‏إظهار الرسائل ذات التسميات غسان ابراهيم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غسان ابراهيم. إظهار كافة الرسائل

السبت، سبتمبر 20، 2008

التنين ينهض.. ولكن

غسان ابراهيم
الصين تنتج والفقراء يدفعون الثمن والدول الغنية تجني الأرباح

روجت وسائل الاعلام لظهور الصين على الساحة الدولية كعملاق جديد يدخل نادي الكبار من اوسع الابواب. واعتمد الكثير في طرحهم هذا على ان الصين أسرع الاقتصاديات نموا (11% سنويا)، وتحتل المرتبة الأولى في ادخار الاحتياطات الأجنبية حيث بلغت 1534 مليار دولار (بالدرجة الأولى الدولار الأمريكي). وتمتلك أكبر جيش في العالم من حيث العدد (يتراوح بين 2.5 - 3 مليون فرد)، ورابع أكبر ميزانية دفاع في العالم والتي تتزايد بنسبة 10% سنويا.

كما تعتبر الأولى عالميا في انتاج الحديد والمعادن والاسمنت، والثانية في استهلاك الطاقة بشكل عام، والثالثة في استهلاك النفط تحديدا، كما تعتبر ثالث اقتصاد من حيث الدخل القومي الاجمالي الذي بلغ 6991 مليار دولار امريكي.

وحسب موقع مجلة الايكونومست، فقد ساهم الاقتصاد الصيني بانقاذ الاقتصاد العالمي في بدايات هذا العقد من ركود عالمي خصوصا بعد الأزمات المالية التي ضربت الاقتصاد الامريكي.

ويرى بنك (مورغن ستانلي) أن انتقال الكثير من الشركات الأمريكية إلى الصين بغرض الانتاج وفر على المستهلك الامريكي خلال عشر سنوات (1996-2006) أكثر من 600 مليار دولار.

وتضاعفت صادراتها الى أمريكا 16 مرة خلال 15 عاما بينما تضاعفت وارداتها من أمريكا أربع مرات فقط، فقد استوردت شركة "Wal-Mart" الأمريكية (التي يمثل دخلها حوالي 2 الى 3% من الدخل القومي الامريكي) 80% من منتجاتها من الصين، ففي عام 2006 استوردت أكثر من 18 مليار دولار من المنتجات الصينية.

اضافة الى ذلك، يذهب الكثير من المحللين إلى المغالاة في تعظيم الدور الصيني عالميا من خلال اعتبار أن الظهور الصيني يمثل مرحلة ثالثة من مراحل التطور في الساحة العالمية خلال القرون الاربعة الماضية، حيث تمثلت المرحلة الأولى بظهور القوة الاوروبية في القرن السابع عشر. ثم المرحلة الثانية المتمثلة بنهوض الاقتصاد الامريكي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أما المرحلة الثالثة المبالغ فيها تتمثل في بزوغ قوة جديدة من الشرق وهي القوة الآسيوية وتحديدا في الصين بالدرجة الأولى ومحيطها من الهند وكوريا واليابان.

وبالعودة إلى تاريخ هذا التطور العالمي نجد أن الانتقال من مرحلة إلى اخرى كان مترافقا مع أزمات ومحاولات من طرف للتغلب على الاخر ليحل محله ويتابع مسيرة جديدة في النظام العالمي، فمثلا بروز أمريكا كقوة عالمية وقطب أوحد لم يصل إلى هذا المستوى الا بعد الاستفادة من انتصارات عسكرية لها ولحلفائها في الحروب العالمية وانتهاء مرحلة الحرب الباردة بازاحة أي منافس عن المشهد العالمي بكل الطرق. وسابقا الظهور الاوروبي والنهج الاستعماري التقليدي الذي غذى النهضة والثورة الصناعية وقدم اروربا كقوة عظمى، اما اليوم فيبدو أن المرحلة الجديدة الصينية لا تحمل هذا البعد (من انتصارات، ازاحة، استعمار..) لا لكونها أكثر انسانية بل لكونها غير قادرة على أن تزيح اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية ولا تزال عاجزة ان تفرض نفسها بشكل مستقل.

إن ظهور الصين كقوة حقيقية منافسة في المجتمع الدولي أو بديل عن أقطاب رائدة في العالم أمر مشكوك فيه، فهي لا تعدو عن كونها ورشة عمل تنتج لحساب الدول المتقدمة على حساب الدول الفقيرة. ولتوضيح هذا الطرح لابد من أخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

- قطاع الصناعة الصينية عبارة عن مصنع او معمل ينفذ تصاميم وطلبات العالم المتقدم الذي يحدد معايير الانتاج ومواصفاته وتصاميمه ومدة الانتاج ونوعية المنتج وجودته لتتناسب مع السوق الذي تختاره الدول المتقدمة، حيث تنفذ الصين ذلك بارخص التكاليف تاركة هامشا كبيرا من الربح لتلك الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي نقلت جزءا كبيرا من خطوط انتاج شركاتها الى الصين. وبالتالي فان النمو الاقتصادي في الصين لم يخلق قطاعات ابداعية، لأن أغلب المنتجات الصينية قائمة على تنفيذ الاوامر المحددة مسبقا وتخلو من أي إضافة صينية ابداعية في أغلب مجالاتها..

