‏إظهار الرسائل ذات التسميات شربل بركات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شربل بركات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، يناير 17، 2010

هاييتي... المأساة ونحن

الكولونيل شربل بركات

وسط الدمار الذي أحدثه زلزال هاييتي والمعاناة التي رافقته وموجة التهجير التي نتجت عنه وسحابة الموت التي خلفت قرابة الخمسين ألف قتيل حتى الآن، ظهر الوجه الآخر للإنسانية المتعاونة في عالم تتفاعل شعوبه بالرغم من تنوع عقائدهم ومشاربهم وتضارب مصالحهم وحوافزهم. ويبدو أن الأزمات الحادة والتي تأخذ وجهاً إنسانياً تؤثر بشكل إيجابي وتظهر ضرورة هذا التعاون على خير الإنسانية جمعاء.

في كل مرة تضرب الطبيعة المتحركة منطقة من العالم يهب من يحركه الشعور مع الآخرين للمساعدة ونحن ننتظر دوماً أن تنتقل هذه العدوى الإيجابية نحو دول الجوار ومجتمعاتها ولكن دون الملموس من الإشارات. وبالرغم من أن الثراء يكثر في بعض هذه الدول إلا أنها لا تظهر تفاعلاً إيجابياً يذكر مع مآسي بقية العالم. فلم نرى الخبراء، إذا وجدوا، أو فرق النجدة أو المتبرعون يرسلون للمشاركة كما تفعل سائر الدول في إظهار تضامنها مع المنكوبين ولا تلك المساعدات تصل بشكل ظاهر لتعطي عنهم فكرة التعاون الإنساني التي نحب أن ترافقهم.

صحيح أن أفراداً قد يتحمسون ويرسلون بعض التبرعات أحياناً إذا وجد من يحثهم على ذلك وهذا من "شيم العرب" وصحيح أنهم ربما يساندون عربا آخرين في أزماتهم أحياناً، ولكن المشكل أن قادة الرأي في بلاد العرب لا يهمهم سوى التركيز على محاربة الاستعمار ومشاريع الهيمنة بكافة أشكالها وقد تكون المآسي برأيهم والتعاون على حلها أحد وجوه هذا الاستعمار ومن هنا فهم لا يظهرون تحمساً للمساعدة.

حتى إسرائيل الدولة الشرق أوسطية التي يعتبرها كل العرب "غير إنسانية" في تعاملها معهم (وتعاملهم معها) بادرت بإرسال فريق للمساعدة في رفع العناء عن الناس في هاييتي وهي فعلت ذلك في غيرها من الأماكن أكثر من مرة ومن المؤكد أن الولايات المتحدة "الشيطان الأكبر" (بالنسبة للبعض) تتدخل دوما للمساعدة إن في هاييتي أو إيران أو تركيا أو إندونيسيا لا فرق لأنها تدرك مسؤوليتها في المساعدة على رفع المعاناة عن شعوب العالم أثناء الأزمات الكبرى بينما يتبجح أفواج المنظرين في عالمنا العربي أو الشرق أوسطي بالعمل على التصدي للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ومجابهته على أراضي بلادهم وهم ينظّرون بأن هم هؤلاء السيطرة على العالم ولكنهم لا رأي لهم عندما لا يتعلق الموضوع بحالة سياسية لأنهم لا يدركون ربما بأن العالم تتداخل فيه الحاجات كتداخل المصالح والمسؤوليات ولا يمكن لمن يدعي الدفاع عن مصالحه أو مصالح الآخرين في جانب أن يعتذر عن تحمل المسؤولية عندما تتعرض مشاعر الناس لتهديد بسبب وباء أو أزمة كبرى أو مأساة.

في هذه المناسبة وغيرها من المناسبات الإنسانية المؤلمة نتمنى أن يدرك قادة الرأي وأصحاب الأقلام في عالمنا العربي بأن ثقافة الشعوب تظهر في تلقائية ردة الفعل على الأحداث عندها من هنا فإن واجباتهم في هذا المجال توجيه الناس إلى كيفية التعاطي مع الأزمات الشاملة بطريقة أتفق على تسميتها بالإنسانية وبالقدر الذي يرتفع به الإنسان في ردة فعله على مثل هذه الأزمات بقدر ما يكون قد أدرك بأن هذا الكوكب هو بيتنا جميعا ويجب أن نعتاد العيش المشترك فيه وهذا العيش ليس دوماً كما نحب ولذا علينا التعود على التعاون مع الآخرين والقبول بهم ومحاولة رؤية الوجه الإنساني في الآخر وليس فقط مصالحنا وعقائدنا وتطلعاتنا نحن بينما على كل الآخرين الخضوع والعيش بما يلذ لنا.

كان لبنان واجهة حقيقية للتعاطي الإنساني وهو أظهر، بالرغم من فقره المادي مشاركة في مشاعر متعالية رفعته إلى مصاف الشعوب التي تعالج منطق الإنسانية الشاملة ومشاكلها، ولكن يوم سقطت الدولة المنظمة والتي سادتها يوما روح التعاون الناتج عن الشعور بالمآسي ومحاولة تخفيفها، ليحل محلها دويلات يقودها شلة من أمراء الحرب الذين لا يعرفون سوى مصالحهم الضيقة ويتقاتلون على كل شيء وكأن لا حدود ولا اكتفاء لأطماعهم، تاه الشرق كله في دوامة من التقهقر والرجعية حتى كاد أن يعود إلى العهود المظلمة التي كان العالم نسيها في محاولة الانفتاح بين المجتمعات والعقائد وبناء النظام العالمي الذي يعطي لكل واحد دوره محاولا تفهم حاجات الناس في سبيل حل الخلافات أو تفاديها.

فهل لنا من المآسي دروسا وعبرا في تعاون الإنسانية يمكن أن نتخذها لننطلق إلى العاديات من يومياتنا فنخفف من التعبئة ومن الحقد لنعمل على إعطاء فرص للتعاون ونحث على الانفتاح على الآخر؟ أم أننا قد مات فينا الحس وغاب عنا الشعور وأصبحنا كمن "لا حياة لمن تنادي"؟

الأحد، ديسمبر 27، 2009

الورقة التي حرمت ليزا من الصوص

الكولونيل شربل بركات

تزوجت كارلا من شاب لبناني يقيم في استراليا سنة 1998 وعاد العريس إلى البلد الذي يقيم فيه وأرسل الأوراق المطلوبة إلى زوجته لتتميم المعاملات والسفر إلى استراليا. وبما أنه من سكان المنطقة الحدودية في جنوب لبنان كان من الطبيعي أن يرسل الطلب إلى السفارة الأسترالية في تل أفيف، فأبناء المنطقة الحدودية لا يستطيعون الذهاب إلى الشام لملاحقة طلباتهم. وهكذا عندما انتهت المعاملات ونالت كارلا الفيزا كان عليها السفر من مطار تل أفيف.

صيف 2002 حاولت كارلا العودة إلى لبنان عن طريق مطار بيروت الدولي لرؤية والديها وقضاء شهر الصيف في ربوع لبنان وفوجئت بتوقيفها في المطار لأنها من أبناء المنطقة الحدودية. وبعد التحقيقات والذل الذي تعرضت له تم إطلاق سبيلها بعد أن "جرمت" بالسفر من أرض "العدو" في الوقت الذي كان يستقبل فيه النائب الإسرائيلي عزمي بشارة بكل حفاوة في لبنان وبعض الدول العربية الأخرى بدون عقد.

جريمة كارلا كبيرة لأنها اضطرت إلى السفر من مطار "العدو" يوم كانت دولة لبنان غير قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها ولا هي كانت قادرة على حماية السفارات الموجودة في لبنان ليضطر المواطن إلى الذهاب إلى دول الجوار لتأمين تأشيرة السفر. ولكن جريمتها الكبرى أنها عادت بعد أربع سنوات عبر مطار بيروت ولذا فهي يجب أن تهان وتذل وتتبع "القنوات" الخاصة بأبناء المنطقة الحدودية فهولاء لم "يتمتعوا" بالذل قبلا ويجب أن يعرفوا معانيه.

كان على كارلا أن تذهب إلى صيدا بعد إطلاق سراحها بكفالة وإنهاء التحقيق ثم الذهاب إلى قيادة الجيش أيضا لتكملة جزء آخر من التحقيق وفي النهاية المثول أمام المحكمة العسكرية للحكم وقد قامت بكل هذه "العمليات" بصدر رحب معتقدة بأنها تتبع القانون، وعندما تجتاز هذه العواقب يعود لها حقها الطبيعي وينتهي فصل "التمييز العنصري" لأبناء المنطقة الحدودية الذين كان جرمهم أن جذورهم كانت أعمق من الأحداث فلم يرحلوا يوم رحلت الدولة عن أرض الجنوب وتعايشوا مع الواقع وتحملوا كل الصعوبات منتظرين بفارغ الصبر أن تعود إليهم دولتهم التي، يوم اعتقدوا بأنها عادت وهللوا لعودتها، اعتبرتهم خوارج وقامت بمعاقبتهم.

بعد أن انتهى فصل التحقيقات والمحكمة العسكرية أمضت كارلا بعض الوقت بين الأهل ما كاد أن ينسيها العذاب والذل وعندما توجهت إلى المطار للسفر فوجئت بتوقيفها مجددا ومنعها من السفر بحجة أنها لم تنه كافة الأوراق. وبعد ثلاثة أيام تمكنت أخيرا من السفر وكادت أن تلعن الساعة التي فكرت فيها بالذهاب إلى هذا البلد.

كان يرافق كارلا في هذه الرحلة ابنتها ليزا التي لم تكمل السنتين ولكن ليزا لم تعرف ما يدور حولها في هذه المرة سوى أن والدتها كانت تتركها أحيانا عند جدتها وتذهب مع جدها إلى بيروت.

قررت كارلا أنها لن تعود إلى لبنان، وفي صيف 2004 دعت والديها إلى الذهاب إلى استراليا لتمضية بعض الوقت معهم وتهنئتها بالمولود الجديد. ثم تغيرت الأمور بعض الشيء وقيل بأن السوريين خرجوا وأن البلاد أصبحت مستقرة أكثر وعاد بعض الزعماء من المنفى، حيث كان زوجها معجبا بالمواقف الوطنية للعماد عون. كل ذلك، إضافة إلى لجاجة الأهل الذين لم يريدوا تحمل صعوبات السفر للذهاب إلى أستراليا، جعل كارلا تقبل أن تسافر مجددا إلى لبنان في صيف 2009 وقد كان الاستقبال حافلا ولم يتعرض لها أحد في المطار ما جعلها تعتقد بأن لبنان بالفعل أصبح دولة راقية. وأمضت كارلا وابنتيها شهرا جميلا في ربوع البلد حيث تعرفت ابنتها الكبرى على بعض الرفاق وتعلمت الصغرى العربية وأمضى الجميع أحلى الأوقات بين الأهل والأصدقاء ولكن يوم السفر وعند الوصول إلى الأمن العام في المطار فوجئت كارلا بعدم السماح لها بالسفر ثم أعيد الأولاد إلى الأهل وتم توقيفها هذه المرة بشكل أكثر إذلالا فهي اقتيدت مكبلة في سيارة السجناء وأمضت ليلة في السجن ثم اضطرت إلى البقاء شهرا كاملا لإنهاء المعاملات الجديدة والحصول على "الورقة" التي ستخولها السفر.

اتصلت كارلا بالمدرسة في استراليا للحصول على مواد لتعليم ابنتها الكبرى كي لا تضيع سنتها وقامت الجدة بشراء صيصان صغيرة ليلعب معهم الأولاد كي لا يضجروا من الانتظار وبعد مضي شهر كامل حصلت السيدة كارلا على "الورقة" وقررت العودة إلى بلدها "الحبيب أستراليا" وعندما سألت الجدة الطفلة ليزا عن رغبتها بأخذ الصيصان معها إلى أستراليا أجابت الطفلة:

- لا يا تيتا بصير بدنا نتأخر تننتظر "الورقة" لأن الصيصان ما معن "ورقة"

هذه هي قصتنا مع هذه الدولة التي وعد رئيسها بأن يعيد حق اللبنانيين بالكرامة فإذا بحكومتها توعدهم بالذل وما يسمى بأجهزة الأمن، وهي التي لا تعرف من الأمن سوى ملاحقة اللبنانيين الشرفاء، تزيدهم إهانة يوما بعد يوم فهل يمكن أن يفهم أحد ليزا بأن الصوص يحق له بالخروج من لبنان بدون "ورقة"؟

كل عام وأنتم بخير...

السبت، سبتمبر 19، 2009

بين خطاب نجاد في يوم القدس وكلام نتنياهو أمام إيباك أين يقف حزب الله؟

الكولونيل شربل بركات

في خطابه أمام المحتشدين في يوم القدس، الذي كان أطلقه الأمام الخميني فور انتصار الثورة الإسلامية في إيران منذ حوالي الربع قرن، قال الرئيس أحمدي نجاد في طهران اليوم كلاما قد يعتبره البعض خطيرا في مجال قدرة إيران على امتلاك القنبلة النووية وفي نفس الوقت كرر هجومه المعهود على الصهاينة وعدم اعترافه بالهولوكست. وفي المقابل نقل عن السيد نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية كلاما حول جدية الخطر الإيراني والسوري على إسرائيل مفاده بأن سوريا هي نصف صديق ولكنها بالتأكيد ليست بالعدو وأن النظام السوري لا يريد أبدا استعادة الجولان بينما إيران لا تشكل أي خطر على إسرائيل وهمها الوحيد السيطرة على نفط الخليج مستعملة الشعار الفلسطيني ومطية محاربة إسرائيل.

من خلال هذا الكلام يمكننا أن نفهم بعض السيناريوهات التي تجري في المنطقة ونحن نعلم بأن القوى التي يحسب لها حساب اليوم أصبحت كلها قوى غير عربية تتنافس ربما للسيطرة على الثروة العربية هذه الثروة التي كانت حمتها ورعتها الدول الغربية طيلة أكثر من نصف قرن، تعمل مراكز القوى الإقليمية الثلاثة اليوم ربما على تقاسمها في ظل الفورة الفارسية التي تحاول السيطرة على الخليج بواسطة الفئات الشيعية المحلية من جهة وادعائها بحقوق تاريخية لا يمكن تجاهلها في المنطقة من جهة أخرى، بينما تستعد القوة الثانية التي تحاول أيضا لعب دور القوة المسلمة المنظمة البديلة التي ستقوم بحماية عرب الخليج من السيطرة الفارسية وتتقاسم المصالح معها وهي تركيا والتي لها أيضا حقوق تاريخية في هذه المنطقة منعتها عنها الدول الغربية عينها أي إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة. فهل تكون القوة الثالثة التي يجب أن يكون لها حصة أيضا في غنائم المنطقة والتي ستضطر لحماية مصالحها أيضا وستعمل على التفاهم مع القوى الأخرى في هذا الاتجاه هي إسرائيل؟ وإذا كان هذا الطرح معقولا فأين يقف حزب الله وما جدية تهديدات سيده نصر الله؟

خطاب نصر الله في يوم القدس كان أيضا خطابا هجوميا من يسمعه يعتقد بأن "الدماء وصلت للركب" كما يقول اللبنانيون وبأن قوات حزب الله المدججة والتي سوف تقضي على "ست فرق عسكرية إسرائيلية"، ستحاول الدخول إلى لبنان (كما حددها السيد)، سوف تصل بالتأكيد إلى القدس بدون مقاومة تذكر حتى أنه كما قال في الخطاب قد يدخلها المدنيون بالسيارات والفانات بدون الحاجة إلى الأسلحة، أوليس هذا ما حصل عندما خرج الإسرائيليون من الجنوب؟

السيد نصر الله الذي يخاطب من حين لآخر جمهوره بواسطة الشاشة الكبرى هل صحيح أنه لا يزال يملك حرية التصرف أو بشكل آخر هل سيقدر من حيث يختبئ أن يدير المعركة التي يبشرنا بأنها ستقع لا محالة وسيقضى فيها على أسطورة إسرائيل؟ أم أن صاحب الأمر سوف يسترد قراره عندما يحين الوقت ويتسلم المسؤولية فيأمر وينهي بما تمليه المصلحة العليا ومن المعروف أنه وزع ضباط حرسه الثوري في كل الأماكن الحساسة؟

حزننا الكبير على لبنان واللبنانيين وعلى الحالة التي وصلوا إليها فهم لم يعودوا قادرين على التفاهم على أي شيء فكيف سيقدرون على حماية الوطن وتأمين استمراره. ولكننا نحزن أكثر لأننا نرى أن الآتي ربما يكون أصعب وأعظم لأنه إذا كان هناك من يعتبر بأن لبنان كان "تسوية" وليس وطنا كما قالها الرئيس القوتلي وكررها الرئيس الأسد أمام صديقه وزير الخارجية الأميركي يومها السيد هنري كيسينجر الذي أعجب بها لدرجة أنه حفظها وتعمّد استعمالها في المجالس، فإن كل "التسويات" الأخرى في المنطقة سوف تلحق بمصير لبنان ولن يبقى أوطان تحنو على أبنائها بل مشاريع عشائر متنافسة في ظل قوى إقليمية كبرى ترعى مصالحها وتؤمن دوام الاستقرار وبالطبع مصالح الكبار في هذه المنطقة. فهل فشلت تجربة الدول العربية التي دعمتها بريطانيا مكافأة لعرب الحجاز الذين وقفوا معها ضد السلطنة العثمانية؟ أم أن زمن الرجال الذين يصنعون التاريخ بمواقفهم وبعد نظرهم وإيمانهم بأن الأوطان هي دوما أهم من الجيوب ومن المناصب وأن الأحقاد تفرق ولا تلم وأن مهمة الأم أن تحمي أبناءها لا أن تقتلهم ودور الزعيم أن يبني الوطن لا أن يهدمه هذا الزمن قد ولى ولا بد من زمن قهر جديد ينسينا العز لكي نعرف قيمة النعمة ونفهم أهمية التضامن.

العالم أعطانا فرصا لكي نستيقظ من وهم الشعارات ونفهم أهمية ما حولنا ولكن يبدو بأننا نسير في دوامة لن نخرج منها قبل أن نهدم الأصرحة التي بناها من عرف الألم وعرف القهر وعرف الفاقة فعمل لكي يمنعها عن أولاده ولكن هؤلاء يعتبرونها أوهاما ويتصورون بأن الرفاه ينبت كالشوك على الطرق والطمأنينة حالة طبيعية دائمة والعز هو من صميم جبلتنا.

نداؤنا للسيد حسن ولكل من حسن أمام الله وجهه، واستنار بالحكمة عقله، ولكل من تقدم قومه فوقف بينهم سيدا، أن اتقوا الله فيما تفعلون، واتركوا الحقد والتقاتل جانبا، وأعملوا لقيامة لبنان مثالا لكل أوطان العرب وجيرانهم، يعرف الخير فيسعى له، ويرذل الشر فيمتنع عن مجاراته. اتركوا الحقد جانبا وتعاونوا على البناء لأن الفرصة قد لا تعود والعالم قد ينشغل عنكم فحتى ذلك الحين لا تكونوا سببا في خراب البيوت ولا سلاحا لقتل أخوتكم ولا معاول لهدم ما شيد فالتاريخ لن يرحم الأغبياء ولا أولادهم الذين سيذوقون المر سيترحمون عليهم.

