‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي عبدالعال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي عبدالعال. إظهار كافة الرسائل

الخميس، نوفمبر 19، 2009

قاتل الله "الكرة".. كم تفرق بين الأشقاء

علي عبدالعال

لكم الله يا أهل غزة... رأيناكم تذبحون ولم نتحرك، ونراكم محاصرون ولن نتحرك، لك الله يا قدس كم طال بك الأسر ولم نتحرك، لك الله يا أقصى كم دنسك اليهود ولم نتحرك، لك الله يا عراق، ويا أفغانستان، ويا صومال، ويا كشمير، ويا شيشان، ويا باكستان، وتركستان، ويا فطاني، ويا بوسنة، كم رأيناكم ونراكم في الأسر ولم نتحرك... يكفي الأمة أنها هبت لنصرة مقاتليها في ساحة الساحرة المستديرة، قامت ولم تقعد من أجل مباراة لكرة القدم.

ترى كيف ينظر المستضعفون إلينا، وقد كنا أعجز ما نكون عن نصرتهم وما زلنا، كيف يشعرون تجاهنا ونحن نبذل الغالي والنفيس من أجل نيل اللقب، ونحن نتقاتل من أجل الكرة، مع الاعتذار لكتائب المهووسين... إإلى هذا الحد وصل الحال بالأمة، تُجيش الطاقات خلف نصر موهوم، كالسراب لا يكاد يبدو حتى يتلاشى، ولم تكتف بكل هذه الأموال المهدرة والطاقات التي وظفتها في لاشيء والأوقات التي ضيعتها سدى، حتى شرع بعضها يستعدي بعضا.

قاتل الله الكرة وقاتل مهووسوها، كم تفرق بين الأشقاء، وكم تجيش النفوس وتتسبب في العداء... ظننت أنهم يتحدثون عن إسرائيل لا عن الجزائر الشقيق، لم يبق إلا أن يطالبوا بإعلان الحرب ردا على ما تعرض له المشجعون المصريون في السودان، هكذا بدى لعدد من الإعلاميين المصريين وهم يعلقون على ما جرى بعد إنتهاء المباراة الموعودة، حتى طالب رئيس تحرير صحيفة (مستقلة) بمعاقبة كل الجزائر على ما جرى.

لا يمكن لأحد أن يقبل بما جرى في السودان من بلطجة واعتداء وتحرش بالمشجعين المصريين على أيدي الأخوة الجزائريين، والحال نفسه بالنسبة للمصريين المقيمين في الجزائر، أو أي إهانة يمكن أن توجه لجزائري مقيم في مصر، أو بما يجري على شاشات التلفزة وصفحات الصحف من شتائم ومهاترات من الجانبين.. لكن ليس معنى حدوث مثل هذه التجاوزات أن يستعذب هذا الاستعداء المفزع بين الشعبين وهذا التجييش الإعلامي غير المسؤول والمشين.

تعددت المطالب من طرد السفير الجزائري وطرد الجزائريين المقيمين في مصر حتى وقف الاستثمارات المصرية هناك وسحب الشركات، وقد وجد الإعلام في المسألة مساحات من الترويج ينبغي له استثمارها فلم يقصر في صب الزيت على النار.

الأنظمة الحاكمة هي الأخرى لم تفوت الفرصة، في كلا البلدين، فبينما وجد نجلا رئيس الجمهورية الشقيقين جمال وعلاء مبارك في المسألة وسيلة مناسبة لإظهار التعاطف مع المشجعين الذين ذهبوا إلى السودان دون أدنى استعداد حكومي، لم يفوت نظام بوتفليقة المناسبة لإظهاره السعادة والحفاوة بالاعبين في هذا الجو الذي يتابعهم فيها شعب الجزائر من أقصاها إلى أقصاها، بوتفليقة أرسل ساعده الأيمن عبدالعزيز بلخادم لاستقبال العائدين من السودان في المطار، ولم يكتف بذلك بل أعلن الخميس ـ يوم الاستقبال ـ إجازة قومية مدفوعة الأجر حتى يتسنى للشعب أن يحتفل بفريقه المتوج بالنصر... أراني مقتنع تماما بكل ما يقال حول فوائد يجنيها حكام القهر من مثل هذه الأحداث، ولما لا هم ضالعون في كل ما يجري وأجهزتهم الإعلامية لاعب رئيسي في معركة الفتنة.

منذ اللحظة الأولى التي شرع فيها المتقاتلون (أقصد الغوغاء من الجانبين) يتوعدون بعضهم البعض كان الخلل في اهتمامات الأمة وأولوياتها واضحا، فالأمة التي لم تحرك ساكنا عندما اقتحم اليهود المسجد الأقصى ها هي تتقاتل على مباراة لكرة القدم، الأمة التي يرتع على ترابها المحتل الأجنبي من مشرقها إلى مغربها يشحذ الأشقاء فيها الهمم للتقاتل على الكرة من أجل الوصول لمونديال كأس العالم... هذا الخلل كافيا لأن يتحرك له عقلاء الأمة فيتداركون ما يجري بين أبنائها، هناك قضايا تكاد تعصف بمستقبل الأجيال هي أحوج لهذه الطاقات: ثغور محتلة، وعدو متربص، وأستبداد جاسم على الصدور، وحرمات منتهكة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علي عبدالعال
صحفي مصري
Ali Abdelaal
Egyptian journalist
0020126656895

الخميس، مايو 08، 2008

السلفيون وقناة الناس.. الدعوة على شاشة حسب الطلب


على عبد العال

مرت العلاقة بين السلفية و"قناة الناس" بمراحل مختلفة تأثرت بطبيعة توجه القناة وخطها الإعلامي الذي عرف تذبذبا نقلها من موقع ديني إلى نقيضه في فترات وجيزة.

كانت بداية بث قناة "الناس" رسميا في يناير 2006، حيث بدأت مرحلتها الأولى وكان هدفها العمل على جذب الجمهور، من خلال توفير العديد من الخدمات للبسطاء وعامة الناس، بإمكانيات متواضعة على المستوى المادي والفني، كنقل حفلات الزفاف، وتقديم برامج تفسير الأحلام، وإعلانات الزواج، وتقديم بعض المرشحين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بالإضافة لخدمة الاستشارات القانونية والاقتصادية والطبية التي فقط تتطلب الاتصال هاتفيا بالقناة، ولكل خدمة رقمها الخاص.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1209357345783&pagename=Zone-Arabic-Daawa%2FDWALayout
كان شعار هذه المرحلة "قناة الناس.. لكل الناس"؛ حيث كانت تصف نفسها بأنها القناة التي تنزل إلى مستوى الشارع وتقدم المادة كما هي في حقيقتها بعيدا عن الديكورات والماكياجات الخداعة.
كان الهدف أن: "يصنع الجمهور سياسة القناة، فلا يشعر المشاهد أن من يتحدث معه يتحدث من منبر عال" على حد قول مديرها عاطف عبد الرشيد، المدير السابق لشركة "أطفالنا" للنشر.

لم تكن في هذه المرحلة غضاضة ـ لدى القناة المملوكة لرجل الأعمال السعودي منصور بن كدسة، صاحب قناة "الخليجية" ـ من بث الموسيقى والأغاني والبرامج الترفيهية. وفتحت القناة أبوابها لكل شاب وشابة من ذوي الميول الإعلامية للعمل، حيث تقدم لها الكثيرون وكان الشرط الأول أمام المتقدمين هو أن القناة لا تلتزم بدفع مرتبات في هذه المرحلة نظرا لضعف التمويل، إذ بدأت القناة من مكتبها في القاهرة وكان عبارة عن شقتين صغيرتين بدور أرضي بحي المهندسين بمدينة القاهرة.

خلال هذه الفترة لم تكن ثمة علاقة بين السلفيين وبين قناة الناس التي لم يكن ينظر إليها في الأوساط السلفية بما يختلف عن نظرتها إلى قنوات العري والانحلال التي تملأ فضاء البث العربي، ومن ثم لم يكن واردا أن يكون لدعاة السلفية وشيوخهم مقعدا في هذه القناة.

مرحلة استقطاب السلفية

ولكن لضعف إمكانيات القناة ولكون الفضاء العربي يعج بعشرات القنوات الأكثر جاذبية وشهرة، لم تحقق "الناس" المرجو منها في هذه المرحلة، لذلك كان على إدارتها أن تفكر لتختار بين أن تغير ثوبها أو أن تتلاشى من الوجود. فاهتدت إلى أن تعمل كقناة إسلامية تعتمد على الشيوخ والدعاة أصحاب الجماهيرية والانتشار في الشارع المصري، وكان التيار السلفي هو الخيار الأنسب فهو صاحب حضور كبير في الشارع وغير ممثل في الإعلام والقنوات الفضائية خاصة ومن ثم فهناك رصيد كبير محتمل من الجماهير المتعطشة، وكذلك لابتعاد السلفيين عن العمل السياسي ومشاكله وما يمكن أن يجره على القناة من حرج وعنت مع النظام المصري.

وتحت شعارها الجديد "شاشة تأخذك إلى الجنة" تحولت قناة "الناس" إلى قناة دينية لا تقبل ببث ما يخالف "الشرع" الإسلامي على شاشتها، واستطاعت جذب عدد من دعاة المنهج السلفي ممن لهم قبول واسع لدى الناس، أمثال الشيخ محمد حسين يعقوب، وأبو إسحاق الحويني، والشيخ محمد حسان ـ الذي تولى منصب المستشار الديني للقناة ـ والشيخ محمود المصري، والشيخ سالم أبو الفتوح، وآخرين شاركوا في الظهور ببرامج يومية صارت شهيرة ولها جاذبية لدى الجماهير مثل (دنيا ودين) و(فضفضة) و(الطريق للجنة).

لقد تحولت قناة "الناس" وفي فترة وجيزة إلى قناة سلفية محضة سواء في شكلها أو هيكلتها فضلا عن مضمونها فصار الصواب عندها ما يقوله شيوخ السلفية ودعاتها والخطأ ما يرفضونه.

أعلنت القناة أنها حولت رسالتها وكل خطابها إلى الإسلام، وأعلنت أن هدفها "خدمة الأمة ونشر العلم الديني والدنيوي، وتقديم إعلام إسلامي واجتماعي متميز، كما حددت سياستها في عدم مخالفة تعاليم الإسلام الحنيف وعدم مخالفة الخلق الإسلامي".

وانسجاما مع ذلك التزمت القناة تماما بكل توجيهات دعاة السلفية بما فيها تلك التي كانت تختلف مع توجهاتها وأهدافها السابقة؛ فقد اشترط الشيخ أبو إسحاق الحويني-مثلا- عدم ظهور النساء في البرامج، ومنع الموسيقى من القناة، حتى يخرج على الشاشة فكان له ما أراد حيث توقفت القناة عن استخدام الموسيقى، أما المرأة فقد اقتصر ظهورها على الإعلانات التجارية، بعد أن قرر مجلس الإدارة في منتصف العام 2006 وتحديدا في شهر أغسطس الاستغناء نهائيا عن المذيعات من النساء، بتغيير شكل البرامج التي تقدمها المذيعات أو إسنادها إلى مذيعي القناة.

وللحق فإن قضية المذيعات في قناة "الناس" بدأت حتى قبل الظهور الواسع للدعاة على شاشة القناة، إذ التزم مجلس الإدارة بناء على تعليمات صاحب القناة بعدم ظهور ضيفات بالبرامج من السيدات دون غطاء للرأس، والتأكيد على اختيار ضيفات من المحجبات، وكان مسئولو القناة يصرون على أنه إذا استدعت الضرورة استضافة شخصية غير محجبة فعليها أن تغطي "شعرها" أثناء التسجيل، وفي مقابلة صحفية سابقة، أكد عاطف عبد الرشيد ـ مدير القناة ـ أن قرار وقف المذيعات جاء تلبية لرغبة المشاهدين الذين اتصلوا بالقناة يطلبون عدم ظهور المرأة على الشاشة حتى يتحقق الشكل المثالي للقناة.

لكن السبب الأكثر حسما كان طلب مشايخ ودعاة السلفيين منع ظهور المذيعات فعقدت لجنة استشارية ضمت المشايخ ومسئولي القناة والعاملين فيها انتهت بهذا القرار، وساعد على ذلك وجود مبرر قوي بأن مذيعات القناة غير محترفات، ويقعن في أخطاء كثيرة، ولذلك كان وقفهن قرارا صائبا. وامتدادا لهذا الاتفاق أصبحت أناشيد أسامة الصافي وبو خاطر وأبوعبد الملك وغيرهم من المنشدين شارات لبرامج وفواصل القناة بدلا من المقطوعات الموسيقية.

وزيادة في الحفاوة بالشيوخ خصصت لهم القناة نصيب الأسد من مساحة البث على شاشتها، من خلال عدد من البرامج المميزة التي عرف بعضهم بها، ولقيت اهتماما كبيرا من جمهور المشاهدين، مثل: برامج "كيف وأخواتها" و"حوارات الشيخ يعقوب" و"أصول الوصول" و"من القلب" للشيخ محمد حسين يعقوب، وبرامج "أحداث النهاية"، و"أمراض الأمة" الشيخ محمد حسان، وبرنامج "رسائل إلى الشباب" لمحمود المصري، كما تناوبوا جميعا إلى جانب دعاة آخرين على برنامج "فضفضة" الشهير بالقناة.
نجاح سلفي إعلامي
بظهور الوجوه السلفية الشهيرة وبفضل ما للخطاب السلفي من قبول جماهيري تحولت القناة ـ في بضعة أشهر ـ إلى أول قناة فضائية من بين القنوات الإسلامية التي يتابعها الجمهور، ورغم ضعف الإمكانات الذي استمر مع المرحلة الجديدة، حققت "الناس" انتشارا واسعا ولافتا للانتباه، إذ إنها استطاعت رغم عمرها القصير أن تحتل قائمة اهتمامات المصريين، فهي القناة المفضلة لدى أكثر من 70% من الشعب المصري، حسب تقديرات أطلقها بعض الكتاب والصحفيين.

ولم يقتصر تأثير القناة ـ التي تحولت إلى البث من مدينة 6 أكتوبر الإعلامية في مصر ـ على المجتمع المصري بل تخطته إلى العالم العربي، حتى شنت وسائل إعلام إسرائيلية مؤخرا هجوما عنيفا على منهج قناة "الناس"، ووصفتها الصحف بأنها تشكل خطرا داهما على (إسرائيل)، بزعم أن القناة تحرض الأطفال على مهاجمة اليهود وإعلان الحرب عليهم، معتبرة أنها بذلك تسير على درب قناة "المنار" التابعة لحزب الله اللبناني، واقتبس موقع إخباري إسرائيلي فقرات من برنامج للأطفال يقدمه الشيخ محمد نصر على القناة معتبرا أن البرنامج يحرض الأطفال على طلب الشهادة وكراهية اليهود، ووصفهم بأعداء الإسلام.
ولعل من أهم تأثيرات المرحلة السلفية الجديدة لقناة "الناس" ما عرف بتوبة قناة "الخليجية" فضائية الأغاني والرقصات الخليجية والفيديو كلب الشهيرة التي يملكها صاحب قناة "الناس" ذاتها، وهي قناة غنائية لا تختلف كثيرا عن قناة "ميلودي" وباقي قنوات الميوزك، ففي أبريل 2007 أعلنت إدارة "الناس" قرار تحويل "الخليجية" إلى قناة دينية مشابهة لها وإلغاء الأغاني التي كانت تشتهر بها.

ويرجع البعض سبب تغيير نشاط القناة إلى جهود الشيوخ السلفيين في قناة "الناس" وخاصة "أبو إسحاق الحويني ومحمد حسين يعقوب ومحمد حسان"، الذين طالبوا بتغيير هذا الثوب للقناة المرفوض إسلاميا، وربما يقال أيضا إن في الموضوع رغبة مالكها المعروف بنشاطه في عالم البيزنس، في زيادة حصتها من الأموال الخليجية. وقد قام مدير قناة "الناس" عاطف عبد الرشيد بتعيين علاء يعقوب نجل الشيخ حسين يعقوب مديرا للإعداد بالقناة.

بدأت القناة في تغيير جلدها الفضائي بتغيير ترددها على "النايل سات" القمر الصناعي المصري، ثم رفعت شعار "نور وبصيرة" لاستكمال مسيرتها الإعلامية الجديدة، التي بدأت ببث القرآن الكريم، إضافة إلى الكثير من الأناشيد والفيديو كليبات الإسلامية.

وحاليا تقدم القناة نفسها على أنها تهتم بتقديم "رسائل الدعوة إلى الله وبث المحاضرات والندوات التي تمس حياة الفرد المسلم بشكل مباشر، إضافة إلى كل ما يتعلق بشئون المرأة المسلمة، وكذلك إنتاج العديد من البرامج الموجهة للشباب، وجعلها ندا للأفكار الهدامة التي لا تنسجم مع الطبيعة البشرية، إضافة إلى التبصير بخطر التطرف على الأمة الإسلامية جمعاء، وإيضاح مفهوم الوسطية في الدين الإسلامي، من خلال إيجاد ورش عمل متعددة لضخ هذه البرامج الدينية والشبابية".

تفجر الخلاف بين السلفية والقناة
رغم القدر من الاستجابة الذي أبدته القناة لتوجهات المشايخ والعلماء فإن بعض القضايا ظلت محل خلاف، على رأسها الإعلانات التجارية، وظهور بعض أصحاب الدعوات المخالفة للمنهج السلفي بالقناة.

