الثلاثاء، مارس 09، 2010
الأربعاء، ديسمبر 09، 2009
ماذا نريد في اليوم العالمي لحقوق الانسان؟
وجيهة الحويدر
بمناسبة الذكرى السنوية الواحد والستون لصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان، يا ترى ماذا نريد نحن كسعوديين؟؟
- نريد وطناً يشعرنا بأننا بشر لنا وجود وكيان، وأن قيمة كل فرد منا كقيمة الانسان الامريكي والبريطاني والفرنسي والسويدي، وغيرهم من الامم التي تحترم شعوبها، والتي ان مسّ اي من رعايها سوء، حرّكت الدولة من اجله ما هبّ ودبّ من العدة والعتاد لجلبه سالماً.
- نريد لنسائنا ولرجالنا نفس الحقوق، وان يأدوا الواجبات عينها تجاه وطنهم، وان "لكل فرد منهم الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه."
-نريد ان نرى "للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج (18 عاما) حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب العرق أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله."
- نريد ان نشعر اننا متساون "كأسنان المشط" ، وأن "كلنا سواسية أمام القانون ولنا الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة، كما أن لنا جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تميز وضد أي تحريض على تمييز."
- نريد قضاة يعدلون بيننا، وان لا تتنافى احكامنا الشرعية وقوانينا المحلية مع اي بند من بنود الاعلان العالمي لحقوق الانسان والذي ينص في مادته الاولى على انه "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء."
- نريد ان لا يُعرّض أي انسان على ارضنا للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة او الحرمان من السفر بسبب جنسيته أو معتقداته او عرقه او جنسه او آرائه الشخصية.
- نريد ان " لا يُقبض على أي إنسان بيننا أو أن يُحجز أو يـُنفى تعسفاً"، وان يعطى للجميع حق التنقل والسفر بحرية تامة.
- نريد ان يكون لكل إنسان سواء كان مواطناً او مقيماً، امرأة او رجلاً، "الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه."
- نريد ان نشعر بالآمان على أرضنا بدون تسليط رجال حسبة تنتهك حقوقنا، وتطاردنا وتضيق علينا عيشنا، وأن " لا يُعرض أحد منا لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات."
- نريد أن يصبح " لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة."
- نريد أن يكون "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية."
- نريد ان يصبح "لنا الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات وتشكيل النقابات والاحزاب السلمية ومؤسسات المجتمع المدني."
- نريد ان يصبح "لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً. ايضا نريد إن تكون إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت."
- نريد أن نرى "لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة، وأن يكون لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل سواء كانوا نساء أو رجالا."
- نريد ان يتوفر "لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته."
- نريد ان يصبح "للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أو بطريقة غير شرعية."
- نريد "ان يكون التعليم الأولي إلزامياً للجنسين وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة."
- نريد أن تهدف التربية في وطننا إلى "إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات والاعراق والأديان."
- نريد ان يكون "لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكاً حراً في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه."
- نريد ان نحس بثروتنا في شوارعنا، ومستشفياتنا وخدماتنا وفي مدارس صغارنا، وبين اروقة جامعتنا التي يجب تشرع ابوابها لكل من اراد ان يبني مستقبلا مشرقاً وحياة كلها رخاء وعطاء سواء كان رجلاً او امرأة بدون اي تمييز بينهما.
ما نريده فعلاًّ هو ان تُطبق الحكومة السعودية جميع المواثيق العالمية والعهود التي صادقت عليها واعتمدتها، وان تكون على من قدر من الامانة والشجاعة وتفي بوعودها بدون اي تحفظات على اي بند من بنود تلك المواثيق.
10 ديسمبر يوم صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان. صدر في 1948.
الأربعاء، نوفمبر 04، 2009
حملة الأربطة السوداء
بمناسبة حلول الذكرى التاسعة عشر لخروج مجموعة من النساء السعوديات الشجاعات وقيادتهن لسياراتهن في شوارع الرياض، وذلك في 6 نوفمبر في عام 1990، نبدأ "حملة الاربطة السوداء"، ونطالب ان تُعامل المرأة السعودية كمواطنة اسوة بالرجل، وان تُعطى الحق في الزواج، والطلاق، والورث، وحضانة الاطفال، والاعالة، والتنقل، والعمل، والدراسة، والسكن وغيرها من الحقوق، وان يُسمح لها ان تمثل نفسها في الدوائر الحكومية والاهلية بدون اذن من محرم.
اذا كنتم ممن يدعمون ويؤيدون حقوق المرأة السعودية سواء كنتم في داخل المملكة او خارجها، ندعوكم ان تشاركونا في حملتنا "حملة الاربطة السوداء".
كل ما هو مطلوب منكم هو ان ترتدوا رباطاً اسوداً حول رسغ اليد، لتعلنوا تأييدكم لحقوق النساء السعوديات. هذه الأربطة متوفرة في كثير من محلات الاكسسوارات ورخيصة الثمن، ويمكن ان يرتديها النساء والرجال والكبار والصغار.
وليكن شعارنا جميعاً "لن نفك رباطنا حتى نرى النساء السعوديات يتمتعن بحقوقهن كمواطنات راشدات."
* لقراءة النص باللغة الانكليزية اضغط هنا
الاثنين، أكتوبر 12، 2009
التوحش والتوحش المضاد في المجتمع السعودي ـ 5
مما لا شك فيه ان المشاكل المعقدة تكون اسبابها بنفس الدرجة من التعقيد والصعوبة، لذلك اشكالية التوحش التي يصارعها شرائح مختلفة من المجتمع السعودي، اصبحت واحدة من اشد التحديات التي تواجهها السلطة اليوم، خاصة بعد ان تجسّدت في جماعات ارهابية مسلحة تراهن على اسقاط الدولة وتريد تفتيت مؤسساتها وقتل رجالها.
المشكلة الكبرى تكمن ايضا في ممارسات الحكومة، والتي لا تقلل من حدة التوحش بل تزيدها، خاصة لدى بعض الشباب السعودي، فما جرى في الثالث والعشرين من سبتمبر الماضي والذي وافق اليوم الوطني السعودي، امر مثير للقلق والخشية.
في ذلك اليوم تجمهر جموع من الفتية في شوارع مدينة الخبر الساحلية بنية التخريب وتدمير المحلات التجارية، وارهاب الناس، والاعتداء على المطاعم، وتكسير كل ما طالته ايديهم في تلك المدينة الحيوية. اتسم احتفاء الشباب باليوم الوطني بوحشية وجنون مشابه للذي نراه مرات بين جماهير الكرة حين يفوز فريقهم ببطولة عالمية.
لكن تصرف رجال الامن كان اشد همجية ووحشية، حيث اعتقلوا الشباب المخربين وزُج بهم في السجون وبعد ايام قليلة، وبدون اي محاكمة، اُخرجوا الى نفس المكان العام الذي حصلت فيه احداث الشغب، وجُلد كل واحد منهم امام الناس ثلاثين جلدة.
هؤلاء الشباب حطمّوا الزجاجات، وكسّروا بعض اثاث المطاعم، وعاثوا في المحلات التجارية، وربما سرقوا بعض محتوياتها، وكل تلك الكماليات بالامكان استبدالها وتعويضها من جيوب المخربين او من شركات التأمين، بينما ما حطموه رجال الامن في نفوس هؤلاء الفتية سيظل عطب لا يصلحه العطار، ولا يمحيه الزمن من الذاكرة. لقد شوّهوا احساس الشباب بآدميتهم، وقللوا من شأنهم امام العامة، وقضوا على تقدير ذواتهم، وربما انهوا كل مشاعر الانسانية في داخلهم، فلا شيء يبرر تلك الجريمة التي اُرتكبت في حقهم، حيث الكثير منهم كانوا ما دون سن الرشد. فليس عجباً ان يتحول كثير ممن جُلدوا في ذلك اليوم الى مشاريع اجرامية مؤجلة، ويظهر بعضهم في يوم ما بحزام ناسف وهو محملاً بالغضب ويريد الانتقام من الناس والسلطة معاً.
ان التوحش الذي ظهرعلى الشباب في ذلك اليوم كانت له اسباب ضاربة اطنابها في اذهان الناس ونفوسهم، فلا شيء يأتي من فراغ، فالقاعدة التي لا شواذ لها، ان لكل فعل ردة فعل مساو له في القوة ومخالف له في الاتجاه، فهؤلاء الشباب اتو من ارحام امهات مهضومات الحقوق ومعدمات الكرامة، ومن ظهور رجال يرزحون تحت قهر سياسي لعقود طويلة، وكبت اجتماعي وممارسات ملبسة بالدين لكنها شديدة النزعة.
في الاجزاء الاربعة السابقة من محاولة فهم التوحش السعودي عرضتُ بعض اسبابه وهي كالتالي : (1) القهر بشقيه السياسي والاجتماعي، (2) التطبيق الوحشي للعقوبات والاحكام الجنائية، (3) انعدام القوانين المدونة وغياب سيادة القانون، (4) سيادة الخطاب الواحد واستيلائه على جميع مؤسسات الدولة، (5) اقصاء النساء عن الحياة العامة والتعامل معهن كبشر قاصرين.
سادسا: حرمان الفتيات والفتية من التعبير عن ذواتهم وتعطيل طاقاتهم
بالرغم من انتشار الصحون اللاقطة على غالبية سطوح البيوت السعودية، وبالرغم من تعدد الفضائيات على شاشات التلفزة، وايضا كثرة خدمات الانترنت المتوفرة في كل مكان، مازال افراد الجيل السعودي اليافع يُطلب منهم ان يغمضوا عيونهم ويصموا آذانهم عما يجري خارج حدود بلادهم من تطور وابداعات وفنون ومتع حياة، ويُجبرون على تبني نهج الزهد في الحياة وثقافة الموت والتفكير في الآخرة، وتبني نمط حياة العصور الوسطى المظلمة.
الشابات والشباب يعيشون حياة خانقة ومخيبة لآمالهم وطموحاتهم، البطالة منتشرة بمعدلات عالية، فلا اماكن لهم للتنفيس أو للابداع ولا للترفيه، ولا ثمة جهة لصقل المواهب الفكرية او حتى الجسدية. المسجد او الحسينية هما المكانين المسموح بهما لأخراج الطاقة الشبابية المتأججة.
النظام التعليمي يتعامل مع الشبيبة على انهم مادة ذات سمة واحدة قابلة للتطويع، حيث يُصب كل فرد منهم في قالب معدا له مسبقاً، ويُجمد فيه الى ان تفارقه الحياة. كلهم يرتدون نفس الملابس ذات الالوان البليدة، ويتحدثون بنفس العبارات السمجة، ويستخدمون نفس اللغة الملقنة، ومن يحاول منهم ان ينفرد بشخصيته يعرّض نفسه للجلد ومرات للسجن مع الجلد، كما حصل قبل شهر حيث تم اعتقال كل شاب يسرّح شعره على طريقة "كدش" او كان يرتدي بنطلونا يسمى "طيحني" او المعروف بـ "لو ويست". منعوا الشباب من دخول المساجد، وحتى صدرت فتوى في حقهم بأن صلاتهم وشهادتهم لا تُقبل منهم. تلك الموضة يرتديها كل شباب العالم، بينما في السعودية وايضا في ايران تُعد جريمة يعاقب عليها القانون! فليس عجباً ان تتفق السعودية مع ايران على هذا الاسلوب الفض في تعاملهم مع الشبيبة، فهما في نهاية الامر وان اختلفتا في المذهب وجهان لعملة واحدة.
تظل الفتيات السعوديات حبيسات بين اربعة حيطان ، بينما الشباب خاصة المراهقين منهم سجناء الشوراع، حيث معظم المحلات يُمنع العزاب من دخولها. لذلك الشارع هو مسرح ابداعاتهم وسبب في تفاقم جنونهم، والنتيجة هي ان السعودية اليوم تتصدر العالم في عدد القتلى من حوادث المرور. السيارة هي الاداة الوحيدة للتحدي والتسلية لدى الشباب السعودي، بينما حفظ المواد الدراسية العقيمة هي الاداة الوحيدة لقتل الوقت لدى الشابات السعوديات. لذلك حين يفر اي واحد منهم الى الخارج، يتصرف وكأنه سجين للتو اُطلق من حبسه ولمدة محدودة من الزمن، فيفعل العجائب في نفسه وفي مرافق تلك البلد التي يزورها، فلو كان جسر البحرين قادر على النطق لكان شاهدا حقيقياً على اكثر من عشرين عاماً من تصرفات السعوديين الجنونية، والتي لا يحق لأحد ان يلموهم عليها، لأن اللوم كله يقع على الأنظمة الخانقة التي حولت احلام الفتيات والفتية الى حطام، وحولتهم الى بشر متلهفين لاستطعام الحياة بأي ثمن وتحت اي ظرف، وان كانوا للأسف يهرولون لأشباع رغباتهم بلا هدف ولا معنى وبلا بوصلة تدلهم على قيم انسانية واضحة.
سابعا: الشرطة الدينية وسياسة العصا لمن عصا
الشرطة الدينية او هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يحلو للسعوديين ان يطلقوا عليهم، وجد ذاك الجهاز القمعي منذ اكثر من سبعة عقود، وهو يعمل بسياسة القهر وارغام الناس على اتباع سلوكيات عامة هم حددوها لهم وزعموا انها شرع الله.
بالرغم ان العبادات امور خاصة بين المرء وعبده الا ان رجال الهيئة حشروا انفسهم في تلك العلاقة وحولوا العبادات الى اعمال قسريه، واجبروا الناس على اغلاق محلاتهم اثناء الصلاة، وسجن وجلد من يكسر ذلك القانون. مع انه ذلك امر لم يرد ابدا ذكره في القرآن سوى في يوم الجمعة (السعي للصلاة وليس معاقبة الناس على عدم ادائها)، ولم يفعله قط رسول الله (عليه السلام) في اتباعه. العبادات اصبحت بالاجبار حتى في المدارس، وتحول التدين الى واجهة نفاق تقرب الناس لبعضهم البعض وتفتح لهم سبل النجاح والقبول الاجتماعي.
مراقبة الناس في لبسهم واكلهم وشربهم وتحركاتهم وتحديد من هم رفقائهم، هو لب عمل الشرطة الدينية اليومي، فكل فرد منهم يستيقظ كل صباح وفي اجندته ملاحقة الناس ومضايقتهم، والتجسس عليهم، وادانتهم بأية تهمة، اقلها الخلوة غير الشرعية، حتى لو حدث ذلك في مكان عام يعج بالمتسوقين والمارة. الريبة والشك في نوايا الناس هو الحافز لأنشطة رجال الهيئة.
حكاية ابتزاز الفتيات ومطاردة السحرة مشاريع الهيئة الخاصة والتي تزايدت في السنتين الاخيرتين، حتى اصبحت تلك القضايا تتصدر عناوين الصحف السعودية اليومية، لدرجة ان هذه الظواهر المصطنعة جعلت الناس تعتقد انه لولا رجال الحسبة لأصبح بنات السعودية كلهن بلا شرف، و شبابها جميعهم مبتزين وخونة وزناة، ومعظم العمالة الوافدة خاصة الافارقة والاسيويين منهم كلهم سحرة ودجالين!
لا يقتصر هذا التنوع في رعب الناس ومطاردتهم على الطرقات والاسواق العامة، بل تصل الى مداهمة البيوت ومرات اقتحام المحلات والاعتداء على اصحابها مثلما حصل في المدينة المنورة قبل عدة شهور حين داهمت فرقة من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مركزا نسائيا للقبض على فتاة اشتبه في أنها كانت في خلوة غير شرعية، فجرّوها من شعرها بالقوة الى الخارج! وايضا تسببوا في قتل شباب وشبّات على الطرقات بسبب ملاحقتهم ومضايقتهم من اجل القبض عليهم بنفس التهمة.
بالرغم ان رجال الشرطة الدينية فوق القانون فلم يدان اي واحد منهم لأي جريمة حتى لو كانت قتل مثلما حصل في قتل سلمان الحريصي الذي ضُرب حتى الموت بتهمة شرب الخمر وصناعته، لكنهم اليوم يفكرون بتأسيس قسم يعنى بحقوق الانسان!!! فكيف يستطيعون ان يلعبوا تلك اللعبة المفضوحة وهم في كل يوم ينشرون الرعب بين الناس، ويتسببون في تفشي ثقافة التوحش والاعتداء على الآخرين؟؟
جهاز هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر انتهى عمره الافتراضي منذ عقود طويلة، واستمرار رجاله اقحام انفسهم في حياة الناس الخاصة، ومضايقتهم في تجمعاتهم وفسحهم وتبضعهم وتجوالهم في المرافق العامة والخاصة، امرلا يُقره دين ولا عُرف، ويُعد انتهاك صارخ لجميع المواثيق الدولية التي وقعت عليها المملكة واولهم ميثاق حقوق الانسان العالمي!
وللحديث بقية...
السبت، سبتمبر 19، 2009
التوحش والتوحش المضاد في المجتمع السعودي -3
اتسمت الحياة السياسية والاجتماعية في الثمانينات والتسعينات بالتوحش ، لكن هذا لا يعني ابدا ان العقود السابقة كانت ذات سمات سمحة وأليفة، بل كانت بنفس الطابع والصبغة ومرات كانت اشد بكثير، لدرجة ان البعض يتهكم اليوم عن تلك الحقبة من تاريخ السعودية، بأنه "من لم يُلقى به في السجن فليس بسعودي" من كثرة اعداد السجناء السياسيين، والاعتقالات العشوائية.