الكولونيل شربل بركات
تورونتو – كندا

الأحد، أغسطس 02، 2009

الخطر المحدق بلبنان هل هو من الداخل أم من الخارج؟

الكولونيل شربل بركات

في قراءة تحليلية للوضع في لبنان صدرت في إحدى المجلات اللبنانية (الشراع) يُجمع ثلاثة من المحللين العسكريين اللبنانيين على أن الوضع في لبنان هشا ويتبنى الثلاثة موقف ما يسمى بالمقاومة في تعاطي لبنان مع هذا الوضع. وإذ يستبعد العميد عبد القادر الحرب في هذه الفترة يحذر من أنها قد تكون أكثر قساوة من حرب 2006 لو حصلت وأن أية ضربة لإيران أو حتى تخوف إيراني من التحضير لضربة ما سوف يستدعي تدخل حزب الله لفتح معركة من لبنان مع إسرائيل لن يكون فيها خطوط حمر هذه المرة.

بينما يقول رياض القهوجي رئيس مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري بأن حزب الله جاهز للحرب عسكريا ولكنه لن يقوم بها لأنه لا يزال يحتاج لدعم أكبر من المجتمع المدني وأنه ينتظر أن تتبنى الدولة استراتيجيته الدفاعية لكي يؤمن هذا الولاء.

ولكن ما يلفت هو تحليل العميد حطيط الذي يصور بطريقة علمية ومصطلحات عسكرية أن لبنان أصبح وحده بفضل "مقاومته" أقدر من كل الدول العربية مجتمعة على "القضاء على إسرائيل" ويصور المعركة القادمة بأنها معركة "إنهاء" إسرائيل وبأن "المقاومة" سوف تغيير المعطيات هذه المرة وحدود إسرائيل قد لا تكون بعد اليوم ما هي عليه اليوم ويستنتج بأن المقاومة تستطيع الصمود أكثر من 100 يوم بينما لا تستطيع إسرائيل الصمود أكثر من 70 يوم. ولكنه يصور الدمار الذي سيحصل وتوسيع القتال ليشمل كل لبنان بأنه سيكون مكلفا جدا وهو لا يستبعد استعمال الأسلحة الجرثومية والكيماوية ولو أنه استبعد، مشكورا، الأسلحة النووية لهذه المرة.

في أمثلتنا اللبنانية هناك مثل معروف يقول الأول فيه "أبي يستطيع أن يجبّر المكسورة" فيجيبه الثاني "أبي يمنعها من أن تكسر" ونحن في هذا الصيف الجميل الذي ينعم لبنان فيه بالهدوء وبعض الطمأنينة والعدد الكبير من السواح والمغتربين العائدين لتمضية فرص الصيف في ربوعه وقد مرت الانتخابات على سلام وها نحن بصدد تأليف حكومة وحدة وطنية والتفاؤل بحلحلة للأوضاع الاقتصادية. فهل يجب توقع الأسوأ وهل يجوز الكلام عن الحرب القادمة وكأنها واقعة لا محالة؟ أم هل يفيدنا أن ندفن رؤوسنا بالرمال ونقول بأن كل شيء على أحسن ما يرام؟

عندما كانت إسرائيل "تحتل" المنطقة الحدودية كانت مطالب حزب الله تحرير الأرض وإذا بإسرائيل تخرج بدون شروط وبدون تفاوض ويتسلم حزب الله المنطقة لمدة ست سنوات ولا أحد من الإسرائيليين يعترض ولكن ما أن يخرج السوريون ويطلب من حزب الله تسليم سلاحه والتساوي مع بقية اللبنانيين والسماح للدولة بأن تتسلم مسؤولية الأمن في البلاد، يفتح حزب الله الحرب في 2006 على إسرائيل ويكلف لبنان كل المآسي التي نعرفها جيدا والتي لم ننساها بعد. ويصدر قرار مجلس الأمن 1701 الذي يمنع نقل السلاح لحزب الله ويفرض على الدولة تنفيذه ولكن الدولة التي تقع تحت ضغط الحزب المذكور وتهديده بالحرب الأهلية من جهة وبقاء رواسب للسوريين في التركيبة اللبنانية من جهة أخرى تمتنع حتى عن توقيف الشاحنات التي تنقل السلاح لحزب الله بحجة أن لا قرار حكومي بذلك مع أن الحكومة التي عدلت القرار 1701 قبل أن توافق عليه بدون تحفظ وتلتزم تنفيذه على مسؤوليتها حاولت أن تبقي ماء الوجه لحزب الله ولو كانت قبلت بوضع القرار تحت البند السابع من القانون الدولي كما كان واردا قبل التعديل لوفرت عليها بالتأكيد هذه المسؤولية التي لا تستطيع تحملها ولوفرت على لبنان الكثير من المشاكل من نهر البارد إلى 7 أيار وإغلاق الأسواق والتراجع عن مطالب الشعب التي عبر عنها في مرات متتالية كان آخرها في الانتخابات النيابية وتتلخص بالتخلص من عبء الحروب ومشاريع القتال وتصنيف اللبنانيين درجات في الولاء تحت وهرة السلاح أن لم يكن إرهابه.

الخطورة في ما يقوله العميد حطيط هو أن بعض القادة في المؤسسة العسكرية يعتقدون بالفعل بأنه لا بد لنا من الحرب مع إسرائيل ولكن موعد إعلانها يختلف. فلماذا هذا الاعتقاد بالرغم من أن كل العرب وأغلبية الفلسطينيين أصحاب الشأن يتكلمون أقله عن السلام إذا لم يكونوا يسعون له بالفعل؟

من المؤكد بأن الفترة السورية روضت الكثير من الضباط وفرضتهم في مراكز نفوذ للقبض بشكل أمتن على المؤسسة العسكرية ولكن الأصعب من هذا هو غسل الأدمغة الذي يجعل من كبار القادة والمحللين العسكريين، ولا أقول السياسيين لأنه من المتوقع دوما أن يتحرك السياسيون باتجاه الرياح للحفاظ على مواقعهم ومكتسباتهم كما نرى كل يوم، يفسرون الأمور بهذه البساطة ويدفعون البلد نحو نظرية الانتحار والتدمير الذاتي بدون مبرر.

نتمنى ألا يكون هناك الكثير من المحللين العسكريين في الجيش اللبناني الذين يتبنون نظريات العميد حطيط فهو وإن بدا محللا فقط للوضع إلا أنه يشتم منه بأنه يؤيد ليس فقط "المقاومة" بل قرار إعلان الحرب على إسرائيل حتى ولو كلف ذلك دمار لبنان كله وتهجير أهله واحتلال أراضيه. فمن يقول بأن الحدود لن تبقى كما هي عليه اليوم يعني أن تغييرها مقبول فكيف يكون مقبولا من طرف واحد ولا يكون مقبولا من الطرف الآخر؟ ومن يفسر قدرة المقاومة على ضرب تل أبيب والمناطق السكنية المحيطة بها بأنه تطور لسلاح المقاومة يجب بالتأكيد أن يعرف بأن الرد لن يرحم أي كائن على الأراضي اللبنانية فهل يسعى العميد حطيط وغيره من المحللين إلى "تحرير" القدرة التدميرية للماكينة العسكرية الإسرائيلية كما كان يقول الجنرال عون؟ أم أنه يهوّل على اللبنانيين في الداخل للقبول بسلطة هذه المقاومة والاستسلام لها تحت شعار قدراتها التي تفوق قدرة كل المؤسسات العسكرية اللبنانية؟

لا نريد هنا أن تُفهم ملاحظتنا هذه كنقد خاص للعميد حطيط فنحن لا يهمنا موقفه الشخصي في هذا الموضوع ولكننا نخاف من أن يكون حزب الله وبعض الموالين له في المؤسسات العسكرية التي تقبض على مفاتيح السلطة في لبنان اليوم لا يهمهم مصير لبنان لأنهم يعتقدون بأن الحرب على إسرائيل أهم من وجود لبنان ومصلحة أبنائه وأنهم قد تبنوا القول بأن هذه الحرب هي حرب أبدية لا حدود لها ولا معنى فيها للأوطان أو مصالح الشعوب فهي "إلهية" يقودها الفقيه، ربما، وينفذها الإنتحارييون الذين يسعون إلى بلوغ الجنة لا البقاء والاستمرار على هذه الفانية.

في هذا الوقت العصيب الذي يمر فيه لبنان يجب أن يتركز الاهتمام لا على كمية الخسائر التي سنخرج بها من المواجهة مع إسرائيل ولكن على الأسباب الموجبة لمثل هذه المواجهة وإمكانية تفاديها وعدم الوقوع بشرك القضاء على وطن نحب في سبيل شعارات ومصالح لا تمت لنا بصلة.

لقد كانت قوة لبنان دوما في علاقاته الدولية وحقه بالحياة استنادا لعدم اعتدائه على أحد فهو مثال الجار الذي يحاول الابتعاد قدر المستطاع عن المشاكل فلا يحمل وزر ردات الفعل التي قد تسببها كونه بلد صغير لا عمق استراتيجي له ولا قدرة لبنيه على تحمل الحروب ولكن على ما يبدو فقد روّض البعثيون أولا بعض اللبنانيين على أن يصبحوا أدوات لبقاء النظام ومن ثم جيّروهم إلى قوى أخرى ليصبحوا درعا واقيا لمشاريع إقليمية أبعد من لبنان وحتى من العروبة.

لقد كانت صداقة لبنان للغرب وخاصة الولايات المتحدة تعتبر حاجزا في وجه مطامع الجيران كل الجيران القريبين والبعيدين، أما اليوم فهي بحسب بعض السياسيين اللبنانيين تهمة باطلة يجب التخلص من مفاعيلها والابتعاد عن أن تلصق بهم.

فهل تكون الحكومة الجديدة وبيانها الوزاري خطوة باتجاه التحضير لتغطية حزب الله ومقدمة لمشاريع حربه الجديدة أم أنها ستبقي على أمل بأن الوكالة التي أعطاها الشعب لقوى الرابع عشر من آذار في الانتخابات الأخيرة سوف تبقى في بال السياسيين فيمتنعوا عن المساهمة في خراب بيوت الناس أقله بعدم الموافقة على قرارات التسرع والمغامرات الفاشلة قبل أن تبدأ.

الأربعاء، يوليو 01، 2009

ماجدة الرومي الساحرة البيضاء

الكولونيل/شربل بركات

أطلت علينا أمس النجمة اللبنانية السيدة ماجدة الرومي بكل البساطة وبكامل الأناقة التي لا يزيّفها الإغراق باللمعان ولا تطغى عليها كثرة الألوان المحشورة بدون تناسق…

في ذلك الجو العائلي ومن بيت حليم الرومي في كفرشيما الذي تربت فيه والذي زاده جمالا الدفئ الذي تنشره بسمتها وصراحتها وطلتها… استمعنا إلى نجمة بكل معنى الكلمة… نجمة مترفعة عن أوساخ هذا العالم الذي يُغلّف كل يوم بقشرة جديدة من التصنع والتحايل تمنعنا من تلمّس بساطة الحياة في من يشاركنا هذه الفترة من زمن الأرض التي تدور وتدور غير آبهة بمن يعتقد بأنه سيدها فهي رأت الملايين قبله تعبر وتزول ولا يبقى منها سوى ما يحبه الناس فيسعون إلى تخليده…

ماجدة أظهرت قوة الخير فينا وحدثتنا بكل بساطة عن طاقاتنا الكامنة في المحبة والجمال… حدثتنا عن الشعر، عن الفلسفة، وحدثتنا أيضا عن مفاهيمها للسياسة وخاصة في لبنان…

أعطتنا ماجدة أمس من خلال الحلقة التلفزيونية "خليك بالبيت"، الثقة بأننا لن نفقد الوطن الذي يحلم به اللبنانيون ولو تقلّب السياسيون في مذاهبهم ومصالحهم كيفما شاءوا ولو تشبثوا بالكراسي وفضلوها على حب الناس ولو بدّلوا وجوههم وثيابهم وأقوالهم وما سموه بالمبادئ ألف مرة لأن الإحساس الواضح والطبيعي للبنانيين يبقى واحدا…

حدثتنا ماجدة عن الشهادة والشهداء الذين أثروا فيها وحملوا لبنان الذي نحب في قلوبهم حتى الموت وكدنا أن ننساهم في مرحلة التجاذبات السياسية والتقاتل على المناصب…

وحدثتنا عن الشعر والفن. وذكرتنا بكبار الشعراء التي أحبت من أمثال سعيد عقل ونزار قباني ومحمود درويش وفيكتور هيغو… هؤلاء الذين يلخصون أحيانا كثيرة نضال الشعوب ولكنهم أيضا يرون بوضوح، كما تعلمت أن ترى، مصالح الناس البسيطة أكثر بكثير من الشعارات القاتلة التي تكبّل من يدعون القيادة فيتحجرون في أماكنهم ويتصلبون في مواقفهم دون أن يدركوا أن الزمن لا يستقر وأن الأجيال الجديدة تجذبها الحياة المتحركة، ربما في نملة تعمل مهما صغرت، أكثر من كل التماثيل الصامتة مهما عظمت…

"من حق اللبنانيين أن يسعوا إلى السلام…" هي قالت. وهي على حق. "من حقهم بعد أن دفعوا خمسا وثلاثين سنة من الحروب أن يحلموا بالاستقرار، أن يبنوا للمستقبل، أن يلحقوا بركب الحضارة"… "كلمات ليست كالكلمات"… إنها الحقيقة الصارخة التي يطلقها اللبنانيون كلهم اليوم قبل الغد ليذكروا من يدعون القيادة بأن الأوطان لا تقوم على الحقد وأن الإنسان يجب أن يسعى للخير.

لم تخجل ماجدة أمس من أن تقول الحقيقة بصراحة وصدق. هي قالت كل ما يختلج في صدور اللبنانيين فليت من يجلس على الكراسي يملك الوقت للتأمل بهذه الكلمات…

تكلمت ماجدة التي لا تزال تملك لمحة الجمال الطبيعي ببساطتها المعهودة عن عمق الشعور البشري، عن لغة العيون، عن النظرة التي تدرك قبل أي مظهر آخر من هو الشخص المقابل. تكلمت في خضم هذه الفوضى من الأعمار والألوان وفي مسرحية الفحش العارمة عن قرار طبيعي يرفعها إلى مستوى أعلى من التشنجات التي ترافق من يتمسكون بالتفاصيل ويحاولون أن يوقفوا الحياة لا بل يسعون أحيانا إلى تغيير المظهر وتجديد الشباب… "أنا اعتزلت الغرام"… جملة مفيدة وصريحة ولا حاجة للتفسير. ولكنني لم أعتزل الحياة وسأحياها بكل فخر وسأصارع من أجل الحق والخير.

ماجدة التي كرمتها الجامعة الأميركية في بيروت بشهادة الدكتورا الفخرية تستحق بالفعل التكريم وتستحق أن يفخر لبنان بها لا بل كل ناطق بلغة الضاد لأن أمثالها يعكسون الخير الذي يسكن داخل هذه الشعوب ويظهرون بأنها قادرة على مجاراة الحضارة الإنسانية لا بل الإضافة عليها وليست فقط مصدر الحقد والتطرف والفوضى…

ولكن ماجدة لخصت فلسفتها في آخر فقرة عندما سألت عن الصراع الذي تقول أنه أحيانا بين "قاتل ومقتول" فاختارت أن تكون القتيل لا القاتل إذا لم يكن هناك من مفر وهي عمق الفلسفة اللبنانية التي قامت على تقبل الآخر وتناسي الأحقاد والعبور من مراحل التقاتل إلى مرحلة البناء… فهل من يستمع؟…

الأحد، يونيو 28، 2009

هل تصبح الزعامات التي حاربت التقليديين أكثر من تقليدية؟

الكولونيل شربل بركات

الرئيس بري هو من الرعيل الذي حارب الزعامات التقليدية يوم كان شابا ككل شباب لبنان كونها لا تمثل رغبات الشعب تمثيلا صحيحا، بحسب قولهم، وتسعى فقط إلى تنفيذ طموحاتها الشخصية من خلال تمسكها بالسلطة وتمرير كل حاجات الناس عبرها.

الرئيس بري كان تقدميا بالمعنى المتعارف عليه، خاصة بين الشباب الشيعي في الجنوب، قبل أن يبرز نجم الإمام الصدر والذي أصبح بعدها مثالا يحتذى في نظرته للأمور وفي مطالبته أبناء الطائفة بالعمل على نشر الوعي الثقافي والاجتماعي والدفع نحو إنصاف الفئات المحرومة من الشعب اللبناني والتي تشكل الطائفة الشيعية الجزء الأكبر منها.

الرئيس بري ناضل بجانب الكثيرين من أقرانه في سبيل تحقيق الحلم بالعدالة الاجتماعية وتأمين الفرص للشباب اللبناني وخفض النزف وتحسين الإنتاجية التي تؤمن استقرار المجتمع خاصة في قرى الجنوب التي، بسبب موقعها القريب من الحدود مع إسرائيل، عانت الكثير من المشاكل الأمنية، وبسبب قلة المجاري المائية السطحية فيها عانت من قلة التنويع في الإنتاج الزراعي فتشبثت بشتلة التبغ موردا أساسيا مع كل المشاكل التي ترافقها.

ولكن الحرب وتقلباتها وتغيّير التحالفات والتطلعات، ربما، جعلت من الرئيس بري شخصا آخر، فهو الآن يرئس المجلس النيابي منذ 1992 بدون انقطاع، بعد أن حسب من أمراء الحرب الفعليين ردحا غير قصير من الزمن، ويكاد أن يدخل موسوعة "جينيس" كأطول رئيس مجلس نواب في تاريخ الدول الديمقراطية المعروفة. فهل إن لبنان في اتفاق الطائف قلل من شأن الرئاسة الثانية لدرجة أنه لم يلحظ مادة تمنع التمديد ولو لأكثر من مرتين متتاليتين مثلا؟ أم أن اللبنانيين راهنوا على دينامية الطائفة الشيعية والتنافس الممكن بين المناطق والزعامات ولم يدركوا أن شيئا مما يحصل الآن قد يصبح واقعا على الأرض؟

نحن لسنا في مجال الغمز من قناة الرئيس بري الشخصية ليس لأنه غير قابل للغمز ولا لأنه الرجل المناسب في المكان المناسب ولكن موضوعنا اليوم هو النظام الديمقراطي الذي يُلزم التغيير ولا يجوز فيه أبدا التمسك بالمناصب والمواقع وإلا فإن أسسه تختل كما يحصل اليوم.