- الصناعة الصينية تقدم منتجا مصنعا من مواد أولية مستوردة بأسعار رخيصة جدا من الدول الفقيرة. وتعيد تصنيعها لتحويلها إلى سلع تحتوي قيمة مضافة لترفع أسعارها إلى أضعاف ما استوردته من مواد اولية. لتقدمه للعالم المتقدم باسعار رخيصة نسبيا (في حال إذا ما قارنا عملية الانتاج هذه بين الصين والعالم المتقدم) ليتكفل مهمة تسويقه وجني الأرباح على حساب الدول النامية المصدرة للمواد الاولية الرخيصة، والصين المنتج للسلع باستخدام القوة العاملة الرخيصة. عليه, يبقى العالم الثالث (بما فيه الصين طبعا) في المرحلة المقبلة عالماً متخلفاً لا يجد اي فرصة لتحقيق تنمية تخرجه من هذه الدائرة المغلقة.

- النمو الصناعي الكبير الذي تحقق في الصين لم ينعكس على المستوى المعاشي للشعب الصيني بل تضاعفت الفجوة بين طبقات الشعب وتحول أغلب الطبقة المتوسطة إلى طبقة عاملة بدخل محدود، بينما ظهرت طبقة ثرية تستثمر بالتعاون مع الشركات العالمية التي توظفهم كوسطاء ينقلون أوامر الانتاج إلى الشركات الصينية التي تقتصر مهمتها على الانتاج بأرخص التكاليف، ولم تلعب هذه الطبقة الثرية دوراً تنموياً في الصين كما فعلت الطبقة البرجوازية التي ظهرت أيام الثورة الصناعية في أوروبا. اذاً، النمو الاقتصادي الصيني لا يحمل في طياته بعداً تنموياً بل نمواً متسارعاً نتيجة دخول استثمارات أجنبية يهمها الانتاج الرخيص وليس تحقيق تنمية تخدم الشعب الصيني.

- الثورة الصناعية في الصين خالية من مضامين النهوض الاجتماعي كونها لم تترافق مع انفتاح في الحريات وحقوق الانسان والتحرر الفكري والثقافي بل ظهرت كطفرة في مسيرة النمو على عكس ما شهدته التجربة الغربية في أوروبا.

- المنتج الصيني ليس له معايير وطنية ودولية ثابتة، فما تنتجه الصين من منتجات موجه الى أوروبا مثلاً لها مواصفات الانتاج الاوروبي. وما ترسله إلى الدول المتخلفة خال من أية معايير ومقاييس للجودة ولا تتشابه مع ما ترسله إلى الغرب الا في الشكل فقط فهي مجرد سلعة رخيصة للاستخدام بدون معايير الجودة والسلامة والامان، المهم أنها رخيصة.

- دخلت الصين نادي كبار الملوثين للبيئة ليس نتيجة الأعمال التنموية التي تحققت في الصين بل نتيجة تحولها إلى أكبر منتج لحساب الاخرين على حساب تحمل الصين أعباء بيئية أمام شعبها من جهة، حيث اصبحت أغلب المدن الصينية مصنفة من بين أسوأ المدن للعيش عالميا نتيجة ارتفاع مستويات التلوث في الجو والتربة والهواء. ومن جهة أخرى، تتحمل الصين عبئاً بيئياً دولياً أمام المجتمع العالمي الذي بدأ يضغط على الدول الصناعية لتحمل مسؤولية التلوث المسبب لاتساع ثقب الأوزون واعتبار الصين أحد أكبر المسؤولين، متناسين أن الانبعاثات الملوثة للبيئة الصادرة عن الصين ليست نتيجة بناء وتنمية بل نتيجة ما تقدمه وتنتجه بالنيابة عن العالم المتقدم والذي وجد في الصين "كبش الفداء" لتحميلها أغلب الأعباء بتصنيفها أكبر الملوثين الان، ومتناسين أيضا أن العالم الصناعي التقليدي وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تلوث خلال الخمسين عاما مضى رافضة أن توقع على اتفاق "كيوتو"، ولكن بعد ان نقلت اغلب صناعاتها الى الصين، أظهرت الدول الصناعية اهتماما بقضية التغير المناخي وحماية البيئة ومطالبة الصين عن ذلك وتحميلها مسؤولية عن الكوارث المناخية.

- جزء كبير من الانفاق العام الحكومي الصيني يتوجه لخدمة عمليات الانتاج المخصص للتصدير (التي تخدم السوق الخارجية) مع اهمال قطاعات حيوية (التي تخدم الشعب الصيني) مثل الصحة والتعليم والتربية.

- النمو الصناعي حمل أثراً سلبياً على قطاع الزراعة حيث سحبت الصناعة الأيدي العاملة من الزراعة التي تخضع إلى العامل الموسمي غير الثابت من جهة. ومن جهة ثانية، تراجع دعم الحكومة للقطاع الزراعي وبالتالي انخفاض المستوى المعاشي للفلاحين على عكس ما يفعله الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية من دعم غير محدود للزراعة.

- تعتمد الصين الدولار الامريكي كعملة لتقييم كل الاصول الصناعية والاستثمارات وبالتالي يترتب عنه ربط غير مباشر بهذه العملة ومستقبلها، مما يعني أن الاقتصاد الصيني سيعمل جاهدا على حماية الدولار من الانهيار من خلال ضخ المزيد من الأموال لشراء سندات الخزينة الأمريكية لتغطية العجز في الميزانية الأمريكية والعجز في ميزان التجارة الخارجية ولدعم الدولار. اي تعاظم المديونية الامريكية التي بلغت 12250 مليار دولار امريكي لحساب الصين التي تعتبر اكبر الدائنين. وبكلام اخر لا يكتفي المستثمر الامريكي مما يجنيه من ارباح السلع الصينية رخيص التكاليف بل يضع الصين في موضع لا يمكنها أن تتخلى عن الاقتصاد الأمريكي أكبر مستورد للسلع الصينية. مما يجعل الصين تابعا بشكل غير مباشر للسياسات الاقتصادية (النقدية والمالية) التي تصدرها واشنطن، وواجب عليها أن تصلح وتتحمل أعباء ما تخربه الادارة الامريكية في الاقتصاد العالمي ككل.