الستينات والسبعينات كانت الحرب الباردة في اوجها، والسعوديين لم يكونوا خارج رحاها. الناصرية في مصر والبعث في الشام والعراق والاحزاب الشيوعية ايضا كانت مننتشرة، ولها اقدام راسخة في الشرق الاوسط، وطموحات بعيدة الأمد في المنطقة، مما جعل المعسكر الغربي الرأسمالي وحلفائه منهم السعودية يعدون العدة لمكافحة الموجة.
التيارات الدينية والاخوانية نهضت بأجندة تحارب تلك الانظمة، لذلك كانت مُطاردة في بلدان لديها تطلعات في التخلص من الموروث الرجعي المهيمن على الحياة العامة، وتحديث انظمتها وقوانينها. قاوم السلفيون النهضة والحداثة في بلدانهم فقمعوا بوحشية، مما جعل الناجون منهم يفرون الى السعودية التي استقبلتهم هم وقاداتهم بالأحضان الدافئة، خاصة الذين قدموا من مصر وبلاد الشام.
حين انضم الاخوانيون للسلفيين في السعودية، افرزوا صيغة جديدة متشددة في فرض الشرائع الدينية في الاعلام والتعليم وفي السلوك العام. الاخواني والسلفي معسكران قويان تمكنا من تشكيل نهج الحياة السياسية والاجتماعية في السعودية في ذلك العهد، والذي مازال تبعاته حاضرة الى يومنا هذا.
في نهاية المطاف لتلك الحقبة المعتمة تتوجت في عام 1979م بالمحاولة السلفية المسلحة لقلب النظام السعودي بقيادة جهيمان العتيبي ومحمد القحطاني واتباعهما في الحرم المكي في مكة المكرمة. في فجر اليوم الاول من دخول الامة الاسلامية القرن الخامس عشر الهجري، اندلعت اشتباكات عسكرية في الحرم المكي بين مسلحين سعوديين متشددين ورجال الامن السعودي وقوات اجنبية اخرى، واستمر القتال لأسبوعين كاملين تقريبا من اجل القضاء عليهم، وانهاء حركتهم العسكرية، لكن ليس امتدادهم الفكري.
لم يُعرف حتى اليوم من المتورط معهم من القادة العسكريين السعوديين، وكم عددهم، وكيف تمكنوا من تخزين اسلحتهم ومأونتهم في سرادين الحرم بدون ان يعلم احد عنهم. كل ما عُرف عنهم هو مطالبهم وأهمها هو تطبيق السلفية كسياسة دولة، والعودة بالناس الى عهد الخلافة الراشدة، اي اعادة عقارب الساعة 1400 سنة الى الوراء!
اثناء انشغال جهاز الامن السعودي بمحاربة العتيبي ورجاله في مكة المكرمة، قام الشيعة في المنطقة الشرقية بإنتفاضة حقوقية ومظاهرات عارمة في نفس الوقت والذي تزامن في شهر محرم، شهر الطقوس الشيعية، حيث خرج الشيعة بعد العزاءات الحسينية افواج غاضبة الى الشواع احتجاجا على احوالهم المعيشية المزرية، وضد التمييز الذي تمارسه الدولة عليهم. قُتل في تلك الانتفاضة اكثر من 30 شخصاً من الشيعة، وُسجن المئات معظمهم كانوا من مدينتي القطيف وصفوى وضواحيها.
الحركة الشيعية تلك كانت شبه صدى للثورة الايرانية التي كان قاداتها انذاك يحاولون تصدير الثورة الى الخارج وتحريض الشيعة المهمشين على المطالبة بحقوقهم، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية الشيعية العالية مثل بعض دول الخليج ولبنان والعراق.
مع بداية الثمانينات دخلت ايران في حرب نازفة مع العراق استمرت لثمان سنوات، وخرجت السعودية منتصرة في معركتيها في شرق البلاد وغربه، فقد قُضيى تماما على الحركة الحقوقية الشيعية، وعلى اثرها تضاعف التمييز ضدهم، وازداد حصارهم وملاحقتهم والتضييق عليهم في عيشهم.
على الضفة الاخرى قُتل جميع اتباع جهيمان العتيبي بعد أن شُهّر بهم في الاعلام، واعتقل الكثير من انصارهم، ولكي تأمن الدولة شرهم ارتكبت خطيئة كبرى حيث فتحت الابواب على مصراعيها للمد السلفي، وسلمت لرجاله زمام الامور لنشر الفكر المتشدد المفعم بالايدلوجية الجهادية في جميع منابر الدولة واهمها الاعلام والتعليم، لكي تقضي على الحركات التحررية والاصلاحية، ومن اجل اعداد الجهاديين للحرب في افغانستان لتحرير بلاد المسلمين من المحتل الروسي الكافر على حسب شعاراتهم انذاك، والتي تطورت فيما بعد فتحولت الى جهاد مسلح لنشر الاسلام في كل بقاع الدنيا قاطبة، حتى بلد مهبط الاسلام السعودية، كفروا قاداتها ووضعوها في قائمة الدول التي ستطالها ايدي جماعاتهم المتشددة المتوحشة، وستنفذ فيها عملياتهم الارهابية.
لعقود طويلة السعودية تنتهج انظمة متشددة وصارمة في تعاملها مع مواطنيها، مما حوّل اعداد لا بأس بها من النساء والرجال السعوديين الى قساة وعنيفين في تعاملهم مع بعضهم البعض ومع الجاليات الاخرى. وخلق فئة من الشباب المتوحش بحيث اصبح لا يتردد ابدا في تفجير نفسه وقتل العباد وتخريب البلاد.
هناك أسباب اسياسية ومهمة يحتاج المسئولين وصانعي القرار في السعودية ان يتوقفوا عندها، ويعيدوا النظر فيها، ويحاولوا معالجتها واحتوائها قبل فوات الآوان، فهي التي تفسر جوانب كثيرة من هذه السلوكيات السعودية الوحشية وتزيد من تفاقمها، وتوفر ارض خصبة لتفريخ الارهابيين.
الأسباب هي كالتالي ومرتبة حسب اهميتها:
اولا: القهر بشقيه السياسي والاجتماعي:
إن القهر بشقيه السياسي والاجتماعي وقعه شديد في حياة الشعب السعودي، فقد سلبه حقوقه الشرعية الأساسية في حرية التعبير، وحرية المعتقد، والحرية الشخصية والابداعية، وحتى الشعور بالامان، وتسبب في انعدام العدالة والمساواة امام القانون، والمشاركة العادلة في القرار السياسي وفي توزيع الثروات.
القهر صار نمط حياة وثقافة سائدة بين السعوديين، فالقهر موجود في البيت، والقهر موجود في المدرسة، وفي العمل وفي المؤسسات الحكومية والخاصة وحتى في الطرقات والاماكن العامة. هذا القهر يتمثل في القوانين الصارمة، وفي رجال الامن، والشرطة الدينية، ويمارسه بعض المسئوليين في المؤسسات الحكومية والخاصة، حتى بات الانسان السعودي يشعر اليوم انه امام خيارين: اما ان يكون قاهرا، او أن يكون مقهورأ.
ولّد ذلك القهر في حياة الناس دائرة عنف كبيرة ومعقدة لا تنتهي، وحوّل كل من ملكَ سلطة الى دكتاتوري وجبار، حتى النساء المضطهدات بعضهن يتحولن الى قاهرات لنساء اخريات اضعف منهن او اقل شأنا منهن، لذلك نقرأ مرات في الصحف عن ربات بيوت سعوديات يعذبن عاملات في منازلهن الى حد الموت، او عاملات المنازل ينفسّن عن قهرهن بتعذيب اطفال بقسوة، وتظل دائرة العنف تطحن الناس وتسحق انسانيتهم بدون رحمة.
ثانيا: التطبيق الوحشي للعقوبات والاحكام الجنائية
ان تطبيق اشد العقوبات الجسدية على المخالفين للقانون ومرتكبي الجريمة في الاماكن العامة، خلق اجواء من الرعب والتوحش في نفوس الناس، بالاضافة الى انه قلل من قيمة الانسان وحط من آدميته، فالسعودية هي الدولة الوحيدة التي تستخدم السيف كأداة لإهدار دم القاتل وازهاق روحه مثل البهيمة. ايضا هي البلد الوحيد الذي يستخدم عقوبة حد الحرابة في اعدام ما يُثبت عليهم بأنهم من "المفسدين" في الارض، حيث يُقطع رأس الجاني ويظل معلقاً من يديه وكأنه مصلوبا، ورأسه مرميا على الارض بجانبه لساعات طويلة من النهار في الأماكن العامة، والشباب والأطفال والمارة يتفرجون عليه وكأنهم في فسحة، والآن مع الأنترنت اصبحت بعض الاعدامات تصور خفية وتُوضع على اليوتيب، مثلما حدث قبل شهور لأحمد العنزي الذي قُتل وعُلق في احدى الساحات العامة في الرياض، ونُشر فيلم اعدامه على الانترنت.
في العقود السابقة كان الزاني يُرمى به في حفرة في مكان عام، ويُرجم حتى يلفظ انفاسه الاخيرة، واذا خرج من حفرته يُعاد اليها لتنهال عليه الصخور حتى الموت. المارة يشاركون في تنفيذ حكم الاعدام مع رجال الامن، ومن لا يشارك في جريمة الرجم، يقف ليتفرج على المشهد ويؤيد الرماة. هذا الصنف من العقوبة توقف لأسباب غير معروفة، ربما لشدة وحشيته.
بالرغم من ان السعودية لديها برنامج متطور لتأهيل ذوي الاعاقات والاحتياجات الخاصة، لكن لا زالت الأحكام التعزيرية للسارق تسبب عاهات واعاقات دائمة. لا زال ينفذ حكم قطع يد السارق امام الناس ويترك معاقا ومنبوذا طوال حياته. توقف لعقود طويلة هذا الصنف من الاحكام على السارق، لكن مع بداية هذا العام في الرياض عاد من جديد، فقد قُطعت يد حسن بن عياش احمد صغير يمني الجنسية امام الناس بتهمة انه سارق.
ايضا استخدام عقوبة الجلد التي تتنافى مع ابسط حقوق الانسان، لازال يُمارس ذاك العقاب على المواطن علنا وسرا وعلى اتفه خطيئة، حيث يهينوا الجاني أمام الناس ويتعمدوا إيلامه، والشباب والأطفال والمارة يحدّقون في المشهد، وكأنهم يتفرجون على فيلم تراجيدي، وليس واقعا مريرا يعكس مدى احتقار الانسان الذي اقترف خطيئة، والذي بالإمكان معاقبته بطريقة تحفظ له آدميته وكرامته.
ربما افضل مثال يعكس مدى توحش الناس السعوديين، هي قصة مازن عبد الجواد والذي يُطلق عليه اليوم "المجاهر بالرذيلة" الذي ظهر في برنامج احمر بالخط العريض في محطة "ال بي سي"، والذي دفع الناس انفسهم الى المطالبة بمعاقبته اشد عقوبة وصلت الى حد الاعدام، لأنه تحدث عن علاقاته الخاصة بالنساء، الامر الذي يمارسه كثير من الرجال السعوديين في الداخل والخارج.
ثالثا: انعدام القوانين المدونة وغياب سيادة القانون
المحاكم السعودية الى يومنا هذا تفتقر للقوانين المدونة. كل قاضي سعودي يحكم على حسب فهمه ومعرفته بالشريعة الاسلامية. السعودية وايران الدولتين الوحيدتين في العالم قضاتهم رجال دين متشددين يحكمون بقوانين دينية هم اجتهدوا في استحداثها، واطلقوا عليها شرع الله. لذلك مرات كثيرة يُحكم على الجناة بأحكام مختلفة بالرغم من ارتكابهم نفس الجريمة. هذا يجعل الناس تعيش في خوف وتخبط حيث لا احد يعلم ماذا سيحل به حين يلج اروقة المحاكم لأي جنحة.
ايضا القانون في السعودية لا سيادة له على المتنفذين والفاسدين في الدولة، فوباء الواسطة هو الذي يتحكم في مصائر الناس ومستقبلهم، ولأن القضاة رجال دين نجد بعضهم يتعاطفون مع من هم مثلهم، او يسير على نهجهم او من لديه نفوذ وثراء.
بالطبع الشرطة الدينية فوق القانون دائما مهما ارتكبوا من جرائم واهانات في حق الناس، حتى لو كانت جريمة قتل، مثلما حصل في عام 2008م في قضية سلمان الحريصي الذي ضُرب بأيدي رجال الشرطة الدينية بتهمة انه يحتسي الخمر ويصنّعه، وهُشمت جمجمته الى ان فارق الحياة. القتلة برأتهم محكمة التمييز في الرياض، بالرغم من ان التقرير الطبي اثبت ان سبب الوفاة شرخ في الجمجمة ادى الى نزيف حاد ومن ثم الوفاة.
وسنكمل استعراض اسباب اخرى ادت الى التوحش السعودي في الجزء القادم من هذه المحاولة.... وللحديث بقية...
الأحد، سبتمبر 06، 2009
التوحش والتوحش المضاد في المجتمع السعودي ـ2
في بداية الثمانينات مع رفع راية الجهاد وتجهيز المعسكرات المدعومة بالتكتيك والمعدات والتدريب الغربي ومساندة المال الخليجي، وفتح تلك المعسكرات في دول مثل الاردن والسودان وباكستان، اثناءها بعض مشايخ السعودية المتشددين بدأوا بنشر ثقافة التوحش، والزهد في الحياة، وبغض الآخر، وتجميع الاموال لتجييش الشباب الاسلامي والزج بهم في اراضي افغانستان والشيشان بإسم نصرة الاسلام، واخراج الكفار من ديار المسلمين.
في السعودية وعلى الساحة الاجتماعية في تلك الفترة ازدادت محاصرة الناس وتجريدهم من ذواتهم وخصوصيتهم وحرياتهم الفردية، حتى المظهر الخارجي والطقوس الدينية صارت قسرا واجبارا، وعلى اثر تلك التحركات التوحشية ، برز على الضفة الاخرى ردة فعل للتوحش مساو له في العنف ومختلف معه في الاتجاه، فقست قلوب الناس وانتشر التوحش المقنن في البيوت وظهرت تبعاته على الضعفاء منهم، وتفشى القهر ذو الماركة السعودية بين الطرقات وفي المحلات وفي جميع مؤسسات المجتمع.
لعقدين كاملين والعنف الديني والقهر السياسي في البلد يتفاقمان بوتيرة غير مسبوقة، والحال الاجتماعي يزداد سوءا وتدهورا، حيث ان الانظمة التعسفية كانت تلتف بشدة حول اعناق الناس والكبت بجميع اصنافه يتزايد عام بعد عام.
نُشرت الشرطة الدينية والأمنية في جميع الاماكن العامة لمراقبة الناس، وحُوربت جميع المظاهر الثقافية والصور الترفيهية، حتى التي تخص الاطفال مثل حفلات اعياد الميلاد والتخرج، فكل شيء لم يكن يروق للسلطة كان يُصنف على انه حرام او بدعة او مفسدة.
اضُطهدت النساء بأحكام وتشريعات لا صلة لها بالدين لكنها اُلبست بعباءته. هُضمت حقوقهن وغُيبن في ساحات المحاكم وأروقة المباني الحكومية، واُقصين في معظم الفعاليات والمرافق العامة، فتحولن الى كتل سوداء مجهولات الهوية. على الجانب الآخر حُرمن من معظم الفرص والوظائف، وتوقفت بعثات الفتيات السعوديات للخارج، ومُنع توظيف النساء في الاماكن المختلطة عدا القطاع الصحي. ايضا فُصلت العيادات النسائية واقسامهن بجدران عازلة، وطُبقت على الموظفات قوانين صارمة لضبط الفصل العنصري بينهن والرجال والزامهن بالزي الرسمي العباءة والنقاب الاسود الكالح.
وسائل الاعلام والمدراس والجامعات نالت نصيب الاسد من تلك الموجة المتوحشة فتحولت الى ساحات دينية من كثرة المواد الدينية والنشاطات والمحاضرات التوعوية التي تحرض على نبذ الغير وكرههم، وتعزز نزعة الزهد في الحياة، وتنشر ثقافة عذاب القبر وجهنم، وتحث على الشهادة ونيل الجنة. الاعلاميين والكوادر التعليمية كثير منهم ركبوا الموجة فاصبحوا دعاة ومبشرين بالصحوية الجهادية.
ايضا فُرضت قوانين وانظمة شديدة على الطالبات والطلاب في الزي وفي اجراءات الخروج والدخول في المدرسة او الجامعة. حُذفت جميع المواد الدراسية التي تثير الفكر النقدي وتثري الجانب الابداعي لدى المتعلم، واُستبدلت بمواد تعتمد في مجملها على الحفظ والسرد البليد. حُرم السعوديين من الالتحاق بالمدارس الاجنبية الموجودة في البلد، كي لا يتشكلوا بفكر السلطة الدينية ليس لها يد فيه، وبالمقابل مُنع تدريس غير السعوديين في المدراس والجامعات الحكومية لحجب المتنورين منهم عن السعوديين وابعاد تأثيرهم عنهم.