إن المناسبة هي إعادة انتخاب الرئيس بري بدون أن يكون هناك مجال للمنافسة فحتى من ترشح ضده سحب الترشيح قبل الانتخاب خوفا، ربما، من أن يسارع بعض النواب "الأحرار" فينتخبوه، ما يجعلنا نخشى بأن يمتد هذا النمط نحو الرئاسات الأخرى فنضطر إلى المطالبة بتغيير الدستور للتمديد لرئيس الجمهورية مثلا، كما عودنا السوريون، أو أن يصبح الرئيس الحريري العتيد رئيسا مدى الحياة، كما هي الحال في كثير من الأنظمة العربية وما نراه يحصل في إيران الآن؛ وهو عدوى التشبث بالسلطة وعدم التخلي عن المنصب إلا بالثورة الدموية، هذا مع احترامنا للجميع ولكل ما يمثلون. فهل إن اتفاقا ما وضع أسس النظام اللبناني الجديد حيث تكرّس فيه مناصب ومراكز لزعامات هذه الطوائف بينما يترك الوضع في الساحة المسيحية فقط حيث التنافس لا يزال مقبولا حتى الآن إلى أن تنقلب التحالفات ليفرض عنصرا مسيحيا نفسه "بالقوة" ويتشبث بمناصب هذه الطائفة فلا يعود هناك من يقلق هذا الوضع "الديمقراطي" المستقر كأمثاله في دول المنطقة؟

إن التدخل في شؤون لبنان وخاصة شكل ونظام الحكم فيه لا يقتصر على سوريا وإيران ورؤيتهما التوتاليتارية فقط إنما قد يكون هناك أنظمة عربية أخرى وربما غير عربية تسعى لدفع لبنان إلى هذا النمط من الترويكا التي لا تسمح بالممارسة الديمقراطية الصحيحة وتضع الناس بين منطق التطرف الأعمى الذي يهدد بعدم الاستقرار أو منطق الزعامات التقليدية التي تتقاسم المناصب وتتوارثها والتي يحميها الخوف من الآخر والتهيّب من أي تغيير قد يؤدي إلى المجهول.

فهل إن لبنان الذي كاد أن يكون السباق إلى فرض رأي الشعب على الزعامات وتعميم مبدأ التناوب في السلطات الذي يعتبر ركيزة الديمقراطية الأولى قد انحدر إلى مستوى الإمارة لا بل الولاية التي يحكمها واحد من اثنين: من يدفع أكثر أو من يجند أكثر، والاثنان لا يهتمان بأمر الرعية إنما بما يهم "الباب العالي" أيا كان هذا الباب؟

الجمعة، أبريل 17، 2009

التهم الجاهزة

الكولونيل شربل بركات

في جعبة حزب الله دوما ما يسمح بتحويل الأنظار عن أخطائه الجسام بحق الغير وكلما شعر بالحرج يسحب ورقة من أوراقه الجديدة القديمة وينشرها على الملأ ليبرر أعماله الغير مقبولة ويصوّر للناس بأنه حامي الحمى والعارف بكل التفاصيل والساهر على أمن المجتمع والمتربص بعملاء العدو "الصهيوني" الشرسين.

قبل أن نعرف ماذا خلف توقيف "العميل" العميد المتقاعد أديب العلم نحب أن نسأل لماذا اختار حزب الله هذه المرة جهاز أمن قوى الأمن الداخلي وليس مخابرات الجيش لتنفيذ التوقيف "الغنيمة"، كما سماها الشيخ نعيم قاسم؟ فهل إن الحزب بدأ يشك بالجيش أو أن الجيش بدأ يشك بمعلومات الحزب فلا يأخذها كما هي؟ وماذا إذا عن جهاز المعلومات في قوى الأمن الداخلي هل لا يزال طري العود يتأثر كثيرا بهالة "العمالة الصهيونية" ولذا فالتنفيذ واجب قبل أن تهرب الطرائد؟

نحن لا نعلم حقيقة التهم التي وجهت إلى العميد العلم ولكننا نعرف أن شقيقه وصهره كانا سجنا في إسرائيل بسبب تهم حول تعاونهما مع الدولة اللبنانية وربما حزب الله ولم يطلق سراحهما إلا من ضمن الصفقة الشهيرة التي أطلق معها كل اللبنانيين الموقوفين في سجون إسرائيل حيث سلموا لهذا الحزب وجرى لهم استقبالا مهما وقد كان العميد المذكور دون شك من ضمن المستقبلين. فهل أن حزب الله كان مخدوعا يومها؟ أم أنه يخدع غيره اليوم؟ وماذا صدر عن العميد العلم ضد حزب الله لكي تساق له هذه التهمة؟ أم أن الاختيار وقع عليه صدفة وبسبب الحاجة الملحة التي فرضها الهجوم المصري المعاكس على حزب الله وزعامته؟

حزب الله قادر على اتهام أي من اللبنانيين اليوم بالعمالة لإسرائيل دون أن يتجرأ أحد على السؤال كيف أو لماذا، لأن "البعبع" الإسرائيلي الذي يختبئ خلفه حزب الله ويوجه التهم من خلاله هو قضية تعتبر من المقدسات أو قل المسلمات. فحزب الله مثلا استطاع أن يقنعنا ويقنع إسرائيل بأن تعيد له أحد أصدقاء السيد حسن بالرغم من أنه كان هرب إلى الدولة العبرية منذ نيف وعشرين سنة، وفي نفس الوقت يستطيع أن يتهم رئيس الوزراء اللبناني بالعمالة لإسرائيل متى يشاء فكيف بالموظفين الصغار أو المتقاعدين منهم خاصة إذا كان ابن قرية حدودية كرميش حيث يمكن في أي وقت أن يتهم أي كان بالعمالة لأن وجوده وسكنه فيها هو بالأساس عمالة فهل إن الرسالة موجهة إلى مسيحيي المنطقة الحدودية وخاصة البلدة المزدهرة رميش؟ أم أنها رسالة انتخابية لكل من يتجرأ أن يفكر بخيار آخر مثل الأسعد مثلا أو غيره من المرشحين الشيعة (لأنه لا يوجد في منطقة بنت جبيل مقعد ماروني)؟

الأسباب التي تدفع بحزب الله إلى التهويل على الناس كثيرة وهي لن تتوقف عند أديب العلم وقد يزج بأسماء كثيرة في لوائح الاتهامات قبل أن يهرع المواطنون إلى حضن العماد عون أو غيره لكي يحمي المسيحيين من اتهامات أصدقائه ولكي يخف مؤقتا استعمال سيف "العمالة" المسلول.

يوم أوقف مروان الفقيه في النبطية كانت العملية، كما قيل، لتغطية خطف المهندس صادر واختفائه بقرب المطار والضجة التي أثيرت حوله ولمنع استغلالها طائفيا ولا نعلم حتى اليوم لماذا خطف صادر يومها وأين هو الآن؟

بالتأكيد لن يعرف أحد أين وصلت الاتهامات والتحقيقات خاصة في موضوع التجسس وبالطبع لن نعرف غدا إذا كانت التهم الموجهة ضد العميد العلم صحيحة أم مجرد افتراء. ولكن الضرر وقع على الشخص وأسرته وقريته لا بل على المواطنين كلهم كونهم يعيشون مسلسلا يوميا لإرهابهم وتخويفهم وتخوينهم.

إن اتهام الناس في بلد مثل لبنان خاصة من قبل منظمة كحزب الله هو موضوع طبيعي فهؤلاء صادروا قرار الدولة ومنعوا الحكومة من القيام بمهماتها وفرضوا حربا على لبنان راح ضحيتها أكثر من ألفي مواطن دون أن يرمش لهم جفن وها هم يثيرون أحقادا ضد اللبنانيين بين دول كانت حتى اليوم تعتبر شقيقة وداعمة لسيادة الدولة وقيامة لبنان.

فهل سيبقى المواطنون يعيشون هذه الحالة من عدم الثقة بالنفس وبالسلطة وعدم الشعور بالمواطنية الكاملة ما دام أمثال هؤلاء يسيطرون على قرار الدولة؟ أم أن شيئا ما سيتغيّر وسوف ننتهي من مسلسل التخوين الذي يطال كل الناس ولا يترك لهم فخر الانتماء للوطن وحافز الدفاع عن مقدساته؟ وهل المطلوب أن يشعر الكل بالغربة عن هذا الحزب وأفكاره وتطلعاته فيقتنعون جديا بضرورة العمل على التخلص من هيمنته وتسلطه؟

كل شيء وارد ما دام حزب الله يعتبر نفسه فصيلا مستقلا عن الدولة اللبنانية لا سلطة لها عليه ولا مشورة حتى معها في كل ما يمت له بصلة وكل ما عليها القيام به تنفيذ ما يراه مناسبا من أجل الاستمرار في مهماته الإلهية وإلا.

العميد العلم وغيره من الأعلام اللبنانية معرضون لمثل هذه التجربة و"لا أحد فوق رأسه شمسية" كما يقول المثل الدارج. فيوم أوقف سمير جعجع بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة كانت الملفات جاهزة لإدانته وكان الهدف القضاء على أي صوت يرتفع بمواجهة السلطة القامعة، واليوم يقبع في زنزانة مشابهة من حضّر له هذه الملفات. فهل تدور الأيام على من يحضّر ملفات التجسس هذه ويتحفنا بها عند كل حدث جلل؟

الاثنين، فبراير 16، 2009

حزب الله... إلى متى؟

الكولونيل شربل بركات

بالأمس فرض حزب الله على الجنوبيين وضعه "محررا" للأرض التي كانوا حموها بأجسادهم ودماء أبنائهم ومنعوا عنها أية حركة استيطان كالتي كانت جرت في الجولان والضفة وسيناء، لا بل وقفوا حاجزا ضد من كان يريدها أرضا محروقة ويخطط لشعبها أن يبقى كغيره مشردا تائها ينادي من بعيد ويتغنى بالضرب على الصدور تهديدا ووعيدا، أو كذلك الذي بعد أن وصلته "الدولة" على طبق بجهد "المحبين" رفس الطبق وأسقط ما فيه ليتغنى بحصوله على عظمة مما وقع على الأرض ويتباهى بأنه اقتنصها بقوته.

بالأمس، ولأنهم رفضوا أن يصبحوا رقما في معادلات القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، هجّر، تعنت المحتلين وقصر نظر المسؤولين في الحكم وتجبّر حزب الله، أبناء الجنوب من بيوتهم وفرض عليهم سلسلة من الإجراءات المذلة لم يكن أقلها الحرمان من الحقوق المدنية في كثير من الأحيان ومنع حتى دفن الموتى في التراب الذي استماتوا من أجله.

بالأمس، وبعد أن هلل اللبنانيون له وجعلوه مؤلها بسبب حقدهم الأعمى على أحد الجيران دون أن يشعروا بما قام ويقوم به الجار الآخر الذي كان ينهش من لحمهم ومن كرامتهم ويبدد آمال أبنائهم بعيش كريم، قام هذا الذي سمى نفسه حزب الله (والله بريء منه ومن أعماله) بفرض سلطته على كل لبنان بالقوة وبإذلال كل من وقف بوجهه من الشيعة أبناء طائفته أولا ومن ثم كل الباقين.

لا عجب أن يخطف حزب السلاح المواطن الجنوبي جوزيف صادر أمام أعين المخولين بحماية الناس، فهو كان اختطف الحكم بأسره وفرض حصارا على وسط بيروت ثم خطف زعماء كسعد الحريري ووليد جنبلاط وأبقاهما مع كل بيروت رهينتين إلى أن قبلا به شريكا في الحكم بشروطه المطلقة، وهو احتل دار الإفتاء الشيعية في صور وهجر المفتي السيد علي الأمين لأنه لم يرض بما يقومون به.

يتساءل البعض كيف يقدم جماعة هذا الحزب والدائرين بفلكه بالتعدي على الناس، خاصة بعد المظاهرة الحاشدة التي ضمت مئات الآلاف لتظهر مرة أخرى بأن لبنان وشعبه يريدون التخلص من تحكّم الغوغائيين وسلاحهم واستعلائهم على الكل، ولكن من أعماه الغرور وأغواه قبول الآخرين بأكاذيبه، لأنها لم تكن تعنيهم مباشرة على ما يبدو، سيستمر بفرض رأيه بالقوة طالما لم تسقط مقولة "المقاومة" والنضال اللتان يختبئ خلفهما.

اللبنانيون خلقوا أحرارا ولم يشعروا بالذل بالرغم من الحروب التي أرادت تحجيم عنفوانهم والأموال التي دفعت لذلك والشعارات الكاذبة التي تنشر حولهم، وبالرغم من البطولات الفارغة التي يحاول البعض أن يتغنى بها ليشعرهم بالنقص، فهم يعرفون عمق الأشياء في قرارة نفوسهم ولا يعيشون مظاهرها فقط.

الذين نزلوا إلى ساحة الشهداء كانوا يعرفون مسبقا أن ردة فعل أصحاب السلاح ستكون عنف في جهة ما وبشكل أو بآخر ولكنهم تحدّوا هذا الوهم ونزلوا. صحيح أن جزاء البعض منهم كان ضربا بالعصي والبعض الآخر بالسكاكين وصحيح بأن رجلا قتل من جراء تعدياتهم، ولكن شعب لبنان الذي يحاولون إخافته لم يخف وسوف يحاكم القتلة وزعماءهم لا بل سيطالب المسؤولين عن الأمن الذين عرفوا كيف يمنعون التعدي على المارة في الجبل فيمنعون الفتنة ولكنهم لم يعرفوا أن يوقفوا خاطفي جوزيف صادر بالرغم من مطاردتهم لأنهم دخلوا دولة أخرى لا سلطة لهم عليها، أو قتلة زين الدين لأنهم قد يزيدون في تعديهم لدرجة تؤثر على مناخ التهدئة.

ليست المرة الأولى التي يواجه فيها لبنان مأزقا حرجا حيث يفرض الشر نفسه على الآخرين ولن تكون الأخيرة لأن بعض اللبنانيين لا يزالون يكيلون بمكيالين ويقبلون بأن يحتضنوا من يدعي مواجهة "العدو" حتى ولو قتلهم ونكّل بأبنائهم وفرض عليهم حقده وشره.

الشرق الأوسط سيبقى للأسف ساحة صراع ولن ينتج أكثر من المآسي والشقاء بالرغم من كل مظاهر الثروة التي تغلفه وذلك لأن المواقف في سياساته تعتمد على توجيه الحقد لا على نزع أسبابه والتفتيش على حلول تريح أبنائه بدل التفتيش عن مصادر ألم جديدة والتغني بها وبمفتعليها.

اليوم يقف لبنان مرة أخرى أمام تحدّ جديد فهل يصلح القلم والدعوة للتكاتف والالتزام بالدولة سلاحا وبالديمقراطية حكما لوقف عدوها الأساسي الذي يتمثل بالسلاح الفارض نفسه ومنهجه بالقوة على الآخرين؟ أم أن السلاح وطريقته ستعصى مرة أخرى على رأي اللبنانيين وستفرض حكمة الحكماء تخليا جديدا عن الحق باتجاه هيمنة الباطل؟

الذين يتكلمون عن التهدئة وعن التخفيف من الخطب المثيرة للفتن هم على حق، ولكنهم ينظرون في أغلب الأحيان من خلال نظارات أرادوا بها حجب جزء أساسي من الصورة يقلقهم ولذا فهم كمن يعرف الداء ولكنه غير قادر على مواجهته فيدفن رأسه ويقنع نفسه بأنه لا بد من يأتي من هو أقدر ليخلصه منه بدون جهد أو عناء.

جميل أن نعود لنسمع خطب تغلفها التقية ونشهد جمال التلون الذي يريح السامع إن من الجهة التي غدر بها أو من تلك التي اعتبرت أنها خاسرة في مشهد التجمع الذي جدد البيعة بعد كل ما جرى، ففي كلام السيد جنبلاط في الشبانية ظهر جليا هذا القبول بالواقع ولو على مضض وفي كلام السيد نصر الله اليوم في مجمع الشهداء كلام مشابه ولو من فوق، ولكن الأجمل أن نعرف أين يكمن الجرح فنسارع إلى مداواته ونقبل بأن للآخر أيضا كرامة وشعور فلا نجرحه ساعة يلذ لنا والأهم أن يعرف المواطن أن هناك دولة تحميه وتلاحق حقه بالحياة لا فلكلورا يخاف القاتل فيعاقب القتيل ويتهيب الخاطفين فيذنّب المخطوف ويتبرأ منه.

إلى متى ستبقى الحاجة لسلاح يحمي المواطنين من أن يقتلهم من يدّعي الدفاع عنهم بدل من أن تحميهم الدولة الجامعة القادرة والتي لا فرق عندها بين مواطن وآخر إلا بقدر التزامه بالقانون وقبوله بحقوق الآخرين؟

الاثنين، يناير 26، 2009

انتهت حرب غزة كما حرب لبنان... فأين الحساب؟

الكولونيل شربل بركات

كما جرى في لبنان صيف 2006 هكذا في غزة 2009 انتهت الحرب المأساة "بالنصر المبين" للطغمة الحاكمة التي لا تعرف من الحكم سوى القرارات الكلامية ولا تتحمل بالطبع تبعات هذه القرارات.

انتهت حرب غزة وضاع من ضاع وقتل من قتل ولا من سائل أو محاسب لا بل فقد طغت العواطف "النبيلة" عواطف "التآخي" والدعم على مجريات الأحداث فنتج عنها ما يشبه التأييد لعمل "حماس" وجماعتها لأن العرب خافوا من المواجهة مرة أخرى وفضلوا عليها المجابرة، بل قل المتاجرة.

نحن نفهم أن يكون لدى القادة الإسرائيليين بعض الحوافز الشخصية المتعلقة بالانتخابات ومن هنا كان الاستعجال بدفع الأمور باتجاه المواجهة "الاستعراضية" كي لا يخسر من في الحكم مقاعدهم أمام "الليكود". ولكننا لا نفهم أن تزج حماس بشعب غزة ودويلتها في هكذا حرب بدون فائدة لا بل بكل هذا الثمن المتوقع مسبقا.

ولكن "حماس"، كما حزب الله في لبنان، لهم حساباتهم الخاصة لا بل لهم مخططاتهم أيضا، كما يبدو. فحزب الله الذي عرف قدراته بمواجهة إسرائيل وآلتها العسكرية، لا بل عرف أن هكذا دولة لا تتحمل الكثير من "الزكزكة" ولا بد لها من أن تنتفض وانتفاضها مكلف للطرف الآخر بالتأكيد، حزب الله هذا أراد استدراجها إلى الحرب وأراد، بحسب النتائج، تدمير الجنوب وأهله، لا بل لبنان بأجمعه لكي يسهم هذا بتغيير الظروف التي كانت محيطة به والتي كادت أن تفرض تسليمه السلاح للدولة والتخلي عن الهيمنة والسيطرة الناتجان عنه. من هنا فمقولة السيد حسن نصرالله بأنه "لم يكن يعلم" غير صحيحة فهو يعلم خير العلم بالنتائج وهو دفع باتجاه المواجهة ولم يلزمه أحد عليها.

