيب من قطاع غزة من جانب واحد.) . ويضيف التقرير ( ان الخطة احتوت على فقرة ، تقول: يجب ان تزول كل العقبات ، وفي مقدمتها حزب الله، بكل السبل والوسائل'. وانه يجب ان تنطلق تل أبيب بدعم امريكي واسع ومشاركة فعالة لشن حرب تدميرية في المنطقة تتجاوز لبنان وفلسطين الى سوريا وايران دون اكتراث للمجتمع الدولي، وانه بعد اتمام وتنفيذ الخطة يمكن الالتفات الى الردود والمواقف الدولية ومعالجتها ) . ويخلص التقرير الى القول بان ( الخطة المذكورة هي الطريق الى انهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي في موعد لا يتجاوز العام 2010 مع تطويع المنطقة بالكامل لخدمة الحل الامريكي الاسرائيلي لهذا الصراع ) .
الموقف الامريكي المنحاز
من ناحية اخرى فان إصرار وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس على استمرار الحرب على لبنان ، واعطاء مزيد من الوقت للجيش الاسرائيلي لإحداث اختراق عسكري يؤكد ضلوع واشنطن في مؤامرة ذبح الشعبين اللبناني والفلسطيني فالغارات استمرت على مختلف المناطق اللبنانية وخاصة مناطق صور و الضاحية الجنوبية و البقاع ، اضافة الى قرى و بلدات قضاءي بنت جبيل و النبطية . رغم ذلك فان المقاومة بقيت مشتعلة و تقاوم على طريقتها لإثبات قدرتها على المواجهة وعلى كسب الوقت لتعطيل أية إمكانية لجيش الاحتلال للسيطرة على الشريط الامني المُخطط له بالسرعة التي تريدها " إسرائيل" لإرسال رسالة واضحة إلى مؤتمر روما . وقد كشفت رايس عن الانحياز الاميركي الكامل لصالح " إسرائيل" على حساب شعوب المنطقة وذلك من خلال جولتها في المنطقة التي ترافقت مع القصف الاسرائيلي التدميري لقطاع غزة وللبنان وتعطيل أية مساعي للتهدئة ، خاصة ان رايس رفضت المناقشة في أفكارها فهي جاءت لتفرض آراءها ، وتملي ما تجده الادارة الاميركية مناسباً من حلول على الطريقة العراقية والافغانية.
هذا الموقف الاميركي المصر على تسليم الجنديين الاسيرين أولاً وقبل كل شيء، ثم تسليم حزب الله لسلاحه إلى الدولة ، والانسحاب إلى ما بعد الليطاني ونزول قوات دولية في الشريط الحدودي دون التطرق إلى وقف إطلاق النار جعل سقف مؤتمر روما والنتائج التي ستصدر عنه منخفضة ، أي أنّ الحلول والقرارات ستأخذ مصلحة "إسرائيل" بعين الاعتبار أولاً وقبل كل شيء. علماً ان هناك ضغطاً عربياً كاملاً بضرورة وقف إطلاق النار لوقف المجازر وانسحاب "إسرائيل" من شبعا ونزول قوات دولية ثم معالجة باقي القضايا.
و مع استمرار المقاومة لاسابيع ثلاثة و اكثر ، اتضح أن الولايات المتحدة تسعى باتجاه الضغط على "اسرائيل" للاستمرار في الحرب والتدمير رغم أنّ بعض المسؤولين الاسرائيليين بدأ يتململ لأنّ هناك خسائر فادحة أيضاً لدى الجانب الاسرائيلي بسبب قصف حيفا التي هجرها 30% من أهلها إضافة إلى 20% منها غادروا "إسرائيل" بالكامل الا انه يبدو أن الادارة الاميركية تريد أن تستنزف الجيش الاسرائيلي في معركة تخدم مصالحها هي أيضاً .
قمة روما والتحرك الاوروبي المتأخر
لقد عول بعض المراقبين على قمة روما خيرا اذ كان من المأمول أن تتمكن تلك القمة من فرض وقف لإطلاق النار لوقف المجزرة ، لكن على ما يبدو أن الاولوية في المؤتمر كانت لإرسال قوة دولية ضاربة تتولى هي بنفسها ، وانطلاقاً من الشريط الامني الذي تسعى إليه "إسرائيل" ، لمعالجة موضوع حزب الله وعلاقة الحزب بالحكومة. لكن لا يجب أن لا ننسى أن حزب الله ما زال يمتلك القدرة على المقاومة والصمود ، وانه يراهن على هذا النصر لتعطيل المشروع الاسرائيلي برمته . و بعد ان راحت السكرة وجاءت الفكرة ، وانفضّ المجتمعون في قمة روما بعد أن شربوا الكأس الاميركية وأصيبوا بحالة من الخمول والضعف والتخاذل ، وجعلهم يصمتون ويبصمون على ما أرادته رايس . وفي اليوم الثاني عندما صرّح وزير الحرب الاسرائيلي بأن قمة روما أعطت جيشه الضوء الاخضر لمواصلة عدوانه على لبنان تنّبهت العواصم الاوروبية وخاصة روما وبريطانيا وفرنسا إلى ما سيلحقه هذا التصريح بسمعتها السياسية أمام شعوبها. والذي حرّك هذا الموضوع أكثر هو المظاهرات والاحتجاجات التي عمَّت عواصم العالم ، والتي تطالب بوقف فوري وشامل لإطلاق النار، وهذا ما جعل شيراك يسارع للمطالبة بعقد اجتماع لمجلس الامن لأخذ قرار بوقف إطلاق النار أسوة بكل مشاكل العالم وصراعاته، حيث انه لاول مرة تجتمع الدول العظمى وتوافق على المطلب الاميركي بعدم وقف إطلاق النار مما يعني الانصياع التام للمصالح الاميركية والأطماع الاسرائيلية ، كذلك تحرك بلير رئيس الوزراء البريطاني وبسرعة للقاء الرئيس الامريكي بوش في البيت الابيض مطالباً أياه بالموافقة على وقف إطلاق النار تمهيداً لنشر قوة دولية ، وأشار بلير بنفسه إلى ان رايس ستزور المنطقة وستحمل مقترحات جديدة لوقف إطلاق النار ولإرساء الحلول . كذلك رئيس الوزراء الايطالي الذي تحرك في الاطار نفسه محاولاً إستعادة كرامة ايطاليا التي أقَّرت قمة روما على أرضها ذبحَ الشعب اللبناني .