المساجد صارت منابر لنشر ثقافة العنف والاقصاء، فقُمعت جميع المطالبات الحقوقية السلمية بوحشية وبعنف غير مبرر، مثل محاولة النساء لقيادة السيارات في الرياض في بداية التسعينات، وقبلها الحركات الاصلاحية في الثمانينات.
انذاك الكتاب ربما كان اكثر وابسط جنحة سُجن عليها الانسان السعودي وربما جُلد ايضا في بعض الحالات، فكلما عبرت كلمة ثقافة تحسس رجال الحسبة عصيانهم، وتلمس حراس الامن اسلحتهم ، وتحركت في داخلهم نزعة الهجوم والايذاء. كان الاطلاع على فكر وتجارب واديان الشعوب الاخرى وتصفح كتبهم ودراسة ثقافتهم وايدلوجياتهم امر مُحارب ومنبوذ لدى السلطتين الدينية والسياسية.
في تلك الحقبة الاقليات الدينية او معتنقي الافكار التقدمية طالتهم ايضا ايدي الجهاديين المتصلبة، حيث عاملوهم بشتى اساليب التهميش والاضطهاد والاقصاء. مُنعوا من العمل في القطاع العسكري ومن الالتحاق بالسلك الدبلوماسي، وحُرموا من تقلد مناصب عليا في القطاعات الاخرى مثل الشركات المصنعة للنفط ومنتجاته، وفي البنوك والمؤسسات الحكومية. طُبقت لوائح مشددة على الاقليات الدينية فحدوا من ممارستهم لمعتقداتهم وطقوسهم. ايضا الاجانب العاملين في المملكة بعد أن تلقوا جرعات من التحذير والوعيد قبل قدموهم، وضُعت عليهم انظمة صارمة لكي يُحد من تحركاتهم و يُقلل من نشاطاتهم واختلاطهم بالسعوديين.
الدين صار بالقسر او متلبس برداء النفاق مما اثر على اللغة بين الناس وغيّرها بشكل عجيب، حتى صار الكل يظهر بأنه اكثر تدينا والتزاما من الآخر، وكأنهم في مارثوان ديني عالمي ستوزع فيه جوائز على الأشد تمسكاً بدينه، فحتى الاطفال الذين ولدوا في تلك الفترة، لقبوا بأسماء دينية مندثرة، لم يسمع بها من قبل.
بعد كل تلك التغيرات القسرية التي طرأت على المجتمع السعودي، لم يدرك الناس ولا حتى السلطة إلى أي مدى وصل التوحش المضاد وتوغل بين فئة من الشباب السعودي سوى بعد كارثة 11 سبتمبر في عام 2001، حيث نفذ العملية 19 عربيا، 15 منهم سعوديين، وبعدها نهض تنظيم القاعدة الدموي وانتشر مقاتليه في كل مكان، والذي يرأسه سعودي ويلتف تحت رايته كثير من السعوديين الجهاديين.
لم ينتهي الحال عند ذلك التنظيم، بل صُعق العالم مرة أخرى، خاصة العالم الغربي بظاهرة التوحش السعودي اكثر حين ثبت ان معظم نزلاء معتقل جوانتانامو من السعوديين ولم ينافسهم في العدد سوى اليمنيين، ايضا غالبية الانتحاريين الاجانب في العراق بين 2003 الى 2006 كانوا من السعوديين، وكثير من المقاتلين المغتربين في بلدان مثل أفغانستان وباكستان والصومال وقبلهم الشيشان كانوا من السعوديين، وحتى في فتح الاسلام في لبنان كان بين صفوفهم محاربين سعوديين.
بالطبع بضاعتنا رُدت إلينا في النهاية، فلا احد ينسى عمليات القتل والتفجيرات التي حصلت في مدن مختلفة في المملكة بين عامي 2003 و 2004، ومازالت اجهزة الامن تبحث عنهم في كل بقعة في الارض، وقوائم المطلوبين الجهاديين مازالت حتى يومنا هذا تتصدر صفحات الجرائد السعودية.
وآخر ما توصلت اليه اجهزة الامن قبل شهر تقريباً خلية سعودية تابعة لتنظيم القاعدة ومكونة من 44 شخصا من حملة الشهادات العليا، حيث كانت تخطط لشن هجمات ارهابية في مناطق مختلفة من البلد وفي منشآت نفطية، فتلك كانت المرة الأولى التي يعلن فيها جهاز الامن السعودي عن خلية من الجهاديين بينهم رجال على درجة عالية من التعليم والثقافة وفي تخصصات علمية مهمة. كانوا كلهم سعوديين فيما عدا شخص واحد قيل انه من بلد عربي.
بعدها فُجع الناس بحادثة محاولة الاغتيال الأخيرة التي حصلت في قصر الأمير محمد بن نايف يوم الخميس 27 أغسطس 2009، والتي ايقضت السعوديين البسطاء والعالم بأسره من جديد على كابوس يبدو ان ليله طويل جدا وتبعاته وخيمة ومخيفة.
الجدير بالذكر هنا أن الطوائف والفئات المقصية منها الاقليات الدينية والتنوريين كانت ولا زالت بريئة من تلك الجرائم والهجمات الارهابية، لأنها لم تتجرع التوحش بالطريقة التي حصل عليها الجهاديين وأتباعهم، ولأنها لا تحمل معتقداتهم لا تؤمن بفكرهم. لكن لا يعني هذا انهم اقل اغترابا من تلك الفئة عن ذواتهم. فهم في نهاية المطاف عايشوا نفس الظروف، وظهرت عليهم اعراض اخرى من التوحش لكن تبعاته تؤثر اكثر في محيطهم الخاص بهم، وهذا موضوع يحتاج الى بحث آخر لفهمه.
الآن تظل تساؤلات مهمة تطرق الاذهان. يا ترى لماذا يحمل تلك الفئة من السعوديون كل هذا التوحش خاصة بين الشباب منهم؟ ولماذا هذه النزعة الشريرة لإزهاق أرواح الآخرين وتبريره بنصرة الإسلام ونيل الشهادة؟ وهل ثمة حلول لإطفاء فتيل تلك النزعة بين الشباب السعوديين وانهائها بدون رجعة؟؟
حقيقة الأسباب كثيرة لتلك الظاهرة المروعة للتوحش المضاد والتي مازالت تلوك مشاعر الامان لدى الافراد والمجتمعات في شتى انحاء الدنيا، وسوف نتناول تلك الاسباب وطرق معالجتها في الجزء القادم من هذه المحاولة لفهم التوحش السعودي...فللحديث بقية...
الاثنين، أغسطس 31، 2009
التوحش والتوحش المضاد في المجتمع السعودي ـ1
ليس من نزعة المبالغة حين يُـقال أن ثمة نسبة لا بأس بها من السعوديين من أكثر الناس اغتراباً عن أنفسهم، واشد الناس توحشاً تجاه الآخر سواء بسبب هويته أو عرقه او طائفته. لماذا ياترى وصل الأمر بالسعوديين الى هذا النفق المظلم من الإغتراب والتوحش والريبة؟
في البلدان التي تعنى بشؤون شعوبها تهتم كثيرا في إجراء الدراسات والبحوث الأكاديمية من اجل فهم الظواهر الاجتماعية السلبية التي تطفو على السطح وتطرح اقتراحات وتوصيات لحلها أو للتقليل من تبعاتها، وحيث أن ذلك لا يحدث في السعودية بالدرجة المرجوة، سنقوم بمحاولة لفهم الحال التوحشي السعودي الذي يعيشه فئة من الناس، ومعاينة التركيبة الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل وتنمية ذهنية التوحش منذ ان هطلت على المجتمع السعودي أموال النفط الهائلة، وحتى تسلمت أفراده الأيادي المتصلبة دينيا من الطائفتين السنية والشيعية.
البحث في ظاهرة التوحش والتوحش المضاد التي ظهرت في اماكن مختلفة في داخل البلد وخارجه عبر العقود يحتاج أيضا إلى استيعاب للقوانين والأعراف القاسية وفهم آلية تدرجها وتشددها عبر الزمن، وحصر القوانين الأخرى الأكثر صلابة والتي اُستحدثت مع مرور السنين، وسُلطت على رقاب الناس من نساء ورجال واطفال، والتي تفسر الى حد بعيد مدى تغلغل التوحش في جميع مؤسسات المجتمع وبين سائر فئاته.
في الحقيقة أن الإنسان السعودي منذ الصغر يتجرع القسوة والتوحش جرعة تلو الاخرى الى ان يشب ويشتد عوده، فيتصلب قلبه، وتجف روحه، ويتجمد عقله، فإذا فلت وهو صغير من قسوة الأسرة، وتعسف الوالدين وانتهاك حقه في التعبير عن ذاته ومصادرة احلامه بحجة انه جاهل ولا يفقه، بالتأكيد لن يفلت من قسوة المدرسة والمسجد اللذين يحتضنان بين حيطانهم شتى أصناف الثقافات التي تعزز القهر والاستبداد. تتخرج أجيال من المدارس والجامعات والمساجد وهي لا تفهم سوى لغة التهديد والوعيد، ولا تتعامل سوى بسلوك التوحش والريبة.
السعودية بلد فسيح وفيه فئات وطوائف واعراق مختلفة، لكن لا يوجد مكان فيه لتعزيز الحوار الحقيقي البناء، ولا انشطة لغذاء الروح، ولا مساحة لتهذيب النفس وترويضها على قبول الآخرين واحترام معتقداتهم.
قسوة المناخ وقسوة الطبيعة تحالفتا على الناس مع قسوة التركيبة الاجتماعية والأعراف الموروثة والقوانين البدائية الفجة. من المؤكد ان القوانين والضوابط ازدادت صرامة خلال الثلاث العقود الماضية، فمنذ الثورة الإيرانية ونهوض الملالي في إيران وبالمقابل ظهور الجهاديين في أفغانستان هبت رياح التشدد على بلدان الشرق الأوسط وتفشى الفكر الاخواني والسلفية وتشيع ولاية الفقيه، وعلى وجه الخصوص في الجزيرة العربية وفي ايران وأتباعها.
الثمانينات في السعودية تميزت بالبطش في صفوف كل من هو ليس سلفيا أو اخوانيا أو جهاديا. اُختطفت مؤسسات التعليم والإعلام ولغمت بدعاة لا يحسنون سوى لغة العنف والزهد في الحياة. زادت الرقابة على الناس، ومُنعت سبل التواصل، وقُمعت مظاهر التقارب بين الطوائف، وتفاقمت قوانين الفصل العنصري بين الجنسين، وتضاعف قهر الاقليات والنساء.
ربما اعظم انجاز قام به دعاة الجهاد انذاك هو اجهاض التجربة الاولى للنهوض بالدولة السعودية من ظلام التخلف والرجعية، حيث ضربوا بيد صلبة افواج الخريجين السعوديين المتنورين الذين تلقوا تعليمهم في الخارج، وقدِموا الى بلدهم وهم يحملون معهم أحلاماً وآمالاً لتطوير المجتمع والدفع بحركة التقدم الى الامام. تربص المناهضون للتغيير بتلك الفئة المتعلمة، وقاموا بإبعادهم عن مراكز السلطة، وضيقوا عليهم في عيشهم، وأحبطوا جميع محاولاتهم للإصلاح والتغيير. دمروا خطط تطويرية صرفت الدولة عليها أموال طائلة تحت ذريعة تغريب المجتمع ونزع خصوصيته.
الجدير بالذكر هنا انه في حقبة الحرب الباردة تلك العالم الغربي وقف مساندا لتلك الفئات المتشددة بطريقة او بأخرى لصد اي تحرك فعلي للتحرر الوطني بحجة ايقاف الزحف الشيوعي.لم يكن تحالف العالم الغربي ضد الحركات التحررية مقتصرا على دول الشرق الاوسط، بل طال دول امريكا الجنوبية وبعض دول شرق اسيا.
الدولة السعودية وجدت من صالحها ان تنضم لصفوف ذلك التحالف الغربي، لذلك لم يكن يهمها كثيرا ما كان يجري آنذاك للفئات المختلفة من المجتمع، والتي تعرضت للقهر والإقصاء بشكل وحشي، بل على العكس بعض أجهزة الدولة ساهمت في تطبيق اجندة المتصلبين دينياً ممن يطلقون على أنفسهم بالصحويين، لأن أفعالهم كانت تصب في مصلحة الدولة، حيث مكنتها في الوقت نفسه من بسط سلطتها على شرائح كبيرة من المجتمع، وتخلصت من الصوت المطالب بالتطوير والاصلاح والمشاركة السياسية.
وللحديث بقية...
الثلاثاء، أغسطس 25، 2009
شهرزاد الافغان
كانت شهرزاد لألف ليلة وليلة تروي حكاية مثيرة تليها اخرى اكثر اثارة، من اجل ان تسلي شهريارالجبار وتُبعد عنقها عن سيفه المتربص بها كل مساء لكي يسلبها حقها في الحياة. لم تكن تعلم اثناءها ان الزمان سينجب عبر العصور شهرزاد وشهريار آخرين منتشرين بأعداد مهولة في كل بقعة معتمة حيث اُستخدم فيها الدين كسلاح للقهر والاستبداد.
هاهي شهرزاد اخرى تُولد من جديد في افغانستان لتجوب ارض شديدة القتامة من اجل البحث عن سبل للنجاة. افغانستان ارض طحنتها حروب هوجاء، ودمرها جشع الذكور للسلطة وبغضهم لبعضهم البعض. ذكور انجبتهم هي، وآخرون اتوا من الشرق والغرب بنفس سحنة شهريار الجبار، ليشاركوا جميعا ولعقود طويلة في اغتيال الحياة فيها، وسحق كل معالمها.
شهرزاد الارض وشهرزاد المرأة تلتقيان معا بأسى شديد في زمن اغبر عديم الرحمة.
مرت ثلاث ليال وشهرزاد تتهرب من نظرات زوجها العجوز الشيخ حامد كرزاي الذي يتلهف على الالتصاق بجسدها الغض ليعبث به كيفما شاء، معتقد ان مضاجعتها سيرد له شبابه من جديد، وسيعيد لجسده المترهل نظارته.
الشيخ حامد كرزاي زوج شهرزاد رجل سادي الطباع، فهو من صنف الرجال الذين يتلذذون بالعنف في الجنس، ويستمتعون في استخدام الضرب والكلام البذيء اثناء المضاجعة، مما جعل شهرزاد تقرف من رؤيته، ولا تطيق معاشرته، وتنفر بشدة من سلوكه الهمجي في الفراش.
لم يمر سوى شهور قليلة على زواجها من الشيخ حامد كرزاي، لكنها تشعر كأنها عاشت دهور سحيقة من شدة المرارة التي تعانيها مع ذلك الزوج الغريب الطباع، فهو لا يفارقها ولا يغيب ليلة عنها لانها امرأة جميلة وزوجة جديدة.
شهرزاد مازالت في عز شبابها فهي لم تطرق ابواب العشرينات بعد. فقبل ان تُجبر على الزواج من شيخ القرية العجوز هذا، كانت تعيش مع شاب يحبها، ويعاملها بذوق وكانت حالتها ميسورة لأن زوجها كان يجيد النجارة وصنع الاثاث، لكنه قُتل في احدى غارات طالبان على القرية، فخلّف ورائة زوجة وطفلة رضيعة.
بعد موت زوج شهرزاد اخبرها والدها انه لن يعيلها، وبأنها لا بد ان تقبل بالزواج من شيخ القرية العجوز الذي ابدى رغبته في الارتباط بها وهي مازالت في شهور الحداد.
شهرزاد مثل معظم الفتيات في قريتها، لم يكن لديها خيارا سوى ان تقبل بذاك العرض من اجل ان تتمكن من تربية صغيرتها وتنقذ نفسها من الجوع والتشرد.
الشيخ حامد كرزاي رجل مغتصب للأرض ومغتصب للنساء. رجل فاسد بكل ما تحمل تلك الكلمة من معنى، فقد شيّد ثروته من استعباد الفلاحين والاستيلاء هو وعصابته على ثروات القرية. لديه ثلاث نساء منجبات وشهرزاد الرابعة. جميعهن شابات في مقتبل العمر، لكنه حالما يمل من واحدة منهن يطلقها ويأتى ببديلة عنها. في اعتقاد كثير من الرجال المسلمين ان النساء اداوات للانجاب والمتعة، وقوانين الاحوال الشخصية في بلدانهم والسماح بتعدد الزوجات لهم من غير شرط او قيد رسخت لديهم ذاك المعتقد.
حانت الليلة الرابعة وانتهى العد التنازلي لتملص شهرزاد من واجبها تجاه زوجها العجوز. الشيخ حامد كرزاي اليوم مدرك جيدا كون زوجته من الطائفة الشيعية فان القانون الجديد "الجنس مقابل الغذاء" اجاز له الحق في تجويعها في حالة ان رفضت الاستجابة لرغباته الجنسية . القانون حدد بشكل واضح ان المرأة الشيعية يجب ان تمارس الجنس مع زوجها كل اربعة ايام، سواء كانت لديها رغبة فيه اما لا. من المفترض ان تكون المعاشرة الجنسية علاقة خاصة تجعل الزوجين اكثر رقياَ وقرباً وحميمية، لكن في القانون الافغاني الشيعي الجديد حول الجنس الى علاقة ابتزاز وضغط نفسي يمارسه الزوج على زوجتة.