- النمو الاقتصادي السريع الذي تنعم به الصين يسير في مستقبل ضبابي لكونه معتمداً على تلبية احتياجات السوق الدولية (أي تنتج للخارج فهي اقتصاد تصدير) مما يعني أن مستقبل هذا النمو الاقتصادي يعتمد على مدى استقرار السوق الخارجية، فأي أزمة في السوق الأمريكية ستنعكس على الاستهلاك الامريكي وبالتالي على الانتاج الصيني وعلى مستقبل النمو الاقتصادي هناك، لغياب سوق صيني حقيقي وغياب عملية تنمية مستدامة في البلاد.

- على الرغم من كون نموها معتمداً على التصدير فهي تعتبر من أكبر مصدري السلع في العالم من ناحية الكم، أما من ناحية قيمة صادراتها فترتيبها الرابع بما يقدر بحدود 1217 مليار دولار بينما تفوقت ألمانيا على الصين في قيمة ما تصدره 1334 مليار دولار بالرغم من الأزمات الاقتصادية التي تعانيها "العجوز الاوروبية". لذا لا يمكن تصنيف الصين كقوة اقتصادية خارقة حتى مع الاخذ بعين الاعتبار اهم عنصر من عناصر نموها وهو التصدير.

- وعلى الرغم من أن شنغهاي مركز مالي مساحته ثمانية اضعاف مساحة مدينة المال في لندن تظل الصين غير قادرة على أن تلعب دور مركز مالي عالمي يضاهي لندن او نيويورك. وعلى صعيد النظام البنكي، تعاني الصين من عدم وجود سياسيات نقدية فعالة يديرها بنك مركزي تابع لسياسات الحكومة المركزية ذات التوجه المشوش بين الاشتراكية والرأسمالية، اضافة الى غياب قطاع مصرفي يتناسب مع الانظمة البنكية العالمية، فلازالت أغلب الاستثمارات الأجنبية في الصين تدار من قبل بنوك وصناديق استثمارية غربية بالدرجة الاولى.

- صحيح أن الاقتصاد الصيني هو الثالث من حيث الدخل القومي الاجمالي ولكن عندما نوزع هذا الدخل على الشعب الصيني نجد ان متوسط الدخل السنوي بالنسبة للمواطن الصيني بحدود 5300 دولار امريكي فقط لا غير. اي تحتل مرتبة اقل من الكثير من الدول الفقيرة حيث اخذت المركز 133 بينما مصر إحدى الدول النامية تحتل المرتبة 130. أضف إلى أننا اذا أخذنا في الاعتبار أن حوالي 30% إلى 40% من الدخل القومي الصيني ناتج عن مستثمرين وشركات اجنبية ويعود لحسابها الخاص، سنجد ان متوسط الدخل السنوي الفعلي بالنسبة للمواطن الصيني سينخفض الى اقل من 4000 دولار امريكي، وبالتالي ستصنف الصين في مراتب بعد 150 بين دول العالم وستكون أكثر فقرا من كوبا مثلا التي تصنف في المركز 149. بكلام اخر سيتحول هذا التنين العملاق الناهض إلى سحلية هزيلة في عالم تسود فيه القيمة على الكم والحجم.

غير أن الامر الذي لا شك فيه هو ان التنين الصيني ينهض، ولكن يبدو أنه نهوض هزيل وتابع لدرجة أن الصين غير قادرة على أن تأخذ دورا حقيقيا في الاقتصاد العالمي، لتظهر كطرف ثالث يعمل بالوساطة لحساب أطراف أخرى، وليس كلاعب مستقل يأخذ مكانا بارزا في المجتمع الدولي ويفرض شروطه التي يفضلها بقدر ما يتقبل شروط الاخرين ويخدم مصالحهم أملا في الحفاظ على نصيب فيها او على بعض من الفتات المتبقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مدير تحرير جريدة "العرب الاسبوعي" الصادرة من لندن.