وفي هذه الاجواء تحرّكت الترويكا الاوروبية لتلتقي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ، وكذلك رئيس الوزراء فؤاد السنيورة وتمّ الخوض في تفاصيل المبادرة التي قدمتها حكومة السنيورة . وقد أُعتبرت زيارة الترويكا ردّ إعتبار للبنان الذي يُذبح بأداة القتل الاسرائيلية خاصة أنها ايدت بالكامل الورقة اللبنانية ، و بعد ان اسيتقظت العواصم الاوروبية وبدأت تحركاً له الطابع الانساني لكنه دون شك يتمحور حول نقطتين ، إنتشار القوة الدولية ووقف إطلاق النار، أضطرت رايس ان لا تترك الفرصة للأوروبيين ، وأن تبقى ممسكة بزمام الامور . لكن من الواضح انَّ تراجع القوة الاسرائيلية من مثلت بنت جبيل - مارون الراس- تلة مسعود بعد ان تكبّدت خسائر فادحة، وسقوط طائرة بدون طيار ، وقصف العفولة بصواريخ " خيبر 1"، وحالة الارباك في المؤسسات الاسرائيلية ، كل ذلك كان له الأثر الكبير في تحرك رايس وتوجهاتها.
وحدة لبنان هزيمة لـ"اسرائيل"
اللبنانيون ومن خلال الحكومة أجمعوا على الوثيقة التي قدمها الرئيس السنيورة إلى قمة روما ، والتي تكشف عن الرؤية اللبنانية للحل ، وبذلك قطعوا الطريق على أي محاولة للعب على التناقضات بين القوى اللبنانية. ان ما جرى في لبنان من قصف وتدمير وقتل للابرياء دون السماح بوقف إطلاق النار يدل على حجم المشكلة وتعقيداتها ومخاطرها وأبعادها، والرئيس نبيه بري كان واضحاً عندما قال: ما يجري هو مؤامرة على لبنان . فبعد ان عجزت " اسرائيل " عن تحقيق انجازات عسكرية في منطقة الجنوب نتيجة اصطدامها بمقاومة هائلة ومحكمة ، فلم يكن أمامها إلاّ أن تهرب إلى بعلبك حيث الاهداف المدنية ، مستشفى الحكمة ، البيوت المدنية، المدنيون العُزّل و بعد ان فشلت قواتها من النخبة في اختراق فعلي لتواجد المقاومة في الجنوب و بعد التغييرات المهمة التي حصلت في قيادة الجيش الاسرائيلي اهمها تغيير في قيادة المنطقة الشمالية ، وافراغ تلك المنطقة من المستوطنين بشكل كلي من قرى و مستوطنات صهيونية و لاول مرة منذ نكبة فلسطين عام 1948 .
و في الجنوب ايضا ، ما زالت قوات الاحتلال الاسرائيلي ، رغم فِرَق الاحتياط التي حشدتها ، عاجزة عن تثبيت أقدامها في القرى والبلدات الحدودية ، فهي تدخل بجنودٍ مرعوبين ، وسرعان ما يختل التوازن ، فتتكبد الخسائر البشرية والعسكرية والمعنوية ، ثم تنسحب، مدّعيةً أن هذا الانسحاب تكتيكي . صورة الجيش الاسرائيلي القوي الرعديد و الذي لا يقهر فقدت بريقها أمام الاسرائيليين انفسهم وأمام العالم اجمع ، فسمعة "اسرائيل" اليوم في الحضيض ، "إسرائيل" اليوم هي "إسرائيل" التي تتقن قتل الأطفال وتتفنن بارتكاب المجازر ، وهي التي تدمّر الابنية على سكانها، وهي التي تمنع هيئات الاسعاف والاغاثة والدفاع المدني من الوصول إلى الضحايا تحت الانقاض ، و"اسرائيل" اليوم هي العاجزة عسكرياً عن تحقيق اختراق عسكري في الجنوب تُسعِفَ به الموقف الاميركي المُنتظَر على أحرّ من الجمر نصراً كهذا. وحتى لو تقدمت قوات الاحتلال أمتاراً فإن هذه القوات لن تستطيع الثبات والبقاء ، لأنّ المقاومة مازالت تمتلك قدراتها على المجابهة ، وهذه المقاومة هي التي توعّدت الجيش الاسرائيلي و هزمته فعليا .
لقد ثبت وأمام العالم بأسره إنهيار الجيش الاسرائيلي عسكرياً ومعنوياً في معارك القرى الحدودية سواء في بنت جبيل ومارون الراس وتلة مسعود، أو الطيبة والعديسة وكفر كلا ، أو عيتا الشعب وعيترون ، وفي كل قرية قصة صمود ومقاومة.وكلما إنكشف عجز الجيش الاسرائيلي اكثر أمام العالم الذي أعطى المزيد من الوقت لاسرائيل لتحقق انجازاً، نراهُ يهرب إلى قصف المناطق المدنية في البقاع والشمال والضاحية، والقرى الجنوبية، وحين لا يجد بيتاً او جسرا او حتى طريقا نجا من حقده ، يعود فيقصف تلك البيوت و الجسور و الطرقات المقصوفة ، فينتقم مجدداً من الضحايا تحت الانقاض .
ماذا حقق حزب الله ؟
رغم ذلك فان ما يجري على أرض الجنوب من مقاومة ، ومن صمود ليس سهلاً وستكون له تأثيراته المستقبلية على كافة الأصعدة المحلية ، والعربية، والدولية، فهناك متغيّرات ستفرضُ نفسها على أرض الواقع ، ولعلّ أبرز هذه المتغيرات هي :
أولاً: إنّ حرب العصابات التي تعتمد على قدرات الفرد قادرة على هزيمة الاحتلال مهما كانت قواته العسكرية، وقدراته التكنولوجية، وامتداداته الدولية.
ثانياً: أثبت حزبُ الله مصداقيته مع القوى الأخرى في لبنان التي خاض معها حوارات مكيّفة وشاقة ، وحاول عبرها إقناع الجميع بأنّ المقاومة قادرة على طرد الاحتلال ، وتحرير الارض ، و من ذلك اعلان الحزب على لسان قياداته انه من خلال الحوارات ايضا كان قد طرح امكانية أسر جنود صهاينة من اجل استبدالهم بالاسرى اللبنانيين الذين ما زالوا في سجون الاحتلال .
ثالثاً: فرض حزب الله ، ومن خلال تضحياته الراهنة ضد "إسرائيل" ، موقفاً وطنياً شاملاً على صعيد الساحة اللبنانية ، وحقّق بذلك إلتفافاً حول المقاومة.
رابعاً: من خلال الصمود في الجنوب قطع حزب الله الطريق على "اسرائيل" والولايات المتحدة ومحاولاتهما شق الصف اللبناني ، وتأليب بعض القوى لصالحهما ، وأعرب الجميع عن إدانتهم لجيش الاحتلال وممارساته ، وحمّلوه مسؤولية التدمير والقصف والقتل بعد أن حاولت "إسرائيل" تحميل الحزب مسؤولية وتبعات ما تقوم به من تدمير .
خامساً: الحقيقة التي لا بد من قولها أيضاً أنّ حزب الله أصبح مديناً لمختلف القوى السياسية ، وللطوائف الدينية نظراً لما قدّموه من غطاء سياسي وشعبي للحزب في مقاومته ، وهذا ما يفرض على الحزب مرونة كبيرة في التعاطي مع القضايا الوطنية المطروحة سابقاً ولاحقاً ، خاصة بعد النصر الكبير الذي تحقّق حتى الآن على الاقل على المستوى العسكري .