قد يحاول البعض تفسير موقف السيد حسن أو موقف "حماس" اليوم في غزة بأنه "بطولة" وبأنه "مقاومة" ولكن الكل يعرف بأن "المقاومة" أصلا يجب أن تكون لحماية أهلها لا لزيادة شقائهم، لرفع الضيم عنهم لا لقتلهم. فإذا كان "العدو" قد انسحب من لبنان فلما نعتدي عليه ونقاتله في أرضه؟ وحتى في مقولة مزارع شبعا نحن على خطأ لأن هذه أراض يملكها لبنانيون، صحيح، ولكنها تقع ضمن الأراضي السورية بحسب خط الحدود المرسوم بين البلدين منذ العشرينات، كما يدعي السوريون، ولا يمكن أن تصبح لبنانية إلا بتخلي السوريين عن حق السيادة عليها ما لا يقدر السوريون عليه، نظريا، بسبب وقوعها ضمن أراضيهم المحتلة منذ 1967 وهم لم يكونوا قد فعلوا قبل ذلك التاريخ (في المفاوضات بين البلدين حول 36 نقطة خلاف على الحدود بين البلدين) فلما يفعلون اليوم؟

نحن نفهم أن يكابر العرب ليطوقوا سوريا ويحاولوا إعادتها إلى الحظيرة العربية بعد أن جمحت باتجاه إيران ووقفت وراء حماس في غزة وحزب الله في لبنان حتى أصبحا قاعدتين للفرس على شواطئ المتوسط وكادت أن تحمل إمارة قطر على تجاوزها في الاندفاع نحو التحالف العلني مع إيران، ولكن ما لا نفهمه هو السكوت الإعلامي العربي على زعماء حماس الذين تسببوا بكارثة للشعب الفلسطيني هذه الكارثة تحدث للمرة الثانية ويدفع ثمنها الأبرياء ويقبض ثمنها القادة الذين يختيؤن في الجحور ويتركون الشعب يتحمل وزر قراراتهم ثم ينهضون بعد انتهاء المجازر ليدّعوا النصر ويجلسوا على طاولات التفاوض.

قد يكون العرب يئسوا من الحرب التي يعرفون مسبقا ومنذ 1948 أنها بدون جدوى ولكنهم لم يقدروا بعد على المجاهرة بأن السلام يمكن أن يعيد "الحقوق" أكثر من الحرب وأن العداوة لإسرائيل التي كانت فيما مضى سيفا صالحا لمحاربة أعداء الأنظمة في الداخل لم تعد كذلك اليوم لا بل أصبحت هي وسيلة هؤلاء المثلى وطريقهم إلى السيطرة على الشارع وفرض الرأي بقوة الغرائز وبالضحايا البريئة.

إذا كانت الصهيونية لا اليهود هي عدو العرب، كما يصرح بعض المنظرين كل يوم على وسائل الإعلام، فالأجدر أن يفتش هؤلاء عن شريك محتمل في الدولة العبرية تجاوز الفكر الصهيوني، وهنا قد يكون المغفور له اسحق رابين مثلا، الذي دفع حياته ثمنا لمشروع السلام مع الفلسطينيين، وبعض حاملي أفكاره ومنهم الرئيس بيريز والوزير باراك، هذا الشريك المحتمل. ولكن الصهيونية، وهي إحدى الحركات القومية التي نشأت في القرن التاسع عشر على غرار الحركات القومية في أوروبا وكان هدفها إقامة دولة لليهود، لا تزال تجد المزيد من المؤيدين لها في إسرائيل والعالم لأن من يقابلها في الجانب الفلسطيني أولا ثم العربي ثانيا لم يساهم في إنهاء دورها، وإذا كان رئيس وزراء إسرائيلي نادى بالفعل "بمرحلة ما بعد الصهيونية" ((POST ZIONISM منذ أكثر من عشر سنين، فإنه لم يجد من يقابله في بلاد العرب بالجدية المطلوبة، وحتى الرئيس عرفات الذي حمل غصن الزيتون في الأمم المتحدة وفاوض لإقامة الدولة الفلسطينية بالسر وبالعلن لم يستطع أن يدافع عن قراره هذا أمام غوغاء "حماس" ومزايدتها وعاد فحمّل دولته الناشئة وزر الانتفاضات المتلاحقة وحروب الإرهاب المتكررة التي أعطت الصهيونية دفعا جديدا لدرجة كادت أن تفقد الأمل بحركة السلام وجدواها.

كل ذلك مرده لأن الحركات القومية في الجانب العربي لا زالت حية وناشطة لا بل مسيطرة في أكثر من مكان وأكثر من دولة، والأخطر من ذلك أن أنظمة هذه الدول لم تزل قادرة على السيطرة على مشاعر الناس وردات فعلهم بالرغم من تجاوز الزمن لطروحاتها وتخطي الأحداث لأهدافها، وهي استطاعت أن تسهم في دعم وخلق تيارات أصولية متطرفة جعلتها تبدو أقل خطرا لا بل في بعض الأحيان حاجة لضبط هذه.

يوم قام الرئيس السادات بخطوته الجريئة وتخطى المعهود في تصرف الحكام العرب فذهب إلى عقر دار عدوه ليحقق السلام وينهي الحرب ومآسيها في الجانبين خاف البعث السوري، وهو حركة قومية من القرن الماضي أيضا، على مستقبله، ولم يخف العلويون فقط على كراسيهم كما يحب البعض أن يحلل، ولذا قامت "جبهة الصمود والتصدي" وقوامها البعث بشقيه السوري والعراقي وانضمت لهم ليبيا وبالتأكيد بقايا القوميين العرب في لبنان ليسقطوا التوجه المصري الذي جعل صقور إسرائيل تقتلع المدن والبلدات التي زرعت خلال عشر سنوات في سيناء وتعيدها بكل ما فيها للسيادة المصرية، فما كان من سوريا إلا أن دفعت بعرفات وثورته للتحرش بإسرائيل ودعوتها للدخول إلى لبنان في 1978 بعملية الليطاني.

ويوم تخلص عرفات من الوهم السوري وقام بالاتفاق مع الإسرائيليين على السلام متخطيا البندقية لاستعادة الحقوق مدعوما بالمجتمع الدولي بكامله، حركت سوريا لعبتها الجديدة "حزب الله" بإطلاق الصواريخ على مدن إسرائيل ما جعلها تقوم بعملية "عناقيد الغضب" حيث ألغي دور لبنان الدولة وأعطي حزب الله دور الشريك في أول عملية تفاوض.

اللعبة بين العرب وإسرائيل تكبر يوما بعد يوم ويعتقد بعض المنظرين الاستراتيجيين من خريجي مدارس البعث والحرس الثوري الإيراني بأن المدنيين هم السلاح الجديد في الجانب العربي وأن خسارة الآلاف منهم وخاصة من الأطفال والنساء هي بمثابة خسارة بعض قطع الأسلحة في المعركة لا بل قد يكون هؤلاء أقل قيمة من بعض الأسلحة ومن هنا فهم يزجون بهم كلما دعت الحاجة لعرض العضلات والدفع من أجل تحسين المواقع في التفاوض، وهم لا يخشون على الأبنية والدمار لأن الأخوة العرب والعالم الغربي لا بد سيسارعون إلى دفع الخوة المطلوبة للتعمير بعد تحريك الجماهير في الشوارع والساحات، وستتبارى الأقلام للدفاع عن "بطولات" هؤلاء الذين تحدو "آلة الدمار الصهيونية"، وتعمل آلة الحقد من جديد في نفوس الناس حيث يستفيد منها القومجيين في الجانبين ويظهر بأن الصهيونيين الجدد في بلاد العرب والمسلمين هم أقوى بكثير في مجال الدعاية والإعلام على كسب الرهان، بينما المثقفون في هذا الجانب سريعي التأثر بالموجات القومية ومن هنا فإن القتل في كل مرة سوف يزيد والاعتماد على السلاح البشري هو الهدف الأسهل وعندما ستتوقف الصواريخ سيعاد استعمال الزنانير المفخخة وتهتاج الشوارع فخرا وتزداد التعبئة في كل الأطراف.

من هنا نقول بأن على العرب أولا وقف مسرحية البكاء والمتاجرة بدماء الفلسطينيين ومآسيهم والبدء بتحميل المسؤولية لأصحاب القرارات الخاطئة. وليقم الفلسطينيون بعملية المحاسبة الذاتية، ولتنتفض الأمهات الثكلى وتطالب من وضعتهم بواسطة صناديق الاقتراع في مراكز المسؤولية، وكان يجب أن يحموا أبناء غزة ويؤمنوا سلامتهم، أن يقدموا استقالاتهم ويتنحوا. وليحاكم صاحب القرار الغاشم الذي أدى إلى كل هذا القتل. ولماذا لا نتعلم من الإسرائيليين الذين يعرفون أن يحاكموا قادتهم. وليعرف العالم أننا تجاوزنا مرحلة العواطف الفارغة فيبدأ باحترامنا واعتبارنا من الأمم التي تختار قادتها ولا يفرضون عليها فرضا وتعرف أن تحاسبهم عندما يخطئون.

السبت، يناير 10، 2009

هل تكون حرب غزة آخر الحروب؟

الكولونيل شربل بركات

حرب غزة الأخيرة والتي لا تزال تدور على أجساد المساكين وتحرّك مشاعر التضامن وقواميس التنديد، أظهرت بدون أدنى شك بأن قيادة الشعوب ليست خطابات فقط ولا هي تعبئة ودعاية، ولكنها مسؤولية أولا وأخيرا ويجب أن يتحمّلها كل من يدّعي الوصول إلى منصب أو حتى الترشّح له.
حرب غزة الأخيرة والتي لا تزال تثير المشاعر الإنسانية في كل مكان حزنا على الأبرياء، ولو بشكل مختلف، لم تنته بعد بالرغم من وقوع أكثر من 800 قتيل و3000 جريح ودخول الإسرائيليين إليها ودمار الأبنية والمساكن وحتى المدارس أحيانا.

حرب غزة لن تنتهي ليس لغطرسة الإسرائيلي، كما يحب أن يدّعي جماعات التطرف الذين تسببوا بها فقط، بل لأن هؤلاء لا يزالون يرفضون الاعتراف بأن مقاومة الاحتلال شيء واستدعائه شيء آخر، بأن معنى المقاومة الأساسي رفع الخطر عن الشعب والموت في سبيله والعمل على تحريره من الاحتلال وليست أبدا القتال بأجساد الناس الأبرياء واستدعاء العدو وجيشه للاحتلال لكي نبرر أعمال "المقاومة" والبكاء على الأهل الذين نتسبب بسقوطهم بالدرجة الأولى، ولو بأسلحة وقذائف الأعداء، ثم نحمّلهم وزر سلطة لا تعرف أن تقودهم إلى بر أمان ولا تعرف سوى التعبئة والدفع باتجاه العنف والحقد ولا شيء سواهما من مهمات المسؤولية عن الشعوب وحضانتها والتخطيط معها لمستقبل أفضل.

حركات المقاومة في العالم تقوم بالعادة ضد جيوش الاحتلال التي تربض على صدر الشعب وتمنعه من العيش بكرامة. وعندما يصبح لديها مشاريع هجومية داخل أراضي العدو الذي خرج منها لا تعود تسمى مقاومة وهي بدون شك تدخل ضمن التعدي حتى ولو اقتصرت على التحرش الغير المجدي لأنه يؤدي إلى تصاعد الردود لينزعج منها السكان المحليين.

حرب غزة إذا كحرب لبنان التي سبقتها في 2006 ليستا بحروب مبررة ضد العدو إنما هما حروب ضد السكان المفترض بأن تحميهم هذه المقاومة. فهل سيفهم زعماء "حماس" و"حزب الله" بأن "المقاومة" من لبنان وغزة ليست مبررة والاستعراضات التي يقومون بها لا تجلب إلا القتل والدمار؟

أما الجديد فكان إطلاق الصواريخ الخمسة من جنوب لبنان والتي كان لبنان حذّر من مغبة القيام بها لأن تجربة عدم المسؤولية لا تزال في الأذهان ولم تعمّر بعد المنازل التي تهدمت خلالها ولم يُنس من قتل بدون سبب.

حزب الله الذي حوّل تلك الخسارة إلى ربح على خصومه السياسيين وأدّعى "بالنصر الإلهي" لن يجرؤ على القيام بمغامرة جديدة ولو أن زعيمه السيد نصرالله قد تهجّم على مصر وكل العرب ولم يشكر سوى الإيرانيين طبعا وهو يحي "المقاومة التي تكسر العدو في غزة" كما كسره هو في لبنان ولذا ربما رأينا "حماس" ترفض قرار مجلس الأمن لوقف النار. ولكن هل أطلق حزب الله الصواريخ من طير حرفا وهو الذي نكر ذلك أم من الذي فعل؟ وهل هي إشارة إلى أنه سوف يشارك بفتح جبهة في لبنان أم أن تجربة ال2006 سوف تمنعه وردة الفعل الرسمية والشعبية التي جاءت على إطلاق الصواريخ سوف تردعه؟

الصواريخ التي أطلقت ووصلت إلى محيط نهاريا، كما قيل، لا يمكن أن تكون صواريخ يحملها أفراد من فلسطينيي حماس من مخيم الرشيدية قرب صور مثلا لتنصب في منطقة طير حرفا وتنطلق بعد ذهابهم لأن المسافة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوصول تزيد عن 15كلم تقريبا وهذه لن تقطعها إلا صواريخ غراد 122مم (طولها حوالي 3م) التي يملكها الفلسطينيون في المخيمات طبعا ولكنهم لا يقدرون على الوصول بها إلى طير حرفا سيرا على الأقدام ولا بواسطة آليات خفيفة لوجود حواجز للجيش وقوات الطوارئ، وحتى لو فعلوا فإن عناصر المخابرات التابعة لحزب الله يجب أن تعلم بها، من هنا نقول بأن حرب الله سمح بهذه الحركة الاستعراضية لكي يقال بأنه حاول المساعدة بطريقة ما ولكن بدون أن يستجلب ردا إسرائيليا عنيفا.

الرد الرسمي اللبناني كان واضحا وقد يكون أسمع للسيد لاريجاني الذي زار بيروت أمس، ولا نعلم إذا ما كانت خطة إيران دفع حماس للمزيد من التعنت لإيصال الوضع الفلسطيني إلى نقطة الفراغ الدستوري الذي لعبته مع حزب الله في لبنان سابقا والذي أدى إلى عودته إلى السلطة بشكل فاعل على حساب الاستقرار في لبنان طبعا وهذا ما جعل حماس تبادر إلى التصعيد قبيل نهاية مدة رئاسة أبو مازن. ولكن هذا التصعيد لن يزيد عن حده ولن يستدعي دفع كل قوى إيران وحليفتها سوريا إلى الساحة فالمعركة الحقيقية هي على من يسيطر على المنطقة العربية، وإسرائيل لا تمثل فيها سوى الحافز لتحريك المشاعر ورفع الشعارات.

نحن نقول بأن حرب غزة إلى نهاية قريبة ويجب أن يتبعها بداية حلول ترتدي طابعا جديدا قد يفرض تدخل العنصر العربي استدراكا لمنع الفوضى وتقتيل الناس بدون سبب. ولكننا نخشى أن تتوسع دائرة التدخل الإقليمي ليعود الأتراك لخلق التوازن مع الإيرانيين إذا ما تخلّف العرب عن مسؤولياتهم ونكون قد استدعينا تدخلات جديدة تحت اسم الدين هذه المرة لتقاسمنا "الثروات" بدل "الاستعمار الأجنبي" الذي خفنا منه لدرجة أننا رفضنا قبول أي حل يسمح بالتعايش مع دولة إسرائيل.

فهل تكون دعوات حزب "السعادة" التركي إلى عودة "العثمانيين" أول الغيث في التوازن الجديد بين السنة والشيعة؟ وماذا سيكسب العرب من هذا التدخل الجديد؟ هل هو انفتاح على شرق أوسط كبير يختلط فيه العنصر العربي والتركي والفارسي والإسرائيلي ليصبح مركزا دوليا بين أوروبا التي تعتبر تركيا جزءا منها ووسط آسيا التي تشكل إيران قاعدتها الجديدة؟ أم أننا سنعود إلى عصور التقاتل المذهبي السني الشيعي والذي يأخذ بطريقه كل حضارة وكل تقدم حتى في تركيا وبلاد الفرس؟

السبت، يناير 03، 2009

الحروب والشعوب

الكولونيل شربل بركات

يتحفنا بعض "الجهاديين" بين الحين والآخر بنظريات جديدة يطلقونها لتناسب تصرفاتهم وتناقض ما هو مصطلح عليه في تعامل الشعوب خلال تطور العلاقات الدولية عبر التاريخ.

اليوم مثلا يطلقون نظرية جديدة لا بل مفهوماً مختلفا تماماً للربح والخسارة في الحروب التي يباشرون بإعلانها دون تحمّل تبعاتها وهم يقيسون بمقياس خاص بهم مقادير هذا الربح وهذه الخسارة. فمثلا يوم يبدأون بالتحديات فهم يريدون دون شك استئصال الشعوب والدول التي لا تعجبهم ورميها في البحر وهم بذلك يحللون قتل المدنيين على أنهم يتساوون والجنود كونهم برأيهم "مشروع جنود".

ثم عندما يطال الرد جماعتهم يستعملون قانون غيرهم فيلجأون إلى "حقوق الإنسان" التي لا يعترفون بها، وينادون على العالم الذي لا يسمعون لقوانينه بأن يأتي ليخرجهم من ضائقتهم، لا بل يبنون استراتيجيتهم وتكتيكاتهم العسكرية في القتال على أساس أنه يحل لهم مهاجمة الآخرين ولكن ليس لهؤلاء الحق في الرد عليهم.

لقد طور العالم بعد الحروب الكثيرة بين شعوبه ودوله قوانين ونظريات تميّز بين السكان المدنيين والقوى العسكرية المقاتلة وتوصلوا حتى إلى منع قتل الجرحى العسكريين أثناء الحروب ومنع قصف المستشفيات ومنع قتل الأسرى وحتى تعذيبهم والتوقف عن إطلاق النار فور رفع علم أبيض، كل ذلك بعد تجارب كان فيها الهدف المحافظة على الناس من قبل من يدّعي المحاربة من أجلهم، ولذا رأينا الثياب الخاصة بالعسكريين والإشارات الخاصة بالرتب (أي بدرجة المسؤولية) وإشارات الإسعاف وما إلى هنالك من الرموز التي تسهم في التقليل من عدد الضحايا بدون سبب.

نفهم جيدا أن يجهل "الجهاديون" الذين يدّعون بأنهم يعتمدون على خبرات قديمة في التاريخ لم يكن التمييز فيها بين المدنيين والعسكريين يخضع بعد لقوانين واضحة (قتال العشائر)، ربما، ولا كان واضحا بعد بأن رمز السلطة هو قواتها المسلحة وأنه عندما تنكسر القوة المسلحة لا جدوى من استمرار القتال الذي إنما يؤدي فقط إلى مزيد من الضحايا بدون نتيجة. ولكن ما لا نفهمه تشديدهم على أنهم لا يمكن أن يهزموا طالما بقي شخص واحد حي وهذا أمر في غاية الخطورة لأنهم بذلك إنما يبررون القتل الذي يجري ضد المدنيين ويرفعون اللوم عن العدو لا بل يدعونه لعدم الاكتفاء بضرب المراكز والأسلحة والجنود إنما للقيام بالمجازر بدل تحديد الأهداف كي لا يلام في حال سقوط ضحايا من المدنيين.