ghassan.ibrahim@yahoo.co.uk



الخميس، يوليو 17، 2008

إندمجوا أو إرحلوا

غسان ابراهيم
المهاجرون العرب والمسلمون جزء من مشكلة التمييز والعزلة

يدفع المواطن العربي والمسلم في بلاد المهجر ثمناً مضاعفاً للأعمال الارهابية التي راح ضحيتها المدنيون في الغرب، فقد استهدف الارهابيون (الذين جاؤوا من أصول راديكالية ضمن الجالية المسلمة التي تبرأت منهم ومن أعمالهم التي لا تمثل الاسلام) المدنيين بشكل عشوائي يجعل كل شخص في الغرب مستهدفا بمن فيهم ابناء الجالية المسلمة نفسها.
وبهذه الصورة اصبح الخطر على المسلم في الغرب ضعفان، فهو مستهدف بالارهاب من جهة، ومن جهة ثانية مستهدف من قبل المجتمع الغربي كونه مسلماً ويؤمن بنفس الدين الذي حاول هؤلاء الارهابيون الاساءة له وتوظيفه بطريقة بعيدة عن معتقدات هذا الدين الطاهر والداعي للرحمة بين كل الناس بغض النظر عن ثقافاتهم وأديانهم.
هذا الواقع جعل المسلم أمام حربين الأولى مواجهة الارهاب، والثانية إظهار حقيقة هذا الدين وتناقضه مع الارهاب وإزالة مخلفات هذه الظاهرة التي صعدت من ظاهرة العنصرية تجاه الانسان الشرقي والمسلم في بلاد المهجر.
وبطبيعة الحال، تعاني الأقليات وخصوصا منها المسلمة أو ذات الأصول الشرقية الكثير من المشاكل في المجتمعات الغربية (بلاد المهجر) وبشكل أكثر تحديداً مشكلة العنصرية التي بدأت تتفاقم بعد أحداث 7/7، أضف إلى أن هذه المشكلة بحد ذاتها لعبت دوراً أساسيا في تفاقم الكراهية ضمن المجتمعات الغربية ضد المهاجرين وساهمت في عزلة هذه الجاليات ووضعها في الخانة الأخيرة من درجات المواطنة كما هو الحال في فرنسا.
ومن جهة أخرى، عمد بعض المهاجرين إلى المبالغة بظاهرة العنصرية وجعلها سببا أساسيا من أسباب معاناتهم وعدم تمكنهم من النجاح وتحقيق أهدافهم ورغباتهم، فيتداول المهاجرون قصصاً أصبحت مقولات شهيرة عن العنصرية في حياتهم اليومية، كأن يقول: "لقد تقدمت إلى عمل ما بخبرة وكفاءة أعلى من كل المتقدمين ورفضوا طلبي للعمل عندما قرأت لجنة التوظيف سيرتي الذاتية فوجدت اسمي محمد أو أحمد.. أو أي اسم يدل على الاسلام"... وقس على ذلك الكثير من هذا النوع من المقولات. لا أحد ينكر وجود العنصرية، ولا أحد يتجاهل معاناة المهاجرين وخصوصا المسلمين، القصة قد تكون صحيحة في حالات قليلة ولكننا كجاليات نضخم الموضوع ونجعله مبرراً لفشلنا، وسبباً لتحميل الآخرين مسؤولية معاناتنا، دون أن نتحمل جزءاً من هذه المشكلة التي أسهمنا في خلقها وتعظيمها بدلا من التفكير في التعاون مع الآخرين لحلها ونضعهم أمام الأمر الواقع بأننا نريد الحل ونريدهم أن يكونوا معنا لحل هذه المشكلة التي تشتت مجتمعات الغرب من جهة وتهدد أمنه من جهة ثانية.
إن ما نعانيه من العنصرية جزء كبير منه لنا دور في خلقه من خلال عدم تقبلنا الاندماج مع الآخر في بلاد المهجر، فساهمت جالياتنا في خلق هذه العنصرية فيما بينها وبين الأقليات الأخرى وفيما بينها وبين مجتمعات بلاد المهجر.
الاندماج الذي نتحدث عنه لا يعني بأي شكل من الأشكال تخلينا عن الهوية والمعتقدات والعقائد والتقاليد وطرق المأكل والملبس والمظهر الخارجي وغيرها من الممارسات التي تعودنا عليها، بل لا يوجد أي تعارض في الحفاظ عليها وإغناء المجتمعات الغربية بطرق وأساليب حياتنا المختلفة عنهم، فاندماج الأقليات له بعد ثقافي وحضاري يغني مجتمعات الغرب بتقاليد وعادات قد تختلف في الشكل إلا أنها تتشابه في مضمونها الانساني.
الاندماج يسهم في نقل صورة حقيقية عن معتقداتنا وأدياننا ويعمل على إصلاح ما أفسده المهاجرون السابقون، فعندما تتعامل بصدق وإخلاص في عملك ضمن المجتمع الغربي كما تتعامل بنفس درجة الصدق مع جاليتك فإن صورة الانسان الشرقي والمسلم في ذهن الانسان الغربي ستتغير ليصبح مقبولا بين الآخرين، وعندها إذا تقدم محمد أو أحمد للحصول على وظيفة فإن هذه الصورة المشرقة ستجعل أهليته وكفاءته للعمل هي المعيار الوحيد في قبوله أو رفضه.
الاندماج لا يقتصر على بعديه الاجتماعي والاقتصادي فحسب بل بعده السياسي أيضا من مستوى البلديات إلى الحكومة والبرلمان. وغالبا ما تمتلك الأقليات الكثير من الكفاءات رجالا ونساءً ذوي الخبرة والمعرفة غير الموظفة في ميدان السياسة من بابها الواسع، فعدد ممثلي هذه الجاليات في المجالس البلدية دون المستوى اللازم بكثير. والمعروف عن الغرب أنه دولة القانون (وتحديدا في الشؤون الداخلية) فلو ظهرت أي مشكلة أمام الجالية ولتكن العنصرية مثلا، فما على الشخص الذي واجه المشكلة إلا أن يتصل بممثله الذي انتخبه في المجلس البلدي أو البرلمان ليقوم بدوره ويُفعل القانون لحماية الجالية والمجتمع من هذه الآفة، فطالما أننا لسنا ممثلين بالشكل المطلوب (وهنا المشكلة نحن سببها) ستهضم حقوقنا بسبب تقصيرنا لا بسبب أي مؤامرة نحاول دائما أن نستخدمها لتبرير أخطائنا وللتخلص من مسؤولياتنا تجاه أنفسنا أولا.
الاندماج لا يعني زوال وذوبان الجاليات وتلاشيها في المجتمع بل سيسهم في تطوير وتوظيف الكفاءات المتواجدة ضمن الجالية من خلال الولوج إلى المجتمع والتعلم منه ونقل المعرفة إلى الجالية لتصبح أبواب العمل مفتوحة للجالية في داخلها وخارجها ويسهم في رفع سويتها المادية والمعنوية، لذلك إذا نظرنا إلى الجالية الهندية والباكستانية كمثال، سندرك أن فقر وتخلف الجالية الباكستانية مقارنة بالهندية هو سبب انغلاقها وانفتاح الهنود أكثر في بريطانيا ووصولهم إلى مستويات سياسية ومادية وتجارية أعلى مما أسهم في تحسن مستوى الجالية وانخفض الفقر فيها وارتفعت الطبقة العاملة والمتعلمة بالرغم من أن الجالية الهندية لم تتلاش بل بقيت متكاتفة متواجدة بتقاليدها ومعتقداتها وطرق حياتها، فكل ذلك يعود إلى اندماجها.