وكان الدعاة السلفيون قد طالبوا مؤخرا بتشكيل "لجنة شرعية" لمراجعة كافة برامج القناة، على أن يكون لها القرار النهائي في الموافقة أو الرفض، إلا أن الإدارة لم تستجب لمثل هذا الطلب.
ثم جاء قرار كبار شيوخ السلفية الثلاثة بالانسحاب، وهم: الشيخ محمد حسين يعقوب، والشيخ محمد حسان، والشيخ أبو إسحاق الحويني الذي سبق أصحابه إلى اعتزال القناة، احتجاجا على عدم استجابة إدارة "الناس" لمطالبهم فيما يتعلق بمنع ظهور شخصيات على شاشتها يثير منهجهم الدعوي تحفظاتهم، أمثال الداعية عمرو خالد، والشيخ الصوفي أحمد عبده عوض.
لكن مساعيهم في استقطاب الداعية السلفي محمود المصري إلى صفهم باءت بالفشل بعد رفضه الانضمام إليهم في مطالبهم والانسحاب معهم نظرا لارتباطه بعقد ملزم مع القناة يترتب على فسخه شروط جزائية كما أخبرنا بعض المطلعين.
الإعلانات والقناة.. السوبر ماركت!
مثلت كثافة الإعلانات التجارية أهم المآخذ على إدارة القناة، حتى قال منتقدوها إن قناة "الناس" باتت تمثل نموذجا غريبا يمزج بين الدعوة الأصولية إلى الإسلام ونزعة مفرطة في الاستهلاكية جعلتها أقرب إلى "سوبر ماركت" كبير!، ففي الوقت الذي يدعو فيه الشيوخ والدعاة إلى الالتزام الكامل بتعاليم الإسلام وأخلاقه وما فيها من زهد وورع وتعفف، كانت القناة تغرق مشاهديها بأنماط مختلفة من السلع الاستهلاكية، يحمل بعضها أسماء أجنبية، بدءا من الملابس وأعشاب التخسيس وعلاج العقم، مرورا بإكسير الحياة الذي يعيد للمسن شبابه وحيويته الجنسية، وانتهاء بالمراتب والألحفة.

لم يكن الدعاة وحدهم هم من وجهوا السهام إلى الأسلوب الذي تعاملت به إدارة القناة مع الإعلانات التجارية، بل سبقهم جمهور المشاهدين، الذين عبروا عن ضيقهم من كثرة وفجاجة هذه الإعلانات التي تقطع عنهم متابعة البرامج الوعظية بشكل مستفز، ضمن أشكال ترويجية "قد تصل بك إلى درجة من الملل حيث تطول فترة الإعلانات إلى أكثر من نصف ساعة، مما يجعلك تنسى ما كنت تشاهده وتقلب المحطة وتذهب إلى أخرى" حسب وصف أحد المشاهدين.

المنهج السلفي ومخالفوه
ربما يمثل موقف الدعاة السلفيين من أصحاب الدعوات المخالفة (كالمتصوفة والأشاعرة) الإشكالية الأعقد بين الشيوخ وإدارة قناة "الناس"، خاصة في ظل عودة الشيخ المتصوف أحمد عبده عوض ـ الموصوف بجالب وحاشد الناس ـ للظهور مجددا على شاشة القناة، واستضافة مدير القناة للداعية الشهير عمرو خالد في برنامجه (قضاياكم قضايانا) وكان الموضوع عن حملة مكافحة الإدمان التي يقودها خالد تحت شعار (أوقف المخدرات .. غير حياتك).

كما تحدثت تقارير صحفية عن مفاوضات يجريها عمرو خالد مع إدارة القناة لتقديم أحد برامجه على شاشتها، وخاصة في ظل مخاوف الإدارة من احتمال ظهور خالد على شاشة التليفزيون المصري، في ظل أقاويل ترددت بشأن مفاوضات قد تجري بهذا الشأن.
ونشرت مواقع إنترنت خبرا تؤكد فيه وجود مفاوضات بين قناة "الناس" وعمرو خالد، بعدما توقف التلفزيون المصري عن التفاوض مع عمرو استجابة لتعليمات أمنية.

ولعل مما يثير حفيظة المشايخ على عمرو خالد هو مآخذ الدعاة السلفيين مما يرونه كثرة اختلاط بالنساء المتبرجات اللاتي صرن أكثر حضورا لمحاضراته، التي يصفونها بأنها صارت "مأوى للعاشقين والعاشقات"، ويأخذون على نداوته أنها غالبا ما تكون في المنتديات والنوادي والصالات العامة، مع ما يحصل في ذلك من نظر الرجال إلى النساء والعكس، كما يتهكمون عليه فيصفونه بأنه "فنان وليس بعالم" بعدما صرح بأنه يجيد العزف على الناي والبيانو والعود والكمان، وما منعه من أن يصور نفسه وهو يعزف إلا هيبة العلم، حسبما نقلت عنه مجلة "زهرة الخليج".
وفي السياق ذاته يأتي رفض الدعاة السلفيين للوجوه الصوفية بالقناة، كالشيخ أحمد عبده عوض، إذ يأخذون عليه أمورا يصفونها بالبدعية، مثل "ولعه بالأولياء والأضرحة والمشاهد، وتمجيده للسيد البدوي باعتباره قطب الأقطاب"، بل ويتهمه بعضهم بتجريح بعض صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كتابات نشرها على موقعه بشبكة الإنترنت.
وقد ظهر عوض على القناة من خلال برنامج (صباح الإيمان) الذي كان قد سبق إلغاؤه استجابة لمطالب الشيوخ، وهو ما عكس رفض إدارة القناة لموقف الدعاة من أحمد عبده عوض، نظرا لشعبيته الكبيرة والاتصالات الكثيرة التي تتلقاها القناة من مشاهديه الذين تكررت استفساراتهم عن سر انقطاعه وعدم ظهوره على القناة.
شاشة يصنعها الناس!
أيا ما كان حجم وتأثير السلفيين في القناة وأسباب حضورهم ثم رحيلهم فإن المؤكد في كل ذلك هو البرجماتية التي اتبعتها إدارة القناة في كل مراحلها ومختلف تحولاتها، وأدق ما قيل في ذلك هو ما صرح به مديرها عاطف عبد الرشيد في مقابلة سابقة مع "إسلام أون لاين" حين سئل عن سر الانقلاب في الرسالة التي تقدمها "الناس" بين الحين والآخر؟ فأجاب: "شاشتنا يصنعها الناس.. الناس اختاروا أشياء وفضلوها عن أشياء ونحن تجاوبنا معهم، ونفذنا لهم ما يريدون؛ فالقناة طرحت تصورات وأفكارا وبرامج عليهم، وهم اختاروا وصنعوا السياسة الخاصة بنا".

الخميس، مايو 01، 2008

نقد السلفيين للديمقراطية


علي عبدالعال
aly_abdelal@yahoo.com


على الرغم من القبول الواسع الذي تلقاه "الديمقراطية" ـ كنظرية سياسية للحكم ـ بين شعوب العالم، بما تكفله من حريات للأفراد والجماعات وما تخلقه من حقوق وضمانات، إلا أنها ظلت مرفوضة بالنسبة للإسلاميين وخاصة لدى أصحاب "المنهج السلفي". وبعيداً عن موقف بعض فصائل الصحوة الإسلامية ـ ممن قبلوا العمل تحت راية الديمقراطية، واحترموا لعبتها، وحرصوا على مكتسباتها، كما هو الحال في (تركيا، والمغرب، وماليزيا، وفلسطين، والجزائر، والكويت) ـ ظل "السلفيون" على مبعدة من كل ذلك متمسكين بتأصيلهم الشرعي للمباديء والأسس التي تقوم عليها الديمقراطية.


ولعل رفض السلفيين للمشاركة السياسية الحالية في مجتمعاتهم ينبع من رفضهم للمنظومة الأيديولوجية الكلية التي تحكم وتسير هذا العمل، وعلى رأس هذه المنظومة تبرز "الديمقراطية" كنظرية سياسية سائدة، ناصبها السلفيون العداء وانتقدوها وأصلوا لهذا النقد تأصيلاً شرعياً، فلم يكن رفضهم رفضاً عبثياً بل انطلق من فروق جوهرية تصادمت فيها "الديمقراطية" مع النظرية السياسية في الإسلام.

ففي كتابه "حكم الإسلام في الديمقراطية" يقول عبد المنعم مصطفى حليمة: "فالديمقراطية ليست هي خيارنا الوحيد ـ كما يقولون ـ بل خيارنا الوحيد هو الإسلام.. وأي خيار نرتضيه غير الإسلام؛ يعني الانسلاخ كلياً من دين الله تعالى والدخول في دين الطاغوت". ويقول الدكتور علاء بكر : "والإسلام يجعل الهداية في شرع الله - تعالى- ويستمد قوانين الأمة منه، في ظل ثوابت عقائدية وأخلاقية وتعبدية لا تتغير ولا تتبدل، ومنهج لمعاملات الأمة يجمع بين القواعد العامة وبعض التفصيلات تراعى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ونظام للعقوبة رادع يضمن للأمة الأمن والأمان، والتكافل بين أبناء المجتمع الواحد يؤهل المجتمع للتماسك والتواد والتواصل".

ماهية الديمقراطية

"الديمقراطية" مصطلح يوناني الأصل مكون من مقطعين: (ديموس) ويعني الشعب، و(قراتوس) ويعني الحكم، فصارت الكلمة المركبة من هاتين الكلمتين تعني: "حكم أو سلطة الشعب"، ومن ثم فهي نظام للحكم يعني أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه. ويتميز النظام الديمقراطي بمجموعة من الخصائص الأساسية التي لا قيام له بدونها، بحيث يصدق القول على كل نظام لا توجد فيه هذه الخصائص بأنه نظام غير ديمقراطي، وأبرز هذه الخصائص الأساسية وأظهرها:

سيادة الشعب

فقد ظهرت الديمقراطية في أوروبا لتبرير انتقال السلطة من أمراء الإقطاع ورجال الكنيسة ـ الذين استبدوا بالأمور ـ إلى الشعب أو من يحكم باسمه، وصار الحكم وسلطة إصدار القوانين والتشريعات من حق الشعب أو من ينوب عنه، ومن ثم برزت نظرية "سيادة الشعب" على اعتبار أنه "مصدر كل السلطات". ومع هذا المبدأ تجلت أولى صدامات الديمقراطية بالإسلام، إذ أن التشريع لازم من لوازم العقيدة الإسلامية التي تجعل التشريع والحكم لله تعالى وحده، فبينما المُشرِّع في الديمقراطية هو الشعب، فإن المُشرِّع في الإسلام هو الله، وحيث يقول الله تعالى: "وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ"(1)، تقول الديمقراطية: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الشعب، وهو ما يصفه المفكر الإسلامي الأستاذ أبو الأعلى المودودي، بـ: "حاكمية الجماهير وتأليه الإنسان".


وفي كتابه "أزمة العصر" يقول الدكتور محمد محمد حسين: "الحاكمية في الإسلام لله، فكتاب الله وسنة رسوله مصدر الأحكام.. بينما الأمة أو الشعب ممثلاً في نوابه هو عند الديمقراطية مصدر الأحكام، فالأمم محكومة في الإسلام بتشريع الله الحكيم العليم.. وهي في الديمقراطية محكومة بقوانين صادرة عن شهوات الناس ومصالحهم.. فالأحكام مستقرة دائمة في الإسلام، وهي متبدلة متغيرة لا تستقر في الديمقراطية". وفي "ظلال القرآن" يقول المفكر الأستاذ سيد قطب رحمه الله : "إن أخص خصائص الألوهية هي الحاكمية، فالذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية، ويستخدم خصائصها، فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله".

العلمانية

لقد تأكد أن الديمقراطية تلزمها أرضية علمانية تترعرع فيها، لأن منطلقاتها لا تفرق بين الأشخاص بحسب معتقداتهم (مسلمون، نصارى، يهود، وثنيون)، ولا تمايز بين الأحكام التي توافق الدين أو تلك التي تتناقض مع مبادئه. فمنذ ظهورها جاءت الديمقراطية: "ناقمة على تعاليم الكنيسة وكل شيء اسمه دين، ووقفت الموقف المغالي والمغاير لتعاليم الكنيسة (..) فعملت على نزع سلطة السيادة عن باباوات الكنيسة لتجعلها حقاً خالصاً لباباوات المجالس النيابية، فكانت الديمقراطية بذلك أول من تبنى عملياً مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة، ورفعت الشعار المعروف: (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)".(2)


في كتابه "حقيقة الديمقراطية" يقول محمد شاكر الشريف :إن "العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية هي علاقة الفرع بأصله، أو علاقة الثمرة الخبيثة بالشجرة التي أثمرتها (..) فالديمقراطية إذن هي التعبير السياسي أو الوجه السياسي للعلمانية، كما أن الرأسمالية تعبير اقتصادي عن العلمانية، وهذه العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية نستطيع أن ندركها بكل سهولة ويسر إذا علمنا أن نظرية العقد الاجتماعي التي تمثل الأساس الفلسفي لنظرية السيادة التي تقوم عليها الديمقراطية، كانت في نفس الوقت تمثل الركن الأساس في فكر زعماء الثورة الفرنسية التي أقامت دولة علمانية لأول مرة في تاريخ أوروبا النصرانية".


وفي "معركة الثوابت بين الإسلام والليبرالية" يقول الدكتور عبدالعزيز كامل : "فالديمقراطية إن كانت نوراً في الغرب النصراني، فللشرق الإسلامي ظلامها، وإن كانت عدلاً هناك فهي هنا للشقاء والشقاق، (..) حتى لو جلبت شيئاً من سعادة الدنيا ـ في حال تطبيقها بشفافية في بعض بلاد المسلمين ـ فإن ذلك سيكون على حساب العديد من ثوابت الدين وأصول التشريع وأركان الاعتقاد، لأن الديمقراطية علمانية المنبع والمصب، ولا يمكن أن يحملها على عاتقه إلا من يضع مسئولية أخذ الدين بقوة عن كاهله، لأنه لابد أن يحمل شعار : (لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة)".

الأكثرية

تعد ممارسة السلطة باسم الأغلبية محور النظام الديمقراطي وجوهره: "فالحق ـ في نظر الديمقراطية الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه، هو ما تقرره الأكثرية وتجتمع عليه لا غير..!". وهنا يفترقان ـ الإسلام والديمقراطية ـ لأن الحق لا يعرف بكثرة مؤيديه. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "اعلم أن الإجماع ، والحجة ، والسواد الأعظم ، هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض". والله تعالى يقول : "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" ، "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" ، "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم كافرون". وبالرجوع إلى السنة النبوية نجد أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد خالف رأي الأكثرية في التشريع، وذلك في صلح الحديبية لما قال : "والذي نفسي بيده لا يسألونني (يقصد مشركي مكة) خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، وكان أكثر المسلمين يومئذ يرون أن في الصلح إجحافاً بهم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يحلقوا رؤوسهم وينحروا هديهم تباطئوا.


وفي الصحيحين:"إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة". أي لا تكاد تجد فيهم من يتحمل أعباء السفر وتكاليف وتبعات طريق هذا الدين إلا واحد من كل مائة.


كما أن "التصويت في النظام الديمقراطي تعبير عن الصراع الذي تأسست عليه الحضارة الغربية، ففلسفة الديمقراطية تقوم على الصراع من أجل السلطة، والتنافس من أجل الحصول على الأغلبية العددية"(3). أما النظام الإسلامي فإن القرار في الشورى ثمرة حوار وتشاور بين أهل الاختصاص، يهدف إلى الإجماع، أو الاتفاق على حل يحوز الإجماع، أو يرضي الأغلبية بسبب اقتناعهم بأدلته وأحقيته وفائدته. فالشورى حوار فكري وجهد عقلي ومنطقي ـ في ما ليس فيه نص ـ يؤدي إلى القرار الصواب والوصول إلى الحق.

إطلاق الحريات

قامت الديمقراطية على أساس إطلاق الحريات للأفراد والجماعات في مجالات الاقتصاد "الرأسمالية"، والسياسة والأخلاق والاعتقاد "الليبرالية" وتضمن حرية الاعتقاد حق الفرد في الإلحاد، وحرية السلوك الشخصي. و"الليبرالية تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان"(4) ، "فالليبرالي يصبو على نحو خاص إلى التحرر من التسلط بنوعيه: تسلط الدولة، وتسلط الجماعة، لذلك نجد الجذور التاريخيَّة لليبرالية في الحركات التي جعلت الفرد غاية بذاته".(5)

والإسلام لا يقبل إطلاق الحريات بلا ضوابط ، فالحرية في المجتمع الإسلامى مبنية على آداب الشرع وحدوده وما يملي على الانسان من التزامات وواجبات وسنن، وهي مقيدة بمرعاة تقوى الله ومخافته في السر والعلن، في الغاية والوسيلة. فالإسلام لا يعطي الحق للإنسان في أن يرتكب ما يشاء من محظورات (أخلاقية، واجتماعية، وفكرية، وسياسية، ومالية) ثم بعد ذلك يصبغ على تصرفه هذا الشرعية والقانون، أو باعتبار حقه الشخصي، وخصوصياته التي لا حق لأحدٍ في أن ينكرها عليه. لكن الله تعالى يقول :{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}الأنعام162


التعددية

من بين الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية "التعددية" الأيدلوجية والسياسية التنظيمية الحزبية، وذلك كنتيجة مباشرة للحرية المطلقة. إلا أن الإسلام يجعل الأمة كلها حزب واحد وصف واحد {ألا إن حزب الله هم المفلحون} وفي آية وصفهم بأنهم : {هم الغالبون} ، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا تحدثوا حلفاً في الإسلام".


فمع تعدد الأحزاب يحتد الصراع ويتكرر الصدام بين أفراد المجتمع الواحد، وقد يصل إلى حد الاقتتال في بعض الأحيان على السلطة، حيث يتقلد حزب الأغلبية وظائف السلطة التنفيذية (الحكومة ) وتتحول باقي الأحزاب الأخرى إلى معارضة، حتى لو لم تجد شيء تختلف عليه مع الحكومة عارضت فقط من أجل المعارضة.. كما تتصارع أحزاب المعارضة فيما بينها نتيجة لاختلاف برامجها السياسية وأهدافها ومطامعها، كل حزب يسعى للكسب على حساب الآخرين. والصراعات التي تنتج عن "التعددية" صراعات مستمرة بلا نهاية لا تتوقف، فإذا وصلت المعارضة إلى الحكم صارت هي (الحكومة) وتحول حزب الأغلبية إلى صفوف المعارضة، وهكذا. أما الإسلام فيأبى أن يتحزب أهل القبلة ويكونون مع أحزابهم سواء كانت على الحق أو على الباطل، بل الذي تقتضيه الروح الإسلامية أن يدور أفراد الأمة مع الحق حيثما دار.