السيد نصرالله مثلا، حوّل هزيمته في 2006، التي قضى فيها اللبنانيون وخسروا بيوتهم والبنى التحتية للدولة، إلى نصر، وبالرغم من أنه استجدى، ومعه كل الشعب اللبناني والحكومة آنذاك، وقف القتال، ولكنه اعتبر أنه طالما بقي هو حيا أو أن الإسرائيليين لم يدخلوا إلى كل قرية ومدينة ويقتلوا على الأقل الشبان الذين يؤيدون حزبه ثم يفتشون كل البيوت التي قد يكون حولها إلى مخازن ذخيرة، فإن ذلك هو النصر المبين لا بل "النصر الإلهي"، (ولا يعني ذلك أننا نبرر العنف الإسرائيلي(.

اليوم تعتمد حماس في غزة نفس المنطق وهذا منطق خطير جدا يعيدنا إلى أجواء الهتلرية التي سمحت لنفسها باتخاذ قرار إبادة بعض الشعوب يوم وسمتها بالعداوة، وما عانى منه الفلسطينيون لاحقا في 1948، وفي نفس الأجواء، حين اعتقدوا أن كل من سيبقى في بيته سوف يقتل فكان النزوح الكبير خارج فلسطين وأفرغت الأرض من سكانها.

المبدأ الذي يحاول الجهاديون اليوم فرضه على الساحة، وهم في سدة الحكم، ومطلوب منهم بعض المسؤولية، هو بأنه لم يعد هناك مدنيون وان الحرب عندما تقوم بين قوتين لا بد لها أن تأخذ الكل في طريقها، وأن النصر لا يتم إلا بقتل كل المؤيدين في الجانب الآخر. وهنا نفهم قول نجاد بأن على اليهود الذين يسكنون إسرائيل العودة إلى أوروبا في حال ربح هو لأنه لا مجال كما يبدو للرحمة أو العيش في ظل سلطة جديدة.

عندما يتبجح المدافعون عن "حماس" وأمثالها بأن مصر أكبر دولة عربية خسرت حرب 1967 بخسارة القوات المسلحة المعركة في سيناء خلال الساعات الست الأولى، وهو عار عليها، وكان يجب على المسؤولين في مصر يومها أن يدفعوا بالناس إلى القتال ولو بدون غطاء حتى يباد أكبر عدد من المصريين تحت قصف الطيران والمدفعية ومن ثم ومع هكذا قدر كبير من الضحايا يمكن أن يلام الإسرائيليون فيتحول نصرهم إلى خسارة كما يحدث اليوم في غزة أو كما حدث في جنوب لبنان. ويغيب عن بالهم حرب الاستنزاف وحرب 1973 اللتين خاضتاهما مصر وانتهتا إلى سلام أعيدت بموجبه سيناء كاملة. هذا الكلام ليس فقط كلام غير مسؤول ولكنه كلام خطير يؤدي إلى تحويل الحرب من حرب بين الجيوش إلى حرب بين الشعوب وبالتالي فهي حرب إبادة وليست حرب خسارة وربح، من هنا وفي ظل هذه المعادلة الجديدة في الحروب التي تقودها إيران اليوم، يتخوّف العالم من امتلاكها السلاح النووي أو مجرد التفكير بإمكانيتها اكتساب القدرة على صنع مثل هذا السلاح فيحق لأوروبا وأمريكا وخاصة لإسرائيل، لأنها المعنية مباشرة، العمل على منع إيران من مجرد التصور بقدرتها على صنع أسلحة دمار شامل قد تؤدي إلى إبادات جماعية لا يعرف أين تبدأ ولا أين تنتهي.

"الجهاديون" يعرفون كيف يعبئون الناس، صحيح، وقد يكون لهم القدرة على الإخراج الإعلامي وتحريك المشاعر، ولكنهم يقعون دوما في حبائل أفكارهم الشيطانية وترتد عليهم صنائعهم إذا ما وجد من يدقق في مقولاتهم ومن يهمه أمر الناس ومستقبلهم. فلو وقفت مصر مع لبنان ببعد نظر منذ اتفاق السابع عشر من أيار، وهي التي كانت سبقته إلى اتفاقيات كمب دافيد ولم تتركه لقمة سائغة بيد سوريا وبعض الجهلاء، لكانت وفرت على العرب وعلى اللبنانيين خاصة الكثير من المآسي، ولو دفعت هي والمجموعة العربية باتجاه تطبيق البند السابع في 2006 وطالبت بنزع سلاح حزب الله وغيره من المليشيات المسلحة كما يقول القرار 1559 لما تبجّح حزب الله بالنصر الإلهي ولما ارتد ذلك على عباس وغزة وها هو يرتد اليوم على مصر والسعودية وبقية المنظومة العربية.

فيا أيها "الأخوة" العرب لا يجب أن يغيب عن بالنا ذلك المثل القائل من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، ولا يجب أن يكال بمكيالين حتى عندما يتعلق الأمر بالعدو نفسه، لأن القيم التي نتربى عليها ونتعامل بها يجب أن تكون واحدة. ولا يعني هذا أننا نؤيد ما تقوم به إسرائيل ولكننا نريد أيضا نزع الحجة التي تعطي إسرائيل الحق بالرد ونعرف بأن شعب إسرائيل يتكفل عادة بملاحقة المسؤولين في بلده. فمتى يبدأ العرب بمحاكمة من يتسبب بالجرائم الجماعية ومن يبرر مثل هذه الجرائم؟ ولو أن لبنان العزيز قام بمحاكمة نصر الله على عمله في تموز 2006 الذي تسبب بكل الضحايا ولو بتشكيل لجنة تحقيق، فهل كان تجرأ على احتلال ساحة رياض الصلح؟ وهل كان أقدم على انقلاب السابع من أيار؟ وهل كان هنية سيقدم على ما أقدم عليه فتتعرض غزة اليوم لمثل هذا الجحيم؟

قيادة الشعوب ليست عملية سهلة ولا هي موضوع كاريزما وقدرات خطابية فقط، إنها بعد نظر ومسؤولية أولا وأخيرا. فهل نرتدع ونتعلم من الأخطاء أم أننا سنبقى قطعان يقودها كرّاز أعمى ولا تعرف شيئا عن الرعاة؟

السبت، ديسمبر 27، 2008

غزة الحزينة وثقافة الجيف

الكولونيل شربل بركات

فليسقط النظام...

فليمت الأعداء...

فليعدم الخونة...

وليقتل المتآمرون على الأمة...

وليحيا الشهداء... ومجتمع المقاومة... والنصر لنا...

هذه هي اسطوانة الحقد التي تتردد أصداءها بعد كل مشهد من مسرحية القتل التي تطال فيما تطال أرزاق وأعناق الناس المفترض أن يعيشوا آمنين في بيوتهم لأنهم يدفعون من عرق الجبين لمن يدير شؤونهم ويسهر، من حيث المبدأ، على راحتهم ومستقبل أبنائهم...

ولكن شتان بين من يحمي ومن يقتل...

بين من لا يعرف إلا العيش على مآسي الناس ومن يحاول ضبط النفس مرات ومرات قبل أن ينفجر دمارا وخرابا...

يقولون أن إسرائيل مجرمة ويقولون بأنها وحش كاسر يعيش على الدم، هذا ما يروج له كل كاتب بلغة الضاد وكل أديب وكل خطيب، وهو ما يدّعيه كل زعيم أو مسؤول، وكأن الناس لا ترى ولا تسمع وإن رأت فهي بالتأكيد لا تعرف "مصلحة الأمة"، وإن سمعت فهي لا تدرك معاني "النضال"...

مسكين شعب غزة التي أوهم أبناؤها بأنهم أبطال العرب ورافعو رأسهم وبأنهم سيعيدون حقوق "الوطن السليب" بدمائهم وبالألعاب التي يزعجون بها مجتمع منظم لا يتحمل كثيرا هذا الإزعاج خاصة عندما يتعلق ذلك بحياة بنيه وأمنهم واستقرارهم.

في غزة كما في كثير من دول العرب شعوب بدون عمل وإن عمل البعض فإن هناك من لا يعجبه ذلك ويفضل منعه عن العمل بافتعال "أعمال أعظم"، أعمال تبررها الفتاوى وتثيرها الغرائز...

مساكين أطفال غزة وقبلهم أطفال لبنان وأطفال العراق والصومال وكل أمة القهر التي اختارها الله لتصلح الناس فتقتل في سبيل هذه المهمة بيد زعمائها وقراراتهم الهمجية والغير منطقية...

يمكننا أن نفهم أن تثير إسرائيل وعملاء إسرائيل (مثلا) من يدمّر مستقبل الفلسطينيين في غزة ومن بعدها الضفة، ولكن أن يتبجح هؤلاء ويدّعون أنهم إنما يدافعون عن أبناء غزة وتقوم قيامة الأمة من المحيط إلى الخليج لتثأر لدماء الشهداء، فتلك هي المصيبة.

سوف تقوم المظاهرات طبعا في الضاحية الجنوبية من بيروت وسيلحقها مظاهرات في كل العواصم، كيف لا وإلا فلن نكون عربا أقحاح، فالعربي القح هو من يثور في ردة فعل لما يجري بدون تفكير وهو من يتهيّج في مظاهرات تخرّب مظاهر الحضارة التي هي العدو الحقيقي للعرب والمسلمين، وإلا فكيف عادت طالبان بأفغانستان مئتي سنة إلى الوراء، وعادت القاعدة بالعراق إلى عصور ما قبل الحجاج بن يوسف، وعادت الجماعات الإسلامية بالجزائر إلى عهد السواطير، والصومال إلى عهد قراصنة البحر، والحبل على الجرار...

غزة الجريحة اليوم هي بكل أسف نتاج حضارة الحقد التي لا تعرف أن تخاطب الناس ولا تعرف أقل مصالحهم وهي تتصرف مع شعبها بوسيلة الإرهاب وتتصرف بمثلها مع الآخرين معتقدة بأن ضبط النفس جبن وأن الامتناع عن القتل ضعف وأن إثارة المارد النائم هي المراجل بعينها. فمتى يتعب القتلة من التسبب بقتل أبناء شعبهم؟ ومتى يتحرك العالم لمنع الفوضى القاتلة؟ وهل سيصمد أبو مازن في وجه موجة الانتحار فبنقذ ما تبقى من الفلسطينيين أم أنه سيلحق بالمنتحرين وينهي الحلم بدولة فلسطين؟

يبقى أن ثقافة الجيف ومناظر الدماء تغلب على كل مظاهر الحضارة العربية التي تحاول اللحاق بالركب العالمي وتثير غرائز الانتقام والتدمير الذاتي لتصبح محطة الجزيرة والأفلام المحضرة مسبقا من قبل التلفزيون الإيراني هي الأساس وهي صورة العرب ومسارهم بدل عمران دبي ومؤتمرات الحوار السعودية ومنطق التعقل الذي تحاول مصر أن تتبناه في معالجة ظاهرة التخريب التي تسيطر على الشارع في أماكن كثيرة.

فهل ستصمد غزة الجريحة بعزتها فتنزع عنها سلطة القتلة وتلحق بركب فلسطين أم أن العكس هو الصحيح وسوف نرى الشارع الهائج يدفع بمنطق خذ وطالب إلى الهاوية ويأخذ معه أحلام الأجيال التي بدأت تستطعم الاستقرار وتسوق في طريقها استقرار لبنان الهش؟

الجمعة، ديسمبر 26، 2008

ميلاد مجيد وعام سعيد

شربل بركات

يعيّد العالم اليوم ميلادا جديدا وينتظر بداية سنة أخرى ولبنان لم يستقر بعد ولا قدر أن يرتاح من عناء "الجهاد" في سبيل الغير...

يحتفل العالم اليوم بميلاد السيّد المسيح وجيران أرض المسيح الذين حملوا اسمه رغم كل الصعاب وانغرسوا في تراب هذا الجبل ليحفظوا فيه إرث المحبة ورغبة الانفتاح، يعانون التجارب القاسية ويعاندون كل الرياح...

ولكن في مغارة ولد ملك المجد ليعلّمنا التواضع، وعلى الصليب ارتفع ليعلّمنا التحمّل، ولم نكن مرة مبهورين ببهاء هذا العالم وبهجته ولا خائفين من شقائه وراغبين عن حمل صليبه...

يعيّد العالم اليوم بالفرح الآتي من عند الله ولا نزال نحن ننتظر من عنده تعالى، الفرج وكلنا أمل أن يفهم اخوة لنا يشاركوننا هذا البلد أن سر بقائه وحافز وجوده مرهونان بالتعاون بين بنيه، بتقبّل الآخر، والعمل على نشر الخير لا الشر وحماية الحياة، أعز ما وهبنا الله، لا الدفع للقضاء عليها...

يعيّد العالم اليوم وشعب لبنان موعود بالاستقرار وبعودة دورة الحياة إليه؛ فيحلم الشباب بمستقبل زاهر قاعدته العمل والنشاط لا العنف والشحن، وأدواته الانفتاح والتعاون لا الانغلاق والتمترس خلف أسلحة الحقد والشر...

يعيّد العالم اليوم وجزء من اللبنانيين لا يقدرون على الحلم بعد أن يجتمعوا بالأهل والأقارب وأن يفرحوا بالعودة للوطن الذي حملوه دوما في القلوب ودافعوا عنه وحده يوم ضاعت المعالم وكثرت الأحقاد...

يعيّد العالم اليوم وجزء آخر من اللبنانيين منسيين في سجون "الأشقاء" يتاجر بعواطف أهلهم فلا يعرفون أهم أحياء أم أموات ولا قرار حولهم في مراكز القرار...

يعيّد اللبنانيون اليوم مع أمل جديد، ولو بخجل، أن تصبح الدولة صاحبة القرار في ما خص العلاقات مع الجيران، وها هي أول سفارة لسوريا تفتح أبوابها لتعلن عن الاعتراف الشكلي بين البلدين، فهل نحلم بسفارة لفلسطين ترفع عنا هاجس التوطين، وسفارة لإسرائيل تخلصنا من عناء الحروب وتفتح لنا باب الشرق الأوسط الجنوبي؟...

يعيّد اللبنانيون اليوم وهم غير خائفين أن تسرق سيارتهم من أمام أعينهم بكل وقاحة ويطلب ثمنها فدية لاعادتها، لأن الدولة قامت لأول مرة منذ زمن بعرض جدي لفرض القانون في بعض المناطق الخارجة عن سلطتها، فهل نتأمل بأن يصبح فرض القانون عدوى تطال بقية المحميات والمراكز والدويلات؟ أم أننا سنتوقف عند هذا الحد كي لا نصاب بالطمأنينة أو الغرور؟...

يعيّد اللبنانيون اليوم ونحن نشعر بقليل من التساوي في مجال الإعلام ولأول مرة نري أن المسيح والمسيحيين لهم الحق أيضا بالتكريم والاحتفال بدون عقد ومركبات نقص... رأينا برامج طيلة النهار عن المحبة التي ينشرها بعض العاملين في هذا الحقل تظهر بالمناسبة فتشعرنا بأن الدنيا لا تزال بألف خير طالما هناك من يشعر مع المحتاج ويحس مع الجائع ويفتش عن المنسي، وهذه هي روح العيد الذي نعيّد له اليوم. فهل تكون بداية حسنة لمستقبل مختلف يثبّت حضورا مسيحيا بدون مخلفات الذمية البغيضة وحضورا إسلاميا متعاونا ومنفتحا ينهي فورة الأصولية القاتلة ليعطي الإسلام وجها حضاريا مختلفا بدأت بشائره مع بادرة الملك عبدالله في التحاور بدل التقاتل؟...��

يعيّد اللبنانيون اليوم والعالم يمر بأزمة حقيقية فهل تكون الأزمة العالمية مدخلا لتنظيم مستقبلي واعد أم لسلسلة من ردات الفعل الغير مدروسة التي تقودنا إلى مزيد من التأزم والحروب؟...

بانتظار أن تحمل لنا سنة 2009 مزيدا من الفرج والأمل بمستقبل واعد للبنان والمنطقة والعالم نتمنى للجميع أن ينعموا بدفء الأعياد بين الأهل وجمال الفرح الآتي بضحكة الأطفال والسلام الذي بشرت به الملائكة يوم مولد ملك المجد...

كل عام وأنتم بخير

الثلاثاء، ديسمبر 16، 2008

جماهير الصبابيط

الكولونيل شربل بركات

كم كان مذلا ذلك المنظر لمن سمى نفسه صحافيا وهو يخلع حذاءه ويرمي به رئيس دولة أثناء مؤتمره الصحفي مرتين متتاليتين.

كنا تقبّلنا الموضوع بكل طيبة خاطر كما تقبّله الرئيس بوش نفسه عندما حاول ترطيب الأجواء بعد الحادثة وتحويل الموضوع إلى مزاح لولا أننا نعرف أن هذا النوع من الصحافيين الذين كانوا يبخرون ولا يزالون لكل ديكتاتور في المنطقة لا بل يركعون لتقبيل حذائه، يمثل ظاهرة واقعية للأسف عند بعض شعوب هذه المنطقة.

المضحك المبكي ليس في تمثيلية الحذاء بل في الجماهير التي أصبح هذا الحذاء شعارها من المحيط إلى الخليج، فنزلت إلى الشوارع مغتبطة وكأنها احتلت البصرة أو استرجعت القدس أو اخترعت البارود.

المؤسف أن يتباهى هذا الشعب بهكذا انتصارات ويتدافع إلى هذا النوع من البطولات التي لم تكن تليق بالشعوب والقبائل في الجاهلية فكيف ونحن في القرن الواحد والعشرين.

لا يهمنا أن يحاول أحدهم إهانة رئيس الولايات المتحدة، فالشعوب العربية لم تنفك عن إهانة الولايات المتحدة ورؤسائها منذ عرفت الكتابة والصحافة. والأمريكيون يعلمون أن محاولة نقل مفاهيم الحرية والديمقراطية إلى من لم يسمع بها إلا في خطب الديكتاتوريين و(مشاريع الديكتاتوريين) الجوفاء التي تقلبت على هذه المنطقة من العالم منذ ما يقرب القرن، ليست بالشيء السهل. ولكنهم بالرغم من ذلك لا يزالون يسعون إلى رسم أطر لتعاون مع دولة تمثل بعض هذا الشعب، لأن الأكثرية لا تعرف ماذا تريد ولم تعتاد أن تسأل عن رأيها وهي تنقلب على زعيم عندما يضعف وتهلل للزعيم الجديد إذا ما أظهر مقدرته بالبطش.

من الطبيعي في ذهن شعوب هذه المنطقة أن يرجم الزعيم المغادر لأن ذلك كما يعتقدون هو مظهر تهليل وترحيب بالزعيم الجديد، فما هي الزعامة التي يحاول صاحب الحذاء أن يهلل لها؟ فهل يعتقد بأنه يرحب برئيس الولايات المتحدة الجديد (اوباما) الذي سيخلف الرئيس بوش؟ أم أنه يرحب بزعامة من المنطقة تعرف كيف تستعمل الأحذية لتدوس بها رؤوس ورقاب المتجرئين؟ أم يعتقد أخونا بأن الولايات المتحدة التي تحاول سحب جنودها من العراق وإعطاء العراقيين حرية القرار وحق السيادة على بلدهم ضعيفة وغير قادرة على البطش وهو ينتظر طاغية جديد يعيد عهد مدائن كسرى أو حكم الحجاج بن يوسف؟

المؤسف أن هذا النوع من "الجهاد" هو اليوم ما يقود هذه الشعوب إلى حتفها ويخرّب دولا كانت عامرة ودولا كادت أن تعمر.