شهرزاد فرّت من الجوع وتبعاته الموحشة لتقع بين مخالبه بشكل ابشع وبحماية من قانون مجحف. لم تعد ترى امامها سوى نفق معتم طويل وسنين مديدة من الرضوخ والاغتصاب الموحش من رجل تبغض كل شيء فيه.
حلّ الظلام وبدأ الشيخ حامد كرزاي بشن هجومه الجنسي على شهرزاد، يعريها بجنون وكأنه حيوان متوحش يتضور جوعاً وللتو نال من فريسته. بدأ بعضها بقوة في مناطق مختلفة من جسدها، وهي تصرخ وتستجدي الرحمة لكن ذلك كان يزيده توحشاً وهيجاناً، فيصفعها على وجهها ويشد شعرها ومن ثم يقضم حلماتها.. يطأها بعنف وهي تندب وتبكي بكاء الايتام ويتبدد صوتها في الظلام وتتلاشى احلامها الوردية كتلاشي حمامات السلام على فوهات مدافع المعركة... ويستمر العجوز القذر في اغتصابها وايلامها طوال الليل حتى ينهار جسده من التعب وجسدها من الايذاء...
ومرة اخرى تصمت شهرزاد في تلك البقعة السوداء من العالم ..وتتسلل خيوط النهار بروية وتتفتق السماء الصباح على ظلم مقنن ومباح...
________________________
للاطلاع على القانون الافغاني الجديد
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2009/08/090816_om_afghanistan_starving_tc2.shtml
الخميس، يونيو 04، 2009
امرأة مسترجلة
وجيـهة الحويــدر
اغلقت "شاردة" باب غرفتها وأقفلته بهدوء بعد أن ألقت السلام على صاحب البيت العجوز الذي كان ينظر اليها بريبة وشك. خلعت العقال والغترة ورمت بهما على الكرسي اليتيم في غرفتها، ثم القت بجسدها المنهك على سرير عتيق يكاد يقترب من الارض من شدة ترهله.
كانت "شاردة" تشعر بضيق غريب النزعة. ربما لأن نظرات مالك البيت إليها جعلتها تشك انه قد تعرّف على شخصيتها وتيقن أنها امرأة وليست رجلا.
بعد مرور بضع دقائق وهي مستلقية والحيرة تطحن قلبها وتلوك هدوءها النفسي، قررت "شاردة" ان تتوقف عن ذاك الفزع والافكار التي اخافتها، وصارت تحاول أن تطمئن نفسها على أنها بخير، وان ذاك الرجل العجوز لم يكتشف هويتها.
منذ ان قدِمَت "شاردة" الى جدة هاربة من مدينتها القنفذة، وهي تتنكر في زي رجل. بالرغم من انها في العقد الرابع من عمرها، لكن وجهها الغض، وجسمها النحيل يوحي بعكس ذلك. تبدو وكأنها ما زالت تتنعم بسنين العشرينات وبنشوتها. لها قوام جميل، ووجه صحراوي التقاسيم، وثديين صغيرين مما سهل عليها مهمة اخفاءهما.
حين قررت ان تهرب من عش الزوجية والتخفي في شخصية رجل، كانت مدركة تماماً مدى خطورة تلك الفعلة، لكنها وجدت انها افضل من ان تعيش مع زوج لا يربطها به سوى صك ملكية. زوجها مثل سائر الأزواج السعوديين، يُعد الزوجة ملكه بعد ان دفع ثمنها لوالدها بما يسمى بالمهر. صار هو المتصرف الشرعي في كل أحلامها وطموحاتها، والقانون وهبه الدور تحت مسمى "المحرم"، وحرّضه أيضا على انتهاك حق المرأة وامتلاك جميع قرارتها.
"شاردة" لم تعد تطيق ذاك الوضع، لذلك غامرت بالهروب من ذاك الزوج، وقررت أن تعش حياة محفوفة المخاطر بلباس رجل.
نهضت "شاردة" من على سريرها وخلعت الثوب الابيض ذو الملامح البليدة والذي يرتديه غالبية الرجال في بلدها، ثم فكّـت الرباط من على ثدييها الناعمين، لكي تريحهما من الضغط الذي تضعهما تحته كلما توجهت للعمل في الخارج.
حين اتت "شاردة" قبل شهرين الى جدة تمكنت من اقناع صاحب البيت أن يأجرها من بيته غرفة ذات باب خارج ومرفق بها حمام صغير. كان أهل البيت يستخدمون الغرفة لسائق المنزل، ومنذ أن هرب سائقهم ربما من سوء المعاملة، قرر الرجل العجوز صاحب البيت أن لا يجلب غيره، وحرم النساء من الخروج بدون أمره.
"شاردة" منذ أن لجأت إلى جدة، عملت متسببة حيث أن الحياة كانت تقذفها يمينا وشمالا حسب ما تأخذها لقمة عيشها. كانت في منتهى الصدق والأمانة مع من تتعامل معهم. لم تدخل جوفها لقمة حرام قط، ولم ترتكب أبدا أية خطيئة يعاقب عليها القانون. تنام كل ليلة وهي مرتاحة الضمير، وهادئة البال، لأنها تعلم جيدا أنها لم ولن تضر أحدا كونها أنها أُجبرت على أن تعيش حياة مختلفة عن سائر النساء.
في بلدها النساء اللواتي بلا رجل مثلها، اللقمة بالنسبة لهن مُرة بطعم العلقم، لأنهن محرومات من جميع سبل الحياة المستقلة الكريمة ، لذلك رأت "شاردة" لا حل لديها سوى أن تنتحل شخصية رجل، كي تنجو من مخالب الجوع وتفر من قبضة الرذيلة.
بعد أن خيَم الظلام على مدينة جدة الساهرة، أدت "شاردة" فريضة صلاة العشاء، ثم تناولت عشاء كفيف عبارة عن رغيف خبز وجبن ابيض وحبات قليلة من الزيتون الأخضر. شربت بعد تلك الوجبة البسيطة كأس شاهي ساخن.
اندست في سريرها محاولة أن تخلد إلى النوم، لكن لا زال ثمة قلق يحوم حول رأسها، ويغض مضجعها، ولم تعثر على وسيلة للخلاص منه.
أضاءت النور وجلست على سريرها وتناولت كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" واسترسلت بالقراءة لبعض الوقت، وإذا بها تسمع طرقا شديدا على بابها. سألت وهي ترتعش خوفاً :من الطارق؟ ولكن قبل أن تسمع ردا، كُسر بابها، واقتحموا رجال الأمن الغرفة ومعهم صاحب البيت. ثم أمروها بصوت ذو نبرات قاسية أن ترتدي عباءة بسرعة، وقادوها معهم، وهي تقاوموهم، وتبكي وتصرخ بألم وحزن شديد: "خافوا الله فيني، أتركوني أعيش بسلام، خافوا الله فيني..."
رُمي "بشاردة" في السجن لأنها رفضت ان تعود لزوجها، والآن ستُخضع لاختبارات سيكولوجية للتأكد من صحتها النفسية، لأنها حاولت أن تعيش في بلد لم يترك مساحة للمرأة أن تحيا سوى في ظل رجل، حتى لو كان ذاك الرجل يمارس عليها كل أصناف القهر، ويحرمها من ابسط حقوقها.
ونشر الخبر في جريدة الرياض في عددها الصادر يوم 4 يونيو 2009
"شرطة القنفذة تعيد المرأة المسترجلة لأهلها"
http://www.alriyadh.com/2009/06/04/article435086.html
الجمعة، مايو 29، 2009
رجاء..لا تجعلوا الناس ينتظرون كثيرا في الحصول على جرعة الموت او الذل
يُقال انه كان ثمة مجموعة من الطغاة احكَمَوا قبضتهم على شعب، فبطشوا به بطشا شديدا. عبثوا في البلاد، وعاثوا بالعباد، وسرقوا الثروات، وحكموا بالحديد والنار، ونشروا الرعب في قلوب الناس الى درجة انهم فقدوا القدرة على الكلام.
في يوم من الايام شعر كبير الطغاة بالملل من سلبية الناس، وخنوعهم له، وخضوعهم لكل قوانين الظلم والقهر التي يسنها عليهم، ففكر في افتراضية جديدة واراد ان يتأكد من صحتها. الافتراضية هي: هل ثمة شخص من بين الناس من لديه بقايا كرامة وبإمكانه ان يعترض بشجاعة؟
اتى بطريقة ليتأكد من فرضيته، فأمر رئيس جهاز الامن ان يبث حراسا أشاوس وشرسين في جميع الطرقات الرئيسية المؤدية الى الاسواق المركزية التي يتبضع منها الناس ليجنوا قوتهم. كانت مهمة هؤلاء الحراس اثارة غضب الناس وإهانتهم بشتى السبل.
في غضون ساعات نُفذت الاوامر، وباشر الحراس مضايقاتهم للمارة بالشتم واللعن والضرب وانزال الناس من على دوابهم وسرقة ما عندهم، واذا كان العابر بصحبة امرأة اعتدوا عليها وانتهكوا عرضها.
مرت عدة ايام حيث بدوا الناس انهم متعايشون بشكل جيد مع جميع اصناف القهر، ومازال كبير الطغاة ينتظر ان يجد اجابة لفرضيته، هل يا ترى سيجد فردا واحدا يعترض على هذا الظلم السافر؟
فجأة اتى اليه رئيس جهاز الامن ومعه عريضة وعليها توقيعات عديدة من الناس. انبهر كبير الطغاة، لأنه تصور انه قد قضى على كل المشاعر الانسانية لدى افراد الشعب، وانه حولهم الى خرفان مرعوبة تجري وراء لقمة عيشها فقط، مهما كلفتهم تلك اللقمة من مرارة وامتهان.
كان حدس رئيس الطغاة في محله، بالفعل العريضة كانت من مجموعة من الناس كتبوا فيها "افعلوا بنا ما شئتم لكن رجاء زيدوا من عدد حراس الأمن، كي لا تجعلونا ننتظر كثيرا في الحصول على جرعة الذل!"
السبب الذي برروا فيه طلبهم هو كي يتمكنوا الحراس من القيام بمهامهم بشكل اسهل واسرع، ومن ثم يتسنى للناس استكمال لهثهم وجريهم وراء عيشهم المنزوع الكرامة!
تلك الحكاية مجهولة المصدر، لكنها حقيقة تعكس الواقع العربي اليوم. كل دولة عربية لديها شعب يحمل من تلك السمات الشيء الكثير. العرب أحكموا قبضتهم على امم بأنظمة مجحفة وقاهرة. جماعات واسر حكمت شعوب المنطقة وصاروا يتوارثون الظلم أبا عن جد، وسلطوا على اعناق الناس اشرهم، كي يضمنوا جلوسهم على عروشهم أطول مدة ممكنة.
فعلى سبيل الذكر وليس الحصر، ثمة دولة عربية غيّرت بنود دستورها لكي تمدد سنين حكم الطاغية وتضمن استمرار جبروته، ولم تجد واحدا في شعبها من لديه الشجاعة ان يعترض!
واخرى بلا دستور ولا قوانين مدونة. شعبها يتخبط في الظلام..القضاة يحكمون الناس على حسب اهواءهم وأمزجتهم، ويدّعون انهم يطبقون شريعة الرب..! أُلغيت فيها الانتخابات اليتيمة في البلد والتي تُسمى بإنتخابات المجالس البلدية، وربما يُعاد النظر فيها بعد سنتين، ومر الخبر مرور الكرام على مسامع الناس وكأن شيء لم يكن!
دولة عربية اخرى حاكمها صار له اكثر من اربع عقود وهو رازح على صدور الناس، ويزعم ان حكمه هو اساس النظام الديموقراطي الحقيقي، ولا يجد بين الملايين من شعبه من يقول له انك مفتري وكاذب.
حاكم دولة عربية اخرى يُعد ابنه ليرث عرشه بكل السبل، بعد ان استولى على جميع مصادر الثروات في ذلك القطر العريق، ورغم انوف المعترضين سيأتي الابن ليكمل مسيرة النهب، مثلما فعل غيره في دول عربية اخرى مجاورة.
ودولة اخرى تدّعي الديموقراطية، رجالها الوراثين للسلطة بالسلاح أو من ابائهم يسعون لترشيح انفسهم ، ونظام الدولة فيها يقسّم مقاعد البرلمان المحافظ الوزارية الى حصص حسب الطوائف، وكل طائفة فيها مسلحة بقوى من الخارج، ومن يعترض يلقى حتفه في سلسلة من الاغتيالات او في نزاعات عسكرية.
بلدان حكمها حفنة من العرب بقوة السلاح، وحولوا شعبها الاصلي الى سكان من الدرجة الثانية. نشبت حروب طاحنة فيها لعقود، ومازال المسلسل الدموي من اغتصاب النساء وهدم المدن وقتل اهلها وتشريد الناس من قراها ومدنها مستمر...
اخرى حاكمها مثل جاراتها هو المتصرف الشرعي الوحيد في البلد، حين يُطالب اعضاء مجلس الامة بالتحقيق في فساد الحكومة ونهبها للثروات، يحل الحاكم المجلس ويقيل وزراء الحكومة ويأمر بانتخابات جديدة..ثلاث مرات متتالية في اقل من سنتين..ولم يتفوه احد بكلمة واحدة ضد ذاك الحاكم..مبدأ تلك الدولة وشقيقاتها "الشيوخ ابخص!"
في الجمهوريات العربية التي ارتدت عباءة الديموقراطية كذباً وبهتاناً ، تقوم بغش وتدليس في صناديق الاقتراع، ولا يتغير الحكام ابدا، وكأنهم الموت المقدر على جميع البشر، وتظهر نتائج الانتخابات مبينة ان الشعب انتخبهم بنسب لا يصدقها العقل.. ولا يعترض احد..
دولة اخرى تتستر على رجل سادي يتلذذ بتعذيب الناس حتى يشارفوا على الموت، ويصّور جلسات التعذيب في افلام فيديو، ولا احد يُحرك ساكنا..والسبب هو انه واحد من اخوان الحاكم..وهذه الدولة تُعد من اكثر الدول العربية تطورا وانفتاحا على العالم!
دولة بعد ان مكّـنت رجال الحسبة الاشاوس من السيطرة على جميع المؤسسات وكل مناحي الحياة، الآن ستعطي سلطة اكبر لهم بوضع كاميرات في المحلات والاسواق العامة من اجل مراقبة سلوكيات الناس واخلاقياتهم، ومطاردتهم حتى الموت، اذا اقترفوا "جريمة الخلوة غير الشرعية"، هذا الخبر نشر في الجرائد وعبر للأسف، ولم يؤثر ابدا على مسامع احد.
دولة اخرى اعتلت سلم الديموقراطية الصورية، ثم سلّطت محطة فضائية عتيدة تبحث عن عثرات جميع الانظمة في المنطقة وترّكز عليها في تقاريرها.. ولا تسمح لأحد ان يكتب اي تقرير عن الحكومة الحاضنة لتلك المحطة ولا عن انتهاكاتها..ومن يفعل يُعاقب...واذا كان اجنبيا يـُرحّل بهدوء تام...
اكثر الدول العربية ثراء بل في العالم، معظم مدنها شُيدت بعشوائية وبلا صرف صحي ولا خدمات اساسية، مدارسها بيوت مؤجرة، وشوارعها خَرِبة، وحققت اعلى نسبة القتلى على الطرقات... كل اسرة في البلد فقدت فردا في حادث مرور ..يسمونه قضاء وقدر...والحياة تمر.. ولا احد يتذمر...
دولة تفرض على النساء نزع الحجاب، وتضايق السافرات في عيشهن، وتدّعي انها تحترم الحريات الشخصية، وتزعم انها تتبنى اسس المفاهيم العلمانية!
عدة دول عربية تحرّم على المرء استخدام الانترنت في الكافيهات اذا لم يسجل جميع معلوماته الشخصية، ويظهر بطاقته الثبوتية.. قانون اُعتمد في تلك الدول بدون اي عناء او اعتراض من مرتادي تلك الاماكن..
جميع النساء والاقليات المذهبية والدينية والعرقية في البلدان التي يحكمها العرب تعاني من مرارة التمييز والقهر، وفي بعض تلك الدول المرأة تعيش حياة الامَة، يملكها رجل يـُدعى محرَم، صار ذلك امرا معتادا لدى الجميع ، بل على العكس ظهرت فرق متطرفة تُطالب بزيادة جرعات الظلم عليهم..
بلدان عربية افراد من شعبها يعيشون بين الحفر والمقابر، نسبة البطالة بين العرب واحدة من الاعلى في العالم، بالاضافة ان بينهم الاكثر عشوائية في الانجاب، الأمية متفشية تصل الى اكثر من 64 مليون، الثلثين منهم نساء، وكل عام يمر يُضاف عشرة ملايين طفل بلا مقاعد دراسية .. يهيمون على وجوههم في الشوارع، ولا احد يهتم!
جميع الدول العربية وبدون استثناء، من يعترض فيها على الحاكم، او يفكر في تشكيل اعتصام او تنظيم سلمي..يُعتقل ويـُرمى به في غياهب السجون..وربما القدر يرحمه ولا يموت من شدة التعذيب. فيخرج من زنزانات الحاكم بعاهات نفسية، او اعاقات جسدية مستديمة...حتى كتابة هذه المقالة ثمة الآلاف في المعتقلات، ربما يلقون حتفهم هذه اللحظة، وربما منهم من يُهان ويعذب الآن...وتمضي الايام وكأن ذلك لا يحدث...