وبينما نتهم المجتمع الغربي بالعنصرية ننسى أن الكثير من الجاليات استفادت من تسامح هذا المجتمع في ممارسة معتقداتها بكامل حريتها وبدرجة أعلى من وطنها الأصلي، فما هو متاح للمسلم في بريطانيا قلما يكون متوفراً في الكثير من الدول المسلمة على سبيل المثال.
صحيح أن العنصرية موجودة في الغرب إلا أنها موجودة بدرجات متفاوتة، فلا يمكن أن نقارن الوضع المزري للجاليات في فرنسا مع الوضع المميز للجاليات في بريطانيا.
أضف إلى ذلك، أن العنصرية التي يعاني منها المهاجرون لا تقتصر فقط على الممارسات العنصرية النابعة من المواطن الغربي بل موجودة بين الجاليات نفسها في بلاد المهجر، فبعض الجاهلين من الأتراك قد يمارس عنصريته على الأكراد أو العكس، أو أن تمارس بعض الجاليات ذات الأجيال القديمة في المهجر عنصريتها على الجاليات جديدة العهد وتضطهد أفرادها لأنهم منافسون لهم.
إن جوهر العنصرية نابع من جهل وليس من برامج أو مؤامرات كما يحلو لبعض المهاجرين أن يصوروا أن المسلمين مضطهدون لكونهم مسلمين، بينما المراقب لهذه الاشكالية يدرك تماماً أنها نابعة عن جهلاء وليس لها بعد منظم، فلا يمكن أن تشاهد حالة عنصرية نابعة من انسان مثقف أو انسان متفتح، وخير مثال على ذلك التجربة اليومية التي يمكن أن تراها في الشارع أو المواصلات العامة في لندن على ردة فعل الجمهور على اللباس التقليدي الشرقي، فإذا وجدت شخصاً مرتدياً ثوبا شرقيا أو اسلاميا في لندن فأول وأغلب من ينظر إليه باستهجان واستغراب هم الشرقيون والمسلمون، بينما تجد الانسان الغربي منهمكاً بأمره ومستعجلا إلى عمله لايضره ولا ينفعه ماذا لبست وما هدفك من هذا اللباس ؟.
ومن الامور التي تسهم في تعظيم العنصرية هي الممارسات اللا قانونية والتجاوزات من قبل المهاجرين التي تعطي صورة سيئة عن المجتمع الشرقي والمسلم وتحث الاخرين على كراهية هذا المجتمع، كما أن الكثير من المهاجرين يعمدون إلى عزل أنفسهم وعائلاتهم عن مجتمع المهجر، كما يغذونهم بأفكار الحقد والكراهية والتطرف والخروج عن المجتمع. وفي نهاية المطاف، يتساءلون لماذا يكرهوننا؟ ولا يسألون أنفسهم لماذا يكرهونهم؟
من الارقام الخطيرة عن واقع الجاليات المسلمة في بريطانيا أن نسبة المساجين المسلمين في السجون البريطانية تجاوزت 12% من إجمالي المساجين. قد تبدو هذه النسبة قليلة للوهلة الأولى ولكن عندما نقرأها بشكل احصائي ندرك أنها كارثة حقيقية، فنسبة المسلمين في بريطانيا في حدود 2% تقريبا، فمن الطبيعي أن يكون نسبة المساجين المسلمين بحدود هذه النسبة أي 2% فقط، وعليه فإن نسبة المساجين المسلمين هي ستة أضعاف النسبة الطبيعية، مما يعني أن هذه النسبة تعكس أكبر نسبة مساجين بين كل الاقليات وحتى المواطنين الأصليين.
والعنصر الأكثر رعبا في هذه الأرقام أنها شملت فقط سجناء الجرائم من القتل والسرقة والاغتصاب والاتجار بالمخدرات والاتجار بالبشر وغيرها من المحرمات التي حرمها الاسلام، إلا أن مقترفي هذه الجرائم أباحوا هذه الجرائم بشرط أن يستهدفوا غير المسلمين نظرا لعدم فهمهم قيم الاسلام السمحة التي حرمت كل هذه الجرائم وجعلتها من المحرمات على كل البشر دون استثناء.
القلة التي لا تفهم هذا الدين الحنيف بشكل سليم تسيء لكل الجالية المسلمة التي عرف عنها استقرارها وسلمها لذاتها وللاخرين، بينما تعمد تلك القلة إلى إعادة تفسير أحكام الدين بصورة مشوهة وبطريقة تتناسب مع ميولهم أو أهدافهم فتلجأ أحيانا إلى توظيف وتجنيد الضعفاء والجهلاء الذين لا يعلمون الدين بشكله السليم بل حتى لا يعلمون اللغة العربية (لغة القرآن) مما يسهل عليها إعادة شرح معاني هذا الدين الحنيف بصورة مشوهة تبيح المحرمات وتحول الإجرام إلى جهاد والشر إلى خير والمحرم إلى واجب ديني، وغالبا ما يجند هؤلاء المسلمين من أصول غير عربية بشكل خاص (نظرا لعدم قدرتهم على قراءة تعاليم الدين المنزل باللغة العربية).
ومع قلة هؤلاء المجرمين إلا أن قدرتهم على الاساءة وتشويه صورة المسلمين في الغرب كبيرة بل كارثية لدرجة أن الاعلام الغربي لا يرى من الجالية المسلمة إلا هؤلاء، فمن باب النقد الذاتي وجب علينا أن نعترف بأخطائنا والممارسات المشوهة التي ساهمت في تكريس العنصرية ضد المسلمين والعرب قبل أن نتهم الآخرين بها. وبعد أن نحدد ما علينا يمكننا أن نطالب بما لنا، فإذا لم نشر إلى مصدر العلة في جالياتنا ونعمل على معالجتها والحد من مشاكلنا وأزماتنا الداخلية فلا يجب أن نتوقع أن يساعدنا الآخرون أو يكفوا عنا عنصريتهم وكراهيتهم التي لا تميز بين الصالح والطالح.
فلنكن صادقين مع أنفسنا ولنكف عن تحميل الآخرين أسباب مشاكلنا ولنبدأ العمل من باب الانفتاح على الآخر وتقديم صورة مشرفة عن أصولنا ومعتقداتنا مع تقبل الآخرين بألوانهم واشكالهم وملابسهم ومعتقداتهم ما توافق منها معنا أو اختلف، ولنقل لأنفسنا: أمامنا خياران إما أن نندمج ونعيد لجالتنا صورتها المشرقة أو لنرحل فنريح ونستريح.
----------------------------------
* مدير تحرير جريدة "العرب الاسبوعي" ghassan.ibrahim@yahoo.co.uk