ثم وأين التعددية من الفرقة الناجية التي قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنها: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة"، وقال محذراً أمته من التفرق: "وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة".. قال ابن تيمية رحمه الله: "فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء"، "كما قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة". قال تعالى: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"، وموجب أيضاً لبراءة الله ورسوله ممن يفعل هذا، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ".


رفض الديمقراطية لا يعني إقرار الإستبداد

في نهاية رسالته التي هي بعنوان "حقيقة الديمقراطية" حرص محمد شاكر الشريف، على التأكيد على أن رفض الديمقراطية الغربية لا يعني بأي حال القبول بالدكتاتورية والخضوع للإستبداد، حيث يقول : "فإننا حيث دعوناك إلى الكفر بالنظام الديمقراطي والبراءة منه وعدم قبوله والرضى به، فما أردنا بذلك أن نَرُدك إلى قبول النظم الظالمة المستبدة التي تنـزل بأهل بلادها وشعوبها من ألوان الظلم والطغيان ما الله به عليم، وإنما أردنا بذلك أن نردك إلى النظام الإسلامي نظام الحق ونظام العدل ونظام الخير ؛ النظام الذي تكون فيه الحقوق والحريات مبنية على إذن الله العلي الكبير ورضاه الذي يُعرف من نصوص الوحي المعصوم: الكتاب والسنة . ومن منطلق هذا الإذن والرضى فإن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي تكون خيراً خالصاً مبرّءاً من العيب أو القصور، وتكون أيضاً حريات وحقوقاً لصالح الفرد ولصالح الجماعة في توازن لا جور فيه، وتكامل لا تناقض فيه".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ "حول الدولة المدنية" الدكتور علاء بكر
1ـ الشورى (10)
2ـ "حكم الإسلام في الديمقراطية" عبد المنعم مصطفى حليمة
3 ـ "الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية" هشام جعفر
4 ـ "الليبرالية.. فلسفة اقتصادية وسياسية وأخلاقية" محمد خلف الرشدان
5 ـ ضاح نصر

السبت، فبراير 23، 2008

جنوب أفريقيا على الأجندة العربية

علي عبدالعال
يبدو أن العرب أخذوا ينتبهوا ـ أخيراً ـ إلى أن خارطة العالم تتعدى المساحة المحصورة بين المحيط والخليج، وأن أمن الدول ومحيطها الحيوي ومصالحها التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية كل ذلك لا ينتهي عند الحدود السياسية المصطنعة.
لفت الانتباه إلى ذلك ما أعلنه الأمين العام لجامعة الدول العربية بأن الجامعة تعتزم فتح بعثة دبلوماسية لها في جنوب أفريقيا قريباً، بهدف تعزيز الوجود العربي في الدولة الجنوبية الهامة، وتعزيز التنسيق والتشاور بين الجامعة ـ كممثلة للعرب ـ وحكومة جنوب أفريقيا.
وبعد توقيعه مذكرة تفاهم بهذا الشأن مع وزيرة خارجية جنوب أفريقيا، أكد عمرو موسى الحرص العربي على تعزيز التعون مع جنوب أفريقيا في شتى المجالات، خاصة وأنها من الدول الرئيسة ليس على المستوى الأفريقي فحسب بل وعلى المستوى الدولي. واصفاً سياسية بريتوريا بأنها متزنة وعادلة وتدعم حقوق الشعب الفلسطيني، كما تدعم الموقف العربي فيما يخص قضايا الشرق الأوسط.
وتأتي العلاقات العربية مع جنوب أفريقيا في إطار العلاقات العربية الأفريقية عامة، وحقيقة فإن المتأمل لمسيرة ما يسمى بالدبلوماسية العربية الحالية يلحظ اهتماماً بدول القارة الأفريقية، خاصة أن الأمن القومي العربي مرتبط ارتباطاً عضوياً بالأمن القومي الأفريقي، وكلاهما يمثل عمقاً للآخر، إلا أن الفشل العربي في الاستفادة الحقيقية من الروابط الثقافية والتاريخية والعقائدية والهم المشترك مع شعوب القارة الأفريقية بشكل عام، انعكس ـ بما لا يدع مجالاً للشك ـ على أهم دوله.
وإذا كانت أفريقيا هي القارة المقهورة بين قارات العالم فقد تزايد الاهتمام بها بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، خصوصاً جنوب الصحراء، بالإضافة إلى شرق القارة وغربها. حيث تتنافس القوى الكبرى ـ الولايات المتحدة وفرنسا والصين ـ على تعزيز مواقعها في أنحاء القارة الواعدة بثرواتها الكامنة والرابضة في غاباتها وصحاريها.
وتلعب جنوب أفريقيا بشكل خاص دور القيادة في الإقليم الجنوبي من أفريقيا والريادة في كل أنحاء القارة السوداء، ودائماً ما توصف بأنها نتاج العقل الغربي بل وتكاد تكون بقعة منه، حيث لم تعد إلى أصلها الأفريقي الأصيل إلا بعد سقوط النظام العنصري فيها، والإفراج عن المناضل الوطني نلسون مانديلا.
كما ينظر لجنوب أفريقيا على أنها دولة ذات حضور معتبر على الساحة الدولية، وعلى المستوى الأفريقي فإنها حاضرة وبقوة إزاء ملفات هامة ومصيرية بالنسبة للعالم العربي، على رأسها : دارفور وجنوب السودان وتشاد والصومال، فضلاً عن قضايا العراق وفلسطين ولبنان.. كل ذلك إلى جانب تأثيرها بقضايا القارة الكبرى مثل النزاعات والفقر والاستغلال الخارجي، ومن ثم فمن الحماقة تجاهلها أو على الأقل نسيان أهمية التنسيق معها.
وليس سراً أن لجنوب أفريقيا ـ الدولة التي تتواجد فيها أكبر جالية يهودية في القارة السمراء ـ مواقفها الداعمة للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، وهي مواقف تاريخية مثلت ما يشبه الانقلاب على العلاقات القوية التي كانت تربط نظام الفصل العنصري بإسرائيل التي سعت ولازالت إلى نقل اليهود الأفارقة إليها، وهي العلاقة نفسها التي ساهمت في وقوف دول القارة الأفريقية جمعاء إلى جانب العرب في صراعهم الأساس.
إلا أنه ورغم قدم وعمق العلاقات العربية الجنوب أفريقية فإن عدداً من الخلافات والمصالح المتباينة تكاد تطفو على السطح ـ من حين لآخر ـ بين الجهتين. ومن أهم قضايا الخلاف حالياً يأتي الموقف المتباين من توسيع مجلس الأمن الدولي، حيث تزاحم بريتوريا بشدة لكي يكون لها المقعد الأفريقي الدائم في المجلس.. وهي في ذلك تخوض صراعاً سياسياً ودبلوماسيا ضد كل من مصر والمغرب وليبيا.
كما يسجل المتابعون لجنوب أفريقيا استحواذها على جزء كبير من رصيد مصر الأفريقي وشقيقاتها من دول شمال القارة، فإليها ذهبت استضافة مباريات كأس العالم لكرة القدم، ولها كان المقعد الدائم في مجلس محافظي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بعد أن شغلته مصر إلى ما يقرب من عشرين عاماً، وعلى أراضيها يوجد مقر البرلمان الأفريقي.
وكل ذلك خصم من الدور التاريخي والتحرري لمصر في أنحاء أفريقيا، كما أنه يعني أيضاً من جهة أخرى تركيز الدور التنموي داخل أفريقيا على الجمهورية الجنوبية وحدها، فضلاً عن النظر إلى العرب الأفارقة على أنهم تجمع له خصوصية لا تعبر بالضرورة عن شخصية القارة السوداء كلها.
وخلال استقباله لوزيرة خارجية جنوب أفريقيا، صرح وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط بأن العلاقات بين بلاده وجنوب أفريقيا، تجعل منهما قطبين مهمين في القارة، يشكلان عمودا فقريا أقتصاديا وسياسياً لأفريقيا. في حين قالت (دلاميني زوما) ـ التي أبدت اهتمامها بالتعرف على التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية وخاصة في ضوء ما حدث بقطاع غزة والحالة الإنسانية التي عانى منها السكان هناك وتدفقهم على مصر ـ قالت إنها تبذل مساع متنوعة لتحقيق حل سلمى للأزمة اللبنانية، وحول موقف جنوب أفريقيا من الاقتراح بتوسيع مجلس الأمن الدولى، قالت زوما إنه عندما تبدأ المفاوضات فى هذا الشأن فإن جنوب أفريقيا تتمسك بالمطالب الأفريقية المعروفة.

الأربعاء، فبراير 13، 2008

حملات التحريض العربية لخنق حماس

علي عبدالعال
بعيداً عن تعقيدات ما يعرف بالأمن القومي، والإجراءات الأمنية، واللوائح والقوانين التي تنظم عبور الحدود السياسية بين الدول، كان مشهد اقتحام الفلسطينيين معبر رفح الحدودي ـ بعد تحطيم أسواره ـ أشبه بحلم يتحقق، ليس للمحاصرين في غزة وحدهم بل ولكل عربي ومسلم تطارده يومياً مشاهد العدوان الإسرائيلي بحق أخوة له يقطنون على بعد رمية حجر من الحدود مع مصر والأردن والسعودية وسوريا.
كان المشهد رائعاً والجنود المصريون يتابعون ما يجري ولم تصدر عنهم أية بادرة سوء تجاه أشقائهم، الذين لجؤوا إليهم فراراً من القصف، والجوع، والبرد، والظلام.
ولم نصدق أنفسنا ونحن نسمع كلمات الرئيس مبارك : "أن مصر لن تسمح بتجويع الفلسطينيين في غزة، أو أن يتحول الوضع في القطاع إلى كارثة إنسانية".
ولم يكد المشهد يمر على هذا الصفاء وذلك الانسجام ـ الذي نادراً ما يتحقق بين الشعور القومي والإنساني العام وبين معطيات السلطة والحكم ـ حتى لاحت في الأفق بوادر النكوص أو "العودة إلى الأصل" ـ إن صح هذا المسمى ـ أو قل الإنهزامية التي أقنعونا بأنها الأصل الذي ينبغي أن يجري على كافة قضايانا المصيرية.
حيث سلكت التوجهات الرسمية للدولة سياسياً وإعلامياً وأمنياً في منحى تحريضي وعدائي واضح وغير مبرر، خاصة حينما شرعت في تحميل الضحايا السبب الذي دفع الجناة إلى الاعتداء عليهم.
فقد عملت الأجهزة المصرية على منع وصول السلع المختلفة (التموينية والزراعية والمحروقات..ألخ) إلى مدينة رفح، لأنها السبب الرئيس الذي يتدفق الغزاويون من أجله نحو الحدود، ثم شرعت في مطاردة الفلسطينيين داخل مدن شمال سيناء تحت ذرائع شتى لترحيلهم إلى قطاع غزة، وتم تعزيز الإجراءات الأمنية من خلال زيادة نقاط المراقبة والدوريات.. ثم أعلنت مصر اتخاذها إجراءات صارمة لإغلاق الحدود تماماً، وأنها لن تسمح أبداً باجتيازها، ودفعت بقوات مسلحة إضافية، ونشرت أفرادا من الشرطة فوق أسطح المنازل العالية المتاخمة للحدود، بهدف مراقبة التحركات على الجانب الفلسطيني.
كما شرعت المخابرات المصرية في التحقيق مع مئات المصريين، العائدين من قطاع غزة، بحجة ورود معلومات عن محاولتهم الانضمام إلى حركة حماس للجهاد ضد إسرائيل، إلا أن الحركة نفسها طلبت منهم العودة إلى مصر بعد تقديم الشكر لهم.
وتزامن مع ذلك حملة إعلامية وصحفية مفضوحة مرسومة ومخطط لها، لتأليب الرأي العام المصري والعربي على سكان غزة وحركة حماس، حيث تم توظيف أقلام مأجورة أخذت تردد إيحاءات التحريض والكراهية بحق المستضعفين، في محاولة يائسة لتزكية نار الفتنة وزرع الحقد فى النفوس تجاههم.
وفي ظل هذه الأجواء تفجرت الأوضاع على الحدود، حين حاول فلسطينيون عبورها مجدداً بعدما أغلقتها السلطات المصرية، مما أدى إلى وقوع اشتباكات بين قوات الأمن المصرية ومجموعة فلسطينيين قرب بوابة صلاح الدين، أسفرت عن سقوط قتيل فلسطيني وجرح 16 آخرين، إضافة إلى جرح عدد من الجنود المصريين. وهو ما أوجد المادة الدسمة لحملات التحريض الإعلامية، حتى ادعت "وكالة أنباء الشرق الأوسط" المصرية الرسمية أن الفلسطينيين :"يتربصون بقواتنا في محاولات لاختراق الحدود ودخول الأراضي المصرية من خلال ثغرات جديدة".
وتناقلت وسائل إعلام أخرى تقارير تزعم أن حركة حماس تخطط لاختطاف جنود مصريين، لمبادلتهم بعناصر من الحركة محتجزين في مصر. ومن ثم صدرت التعليمات إلى أفراد الشرطة بتوخي الحذر خلال نوبات الحراسة. كما تقرر عدم سير رجال الشرطة المصرية فرادى خلال نوبات حراستهم على الحدود، وأن يكون تواجدهم في شكل جماعي لا يقل عن ثلاثة أفراد لكل مجموعة.
وقال مصدر أمني مصري: إن صاروخاً فلسطينياً، سقط داخل الأراضي المصرية من دون أن يوقع اصابات أو ضحايا. وأوضح المصدر أن الصاروخ محلي الصنع وسقط على بعد عشرة أمتار من خط الحدود المصرية.
ومساهمة منها في اشعال الحريق، زعمت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن حماس تستعد لمواجهة مسلحة مع مصر في حالة استمر الحصار ولم يفتح المعبر.
وقال موقع "ديبكا" الاستخباري نقلاً عن مصادر عسكرية إسرائيلية: إن المصريين يخشون من عملية عسكرية تخطط لها حماس، من الممكن أن تأتي من خلايا الحركة المتواجدة في سيناء.
وزعم الموقع أن معلومات استخباراتية هي التي دفعت المصريين لتحذير حماس من فتح المعبر عنوة، لأن خطوة كهذه ستؤدي إلى فتح النار المصرية على عناصر حماس، وسيكون هذه المرة إطلاق نار بقتل مباشر وليس فقط إصابات.
وقد توجت كل هذه الإجراءات بالتصريح الفج الذي ردده وزير الخارجية أحمد أبوالغيط ، متوعداً فيه بكسر أرجل الفلسطينيين إذا ما عبروا الأراضي المصرية. حيث سخر أبوالغيط من المقاومة منتقداً إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل، زاعماً أنها "تعود مرة أخرى لتقتل الفلسطينيين، أو تفقد في الرمال داخل إسرائيل" فتعطي الفرصة للدولة العبرية بأن تقوم بضرب الفلسطينيين.
وزعم أبو الغيط ـ فيما زعم ـ أن رفض حماس إعادة تشغيل معبر رفح، وفق اتفاق عام 2005 "يعني أنها تعاقب الشعب الفلسطيني، لأنه هو المتضرر من إغلاق المعبر".
وكان يشير بذلك إلى الاتفاق الذي تريد كل من (مصر وإسرائيل والولايات المتحدة والأوروبيين والجامعة العربية والسلطة الفلسطينية) العمل به لدعم تولي أجهزة عباس السيطرة على المعابر، وجميع هؤلاء لا يريدون وجود أي علاقة لحماس بترتيبات المعابر.
وكان مصدر مصري رفيع صرح لصحيفة "الحياة" : بأن "معبر رفح لن يُفتح في وجود سلطة غير سلطة الرئيس محمود عباس". وشدد على أن "هذه المسألة غير قابلة للنقاش"، رافضاً أي "وجود ولو رمزي لحركة حماس.. لأنها تنظيم وليست سلطة".
واستكمالاً للمهزلة الرسمية، قال وزير الدفاع المصري المشير حسين طنطاوي، إنه لن يسمح لأحد بالمساس بالأمن القومي المصري أو محاولة اختراقه. مؤكداً "أن مصر تمتلك منظومة دفاعية وقتالية متكاملة"!. وهي تصريحات لم يعتقد أحد أنها ربما تكون موجهة إلى إسرائيل ـ العدو الحقيقي الذي يقف على الحدود ويهدد الأمن القومي المصرى والعربى على حد سواء ـ بل هي موجهة مباشرة لسكان غزة ولحركة حماس.!!
وعقبت المصادر الصحفية بأن : الجيش المصري لديه الاستعداد التام للدخول إلى مدينة رفح الفلسطينية، في حال تم الاعتداء على قواته.
وهذا التصعيد الرسمي المصري تجاه حركة حماس ـ المنتخبة من الشعب الفلسطيني والحاكمة في غزة ـ لم يكن هو العربي الوحيد الذي نحى هذا المنحى، فلم تكن مصر وحدها التي صعدت المواجهة مع سكان غزة بل آزرتها دول عربية أخرى، على رأسها الأردن والسعودية والكويت والسلطة الفلسطينية بقيادة أبومازن. إذ أشارت التقارير الصحفية إلى أن القاهرة تلقت ضوءاً أخضراً، من المملكة العربية السعودية لمواجهة حركة حماس، ووقف تدفق الفلسطينيين عبر حدودها، مشيرة إلى أن السعوديين يعتقدون أن استمرار عدم ضبط الحدود يشكل خطراً وجوديا على مصر والسعودية معاً.
وأشارت المصادر إلى أن تصريحات كل من وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط التي هدد فيها "بكسر رجل كل من يحاول اجتياز الحدود" ووزير الدفاع المصري المشير طنطاوي حول قدرات الجيش المصري وتسليحه، ما كانت لتتم لولا ضوء أخضر سعودي. ومتوافقاً مع توجهات محور الاعتدال العربي، اتهم الأردن حركة حماس بمصادرة قافلة مساعدات أرسلتها إلي غزة، وقال وزير الدولة لشؤون الإعلام ناصر جودة : إن 16 شاحنة أرسلوا إلى مخزن تابع لحماس. معتقداً أن الضحية بطبيعة الحال هم "المحتاجون المستحقون لهذه المساعدات".
وعلى الفور انتهزت سلطة محمود عباس التصريحات الأردنية لتتشفى من حماس، منددة بما أسمته "سرقة" الحركة للقافلة الأردنية. واتهم نمر حماد ـ مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون السياسية ـ الحركة بمحاولة الاستيلاء على كل ما يقدمه الأشقاء العرب وخاصة الأردن. معتبراً أن ما حصل يندرج في إطار تشجيع حماس لمظاهر تحدي الأشقاء في جمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية مستغلين معاناة الناس. ومن جهته استغرب صائب عريقات ـ رئيس دائرة شؤون المفاوضات ـ كيف تتنكر حماس للتضحيات العظيمة لمصر ومواقفها.
بينما وصف أحمد عبد الرحمن الناطق الرسمي باسم فتح حماس بالعصابات وقطاع الطرق. وفي رده على هذه الاتهامات أوضح المهندس (زياد الظاظا) ـ وزير الاقتصاد في حكومة حماس ـ أن وزارته ضبطت المساعدات التي حاول الهلال الأحمر ــ وهو جمعية تهيمن عليها حركة فتح ـ أن يرسلها إلى سلطة رام الله وتنظيم سياسي معين، في إشارة إلى فتح، وإن الوزارة قامت بتسليمها إلى وكالة الغوث، مشيراً إلى أن وزارته قامت بتصوير وتسجيل وحصر هذه المساعدات بالصوت والصورة وإرسالها إلى الهيئة الخيرية الأردنية.
وبالنظر إلى هذه الحملة الرسمية العربية للتحريض على حماس يتبين أنها مواقف في مجملها جاءت على عكس ما كان مرجواً من الأنظمة التي وقفت خلفها، إذ كان الشعب الفلسطني في ظل هذه الأزمات والاعتداءات التي يتعرض لها في أمس الحاجة لموقف مصري وعربي وإسلامي داعم. إلا أن الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية التي تدعمها الأنظمة العربية تقوم أساساً على خنق الفلسطينيين سواء في غزة أو في رام الله، وليس هناك أدنى شك في أن هذه الاستراتيجية لم تكن لتحقق أدنى نتيجة لولا التوطوء العربي الكامل مع بنودها.
ومن ثم فإن الحديث عن تهديد الفلسطينيين للأمن القومي المصري أكذوبة لا ينبغي أن تنطلي على أحد، لأن جياع غزة لم يتدفقوا إلي الحدود من أجل النهب، والسلب، وتهديد الأمن القومي، وانتهاك السيادة، وإنما لشراء الخبز وعلب الحليب لأطفالهم.. وقد كانت الفصائل الفلسطينية دوماً محترمة للأمن القومي ومقدرة للدور المصري رغم انه لم يكن بقدر الأزمة.
وليس أدل على السلوك المتحضر للفلسطينيين من أنهم أعادوا 2000 مصرياً كانوا يريدون الانضمام للمقاومة. والأمن المصري لا يهدده الفلسطينيون بل يهدده الإسرائيليون الذين يدخلون الحدود من دون تأشيرة ويعيثون عليها فساداً.
في تعليق له على المواقف الرسمية وتصريحات أبوالغيط ، قال أنور رجا ـ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة" ـ :من "المفارقة أن يتوعد أبو الغيط أطفالنا ونساءنا ومرضانا، وهم يهرعون نحو أشقائهم لتأمين لقمة عيش، أو حبة دواء، أو نقطة حليب، أو لترات وقود تقي شر البرد القارص في هذه الفترة من السنة، في حين أن معالي الوزير أبو الغيط يستقبل بالابتسامات العريضة ودون أذونات مسبقة الوافدين الصهاينة إلى طابا وشرم الشيخ تحت عناوين ملتبسة وشعارات بعضها السياحة والاستجمام".
وأعرب رجا الذي يشغل منصب مسؤول دائرة الإعلام في "القيادة العامة" عن استنكاره لاستخفاف أبو الغيط بعذابات وآلام الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لحرب إبادة على أيدي قوات الاحتلال.