البحث الاسرائيلي في التيه
من المهم القول هنا ان "إسرائيل" كانت تبحث جاهدةً عن نصر تسجِّله في الملف السياسي قبل أن ينْفذ صبر العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي خرجت عن كل الآداب السياسية والدبلوماسية وأصّرت على عدم وقف إطلاق النار. و"إسرائيل" اصبحت في غاية الاحراج لأنه إذا بقيت المعطيات العسكرية على ما هي عليه فإنها مضطرة للذهاب إلى التفاوض بكفي حنين ، وستكون عاجزة عن فرض أية شروط . لذلك فإن ما شاهدناه من تصعيد وتكثيف عسكري كان ضرورة ملحّة بالنسبة لـ"إسرائيل" كدولة متفوقة عسكرياً على دول الشرق الأوسط كافة ، وكدولة مضطرة لحماية مصالحها في المنطقة. هنا تكمن أهمية ما كان يجري على أرض الجنوب فـ"إسرائيل" ، و هي المعتدية بإستمرار ، تتحدث عن حاجتها إلى الامن ، وتتحدث عن السلام وهي من قوَّض أُسس وقواعد السلام في المنطقة ، تتهم الآخرين ـ كلَّ الآخرين ـ بالإرهاب وهي ملكة الارهاب والخبيرة رقم واحد في إرتكاب المجازر وقتل الأطفال والنساء . "اسرائيل" تعيش على الكذب والخداع فهو مبرر وجودها ، لإنها أصلاً قامت على خداع المجتمع الدولي .
وما جرى و لازال يجري يؤكد أن "إسرائيل" مجتمع عنصري قائم على الحرب والعدوان، وهي تحاول دائماً البحث عن مبررات للإمعان في القتل والدمار، وما تفعله في لبنان وفلسطين يؤكد أنها تخوض حرب إبادة بشرية ضد الشعبين، وهي تبحث عن ذرائع لتنفِّذ خططها وبرامجها ، ففي فلسطين تتخذ من خطف الاسير الاسرائيلي مبرراً لمزيد من المجازر، وفي لبنان أتخذت من خطف الأسيرين الاسرائيلين مبرراً لافتعال عشرات المجازر ايضا في لبنان من مروحين إلى صريفا ، إلى قانا، الى سلعا، والى الشياح ، إلى الغازية و القاع ، ورغم ذلك كله فإن مجلس الامن بقي يدرس موضوع امكانية وقف إطلاق النار، و يبدو ان حجم الضحايا والدمار الذي تمّ حتى الآن لا يكفي والمطلوب إعطاء الفرصة الاضافية لـ"إسرائيل" لتقتل المزيد ، وحتى الذي يشيِّعون الشهداء يُقصفون، ويُقتلون، و لا من رادع لهم .
وقف النار ونشر الجيش
بعد وقف إطلاق النار ، قررت الحكومة اللبنانية ، وفي خطوة مهمة وأساسية استعدادها لنشر الجيش اللبناني في الجنوب ، وإنسحاب العدو الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية ، ووضع مزارع شبعا تحت وصاية الامم المتحدة تمهيداً لتحديد ما اذا كانت لبنانية أو سورية . هذه الخطوة الجرئية والمهمة حملها الوفد اللبناني والعربي الى مجلس الامن وهي خطوة كافية لإقفال أفواه كل المعطّلين لوقف إطلاق النار الفوري. فلبنان مستعد لأخذ دوره الكامل وفي إطار توافق سياسي جماعي بما في ذلك حزب الله. فالخطوة التي تبناها لبنان والتي تدل على وعي قيادته السياسية ، وتقديرها للمسؤولية ، قطعت الطريق على الاسرائيلين والاميركيين ، فالمطلوب حلٌّ مُشرِّفٌ للبنان ومقاومته فهو البلد العربي الصغير في جغرافيته لكنه الكبير بتضحايه ، وإرادته الوطنية.
وبعد هذا الموقف اللبناني الواضح لا يمكن تبرير موقف مجلس الامن والاطراف المعطَّلة إلاّ بأنها ترغب في تحطيم العنفوان اللبناني ، وتدمير ما تبقى من بنيته التحتية، وتلبية الرغبة الاسرائيلية. فالخطوة اللبنانية بنشر الجيش مهمة جداً داخلياً وخارجياً، فهي تضع الحلول والاجابات على كافة الاسئلة والتساؤلات، فلبنان واضح، لكنّ السؤال موَّجه الى "اسرائيل" التي تريد الحرب من أجل الحرب ، ولو كانت تريد الاستقرار لكانت انسحبت من مزارع شبعا وانتهى الموضوع. و قد اصبح الآن بين يدي العرب قضية عادلة وتحتاج إلى محامين قادرين لتثبيت الحق اللبناني أولاً ، ولإثبات أن "اسرائيل" كيان عنصري معادٍ للأنسانية، ولنقل صورة حقيقية عن ممارسات هذا الكيان الإجرامية ، وإلى فضح الديموقراطية التي تتغنى بها واشنطن . فإلى متى سيبقى العرب أسوأ محامين لأعدل قضية.
المواجهات و سياسة الارض المحروقة
على الصعيد الحربي فقد صرّح قادة جيش الاحتلال بأنهم حشدوا ثلاثة أضعاف ما كان لديهم على أمل أن يحققوا تقدماً،ولما لم يتمكن العدو من تحقيق تقدم في منطقة القطاع الغربي ، حيث المواجهات كانت ساخنة ، بدأ يركّز على أقرب النقاط من نهر الليطاني ، أي محور العدوسية الغندورية والطيبة ، بحيث تصبح القوات الاسرائيلية مشرفة على مجرى نهر الليطاني من الجهة الشرقية، وتسجَّل بذلك نصراً مزيّفاً يمكن المتاجرة به إعلامياً، ويمكن بالتالي خداع الجمهور الاسرائيلي بأن الجيش الاسرائيلي حقق هدفه ، علماً أن قواته التي وقعت في شرك المقاومة ما زالت تراوح في المنطقة الحدودية مع تكبُّد خسائر فادحة بالأرواح والعتاد والمعنويات.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف لجأت "اسرائيل" إلى استخدام سياسة الارض المحروقة ، والابادة البشرية حيث ارتكبت مجزرة جديدة بحق اهالي مرجعيون من الجيش والمدنيين الذين أخذوا إذناً بواسطة قوات اليونيفيل والصليب الاحمر بالمغادرة إلى النبطية ، كما إرتكبت مجزرة أخرى في بلدة رشاف حيث دُمِّر المبنى على اهله فاستشهد حوالي احد عشر من المدنيين المختبئين في بيوتهم . وأظهرت المعطيات الميدانية ان "اسرائيل" ما زالت عازمة على احداث انجاز على الارض يساعد فريقها الديبلوماسي في نيويورك لفرض شروطها لوقف النار، بعيداً عن الشروط اللبنانية المتمثلة بالنقاط السبع لخطة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة . وفي هذا السياق ، عقدت الحكومة الأمنية الاسرائيلية المصغرة اجتماعاً في اليوم التاسع و العشرين للاعتداء على لبنان ، و ذلك للبحث في امكان توسيع العمليات البرية وسط اعادة تأكيد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ان لا حدود لتحرك الجيش الاسرائيلي في لبنان.