السبت، مايو 03، 2008

جوعنا من جهلنا

غسان ابراهيم
لماذا تزدهر إسبانيا بزراعتها ونجوع نحن؟ (حقائق وأرقام)

في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية والمتطلبات الأساسية، تدور في الأذهان تساؤلات كثيرة تتمحور حول الأسباب الحقيقية لهذه المعضلة، منها: هل سيزداد الفقر في عالمنا العربي؟ هل سينتشر المرض؟ هل ستتهدد اقتصادياتنا النامية؟ هل سنموت جوعاً؟
مع خطورة الموضوع، قد تكون الإجابة بسيطة وبثلاثة حروف "نعم"، لأن كل المؤشرات تدل على أنه لا توجد جهود حقيقية لمواجهة المشكلة وكل ما يتم فعله هو الاكتفاء بتسكين آلام هذه الكارثة دون معالجة جوهرها.
فمن خلال تحليل سريع لهذه الظاهرة نجد أنها بنيوية، وليست ظاهرة طارئة تمر ضمن الدورة الاقتصادية التي تمر بكل دول العالم.
صحيح أن الاقتصاد العالمي ككل يعاني من هذه الظاهرة الآن ولكن الاقتصاد العربي يعاني من هذه المعضلة لأسباب أخرى أكثر خطورة.
وأهم هذه الأسباب يتمثل في "الجهل وتبعاته"، فهل يعقل أن تجوع أمة أغلب العاملين فيها مزارعون وعاملون في القطاع الاستهلاكي والخدمي؟ أليس من المفترض أن نكون دولاً مصدرة للغذاء بمختلف أنواعه الحيوانية والنباتية بدلاً من استيراد قوت يومنا من الخارج؟
ألا يجب علينا أن نتعلم من دروس الأمم الأخرى؟ فهذه إسبانيا التي كانت من أفقر دول الاتحاد الأوروبي نهضت باقتصادها دون التخلي عن الزراعة بل على العكس من ذلك عملت على دعم هذا القطاع وجعلته "فاتحة" لنهوضها في باقي القطاعات الاقتصادية، فالنجاحات الاقتصادية التي تحققت في ميادين الصناعة والبنوك والخدمات بنيت بشكل مترافق أو تابع للنهوض الزراعي، وبذلك تحولت إلى دولة تنتج أكثر مما ينتجه العالم العربي بكل دوله النفطية وغيرها، بل تنتج تقريبا ضعف ما ننتجه، فقد بلغ الدخل القومي لإسبانيا عام 2007 حوالى 1.4 ترليون دولار بينما لم يتجاوز الدخل القومي للعالم العربي (بما فيه الدول المصدر للنفط) أكثر من 0.8 ترليون دولار.
كل ذلك، على الرغم من أن أغلب دول العالم العربي دول مصدرة للنفط والغاز والثروات الطبيعية بينما إسبانيا دولة مستوردة للنفط والغاز والكثير من الثروات الطبيعية فهي تستورد كل يوم 1.72 مليون برميل نفط بينما تنتج الدول العربية أكثر من 21 مليون برميل نفط يوميا. وتستورد إسبانيا حوالي 31.76 مليار متر مكعب سنويا من الغاز بينما تنتج الدول العربية اكثر من 450 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.
فإسبانيا دولة مصدرة للغذاء الزراعي والحيواني، إذ تنتج في هذا القطاع ما قيمته حوالي 80 مليار دولار بينما لا ينتج العالم العربي مجتمعاً أكثر من 70 مليار دولار، أضف إلى ذلك أننا نستورد المواد الغذائية بشكل يفوق انتاجنا أي لدينا فجوة غذائية تتزايد سنوياً. والشيء المثير للأسف أن مساحة إسبانيا نصف مليون كيلو متر مربع بينما مساحة العالم العربي 14.2 مليون كيلو متر مربع، أي (إسبانيا) تعادل تقريبا 3.5% من مساحة العالم العربي، وعدد سكانها 40 مليون نسمة بينما عدد السكان في العالم العربي تجاوز 300 مليون نسمة، مما يعني أننا نفوقها تعداداً بحوالي 7.5 مرات، وعدد الاسبان الذين يعملون (القوى العاملة) 22 مليون نسمة وعدد الذين يعملون في الزراعة 2 مليون نسمة ونسبة البطالة 7.6% بينما عدد العرب الذين يعملون (القوى العاملة) حوالي 111 مليون عامل وعدد الذين يعملون في الزراعة حوالي 37 مليون نسمة ولا توجد تقديرات دقيقة للبطالة في العالم العربي ولكن أكثر التوقعات تؤكد أن البطالة في طريقها إلى حوالي 20%.
أما أسباب ارتفاع أسعار السلع الغذائية عالميا تتثمل فيما يلي:
- انخفاض قيمة الدولار وبالتالي انخفاض قيم الكثير من العملات المرتبطة به وبالتالي ارتفاع أسعار السلع.
- ارتفاع أسعار النفط وبالتالي ارتفاع تكاليف انتاج السلع والخدمات حيث يظهر ذلك جلياً في أسواق الدول المستوردة للطاقة التي بدأت تعاني من ارتفاع الأسعار وهيجان التضخم.
- التحسن الاقتصادي في بعض الدول النامية التي تقود النمو في العالم مثل الصين والهند وجنوب شرق آسيا، مما يعني أن مستويات المعيشة تشهد تطوراً متصاعداً وبالتالي سينعكس ذلك على طبق الغذاء الذي سيتسع للمزيد من اللحوم والأسماك والحبوب والفاكهة بينما كان مقتصرا على حفنات قليلة من الأرز أو ما شابه ذلك، فهذا الطلب المتزايد من طبيعي أن يسهم في رفع أسعار السلع الغذائية.
- ظهور ميل دولي نحو الاعتماد على مصادر الطاقة البيولوجية التي تصنع من المواد الزراعية التي بدأت تزاحم وتنافس زراعة المواد الغذائية نظراً لجدواها الاقتصادية وسرعة مردودها. ففي ظل سياسات غربية لتخفيض أثر الانبعاثات على المناخ تم اعتماد خطط تتبنى زيادة استهلاك الطاقة النظيفة الناتجة عن مصادر زراعية، فبدأت سياسات الطاقة للدول الغنية تلتهم طبق قوت الفقراء.
كل هذه الأسباب لعبت أدواراً في زيادة الطلب على السلع الغذائية عالميا، وبالمقابل شهد العالم ترجعاً في انتاجه الزراعي لأسباب بيئية ومناخية، مما يعني أن ارتفاع الأسعار ظاهرة منطقية تواكب تطورات قوى العرض والطلب في السوق في ظل الدورة الاقتصادية التي يمر بها العالم من كساد إلى رواج وبالعكس بشكل دورات اقتصادية طبيعية.