الخميس، يناير 31، 2008

تشاد.. قاعدة أوروبا للإنطلاق عسكرياً نحو أفريقيا

علي عبدالعال
يترقب إقليم غرب أفريقيا وصول قوات عسكرية أوروبية قوامها (4000) جندي، سوف يجري نشرها أوائل شهر فبراير في كل من شرق تشاد (بالمنطقة الملاصقة لإقليم دارفور) وأفريقيا الوسطى، وتتشكل من 14 دولة عضو بالاتحاد الأوروبي على رأسها (فرنسا وبلجيكا وأيرلندا وبولندا).
وتأتي خطة نشر "يوفور" كأكبر عملية عسكرية ينفذها الاتحاد خارج القارة الأوروبية بدون مساعدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وحسب المعلن رسمياً فإن مهمة هذه القوات ـ التي سيتولى قيادتها الميدانية في ابيشي (شرق تشاد) الجنرال الفرنسي جان فيليب جاناسيا ـ تتمثل في حماية ما يقرب من (500) ألف لاجئ بعضهم سودانيين من دارفور مقيمين في شرق تشاد، وبعضهم من تشاد نفسها، و(20) ألفاً من مواطني جمهورية أفريقيا الوسطى، كلهم نازحون جراء أعمال عنف.
وهو ما دعا جهات عدة إلى التشكك في نوايا وحقيقة أهداف هذه القوات، وعلى رأس هذه الجهات الحكومة السودانية، والمعارضة التشادية ـ التي تسعى لإسقاط نظام إدريس ديبي في نجامينا ـ خاصة في ظل قلاقل واضطرابات تعاني منها المنطقة بأكملها، وأيضاً لأن أكثر من نصف العسكريين فرنسيين، وفرنسا هي القوة الاستعمارية السابقة لكل من تشاد وأفريقيا الوسطى، وتتواجد قواتها البرية وطائراتها الحربية ودباباتها داخل الأراضي التشادية منذ عشرين سنة في إطار قوة "إيبرفييه" بناء على اتفاق عسكري مع نجامينا، كان يهدف حينها إلى التصدي لما سمي بالمطامع الإقليمية والسياسية الليبية في تشاد.. ومن المتوقع ـ على نطاق واسع ـ أن ينتقل جنود فرنسيون من هذه القوات إلى "يوفور".
كما ستعمل تلك القوات أيضاً بالتنسيق الكامل مع القوات الأجنبية الهجينة التابعة للأمم المتحدة والأكبر حجماً فى إقليم دارفور(غرب السودان)، والتي كان قد تم نشرها في ظل ضغوط شديدة مورست على السودان من قبل قوى غربية على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا.
ومما أثار الاستغراب حول هذه القوات، أن تشاد كانت قد حذرت الاتحاد الأوروبي من أن تأجيل نشرها على حدوده الشرقية مع السودان يهدد "بإشعال المنطقة" بأكملها.. بل ومارس الرئيس إدريس ديبي ـ وهو طيار حربي سابق تلقى تدريبه في فرنسا ـ ضغوطه على بروكسل (عاصمة أوروبا الموحدة) لنشر قواتها، محذراً من حرب أهلية في بلاده ما لم يتم نشرها، واتهم السودان بتسليح المتمردين في بلاده من أجل عرقلة القوة الأوروبية.
ففي الآونة الأخيرة صعد النظام التشادي ـ وهو حليف قوي للغرب ـ من وتيرة المواجهة مع السودان "لاضعاف موقف حكومة الخرطوم في إقليم دارفور" وذلك بتكرار اعتداء قواته الجوية على بعض المناطق داخل الأراضي السودانية، تحت ذريعة مطاردة جماعات المعارضة.وفي ما يشير إلى درجة التداخل بين الأوضاع المتوترة في تشاد مع مثيلتها في السودان، شبهت (ماري روبنسون) ـ المفوضة السامية السابقة بالأمم المتحدة ـ في مقال لها نشرته "هيرالد تريبيون" ما أسمته "صراعي دارفور وشرق تشاد بطبقات حبة البصل في تداخل أحدهما مع الآخر".
إلا أنه وفيما ترزخ الخرطوم تحت وطأة الضغوط الغربية والعقوبات الأمريكية، تتدفق المعونات المالية والعسكرية بسخاء من الجهتين على النظام الحاكم في نجامينا بقيادة ديبي.
وكان آخرها مبلغ الـ (10) مليون يورو التي أعلن (لوي ميشيل) ـ المفوض الأوروبي المكلف بشؤون التنمية والمساعدات ـ أنه تم تخصيصها لدعم ما سماه الاستقرار في شرقي تشاد.
زاعماً أن هذه المبالغ تأتي فقط في إطار اتخاذ إجراءات للوقاية من أي صراعات مستقبلية. وفي أعقاب قصف تشاد للأراضي السودانية، ذهب حسن جيرمي ـ المتحدث باسم تحالف المعارضة التشادية ـ إلى أن الهدف من تنفيذ الهجوم يكمن في جر السودان إلى صراع إقليمي، تتدخل بموجبه فرنسا إلى جانب حكومة نجامينا حسب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بينهما، موضحاً أن القوات الفرنسية جهزت قوة بكامل عتادها بجانب طائرات المساعدة للتدخل في حال اندلاع القتال.
وهي مخاوف لم يخفها المراقبون للأوضاع في المنطقة، خاصة مع القصف الذي بادرت تشاد ـ إحدى أكثر الدول فقراً في العالم ـ بشنه على السودان، والتصعيد الظاهر من لهجة الحكومة في نجامينا وعلو نبرة تهديدها تجاه الخرطوم. وهو ما لم يكن يأتي من فراغ ـ حسب المحللين ـ إذ تدور تساؤلات عديدة بشأن الدعم العسكري الكبير الذي يتلقاه إدريس ديبي من الفرنسيين في ظل تحالف شبه أبدي، وبفضل العملية الأخيرة التي سلم خلالها ديبي حليفه نيكولا ساركوزي (6) فرنسيين، أعضاء بمنظمة ضبطت وهي متلبسة بتهريب أطفال من السودان وتشاد إلى فرنسا.. فالرئيس التشادي يدرك أنه لن يستطيع مواجهة السودان عسكرياً ولكنه يريد حرباً تزيد من رغبة الغرب في دعمه والدخول بقواته إلى المنطقة.
إذ تقدم القوات والطائرات الفرنسية ـ الموجودة داخل الأراضي التشادية ـ دعماً مهماً في مجال الإمداد والتموين العسكري والاستخبارات لجيش ديبي، الذي يقاتل جماعات المعارضة في شرق البلاد.. وتتحدث التقارير عن أن باريس سلمت نجامينا أسلحة حديثة ومتطورة، منها صواريخ (ميلان) الفرنسية الشهيرة والتي تطلق لاسقاط الطائرات وغيرها.وفي (ابشي) ـ مقر قيادة القوة الأوروبية القادمة ـ توجد قاعدة جوية فرنسية ضخمة، كما تحتل الطائرات الحربية الفرنسية جزءاً كبير من مطار المدينة الضخم، إضافة إلى الأعداد الكبيرة من الدبابات والمصفحات الفرنسية.
وفي إطار الأجندة الغربية الموضوعة بشأن إقليم دارفور غربي السوداني، تتحدث تقارير صحفية بشأن مدفعية تشادية جرى تصويبها مؤخراً تجاه مدينة (الجنينة) ـ عاصمة ولاية غرب دارفور ـ وأن الآلاف من الجنود باتوا يعسكرون علي الحدود.
كما تتهم جهات إقليمية ومحلية إدريس ديبي بالتورط في عملية نقل أسلحة فرنسية لصالح حركة "العدل والمساواة" المتمردة في دارفور، عبر تاجر أسلحة تشادي يُدعى عبد الله هوكس وهو الشقيق الأكبر لزوجة ديبي، وكان وفد من "العدل والمساواة" وصل إلى مدينة (ابشي) لاستلام الأسلحة الفرنسية تحت غطاء أنها إمدادات للقوات التشادية بشرق البلاد.
وإذا كان هذا هو حال الدولة الأفريقية الفقيرة، التي يبدو أنها باتت مستعدة لتقديم تسهيلات لقوات أجنبية من أجل التحرك والانطلاق من أراضيها ضد أراضي دول بالمنطقة، وفي إطار الانتقادات الموجهة لنظامها الحاكم بشأن الهيمنة الغربية على القرار فيها.
لم تكن فرنسا هي اللاعب الغربي الوحيد بل تأتي تحركاتها بتوافق وتنسيق كاملين مع الولايات المتحدة، وكانا قد حسما معاً التدخلات الليبية التي اشعلت الأوضاع بعد أن سيطرت طرابلس على إقليم (اوزوا) التشادى فى بداية السبعينيات حتى 1988. وفي زيارته الأخيرة 19إبريل 2007 وجه جون نجروبونتي ـ مدير وكالة المخابرات الأمريكية السابق ـ "تعازي حكومتي الحارة لتشاد بالمدنيين الذين قتلوا ومؤاساتها لمن أُصيبوا بجراح أو شُردوا نتيجة هجمات مليشيات الجنجويد" التي يزعم الغرب أنها وراء أزمة دارفور وتدعمها حكومة السودان.
وفي سياق إشارته إلى دارفور ألمح نجروبونتي إلى أن أوضاع الإقليم تثير "اهتماماً كبيراً لدى الشعب الأمريكي والحكومة الأمريكية".ومن جهتها، تحقق الحكومة السويسرية في ما إذا كان نظام ديبي قد أرسل الطائرة السويسرية من طراز (PC-9) إلى إسرائيل من أجل تسليحها. مؤكدة أنه من الضروري الحصول على توضيحات بخصوص أنشطة تقنييـْن مختصّيْن في مجال الميكانيك تابعين لشركة (بيلاتوس) سُجل تواجدهما قبل عام في تشاد. ولمثل هذا الانصياع والممارسات التشادية يذهب المراقبون إلى إن المشكلة الأكثر تعقيداً فى حالة تشاد تكمن في أن الخارج يملك مفاتيح التغيير والتحول بأكثر مما يملك من يحكمون في الداخل.
وهي تجربة لها خلفياتها التاريخية بالنسبة لتشاد، إذ كانت ميزانية الدولة في نجامينا ـ قبل ظهور البترول ـ تعتمد بنسبة 90% على الحلفاء بالخارج وتحديداً فرنسا أو اللاعبين الإقليميين ليبيا تارة والسودان تارة أخرى. وقد شكل الوضع الاقتصادى المذرى الذى عرفته البلاد في الستينيات شكّل عنصراً حاسما فى جعل تشاد كدولة نهبًا لأجندات خارجية مختلفة.

الخميس، يناير 17، 2008

كينيا المأزومة.. على مفترق طرق


علي عبدالعال

كتب رئيس تحرير صحيفة "صنداى نيشن" الكينية (موتوما ماثيو)، يقول : "أشعر بالخوف الشديد الذي لا يمكن وصفه" ، إذ أن الكينيين "يقفون على شفا جرف هار" ليس فقط بسبب الاحتجاجات المزمعة واحتمال وقوع مذابح عرقية، ولكن بسبب القدرة على الوحشية التي كشف عنها كثيرون ضد جيرانهم.. "أخشى ما أخشاه هو أنه عندما تمشط السلطات وعمال الإنقاذ كل قرية يكتشفون أن الكثير والكثير ذبحوا في موجة من الجرائم المروعة".

إذ لازالت الأزمة الكينية تراوح مكانها على الرغم من تعدد المحاولات الخارجية لنزع فتيلها، خشيةً إنزلاق البلاد نحو هاوية الحرب الأهلية. وقد بدا ـ بعد فترة من الهدوء النسبي ـ أن الأوضاع تتجه نحو التدهور من جديد، في ظل فشل الوساطات الدبلوماسية المكثفة بين زعيم المعارضة (رايلا أودينجا) والرئيس المنتهية ولايته (مواي كيباكي)، وإعلان المعارضة معاودتها لتنظيم التظاهرات.. وقد أخذ القلق يساور النفوس من جديد، خاصة وأن التسوية السياسية بين كيباكي وأودينجا لازالت بعيدة المنال.

فلم يجتمع كيباكي وأودينجا وجهاً لوجه منذ بدء الأزمة، وربما من غير المنتظر أن يجتمعا قريباً، نظراً لبعد الشُقة بينهما. إذ يرفض أودينجا الاعتراف بإعادة انتخاب كيباكي متهماً إياه بتزوير نتائج الانتخابات وحرمانه من الرئاسة، كما يطالب زعيم الحركة البرتقالية بتشكيل هيئة وساطة معترف بها دولياً، و"ترتيب مؤقت" ـ وليس حكومة ـ لتهيئة الأجواء للتفاوض بشأن تسوية يعقبها انتخابات جديدة خلال ثلاثة أشهر. ويقول الأمين العام لحركته البرتقالية (انيانج نيونجو) : "نحن لا نعترف بالرئيس وبالتالي لا نعترف بحكومته.. إذا كان يرفض أن يكون نزيهاً في هذه الانتخابات فسيرى من نحن".

وهي تصريحات ومطالب يرفضها نظام كيباكي الذي استبق الأحداث وشكل ـ ما سماه ـ حكومة "وحدة وطنية"، ضم إليها أطرافاً في المعارضةً، وقال الناطق باسم الحكومة (الفرد موتوا) للصحفيين : "إن الحكومة لن تخضع للابتزاز".