مرة اخرى هنيئا لكم يا حكام العرب ... تمكنتم ان تحولوا شعوبكم الى كتل مخلوقات خائفة.. تفعلون بهم ما شئتم.. لكن رجاء زيدوا من حراس الامن، لا تجعلوا الناس ينتظرون كثيرا في الحصول على جرعة الموت او الذل.
الجمعة، مايو 15، 2009
يسألونني
وجيـهة الحويــدر
كثير ما وُجه إلي سؤالا من نساء ورجال متى سأكف عن المطالبة بحقوق المرأة السعودية، حيث ان النساء السعوديات "بخير"، خاصة مع ظهور بوادر هنا وهناك، تـُبين انه ثمة اهتمام وان كان بسيطاً جدا بتحريك ملف قضايا المرأة السعودية، واطفاء بعض الرتوش التجميلية على وضعها المثير للشفقة مرات، والتعجب مرات أخرى.
وكي لا أجابه بسؤال مثل ذلك أو يجابهن به غيري من الحقوقيين الذين يحملون نفس الهم، وجدت أن أوضح أمرا من اجل أن يصل لأذهان الجميع, وذلك من خلال عكس صورة الواقع الذي نحن نعيشه، وقلب الأدوار بين المرأة والرجل، ومن بعدها ربما تتضح الغاية من المطالبة من تحسين أوضاع النساء السعوديات في جميع مناحي الحياة:
سأكف عن المطالبة بحقوق المرأة السعودية :
-حين أرى نساء سعوديات غير مؤهلات يتبوأن مناصب عليا من حاكمة أو وزيرة، أو سفيرة، أو رئيسة وزراء أوعضوة مجلس الشورى أو حاكمة منطقة، وغيرها من المناصب السياسية العليا لمجرد أن لديهن الصلات والعلاقات الخاصة الفئوية والدم القبلي.
-حين ارى أن المحاكم تديرها نساء سعوديات، ولا يُسمح للرجال السعوديين بمزاولة أية مهنة فيها، ولا يحق للرجال تمثيل انفسهم الا من خلال امرأة تكون ولية ووصية عليهم وعلى جميع شؤونهم. وبشرط ان لا يدخلون الرجال قاعة المحكمة الا بأمر من القاضية، ويأتي الرجل مجهول الشخصية ومغطى تماما بالسواد من الرأس إلى أخمص القدمين، ولا ينطق بكلمة الا بأمر من وليته ووصيته. ولا تُحسب شهادته الا اذا كانت مقرونة بشهادة رجل آخر.
-حين أرى رجال سعوديين متنفذين يظلون أسماء "لامعة" لأن همومهم تحوم حول فتح معارض خيرية او فنية او خاصة بالأزياء، بينما أخواتهن النساء أخبارهن تتصدر الصحف في ارساء مشاريع حيوية ومهمة، وإصدار قرارات مصيرية من اجل تطوير أوضاع البلد وتحسينها.
-حين أرى الرجل السعودي لا يتزوج ولا يطلق ولا يعمل ولا يدرس ولا يسافر ولا يتعالج ولا يتخذ اي قرار له خاص او عام ، ولا يخرج حتى من البيت سوى حين تسمح له المرأة المتكفلة به من المهد الى اللحد.
-حين يشعر الرجل السعودي بالخوف طوال حياته، لان بإمكان زوجته ان تستبدله او تضيف اليه رجل آخر عن طريق متعة او مسيار أو زواج ثاني لتلبية نزوات المرأة، وتسمي المرأة ذلك الظلم انه شرع الله.
- حين أرى امرأة سعودية تنهي حياة رجل سعودي ناجح بحرمانه من عمله بورقة.
- حين أرى رجال سعوديين بالغين راشدين عاقلين يجرجرون إلى مراكز شرطة المرور حين يقودون سيارتهم، ولا يـُفرج عنهم سوى بتعهد من ولية الأمر، بحيث لا يرتكبون تلك الفعلة مرة اخرى.
- حين تكون الوظائف في معظم الدوائر الحكومية والمؤسسات والشركات والبنوك حكرا للنساء السعوديات، ولا يُسمح للرجال السعوديين بدخول المباني فيها لاي سبب من الاسباب.
-حين يُسجن الرجل السعودي الراشد لارتكابه اية جريمة، وتنتهي مدة سجنه لكن لا يُسمح له بالخروج من الحبس سوى بموافقة المرأة التي هي ولية امره. وحين ترفض ولية الأمر استلامه، يبقى الرجل لسنوات طويلة مسجونا بدون ان يهتم احد لاخراجه.
-حين يُحرم الرجل السعودي من معظم الوظائف في القطاع العام والخاص، بحجة الاختلاط، او لانه لا يعيل، او لكونه مخلوق ضعيف ولا يتحمل مصاعب العمل، وتصل نسبة البطالة بينهم اكثر من 80% وتعد اكبر نسبة بطالة بين الرجال في العالم.
-حين ترتدي المرأة السعودية ملابس بيضاء مريحة، بينما يُـجبر الرجل السعودي على لبس وشاح اسود، وقفازات سواد، ورداء اسود يحوله الى كتلة سوداء، ويمشي تحت الشمس الحارقة التي تصهر الحديد، ويُسلط عليه نساء جبارات شرسات يطاردونه ويراقبون تحركاته باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكي يُـدرك الرجل أن له مكانين في هذه الدنيا البيت والقبر.
-حين يُمنع الصغار الذكور من مزوالة الرياضة في المدراس ، ويحرمون من أن يربوا أجساد صحية، ويُمنعون من أن يكونوا نجوم رياضيين عالميين.
-حين تستولي النساء السعوديات على جميع وظائف مراكز التسوق، وحتى وظائف محلات الملابس الداخلية الرجالية تعمل فيها نساء، وتعرض البضاعة على الرجال بكل بجاحة وقلة حياء.
-حين يُمنع رجال الأعمال السعوديين من القيام بأعمالهم سوى من خلال كفيلة سعودية.
-حين يٌحرم الرجل السعودي من التصويت والانتخاب في المجالس البلدية.
-حين تحصل المرأة السعودية على ضعف ما يحصل عليه الرجل من المال من ورث والدها، حتى لو كانت امرأة ثرية، وتمتلك أموال طائلة، واخيها فقيرا مدقع.
-حين يُسمح للمرأة السعودية بتطليق الرجل وطرده من البيت وحرمانه من صغاره، وجلب زوج آخر اصغر سنا منه ليحل بديلا عنه.
-حين يتزوج الرجل السعودي من امرأة غير سعودية، وتُحرم زوجته وأبناءه من اقتناء الجنسية السعودية، ويُعاملون كأجانب، ويُحرمون من جميع الحقوق كمواطنين، بالرغم من أن والدهم سعودي وعاشوا طوال حياتهم في السعودية.
-حين يستلم المعلم السعودي راتبا اقل من المعلمة السعودية ومميزات اقل.
-حين يُمنع الرجل السعودي من دخول مؤسسة علمية مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ولا يُسمح له بالعمل او الدراسة فيها، ويمنع من دراسة تخصصات الهندسية والمجالات التي تتطلب عمل ميداني.
-حين تُـقام دورات رياضية للنساء السعوديات فقط، وتكب عليهن ملايين الريالات لنشاطهم الرياضي، ويُحرم الرجال السعوديين من جميع الفعاليات لكونهم رجال.
-حين يستولي النساء السعوديات على جميع مناحي الحياة الثقافية والاعلامية، ولا يُسمح سوى بفئة قليلة من الرجال السعوديين يعملون على بنود أجور او بند المتعاونين.
-حين لا يُسمح للرجل السعودي الراشد بالدراسة في الخارج سوى بصحبة ولية أمره.
-حين تتخذ وزيرة قرارا قد يساعد على التقليل من القهر على الرجل السعودي، لكن لا يتم تنفيذه خوفا من ردة فعل المؤسسة الدينية النسائية، وهيئة كبريات العالمات.
- حين تخرج امرأة دين سعودية في جميع وسائل الأعلام الحكومية تجيز ضرب الرجل وصفعه من اجل تهذيبه ومعظم النساء يؤيدنها.
-حين يصبح 96% من حالات العنف تسبب فيها نساء ضد رجال.
-حين يكمن الشرف في جسد الرجل، ويتعرض للعنف والقتل إذا مسَت امرأة جسده.
-حين تستولي النساء السعوديات على جميع المنابر الدينية وتستخدمها لقهر الرجل وزيادة التضييق عليه، وتطالب بحرمانه من حقوقه الأساسية وحرياته الشخصية باسم الدين.
-حين تفتي امرأة دين سعودية بجواز زواج الطفل الذكر ذو التسع سنوات لامرأة مسنة طالما يتحمل ذلك الطفل الوطء ، ويوافقنه النساء في تلك الفتوى.
-حين تـُنشر في المجتمع السعودي من خلال أجهزة التعليم ووسائل الأعلام ثقافة النظرة الدونية عن الرجل ، ويتهم الرجل الراشد بأنه ناقص عقل ودين، ولا خير في امة وليت أمرها لرجل.
بالطبع كل ما ذُكر مسبقا هو ظلم افتراضي على الرجل السعودي، لكنه واقعي على المرأة السعودية، وكون الظلم بكل أشكاله مرفوضا جملة وتفصيلا، لذلك الحل لا يكمن في قهر الرجل بل في رفع القهر عن المرأة، وسيكف الجميع عن طرح ذلك السؤال حين نرى الجميع نساء ورجال يمتلكون حق المواطنة كاملا، ويكونون سواسية أمام القانون كأسنان المشط.
السبت، أبريل 25، 2009
اينما
وجيهــة الحويـدر
اينما وجِدَ ثراء فاحش بجانب فقر فاحش في مكان واحد، وجِدَ فساد مالي فاحش.
اينما وجِدَت نساء مهضومات الحقوق، وجِدَت امة تغرق في مستنقع الجهل والتخلف.
اينما وجِدَ اطفال مضطهدين، وجِدَ فتيان محترفين للجريمة والارهاب والقتل.
اينما وجِدَ حاكم مستبد، وجِدَ شعب كل فرد فيه مرشح بأن يتحول الى شخص قاهر لمن هو اضعف منه.
اينما وجِدَت مساحة واسعة للحرية، وجِدَ ابداع مذهل، وتطور متجدد، وشعب مرفه يعيش حياة استقرار ورخاء.
اينما وجِدَ مسؤول قادر على كسر القانون لصالحه، وجِدَت سرقات مهولة للمال العام.
اينما وجِدَت فئة من البشر مسلوبة الحقوق، وجِدَ سلام مترنح يكاد ان ينهار في اي يوم.
اينما وجِدَ قانون يصادر الكتب ويحجب المواقع الثقافية والسياسية، وجِدَت صحف صفراء يصدرها كُتـّاب متملقين للحاكم.
اينما وجِدَ حاكم يرتدي عباءة الدين ويحكم بما يسمى بشريعة الرب، وجِدَ دعاة دين مرتزقة، وكهنة فاسدين.
اينما وجِدَت شفافية ومحاسبة، وجِدَ اللصوص والفاسدين الكبار خلف القضبان.
اينما وجِدَت معابد اكثر عددا من المدارس، وجِدَ رجال قاهرين لنسائهم بإسم الدين.
اينما وجِدَت وراثة للحكم، وجِدَت عصابات نهب لثروات البلد.
اينما وجِدَ نساء ورجال احرار، وجِدَت امة لا تُهان ولا تُهزم.
اينما وجِدَ اعلام يبجل الحاكم ويمجد اعماله، وجِدَ شعب مستغفل.
اينما وجِدَت مدارس تدرس تعاليم دين معين بالإجبار، وجِدَ قهر للنساء والأقليات والاحرار.
اينما وجِدَت الامية وتفشي لثقافة الاستهلاك، وجِدَ ضرر للمخلوقات واهدار لثروات البيئة.
ايمنا وجِدَ حب واحترام متبادل بين المرأة والرجل، وجِدَت اسرة تنعم بحياة كريمة.
اينما وجِدَ ظلم في مكان ما، وجِدَ خطر يهدد حياة الآخرين في بقية الاماكن.
اينما وجِدَ بلد بلا دستور سوى ما يُسمى بشريعة الرب، وجِدَت سجون مليئة بالمظلومين.
اينما وجِدَت عدالة ومساواة وحرية للجميع، وجِدَ سلام وخير دائم.
الخميس، أبريل 02، 2009
قمة العشرين بين الجياع الجدد والجياع القدامى
وجيـهة الحويـدر
قمة العشرين المنعقدة في لندن في 2 ابريل 2009، حيث شملت عشرين دولة من العالم تتحكم في 85% او اكثر من ثرواته.
بعض هذه الدول العشرين دول ذات أنظمة قمعية تقطن في البقع المعتمة من العالم مثل الصين وروسيا، حيث لا زالت الحكومات فيها تصادر حقوق الانسان، وتضطهد الاقليات، وتجيز تعذيب معارضيها، وتنتهك حقوقهم ومرات تسلبهم حياتهم، ولان هاتين الدولتين لهما ثقل سياسي وعسكري كبيرين، لذلك الصين تحتل التبت، وروسيا تحتل الشيشان بدون ان يكون ثمة معارضة عالمية ضدهما.
السعودية من الدول العشرين فهي الاخرى بالاضافة الى ملفها المخزي في قضايا حقوق الانسان وقضايا الاقليات، مازالت تمارس انظمة تعسفية على النساء وتبيح استعبادهن والتحكم في مصائرهن، وتلوي عنق الدين من اجل ان تبرر تهميشهن.
الآن العالم في ازمة اقتصادية صعبة، فعلى حسب اراء المحللين ان البطالة في تزايد، والجوع والمرض يهددان العالم، والدول الفقيرة اكثر عرضة لذلك من غيرها، خاصة النساء في تلك الدول لان ثلثي فقراء العالم نساء.
البطالة بطبيعة الحال تجر معها مخاطر الجريمة وتفشيها، والهجرة غير القانونية وتكاثر التجارة بالبشر والمخدرات، وانتشار وظائف تمتهن النساء مثل الدعارة واستباحة الجسد في افلام لا اخلاقية. وليس متسبعدا ان تُخلق نزاعات عسكرية في البقع الساخنة من اجل تحريك الاموال، وخلق وظائف لسد العجز الاقتصادي في دولة ما.
مع كل هذه الأزمات الحرجة والتي تتطلب حلول جذرية والتي لا بد ان تُجنى ثمارها ونتائجها في زمن قصير لاحتواء تداعياتها، تظهر لنا المعادلة الصعبة لقمة العشرين وكيفية التوازن بين اطرافها، بين الجياع الجدد والجياع القدامى.
ستتمخض قمة العشرين نهاية اليوم بحلول متنوعة، كل دولة ستطرح ما تراه يتناسب مع مشاكلها وهمومها الخاصة. وعلى اثر تلك الحلول سياسات الدول ستتغير فيما بينها، فكل دولة لها اجندتها وأولوياتها.
دولة مثل السعودية لن يكن تحسين الاقتصاد همها الأول، بقدر قبولها عالميا وسياسيا بكل نواقصها، والتي تتنافى مع جميع المواثيق العالمية، وعلى رأسها ميثاق حقوق الانسان.
يا ترى هل ستكون الحلول التي ستعتمد في تلك القمة على حساب الشعوب الجائعة لحقوقها والتي ترضخ تحت انظمة قمعية مثل الشعوب في الشرق الاوسط الكبير العربية وغير العربية، مثل ايران وتركيا وافغانستان وباكستان وغيرها؟؟
هل حل الازمة الاقتصادية سيلغي او سيهمش دور المنظمات الحقوقية المستقلة في العالم الحر، ويقلل من عملها، لأن دول مثل الصين والسعودية وروسيا ستفرض املاءات جديدة على الدول الحاضنة لتلك المنظمات؟؟
هل ستطعم الحلول الجديدة الجياع القدامى حيث يتوزع اكثريتهم بين دول افريقيا والهند وكثير من دول الشرق الاقصى، ام ان الأولوية ستكون للجياع الجدد الذين يتظاهرون الآن في شوارع لندن واحيائها؟؟
وماذا عن القضية الفلسطينية-الاسرائيلية، والجوع الانساني للحقوق والسلام والعدالة والكرامة؟؟ هل سيكون لذاك الصنف من الجوع صوتا في اروقة تلك القمة؟؟
هل الازمة الاقتصادية ستدفع العالم الى الاشتراكية، وتوزيع الثروات، ووضع قوانين صارمة على اهدار الاموال في التسلح، وعلى بذخ بعض قادة الحكومات، وعلى المميزات التي يحصل عليها رؤوساء الشركات الضخمة والبنوك الكبيرة؟؟
هل الاقليات وبالذات النساء المسلوبات الحقوق في بلدانهن سيكن في تلك الحلول كبش الفدا، حيث ستساوم الدول الغنية مثل السعودية ودول الخليج على شراء ضمائر العالم المتلهف لاموالهم؟؟ هل ستغلق جميع ملفات النساء في الشرق الاوسط حتى يتعافى العالم الحر وتشبع بطون شعوبه؟؟
وضع توازن لمعادلة الجياع الجدد والجياع القدامى امر في منتهى الصعوبة، وربما لا يحدث اي من ذلك، وتفشل القمة فشلا ذريعا كما هو متوقعا لها، لأن الدول المشاركة مازالت تستخدم نفس العقول ونفس التنظير الذي تسبب في تفاقم الازمة وتفجرها.