و يندرج هذا الاجتماع المصغر في اطار التحضير للعملية البرية التي حدد الاسرائيليون فيه هدفهم بانشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني ، فيما دمرت قوات الاحتلال جسر القاسمية والعبارات البديلة المستحدثة وواصل الطيران المعادي تحليقه في اجواء المنطقة للحؤول دون اي محاولة لاستحداث معبر جديد ، وهددت قوات الاحتلال بقصف اي سيارة تمر في منطقة جنوب الليطاني ، كما رفعت قوات الاحتلال درجة استعداداتها للعملية وحشدت مزيداً من الاحتياط على الحدود مع لبنان.
يونيفيل مجلس الامن !
بالمقابل استمع اعضاء مجلس الامن الدولي من الوفد العربي الذي ارسله مؤتمر وزراء الخارجية العرب لنقل وجهة النظر اللبنانية من مشروع القرار الفرنسي - الأميركي والسعي لادخال تعديلات عليه انطلاقاً من البنود السبعة للرئيس السنيورة ، وتلاقى هذا الجهد مع صدى ايجابي دولي لقرار الحكومة ارسال 15 ألف جندي الى الجنوب. وكان الرئيس السنيورة اكد في مقابلة تلفزيونية "اننا نريد حلاً قادراً ان يؤدي الى نتيجة وان يكون مقبولاً لدى كل الأطراف" مشدداً على ان "وقف اطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية يجب ان يسبقا انتشار الجيش اللبناني وانه بعد وقف النار يكون قرار دولي بتشكيل القوة الدولية".
وأعلن السنيورة ان وزير الخارجية السورية وليد المعلم ابلغه "بوضوح شديد بأن سورية لا مانع لديها على الاطلاق ان تنتشر قوة "اليونيفيل" في مزارع شبعا وذلك بدلاً من وجود القوات الاسرائيلية". وأجرى السنيورة اتصالات هاتفية مكثفة بوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مرتين ، وبوزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي والأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان ، وجرى نقاش حول الصيغ المقترحة بخصوص مشروع القرار المطروح على مجلس الأمن ، وقد وضع الرئيس السنيورة رايس في اجواء اجتماع ومقررات مجلس وزراء خارجية الدول العربية وفي اجواء وابعاد قرار مجلس الوزراء ارسال الجيش الى الجنوب. وأوضح المكتب الاعلامي للرئيس السنيورة ان هناك استماعاً باهتمام للأفكار اللبنانية اضافة الى تحقيق تقدم بالصياغات المقترحة لمشروع القرار، لكن ما زالت الأمور بحاجة الى مزيد من الجهد أملاً بالتقدم المطلوب . من ناحيته وزير الخارجية الالمانية فرانك فالتر شتاينماير ، و الذي زار بيروت في الاسبوع الاخير من الحرب ، اعتبر ان "لبنان ليس في موقع يسمح له بطلب تعديلات على مشروع القرار في مجلس الأمن". وقال الوزير الالماني :" انه بحث الموقف اللبناني مع نظيره فوزي صلوخ ، لكنه رأى ان بيروت غير قادرة على تعديل صيغة مسودة القرار..." ، معتبراً انه "على الدول الأعضاء في مجلس الامن الدولي ان توافق على صيغة القرار النهائية".
الانتحار الاسرائيلي
على الصعيد الاسرائيلي فان اولمرت ، وقبل وقف العمليات ، يريد أن يرسل رسالة واضحة للإسرائيليين أولاً بأنه قائد فاشل يقود نفسه وجيشه إلى الإنتحار السياسي والعسكري، ويضحي يجنوده المهزومين معنوياً ونفسياً ، وهم يرون غيرهم يحترق داخل الميركافا الشهيرة ، يضحي بهم من أجل أن ترتفع نسبة مؤيدي اولمرت بعد تدني المستوى من 75% الى 35%، فهل فهم الاسرائيليون الدرس؟ وهل استوعبوا انهم أولاً وقبل كل شيء جزءٌ من المخطط الاميركي ، ومن اللعبة الاميركية ؟ ومن القرار الاميركي المحكوم حالياً بطغمة من المحافظين الجدد المتصهينيين المسيحيين ؟ ايضاً فان أولمرت وجّه رسالة الى العرب ، وليس إلى اللبنانيين فقط ، مفادها أن اسرائيل كيان يعيش على العدوان، ويتغّذى من دماء الاطفال والنساء، ويبني أمجاده على المجازر، فقد بدأ هذا الكيان وجوده السياسي بمجزرة دير ياسين ، وإستمر في قبية وكفر قاسم ، ثم إنتعش هذا الكيان بوجود شارون مع مجزرة صبرا وشاتيلا ، وأعاد شمعون بيريس رفع لواء كيانه بمجزرة قانا، واليوم يصرُّ أولمرت على إدراج إسمه في سجل مرتكبي المجازر حتى يكون إسرائيلياً حقيقياً لأن من صفات ومواصفات الاسرائيلي أن تتلطّخ يداه بالدماء... وهكذا ارتكبت مجزرة قانا الثانية بعد مجزرة مروحين ، وحتى يثبت إنتماءه الصهيوني كما لم يترك مدينة أو بلدة إلاّ وارتكب فيها مجزرة من الجنوب حتى رشاف، وصريفا، وسلعا، مروراً بالغازية والشياح والضاحية وصولاً الى عكار وشرقاً إلى بعلبك و الهرمل و القاع . فهل ترك اولمرت فسحة للسلام الذي تحدثت عنه الاطراف الدولية والاقليمية؟؟!!
فبصدور القرار 1701 تنفّس أولمرت الصعداء الذي أعاد إليه الأمل بأنه سيتخلّص من وحل الهزيمة ، ومن هذه الورطة العسكرية الذي دخل فيها دون حسابات دقيقة، ومدفوعاً بمعلومات أوهمته بها أجهزة المخابرات. فقد كان يظنُّ ان الوصول إلى نهر الليطاني نزهة لتسجيل إنتصار يحطِّم عنفوان المقاومة وفوجئ بأن الوصول الى اللبونة وعيتا الشعب والطيبة هو عبارة عن رحلة موت وهزيمة لجنوده وجيشه المدّرب أفضل تدريب. فقد إهتز توازن أولمرت ومعه قيادة الجيش لأنّ حساباتهم مختلفة عن الواقع الميداني ، اذ إستهان بخصمه الذي وجَّه إليه الضربات القاتلة والسريعة فأنهكه ، وأفقده توازنه ، ولم يعد سهلاً عليه البحث عن خيارات أخرى ، وليس أمامه إلاّ ان ينتظر الضربات القاسية ، مراهناً على الوقت الذي تتمكن فيه الولايات المتحدة من فرض رؤيتها على القوى العظمى ، والتوصل الى قرار دولي ينقذ "إسرائيل" مما وقعت فيه.