وإذا كان أودينجا ـ الذي سجن لتسع سنين ـ يجسّد المعارضة والمد الشعبي المستميت على حقه في الحكم، وحمل المشعل نيابة عن أبيه (جاراموجي أودينجا) الذي ناضل من أجل الاستقلال وسجنه (دانييل آراب موي) في العام ١٩٨٢، بتهمة الضلوع في محاولة انقلاب فاشلة. فإن كيباكي ـ المصنوع على أعين الأمريكيين ـ من رعيل الساسة الأوائل الذين خلفوا الاستعمار للحفاظ على مكتسباته، وشغل مناصب وزارية في عهد (موي) نفسه.

أسباب يتجسد على خلفياتها الصراع

وإذ يتربع على قمة الصراع في كينيا شخصان أحدهما (مواي كيباكي) والآخر (رايلا أودينجا) فإن حقيقية هذا الصراع، وقدم أسبابه، وتجذرها في مفاصل المجتمع الكيني، أعمق من أن تختصر في شخصين مهما كان موقعهما. ويوضح ذلك مراقبون بالقول : إن الطعن في شرعية ومصداقية نتائج الانتخابات عادة متجذرة في قاموس أنظمة الحكم الأفريقية، وقد لا يتوقف الأمر عند الطعن والتشكيك إذ في الغالب ما يصاحب ذلك معارضة شعبية قوية في الشارع، تواجه بقمع الشرطة والجيش، ومثل هذه الاضطرابات كثيراً ما تكون وليدة تراكمات قديمة كاحتقان سياسي داخلي أو وضع اقتصادي معقد، بالإضافة إلى عدم مصداقية أو طعن باستقلالية الهيئات الرسمية للدولة.

وفي خضم هذه الأزمة المتفاقمة، يجمل المراقبون عدداً من الأسباب يحملونها المسئولية عما يجري، أولها الإنتماء القبلي والعرقي بين المتنافسين على الحكم، حيث يصف المتابعون للشأن الداخلي "العملية الانتخابية" في كينيا، بأنها لا تعدو أن تكون إحصاءً وطنياً في الخفاء، "إذ أن كل ما تفعله هو الكشف عن التوازن بين القبائل"، وفي دولة مثل كينيا، "فإن الولاءات القبلية هي العامل الأكثر حسماً في تحديد السلوك الانتخابي". وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه (المعهد الدولي الجمهوري)، أن ٣٨.٤ في المائة من الكينيين الذين جرى استجوابهم، يعتبرون الإنتماء القبلي للمرشّح العامل الحاسم في اختيارهم، قبل شخصية المرشّح وبرنامجه.

فقد ساهم التنافس القبلي التقليدي بين قبيلتي (كيكويو) و(لوو) في تغذية الصراع السياسي، وحولاه إلى صراع عرقي اجتماعي بين أبناء الوطن الواحد، لم يقف عند حدود اللجان وصناديق الاقتراع حتى انتقل إلى ساحات المدن والميادين والمزارع، وكانت من وسائله الفؤوس والسنج والعصي. وبينما ينتمي الرئيس كيباكي إلى قبيلة (كيكويو) الأكثر عدداً التي تمثل (32%) من السكان، ينتمي خصمه رايلا أودينجا إلى قبيلة (لوو) المتعلمة ثاني أكبر قبيلة في البلاد، والتي تتمركز على ضفاف بحيرة فكتوريا. ويعد الصراع بين قبيلتي لوو وكيكويو ضارب في القدم، منذ استقلال البلاد عام ١٩٦٣، وفي سياق هذا النزاع القديم، طفت على السطح منازعات وإحن قديمة وراكدة، برزت مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث رفضت (لوو) نتائج هذه الانتخابات وشككت في فوز كيباكي المنحدر من غريمتها(كيكويو).

ومنذ الإعلان عن نتائج الانتخابات تعرضت (كيكويو) لهجوم على أيدي العناصر الغاضبة من (لوو)، فيما تعرض أبناء قبيلة (لوو) إلى موجة من القمع من قبل رجال الشرطة والسلطات الأمنية. وقد حمل قوم اللوو نتائج الانتخابات على الرغبة في حرمانهم فرصتهم الأولى بلوغ الحكم منذ الاستقلال عام 1963. وأعمال الانتقام والثأر التي وقعت إنما صدرت عن قوم يرون في أودينجا فرصة تعوضهم ما يرونه ظلماً لحق بهم، حتى جهر بعضهم بعزمه على الموت في سبيل رايلا أودينجا وما يرمز إليه.

ويفسر الخبراء هذه الأوضاع الهشة في ظل القبلية، بالقول : إن الانقسامات الإثنية والعرقية تقود في أغلب الحالات إلى اندلاع الحرب الأهلية، وتصدع السلم الاجتماعي في البلدان الخاضعة لها. وحسب هذا المنطق يظل التنافس بين المجموعات الإثنية المختلفة كامناً تحت السطح ينتظر اللحظة المناسبة للبروز والانفجار، بحيث تكفي حادثة بسيطة، مثل الانتخابات لقدح شرارة العنف وإشعال فتيل الفتنة بين أبناء الوطن.

إلا أن العامل القبلي لم يكن العامل الوحيد المحرك لكل هذه الصدامات العنيفة التي جرت، إذ أن حالة البؤس الفائق التي تسود المدن الفقيرة (مدن الصفيح) في العاصمة نيروبي، تجعل منها مواقع قابلة للاشتعال في أي لحظة. ويتحدث المتابعون كثيراً عن الفوارق الطبقية والاقتصادية الشاسعة بين الأغنياء والفقراء في كينيا ويجري من احتكار الأغنياء للثروة، إلى جانب الفساد المستشري علي جميع المستويات في البلاد.

فالتطور الأبرز فيما تشهده كينيا من اقتتال، هو استهداف ممتلكات (الكيكويو) حيث نهبت متاجرهم ومنشآتهم الاقتصادية في ضواحي نيروبي ومومباسا.. وكانت السنين التي بقيت طيلتها (الكيكويو) في السلطة قد أتاحت لها التحكم في مفاصل الدولة، والسيطرة على الاقتصاد الكيني. وقد جلب نفوذ الكيكويو المتنامي عبر الحقب السياسية جلب عليها النقمة والسخط لدى القبائل الأخرى والرأي العام كينيا، التي ترتفع فيها يوماً بعد آخر معدلات الفقر والبطالة، وتنخر الرشوة والفساد إدارتها العمومية، كما وتحتل كينيا في الغالب صدارة القائمة السوداء لمنظمة الشفافية الدولية.

وهو ما يفتح المجال للحديث عن مؤسسات الدولة وضعفها، والاختلالات التي ينطوي عليها نظام الحكم في كينيا، كأحد الأسباب التي تفتح المجال للصراع والفوضى. والواقع أن هذه الفرضية التي تربط بين ضعف مؤسسات الدولة واندلاع العنف في المجتمعات المتعددة إثنياً، تستند إلى إحصائيات ودراسات عديدة جرت حول هذا الشأن. فليس من الصعب إدراك علة هذا الارتباط بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يضطلع به البرلمان على سبيل المثال، بحيث توفر المؤسسة النيابية الفرصة للمعارضة ـ التي لم تستطع تولي السلطة التنفيذية ـ كي تجهر بصوتها، وتوقف التشريعات التي لا تراها صائبة. وفي حالات أخرى يضمن البرلمان سحب الثقة من الحكومة، وعقد انتخابات مبكرة دونما الحاجة إلى أي شكل من أشكال العنف، أو النزول إلى الشارع. وبالنظر إلى كينيا فإن هذه الضمانات غير متوفرة تماماً خاصة وأن برلمانها يعاني من هزال شديد.

والمشكلة بالنسبة لدولة مثل كينيا وباقي الدول التي لا تتوفر على مؤسسات رسمية قوية، هي أن الفوز في الانتخابات الرئاسية يعني الاستئثار بكل السلطات واحتكار عملية اتخاذ القرار. ومن هنا فقد شعرت قبيلة مثل (لوو) بأنها فقدت أدنى أمل في مراقبة سلطات (مواي كيباكي) من خلال المؤسسات المناط بها هذا العمل، وبدلاً من ذلك وجدت نفسها وأيضاً القبائل التي ذهبت مذهبها، أمام خيارين : إما القبول بفوز الرئيس والانصياع لرغبته، أو رفض النتائج والنزول إلى الشارع لإنتزاع الحقوق بالقوة.

الدور المشبوه للقوى الغربية

على الرغم من الاستقلال السياسي الرسمي الذي تم منذ العام 1963، لاتزال كينيا تدار وكأنها مستعمرة غربية، ولاتزال الدول الغربية حريصة على أن تكون متحكمة في جميع خيوط اللعبة بها. والعلاقة بين الحكومات التي حكمت نيروبي والقوى الغربية كانت جزء من هذه الهيكلية، إذ لم تفكر الأولى ولو للحظة واحدة في التمرد على هذا النهج، خاصة وأنها كانت في الغالب صنيعة الغرب نفسه وربيبة نعمته. وكان وربما لازال يقال إن "نيروبي" تمثل العاصمة البديلة للندن في أفريقيا، بل وكثيراً ما استدل الإنجليز بالنموذج الكيني على اعتباره واحة الديمقراطية والاستقرار والتنمية في القارة السوداء، ومن ثم فإن هذا البلد الأفريقي غارق في الارتهان للآخر، خاصة وإذا كان هذا الآخر هو الغربي.

وتعد مصالح الدول الكبرى مع كينيا على كونها عديدة، خاصة في ظل وجود القاعدة البريطانية، والأسطول السادس الأمريكي في المياه الإقليمية لنيروبي، بالإضافة إلى وجود المنظمات الأجنبية والمحلية التي يمولها الغرب لصالحه. وتعد نيروبي ـ من جهة أخرى ـ مركزاً كبيراً لأنشطة الأمم المتحدة والدبلوماسيين والصحفيين وموظفي الإغاثة وآخرين في شرق أفريقياً، فضلاً عن أنها بؤرة التنصير والأنشطة الكنسية ليس في شرق أفريقيا وحدها بل في القارة كلها.

من جهتها، ترى واشنطن في نيروبي أحد الشركاء الأساسيين في ما يسمى بـ "الحرب على الإرهاب" في أفريقيا.. وتنظر أمريكا منذ زمن بعيد إلى كينيا بوصفها إحدى الدول المحورية إلى جانب مثيلتيها جنوب إفريقيا ونيجيريا. وبشكل خاص، تعد حكومة نيروبي مفتاح الاستقرار ـ لدى الأمريكيين ـ وآفاق التنمية الاقتصادية في القارة الأفريقية، وفي ذلك تقول ميشيل جافين - الخبيرة في مجلس العلاقات الخارجية (كانسل إن فورينج ريلايشن) ومقره نيويورك - "إن كينيا شريك هام في مكافحة الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة". وأوضحت أن: "كينيا أيضاً شريك دبلوماسي كبير في تسوية الخلافات في المنطقة؛ لا سيما السودان والصومال".

وتعول واشنطن على نيروبي كحائط صد في مواجهة تهديدات تتخوفها، وخاصة المد الإسلامي في هذا الجزء من القارة السوداء. وقد برهنت كينيا على أنها تابع مخلص للسيد الأمريكي ومحافظ جيد على أمنه ومصالحه، فقد سارعت ـ على سبيل المثال ـ إلى تكثيف الحشود على حدودها، واعتقلت العشرات من المسلمين الذين خرجوا من الصومال في أعقاب الغزو الإثيوبي، كما لا تتوانى في التضييق على مواطنيها من المسلمين واعتقال أبنائهم ودهم منازلهم.

فإن كان ما سبق صحيحاً فإن أخشى ما تخشاه واشنطن هو انزلاق كينيا نحو الفوضى، إذ أن من شأن الاضطرابات ـ على أقل تقدير ـ أن تصرف أنظار السلطات الكينية عن القضايا الأمنية الإقليمية فضلاً عن الدولية، خاصة وهي في منطقة تشهد اضطرابات عديدة، من الحرب في الصومال إلى التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وتشاد والسودان.. وتتركز المخاوف أيضاً في أن دولة منهكة مثل كينيا قد لا تستطيع السيطرة على حدودها، أو المحافظة على قوة وفعالية أجهزة مخابراتها وقوات أمنها.

يقول اليكس فاينز ـ رئيس برنامج أفريقيا في مركز شاتام هاوس البحثي بلندن : "تعني زعزعة الاستقرار في كينيا بطبيعة الحال : أن التركيز على مسائل على غرار مكافحة الإرهاب سيتلاشى في ضوء المخاوف الأمنية المحلية"، وأضاف : "أنهم سيركزون فقط على مواجهة المتظاهرين في شوارع نيروبي والمدن الأخرى". كما يقول كورت شيلينجر ـ من معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية ـ : "إن بث زعزعة الاستقرار في كينيا يعني أن المنطقة بأسرها غير مستقرة".

وستؤثر الأزمة الداخلية حتماً على قرار واشنطن الخاص باختيار الموقع الذي سيكون مقراً جديدا لقواتها في القارة. إذ كانت كينيا ـ حسب محللين بالشؤون الأفريقية ـ مرشحة لاستضافة (أفريكوم)، وهي القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا، والتي تعمل الآن من شتوتجارت بألمانيا فيما تسعى واشنطن من أجل إيجاد مقر لها في القارة السمراء.

ويقول العرافون ببواطن العلاقات الغربية مع نيروبي ـ والتي امتدت لعقود ـ إن الدوائر السياسية الغربية لعبت لعبة "قذرة" في كينيا ظاهرها تأييد عمليات التحول السياسي والديمقراطية والاقتصاد الحر، وباطنها الهيمنة والسيطرة على مقدرات البلاد والعباد. ويشير المحللون في ذلك إلى أن القوى الغربية غضت البصر أمام عمليات التزوير السافرة التي جرت فى انتخابات سابقة، وتجاهلت مشكلات عويصة كانت تتعلق بسوء اقتسام الثروات، واحتكار السلطة، والتوترات القبلية في البلاد، وجاء كل ذلك فقط في سبيل الحفاظ على رجالها الخلصاء.

فدعوات الحوار التي أطلقتها كل من بريطانيا، وواشنطن، والاتحاد الأوربي، والأفريقي لم تصحب بإجراءات عملية للحيلولة دون تدهور الأوضاع، في الأزمة الحالية، إذ لم ترسل الجهات المشار إليها وفوداً لجمع فرقاء الأزمة ـ في الوقت المناسب ـ على طاولة حوار وطني يعيد الهدوء ويضمد الجراح ويعزز الوحدة الوطنية.

والأغرب أن أمريكا قامت ومنذ إعلان النتيجة الشاذة والغريبة في الانتخابات بمباركتها مهنئة كيباكي بالفوز.. فلماذا قامت أمريكا بذلك وهي المتابعة للانتخابات بدقة، وتملك المعلومات، وتعرف أن أودينجا فاز فيها متقدماً على خصمه. وحقيقة أن ذلك لم يكن إلا لتحفظها على أودينجا نظراً لميوله الاشتراكية على الرغم من أنه يعد من أبناء المدرسة الاستعمارية. إذ يخشى الأمريكيون إذا فاز أن يفسح المجال لدخول الصين في السوق الكينية وفي هذه المنطقة الحساسة من أفريقيا. كما تريد واشنطن معاقبة أودينجا على موقفه في البرلمان الكيني، ضد قانون (الإرهاب) وتحالفه مع المسلمين.. وهي أيضاً تنظر لمنافسه الرئيس كيباكي على أنه في طور "الشيخوخة" وبلغ أكثر من ثمانين عاماً، أي أنه ونائبه عاجزان عن الحكم ومن ثم فستقوم أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية ـ في حال فوزهما ـ بإدارة البلاد وكالة أو نيابة عنهما.

ولكن إذا مضت الأمور الحالية إلى غايتها في الاضطراب، فإن ما يحدث في كينيا الآن سينتهي بسقوط النموذج الإمبريالي الغربي وخاصة (البريطاني والأمريكي).. وسقوط هذا النموذج في هذه الفترة هو أكبر صدمة للغرب، وأكبر زلزال للعقل الغربي، لأنه سيعني حتماً سقوط الهيمنة الغربية في كل أنحاء أفريقيا.

الخميس، ديسمبر 13، 2007

أحداث ملتهبة وملفات لا تجد من يغلقها في مصر


علي عبدالعال
Aly_abdelal@yahoo.com

شهدت الساحة السياسية المصرية عدد من الملفات الساخنة خلال العام 2007 ، بعضها ظهر خلال العام نفسه وبعضها كان قد تم تحويله من بين الملفات التي لم يغلقها العام 2006. وبوجه عام فإن الأوضاع السياسية في هذا البلد المثقل بهمومه، تظل ملفات ملتهبة دون أن تقفل وإن أغلقت فهي على بركان.

1ــ استمرار الجدل حول توريث الحكم في مصر

كانت قضية توريث الحكم في مصر ــ ولازالت ــ الشغل الشاغل للنخبة السياسية ورجل الشارع، على حد سواء. فرغم نفي الرئيس مبارك ونجله وجود أي خطط لديهما لتوريث الرئاسة لجمال ترى الشريحة العريضة أنه لا يوجد أي تفسير مقبول لأنشطته السياسية، على مدى السنوات الخمس الماضية، وبروزه التدريجي على المسرح العام، إلا الإعداد لتوريثه السلطة.

و"التوريث" كقضية مثيرة للجدل أقدم بكثير من العام 2007 ، إلا أن الجدل حولها ظل متواصلاً طيلة هذا العام أيضاً نظراً لأن (الوريث والتركة) كلاهما موجود، وإن ظل المعارضون من أبناء الشعب موجودون أيضاً.