المؤسف أن عدوى "زعامة الأحذية" ستطغى من جديد على حركة التغيير التي كادت أن تبدأ مع ثورة الأرز لتنقل الحركة العالمية التي كانت بدأت في دول عاشت طويلا تحت نير الديكتاتورية السوفياتية وها هي تحررت وعادت إلى الحياة والتقدم وبدأت فيها حركة النمو والازدهار تكبر شيئا فشيئا.

المؤسف المبكي أن يصبح بلد كلبنان كان يعتبر رائدا في تعليم الشعوب على أصول التعامل، منبرا لنشر التخلف والتباهي بالرجعية.

نحن لا نعتب على البصرة إن تظاهر البعض وأتخذ الحذاء شعارا، ولكننا نعتب على عاصمة الصحافة الحرة إن هي لم تسارع للملمة القذارات التي ستتبع وضبط الشوارع التي ستفلت والأقلام التي ستنطلق لتزيد من إذلال هذه المنطقة وتعود بها إلى الدرك الذي يريد البعض أن يبقيها فيه.

صحيح أن أحد الذين يدعون الصحافة، وهو ليس أهلا لأن يحمل هذا اللقب، قام بالعمل المشين ليحمّل بلده وشعبه هذا الكم من عدم اللياقة، ولكن التهليل له ولعمله هو الإهانة الحقيقية لكل شعوب المنطقة. فهل هناك صحافيون وأقلام حرة بحق لتثقيف الناس وتوجيهها للمحافظة على أصول التعامل؟ أم أن صاحب الحذاء هو الصورة الحقيقية التي يجب أن تتوج بها شعوب هذه المنطقة وكل من يرفضها هو من الخوارج الضالين الذي يستأهل أن يرجم بالحذاء إن لم يكن بالحجر؟

الأحد، أكتوبر 12، 2008

هل يفرض العهد الجديد سياسة جديدة؟

الكولونيل شربل بركات

طاول طرح الرئيس سليمان في خطاب القسم أغلب الملفات التي تواجه الحكم في لبنان ولو أنه لم يعط الحلول المتوخاة لكل هذه المشاكل ولكننا نرى أن الاعتراف بوجودها هو بحد ذاته بداية لإمكانية الحل.

في خطاب القسم مثلا طرح الرئيس الجديد تنفيذ القرارات الدولية وشدد على القرار 1701 ومن ثم في زيارته إلى الأمم المتحدة أعاد التشديد على هذا القرار. وفي خطابه أمام اللبنانيين في واشنطن أصر الرئيس على هذا الموضوع ورأى فيه أساسا لخلاص لبنان.

اليوم وبعدما ليّن موقف الرئيس، بزيارة سوريا، التصلب حتى المواجهة القائم بين البلدين، بادر "الإعلام المهجن" لتصوير عودة سوريا إلى الساحة اللبنانية أمرا واقعا حتى مع رستم غزالة نفسه مستندا طبعا إلى الأحداث التي وقعت هنا وهناك والكلام على الحشود السورية التي تبعتها.

يحق للبنانيين التخوف من الحشود السورية لأنها لم تأت مرة بالخير للبنان وإنما كانت دوما سببا لمصائب جديدة وأياما سوداء لا يحبون تذكرها. ولكن تحريك الجيش السوري وحشده على الحدود مع لبنان لا يخيفنا لأن من أخرج السوريين كان الإرادة الدولية والقرار 1559 وليس فقط جريمة القتل التي ارتكبوها والتي ستنظر بها المحكمة الدولية بعد شهرين تقريبا والثورة الشعبية التي تبعتها. ولكن ما يسيء إلى صورة لبنان وما يشمئز منه اللبنانيون هو وقوف بعض رموز الحقبة السورية وخاصة من كانت غيّبتهم الأحداث، وبدء التطبيل والتحضير لعودة السوريين وكأنها واقعة لا محالة.

السوريون صحيح يحاولون الخروج من عزلتهم وهم جربوا كل الطرق القديمة وخاصة الإرهاب والهجمات الإعلامية المركزة ولما لم تفلح خططهم عادوا إلى تجربة استرضاء المجتمع الدولي والكلام المنمق عن السلام والذي نتمنى لهم أن ينجحوا به لأنه يشكل بالفعل مدخلا لمستقبل زاهر لكل المنطقة وليس لسوريا ولبنان فقط. ولكن بين الكلام عن السلام والنوايا الحقيقية هناك فرق، ولا يعني السلام مع أحد الجيران وكالة مفتوحة للسيطرة والهيمنة على الجار الآخر.

السوريون توصلوا مؤخرا لطرح متقدم في استرضاء المجتمع الدولي وهو أنهم مستهدفون من الإرهاب ويريدون الدخول في النادي العالمي لمحاربته وكأن العالم ساذج لهذه الدرجة ومستعد بدون ثمن لأن يتراجع عن كل المبادئ بمجرد أن يطرح السوريون أفكارهم الجديدة.

مشكلة لبنان الأساسية ليست مع السوريين بقدر ما هي مع اللبنانيين أنفسهم فلو عرف اللبنانيون أن يستعملوا القرارات الدولية والفرص السانحة لصالحهم لكان لبنان هو من يقرر اليوم أن يقبل بعودة سوريا إلى المجتمع الدولي أم لا وهو الذي يسهم في الاستقرار في المنطقة ككل وليس العكس. لو عرف اللبنانيون أن يتخلوا عن الأحقاد ويسيروا في بناء الدولة القادرة وينسوا المشاريع الصغرى والمصالح الضيقة لكان لبنان محصن من كل جهاته وقادر على ضبط الداخل ولا يخاف من أي تهويل خارجي.

العهد الجديد طرح مشاريع بناء دولة والعالم كله تنمى له الخير وهو يريد أن يمنحه الفرصة، فهل سينجح في تثبيت حق لبنان بالحياة كدولة مستقلة أم أن ظلال الماضي ستخيفه وتجعله يعود عن إقدامه ويتعايش مع مخلفات الماضي؟

نحن نرى حتى في ما يجري على الحدود اليوم فرصة للبنان بعكس ما يحاول الجميع تصوره لأن نشر الجيش السوري على الحدود وادعاء السوريين بأن خطرا قد يأتي من لبنان يجب أن يكون فرصة لإثبات دور لبنان كدولة قادرة على ضبط حدودها ونشر جيشها بموازاة السوريين وبمساعدة الأمم المتحدة التي يفرض عليها القرار 1701 منع تهريب الأسلحة عبر الحدود وهذا بالضبط ما يجب أن يكون. وعلى لبنان أن ينشر الجيش على كامل الحدود مع سوريا وليس فقط في الشمال ولكي نمنع أي اشتباك أو تجاوز صلاحيات يجب أن ينتشر في الجانب اللبناني من الحدود مراقبين دوليين إذا لم يكن هناك إمكانية لنشر قوات دولية وجب أن تضم أية لجان تنسيق بين الطرفين عناصر من المراقبين الدوليين وعندها يكون لبنان استفاد من التحرك السوري إيجابيا وتكون سوريا قد أمنت عدم دخول أي "مخرب" من لبنان بدون أن تنشر جيشها فيه أو مخابراتها ما سيرتد بالسوء على العلاقات بين البلدين.

مجددا الكرة في ملعب الحكم اللبناني وبما أن الرئيس الجديد يتمتع حتى الآن بعطف دولي وعلاقات جيدة مع كافة الأطراف نأمل أن يخرج لبنان من هذه التجربة قويا وقادرا على تثبيت استقلاله وحقه بالحياة الكريمة. وإذا كانت هذه التجربة هي أول محاولة لمعرفة ردة فعل العهد الجديد في الأمور المصيرية نتمنى أن يكون تضامن اللبنانيين وتماسكهم ووضع مصلحة البلاد العليا فوق كل مصلحة هي أساس القرار في سياسة لبنان الجديدة. فهل سيقدر العهد الجديد على فرض سياسته الجديدة؟

الخميس، أغسطس 21، 2008

هل تكون جرأة مي الشدياق أول الغيث في عملية التحرر من الدجل المستمر منذ ربع قرن أم هي خطوة يتيمة سوف يخنقها قانون الرقابة الذاتية العائد من أدراج عنجر؟

الكولونيل شربل بركات

أتحفتنا السيدة مي الشدياق أمس بجرأتها لتناول موضوع نعتبره من المقدسات بينما يخافه أكثرية الإعلاميين ألا وهو "الجنوب المعذب بكل أهله الحاضرين كما الغائبين".

لقد رأينا أمس وبعد غياب طويل عن الساحة الإعلامية أن بذرة العنفوان لا تموت مهما تعرضت للظلم والاضطهاد.
ذكرتنا مي "بغربة بنت مدلج" و"بجبال الصوان" وهي تعمدت الوقوف في ساحة كنيسة تلك القلعة الصغيرة الصامدة بالرغم من كل شيء فرأينا معها عمق الإيمان بالله والوطن.

لقد رأينا العيون الدامعة، نعم، ولكننا لمسنا أيضا أن القهر وتعمّد الإذلال لن يجديهم نفعا وأولى بهم أن يسارعوا إلى لملمة ملفاتهم وضبضبة شعاراتهم وتهمهم الفارغة لأبناء الأرض المنزرعين فيها بالرغم من الحقد الذي يحاصرهم وبالرغم من القلة التي يريدونها أن تنسيهم العز والافتخار.

نحن نعرف بأن أبناءنا هم سياج لبنان الحقيقي ونعلم أن الأعداء كلهم يخافون هذا السياج وهم يريدون هدمه، وأن الذين كانوا يخططون لتهجير الجنوب هالهم صمودهم وقدرتهم على الاستمرار فأرادوا إذلالهم، ولكننا بإيماننا العميق بحقنا في الحياة، وبتعلق أهلنا بتراب هذا البلد، واثقون بأننا باقون حتما وأن المستقون بكل غريب، المتاجرون بكل شعار، الحاقدون على كل الناس، والذين لا حلم لهم بالمشاركة في بناء هذا الكون، هم العابرون وهم الخاسرون مهما طال الزمن.

ليس المهم ما قيل فالقصة تحكيها القلوب وترويها العيون وتشعر بها كل الجباه المرفوعة، وهي ليست بحاجة لتفسير ولا لحجج أو تبرير.

مصطلحات اللغة التي تستعملون لا تعبر عن واقعنا ولا نريدها أن تفعل، ونحن يوم وقفنا ندافع عن الأرض لم نطلب الأذن من أحد، ولكننا لم نعتدِ على أحد ولم نسمح لأحد أن يعتدي علينا. ويوم خلنا أن الجار قد يكون أرحم من الساكنين بيننا لم نخف من يده الممدودة ولا نحن قابلناها بالجحود، ولكننا حافظنا على الوطن أرضا وأهلا ومؤسسات وبقي هو "جرحنا وشفانا" ولم نتقاسمه مع الغير ولا قبلنا بأن يستبدل علمه أو يدنس ترابه.

في حلقة الأمس الجريئة رحل بنا الحنين إلى تلك النواحي، وعاد الشوق إلى رفاق ما بخلوا يوما بالدم ليصونوا تراب لبنان، ولا باعوه بالفضة كغيرهم، ولا هم تخلوا عن الأهل. هم حضنوا الكل يوم تخاصم الآخرون، وتعاونوا معا يوم بدأ القتل على الهوية، فحافظوا على الود وعلى الكرامة وعلى مثال مصغر للبنان الذي عرفوه وتظللوا أرزه.

اليوم يعاتبهم الوطن الذي لا يزال مجروحا بكرامته، وبسيادته، وحزينا لأنه لا يقدر أن يتعافى ولا يجرؤ بعد أن يستقبل الأبطال ويهلل للصامدين.

الوطن المعذب الممزق؛ بين فارس من جهة والعرب من جهة أخرى، بين أحلام الخلافة وديمقراطية التغيير، بين قبضة التوتاليتارية الحديدية وتزمت الأصوليين والتكفيريين الانتحاري، بين عصرنة تريده أن يسابق الأمم تقدما وعمرانا ورجعية تريده أن يعادي الكل فينغلق حتى ضمن نفس المذهب. فأين يجد الجنوبي الأصيل نفسه في تلك المعمعة وهل يندم على خروجه من هذا الخضم؟

"من منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر" ومن منكم لم يتعاون مع الغير ضد أبناء أمته وأحيانا قريته؟ من منكم لم يعتدي على الدولة وعلى سيادتها وعلى موظفيها وعلى القانون الذي يفترض فيه حماية الجميع؟ أين ذهبت أموال ليبيا ومتطوعوها أو السودان والصومال؟ وماذا نسمي الذين تعاونوا مع أبو عمار ودولته وقبضوا الأموال وأهدروا دماء السيد الصدر ورفاقه؟ أين هو الاتحاد السوفياتي وثورته العالمية؟ أين هي منظمة العمل الشيوعي ولمن تتبع؟ للصين أم لكوبا؟ أين هي منظمات العراق ونظام صدام؟ ومتى خرجت سوريا وماذا عن أتباعها؟ من يقرر بأن السلفيين اليوم الذين قد تديرهم أجهزة وتدفع لهم دول هم أحق أو أسوأ من أتباع الحرس الثوري الإيراني الذين منهم أعضاء في مجلس النواب والحكومة؟ وما هي حاجة لبنان لكل هؤلاء؟ ومن منهم أحق من أبناء المنطقة الحدودية باتخاذ القرار للتعاون مع أية جهة من أجل الصمود في أرضه والدفاع عن وطنه ومنع تفريغه واحتلاله من أية جهة كانت؟

لا نريد فتح الجراح أو نشر الغسيل ولكننا نهيب بالأهل أن يحافظوا على كرامتهم وأن يصلحوا الغلط الذي صدر بأمر من المحتل فينهوا موضوع الجنوبيين وغيرهم من الملاحقين لأسباب سياسية بشكل لائق حضاري ومقبول، ويبدأوا بالنظر إلى الأمور بجدية وتعقل، وليفهم المغرورون بأن الويلات التي يجرّونها على البلد لن تغفر لهم إذا ما استمر الغي والتجبّر، وليأخذوا بالحسبان أن الأيام تدور والتاريخ سيحاكم وأن الظلم لا بد أن ينقلب على الظالم.

إن لبنان الذي استمر لستة آلاف سنة لن ترهبه فترة من التزلّم والتسرّع ولن تكون أبدا عنوانا له لأن لشعبه ذاكرة عميقة وتجارب في معاني التحرر والتنوع والانفتاح.

فيا أهلنا أينما كنتم لقد أظهرتم بالأمس عن رقي وحضارة وحافظتم على الكرامة التي يحاول أعداء الوطن تجريدكم منها. ابقوا على إيمانكم بلبنان وانغرسوا في تراب قراكم وإذا كان هناك من قادة يستحقون التقدير ويعرفون اتخاذ القرارات فلا بد لهم أن ينصفوكم وإلا فلستم الخاسرون لأن لبنان يكبر بأمثالكم والعالم يعرف مقدار تضحياتكم.

تورونتو – كندا

الاثنين، أغسطس 18، 2008

السوريون وقديمهم الجديد

الكولونيل شربل بركات

من يراقب تصرفات النظام السوري في عهدي الرئيس الأسد الأب والابن على السواء يرى أن لا تغيير يذكر في المواقف والتصرف وكأن ماكينة الحكم السوري تعمل تلقائيا أي بدون تدخل بشري أو كأنها قد صممت على أساس برنامج معين يسمح بالتعديلات الجزئية تحت الضغط ولكنه يعود دوما إلى الأساس بعد أن تهدأ الظروف المؤقتة.

مناسبة الحديث هي زيارة الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان التي قيل الكثير عنها وهي تأتي بعد قطيعة بين الحكم في لبنان وسوريا دام حوالي الثلاث سنوات تخللته اتهامات وتخوين وتهديدات على أنواعها، وأعمال عنف واغتيالات وحروب واجتياحات وتسكير حدود، وبالطبع تدخلات إقليمية ودولية ومؤتمرات وقمم لم تخلو هي أيضا من محاولات الضغط أو الترغيب، وتحول في مواقف بعض الموالين لسوريا تاريخيا وبعض المعارضين لسوريا جهارة ما جعل المراقبين يضيّعون البوصلة ويتيهون في الاتجاهات.

كان المنتظر بعد أن أوشك النظام السوري أن يقطف ثمار أعماله، التي بعدت كثيرا عن تصرفات الجيران وأمعنت في الحقد والانتقام بطرق أين منها مدرسة مكيافيللي أو ستالين، إدانة واضحة من قبل المحكمة الدولية التي صدر قرار دولي بها وعين قضاتها لا بل رصدت لها الميزانية والأموال ودعمها المجتمع الدولي برمته، هذه كانت ستؤدي فعلا، كما توقع اللبنانيون، إلى سقوط نظام البعث في دمشق كما سقط قبله نظام صدام في بغداد، ومن هنا كانت الاتصالات بين المسؤولين اللبنانيين وحكام دمشق قد قطعت ولم يعد يظهر منها سوى رسائل الحقد والتخريب التي كادت تطيح بالبلدين على طريقة شمشون المعروفة أي "علي وعلى أعدائي يا رب".

ولكن تردد الحكم في لبنان أسقط المبادرة من يده فضاعت الفرصة تلو الأخرى، وبدل أن تنجح الديمقراطية اللبنانية التي أتت بأكثرية نيابية تريد تجريد سوريا من ورقة التين والانتهاء من تدخل نظامها بالشأن اللبناني الذي أدى بالبلد إلى الخراب والحروب الداخلية والخارجية لثلاثين سنة، عادت سوريا بمساعدة إيران هذه المرة وبنفس الوسائل الإرهابية لتمنع اللبنانيين من التحرر من قيودها وتعيدهم شيئا فشيئا إلى "الأحضان".

لقد منعت سوريا العملية الديمقراطية في لبنان من الاستمرار بالضغط على الحكومة المدعومة من المجتمع الدولي، بالتفجيرات حينا وبالاغتيالات حينا آخر، بالتظاهر هنا وبالاعتصام هناك، بمهاجمة القوى الشرعية والتهديد بتقسيمها وبإشعال الحرب على لبنان كله من الخارج أو على مناطقه الواحدة تلو الأخرى من الداخل. وكان العالم الحر الذي يعرف الداء والدواء يساند لبنان للتخلص من براثن "الشقيقة" وحبائلها، ولكن على ما يبدو أن ثلاثين سنة من العيش في ظل الاحتلال فعلت فعلها وأظهرت بدون شك أن الحرية قبل أن تصبح واقعا معيوشاً يجب أن تكون حلما لا بل حالة عشق نفسية يعيشها طالبها وهي لا يمكن أن تعطى ولا أن تفرض. ولذا فإن الشعوب الحرة تتحرك عاجلا ضد أي احتلال لكي لا يعتاد أهلها الذل المقبول فيفضلونه على النضال المكلف.