السبت، مارس 07، 2009
لو عرضت علي الجنسية السعودية لقبلتها بسرور
وجيهــة الحويــدر
في صحيفة الرياض في عددها الصادر في 4 مارس، نقلت على صفحتها الاخيرة خبر مؤتمر صحفي عُقد في 3 مارس في الرياض مع نائبة وزير الخارجية الايطالي الدكتورة ستيفانيا كراكسي، والتي نالت بجدارة بعد ذاك المؤتمر لقب سيدة المتملقيات الاوروبيات الاولى للسعوديين.
تلك الدكتورة اتت من اجل ابرام عقود بين حكومتها والحكومة السعودية، جاءت بأجندة المتملقة التي لا تحمل شيئا في داخلها سوى احراز اكبر عدد من الصفقات التجارية. وضعت ضميرها في قالب من ثلج هذا على افتراض انها تحمل في طياتها ضميرا، وظهرت منافقة من الطراز الاول امام الكاميرات.
الدكتورة كراكسي والتي ربما كان جزء من تعليمها كيفية التحدث بلغة ناعمة مطعمة بالرياء من اجل ان تكسب، كانت تلك المرأة الايطالية على استعداد على قول كل شيء، وربما تقديم كل شيء، من اجل ان تجلب لحكومتها اتفاقيات وعقودا مربحة، ومن اجل ان تحصل على موافقة الحكومة السعودية على مشروع التبادل التجاري بين الاتحاد الاوروبي ودول مجلس التعاون بعد مفاوضات دامت 19 عاما.
انهيار الاقتصادي العالمي افرز وجوها كثيرة جشعة ونائبة وزير الخارجية الايطالي واحدة منهم.
الدكتورة ستيفانيا كراكسي حين زارت السعودية كان لا يهمها سوى شيء واحد وهو ان تنعش اقتصاد دولتها بأي وسيلة كانت، حتى لو قامت بلوي عنق الحقائق، وتجميل البشاعة التي تعيشها المرأة السعودية. فقد اثنت على الدور الذي تقوم به المرأة السعودية، وعلى حضورها المتميز في المحافل الدولية، ولم تذكر اي تميز واي محافل، ومن ثم اسهبت في المديح، ولم تنسَ ان تذكر الخطوة العظيمة التي تمثلت في تعيين نائبة لوزير التعليم السعودي.
ومن بعدها ضحكت بسماجة وربما بسخرية واستخفاف بعقول من كانوا حولها من الاعلاميين السعوديين وقالت: انني سعيدة جدا بكوني في السعودية. ما الداعي لعبارة مثل تلك؟؟؟ وما هو مصدر سعادتها سوى انها تنافق وتمثل ادوارا من اجل تحقيق اهدافها؟؟
بعدها اضافت بكل استهتار بأوضاع المرأة المزرية في السعودية حيث قالت بكل برود وقلة حياء "لو عُرضت علي الجنسية السعودية لقبلتها بسرور" كأنها بهذه العبارة تجيز جميع الانتهاكات التي تُمارس ضد النساء في السعودية، وتبعث لهن رسالة مضمونها من المفترض ان يقبلن بأوضاعهن اللا انسانية بسرور. بعبارتها تلك تدعو تلك النائبة النساء السعوديات ان يشعرن بالسعادة، لانهن مواطنات من الدرجة الثانية، ولأن حياتهن مرهونة في ايدي محارمهن الذكور.
هذه المرأة الايطالية المتعلمة الغت كل مبادئها وقيمها والمثل الانسانية التي تربت عليها في وطنها من اجل ان تحصل على عقود تجارية، وربما منصبا اعلى في المستقبل القريب. تبا لهكذا نساء سياسيات يصعدن ويلمعن ويتقلدن المناصب على حساب شقاء نساء اخريات مجردات من كيانهن ومن ابسط حقوقهن.
الثلاثاء، مارس 03، 2009
نعمل معا من اجل طفولة آمنة
وجــيهة الحويــدر
"كم يؤلمنا ما يلقاه الطفل العربي من معاناة وأذى من بعض فئات المجتمع" هذه العبارة من
خطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز حيث القيت في المؤتمر الاقليمي الثالث لحماية الطفل والذي تم افتتاحه تحت شعار "نعمل معا من اجل طفولة آمنة". بدأت فعاليات المؤتمر في 2 مارس في الرياض. شارك في المؤتمر 1000 متخصص ومهتم يمثلون 22 وفدا عربيا.
هذا المؤتمر خطوة توعوية على طريق طويل من اجل توفير بيوت آمنة للصغار ومكافحة ظاهرة الاساءة لهم.ثمة مسببات كثيرة لتنامي العنف الاسري لكن اهمها غياب قوانين الحماية، وعدم اتخاذ العقوبات الصارمة للحد من سلوك العنف الذي يمارس على الاطفال.
الملفت للنظر في هذا المؤتمر ان السعودية تكون الراعية له!! هذا امر مهم للتوقف عنده. هل هذا يعني ان السعودية جادة في خططها لمكافحة العنف ضد الاطفال؟؟ وان كانت جادة هل ستلتزم بالوثائق الدولية التي تخص حماية الاطفال والتي وقعتها واخفقت في الايفاء بوعودها منذ سنوات عديدة؟
ان من يلقي نظرة سريعة على أنظمة السعودية المعتمدة اليوم يجد كثير منها مجحف وقاهر للاطفال وامهاتهم، لذلك جدية السعودية لمكافحة العنف الاسري وحماية الاطفال تحوم حولها علامات استفهام كبيرة، وشكوك كثيرة!
العنف ضد الاطفال في السعودية حلقة من سلسلة طويلة للعنف الدائر بين افراد الاسرة، وتحتاج للتفكيك من اجل توفير بيوت آمنة للأطفال وامهاتهم. السلسلة تبدأ من القوانين الحكومية التعسفية والتمييزية الواقعة على كهل الانثى وهي في مرحلة الطفولة. منذ ولادة الانثى وهي تعامل على انها نكرة، واقل شأنا وحقوقا من الذكر ليس بالعرف فقط، بل بالقانون الذي يجيز امتلاكها من قبل ذكر حتى مماتها. العنف ضد الاناث وهن صغيرات يستمر حتى يبلغن ويصبحن امهات وجدات. الطفلة السعودية لا يحق لها ان تحلم مثل الطفل السعودي. مدراس البنات تطبق فيها قوانين صارمة، حتى الرياضة لا يُسمح لهن بمزاولتها، ايضا حين تكبر الفتاة السعودية كثير من التخصصات العلمية وفرص العمل تُحرم منها. الانثى تعامل على انها مواطنة من الدرجة الثانية.هذا القانون جعل السعودية ارض خصبة لممارسة العنف ضد الصغيرات وهن ما زلن على مقاعد الدراسة.
القانون الظالم الآخر والذي يمارس علناً وبمباركة من اجهزة الدولة القضائية هو زواج الصغيرات. الى الآن السعودية مازالت من الدول المتخلفة في وضع قانون يحد من تلك الظاهرة البشعة، والتي تجيز اغتصاب الطفلات شرعا. لماذا لا يُوضع قانون يحدد سن الزواج للجنسين؟ كيف تكفل الدولة حق للأطفال وتعقد مؤتمرات من اجمل حمايتهم، وانظمتها تجيز انتهاك حق اجسادهم وتوشيه طفولتهم وتسبب في اصابتهم بأمراض نفسية مزمنة؟؟
حق الحضانة للاباء قانون قضائي آخر قاهر معتمد في جميع المحاكم الشرعية بشقيها السني والشيعي. هذا القانون يحرم الام من حضانة صغارها. انه قانون سافر وعلى رأس الانتهاكات التي تمارس ضد الطفل قبل ان تمارس ضد الام. معظم حالات العنف والقتل التي رُصدت بين اطفال السعودية المعنفين، كانت بسبب تسليم الاطفال للأباء وتجاهل دور الام في حياتهم. الاحصائية اثبتت ان ابناء المطلقات يُمارس عليهم عنف اكثر من غيرهم، لان الحضانة تُعطى للأباء ويستخدمون الاطفال كسلاح لقهر امهاتهم. لماذا تسلم اجهزة الدولة وبالقانون الضحية للجاني، ومن ثم الحقوقيون الحكوميين والمعنيون بالامر يناقشون العنف ويتباكون بدموع التماسيح على الضحية اذا عذبت حتى الموت على يدي الجاني؟؟
قانون "المحرم" وتوكيله بأن يتحكم في جميع شؤون المرأة البالغة الخاصة والعامة. هذا القانون يجيز معاملة الانثى منذ الصغر على انها عاجزة وغير قادرة على ان تسير شؤونها مهما بلغ سنها.هذا القانون يعطي الحق لابن 16 عاما ان يتحكم في حياة اي قريبة له حتى لو كانت والدته. ايضا قانون "المحرم" يسلم الوصاية على الاطفال للمجرمين والقتلة وخريجي السجون فقط لانهم ذكورا.هذا القانون الظالم يحرم الام من الشعور بالامان وهدوء النفس وبناء الذات والاستقلالية، وبالتالي هذه الاحاسيس تصبح جزءا من ثقافة ابناءها، وعلى وجه الخصوص بناتها واستمرارية لثقافة النظرة الدونية تجاه الاناث. كيف تستطيع ام ان تربي وتحمي جيلا ناضجا وواعيا اذا كانت تعامل على انها غير مكتملة النضج والعقل؟؟ هذا بحد ذاته عنف مقنن ضد الامهات وصغارهن. كيف ذلك المؤتمر سيحمي هؤلاء الأمهات واطفالهم؟
القانون السعودي المجحف ضد الاطفال وامهاتهم والذي مازال يمارس في العلن، هو عدم الاعتراف بالنساء كأولياء امور لبناتهم وابنائهم، وعدم السماح لهن بإعطاء الجنسية لهم واستخراج اوراقهم الثبوتية. هذا القانون يُعد صورة سافرة من صور التمييز ضد النساء، واباحة انتهاك حق اطفالهن في حق الوجود وحق المواطنة. بماذا يبرر ذاك العنف الذي تنتهجه اجهزة الدولة السعودية وتصادق عليه وتقره؟؟ ما هذه الازدواجية في طرح القضايا وفي معالجتها؟ كيف نقيم ظاهرة العنف الاسري السعودي ونكافحة بالمؤتمرات والتصريحات الرنانة والانظمة تجيزه وتعززه بأشكال مختلفة؟؟
قانون تعدد الزوجات الذي يُعد احدى الاسباب الاساسية في هدم البيوت وتشريد الاسر. هذا القانون وعلى حسب الاحصائيات الرسمية واحد من العوامل التي تسبب التعاسة والكآبة المزمنة لدى الأمهات السعوديات، وانه يؤثر سلبا على حياة الاطفال. ايضا تعدد الزوجات يتسبب مرات كثيرة في الطلاق، وضياع الصغار وتهديد شعورهم بالآمان. هذا القانون العشوائي الذي يُمارس بدون قيد او شرط، واحد من القوانيين الشرعية التي لها دور كبير في العنف ضد الاطفال. فالبيوت الآمنة السعيدة للاطفال لا تُبنى ابدا على تلبية شهوات ابائهم في التعدد، واهانة امهاتهم وقهرهن. لا يمكن ان يطالب الحقوقيين السعوديين وغيرهم بإيقاف العنف ضد الاطفال، طالما محاكم الانكحة الشرعية السنية والشيعية تفتح الابواب لتعدد الزوجات، وتساهم في خلخلة البيوت وهدمها.
قانون منع المرأة من قيادة السيارة هذا ايضا يسبب في ايذاء الاطفال. لماذا تطالب الدولة بحماية الطفل وتكبل الام وتمنعها من الحركة بحرية وهي المصدر الاول للامان والحماية؟؟ الام الاقرب للاطفال فهي ادرى بأحوالهم، وفي حالة تعرضهم للعنف او المرض او حادث طارئ، قانون الدولة لا يسمح لها ان تحميهم او تبعدهم عن مصدر الخطر او تنقلهم الى مستشفى. هذا ابسط حق من حقوق الطفل ان تكون امه او الراعية له قادرة على توفير العناية الحماية له من اجل ان يكون اكثر آمانا واطمئنانا. اية ازدواجية هذه التي تطالب بحماية الطفل وتمنع امه من حمايته اذا احتاج الامر؟؟
القوانين التي ذكرت سالفا لها دور كبير في تعزيز العنف ضد الاطفال، لا يمكن ان تتحقق طفولة آمنة سوى بإلغاءها ومحاسبة من يمارسها. فقبل ان نطلق الشعارات ونعقد المؤتمرات ونكتب المقالات وننشر الدراسات عن العنف الاسري السعودي، من الاجدر ان نعدل البيوت من الداخل ونرممها بقوانين جديدة مناهضة لكل اشكال التمييز والعنف ضد الصغار ومربياتهم النساء. لا طفولة آمنة ولا بيوت سعيدة مع استمرار قوانين التمييز ضد الامهات ومصادرة حقوقهن.
الجمعة، فبراير 27، 2009
حين لا نحمل ما يكفي من الحب
وجيهة الحويــدر
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نتحول بسهولة الى سلعة رخيصة لزبائن العشق العابر.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نجيز لانفسنا امورا قد لا نجيزها لأحد.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب تصير عقولنا مغلقة بأقفال من الماضي السحيق، وقلوبنا مرتعا للضغينة والغضب.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نفشل في ان نستدل على طريق النسامح ولا نحسن ان نغفر.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نصبح ابواقا لمفاهيم تثير كثير من الكره وكثير من الشر.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نجيز التنكيل بالمثليين واللادينيين والأقليات ونحبب اعدامهم فقط لانهم من تلك الفئة.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نتعامل مع الآخرين على اننا وحدنا اصحاب حق.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب الألم موجع فقط حين يصيب من نحب او من نناصر.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نعتقد ان نهجنا وفكرنا وعرقنا وديننا هو الأفضل في العالم.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نستخدم كل السبل ونبررها لاقصاء الآخر.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نفهم ان الحب يخصنا نحن وانه فعل اناني بحت.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نحرض على القتل ومرات نقتل بدم بارد.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نبني مجدنا وعظتمنا وقوتنا عن طريق انتهاك حقوق الناس واستضعافهم.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نتعامل مع الآخر بلطف اذا راق لنا دينه او فكره أو لقبه.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نعد المرأة اقل شأنا منا، لذلك لا تستحق ان تعامل كإنسان مكتمل العقل.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نستبدل رفقاء الدرب بدون ان نكترث، فقط لتلبية رغبات الذات ونزوة الزهو.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نريد ان نزدد ثراء من غير ان نعير اهتماما كيف؟ ومن اين؟ يأتي هذا الثراء.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب تصبح كل خدمة نقدمها للآخرين بثمن.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نؤمن انه حين تقتل "الآخرالمختلف" تفوز بحور عين في جنة الخلد.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب نرى ان جميع فرق الموت مقاومة شريفة، وان كل انتحاري يفتك بأرواح الابرياء شهيد مبجل.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب لا نحسن ابدا التحاور بلغة السلام ولا نجيد صياغة مفرداته.
حين لا نحمل ما يكفي من الحب الحياة تتحول الى صراع دائم بين ذئاب وثعالب.
الأحد، فبراير 15، 2009
دعاة حقوق الإنسان الحكومية وعاظ السلاطين الجدد
وجيهـة الحويـدر
لو أن الباحث الاجتماعي العراقي الدكتور "علي الوردي" مازال على قيد الحياة، لأتحف المكتبة العربية بكتاب قيم آخر كجزء ثاني "لوعاظ السلاطين"، لكن هذه المرة عن دعاة حقوق الإنسان العاملين في المؤسسات الحكومية الذين يستحقون بجدارة لقب "وعاظ السلاطين الجدد."
على حسب ما ذكر في كتاب الدكتور الوردي أن وعاظ السلاطين القدامى هم رجال الدين الذين يجيدون الحفظ والسرد، وفن الخطابة، والقدرة على تبرير أفعال الحاكم وتحركاته وقراراته بحجج واهية.
هم مازالوا حتى اليوم يعملون بجدية تامة لصالح السلاطين في بعض البلدان، أنوفهم تشتم الأخبار المحلية والعالمية، ومن ثم يصدرون فتاواهم وآرائهم كلما تلقوا أمرا من الحاكم أو من أفراد حزبه أو حاشيته المستنفذين.
لكن الوعاظ القدامى لا يصلحون للمهمات التي يقوم بها الوعاظ الجدد، دعاة حقوق الإنسان الحكومية، لأنهم لا يمتلكون المهارات نفسها، لذلك القدامى عملهم صار مقتصرا على الاستهلاك الداخلي أكثر من الخارجي، إلا في حالة الحروب والنزاعات العسكرية، حينها فتاواهم تصبح عابرة للقارات والمحيطات.