و ما ان أُعلن عن صدور القرار الدولي 1701 حتى أخذ أولمرت قراره المغامر بإنزال مئات من الجنود خلف المواقع التي تدور فيها الاشتباكات الراهنة، ظناً منه بأنه قد يفاجئ المقاومة ويتمكن من تحقيق إنجازات ميدانية تُسجَّل له إعلامياً وسياسياً عند جون بولتون ورايس اللذين ينتظران على أحرَّ من الجمر إنجازاً يستندان إليه في ضغوطهما على الأطراف الأخرى. و تم انزال مئات الجنود مستعينين بطائرات مروحية ناقلة، وفوجئوا بأن رجال المقاومة بإنتظارهم في كافة المحاور، وبجاهزية تامة وإرادة قوية ، فكانوا كسربٍ من الطيور وقع في مرمى طائفة من الصيادين المنتظرين على أحر من الجمر صيداً ثميناً.
وفي ليلة السبت المشهورة ، و هي ليلة آخر اسبوع من الاعتداءات على لبنان ، و هي ايضا ليلة سوداء وقعها على الجيش الاسرائيلي و قيادته ، حدث فيها ما اسماه الاسرائيليون والمراقبون مجزرة الدبابات حيث دُمِّر لـ"اسرائيل" 34 دبابة من نوع ميركافا ، وعلى الصعيد البشري فقد قُتِل ما يقارب 24 جندياً وجُرح مئة إصابة(11) منهم خطيرة حسب إعترافات الاسرائيليين انفسهم . ساد التخبط وتضاربت التصريحات في تل ابيب وسادت التوقعات بوقف العمليات القتالية بين يوم وآخر تليه الانسحابات في غضون اسبوع او اثنين بعد ان الحقت المقاومة الاسلامية في لبنان أكبر حصيلة من الخسائر البشرية والآلية في صفوف الجيش الاسرائيلي منذ بدء هجومه على لبنان قبل 32 يوما ، وذلك مع تضارب تصريحات القادة العسكريين والسياسيين الاسرائيليين بشأن المدة المتبقية لمواصلة الهجوم ومدى توسيعه. وفي محاولة لتثبيت شيء يذكر على الارض قام الجيش الاسرائيلي بأكبر عمليات انزال منذ حرب تشرين عام 1973، شاركت فيها 50 مروحية تم اسقاط احداها بصواريخ حزب الله ما ادى الى تفجيرها واحتراقها ومقتل طاقمها الذي تضاربت الأنباء حول عدده، حيث ذكرت بعض المصادر انهم اربعة جنود في حين قالت مصادر اخرى انهم ثمانية، ثم اعترفت" اسرائيل" بأنهم خمسة.
في غضون ذلك ذكرت مصادر اعلامية ان 22 جنديا اسرائيليا قتلوا ومئة آخرين جرحوا في المعارك البرية بجنوب لبنان ، الا ان الجيش الاسرائيلي اعترف بمقتل 17 جنديا اضافة الى طاقم الطائرة التي اعترف باسقاطها وأكد اصابة مئة جندي بينهم 11 اصاباتهم بالغة، وأعلن حزب الله انه دمر 34 دبابة من طراز "ميركافا"، وهو ما وصفه امينه العام حسن نصر الله في كلمته المتلفزة بـ"بمجزرة الدبابات".
وما يشير الى ارتباك القيادة في اسرائيل، قالت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيفي ليفني ، في ذلك السبت ، ان الهجوم سيتواصل رغم صدور قرار وقف القتال من الامم المتحدة ، مضيفة "سنمنح الجيش الوقت حتى يوم الاثنين لتحقيق اهدافه ..."، واعلن قائد المنطقة العسكرية في شمال "اسرائيل" عودي آدم ،في السبت الاخير من الحرب ايضا :"ان قسما كبيرا من جنوب لبنان سيكون تحت سيطرة الجيش الاسرائيلي الاثنين في حال تم الاتفاق في هذا اليوم على وقف الاعمال الحربية بين اسرائيل وحزب الله الشيعي اللبناني ".
وكانت المصادر الاسرائيلية قد ذكرت ان قرار الامم المتحدة سيدخل حيز التنفيذ عند الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين ، و هو اليوم الثالث و الثلاثين للحرب ، قبل ان يعلن امين عام الامم المتحدة كوفي عنان الوقت الاكيد لوقف النارفي الساعة الخامسة بتوقيت غرينيتش ، اي الثامنة بتوقيت بيروت الصيفي . فيما قال رئيس أركان الجيش الاسرائيلي دان حالوتس انه سيواصل الهجوم ضد مقاتلي حزب الله لحين يتضح كيف سيطبق قرار الامم المتحدة الداعي لوقف الاعمال القتالية. وقال حالوتس للصحفيين "اننا نقاتل حزب الله وسنواصل القتال لحين الوصول لقرار يوقف اطلاق النار.. وأكثر من ذلك.. الى أن تتقرر آلية لتنفيذ وقف اطلاق النار". وأضاف "سنواصل العمل لحين تحقيق أهدافنا". من جانبه قال قائد المنطقة العسكرية الشمالية في اسرائيل الجنرال الون فريدمان للاذاعة الرسمية الاسرائيلية ان العملية البرية الواسعة "قد تستمر اسابيع" و"تمتد الى ما وراء نهر الليطاني".
وصرح متحدث باسم الحكومة الاسرائيلية لوكالة فرانس برس ان العملية البرية واسعة النطاق التي شنها الجيش الاسرائيلي صباح السبت"ليست محددة زمنيا". وقال افي بازنر ان "هذه العملية التي تهدف الى شل قدرات حزب الله على اطلاق قذائف وصواريخ على شمال اسرائيل ليست محددة زمنيا".
ونقل موقع يديعوت احرونوت على الشبكة الالكترونية عن مسؤول في مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهواد اولمرت ان الانسحاب الاسرائيلي سيبدأ في غضون اسبوع او اثنين بالتزامن مع بدء انتشار الجيش اللبناني والقوات الدولية، مشيرا الى ان الانسحاب سيكون سريعا.
و قال مبعوث للامم المتحدة ان المنظمة الدولية تتوقع أن ينتهي الهجوم البري الاسرائيلي في يوم أو يومين وان القوة الدولية الموسعة ستبدأ انتشارها في جنوب لبنان في غضون ما بين أسبوع وعشرة أيام. وقال ألفادر ودي سوتو مبعوث الامم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الاوسط لرويترز "اننا لن نبدأ من الصفر.. فلدينا أحجار بناء في الموقع في اطار ترتيبات اعداد مع عدد من الدول".