إذ من المعتقد على نطاق واسع ــ داخل أوساط الشعب المصري ــ أن الرئيس مبارك يعد نجله لخلافته على منصب رئيس أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان. خاصة وأن مبارك (79عاما) يرفض رفضاً تاماً تعيين نائب للرئيس، وهو المنصب الذي انتقلت من خلاله السلطة إليه وإلى من سبقه.

وفي يوم 7/12/ 2007 ، بادر رئيس مجلس الشعب أحمد فتحي سرور، بنفي وجود ما يسمي "التوريث" في مصر، مشددً علي استحالة حدوثه في ظل تعديلات المادة 76 حتي لو جاء جمال مبارك للحكم، على حد قوله.

وكعادة التصريحات التي يطلقها المسؤلون المصريون في قضايا شائكة لها حساسيتها لدى العامة، قال سرور: إن الرافضين لـ (جمال) باعتباره ابن الرئيس يشكلون اعتداء علي الحقوق الدستورية للمواطن جمال مبارك. وأضاف: "لا يجوز أن يحرم مواطن مصري من حقوقه الدستورية والقانونية".

وكان الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر أكد في تصريحات سابقة له، انه يرفض توريث الحكم في مصر خاصة إذا جاء بشكل مباشر من الاب لابنه، موضحاً أنه إذا جاء التوريث عن طريق انتخابات حرة نزيهة فلا مانع، لأن هذا حق الابن الدستوري وليس فيه مخالفة للشرع.
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يخوض فيها شيخ الأزهر بتعبيرات مباشرة في معضلة توريث الحكم في مصر، وهو ما اعتبره المراقبون مؤشراً واضحاً على قرب تنفيذ ما بات يوصف في الشارع السياسي بترتيبات الخلافة.

2ــ إشاعة مرض الرئيس

وغير بعيد عن "التوريث" سرت شائعة مرض السيد رئيس الجمهورية، وسادت الشارع المصري، مما أحدث حالة من الارتباك والقلق بشأن مستقبل كرسي الحكم في البلاد. وتحدثت الأقاويل أن مبارك يخضع لعناية صحية فائقة بإحدي المستشفيات السيادية في القاهرة، مستندة إلى اجراءات أمنية استثنائية أحاطت بهذه المستشفى، ثم أخذت الأقاويل تستند إلى كلام منسوب للسفير الأمريكي فيما بعد، ولسفراء أجانب آخرين.

وقد استنكرت مصادر أمنية عليا حديث الشائعة، وكان الرد : أن "الرئيس في برج العرب"، يقضي عطلة في استراحته الرئاسية هناك. إلا أن ذلك لم يمنع المصريين من الكلام، ولم يقلل من حدة الشائعة سوى تعاقب الليل والنهار عليها، وظهور مبارك يوم 29/8/ 2007 على الهواء مباشرة في التليفزيون المصري متفقداً المشروعات في مدينة برج العرب القريبة من الإسكندرية.

سريان الشائعة كالنار في الهشيم اضطر الرئيس لحضور مباراة لكرة القدم، حتى يراه الجميع على قدميه، مصطحباً معه أحد أنجاله.. ثم وهو يصطحب عدداً من أركان حكومته، بمن فيهم رئيس الوزراء أحمد نظيف، حيث قام بزيارة تفقدية في محافظة سوهاج بصعيد مصر.

ويقول المراقبون : إن ترويج هذه الشائعة يعود إلى مخاوف الناس من غياب الرئيس، وذلك لارتباط القدرة على اتخاذ كل القرارات في مصر به وحده، وإن انتشارها السريع يرجع إلى الفجوة في العلاقة بين النظام والشعب، والتي كانت وراء عدم تصديق الشعب تطمينات الحكومة، حتى بعد ظهور مبارك على التلفاز مرتين في أسبوع واحد.

المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم ـ وكعادته ـ لم يفوت الفرصة ووضع بصمته،
وبأغنية خاصة جداً سجلها من كلمات كاتب أغانيه (إسلام خليل) على نفس اللحن الذي قدم به من قبل كل أغانيه، قال (شعبولا) : "الريس ميه ميه والحمد لله بخير.. والصورة واضحة أهيه مش كدب ولا دوبلير.... كلام في الهوا اتنشر وكتر الاشاعات.. الريس برضه بشر من حقه يأخد أجازات" وآييييييييه.

3ــ أحكام السجن بحق صحفيين مصريين

اتهمت أجهزة الأمن المصرية أربع من رؤساء تحرير الصحف (المستقلة والمعارضة) بنشر أخبار كاذبة ــ 27ـ 30/8/2007 ــ والوقوف وراء اشاعات طالت صحة الرئيس، مما هدد الأمن القومي للبلاد. وقضت محكمة جنح (العجوزة)، يوم 13/9/2007، بالسجن لمدة عام، على كل من : وائل الأبراشي، رئيس تحرير أسبوعية "صوت الأمة" ، وإبراهيم عيسي رئيس تحرير يومية "الدستور" ، وعبد الحليم قنديل رئيس تحرير أسبوعية "الكرامة" وعادل حمودة رئيس تحرير أسبوعية "الفجر".

وكان مما نشرته "الدستور" يتضمن أن مبارك "يعاني من قصور في الدورة الدموية، ما يؤدى لإصابته بالاغماءات أحياناً وهو ما أضطره لزيارة برج العرب للقضاء على شائعة مرضه".
وقالت الأجهزة الأمنية : إن ذلك أدى إلى الإضرار بالأوضاع الاقتصادية، واضطراب سوق الأوراق المالية، وكذلك إثارة البلبة بالشارع المصري بتأكيده على أن قرارات الرئيس مبارك تصدر بشكل عاطفى بناء على مرضه. وهو ما أثبته (عيسى) بمقاله المعنون : "الآلهة.. لا تمرض" والذي أشار فيه إلى أن اصابة الرئيس بقصور في الدورة الدموية سينعكس سلباً على قراراته.

وأوضح المقدم (ياسرالمليجي) أن الصياغة التى كان عليها المانشيت الرئيس بالصحيفة حول سفر الرئيس للعلاج بفرنسا، هي محاولة للإيحاء بأنه خبر صادق وليس مجرد شائعة تتناقلها أوساط العامة، بما يعني سوء القصد في النشر.

وأكدت المحكمة أن كل ما نشر بهذا الشأن، يمس كيان الدولة، ويؤثر فى أفرادها، وقياداتها، وقيادات الحزب "الوطني" الذى يرأسه مبارك. وقالت انه ثبت لديها أن المتهمين لم يدفعوا بهذه الأخبار بالصدق أو الصحة في دفاعهم اثناء الجلسات أو مذكراتهم المقدمة بالدعوة، ومن ثم عجزوا عن إثبات صحة ما قاموا بنشره من أخبار، بل لم يقدموا في دفاعهم دليل نفي واحد على عدم حدوث أضرار بالمصلحة العامة.

الأحكام التي صدرت بحق الصحفيين لاقت قلق شديد على حرية الصحافة والتعبير في مصر، وعقب صدور الأحكام سادت حالة من الغضب لدى الصحفيين الذين احتشدوا داخل قاعة المحكمة تضامناً مع زملائهم، وخرجت الاحتجاجات والتظاهرات في قلب القاهرة تهتف "لا لتكميم الأفواه" وقد أظهرت تضامناًً غير مسبوق من كافة القوى النقابية والعمالية والشعبية.

ما دفع الرئيس مبارك إلى التأكيد ــ من جديد ــ على حرصه الشديد على حرية الصحافة، مشيراً إلى أن حرية الرأى والتعبير في الصحافة والإعلام اكتسبت مساحات متزايدة وغير مسبوقة منذ تحمله المسئولية. كما أكد ـ فى تصريحات لرئيس تحرير صحيفة "الأسبوع" ـ أنه لا رجعة إطلاقاً في هذه الحرية.

وشدد مبارك على أن الغالبية العظمى من كتاب مصر وصحفييها يلتزمون شرف الكلمة، وأن المشتغلين بالصحافة عليهم أن يتحملوا مسئولية تنقية الوسط الصحفي من ممارسات وتجاوزات لاتتوخى سلامة القصد، وتتنافى مع ميثاق الشرف الصحفي، وتنال من استقرار الوطن. ووجه الرئيس الدعوة إلى الصحفيين والكتاب لتحمل المسئولية والترفع عن الصغائر.

4ــ المظاهرات والاحتجاجات العمالية

تصاعدت حدة الاحتجاجات العمالية بشكل غير مسبوق في مصر، في ظل تدني الأجور والرواتب مع ارتفاع الأسعار بشكل جنوني في البلاد، وقد شملت هذه الاحتجاجات كافة الشرائح العمالية.

ــ ففي 6/6/2007 تظاهر العشرات من أعضاء "لجنة الدفاع عن الصحة" أمام مجلس الشعب، ضد قرار رئيس مجلس الوزارء بتحويل "هيئة التأمين الصحي" إلى شركة قابضة. وطالب المتظاهرون بتطوير نظام الرعاية الصحية، وتحسين خدمة التأمين الصحي، وزيادة الإنفاق علي قطاع الصحة، ورفع دخول الأطباء، وعدم تحميل المستفيدين من نظام التأمين الصحي أي أعباء مالية إضافية.

ــ ومن جانبهم، هدد أطباء مصر بالدخول في اعتصامات مفتوحة، واضراب عام في حال عدم استجابة الدولة لمطالب أكثر من 180 ألف طبيب بتنفيذ الكادر الخاص (زيادة في المرتبات)، مؤكدين أن القانون يعطيهم الحق في ذلك.

ــ وفي 9/10/2007 انطلقت ما سميت بـ "ثورة عمال مصر" من شركة غزل المحلة الكبري. عندما تظاهر 27 ألف عامل أمام أبواب الشركة، وعلت هتافاتهم ضد تصفية وبيع القطاع العام، كما هتفوا ضد الفساد واللصوصية ونهب المال العام السائد في مصر، وتزوير انتخابات العمال، وجاءت تظاهراتهم بالأساس احتجاجا علي خفض الأرباح والحوافز والمكافآت.. وقد اضطرت السلطات المصرية ــ أمام هذه الاحتجاجات ــ إلي إصدار منشور للعاملين بغلق المصانع إلي أجل غير مسمي.

كما هرب رئيس الشركة المهندس محمود الجبالي، بمساعدة مدير مستشفي الشركة، وأصدر مجلس الوزراء بيانا تهرب فيه من مسئوليته عن الأحداث.

وفي يوم 28/1/2007 تظاهر العشرات من صغار المستثمرين بالبورصة المصرية، أمام المقر الرئيس لبورصتى القاهرة والاسكندرية بوسط القاهرة، مطالبين هيئة سوق المال بالتدخل لوقف حالة الهبوط التى تعانى منها أسعار الاسهم. وطالب المتظاهرون بضرورة التدخل الفورى لوقف خسائرهم والتصدى للمضاربين الذين يسعون للتحكم فى اتجاهات السوق.

ويرى المراقبون أن هذه السلسلة من التظاهرات التي اندلعت في مصر، وخاصة العمالية منها، قد رسخت الحق في التظاهر في بلد اعتادت فيه الدولة على تقييد الحريات، معتبرين أن هذه الاحتجاجات ساهمت في إنهيار حاجز الخوف لدى رجل الشارع المصري الذي يعيش تحت حالة الطوارئ المستمرة منذ قرابة ربع قرن.

5ــ الاعتقالات في صفوف الإخوان

شدد النظام المصري من حملة اعتقالاته ضد جماعة "الإخوان المسلمون" وباقي فصائل الحركة الإسلامية في البلاد.

ــ فبين يومي 12و19مايو 2007، اعتقلت قوات الأمن 87 عضواً من الإخوان ــ حركة المعارضة الأكبر في مصر ــ وجاء 64 من المعتقلين من مناطق كانت تتقدم فيها الجماعة بمرشحين في انتخابات مجلس الشورى. وفي 28 مايو، قامت الشرطة باعتقال ثلاثة مرشحين يخوضون الانتخابات كمستقلين، إلا أنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان، وهم من بلدة ميت غمر الواقعة على دلتا النيل.

وفي تعليق لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" قال جو ستورك نائب رئيس قسم الشرق الأوسط : "في الأسبوع الذي تباهت فيه مصر بانتخابها عضواً في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة؛ كانت تجري اعتقالات بحق مجموعات من الأشخاص، فقط جراء ممارستهم لحقهم في حرية التنظيم والتعبير".

كما قامت هيومن رايتس ووتش بجمع أسماء أكثر من 1000 عضو من الجماعة تعرضوا للاحتجاز بين مارس 2006 ومارس 2007. وجاء التصعيد في الاعتقالات متزامناً مع المحاكمة العسكرية لثلاثة وثلاثين عضواً من الجماعة، إذ كان من بين الخاضعين للمحاكمة، بتهم الإرهاب وغسيل الأموال، خيرت الشاطر، نائب المرشد الأعلى للجماعة، والذي تم اعتقاله في 14 ديسمبر 2006، ومعه 16 من الأعضاء البارزين الآخرين في الجماعة.

وفي 29 يناير 2007، قضت محكمة جنائية بالقاهرة بتبرئة خيرت الشاطر ومن معه من المتهمين من كل التهم الموجهة إليهم، وأمرت بإطلاق سراحهم على الفور.. إلا أن السلطات قامت باعتقالهم مجدداً بعد لحظات من النطق بالحكم، وفي 4 فبراير أمر الرئيس حسني مبارك بتحويل القضية إلى محكمة عسكرية متجاهلاً ما توصلت إليه محكمة الجنايات.

وفي 19/١/٢٠٠٧ قامت أجهزة الأمن باعتقال نحو ٧٣ من الإسلاميين المنتمين للتيار السلفي بمحافظة المنوفية، بدعوي أنهم يشكلون تنظيماً يدعم جماعة الإخوان المسلمين. حيث داهمت قوات الأمن قرية (الأخماس) التابعة لمدينة الخطاطبة، وألقي القبض علي المجموعة التي كان في مقدمتها الشيخ عطية عدلان الداعية السلفي المعروف، وتمت مصادرة أجهزة كمبيوتر ومتعلقات أخري خاصة بالمعتقلين. وأوضحت المصادر أن عمليات الاعتقال توسعت أثناء الحملة الأمنية ضد الإخوان المسلمين، مؤكدة أن أجهزة الأمن لم تقدم المعتقلين إلي النيابة.

وفي تطور مفاجيء، اعتقلت الأجهزة الأمنية نائبين للإخوان المسلمين في مجلس الشعب بمنزليهما في محافظة المنوفية‏. وتم اتهام النائبين رجب أبوزيد‏،‏ وصبري عامر، اللذين ينتميان للجماعة بعقد عدة لقاءات تنظيمية،‏ والعمل علي إثارة الرأي العام،‏ وتأليب المواطنين،‏ وتحريضهم على القيام بمظاهرات تهدف الإخلال بالأمن‏.‏

وفي يوم 17/ 8 / 2007 هاجمت قوة من أمن الدولة منزل رجل الأعمال المصري البارز وأمين عام الإخوان في محافظة الجيزة، نبيل مقبل، واعتقلته و(16) من قيادات الصف الأول بالجماعة. ومقبل عضو بمجلس شوري الجماعة، ومن رجال الأعمال البارزين في مصر، كما أن ابنه أحمد متزوج منذ سنتين من ابنة الفنان المصري عادل إمام، حيث تعرف عليها أثناء دراسته لإدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في القاهرة.

وكان من بين المعتقلين : عضو مكتب الإرشاد الدكتور محمود حسين، والدكتور عصام العريان، والدكتور أحمد عمر، والسيد نزيلي، والمهندس نبيل مقبل، والدكتور سناء أبو زيد، والدكتور محمد كمال، والشيخ حمدي إبراهيم، والدكتور محيي الزايط، والمهندس حسام أبو بكر، والمهندس خالد البلتاجي والدكتور علي عز الدين ثابت، وسيف الدين مغربي، وأسامة حسنين، وهمام علي يوسف، ومحمد عبد الفتاح إبراهيم.

إذ تظل اعتقالات ــ في ظل هذا الإصرار السلطوي ــ نذير سوء يهدم أي أمل في حوار أو لقاء أو مصالحة وطنية يكفر فيها النظام عن أخطائه بحق الشعب طيلة هذه السنين.

6ــ معركة قضاة مصر

تسبب مشروع قانون "مجلس الهيئات القضائية" الذي أعدته وزارة العدل المصرية، في ثورة غضب عارمة بين جموع القضاة ومجالسهم العليا، وفتح الطريق أمام صدام جديد بينهم وبين السلطة، إلى أن رفضت الهيئة القضائية العليا لمجلس الدولة مشروع القرار، لمخالفته الدستور، وتعارضه مع قانون المجلس، وإهداره استقلال القضاء.

وكان من المقرر- فى حال إقرار المجلس لهذا المشروع- أن يصدر قرار من رئيس الجمهورية بالقانون الجديد ليتم الدفع به إلى مجلسي الشعب والشورى لإقراره خلال الدورة البرلمانية الحالية، وهو ما أعطى مشروع القانون أبعاداً سياسية، وأثار علامات الاستفهام حول توقيت طرحه والنقاط التى ركزت عليها مواده.

فمشروع القانون- المكون من ثمانى مواد- والذى أعده وزير العدل، اعتبره القضاة محاولة منه للسيطرة على شئون القضاء، والنيابة العامة، وجميع الهيئات القضائية. إذ أن فى مادته الثالثة يعطى المشروع الحق لوزير العدل فى رئاسة جميع رؤساء الهيئات القضائية بالإضافة إلى النائب العام ورئيس محكمة استئناف القاهرة، كما يقضى بتقليص الحصانة المنصوص عليها قانونا وتعد سمة أساسية للقضاة تجعلهم يمارسون عملهم باستقلال وحياد وتجرد إلى درجة إلغائها.