دعاة حقوق الإنسان الحكومية، أو بالأصح وعاظ السلاطين الجدد ظهروا على السطح مؤخرا للاستهلاك الخارجي، بسبب العولمة أصبح معظم مجتمعات دول العالم الثالث مع بداية القرن الحالي مجبرين على ركوب موجة ثقافة حقوق الإنسان، لكي يواكبوا أجواء فرضتها عليهم أملاءات العصر.
أيضا ارتفاع أصوات مؤسسات المجتمع المدني في دول العالم الحر مثل "هيومان رايتس واش" "وآمنستي" ، وإصرارهم على مكافحة الانتهاكات في تلك الدول النامية التي ترضخ شعوبها تحت أنظمة مجحفة وقاهرة، جعلت تلك الأنظمة تؤسس جمعيات حقوقية حكومية لمواجهة الهجوم الحقوقي الشديد اللهجة القادم من الخارج، الدول العربية من ضمن تلك الدول والسعودية على رأس القائمة.
في يوم الجمعة الماضي الموافق في 6 فبراير 2009م، فريق من الحقوقيين الحكوميين السعوديين أو وعاظ السلاطين الجدد قاموا بعرض ملف حقوق الإنسان في السعودية، والدفاع عنه في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف. ترأس الفريق الدكتور زيد آل حسين الذي اشتهر بعبارة مثيرة للتعجب بأن تصدر من رجل مثقف مثله، حمل على عاتقيه الدفاع عن أصحاب الحقوق المنتهكة حيث قال "الذين يقولون أنه ثمة تمييز ضد المرأة السعودية فهم جهلة!"
الدكتور آل حسين هو الذي اختير ليمتثل أمام اللجان في مؤتمر جنيف، من اجل أن يفتح ملفات حقوقية تشمل المرأة والرجل والطفل والأقليات والعمالة الأجنبية ، فعلى القراء الآن أن يتخيلوا مدى مهارات التبرير والنفي التي يمتلكها هذا الدكتور.
كان أيضا من ضمن الفريق الحقوقي مجموعة من النسوة السعوديات اللواتي ذهبن لتبديد ونفي كل الحقائق التي تثبت مدى التهميش والقهر الواقع عليهن وعلى بنات جنسهن. بعضهن اتشحن بالسواد من الرأس إلى أخمص القدمين، وبالكاد كن قادرات على أن ينظرن من حولهن، أو أن يتعرفن على من يخاطبهن، لباسهن بالتأكيد شأنهن الخاص. لكن يا ترى هل ذكرن لدى لجان المؤتمر أن حضورهن في جنيف لم يتم سوى بإذن من المحرم؟؟ وأنهن لا يمتلكن أي قرار يمس حياتهن أو يتعلق بأمورهن الشخصية!
بالطبع لم تكن السعودية هي الدولة الوحيدة التي تبوأت بريبة كرسي المساءلة في ذلك المجلس، فجميع الدول الأعضاء بعضها دول عربية فُتحت ملفاتهم، وتم التحقيق معهم عن الانتهاكات التي تجري على أراضيهم.
الدول التي وقّعت على مواثيق حقوقية عالمية لحماية الإنسان وتعهدت بحفظ كرامته، ولم تطبق أهم البنود، ولم تفي بوعودها مثل السعودية، هي التي نالت نصيب الأسد من الانتقادات والمساءلات الحادة اللهجة حول ملفاتها الملفقة المليئة بالمغالطات.
دعاة حقوق الإنسان السعوديين أو وعاظ السلاطين الجدد، دافعوا ببسالة عن موقفهم ونفوا معظم الحقائق المريرة التي يعيشها ببؤس فئات مختلفة من المجتمع. الفريق رفض 17 توصية تقدمت بها لجان مجلس الحقوق بحجة أنها لا تتماشى مع أوضاع السعودية الخاصة.معنى ذلك إن وضع الإنسان في السعودية لن يتغير فيه الكثير، ودوامة القهر خاصة التي تحاصر النساء ستدور رحاها لأعوام قادمة.
ربما فريق السعودية واجه أصعب المناورات واشد النقاشات في المجلس، بسبب بشاعة ملف حقوق الإنسان السعودي، والذي أتوا لتجميله بشتى الحجج والتبريرات، لذلك إنهم حقوقيون جديرون أن يتقلدوا وسام امهر وعاظ سلاطين جدد لهذا العام.
بالطبع وعاظ السلاطين الجدد موجودون في جميع الدول العربية. هم عادة من فئة حملة الشهادات العليا، بعضهم يحسن التحدث بأكثر من لغة، وكثير منهم تلقوا تعليمهم في دول العالم الحر. لديهم مهارات عجيبة تتطور مع الزمن من شدة التصاقهم بالمسئولين في بداية مشوارهم العملي. هؤلاء الوعاظ يمتلكون ثلاثة سمات أساسية هي: التبرير والنفي والتلفيق. بالطبع مع التدريب المستمر من خلال صعود السلم الوظيفي تصقل هذه السمات وتتحول إلى مهارات ذات جودة عالية.
الآن لكل شخص ينتمي لفرق وعاظ السلاطين الجدد من العرب وغير العرب، وشاركوا في مؤتمر جنيف السنوي لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لعام 2009، سؤال ينطلق من حناجر المقهورين ويوجه لكل واحد منهم بصوت خافت يهمس كل ليلة لضميرهم ويقول "بررت ولفقت ونفيت ولكن هل وفيت؟؟"
الجمعة، فبراير 06، 2009
أقسى وأطول حصار صامت عرفه التاريخ ولم يغطه الإعلام العربي ولا الغربي ولو لمرة واحدة!
وجيــهة الحـــويدر
ثمة الملايين من السعوديات اللواتي يقبعن تحت حصار محكم من جميع الجهات والمنافذ ولعقود طويلة. العالم كله يسلط الضوء على حصار غزة الجريحة، وبعض المحطات العربية السعودية لا تتوقف عن ذكره، وتوفير بث مباشر لأربع وعشرين ساعة عن تلك المنطقة المحاصرة البائسة، بينما لا توجد محطة فضائية واحدة او محطة تلفزيونية من دول العالم الحر اهتمت ولو لمرة لكشف حصار غير معلن، شديد القبضة وبشع النزعة مسلط منذ سنين مديدة على النساء السعوديات.
هذه عينات من قصص حقيقية تصلنا كل يوم بالعشرات لنساء مضطهدات. معاناتهن ليست من نسج الخيال العلمي، وليست من حكايات الف ليلة وليلة، هؤلاء النسوة مازلن موجدات تحت حصار معتم وقاهر يمارس عليهن شتى انواع القهر والاستعباد اما بسيف الدين، او بسلاح العادات والتقاليد، او بمشنقة الخصوصية السعودية:
الحالة الأولى:
- أرملة عمرها 22 سنة ام لأربعة أولاد يتيمة الأب ليس لديها أخوة ذكور، والقانون السعودي لا يعطيها الحق أن تكون مسئولة عن نفسها و أبنائها. أتى رجل من أقصى طرف في القبيلة، ليضمها إلى قطيع النساء اللواتي تحت عهدته. أرغمت على الزواج منه ليصبح ولي أمرها. وعد ان يدفع مهر كبير لها لكي توافق على الزواج منه. لم يدفع حتى ربع المهر، لانه كانت لديه خطة مبيتة. تزوجها صار يأتي ويغتصبها ويعاملها بمنتهى السوء ويتركها، ليعود "لحريمه" المكدسات في وكره. بعد مرور شهر على تعذيبها طرح عليها انه سيطلقها اذا وافقت ان تدفع له المهر الذي لم تحصل عليه، والذي يصل الى سبعين الف ريال. الاشكالية هي ليس في ظلم هذا الرجل المتوحش وانما في ظلم القانون لها. تلك الشابة النحيلة تعيش في قرية مقطوعة تماما، لا توجد فيها مواصلات ولا حتى سيارات اجرة، ولا تستطيع أن تطلب من أحد رجال القرية ان يوصلها الى حيث تريد بسيارته، وطبعا لا يسمح لها بقيادة سيارة. لا توجد اي وسيلة تنقل تستطيع فيها هذه الارملة المسكينة ان تذهب الى المحكمة لتحكي قصتها للقاضي لعلى وعسى يرفع الظلم عنها. هي امرأة محاصرة تماما من جميع المنافذ. لو كانت هذه المرأة واقعة تحت حصار غزة لأهتم العالم بقضيتها، لكنها امرأة سعودية لا قيمة لها في بلدها، فبتالي لا قيمة لها لدى الآخرين، حتى لو كانت ترزح تحت أقسى وأطول حصار صامت عرفه التاريخ ولم يغطيه الاعلام العربي او الغربي ولو لمرة واحدة!
الحالة الثانية:
معلمة عمرها 28 عاما يتيمة الام والاب. بالرغم انه بإمكانها ان تعيل نفسها وتعيش في مسكن بمفردها، لكن القانون والخصوصية والعادات لا تسمح لها بذلك. اُجبرت هذه المرأة على العيش مع احدى اخوانها. صار يقوم على اذلالها كونها لم تتزوج وينعتها بالعانس المنبوذة، يضربها بالحذاء على رأسها كي يشعرها بالاهانة. صار يستولي على كل قرش تجنيه ويعاملها كالأمة. فقط لأن القانون فرضه وليا عليها، ولنفس الاسباب المذكورة في الحالة الاولى هذه المرأة المستضعفة تعيش في منطقة نائية وتحت حصار فرضته الدولة عليها. لا توجد اي وسيلة تستطيع فيها هذه المسكينة ان تقتنيها لتذهب الى المحكمة، لتحكي قصتها للقاضي لعلى وعسى يرفع الظلم عنها. لو كانت هذه المرأة واقعة تحت حصار غزة لأهتم العالم بقضيتها، لكنها امرأة سعودية لا قيمة لها في بلدها فبتالي لا قيمة لها لدى الآخرين، حتى لو كانت ترزح تحت أقسى وأطول حصار صامت عرفه التاريخ ولم يغطيه الإعلام العربي ولا الغربي ولو لمرة واحدة!
الحالة الثالثة:
امرأة يتيمة لديها اخوة غير اشقاء، طالبتهم بحقها بالإرث وحصلت عليه بقرار من المحكمة. بعدها قاموا اخوانها بمحاصرتها وشنوا عليها حملة عدائية لانها اخذت ارثها. الآن هذه المرأة لا تستطيع ان تتحرك ابدا من القرية التي تعيش فيها. قطعوا عنها كل سبل الحياة ، وهددوا رجال القرية بأن لا يقوموا بتوفير مواصلات لها، ومن يفعل يعرض نفسه للاعتداء. لا احد يزورها ولا حتى يلقي السلام عليها خشية من اخوانها. في تلك القرية لم توفر الدولة اي وسيلة للمواصلات، وهي لا تستطيع ان تقود سيارة بسبب الحظر المفروض بالقانون على النساء السعوديات. بالكاد تتمكن من توفير قوتها. لا توجد اي طريقة تستطيع فيها هذه المسكينة ان تستخدمها لكي تتخلص من السجن الذي فُرض عليها. لو كانت هذه المرأة واقعة تحت حصار غزة لأهتم العالم بقضيتها، لكنها امرأة سعودية لا قيمة لها في بلدها، فبتالي لا قيمة لها لدى الآخرين، حتى لو كانت ترزح تحت أقسى وأطول حصار صامت عرفه التاريخ ولم يغطيه الإعلام العربي ولا الغربي ولو لمرة واحدة!
الحالة الرابعة:
امرأة معلمة بالغة تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتعيش بمفردها بدون الحاجة لأحد. لكن ذلك امر لا يقره القانون ولا تسمح به العادات والتقاليد، لذلك الآن تعيش مضطرة مع والدها الجشع الذي يستولي على نصف راتبها بالاجبار، لكن ذلك لم يكفيه ، اراد ان تسلمه كل شيء مع انه غير محتاج ماديا. رفضت ان ترضخ لطلبه فقرر ان يحرمها من المواصلات وهدد السائق الذي اتفقت معه ورفيقاتها في العمل ان اتى لأبنته سيتهمه بخلوة غير شرعية، وبالتأكيد القضاء سيكون في صفه. لم تتمكن هذه المرأة المحاصرة من حل اشكالية المواصلات وطبعا القانون يمنعها ان تقود سيارتها. اخذت اجازة بدون راتب، فحاصرها والدها وضيق الخناق عليها اكثر، وصار يسيء معاملتها، لانها قررت ان تحارب من اجل حقها. لا توجد اي طريقة تستطيع فيها هذه المسكينة ان تقتنيها لكي تهرب من معتقل والدها. لو كانت هذه المرأة واقعة تحت حصار غزة لأهتم العالم بقضيتها، لكنها امرأة سعودية لا قيمة لها في بلدها، فبتالي لا قيمة لها لدى الآخرين، حتى لو كانت ترزح تحت أقسى وأطول حصار صامت عرفه التاريخ ولم يغطيه الاعلام العربي ولا الغربي ولو لمرة واحدة!
الحالة الخامسة:
ام ارملة تلاقي ابشع صور التعذيب النفسي والعنف اللفظي من ابنها الذي اعطاه القانون الحق ان يكون ولي امرها. اخذ كل ما تملك واخرجها من البيت الذي كانت تسكن فيه واستحوذ عليه واجبرها على العيش معه. هذه الام البسيطة الامية لن تتمكن من ان تجد طريقا للذهاب للمحكمة لانها تعيش في منطقة نائية، لا توجد أي وسيلة للمواصلات، ورجال القرية لن يساعدوها لأن ابنها سيكون بالمرصاد لهم، والقانون لا يحميها. ام تعاني من سوء معاملة ابنها العاق، ومحاصرة من جميع المنافذ. القانون سلط عليها الذكر كي يكون سجانا لها. لو كانت هذه المرأة واقعة تحت حصار غزة لأهتم العالم بقضيتها، لكنها امرأة سعودية لا قيمة لها في بلدها فبتالي لا قيمة لها لدى الآخرين، حتى لو انها كانت ترزح تحت أقسى وأطول حصار صامت عرفه التاريخ ولم يغطيه الاعلام العربي ولا الغربي ولو لمرة واحدة!
هذه عينات للكثير من النساء السعوديات معظمنا نعرفهن او التقينا بإحداهن، لكن لم نتمكن من مساعدتهن بسبب غياب القانون. من سنوا قانون المحرم وحرموا المرأة الراشدة من الوصاية على نفسها يتحملون مسؤولية ظلمهن، لأنهم أعطوا سلطة مطلقة للذكور لكي يتحكموا بهن ويلعبوا بمصائرهن.
هذا الظلم مقنن وتربى الناس على سماعه ورؤيته وغض الطرف عنه. المسئولين المعنيين بالشؤون الاجتماعية والقضائية بإمكانهم رفع هذا القهر عن المرأة السعودية بجرة قلم، لكن ضمائرهم في قوالب مثلجة، ربما لانه لم تُـظلم لهم أم او اخت أو ابنة أو حفيدة. حتى تحيى تلك الضمائر المجمدة، هذا الحصار الجائر على النساء السعوديات سيظل قائماً ومسكوتا عنه الى اجل غير مسمى.
الاثنين، يناير 12، 2009
سلام... شالوم...
وجيهــة الحويــدر
كان الجندي الاسرائيلي"جلعاد" بعدته وعتاده يتلصص بحذر في زقاق ضيق مليء بالبيوت المهترئة، يفتش عن اي محارب فلسطيني لكي يرديه قتيلا، ويكمل المهمة التي ارسل من اجلها. صار "جلعاد" ينظر يميناً وشمالاً.. ويحدّق بين فينة واخرى في حيطان البيوت، كانت الجدران مليئة بالشعارات النضالية، واسماء وصور لشباب فلسطينيين ربما قتلوا في احدى معاركهم مع اسرائيل. يحاول ان يـُبعد ناظريه عنهم من اجل ان يركّز على مهمته اكثر، لكي لا يباغته احد من حيث لا يدري وينال منه.
في الجهة المعاكسة من ذاك الزقاق ثمة "عماد" مقاتل فلسطيني متلثم، ايضا يتلصص بهدوء كي يتمكن من قنص اي جندي اسرائيلي دخيل على حيه الخاوي على عروشه، ولكي يحقق الهدف الذي اتى من اجله.
كان "عماد" يشعر ان عدوه ليس ببعيد، لذلك كان يحسب كل خطوة يتخذها، لأنه يعلم جيدا ان عدوه اكفأ منه في مهارات القتال، وانه محمل بأسلحة اكثر تطورا من سلاحه "الكلاشكوف" الرديء الصنع. لكن المكان في صالح "عماد" لأنه تربى في هذا الحي، ويعرف كل شبر فيه، بعكس "جلعاد" الذي يتخبط ولا يدري ما ينتظره في الجهة الآخرى.
كانا يمشيان بخفة ويحاولان ان لا يحدثا صوتاً، فالارض كانت مليئة بالمنشورات التي نثرتها الطائرات الاسرائيلية، بعضها تـُطالب فيها سكان الحي بإخلائه، والبعض الآخر تقدم للفلسطينيين فيها عروضاً من اجل الإفشاء عن مواقع المقاتلين، وعن هوياتهم لكي تنال منهم اما تقتلهم او تعتقلهم.
"جلعاد" و"عماد" صارا يقتربان من بعضهما اكثر فأكثر بدون علم اي منهما بالآخر، بسبب ضيق الزقاق وتعرجه كان من الصعب ان يتعرفان على من يمشي في الطرف المعاكس.