انتصار حزب الله
ان ما جرى بعد صدور القرار 1701 من نيات عدوانية مبيتة لدى الاسرائيليين ، من احقاد صهيونية ، ومن إصرار على القتل والتدمير ، كل ذلك لا يبشِّر بالخير فليس امام اللبنانيين سوى التأكيد على الوحدة الوطنية ، والتماسك بين ابناء الوطن ، والابقاء على المقاومة ، اي المحافظة على المقاومة ، فالعدو لا يؤتمن ، وهو عدوٌّ للسلام ، والسلام لا يكون إلاَّ بين الاقوياء.صدر القرار الدولي رقم 1701 ، ونص على وقف تام للعمليات العسكرية في لبنان ، و كان التصويت لصالح القرار بالاجماع بعد ان جاء ذلك بمشاورات ومناقشات مكثّفة في نيويورك و في بيروت ، وبعد ضغوطات مارسها الوفد العربي المكلّف رسمياً بمتابعة هذا الموضوع من قبل قمة وزراء الخارجية العرب التي انعقدت في بيروت.
والقرار يحدد الصراع بأنه بين "اسرائيل" وحزب الله ، وهذا انتصار سياسي اول و مهم لحزب الله بأن يكون طرفاً بمواجهة "إسرائيل" تحمّل مسؤولياته العسكرية على اكمل وجه. وحزب الله كما نعلم رفض مشاركة أي طرف له في تحضيراته العسكرية واعداداته وبرامجه ، وحافظ على السرية التامة، وقد سلّم له الجميع بهذا الخيار الذي اختاره ، وتركوا له تحمُّل المسؤولية كاملة طالما هو الذي ارتضى بأن تكون المقاومة حزب الله، وحزب الله هو المقاومة ووعد بأنه سيقدم النصر هدية إلى شعب لبنان.
الانتصار السياسي الثاني هو أنّ الحكومة اللبنانية احتضنت حزب الله وتبنَّت وجهات نظره التي تتوافق مع حساسية الوضع اللبناني، وتضمن سيادة واستقلال لبنان، والتوفيق بين الخيارات الصعبة، خاصة أنّ لبنان تعرّض لجحيم من الدمار والموت. والتوافق على قضية المقاومة كان إجماعياً وهذا يشكل موقفاً أصيلاً للجميع كان عرابه رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.
الانتصار السياسي الثالث هو تمكـُّن لبنان من فرض وجهة نظره في تركيبة القوة الدولية ، فهي ليست قوة متعددة الجنسيات تأتمر بإمرة مجلس الأمن حسب الفصل السابع ، فالقوة هي قوة اليونيفيل مدعّمة بقوات وعتاد جديد تابعة للامم المتحدة وملزمة بتنفيذ مواد الفصل السادس وليس السابع .
فالفصل السادس كما هو معروف ينص على حسم الخلافات الناشبة بين الطرفين بالتفاوض والتفاهم والتحكيم الدولي وحل النزاع سلمياً ، بينما الفصل السابع في المادة 41 و 42 فانه يعطي الحق باستخدام القوة البرية والبحرية والجوية لحسم الخلافات ، ويكون ذلك بقرار من مجلس الامن وليس الامم المتحدة. وهذا يعني أنه ستكون هناك مرونة في التعامل مع حزب الله، وأنّ المجتمع الدولي يأخذ بعين الاعتبار أهمية الدور المعنوي والسياسي والوجداني الذي لعبه الحزب، وخطورة أن يتم التعاطي معه بالقوة مما قد يؤجج المشاعر العدوانية ضد القوات الاجنية، وبالتالي تتعرض إلى ما تعرضت له بعد الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 عندما استهدفت المقاومة قوات المارينز بانفجارات أودت بحياة ما يزيد على 260 جندياً وكذلك القوات الفرنسية التي خسرت قرابة الخمسين جندياً.
الانتصار السياسي الرابع هو أن الجيش اللبناني سينتشر في جنوب الليطاني بشكل واسع وليس مجرد مراكز أو مخافر، أي أن الجيش اللبناني سيكون على الحدود الجنوبية، وهذا يعني الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية، فالجيش اللبناني هو الذي سيتحمل مسؤولياته في المنطقة ما بين الليطاني والحدود، وهذا يعني أن الحزب سيتجنب المطلب السابق الضاغط من القوى اللبنانية والدولية بنشر الجيش، وبالتالي فإنّ حزب الله قادر على التعاطي مع الجيش بما يضمن مستقبل وضعية الحزب ، ومصير أسلحته الصاروخية وغير الصاروخية.بمعنى أوضح أن موضوع المقاومة سينتقل من مرحلة استفراد الحزب به إلى مرحلة وضعه على طاولة الحكومة اللبنانية بكل أطيافها، وبالتالي هل ستستمر المقاومة؟ وإلى متى؟ وما هي المبررات المستقبلية المقبولة دولياً.؟
الانتصار السياسي الخامس هو أن لبنان مكلف بضبط حدوده ومعابره، وليست أية قوة ثانية، وهذا ما سيعزّز القدرة على الحركة والمرونة لدى الحزب، فالمسؤولية داخلية ضمنية، وهذا يتطلب بالتأكيد قدرة الحزب على محاورة الاطراف الأخرى في الحكومة للتوصل إلى صيغ غير منفّرة، صيغ مقبولة، فالقوى الأخرى التي تبنّت المقاومة، لن تقبل أن تُعطى اسرائيل فرصة أخرى لتدمير لبنان، أو ما تبقى من لبنان، وهذا أمر سيواجهه حزب الله في المستقبل.
الانتصار السياسي السادس وهو أنّ المشكلتين الأساسيتين اللتين بنيت على أساسهما المقاومة وهما مزارع شبعا التي ما زالت محتلة ، والاسرى اللبنانيين وجدتا قناتين للحل وان لم يكن بالمستوى المطلوب، وهناك اعتراف دولي بهما، فمزارع شبعا المختلف عليها تُركت للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ليقدم اقتراحاً بخصوص مستقبلها، والامر يتطلب موقفاً واضحاً من دمشق بأنّ لا حقّ لها في مزارع شبعا، وانّ هذه الاراضي التي ما زالت اسرائيل تحتلها هي أراضٍ لبنانية، بمعنى أوضح سحب الذرائع من يد "اسرائيل" التي تدعي أنها سورية، وأن التعامل معها يكون حسب القرار 242 الذي صدر عام 1967، وأما اذا كانت لبنانية فينطبق عليها القرار 425، وهذا يعني الانسحاب الفوري الاسرائيلي منها، لأنّ "إسرائيل" وافقت على تنفيذ القرار 425 ونفّذت الجزء الاكبر منه عام 2000.
أما موضوع الأسرى وهو الذي كان المبرّر الذي اتخذته "اسرائيل" لشن العدوان المبيّت على لبنان فقد مالت الكفة فيه لصالح "إسرائيل" حيث طـُلب تسليم الاسيرين، ولكن في الوقت نفسه نص القرار على ضرورة البحث عن طريقة لحل مشكلة الأسرى اللبنانيين ، أي أنّ هناك توجّها لتبادل الأسرى، وهناك اعتراف دولي بضرورة حل هذا الموضوع.