في 1973 منعت سوريا لبنان الذي كان يحكمه الرئيس فرنجية من إنهاء الحالة الفلسطينية الشاذة التي تمثلت بعرفات ومنظمة التحرير وذلك بتهديدها بالتدخل وبحض السنة على الوقوف بجانب عرفات وربعه وتفضيله على بلدهم لبنان. وفي 1983 منعت سوريا الرئيس الجميل من إبرام الاتفاق على خروج الإسرائيليين ودفعت بالدروز للقتال من أجل قلب الموازين وعودتها للتحكم منفردة بساحة هذا البلد. وفي حرب التحرير التي قام بها الرئيس العماد عون سنة 1988 لم يقف المجتمع الدولي بحزم ووضوح بجانب لبنان فوأد المسيحيون الحركة الاستقلالية بحرب الإلغاء. واليوم وبعد أن وقف العالم والعرب مجتمعين وصدر القرار الدولي واضحا وخرج السوريون من كل البلد جاءنا الإيرانيون عنصرا جديدا أفقدنا الوحدة من أجل الاستقلال وفرض وقوف الشيعة مع سوريا ومنع الاستمرار في مسيرة التحرر والاستقلال الناجز.

زيارة الرئيس الجديد إذا لم تأت من باب التساوي والمصالحة هذه المرة أيضا بل من باب الاسترضاء، كما يبدو، فما هو المتوقع من هكذا زيارة وما هي النتائج المتوخاة؟

تصور البعض بأن الرئيس الجديد سيأتي بالترياق الشافي لأن سوريا التي تعرضت للضغوط تعرف الآن أكثر مما مضى أن لبنان بلد مدعوم دوليا وعربيا وهي بالرغم من ثلاثين سنة من الاحتلال لم تقدر أن تفرض نفسها وسلطتها عليه فالأفضل لها أن تتنازل عن العنجهية وتبادر إلى التعاون كبلد جار فتعترف للبنان باستقلاله وتتبادل معه العلاقات الطبيعية والديبلوماسية التي يفرضها القانون الدولي وتمتنع عن التدخل بشؤونه الخاصة وأموره الداخلية وترسم الحدود الجغرافية بينهما وتتعاون مع حكومته بالشكل الطبيعي الذي يمليه واقع الجيرة التي يجب أن تكون جيرة حسنة ومتكافئة. وهكذا فإن زيارة الرئيس اللبناني في أول عهده لسوريا هو مخرج لنظام دمشق سينهي الأزمة ويفتح بابا جديدا لتعاون مبني على المصالح المشتركة ويظهر حسن نية الجانب اللبناني بالرغم من الموقف الواضح الغير متنازل عن حق لبنان في ملاحقة قضاياه الأساسية التي تشكل المحكمة الدولية ومزارع شبعا جزءا لا يتجزأ منها.

صحيح أن المبادرة اللبنانية تظهر عن حسن نوايا وهي بحد ذاتها قد لا تكون مفصلا أساسيا في السياسة اللبنانية ولكن نتائجها الباهتة لم تعط الوهج اللازم لبداية عهد الرئيس سليمان. فالاعتراف باستقلال لبنان من قبل دمشق أساسي، ومهما قيل فإنه يبقى خطوة مهمة يجب أن تترافق مع تبادل العلاقات الديبلوماسية، ولكن مبادرة الرئيس اللبناني الذي يبدأ عهده بإنهاء القطيعة وفتح صفحة جديدة، كان يجب أن تكلل بسلسلة من الهدايا الرمزية لتعطي لهذا العهد دفعا على أنه يحافظ على مصالح اللبنانيين وأن مبادرته هي بداية مختلفة لا استمرار لمسلسل قديم معروف النتائج سلفا. فلو أن الحكم السوري توج هذه الزيارة مثلا بإعلانه الإفراج عن كل السجناء والموقوفين اللبنانيين ونيته إنهاء هذا الملف كليا واستعداده لدرس المشاكل التي أدى لها الاحتلال السوري للبنان والاتعاظ منها وعدم معارضته إعادة النظر بكافة الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة بين البلدين لكي يشعر اللبنانيون بأن الأمور تسير بالاتجاه المطلوب، لكان موقف الرئيس العماد سليمان مختلفا، ولكن أن يتضمن البيان النهائي إعلانا عن إنشاء لجان لمتابعة ملف المفقودين وألا يأتي من قريب أو بعيد على الأمور الأخرى هو عنوان واضح لنتائج هذه الزيارة وكأن نظام دمشق يريد أن يرينا بالعماد سليمان نسخة منقحة عن العماد لحود، مع أن اللبنانيين يعرفون أن هناك اختلافا بين الاثنين إن في الشخصية أو طريقة التصرف ولو أنهما من نفس المدرسة، وهم يأملون بأن الظروف المرافقة للرئيس سليمان قد تكون أفضل من التي رافقت الرئيس لحود فجعلته يصبح رمزا لفترة احتلال بغيض قمع اللبنانيين وسمح بقتل رموزهم فلا يريدونها أن تعود ولا يريدون حتى تذكرها.

بالرغم مما يجري في دمشق بين الحين والآخر وبالرغم من المناورات التي يقوم بها نظام الأسد؛ إن بالتستر على أمور كبرى مثل قصف دير الزور أو اغتيال مغنية وسليمان، أو في مفاوضاته مع إسرائيل وغيرها من القوى العالمية حول ملفات مهمة، وبالرغم من إعطائه دفعا للحركة الشيعية في سوريا وتسهيله لتحرك الإيرانيين وتخليه شيئا فشيئا عن الورقة البعثية العروبية، إلا أن نظرته التوسعية لا تزال حاضرة وطريقته في التعامل مع الملفات الأساسية لا تزال عينها وطرحه بشأن لبنان لم يخرج بعد عن كونه "كيانا مصطنعا"، فهل نأمل بالخير من زيارات بين المسؤولين في البلدين وعلاقات متوازنة في المستقبل المنظور؟ أم أننا سننتظر عودة الهيمنة من شباك السفارة هذه المرة بدل من مركز المخابرات في عنجر؟

السبت، يوليو 26، 2008

ماذا بعد إغلاق ملف الأسرى؟

الكولونيل شربل بركات

قي خطاب السيد حسن بمناسبة إطلاق "الأسرى" واستعادة جثث "الشهداء" ظهرت لهجة الاستقواء واضحة، فحزب الله ليس من النوع المهادن ولا ذلك الذي يمكن أن يتراجع أمام أية "تضحية" أو ثمن لتحقيق أهدافه، وهذا واقع ليس بالجديد ولكنه توضيح آخر لمواقف متكررة يتخذها هذا الحزب ويعمل على تنفيذها. من هنا تخوفنا بأن إنهاء ملف الأسرى هذا قد لا يكون نهاية لمآسي لبنان ولا بالطبع موضوع شبعا الذي، ولو اتخذ طابعا وطنيا مدة ثماني سنوات، إلا أنه من الأمور التي يجب أن تسوّى مع سوريا في إطار ترسيم الحدود بين البلدين قبل أن يتم ضمها نهائيا للبنان حتى بعد أن تتخلى عنها إسرائيل. وما يثير المخاوف فعلا هو عدم وضوح الموقف الإيراني بعد من الأمور الحساسة التي وضعته بمواجهة العالم الحر وفي مقدمها البرنامج النووي، ولو أننا استبشرنا خيرا بتجدد المحادثات.

قد يقول البعض أن الموقف اللبناني الرسمي في استقبال الأسرى، والذي قوبل في دول العالم المتحضر والجاليات اللبنانية بنوع من الاستهجان كون "القنطار" لم يكن "مقاوما لبنانيا" ولا كان عمله مما يشرّف ليحاط بهذه الهالة من القدسية والتكريم، هو فرحة ليس بعودة هؤلاء بقدر ما هو بانتزاع المبررات والأسباب التي طالما استعملها حزب الله ليزج لبنان في مواقف وصراعات هو بغنى عنها. ولكن هل سيقبل حزب الله بعد طوي هذا الملف بالتساوي مع اللبنانيين وتسليم سلاحه؟ أم أنه سيزيد من تصلبه وادعائه بأنه هو الوحيد الذي يحمي الوطن ويفهم لغة "العدو" ويستطيع أن يؤمن الاستقرار؟

الكل يعرف بأن حزب الله لا تنقصه الذرائع والمبررات يوم يريد افتعال الأسباب للقيام بتوتير الأجواء وإدخال المنطقة في دورة جديدة من العنف. فالسيد حسن مثلا كان أعلن الحرب المفتوحة على "العدو"، ليس فقط على أرض "فلسطين المحتلة" بل وفي العالم أجمع، ردا على اغتيال أحد مسؤوليه (عماد مغنية) في دمشق، وهو لم يسحب كلامه هذا بعد. والشيخ قاووق أعلمنا في أثناء استقبال الأسرى بأنه ولو تم تحرير الأرض فإن سلاح حزب الله سيكون الرادع لأي تصور مستقبلي للعدوان، وهذا يفتح الباب على مصراعيه لكافة الاحتمالات. من هنا نفهم أن حزب الله ليس جادا في موضوع التفاهم على تسليم سلاحه والتساوي مع اللبنانيين في الحقوق والواجبات، ولما يفعل وهو يمسك الآن بالحل والربط في كافة المواضيع والأمور الوطنية، وقد منع الأكثرية من الحكم، ثم أجبرها على التسليم له بشروطه، وأعاد ترتيب السيطرة على الأرض لصالحه، بالقوة، ومنع الجيش من القيام بواجبه عندما حاول فرض نفسه سلاحا شرعيا حاميا للمجتمع المدني، بعد تحقيقه نصر نهر البارد الذي استبشر به اللبنانيون خيرا، لا بل استعادة لدوره الطبيعي، ثم حصره بدور المتفرج، أو في أقصى الحالات، الفاصل بين المتقاتلين، هذا الدور الذي أراده له الاحتلال خلال 30 سنة.

يقول قائل لماذا إذا هلل الرؤساء لعودة الأسرى ولماذا أذعنت إسرائيل لمطالب حزب الله هذه من أجل جثتين فأعادت الوهج لهذا الحزب بعد أن كان خسر مصداقيته في هجومه في بيروت والجبل، وانتشاره في جبال كسروان وعكار، ومحاولته السيطرة على البقاع والشمال بنقل المعارك إليهما؟ وهنا يختلف الجواب باختلاف الجهات المشاركة في العملية؛ فقلما أظهر القادة اللبنانيون الحاليون بعد نظر كاف وثبات في مواقف أساسية في شتى الأمور، ولذا ليس بالغريب إن لم يظهروا اليوم؟ أما الطرح الإسرائيلي الذي رافق نشوء الدولة العبرية وشعار عدم مفاوضة الإرهابيين، فهو قد يكون دفن مع الزعماء الذين طرحوه منذ بنغوريون وغولدا مئير ودايان وبيغن ورابين وغيرهم، وقد يكون الطرح الجديد، بعد الاعتراف بالدولة العبرية والقبول بالتعاون معها من قبل الدول العربية الكبرى، أنه لم يعد هناك من داع للمعاناة إذا كان هناك أمل من خلال التفاوض. ولكن هل يفهم حزب الله وأمثاله هذا الطرح؟ أم أنه يفسره ضعفا وتخاذلا وبالتالي قصر نظر؟ ومع هذا فلن نضع أنفسنا مكان الإسرائيليين لأنهم يعرفون مصالحهم ويعرفون كيف يدافعون عنها دون شك، ولكن ما يهمنا هو كيف ستنعكس هذه التصرفات على لبنان وما سيكون الموقف اللبناني وتأثيراته على مستقبل البلد؟

بالحقيقة كان يمكن تفهم التصرف الشيعي العام في بداية الأحداث؛ وهو فسر يومها كردة فعل على عدم الشعور بالفخر بالانتماء للوطن أو بالمشاركة في نهضته أو ثرائه على السواء. فالطائفة الشيعية صورت بالأغلب كطائفة محرومة ومقهورة نوعا ما (مع أن ناصيف النصار كان أثبت في القرن الثامن عشر دورا لبنانيا أستقلاليا يمكن أن يفاخر به هؤلاء)، ومن هنا كان انضمام أبنائها إلى كل ثورة منذ الشريفيين في1920 مرورا بحركة عبد الناصر في 1958 وانتهاء بثورة عرفات في 1975 وما تلاها من إستلحاق بكل الفئات المتقاتلة وانضمام إلى أكثر من تيار. ولكن وبعد أن تمكن الشيعة بقيادة المغفور له الإمام الصدر من فرض وجودهم كجزء من لبنان، ثم اعترف لهم اللبنانيون، كما سمح لهم الجيران، بلعب دور "المقاوم" وبالتالي "المحرر" ومن ثم "الحامي للحدود" والمشارك في الحكم بفعالية، لم يعد مفهوما التصرف الانعزالي والمنغلق الذي يرافق مواقفهم اليوم.

كان الأحرى بمن صادر القرار الشيعي، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على خروج الإسرائيليين وسيطرة ميليشياتهم على ساحة الجنوب بشكل منفرد بالرغم من مشاركتهم في الحكم بقوة، أن يسعوا للتعاون مع بقية اللبنانيين للتحرر من السوريين. وهذا ما شكل نقطة ضعفهم الأساسية، فهم لم يظهروا عن ثقة بالنفس كافية لمشاركة اللبنانيين هذه المطالبة، وكأنهم اعتقدوا بأنهم أصبحوا بالفعل أدوات سورية. وإذا بالسيد، يوم قام اللبنانيون ينادون بخروج السوريين في ما سمي بثورة الأرز، يسارع إلى شكرهم والترحيب ببقائهم.

رب قائل بأن القرار الدولي 1559 الذي تكلم عن خروج السوريين هو نفسه قد طالب بإلقاء هؤلاء سلاحهم وهذا ما جعلهم يأخذون المنحى المعارض للقرار، ومن ضمنه خروج سوريا، اعتقادا بأن سلاحهم هو ضمانة تأثيرهم في مجرى الأمور. ولكنهم لو ركبوا تلك الموجة المطالبة بالسيادة والاستقلال ودعموا التحرك الوطني في هذا الاتجاه، كما كان دعمهم الآخرون في محاولتهم إخراج الإسرائيليين ولو بدون وجه حق، وسارعوا هم إلى الاستعداد لتنفيذ القرارات الدولية والتساوي مع كافة اللبنانيين في موضوع السلاح، لكانوا وصلوا إلى قمة الوطنية وعلّموا الكل كيف تكون التضحية واستحقوا الشكر والاحترام وثبّتوا وضع طائفتهم في القرار الوطني المستقل كما كان برز دور الدروز مع الأمراء المعنيين والسنة مع الشهابيين والموارنة عبر عدة محطات من تاريخهم الطويل وخاصة في النصف الأول من القرن الماضي.

الخطأ المميت الذي ارتكبه قادة المليشيات الشيعية وعلى رأسها حزب الله بأنه ارتهن لإيران وربط قراراته بقيادتها واتكل على دعمها المادي والمعنوي فإذا به يصبح، ليس فقط قوة حليفة للحرس الثوري الإيراني في لبنان، بل فرقة عسكرية إيرانية ترابط على سواحل المتوسط، ومن هنا الخطورة على مستقبل العلاقات الشيعية في لبنان مع بقية مركبات المجتمع اللبناني.

اليوم وحتى لو ظهر بأن حزب الله فرض رأيه بقوة السلاح وصرف "المال الحلال" لتأمين ولاء أكثرية من أبناء الطائفة الشيعية له، إلا أنه خسر الرهان لتشكيل جزء من وطن تتعاون فيه كل الفئات مع احتفاظها بخصوصياتها وتساويها في الحصول على الحقوق والواجبات، والخوف من أن تعمم النظرة إليه لتشمل طائفة من كبريات طوائف البلد.

لبنان اليوم ينتظر الحكومة ومشروع بيانها الوزاري وسوف ينتظر غدا الانتخابات، وهو ينتظر أيضا المفاوضات بين سوريا وإسرائيل وبين إيران والغرب، وسينتظر كثيرا لأن الأحداث لن تتوقف وسيبقى هناك من يفتش عن دور له من خلال معاناة الناس. ولكن هل سيتمكن اللبنانيون من اجتياز مرحلة التقاتل وشعاراتها وإهدار طاقاتهم فيها، أو هل سيفهمون بأن التعاون من أجل البناء أجدى، والحديث عن السلام أهم، وأحلام العمران والرفاه أقرب إلى القلب من كوابيس الشقاء والبؤس ومشاهد القتل والانتحار ومسلسلات الإرهاب والدمار؟

ملف الأسرى في إسرائيل أغلق فمتى يغلق ملف الأسرى في سوريا؟ وهل سيفتح ملف جديد وقضية أخرى تشغل اللبنانيين عن اللحاق بالركب والتوصل إلى السلام الداخلي والخارجي؟ أم أن الغشاء قد سقط عن العيون إلى غير رجعة والحقائق باتت واضحة لا تقبل الشك والجهد سيوضع هذه المرة في إعادة بناء الوطن على أسس أثبت تأخذ بالحسبان تجارب الأمم ومآسي اللبنانيين وتجاربهم ولا تبني على القهر والتخلف والشعارات البائدة؟

الاثنين، يوليو 14، 2008

هل تكون الوزارة الجديدة حجر آخر في بنيان نظام يسير بلبنان نحو الاستقرار؟

الكولونيل شربل بركات

لا شك أن كل تنظيم أو استعادة لإحدى مؤسسات الدولة هو حجر يضاف إلى بنيان الوطن وينزع من الدويلات القائمة حتى اليوم، ولكن وبالرغم من الإيجابية الظاهرة في هذا الاتجاه لا يجب التفريط بالتفاؤل والاعتقاد بأن الوطن بألف خير وأن الديمقراطية اللبنانية استعادت صحتها وها هي تفرض وجودها على سائر القوى والتنظيمات وتتمدد نحو المربعات الأمنية والمحميات لتطوقها وتنزع منها فتيل التفجير قبل أن تحلها وتفرض مكانها الأمن الشامل والمتوازن أمن الدولة التي يرتاح لها كل مواطن ويقبل بعدلها وحكمتها ويخضع لقراراتها كل من يسكن على أرض لبنان.

الحكومة اللبنانية تألفت، نعم، ومهما قيل عن أنها هدية من الرئيس الأسد لتفرش له الطريق ورودا قبل زيارة فرنسا، أو هو الانفتاح الذي ينتج عن المفاوضات السلمية مع إسرائيل والتي أعلن اليوم بأنها ستصبح مباشرة قريبا جدا، أو ثمن التقدم باتجاه حل كل مبررات التصعيد وخاصة موضوع الأسرى الذي يشارف على "نهاية سعيدة" هذا الأسبوع ولازمة مزارع شبعا التي قد تسقطها المبادرات الحالية، أو هي الكف الناعم الذي لبسه حزب الله بعد استعماله القبضة الحديدية في بيروت والجبل وهو ترجمة عملية لخطاب السيد حسن الأخير والذي فسر بأنه يحمل في طياته غصن الزيتون... ولكنها في نهاية الأمر حكومة وحدة وطنية تمثل كافة التيارات التي فرضت نفسها بشكل أو بآخر أي بطريقة شرعية ديمقراطية أو غير ديمقراطية على الإطلاق؛ وذلك منذ صدور القرار الدولي 1559 مرورا بثورة الأرز والانسحاب السوري والانتخابات النيابية وما تلاها من التعقيدات والمناورات خلال ما يقرب الثلاث سنوات وبالرغم من الضغوط التي تعرضت لها حكومة السنيورة "المبتورة" والاغتيالات التي لاحقت رموز ثورة الأرز.