واعتبر القضاة أن مشروع القانون أخطر عدوان على القضاء المصرى واستقلاله، ويعيد أجواء مذبحة القضاء فى الستينات، لأنه يعطى للسلطة التنفيذية حق إحالة أى قاض إلى المحاكمة الجنائية دون الانتظار لموافقة السلطة القضائية المختصة من عدمه، ويأتى فى سياق تنفيذ التعديلات الدستورية ضد السلطة القضائية بعد إقصاء القضاة عن الإشراف القضائى على الانتخابات.

7ــ قضية التعذيب في أقسام الشرطة

يستحق 2007 أن يسمى "عام التعذيب حتى الموت في مصر"، وإذا كان التعذيب والإهانات التي يتعرض لها المصريون في أقسام الشرطة والمعتقلات قديمة، إلا أن الكشف عنها بهذه الوسائل الحديثة هو الجديد، حيث تمكن ناشطون ومعارضون من الكشف عن عدد من حالات التعذيب كان قد تم تصويرها "فيديو" من خلال كاميرات أجهزة التليفون المحمول. وظهرت كليبات التعذيب لمتهمين في أقسام الشرطة المصرية مما أثار الجدل، وتم تحويل بعضها إلى التحقيق.

ففي 24/2/2007 نشر موقع إليكتروني كليب تعذيب يظهر فيه شخص يرتدي زي أمين شرطة، وهو يضرب ٤ شبان علي أقفيتهم ومؤخراتهم مستخدماً يديه، وما يبدو أنه عصا غليظة أو ماسورة بلاستيكية. بينما يقوم شخص آخر - قال الموقع إنه ضابط شرطة - بتصوير حفل التعذيب، معلقاً علي وقائع الصفع والضرب بصوته، وأشار الموقع إلي أن التعذيب استمر لمدة ساعة كاملة.

وينتهي "الكليب" بأمر من الشخص - الذي قال الموقع إنه ضابط شرطة - للشبان الأربعة بالاستدارة وإظهار ما سماه بـ"الزغبوطة" ، التي اتضح من مجريات الكليب أنها المؤخرات التي ضربهم أمين الشرطة عليها أكثر من مرة، بينما يعلق صوت القائم بالتصوير" حلوة دي.. جامدة أوي".

ــ مشهد آخر يصور فتاة تتعرض لعملية تعذيب بشعة داخل أحد أقسام الشرطة، بدأ الكليب بصراخ الفتاة وهي معلقة في الخشبة، من رجليها : "والنبى يا باشا.. إيدى بتتقطع" توسلات دون جدوى. ثم تصرخ قائلة : "أنا اللي قتلته.. أنا اللي قتلته" إذ كانت متهمة في قضية قتل، بينما الضابط الذي يقوم بتصويرها يبدو وكأنه يتلذذ بطريقة التعذيب، فهو يثني على صراخها وبرغم اعترافها بالقتل ربما عن حق أو من جراء التعذيب، وهو غير مكترث لأنه منهمك في ضبط (زووم) الكاميرا.

ــ بدأت هذه الكليبات تنتشر عقب الحالة الشهيرة، حالة الشاب "عماد الكبير" ــ صاحب أشهر وأول كليب ــ الذي ظهر وهو يصرخ وملقى على الأرض بينما أحد الضباط يدخل في مؤخرته عصى التعذيب.. مشهد بشع ــ رغم أنه لم يكن غريبا لعلم جميع المصريين تقريباً أن أكثر من ذلك بكثير يحدث معهم ــ إلا أنه وضعهم أمام حقيقة الواقع وجعلهم يتساءلون ألهذا الحد يسخر منا أولى السلطان.

8 ــ البرنامج النووي المصري

أعلن الرئيس حسني مبارك، يوم 29/10/2007 أن مصر بصدد بناء عدد من المحطات النووية، مما شكل إعادة إطلاق البرنامج النووي المصري الذي أعلنت الحكومة قبل عام أنها تعتزم إخراجه من الأدراج والبدء في تنفيذه بعد أن جمدته لمدة عشرين عاماً.

وأكد مبارك أنه سيتم إنشاء مجلس أعلى للاستخدام السلمي للطاقة النووية، توطئة لبناء المحطات النووية من دون أن يحدد عددها أو المدى الزمني الذي سيستغرقه بناؤها. قائلاً : "إنني اتخذت هذا القرار الاستراتيجي متحملاً مسئوليتي كرئيس للجمهورية".

سريعاً علقت جهات في المعارضة ومثقفين مصريين بأن حقيقة الموضوع تأتي في إطار التلاعب السياسي بحلم وطني، وقال عبدالحليم قنديل في مقال له تحت عنوان "مشروخ مبارك النووي" : "كأن المقصود بالاستخدام السلمي هو الاستخدام السياسي.. وكأن المقصود باستبعاد حلم القنبلة الذرية هو استحضار قنبلة التوريث السياسية". وليس أدل على ذلك أنه "لم يهتز رمش ولا أرتعش صوت مع إعلان مبارك المسرحي"، بشأن قضية بخطورة المشروع النووي، وبدت تعقيبات المتحدث باسم البيت الأبيض كأنها تمتمات عن حالة الطقس، فيما التزمت إسرائيل بالصمت البليغ، وبدت في حالة لا مبالاة ملفته، وكأننا بصدد شيء متفق عليه، وباجماع كرادلة واشنطن وحاخامات تل أبيب.

9ــ الجدل حول الفتوى الشرعية

ظهر عدد من الفتاوى الصادرة عن مؤسسات شرعية وقد أحدثت جدلا واسعاً في الشارع المصري والعربي.فقد تعرض الدكتور على جمعة ــ مفتي الديار المصرية ــ لهجوم غير مسبوق بعد أن أفتى بأن سائق السيارة المسرع ليس عليه لوم إذا صدم شخصاً وقف في طريق سيارته. وهي الفتوى التي صدرت بعد أيام على مقتل سيدة مصرية حاولت منع الشرطة من القبض على احدى قريباتها، فتعلقت بسيارة الشرطة التي دهستها وانطلقت مسرعة.

ومن جهته، برر وزير الأوقاف محمود حمدي زقزوق عدم تطرق أئمة المساجد إلى التحدث عن التعذيب في أقسام الشرطة بأنه "أمر مبالغ فيه وحالات ضئيلة ووزارة الداخلية تحقق فيها فوراً".

وقد وصل حد الجدل أن قاطع د. على جمعة اجتماعات مجمع البحوث الإسلامية (أكبر هيئة إسلامية في مصر) والذي يترأسه شيخ الأزهر وتغيّب عن اجتماعات العلماء مفضلا تسجيل برنامج تلفزيوني!.

ورفض مجمع البحوث الإسلامية برئاسة شيخ الأزهر عدة فتاوى للدكتور علي جمعة، منها فتوى "شرب بول الرسول" ، وغرقى الهجرة غير الشرعية التي وصف المفتي ضحاياها بأنهم "طماعون" وليسوا شهداء.

وكان على جمعة قد افتى أيضاً بأنه لا يصح للمرأة ارتداء النقاب في الدول الأجنبية المسافرة إليها، لأن ذلك ــ حسب رأيه ــ يعد على عكس عادة البلد، وقد يسبب مشاكل سياسية بين الدولتين. أما عن الحكم في لبس المرأة البنطلون فقد زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحل لبس المرأة للبنطلون. ورد على سؤال عن الصلاة في المساجد التي بها أضرحة، بقوله: ان الصلاة في المساجد التي بها أضرحة تضم أهل البيت والأولياء والصالحين مشروعة لأن الصلاة لله تعالى وليست لصاحب القبر أو الضريح.

10ــ إلغاء الدعم

تحدثت تقارير إعلامية عن اعتزام الحكومة المصرية إلغاء الدعم المالي على سلع مصيرية، يعتمد عليها الفقراء والمهمشون. وقالت المصادر: إن الدعم الذي تقدمه الحكومة لرغيف الخبز البلدي بمبلغ ١٣ مليار جنيه سنويا، إضافة إلي ٣٧ ملياراًً لدعم البنزين ومصادر أخري للطاقة سيتم إلغاؤه، مما أثار المخاوف لدى القطاعات العريضة من المصريين.

وبعد أن صرح وزير التضامن الاجتماعي، بأنه لن يبقى فقير واحد في مصر، إذا نجحت مهمتي. علق المعارضون بالقول : لعلمنا بنوايا الحكومة، فسوف نصحح له الجملة: "لن يبقى فقير على قيد الحياة".

ومن جهته، شدد الدكتور سمير رضوان، مستشار رئيس هيئة الاستثمار، رئيس منتدي الدراسات الاقتصادية الدولية، علي ضرورة الإبقاء علي الدعم، لأنه يحفظ التوازن بين الأجور والغلاء، محذراً في الوقت نفسه من أن إلغاءه سوف يؤدي إلي زيادة عدد الفقراء بنسبة ٧% عن الوضع الحالي. وقال رضوان: إن معدل الفقر في مصر ارتفع في الفترة الأخيرة، وهناك دراسات تؤكد وجود ١٠٠٠ قرية منها ٨٢١ في الصعيد، و٢٠٠ حي تعاني الفقر الشديد.

ولم تهدأ الأمور حتى أعلن الرئيس مبارك أنه لا إلغاء للدعم علي الاطلاق. وقال إن الدعم موجه أساساً لمصلحة الطبقات محدودة الدخل، التي تحتاج إلي مساندة ولذلك لن يتم رفعه أو المساس به ولانية لذلك علي الاطلاق من جانب الحكومة.

11ــ المراجعات الفكرية لجماعة الجهاد

من داخل المعتقلات المصرية خرج الحديث حول المبادرة التي طرحها قيادات تنظيم "الجهاد" يتم من خلالها نبذ العنف وترشيد الأعمال الجهادية في مصر. وخرجت "وثيقة ترشيد الجهاد" التي أعدها الدكتور سيد إمام (الدكتور فضل) ــ القيادي المنظر في الجهاد وأحد مؤسسي التنظيم ــ 18 نوفمبر 2007. وتتضمن جملة من الأمور تمثل تراجعا عن أفكار الحركة التي طالما دعت لقلب أنظمة الحكم العربية بالقوة.

المراجعات الفكرية التي أعلنها تنظيم الجهاد، تعد الأولى للتنظيم منذ 33 عاماً، وصفها متابعون للحركات والجماعات الإسلامية بأنها تحول نوعي في أفكار تنظيم الجهاد، بينما قال بعضهم إن الوثيقة ولدت من خلف القضبان وبإيعاز من أجهزة الأمن.

12 ــ انتخاب مكرم محمد أحمد نقيباً للصحفيين

انتخب الصحفيون المصريون يوم 17/11 / 2007، مرشح النظام مكرم محمد أحمد، نقيباً لهم بعد منافسة دارت تحت شعار "لا لحبس الصحفيين" كان ينافسه عليها رجائي الميرغني. وقال النقيب الجديد الذي سبق وأن زار إسرائيل : إن "النقابة مكان للبحث عن مصالح الصحفيين وحقوقهم، أما الإعلان عن الاختلاف مع النظام ومعارضته، فهذا مكانه الأحزاب".

وأعلن مكرم أن الـ (200) جنيه التي حصل عليها من الحكومة ستكون بداية خطة لتحسين الأجور، ويقول صحفيون : إن مساندة الحكومة القوية عبر الدعم المالي ــ الـ 200 جنيه على زيادة البدلات النقدية التي تصرفها النقابة للصحافيين ــ والذي اعتبره خصومه رشوة، كان بمثابة العنصر الحاسم.

13ــ تجريم التظاهر في المساجد والكنائس

تقدمت الحكومة المصرية بمشروع قانون وقعه الرئيس مبارك في 28 نوفمبر2007 تحت عنوان "الحفاظ علي حرمة أماكن العبادة" يفرض حظراً علي تنظيم التظاهرات لأي سبب كان داخل أماكن العبادة (المساجد والكنائس) أو في ساحتها. ومن شأن هذا القانون أن يفرض عقوبة السجن لمدة عام وغرامة تصل إلى خمسة آلاف جنيه علي منظمي هذه المظاهرات، فيما سيعاقب المشاركون فيها بالسجن ستة شهور وغرامة ألفي جنيه.

وفي المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، قال رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف : لقد انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة استغلال ساحات أماكن العبادة للتجمهر والتطاول في بعض الحالات علي كبار علماء الدين، وغيرها من تصرفات غير لائقة ومحرمة في هذه الاماكن المقدسة، مما يلزم معه التصدي لهذه الظاهرة من خلال نصوص آمرة.. إن لأماكن العبادة حرمتها التي يجب صونها والحفاظ عليها.

وعادة ما يقوم نشطاء مصريون مسلمون بالتظاهر داخل الجامع الأزهر في محاولة للاحتماء بقدسيته اذا قررت قوات مكافحة الشغب البطش بها، أو في مسعي لجذب الآف المصلين الذين يشاركون في صلاة الجمعة.

وحسب مراقبين "فان ظاهرة التظاهر في الجوامع المصرية للاحتجاج علي قضايا سياسية واجتماعية غير دينية قد انخفضت بشدة خلال عامي 2005 و2006 عندما نجح النشطاء السياسيون في نقل احتجاجاتهم الي شوارع وسط القاهرة وخاصة سلالم نقابة الصحفيين من خلال تجربة الحركة المصرية من أجل التغيير

الأحد، ديسمبر 09، 2007

دبلوماسية النهب المنظم.. رايس في أفريقيا


علي عبدالعال

طيرت وسائل الإعلام نبأ الزيارة الأولى، منذ عقدين من الزمان، لوزير بالخارجية الأمريكية إلى إثيوبيا، وهي الزيارة التي قامت بها كوندوليزا رايس يوم الأربعاء 5/12/2007م، ومنحها الإعلام والمراقبون على حد سواء أهمية كبيرة.. فلأي سبب تذكر الأمريكيون "إثيوبيا" حليفتهم الأفريقية الفقيرة حتى يرسلوا إليها الدكتورة (كوندي).

المعلن من أجندة رايس: مباحثاتها مع بعض الزعماء الأفارقة، حول قضايا مأزومة بمناطق القرن الأفريقي، والبحيرات العظمى، تتعلق بدول جنوب الصحراء (أوغندا، ورواندا، وبوروندي، والكونجو، والصومال، والسودان، وإريتريا، وجيبوتي، وإثوبيا)، وهي ملفات يريد الأمريكيون التخلص منها لما تحتويه من مخاطر.

فالمهمة الأساسية لجولة رايس هي التعامل مع البؤر الساخنة في أفريقية، والمساعدة على اخمادها أو حتى تهدئتها, لأن انتشار التوتر في القارة السمراء بالتأكيد ليس في صالح الولايات المتحدة، التي شاءت لها الأطماع التوسعية، وأمراض الهيمنة، والأحادية القطبية أن تغرق حتى أنفها في أوحال العراق وأفغانستان بالتزامن تماماً مع الرغبة المحمومة في الاشتباك مع الإيرانيين.

وقد أبلغت رايس الصحافيين الذين رافقوها على الطائرة، أنها تريد التوصل لسياسات مشتركة للتعامل مع ما تقول واشنطن أنها "قوى سلبية".

ولا تمتلك الولايات المتحدة حلولاً سحرية لمشاكل القارة الأفريقية، لكنها تملك السطوة والإغراءات المالية التي يمكن استخدامها لحث الأفارقة على التجاوب مع الخطط الأمريكية في اللقارة.

وقد نال "القرن الأفريقي" حيز هام من سلسلة اجتماعات أجرتها الوزيرة الأمريكية، حذرت خلالها من اندلاع الحرب مجدداً في هذه المنطقة، التي لازال بها أكثر من بؤرة قابلة للاشتعال في أي وقت.

وإن كانت الصومال حاضرة بقوة في القرن الإستراتيجي فإن رايس جاءت هذه المرة بالعصا والجزرة معاً. فهي من باب طالبت القادة الأفارقة بإرسال المزيد من القوات العسكرية إلى هناك لتحل محل القوات الإثيوبية، التي انهكتها عمليات المقاومة في هذا البلد، كما دعت ــ من باب آخر ــ الحكومة المؤقتة إلى التوصل لتسوية سلمية مع المعارضة المسلحة لوقف القتال. وحثت رئيس الوزراء الجديد، نور حسن حسين، على أن يكون أكثر "شمولاً" في عملية تشكيل حكومته الهشة، مؤكدة على ما قالت : إنه "موقف الولايات المتحدة حول أهمية الاستقرار وتعزيز مناخ المصالحة الوطنية". وهو منحى سلمي جديد لم يكن منذ عهد قريب من شيم واضعي السياسة الأمريكية، غير أن الأمريكيين ما كان ليفوتهم رمي الشباك في كل الاتجاهات.

وفي إطار العصا، أثنت المسؤولة الأمريكية على القوات الأوغندية في الصومال، لكنها حرصت على القول: "بكل صراحة هم في حاجة إلى أن تنضم إليهم قوات عسكرية أخرى". خاصة إذا كانت الولايات المتحدة عرضت المعونات على الدول الأفريقية التي ستقبل بإرسال جنودها إلى الصومال.

وفي إشارة إلى الحليف الإستراتيجي المتورط وحده بـ40 ألف جندي في المستنقع الصومالي، قالت رايس: "لا ينبغي أن تظل القوات الإثيوبية بالصومال بعد مدة معينة، لذا فالحاجة تدعو إلى قوات" من دول أخرى.

واشنطن التي تنظر إلى الصومال باعتباره "مفتاح عدم الاستقرار في القرن الأفريقي" أغرت نظام ميليس زناوي بغزوها وإسقاط سلطة "المحاكم الشريعية" الإسلامية فيها، بما أرسته من استقرار وعدالة في هذا البلد العربي المسلم الفقير، ولما تم للحليفين ما أرادا استيقظا على كابوس المقاومة الوطنية، ذلك الشبح الذي استخدم معه الأمريكيون وحلفاؤهم ــ في الشرق والغرب ــ كل الإمكانات من أجل استئصال شأفته دون نتيجة.