الانتصار السياسي السابع وهو أن صمود حزب الله حمل الدول العربية جامعة ، على عقد قمة وزراء خارجية في بيروت رغم التباينات التي كانت في المواقف سابقاً ، وهذا الصمود فرض على القمة العربية أن تتبنى الموقف اللبناني الرسمي والذي وافق عليه حزب الله سابقاً. وهذا الموقف العربي لعب دوراً مهماً في التصدي للهجوم الدبلوماسي والسياسي الذي كانت تقوده واشنطن و"اسرائيل" في مجلس الامن وعلى المستوى الدولي.
العرب آخر ... من يتحرك
لثلاثة و ثلاثين يوما من الحرب على لبنان ، و رغم سقوط اكثر من الف شهيد لبناني جراء القصف الاسرائيلي للمنازل و المباني السكنية و الجسور و الطرقات من بينهم حوالي 30% منهم من الأطفال دون سن الثانية عشرة ، و مع زيادة عدد الجرحى عن 4000 جريح ، و مع تدمير ما يزيد عن الخمسة عشر الف وحدة سكنية و تدمير لما يزيد عن 150 جسرا و عبارة وفق احصاءات متعددة بالاستناد الى مصادر رسمية لبنانية الا ان ارادة اللبنانيين لن تنكسر و هذا ما اكده رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة امام الوفد المصري الذي زار لبنان داعما و مؤيدا له ، السنيورة اشترط وقف النار وانسحاب "اسرائيل" قبل انتشار الجيش اللبناني ، و بينما أظهرت المعطيات الميدانية ان "اسرائيل" كانت مصرة على احداث انجاز على الارض يساعد فريقها الديبلوماسي في نيويورك لفرض شروطها لوقف النار، بعيداً عن الشروط اللبنانية المتمثلة بالنقاط السبع لخطة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة. وفي هذا السياق ، عقدت الحكومة الأمنية الاسرائيلية المصغرة اجتماعاً للبحث في امكان توسيع العمليات البرية وسط اعادة تأكيد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ان لا حدود لتحرك الجيش الاسرائيلي في لبنان. ويندرج في اطار التحضير للعملية البرية التي حدد العدو هدفها بانشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني ، دمرت قوات الاحتلال جسر القاسمية والعبارات البديلة المستحدثة وواصل الطيران المعادي تحليقه في اجواء المنطقة للحؤول دون اي محاولة لاستحداث معبر جديد ، كما هددت قوات الاحتلال بقصف اي سيارة تمر في منطقة جنوب الليطاني، كما رفعت قوات الاحتلال درجة استعداداتها للعملية وحشدت مزيداً من الاحتياط على الحدود مع لبنان.
من ناحيتهم فقد استمع اعضاء مجلس الامن الدولي من الوفد العربي الذي ارسله مؤتمر وزراء الخارجية العرب لنقل وجهة النظر اللبنانية من مشروع القرار الفرنسي - الأميركي والسعي لادخال تعديلات عليه انطلاقاً من البنود السبعة للرئيس السنيورة ، وتلاقى هذا الجهد مع صدى ايجابي دولي لقرار الحكومة ارسال 15 ألف جندي الى الجنوب. وكان الرئيس السنيورة اكد في مقابلة تلفزيونية "اننا نريد حلاً قادراً ان يؤدي الى نتيجة وان يكون مقبولاً لدى كل الأطراف" مشدداً على ان "وقف اطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية يجب ان يسبقا انتشار الجيش اللبناني وانه بعد وقف النار يكون قرار دولي بتشكيل القوة الدولية". وأعلن السنيورة ان وزير الخارجية السورية وليد المعلم ابلغه "بوضوح شديد بأن سورية لا مانع لديها على الاطلاق ان تنتشر قوة "اليونيفيل" في مزارع شبعا وذلك بدلاً من وجود القوات الاسرائيلية ".
الشجاعة صبر ساعة
في موازاة تصريحاته أجرى السنيورة اتصالات هاتفية بوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مرتين ، وبوزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي والأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان، وجرى نقاش حول الصيغ المقترحة بخصوص مشروع القرار المطروح على مجلس الأمن، وقد وضع الرئيس السنيورة رايس في اجواء اجتماع ومقررات مجلس وزراء خارجية الدول العربية وفي اجواء وابعاد قرار مجلس الوزراء ارسال الجيش الى الجنوب. وأوضح المكتب الاعلامي للرئيس السنيورة ان هناك استماعاً باهتمام للأفكار اللبنانية اضافة الى تحقيق تقدم بالصياغات المقترحة لمشروع القرار، لكن ما زالت الأمور بحاجة الى مزيد من الجهد أملاً بالتقدم المطلوب. اما وزير الخارجية الالمانية فرانك فالتر شتاينماير ، الذي زار بيروت للاطلاع عن قرب على الموقف اللبناني من التحرك الدولي ، اعتبر ان "لبنان ليس في موقع يسمح له بطلب تعديلات على مشروع القرار في مجلس الأمن". وقال الوزير الالماني انه بحث الموقف اللبناني مع نظيره فوزي صلوخ ، لكنه رأى ان بيروت غير قادرة على تعديل صيغة مسودة القرار، معتبراً انه "على الدول الأعضاء في مجلس الامن الدولي ان توافق على صيغة القرار النهائية".
بالمقابل رئيس كتلة "المستقبل" النيابية النائب سعد الحريري كان قد واصل اتصالاته العربية والدولية في اطار الجهود الرامية الى احلال التوازن في الحل المطروح امام مجلس الامن الدولي للأزمة في لبنان . وفي اول تعليق له على قرار الحكومة اللبنانية نشر 15 الف جندي من الجيش اللبناني في الجنوب لحفظ الأمن والاستقرار فيه بالتعاون مع قوات من الأمم المتحدة، اشاد النائب الحريري بقرار الحكومة اللبنانية وباجماع الوزراء عليه ، وكرر دعمه للحكومة وللرئيس السنيورة ، كما حيّا الدور الوطني الذي لعبه رئيس المجلس النيابي نبيه بري في التوصل الى هذا القرار، وأشاد بالجهود السياسية التي يبذلها لحفظ مصالح الوطن . وتوقف النائب الحريري في شكل خاص عند انضمام وزيري "حزب الله" في الحكومة الى هذا الاجماع ، واعلان الحزب موافقته على هذا القرار، معتبراً "ان موقف الحزب هو موقف مسؤول، يدعم الحكومة اللبنانية في موقعها التفاوضي تجاه مجلس الامن الدولي، ويؤكد على وحدة اللبنانيين في مواجهة تداعيات العدوان الاسرائيلي على لبنان". وفي حديث الى شبكة "سي.ان.ان" قال الحريري: "يجب علينا ان نفهم ان القرار الذي اتخذ كان باجماع الحكومة اللبنانية ، وحزب الله كان موجوداً، وقد شارك في اتخاذ القرار مع الحكومة اللبنانية، وهو منخرط بشكل ايجابي وللمرة الأولى يقبل حزب الله بارسال الجيش الى الجنوب...".