أما في عالمنا العربي، فالوضع يبدو مختلفاً، فالأسباب الواردة أعلاه هي جزء من المعضلة التي تواجهنا ولكنها ليست كلها. المشكلة تكمن في الجهل وعدم الاكتراث بالمستقبل ويمكن توضيح ذلك كما يلي:
- عمدت كثير من الدول العربية إلى ايقاف الدعم عن المزارعين والصناعات المرتبطة بالزراعة عملاً بنصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، على مبدأ، لماذا ندعم منتجا يمكننا شراؤه من الخارج بثمن أقل ؟.
للوهلة الاولى يبدو قرار رفع الدعم قراراً اقتصادياً صائباً سيما أن هناك تعهدا أمام هذه المؤسسات الدولية بالسير نحو اقتصاد السوق. ولكن لو أخذت الدول العربية مجموعة من الحقائق بعين الاعتبار لوجدت أنه من المعيب أن تمتنع عن دعم الرزاعة حسب "وصفة" صندوق النقد الدولي دون التفكير في سيادة قرارها بل ومصير شعبها. ومن هذه الحقائق التي لم تؤخذ بالاعتبار: أن أكثر من 40% يعملون في الزراعة ومشتقاتها.
إن العالم العربي بطبيعة الحال يعاني من بطالة خيالية، فهل نحن بحاجة إلى المزيد من البطالة؟ أليست الزراعة عصب اقتصاد عالمنا العربي؟ وبالتالي يعني دعم هذا القطاع دعم الاقتصاد ككل، لانه ما إن يعمل المزارع ويحصل على دخل سيتحول إلى عامل محفز يدعم الطلب على منتجات أخرى، أي أن الدعم لن يكون فقط للزراعة بل سيتوزع بشكل غير مباشر على باقي القطاعات، وسيسهم الدعم بدفع عملية التنمية بهذه الطريقة، على شرط ان يكون دعم الزراعة مدروسا اقتصادياً حيث يتم اقتناء منتجات محددة اذا ما قدم الدعم لها ستتحول مع الزمن إلى منتج مربح اقتصادي أو على الأقل أن تكون من السلع الاستراتيجية (القمح مثلا). ويجب أن تأخذ الدول العربية بعين الاعتبار أن نصائح تلك المؤسسات الدولية وخصوصا "وصفة صندوق النقد الدولي" هي مجرد نصائح وليست أوامر ولنا الحق أن نطبق ما يناسبنا ونهمل ما لا يخدمنا. فلماذا يجب على الدول العربية ايقاف الدعم بينما تستمر دول الاتحاد الاوروبي بدعم الزراعة. فهذه النصائح يجب أن لا تتحول إلى "وصفة للتبعية" بشكل أعمى.
- أكثر من خمسين عاما والعالم العربي يؤكد أنه سيتم دعم السودان لتتحول إلى مزرعة العالم العربي ولتكون "سلة غذائنا" والمصدر الاستراتيجي للموارد الزراعية والحيوانية، ولكن لم يتحقق من ذلك سوى المزيد من الوعود بينما استثمارات الدول العربية النفطية ستبلغ 2000 مليار دولار تستثمر في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أسوأ مكان للاستثمار في العالم في ظل انهيار عملتها. بينما لو تم استثمار 20 مليار دولار سنويا لمدة خمس سنوات في السودان التي تبلغ مساحتها 2.5 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل خمس مرات مساحة اسبانيا، لتوقعنا انتاجا زراعيا يعادل على الأقل 100 مليار دولار سنويا (بعد خمس سنوات من بدء الاستثمار) وهذا أفضل من اي فرصة استثمارية خارج العالم العربي.
- إقامة مشاريع صناعية متممة للقطاع الزراعي، الكثير من الدول العربية غير قادرة على زيادة انتاجها الزراعي لانه في فترة المواسم يزداد الانتاج على العرض وينهار سعر السلع الزراعية مما يجعلها غير مجدية للاستثمار فيها. وجدير بالذكر أنه يوجد في دول الاتحاد الاوروبي صناعات رديفة تقام في المناطق الزراعية تتولى تصنيع هذه المحاصيل لتصبح سلعا تجارية ذات جدوى اقتصادية وبالتالي تحفز على المزيد من التوسع الزراعي.
- إقامة مشاريع للترويج والتسويق والتعبئة تتناسب ومتطلبات السوق الدولية، المنتج الزراعي العربي غير قادر على المنافسة لعدم تطابقه مع المواصفات الدولية. فبتوجيه استثمارات نحو هذه القطاعات سيتحول القطاع الزراعي إلى مصدر داعم للدخل القومي بدلا من بقائه معتمداً على الدعم.