فجأة شعر كل واحد منهما ان عدوه في المكان فدّب في داخلهما خوف شديد، صارت دقات قلبهما تتسارع من شدة الفزع، وبدون اي تفكير تحرك فيهما موروث عتيق، همجية رجل الكهف، وتأججت في نفوسهما نزعة القتل المختزلة في داخلهما منذ قرون سحيقة، وبدون ادنى تفكير كليهما ضعطا على زناد البندقية وبادرا بطلق الرصاص بدون ان يرا بعضهما..كلاهما اتيا بنية القتل والانتقام، لذلك الامر لا يحتمل التردد او حتى التريث ولو للحظة.
وفي اثناء اشتباكهما وتبادل اطلاق الرصاص بدون توقف، صار ازيز طائرة اسرائيلية يقترب اكثر فاكثر منهما، توقف "عماد" خوفاً على روحه من القصف الجوي، وبالتالي "جلعاد" كفا عن مواصلة القتال ولاذا الاثنان بالفرار عن المكان.
اقتربت الطائرة شيئا فشيئا وبدأت برمي القنابل على الزقاق فتهدم مسجد الحي المقابل لمكان اختبأ فيه "عماد" و"جلعاد" خلف حيطانه. تحول جزء كبير من المسجد الى ركام، واشتعلت النيران في محتوياته..ثم غادرت الطائرة بعد ان تيقن طاقمها ان المكان لا حياة فيه..
مر زمن طويل على القصف، بعدها استطاع "عماد" ان يحرك نفسه من تحت الآتربة وقد اصيب بكدمات وحروق بليغة. "جلعاد" كان ملقي على الطرف الآخر بعد ان نالت منه "النيران الصديقة" وسببت له ايضا اصابات وحروق بليغة..
لم يعد اي منهما قادر على حمل سلاحه لقتل الآخر من شدة الآلام التي شعرا بها.. كانا يتأوهان بإستمرار.. شابان غضان امامهما جميع ابواب الحياة مفتوحة، لكن الزمن اختار لهما ان يترعرعان على ارض لم يتوقف فيها سفك الدماء منذ قرون عديدة ..وشاء لهما القدر ان يلتقيان في احلك الأزمنة..
اقتربت ساعات المساء لكن الشمس مازالت تقاوم الظلام كي لا يسدل رداءه على المكان...غيوم تبدو كأنها تسللت بين الحيطان وتخللت اطلال مبان متناثـرة ..هبت نسمة حميمة وهطلت زخات مطر بارد على جسدي "عماد" و "جلعاد" فخففت عليهما اوجاع حروقهما..
سكتت تأوهاتهما لوهلة، حينها تحركت غريزة حب الحياة في "جلعاد"، وربما لأنه هو من يقف على ارض اشد صلابة.. فتح بصعوبة حقيبته واخرج منها علبة الاسعافات الأولية حيث كان يوجد فيها مراهم للحروق.. اخذ واحد ورمى بالآخر الى "عماد" وقال له بلغة عربية متعثرة:
-ضعه على حروقك..
"عماد" لم يشك للحظة بأن ذلك مرهم للحروق، لانه كان يساعد طاقم الاطباء في المستشفى في الايام الاولى من الحرب، حيث كان يُطلب منه ان يجلب ادوية ومراهم ومضمدات من سيارات الاعانات الطبية التابعة للامم المتحدة..
شكر "عماد" "جلعاد" بصوت متعب وبلغة عبرية واضحة وقال:
- تودا رابا
اخذ المرهم بحذر شديد خوفاً ان يكون "جلعاد" يدبر له مكيدة، لكن "جلعاد" كان مشغولاً في حروقه وأوجاعة وليس لديه اي نية لقتل "عماد."
بعدها شرب "جلعاد" مضاد حيوي ورمى بالباقي "لعماد" واخبره انه في حاجة له كي لا يصاب بالتهابات بسبب الحروق..
شرب "عماد" وعلامات التساؤل تحوم حوله..مدّ عماد يده وسحب قنينة الماء الملقية على الارض، وشرب نصفها واغلقها ورمى بها الى "جلعاد" قائلا له:
-اشرب ماء كي لا تصاب بالجفاف!
ابتسم "جلعاد" واخذ يشرب حتى آخر قطرة فيها.
انتهيا من معالجة جسديهما، شعرا براحة واحسا حتى لو شفيا لن يقدم اي منهما على قتل الآخر، وكأن الالم الذي استطعماه علمهما انهما حقيقة ليسا بأعداء، وان الحياة قصيرة وتستحق ان يعيشاها معاً، وانه لا معنى لحرب لا نهاية لها...
صارا يحدّقان في بعضهما البعض، واكتشفا انهما يتشابهان كثيرا، الاثنان شابان وسيمان، واجسامهما متقاربة في الحجم. كليهما لهما شعر اسود وتقاسيم ناعمة..وربما كل واحد منهما لديه ام واب ينتظران عودته، وحبيبة تحلم بأن تكون زوجة له في يوم ما.. ربما كليهما لديهما نفس الاحلام ..سيكملان دراستهما لتعلم الموسيقى، "عماد" سيجيد العزف على طبول "درمز" ويطرب الناس بصوته الجميل، و"جلعاد" سيحسن العزف على آلة الجيتار.. وربما يشكلان فرقة في يوم ما في مكان ما، و يقيمان حفلات غنائية رائعة معاً...
وبعد لحظات عبر خلالها صمت مبهم، "عماد" كسره بسؤال مهم وبصوت مليء بالحسرة:
- لماذا؟؟
"جلعاد" نظر في وجه "عماد" وعرف ماذا يعني بلماذا؟؟ هذا السؤال الذي لا يتجرأ اي محارب في اي معركة على طرحه حين يكون على الجبهة، ومن يفعل تـُلصق به تهمة الخيانة الوطنية، ويُعاقب بالسجن لسنوات طويلة..
سؤال "عماد" "لجلعاد" في غاية الأهمية..لماذا الحروب؟؟ لماذا البشر لا يستخدمون قدراتهم الذهنية لحل مشاكلهم العالقة..؟؟ خاصة في زمن توفرت لدى الانسان جميع سبل التواصل والمحادثة، لماذا الحروب؟؟ لماذا لا توجد لغة سواها بين المتنازعين..؟؟ لماذا في الصراعات الذكورية تتعطل لغة الحوار، ويصبح السلاح هو الحل المطروح دائما على الطاولة؟؟ لماذا الأوطان اهم من البشر وثقافة القتل هي السائدة؟؟ لماذا تمكن العلماء من اختراق الفضاء، وفشلوا في ايجاد حل لإشكالية النزعة القتالية في الذكور؟؟
لم يجب "جلعاد" على السؤال... لكن بادر "عماد" بسؤال ربما اهم في تلك اللحظات.. فقال له:
- انا لا اريد قتلك.. هل تريد انت قتلي؟؟
اجاب "عماد" بدون تردد ..
- بالطبع لا...لن اقتل احدا بعد اليوم..لدي منحة من دولة اوروبية للدراسة..سأذهب حالما تحط الحرب رحاها... لن اضيع يوم واحد في التفكير في الانتقام والقتل..
اجابه "جلعاد" بهدوء:
-وانا ايضا.. سأسافر للدراسة.. ولن امس بعد اليوم اي سلاح، ولن ادع احدا يدفعني الى الانتقام مرة اخرى..
ثم سكت وكأنه تذكر انه لا يعرف اسم من يتحدث اليه فسأله:
-ما اسمك؟
اجابه: عماد... وانت ما اسمك؟
ابتسم وقال: جلعاد..
ضحكا بقلب ابيض كيف ان اسمائهما تتشابه بقدر ما هما يتشابهان...
بعدها زحفا بإصرار كل منهما بإتجاه الآخر، واقتربا من بعضهما البعض شيئا فشيئا ومد كل منهما يده المحروقة للآخر ...وبصوت واحد مليء بنبرات كلها صدق وامانة وقالا:
-سلام... شالوم...سلام...شالوم...
الأحد، ديسمبر 07، 2008
هل هو حملُ كاذب آخر أم ان السعوديين موعودون بعهد حقوقي جديد ؟-2
وجيهـــة الحويــدر
ان المهتمين بالشأن السعودي الداخلي اليوم ما زلوا يترقبون بشغف الصحف السعودية التي تصدر كل يوم ثلاثاء من كل اسبوع، لأنه عادة تلك المطبوعات تحمل في طياتها آخر القرارات والتوصيات التي صدرت بعد انعقاد اجتماع مجلس الوزراء السعودي، والذي يجري كل يوم اثنين من كل اسبوع برئاسة الملك عبد الله بن عبد العزيز.
في الشهرين المنصرمين تلقت الجماهير السعودية توصيات وقرارات هامة جدا، اذا ما طُبقت بحذافيرها بالتأكيد ستغير المناخ الاجتماعي العام في المملكة، والحركة الحقوقية السعودية بشكل خاص. ستحسن تلك القرارات من اوضاع الناس من جميع الشرائح، وسترفع كثير من القهر عن كاهل النساء والاطفال على وجه الخصوص.
وافتنا صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر في يوم 4 ديسمبر بخبر مبشر، وكأنها زفت لنا نبأ بعهد جديد لترسيخ حقوق الاطفال وحمايتهم من الانتهاكات الجسدية والنفسية، عنوان الخبر كان " السعودية: قانون جديد لحماية الأطفال من العنف والتعامل غير الإنساني."
تناول الخبر مقابلة مع الدكتور زهير الحارثي المتحدث بإسم هيئة حقوق الانسان (الحكومية) حيث بيّن اهمية ذاك القانون الذي سيكون ساري المفعول قريباً على حد قوله.
قال د. الحارثي ان جهات مختلفة شاركت في صياغة القانون الذي سيشكل درعاً قانونياً حامياً للأطفال، فكما نص الخبر انه مشروع قانون "لحماية الأطفال من العنف والتعامل غير الإنساني، اللذين قد تمارسهما بعض الأسر ضد الأطفال، مثل الرهن أو تزويج القصّر، واللذين يظهران بين فترة وأخرى في المجتمع. وقال الحارثي إن مشروع القانون في مراحله الأخيرة، أنه طرح للمصادقة عليه في مجلس الشورى السعودي ليأخذ الصفة الرسمية."
اكثر ما يلفت النظر انه اذا تم اعتماد ذاك القانون الجديد، فإن تزويج صغار السن سيُعد سلوكاً مرفوضاً اجتماعياً وقانونياً ايضا، وان من يرتكب تلك الفعلة في حق الاطفال يعرّض نفسه للمساءلة القانونية، لأنه يُعد انتهاكاُ لحق الطفل وتدميرا للطفولة البريئة، وهذا ما كان ينتظره الحقوقيون في المملكة منذ زمن طويل.
يكاد ذاك الخبر ان يكون استجابة لحركة مهمة حدثت مسبقاً لحماية الصغار وامهاتهم من العنف، حيث نشرت صحيفة الوطن قبل أسبوعين في عددها الصادر في 25 نوفمبر خبرا بعنوان " عادلة بنت عبدالله: خط ساخن لاستقبال بلاغات العنف الأسري."
الاميرة عادلة بنت الملك عبد الله تبنت منذ بداية 2008 برنامجاً يـُدعى "الأمان الأسري الوطني" والذي من اولويات اجندته انه سيتولى إنشاء جمعيات للحماية الأسرية في مختلف مناطق المملكة، وبالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ستوضع خطة مبدئية لإقامة خط ساخن للافراد الذين يتعرضون للعنف الاسري.
على صعيد آخر ثمة "مبادرة الطلاق السعودي" التي صارت تشق طريقها بقوة وتأخذ منحى جاد، حيث تبنتها جهات حكومية مختلفة، وآخر تجمع للمهتمات بالحملة نـُشر عنه في جريدة الوطن بتاريخ 27 نوفمبر " ملتقى مبادرة الطلاق يوصي بإنشاء نظام للأحوال الشخصية لحماية الأسرة" كان تحت رعاية الاميرة جواهر بنت نايف كريمة امير المنطقة الشرقية الامير محمد بن فهد.
صدر عن ذلك الملتقى 73 اقتراحا من اجل تحسين اوضاع المطلقات وتعديل احوالهن، وقد تعد تلك التوصيات اساسيات مدونة الاسرة السعودية الجديدة، والتي كانت قد طُرحت ضمن عريضة وجّهت للملك منذ عدة سنوات من قبل سعوديات مثقفات مهتمات بتحسين احوال المرأة في المحاكم الشرعية وفي المجتمع.
الآن حان الوقت "لمبادرة الزواج السعودي" والتي يجب أن تكون عبارة عن حملات اعلامية توعوية توجه للنساء خاصة، لتعرفهن بحقهن في كتابة عقد الزواج. ومن المفترض ان تحظى بنفس الاهتمام الذي حظيت به "مبادرة الطلاق السعودي."
الشريعة الاسلامية تُعطي المرأة المقبلة على الزواج الحق في ان تـُملي شروطها في عقد الزواج، وعلى الرجل اما القبول او الرفض. لو أن كل فتاة اشترطت في عقد زواجها ما تراه مناسبا لتلبية حقوقها كإنسانة، لما صارت اوضاع المطلقات على الحال الذي نراه عليه اليوم.
ربما من اهم الشروط التي يجب تـُدرجها الفتاة في عقد زواجها هي: ان لا يتزوج بإمرأة اخرى في حياتها، وأن لا يحرمها من حقها في ممتلكاتها وفي العمل والدراسة، وانه في حالة حدوث الطلاق تحتضن هي صغارها في مسكنهم الذي تربوا فيه، وتحصل على اوراقهم الثبوتية، ويكون الاب ملزماً بدفع حصته من النفقة على ابناءه.
"مبادرة الزواج السعودي" مفتوحة لجميع المعنيات والمعنيين بحقوق الانسان ليتبنوها، من اجل ترسيخ اسر سعودية اكثر توازناً واستقراراً. وبما أن المؤسسات الحقوقية الحكومية ستبدأ قريبا حملة تعريف الناس بحقوقهم من خلال نشر لافتات في الشوارع، سيكون من الصواب ان تُدرج "مبادرة الزواج السعودي" من ضمنها.
الآن عودة للقضيتين التي نشرتا في الخبرين السابقين، مكافحة العنف الاسري ومبادرة الطلاق السعودي، يستحق كل خبر منهما الاهتمام به من جهة اخرى، حيث بدا ان دور نساء الاسرة الحاكمة السعودية سيأخذ منحى آخر، وانهن سيبتعدن نوعا ما عن دورهن التقليدي الذي رُسم لهن لعقود طويلة، والذي يحوم في مجمله حول فتح مراكز تدريبية، ومعارض فنية، وجمعيات خيرية خاصة بالنساء.
تلك الحركتين من ابنتي اقوى رجلين في الاسرة السعودية الحاكمة، ابنة الملك وابنة وزير الداخلية، تـُبين انه ثمة توجهاً نسويا ًنوعياً جدير بالمتابعة. ربما ذاك التوجه تتمخض عنه ولادة جديدة لخلق ادوار فعالة للنساء المتنفذات وغيرهن في المجتمع، خاصة ذوات القدرات القيمة المجمدة.
فالبنظر لتاريخ الامم المتقدمة خاصة دول اوروبا التي لا زال الكثير منها ملكيات لكنها دستورية، نجد ان نساء الاسر الحاكمة ونساء الطبقة الغنية تاريخياً كان لهن دور مهم في تطوير مجتمعاتهن. بالطبع لا بد ان يكنّ واعيات ومدركات لأهمية ادوارهن في جعل حركة التطور شاملة للنساء كما هي للرجال.
اليوم نرى التاريخ يجسد نفسه في دول الخليج المجاورة. في السنوات الاخيرة، وتحديدا بعد احداث 11 سبتمبر، ومن بعدها حرب العراق في 2003 تغيرت سياسات بعض دول الخليج مع شعوبها بصورة متسارعة. كأن رجال السلطة في تلك الدول استيقظوا من سبات عميق، وادركوا انه ثمة امور كثيرة لا بد من تغييرها او تطويرها.
انعكس ذاك الحراك التطوري بشكل ملحوظ حتى على الشيخات الخليجيات، وغيرهن من المهتمات بشؤون المرأة والمجتمع. صارت لهن ادوار اكثر فاعلية، وصرن يساهمن اليوم بدور قوي في تحريك سواد مجتمعاتهن، وتعزيز قيمة النساء ودعمهن في منازلهن وفي مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة. ايضا صار لهن حضور بين صانعي القرار الداخلي والخارجي.
بالطبع لولا اقتناع رجال الاسر الحاكمة الخليجية بأهمية تحسين اوضاع المجتمع، لما تحركن نسائهن بهذه الطريقة المهمة والمؤثرة. هذا الدور لم تحظ به نساء الاسرة الحاكمة السعودية ولا غيرهن بعد، حيث ان حركات التغيير والاصلاح كانت ومازالت تسير بخطى بطيئة جدا، بسبب تسلط المؤسسة الدينية وبسط قبضتها الحديدية على جميع مناحي الحياة في السعودية.
هل يا ترى مع هذه التحركات السريعة في النهضة الحقوقية ستفتح ابواب ومجالات جديدة لبعض نساء المجتمع السعودي المؤهلات ليتبوأن مناصب اكثر فعالية وأهمية..؟؟؟ ربما!
وللحديث بقية..