رغم التصريحات اللبنانية و العربية و الدولية التي كانت تتصاعد ، و ترفض العدوان الارهابي الاسرائيلي على لبنان و تدعو لوقفه ، كانت "إسرائيل" لا زالت تبحث جاهدةً عن نصر تسجِّله في الملف السياسي قبل أن ينْفذ صبر العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي خرجت عن كل الآداب السياسية والدبلوماسية منذ بداية الحرب وأصّرت على عدم وقف إطلاق النار. واصبحت "إسرائيل" في غاية الاحراج لأنه إذا بقيت المعطيات العسكرية على ما هي عليه فإنها مضطرة للذهاب إلى التفاوض بكفي حنين ، وبالتالي ستكون عاجزة عن فرض أية شروط . لذلك فإن ما شاهدناه من تصعيد وتكثيف عسكري كان ضرورة ملحّة بالنسبة لـ"إسرائيل" كدولة متفوقة عسكرياً على دول الشرق الأوسط ، وكدولة مضطرة لحماية مصالحها في المنطقة .
... فهل يتنصر سياسيا ؟؟؟
بقي لبنان صامدا بصمود مقاوميه ، و بارادة شعبه التي لا تلين و بموقفه الحكومي الذي عاد و احتضن انتصارات المقاومة العسكرية ، بعد ان كان منذ البداية قد تنصل من العملية العسكرية التي اسر خلالها حزب الله الجنديين الاسرائيليين ، و الذي اتخذت من اسرها الحكومة الاسرائيلية ذريعة لاجتياح لبنان جوا و بحرا و لو استطاعت برا لما قصرت . الى ذلك ، اشترط حزب الله في بياناته العسكرية و لآخر يوم من المعارك ، لوقف اطلاق الصواريخ " بوقف العدوان على شعبنا ووطننا المقاوم... ". و بقي حزب الله مضطرا لأن يدافع عن مواقع تواجده مهما بلغت التضحيات وذلك لعـدة أسبـاب أهم ما رصدها المحللون هي :-
أولاً:- إنَّ حزب الله كمقاومة قد حذَّر "إسرائيل" مراراً وتكراراً من أي تقدُّم بري ، وكثيراً ما رحَّب بأي مغامرة عسكرية إسرائيلية لأنه سيكبِّد القوة المتقدمة خسائر فادحة، وهنا تمكن مصداقية حزب الله أمام العالم، ,أمام العدو والصديق. وحتى الآن أثبت حزب الله مقدرة مميَّزة في مواجهة القوات الاسرائيلية وهي قوات خاصة والتي تُسمى بلواء غولاني ، والاسرائيليون أنفسهم لأول مرة يعترفون بسقوط حوالي ستين جندياً في الاشتباكات والقصف . ورغم أن "إسرائيل" وسَّعت جبهة القتال في المناطق الحدودية، وشملت خمسة محاور، إلاَّ انّ المقاومة إستطاعت أن تقاوم في المحاور الخمسة.
ثانياً:- الالتفاف الشعبي والسياسي حول المقاومة في لبنان وفي العالم تولَّد بسبب انتصار حزب الله وتمكنه من دحر قوات الاحتلال وعدم السماح لها بالتمركز في أي موقع دون وجود مقاومة، وإذا ما تراجع الحزب عسكرياً فإنه سيفقد جزءاً كبيراً من هذا البريق، ولذلك فهو يسِّجل ملحمة في المقاومة والاستشهاد بلغت حدود الاسطورة لأنََ الصمود يتم بوجه أعتى جيوش المنطقة وأشدها عنصرية وهمجية. وعلينا ان لا ننسى أن للهزيمة أباً واحداً أما النصرُ فله آلالف الآباء و الا مهات .
ثالثاً:- إن مستقبل حزب الله كحزب يتبنى المقاومة بالكامل في لبنان ، وقدرته على فرض تصوراته ورؤيته المستقبلية من خلال الحوار مع باقي القوى اللبنانية يعتمد أساساً على النصر الذي سيحققه الحزب ، وهذا النصر هو الذي سيفتح له آفاقاً سياسية جديدة ، وهو الذي سيمنحه القدرة على إثبات مصداقيته ، وهو الذي سيفرض على الآخرين الذين كانوا يحضِّرون قائمة من الاعتراضات والانتقادات والمخاوف سيفرضُ عليهم ان يضعوا هذه القائمة جانباً، وأن يتعاملوا بانفتاح مع المستجدات ، وان يفتحوا صفحة جديدة، وهذا يتوقف طبعاً على تواضع حزب الله وقدرته في توظيف النصر في خدمة الكل اللبناني، كي يشعر كل لبناني بأنه منتصر.
و ما صراحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله و توجهه بأمانة و صدق حين كان يخاطب جماهيره و كامل الجماهير المنتظرة لمواقفه الا بداية النصر سياسي كان ام عسكري ، و ما النصر العسكري الذي حققته المقاومة الا نصر للبنان ، و ما انتصار لبنان الرسمي و الشعبي لمقاوميه الا انتصار للحق العربي المقاوم للمعتدين ، و نحن عندما نبحث عن الانتصارات السياسية لحزب الله وللمقاومة فإننا نأخذ بعين الاعتبار الواقع الدولي المساند لـ"اسرائيل" ، والوضع العربي المفكك، وحجم الدمار والمجازر والنازحين في لبنان، هذه عوامل يجب ان لا ننساها عندما نقيّم أية خطوة سياسية أو أيّ قرار على هذا المستوى كما لا يجب ان ننسى في الحسبان الانتصارات العسكرية للمقاومة في الجنوب و التي عدلت من كثير من المواقف لدى القوى السياسية العربية و الاوروبية و بالتالي عدلت من مسودات قرار مجلس الامن و هذا عامل آخر يجب اخذه بالحسبان لنصر حزب الله السياسي المرادف للنصر العسكري .
رابعا : ان ما يحصل في لبنان اليوم ، خاصة بعد فشل الحوار وحصول عدة سجالات كلامية و غير كلامية من قبل اقطاب السياسة واتباعهم ، و ما جرى من حرتقات عسكرية و محاولات تسلح وصولا الى مناورات عسكرية جنوبا وربما كما ينقل عبر وسائل الاعلام ما يحصل من تسلح بالداخل ، اضافة الى حرب مخيم نهر البارد وتبعياتها و تأجيل الانتخابات للحد الاقصى المسموح به (الى 21 من شهر تشرين الثاني ) اي ما قبل نهاية ولاية الرئيس بيومين فقط ، تشتد خطورته بالتفرق والتمزق ما بين اللبنانيين ، فالنصر للمقاومة هو نصر للجميع والهزيمة في السياسة اللبنانية هي انكسار ايضا للجميع ، وما تفرق اللبنانيين الا فتنة لا تخدم الا العدو الاسرائيلي مهما كانت اسبابها وايما كان البادئ بها ، فالانهيار خسارة للجميع من جبل وسهل وبقاع و مروج ومدن وقرى وسهول ، فحذار من الانهيار ، حذار مما بعد الحرب وما بعد بعد الحرب !!! .
*كاتب و باحث فلسطيني مقيم في لبنان
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)