- غالبا ما ينأى المستثمرون عن الاستثمار في القطاع الزراعي لما فيه من مخاطر تتعلق بالموسمية والطقس، فلابد أن تعمل الدول العربية على تشكيل صناديق استثمار تتخصص في الميدان الزراعي والحيواني.
- دعم القطاع الزراعي له أهداف أبعد من تأمين القوت اليومي فحسب، بل هو وسيلة لمواجهة التغير المناخي، فانتشار التصحر وارتفاع دراجات الحرارة وقلة الأمطار تعود إلى تقلص المساحات الخضراء.
- التغلب على أزمة قلة المياه، فبدلا من أن تنفق الدول النفطية المليارات على إقامة محطات نووية للحصول على الطاقة (بحجة أنها يوما ما ستتحول من دول مصدرة إلى مستوردة للطاقة)، الأولى بها أن توجه هذه المليارات المهدورة إلى مشاريع لتحلية مياه البحر وتنقية الانهار وإقامة شبكات ري حديثة والاستثمار في مجال البحث الزراعي واستنباط نباتات تتأقلم مع مناخنا والعمل بهذه الطريقة سيحد من التصحر وسيحول الكثير من الزراعات في الدول العربية من مرحلة الدعم إلى مرحلة المنافسة. وذلك لأن أحد أهم أسباب ارتفاع التكلفة للمنتجات الزراعية هو تكلفة تأمين مياه الري. أما قضية تأمين مصادر بديلة للطاقة التي بدأت تنضب، فهي واضحة وضوح الشمس. عالمنا العربي ينعم بنعمة الشمس التي تسطع أكثر من 80% من أيام السنة (يعتبر العالم العربي من أكثر مناطق العالم عرضة للشمس)، فلماذا هدر الأموال في الطاقة النووية وعدم الاستثمار في الطاقة الشمسية الرخيصة؟ هل القضية تحتاج أمراً اوضح من الشمس؟
إن ارتفاع الأسعار مؤخراً قد فتح الباب أمام التفكير والبحث من جديد حول قضية الأمن الغذائي لعالمنا العربي والتساؤل هل ننتج من الغذاء ما نستهلكه؟ فهل نحن أمة تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع؟ هل "أمننا الغذائي" آمن؟ ما هي الفجوة الغذائية التي تواجهنا؟ وما هو مستقبلها؟
إن استهلاك العالم العربي من سلع غذائية يفوق انتاجه (الفجوة الغذائية) بمقدار يتراوح بين 15-20 مليار دولار سنوياً. ويتوقع بعض الباحثين أن يصل إلى 50 مليار في عام 2040. فإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن سيكون الفقر والجوع في انتظار الأجيال القادمة وإرثا ثقيلا نتركه لهم في وقت لن تكون هناك ثروات كافية من النفط أو الغاز ولا استثمارات عربية لا في الخارج ولا في الداخل. فحتمية جوع الأجيال القادمة قائمة على جهل الأجيال الحالية.
لنجعل من مشكلة ارتفاع الأسعار منبهاً ومحرضاً لعلاج جوهر المرض وعدم الاكتفاء بالمسكنات، فهذه الأزمة هي نعمة لنا في حال أيقظت إحساسنا بالخطر وحرضتنا على عدم التخلي عن القطاع الزراعي من منطلق أننا أمة زراعية، فإذا لم نعمل بالزراعة فماذا سنعمل؟
وليتذكر كل من يعتبر الزراعة في العالم العربي عبئاً على الاقتصاد وكل من يدعي أنه يوجد الكثير من العقبات تحول دون تحول الزراعة إلى قطاع مربح اقتصادي أن إسبانيا تعاني كما هو الحال في العالم العربي من أزمة مياه ولديها مساحة من أراضيها جافة ومناخها حار نسبيا وسكانها على قلتهم لا يختلفون عن شعوبنا في الكثير من العادات والقيم (نسبة كبيرة من الإسبان لهم جذور عربية) فما هو مبرر تفوقهم علينا؟؟
الاجابة أننا نجوع بسبب جهلنا وليس بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وهذا الارتفاع ليس إلا نعمة إذا دفعنا إلى التفكير بمستقبلنا قبل أن نصبح أمة تجوع لجهلها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مدير تحرير صحيفة "العرب الأسبوعي"
ghassan.ibrahim@yahoo.co.uk