الحكومة اللبنانية الجديدة والتي أتت بعد انتخاب الرئيس، وهو يشكل أيضا حجرا أساسيا في بناء المؤسسات، لا بد لها من أن تحمل مهمة إعادة النظام إلى الواجهة واستعادة حقها المسلوب في ضبط الأمور وأخذ المبادرة. وهي وإن تعثر صدور بيانها الوزاري كولادتها إلا أنها سوف تنطلق ولا بد مع تحسن الأجواء في الجوار القريب، ولكن ما يسيء إلى النظام العام أساسا والذي تمثل ولا يزال (منذ اتفاق القاهرة المشؤوم والذي كان أعطى عرفات حق إقامة دولة ضمن الدولة) بحق امتلاك السلاح وتشكيل قوى وأجهزة أمنية ومناطق خارجة عن سلطة الدولة تحت شعارات مختلفة بدأت بتحرير فلسطين لتصبح فيما بعد "ثورة الجياع" وتنتهي "بنهج المقاومة"، سيبقى عائقا دون شك بطريقها. قلا يعتقدن أحدا أن هذه الحكومة، ولو سميت حكومة الوحدة الوطنية، سوف "تشيل الزير من البير" فقيامها أصلا توافقي ومن يتحصن بسلاحه ودويلته وأجهزته يشكل عنصرا أساسيا فيها ولا يزال له حق النقض.

يقول البعض بأننا سوف نشهد حوارا حقيقيا هذه المرة يديره الرئيس الجديد ولا بد لنا من أن نصل إلى بر الأمان بالتحاور والاتفاق، ومن هنا الأمل بحل كافة المشاكل العالقة. ونحن نقول بأن اللبنانيين قد خطوا بالفعل خطوات جبارة في سبيل بناء الدولة وهم يعانون ويجهدون ويتحملون ما لا يقدر عليه أحد من أجل الاستمرار في العيش المشترك وتطوير ديمقراطية المجموعات الحضارية المتساكنة والمتعايشة على أرض لبنان منذ آلاف السنين، ولا بد لخبرة اللبنانيين في الأخذ والعطاء وتليين المواقف من أن تتوصل إلى نوع من التعايش مع هذه الأزمة كما استطاعت أن تتعايش مع غيرها من الأزمات، ولكن يبقى الحل النهائي بعيدا اليوم بالرغم من تفاؤل البعض. ونحن إذ نحيي الصراحة التي ظهرت عند السياسيين حتى في الإعلام وفي تسمية الأشياء بأسمائها، وتلك ظواهر إيجابية لحل المشاكل بدل تغطيتها كالعادة بقشرة الحلول المؤقتة و"بوس اللحى" المعتاد، وحتى لو لم نصل إلى الحل الطبيعي، وهو مطلب الجميع، ويقضي بتسلّم الدولة كافة القوى والأسلحة والأجهزة وسيطرة القانون على كافة المناطق، إلا أننا لا يجب أن نقبل بالاعتراف بحق لأحد أن يشكل دولة داخل الدولة من حيث المبدأ ومهما كانت النتائج.

الكل يعلم بأن حزب الله لا يمت إلى لبنان بصلة لا من حيث العقيدة او الاهداف ولا من حيث التسلح ولا من حيث التمويل أو الأوامر وهو يشكل فرقة عسكرية إيرانية في لبنان، ويحلم من يعتقد بأن أي من اللبنانيين قادر على اتخاذ القرار بإلقاء سلاح حزب الله بدون أمر إيراني، فحلم إيران ومنذ أيام الشاه أن تلعب دورا إقليميا يعيد لها شيئا من عظمتها التاريخية، ولكن تطور العرب باكتشاف النفط وتجمعهم حول مصالح مشتركة منع التمدد الفارسي، ولو لم يشكل هؤلاء حتى اليوم وحدة قوية، فكان الخيار الشيعي وطرح "ولاية الفقيه" هما السلاح الفارسي الأقوى، ومن هنا كان تركيز إيران على إنشاء حزب الله، حتى في أحلك الظروف القتالية في حربها مع العراق، والموازنة الكبيرة التي تدفعها له والرعاية الدائمة لكافة شؤونه، وذلك لكي يكون الساعد "العربي" تحت غطاء إسلامي يؤمن التسلل إلى قلب المنطقة أو ما يحب البعض تسميته "الوطن العربي" وبالتالي فرض رؤيتها وسلطتها لتكون القوة الأساسية في الشرق الأوسط. إذا التفاوض بشأن سلاح حزب الله لن يكون مجديا لا مع السيد حسن ولا مع أي من مساعديه ولن تتوصل أي طاولة حوار إلى أي نتيجة إلا إذا كانت هذه النتيجة إبقاء حزب الله وسلاحه واستقلاليته أو تسليمه الجيش والبلد وأجهزة الأمن فيه ليصبح لبنان بالفعل قاعدة إيرانية على المتوسط، إلا إذا تغير المفهوم الإيراني نفسه ولم يعد هو بحاجة لهذا الساعد.

لا نقول هذا لكي نتهجم على حزب الله أو على النظام الإيراني ولكن لنعرف إلى أين نحن سائرون. قد يقول البعض وما هو الضرر في أن تصبح إيران قوة إقليمية أو حتى دولية ندور نحن في فلكها؟ وهذا سؤال لا يجب أن نستهجنه ونحن لن نكون أعداء إيران أبدا ولا نطلب أن نعادي أي بلد آخر، ولكننا قد لا نريد أن نصبح سلاحا إيرانيا بوجه أصدقاء إقليميين أو دوليين ولا أن نفضل مصالح إيران أو أية دولة أخرى مهما قربت أو بعدت على مصلحة لبنان واللبنانيين، ومن هنا نجد أن إنهاء موضوع حزب الله هو أفضلية من أجل الطائفة الشيعية التي سوف تصبح شيئا فشيئا عدوة لكل أعداء إيران، ما لا نرضاه لها، ومن أجل بقية اللبنانيين الذين يعيشون في شبه ثكنة عسكرية وفي ظل صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.

نحن نحلم بأن تصبح إيران بلدا مستقرا غنيا وقادرا على دخول نادي البلدان المتطورة وعندها قد تفتح لجزء كبير من شباب لبنان أبواب العمل مع الإيرانيين كما هي اليوم أبواب العمل مفتوحة مع كل الدول العربية الغنية والمستقرة أو مع الدول الغربية. نحن نفضل بأن يصبح حزب الله بتنظيمه وانضباطيته وربما "أخلاقياته" قوة إنتاجية داخل لبنان تتطوع لعمل الخير وتسارع للمساعدة لنهضة البلد وتقدمه وأن تستفيد من الأموال "الحلال" المغدقة اليوم من أجل تطوير المناطق لا من أجل تخريب الأمن والاستقرار وهدم العمران. فإذا كان العالم كله يفتش عن طرق للتعاون والخروج من الأزمات التي تعاني منها شعوبه فلماذا لا نزال نحن نفتش فقط عن جلب الهم والمشاكل ومنع التطور والنمو لبلد كان يعتبر درة الشرق؟ وإذا كان الفلسطينيون أنفسهم يفاوضون من أجل سلام مع إسرائيل فلماذا نمتنع نحن عن التفاوض من أجل الاستقرار والسلام؟

الحكومة الجديدة تلقت عدة إشارات في مواضيع التفاوض من أجل السلام وهي ستتفاوض أولا بدون شك من أجل السلام الداخلي فهل ستنجح في تحقيق أي منهما وهل سيدفع أحدهما الآخر؟

الأشهر القادمة كفبلة بالرد وتطور الأمور على الساحة الدولية وخاصة ساحة الشرق أوسطية ستوضح الكثير من المواقف ولكن لبنان يجب أن يثبت يوما بعد يوم أنه بلد جدير بالحياة وأن شعبه قادر على تجاوز المحن ولا بد لنا من التفاؤل بالخير فمثلنا العامي يقول "تفآلوا بالخير تجدوه".

الاثنين، يونيو 30، 2008

الحرب العالمية الثالثة... والطاغية الجديد

الكولونيل شربل بركات

هل بدأت فعلا بوادر الحرب العالمية الثالثة ومن هو الطاغية الجديد الذي سيشعل فتيلها؟

في تنبؤات نوستراداموس وبحسب الترجمات المتعددة والتي تختلف أحيانا كثيرة لتجمع على نقطتين هما: تفسيرها للطاغية الأول بأنه كان نابوليون، وفعلا رأت أوروبا خلال حكمه كثيرا من الدماء، والطاغية الثاني على أنه هتلر الذي كان سببا ليذوق العالم في أغلب جهاته قتالا ودماء لا يزال يذكرها حتى اليوم، أما الطاغية الثالث، وبحسب ما تجمع هذه الترجمات أيضا، فسيظهر في الشرق الأوسط ويلبس على رأسه عمامة ويطلق حربا ستكون الأكثر تدميرا والأوسع انتشارا، ومن هنا بدأ الكثيرون بانتظار هذا الطاغية الجديد ومنهم من اعتقد بأنه الإمام الخميني رحمه الله. ولكن الإمام الخميني توفي قبل أن نرى حربا عالمية مدمرة، لذا توجهت الأنظار إلى أسامة بن لادن لأنه أطلق حربا عقائدية وتخريبية على المستوى العالمي وفي كل الأماكن ولبس العمامة، ولكنها لم تبد بعد حربا عالمية كثيرة الدماء والتدمير ولذا يصعب أن يكون هو ذلك الطاغية. وقول البعض الآخر، وبعد الإعلان عن انطلاق برنامج إيران النووي، بأن الطاغية الجديد قد يكون الرئيس أحمدي نجاد الذي يلعب دورا أساسيا على ساحة الشرق الأوسط ويظهر تشددا وتصميما في الموضوع النووي ودفعا باتجاه المواجهة مع العالم وتعنتا في مواضيع التفاوض، يضعنا أمام السؤال هل صحيح بأنه سيكون الطاغية الثالث هذا؟

ولكن نوستراداموس، ودوما بحسب المترجمين، يقول بوضوح بأن الطاغية الثالث يرتدي العمامة على رأسه والرئيس نجاد لم نره يوما يرتدي هذه العمامة، فهل تسقط إذا الإشارة إلى نجاد وهل ستبتعد كأس الحرب العالمية لفترة ما؟ أم أن الإمام خامنئي هو الحاكم الفعلي لإيران اليوم وهو من رآه المتنبئ في ذلك الزمن البعيد سببا لتلك الحرب الضروس التي يحاول العالم أن يتجنبها؟

ليس الهدف من ذكر هذه التنبؤات أن نعتقد بصحتها ولا أن نيأس من رحمة الله أو من قدرة قادة العالم على التفاهم وتجاوز المحن وتخطي العقبات في العلاقات الدولية، ولكننا نشير إليها لأننا نرى بالفعل ولأول مرة أن الأمور أصبحت تسير في طريق المواجهة بسبب التصميم على تغيير النظام العالمي بالقوة وليس محاولة التعديل نحو الأنسب بالتفاهم والتعاون؛ الدور الذي كان يتوقع العالم أن تقوم به منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وما نراه يحدث في لبنان هو صورة مصغرة عن مشاريع القوى المتقابلة ولن تستطيع هذه، على ما يبدو، تخطي الصدام ومنع المواجهة.

يقول حزب الله بأنه يقاتل الولايات المتحدة في لبنان ومشاريعها من أجل الشرق الأوسط الكبير، ولا يخفي أبدا هذا المنحى من حربه وتحضيراته، وهو صادق فيما يقول، ولذا فهو لن يقبل بأن ينزع سلاحه ولا بأن تقوم دولة تعددية أو ديمقراطية أي فيها رأي غير رأيه، فلا حكومة قد يكون فيها أكثر من رأي مقبولة، ولا نواب قد يشكلون رأيا آخر يمكن أن ينتخبوا، ولا إعلام مختلف أو قوى حرة غير خاضعة سيسمح لها بالوجود، من هنا على اللبنانيين أن يفهموا إلى أين تسير البلاد ونحن نعتقد بأن الكثيرين بدأوا بتفهم ذلك.

يوم قام حزب الله بمصادرة الطائفة الشيعية في لبنان لم يقف أحد ليقول بأن ذلك خطأ وأن ترك هذا الحزب يسيطر على الطائفة بكاملها سيؤدي إلى الأحادية فيها ومن ثم الصراع مع الآخرين. ويوم صادر هذا الحزب "المقاومة" و"أسلمها" لم يقم أحد ليقول بأنه ليس مكلّفا ولا مخوّلا أن يقاتل أبناء الجنوب ويجب علينا أن نسمع رأيا آخر. ويوم احتل السوريون آخر معقل كان خرج عن سيطرتهم في بيروت الشرقية وحلوا المليشيات ثم أبقوا هذا الحزب وحيدا على الساحة وفرضوه على الدولة وأجبروا الجيش أن ينسق معه ويسانده ويجيّر معلوماته وأجهزته له، لم يكن ذلك صوابا، ولا كان ترك هؤلاء يتحكمون بالجنوب وأهله وبالبقاع وسكانه وبالضاحية الجنوبية ويبنون دولتهم بينما يبني الآخرون مصالحهم في الدولة المشتركة، بعد نظر.

ويوم وافق لبنان على الاتفاق الذي جرى بين حزب الله وإسرائيل بعد عملية "عناقيد الغضب" مثلا، بالرغم من عدم مشاركته في المحادثات معتبرا بأنها شأن يخص إسرائيل وحزب الله وحدهما وأن لبنان ليس سوى مسرح صراعهما، أقر، بمباركته ذلك الاتفاق، بأن لحزب الله الحق في قصف الجنوب وسكانه المدنيين أو العسكريين على السواء وقتلهم بواسطة عبواته، وهم نظريا لبنانيون، ولكن ليس له الحق في قصف إسرائيل أو إقلاق سكانها المدنيين والعسكريين، ويومها اعتبر من في الحكم ذلك الاتفاق نصرا غير مباشر لهم لأنه يترك، على ما اعتقدوا، حزب الله يلهو في الجنوب بينما يسيطر غيره على الدولة، ولكن هؤلاء لم يدركوا في الحقيقة أن أية قوة تبني لها أرضية تلونها بالتضحية في سبيل "الوطن والأمة"، ولو كذبا ونفاقا، وتتمتع بتصفيقهم لها سوف تنافس من في الحكم عاجلا أم آجلا.

ويوم انسحبت إسرائيل من الجنوب سنة 2000 هلل الجميع لحزب الله هذا ولم يعلموا أنهم إنما يحفرون بيدهم قبور الميثاق الذي يسمح بتلونهم وبحريتهم في الرأي والتحرك، ويبنون صرح الهمجية القادمة من غياهب التاريخ لتذلهم في بيوتهم وتفرض عليهم من يحالفون ومن يناصرون ومن يعادون ومن يحاربون.

اليوم حزب الله يسيطر على المرتفعات من الهرمل شمالا إلى تومات نيحا وما بعدها إلى الجنوب بعد أن نكل بأهل بيروت وحاول الدخول إلى قرى الجبل، وهو قادر على قطع الطرق البرية متى شاء وقادر على منع اللبنانيين من التواصل، فهم يتكلون على الدولة وعلى الجيش وهؤلاء لا أوامر عندهم لمنع هذا التعدي على سيادة الدولة لأن "عقيدة الجيش" قد بنيت في ظل هذه "المقاومة" الكاذبة ولن تغييرها الظروف الجديدة فهي فرضتها أكثر فأكثر بقوة السلاح الذي تمتلكه وحدها والذي منع هذا الجيش من القيام بواجبه تحت مقولة الخوف من الصدام معها بعد الحادث المفتعل الذي كان وقع في مار مخايل وأوقف بنتيجته الضباط والعسكريين الذين أظهروا عن عنفوان وانضباط لتسقط هالة بناها مئات الشهداء ولم يجف دمهم بعد. هذا السلاح عينه من حاول المجتمع الدولي نزعه منها بقرارات وأولها 1559 فتصدى له من يبكون اليوم ندامة على فعلتهم هذه ومنعوا التنفيذ.

حزب الله في صراع القوى بين إيران والعالم يعرف أين يقف ولا إحراج له من الوقوف في صف إيران ولو وقف كل العرب وكل اللبنانيين ضدها فهو يعتبر نفسه فيلقا في جيش الفقيه يؤدي مهمته منتظرا ظهور المهدي الذي يخلص الأرض.

الصراع الذي سنشهده بدون شك لم يعد محددا في حق بقطعة أرض أو بتنفيذ قرار وبالتأكيد ليس موضوع نزاع حول منصب أو وزارة، وهذا ما صرح به أكثر من مسؤول في حزب الله "فالمقاومة لا تبطل باستعادة الأرض والحق لأنها أصبحت نهجا وهي تسعى لفرضه"، إنه صراع شامل يتعدى حدود لبنان نحو فرض نظام عالمي جديد تقوده إيران الفارسية نعم، لكنها هي من يؤمن "ولاية الفقيه" ونهجها ويتبعها شيعة لبنان بكل انضباط وينفذون الأوامر الصادرة عن قادتها بكل دقة في ظل سيطرة حزب الله (ومن شذ لاقى جزاؤه حتى ولو كان إماما ضالعا في الفقه مشهودا له بين الناس مثل السيد علي الأمين مفتي صور مثلا)، ولا ضرر إن أصاب الأهل هنا في لبنان أو الجيران أو الأقارب أي ضيم لأن القضية تفوق بأهميتها الأمور الأرضية وتتعدى بقيمتها مشاعر الناس العاديين.

لم تعد إسرائيل هي العدو كما صورت لنا لسنين عديدة بل أصبحت الولايات المتحدة والعالم الحر، أي النظام الذي تلى الحرب العالمية الثانية ورتب العلاقات الدولية والقوانين وحقوق الناس، وهو الذي كان قام على أساس مبادئ الثورة الفرنسية التي كانت نادت "بالحرية والأخوة والمساواة"، والمطلوب اليوم تعديل هذه المبادئ لصالح الطبقية التي يحددها الفقهاء والشرع الذي لا يعرفه سواهم وكلها مرسلة مباشرة من عند الله عز وجل ولا ندري بعد كيف وأين ومتى سيفرض العمل بها.

الحرب العالمية الثالثة على الأبواب نعم، وسوف تنطلق من الشرق الأوسط حيث النفط والغاز وحيث الثروات الكبرى، والأهم من ذلك حيث نزلت الديانات وتصارعت على مدى قرون وأجيال وحيث الملايين من الفقراء والذين يزيدهم تعنت الولاة الجدد فقرا كل يوم ليصبحوا قنابل موقوتة تنفجر حيثما شاء المتنورون. ولكن من سيكون الطاغية الجديد الذي سيطلقها لا نعرف بعد، فهل هناك أمل لإمام من عندنا يتحلى كما يقولون بالكاريزما ويلبس العمامة وهو المشهود له أنه إن قال فعل؟ أم أن لبنان وسكانه لا حق لهم أكثر من أن يكونوا جنودا أو ضحايا من أجل رفع شأن القادة الفعليين في بلاط كسرى والأئمة المنظورين في مدينة قم؟