وقد جاءت رايس هذه المرة لتقول : إنها ورئيس وزراء إثيوبيا "أكدا على ضرورة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار" بين الحكومة والمعارضة المسلحة، إلا أن الأوضاع هناك بحاجة إلى المزيد من القوات الأجنبية لحفظ السلام ــ الذي استباحه الأمريكيون بأيدي إثيوبية وصمت أممي ــ في الصومال.

أما الحليف الذي كان يأمل في إعلان الصومال جزء لا يتجزء من الأراضي الإثيوبية، فقد استبق قدوم رايس بيوم واحد وناشد (المجتمع الدولي) التدخل. إذ تضمن بيان لوزارة الإعلام الإثيوبية، أن: "إثيوبيا تقوم وحدها، دون معاونة"، لذا فإن حكومة زناوي تعول على نشر قوة أفريقية كي تتمكن من سحب جيشها المتورط هناك.

فبعد سيطرة قواتها المسلحة على الصومال، كانت إثيوبيا ــ الدولة التي لا تملك منفذًا بحريًا ــ أعلنت تأسيسها قوة بحرية قوامها خمسة وعشرون ألف جندي كنواة لقواتها البحرية الجديدة، على السواحل والأراضي الصومالية، وهي القوة التي شرع ضباط أمريكيون في تدريبها وإمدادها بالسلاح، وهو أمر كان يشير إلى مدى عزم أديس أبابا على البقاء طويلاً هناك.

وقد أتت الرياح بما لم تشتهيه سفن زناوي، إذ تقول التقارير والمراقبون للقتال الدائر ، أن قوات المحاكم الإسلامية باتت تسيطر على ثلث الأراضي الصومالية، بالرغم من إقصائها عن الحكم بقوة السلاح منذ ما يقرب من عام. ويقول الخبير الصومالي في الشئون الإستراتيجية محمد الأمين الشيخ: "على الأرض تسيطر المحاكم الإسلامية الصومالية على ما يقرب من 30% من التراب الصومالي، حيث تحكم سيطرتها على المحافظات الجنوبية (جوبا الوسطى وجوبا السفلى والشبيلي السفلى وهيران وجلجدود) باستثناء المدن الرئيسة.

وأضاف: "إن جماعات قبلية وأغلبها معادية للحكومة وقريبة من المحاكم تسيطر على 40% الأراضي الصومالية، في حين تخضع نحو 25% من الأراضي الصومالية لحكم ذاتي مثل ولايات (بونت لاند) و(صومال لاند)، أما الحكومة ــ الموالية للاحتلالين الأمريكي والإثيوبي ــ فلا تسيطر إلا على نحو 5% من الأراضي الصومالية وهي غالبًا المدن الرئيسة".

ولا تكاد هذه الحكومة التي يعتبرها الشعب الصومالي أداة بيد الاحتلال أن تسيطر حتى على المباني التي من المفترض أن يقيم فيها وزراؤها، الذين فضل معظمهم الإقامة في بلدان أخرى كإثيوبيا وكينيا، في اعتراف واضح بانعدام سيطرة القوات الموالية لهم على جزء من مقاليد البلاد.

الأربعاء، ديسمبر 05، 2007

مجالس العشائر صحوات من سراب



علي عبدالعال
Aly_abdelal@yahoo.com

أخذت المجموعات العشائرية المسلحة المعروفة بـ "مجالس الصحوة" في العراق، والمدعومة أمريكياً بالمال والسلاح، أخذت تبرز على الساحة السياسية والإعلامية بقوة، وخاصة بعد بروزها على الساحة الميدانية، بعد أن سجلت نجاحات عجزت عنها قوات الاحتلال الأمريكية في مواجهتها أمام تنظيم "القاعدة" وباقي فصائل المقاومة.

ومع تحقيق هذه النتائج على الأرض، تحولت مجالس الصحوات إلى ما يشبه "طوق النجاة" أو مهديء الأعصاب الفعال الوحيد للأمريكيين في العراق. حتى أن المحتلين أخذوا ينقلونه إلى حيث حلوا من مناطق العالم، إذ أن غاية ما يريده الغزاة هو تأمين المناطق التي يتمركزون فيها.. ففي أفغانستان ــ مثلاً ــ بدأ العمل على إنشاء "مجالس صحوة عشائرية" مماثلة، بل ويجري إقناع النظام الباكستاني بتعميم هذه التجربة بمناطق القبائل الحدودية مع أفغانستان.

وفي أول لقاء جرى بين ديفيد بترايوس ــ قائد قوات الاحتلال الأمريكي ــ وعبد الستار أبو ريشة، الذي اغتالته المقاومة فيما بعد، قال أبو ريشة مبشراً الأمريكيين: "سنقضي على الإرهابيين، وحينما نهزمهم هنا، نستطيع الذهاب معكم للقضاء عليهم في أفغانستان".

وقد صرح عسكريون أمريكيون بأن ثمة ضغوطاً كبيرة كانت تمارس ــ وعلى مستويات عليا ــ في واشنطن، لإعادة تحقيق نجاحات "الصحوة" بمحافظة الأنبار.. بمعنى استنساخها في مناطق أخرى. وقد وصل هذا الاتجاه أقصاه في فترة التحضير للإدلاء بشهادات أمام الكونجرس أدلى بها كبار القادة العسكريين والسفير الأمريكي في بغداد. فيما بدى أن الولايات المتحدة اهتدت أخيراً إلى حلفائها الجدد، الذين سيقاتلون نيابة عنها لـ "نشر الديمقراطية"، وسينتشلوا جنودها من وحل العراق.

بدايات الشرارة الأولى

بدأت الشرارة الأولى لـ "مجالس الصحوة" في محافظة الأنبار(أكبر محافظة سنية غرب العراق) عندما عاد عبدالستار أبوريشة من الأردن، ليقود تحالفاً عشائرياً سنياً لمواجهة "القاعدة" تحت مسمى "مجلس صحوة الأنبار".

ومنها انطلقت شرارة الصحوات إلى محافظات أخرى، مثل : ديالى، وصلاح الدين، ونينوى، وبغداد أخيراً التي تأسست بها صحوات في مناطق، الدورة، والعامرية، والسيدية، والخضراء، واليرموك، والمنصور، والجامعة، والغزالية، والأعظمية، والفضل، ومناطق حزام بغداد الشمالي والجنوبي والغربي. حتى قال جريجوري سميث ــ مدير فرقة الاتصالات في الجيش الأمريكي ــ إن مجالس الصحوة وصلت في العراق إلى 186مجلساً تعمل في 186 منطقة، وينتظم في صفوفها 77 ألف عنصر مسلح.

إذ شرع زعماء قبليون في إغواء الشبان لتشكيل دوريات وأفواج مسلحة، بحجة تأمين مناطقهم السكنية، بينما هي تهدف في الأساس لمطاردة المقاومة الوطنية وطعن عناصرها من الخلف، بالإضافة إلى رفع العبأ عن كاهل جنود الاحتلال الأمريكي. وحقيقية استطاعت تلك المجموعات تحقيق نجاحات على المستوى المرحلي، وتمكنت من إعاقة تحرك المقاومين في هذه المناطق، وربما محاصرتهم في بعض الأجزاء، وتضييق الخناق عليهم.


ولما وجد الأمريكيون ضالتهم في هذه الوحدات، شرعوا في تدريبها وإغراق قادتها وعناصرها بالمال والسلاح، حتى أن صناع القرار في البيت الأبيض أدخلوا فقرة دعم المجالس ورجالها، وجعلها في صلب الإستراتيجية الأمريكية.

ومما يذكر هنا أن البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) أنفق حتى الآن أكثر من 62 مليون دولار على تسليح العشائر وتمويلها، ضمن برنامج من المتوقع أن يكلف الخزينة الأمريكية مليارات الدولارات، وقد برر الجيش الأمريكي ذلك بوحدة الهدف المشترك الذي يجمعه وهذه المجالس.

موقف القوى العراقية المختلفة من الصحوات

إن الاحتضان الأمريكي للمجالس، وطبيعة الدور الذي بات مطلوباً منها، والانصياع التام لدى قادتها، والتهديد الذي قد تشكله على البلاد وأمنها واستقرارها ومستقبلها، أثار تخوفات عديدة لدى العراقيين، أفراداً وجماعات ومؤسسات، وإن اختلفت هذه التخوفات بإختلاف منطلقاتها ومشاربها.

** القوى السنية

من جهتها، حذرت "هيئة علماء المسلمين" من مجالس الصحوات على طول الخط ، وإن لم يخرج التحذير عن الإطار الهاديء المتحفظ الذي عرفت به الهيئة. إذ دعا الشيخ حارث الضاري شيوخ العشائر ألا يكونوا جزءاً من المخططات الأمريكية التي تهدف إلى إضعاف وتفتيت العراق وجعْله كانتونات ومناطق مسلحة.

وفي مقابلة مع قناة "الجزيرة" قال الأمين العام لهيئة علماء المسلمين : إن ما يسمى بصحوة العشائر ظاهرة مثل ظواهر كثيرة موجودة في العراق، متهماً الإعلام بالمبالغة في تصويرها.
وأوضح الشيخ : أنه يعرف بحكم اتصاله بالقبائل أن العشائر العراقية لم تنتفض (كما يقال) وإنما من قام بذلك هم مجاميع وأفراد من أبناء العشائر ساروا في هذا الطريق لأسباب معروفة، مشيراً إلى أن القبائل تعتبر ظاهرة الصحوة عبئا عليهاً.. واتهم الضاري بعض المسؤولين العراقيين ببيع العراق وتقديمه على طبق من ذهب.

وفي نفس السياق، هاجم شيخ عشائر "شمر" الشيخ عزيز نزهان الصديد "مجالس الصحوة"، قائلاً : إنها ليست صحوة بل غفوة، فالصحوة تطرد المحتل ومن جاء معه, لا تسانده وتدعمه في مواجهة أبناء جلدتنا. وتابع : أعتقد أن من ينتسب إلى ما يسمى زوراً "الصحوة" ليس إلا شاذاً وأفاقاً, إذ كيف يمد هؤلاء أيديهم للمحتل الذي قتل أطفالنا ودمر بلدنا... إن عشائر "الدليم" ــ كبرى عشائر الأنبار ــ مازلوا على موقفهم الرافض لما يسمى مجالس الصحوة.

وأضاف: "الأمريكيون أتوا لاحتلال بلدنا، ونحن مجبرون على مقاتلتهم". مؤكداً أن "مجلس شيوخ العشائر" الذي هو أحد أعضائه، لن يضع يده في يد المحتل الأمريكي.

كما اعتبر الشيخ عبد الرحمن العبيدي ــ أحد رؤساء "العبيد" الذي تمتد اقطاعياته من سهول كركوك إلى صلاح الدين ــ اعتبر أن الاندفاع الأمريكي باتجاه مجالس الصحوة "وصفة للنزاعات الدموية لا نهاية لها بين القبائل". وأوضح أن قائد القوات الأمريكية، في كركوك، اعتقل ابنه واثنين من أبناء عمه "بتهم زائفة"، فقط ، لأنه رفض تشكيل "مجلس يقظة". وتابع : "إنها لفتنة شنيعة تلك التي يبذرها الأمريكان.. إنهم يريدونك أن تقتل إخوانك وأبناء عمومتك.

ومن جهته، حذر رئيس عشيرة "البكارة" الشيخ جمعة الدوار من هذه المجالس، طالباً من شيوخ العشائر أن ينتموا لوطنهم وتاريخهم، مشيراً إلى أن أبناء العشائر العربية في الجنوب، ورثة ثورة العشرين، هم الذين بدأوا المقاومة وكبدوا قوات الاحتلال خسائر فادحة. مؤكداً في الوقت نفسه أن مدينة الموصل، تمثل حاضنة شعبية واسعة للمقاومة العراقية التي تتشكل من أبناء العشائر العربية، ويقودها ضباط الجيش العراقي الباسل.

وكان مشايخ عشيرة "الدليم" ــ التي ينحدر منها رئيس مجلس صحوة الأنبار عبدالستار أبو ريشة ــ قد نبذوه من بينهم ونفوا عنهم أي دور في مساعيه لدى المحتل، وأصدروا بياناً قبل أن يقتل، جاء فيه: "نود أن نوضح بأن المدعو عبد الستار أبو ريشة لا صلة لنا به سوى القرابة والنسب، وهو ليس شيخ العشيرة أو المخول بالتحدث باسمها". حيث اتضح من هذا البيان أن أبو ريشة لم يكن هو الشيخ المعتمد في عشيرته، لكنه فقط استطاع إقناع الأمريكيين بنفوذه ليدعموه.

وعلى صعيد المقاومة، اعتبرت "جبهة الجهاد والتغيير" أن ظاهرة مجالس الانقاذ أو الصحوات، ما هي إلا مشروع أمريكي من أجل ضرب المقاومة العراقية، بحجة تصفية القاعدة. وقال الناطق الرسمي بإسم الجبهة، ناصر الدين الحسني : إن ظاهرة المجالس دليل فشل الاحتلال ومشروعه.. أما عن موقفنا من العشائر فنحن نفصل بين مشروع مجالس الإنقاذ وبين عشائرنا العراقية الأصيلة المعروفة بمواقفها المشرفة، والتي كانت وما زالت المعين الرئيس للمقاومة العراقية، وبالنسبة لحجم التعاطف الشعبي معنا فإن حاضنتنا الشعبية هي أهم ما نملك في جهادنا المنضبط ، ونسعى للمحافظة على هذا التعاطف ونعتبره واجباً شرعيا ومصلحة مقدمة.


**الشيعة

من جهتهم، أبدى الشيعة غير قليل من المعارضة لكن من وجهة غير التي عارض عليها السنة، وجاءت معارضتهم في أطر طائفية، إذ أن الأمر انحصر بأذهانهم في كونه تسليح لجماعات سنية لا يؤمن جانبها، مهما كانت انتماؤاتها السياسية. وخشي الشيعة الحوار المنفرد للقوات الأمريكية مع العشائر السنية، وحذروا مطالبين الاحتلال بممارسة المزيد من الإشراف على مشروع "يقظة العشائر". كما بدى من خلال تصريحات كبار زعمائهم، محذرين من خطورة تسليح العشائر أو تشكيل قوات عسكرية فيها يمكن أن تتحول إلى قوة تحاربهم فيما بعد.

فقد حذر همام حمودي ــ عضو البرلمان العراقي عن المجلس الأعلى (الشيعي) ــ من أن العشائر السنية يمكن أن تنقلب ضد الحكومة (التي يهيمن عليها الشيعة) ذات يوم عندما يتلاشى الحضور الأمريكي. مضيفاً : "إن ممثلي هذه العشائر بحاجة إلى محاورة الحكومة.. فإذا ما بقي اتصالهم فقط مع الأمريكان، فإنهم لا شك يشكلون قنبلة موقوتة، وفي المستقبل قد يصبحون أعداء لمشروع الديمقراطية".

أصوات الحكومة الشيعية هي أيضاً دقت أجراس الإنذار من تحول العشائر السنية إلى قوة يصعب السيطرة عليها، خاصة بعد أن كثر في يدها السلاح والمال الأمريكي. إذ لم تنظر الحكومة يوماً ما بعين الرضا لما ترصده من نمو سريع لوحدات المجالس، التي باتت تضم سبعة وسبعين ألف فرد من عرب العشائر الذين تمت الاستعانة بهم من داخل أحيائهم.

وعلى الجانب الشعبي، سجل لمئات من أبناء المناطق الواقعة شمال مدينة الحلة ــ ومعظمهم من أنصار التيار الصدري ــ اعتصامهم أمام مبنى محافظة بابل احتجاجاً على جملة من الإجراءات السياسية والقانونية، ومنها محاولة السلطات الحكومية تشكيل مجالس للصحوة في المنطقة. وطالب المتحدث باسم المعتصمين بأن تقوم الحكومة "بإيقاف مشاريع الصحوة القائمة على قدم وساق في المحافظة، والتي تثير النعرات الطائفية واستبدالها بالجيش العراقي النظامي".

وفي محافظة ميسان (العمارة) رفض عشائر المحافظة بالإجماع، طلباً أمريكياً بتأسيس "مجالس صحوة شيعية" على غرار المجالس الأخرى.

مستقبل المجالس

مبدئياً تبدو فكرة تأسيس مجالس الصحوة ــ وهي قوى طامحة إلى تشكيل سلطات محلية صغيرة مبعثرة في كل مكان ــ كأنها لا تقوم إلا على فهم بسيط للوضع العراقي المعقد؛ وإن لجوء الأمريكيين إلى حل يقوم على أساس تسليح العشائر، إنما هو مجرد مظهر واحد فقط من بين مظاهر عدة تدل على أن الإستراتيجية العسكرية الأمريكية باتت تترنح.

ولعل ظاهرة سيطرة بعض العشائر على مناطق بعينها، وإنشاء مخافر للشرطة خاصة بها، مقابل سيطرة عشائر منافسة على مناطق أخرى وإنشاء مخافر خاصة بها أيضاً - وهي ظاهرة جديدة وغير مشهودة في تاريخ العراق- قد تكون شرارة الانقسام العشائري في البلاد.
ولذلك ينبغي في هذا الإطار الاعتراف دون تردد بأن مجالس الصحوة قد خلقت واقعاً جديداً في العراق، قد يصعب تخيل إمكانية الخروج منه بسهولة.

وليس من قبيل التكهن القول : إن مجالس الصحوة المسلحة والمفرغة من أي نظام معقول، والفاقدة لأي روح وطنية أو ثورية، ستمثل ذروة الخطر الذي لن يهدد الكيان العراقي وحده، بل سيتخطاه إلى المنطقة بأكملها مما سيخلق وضعاً لا شك لن يكون الأمريكيون معه في مأمن.

وفي الواقع يجب أن تثير هذه التوجهات العراقيين جميعاً مما يُخطط لهم في السر والعلن، بحيث لا يجدون أنفسهم في قلب معادلات سياسية، تصبح فيها القبائل طرفاً في تقطيع أوصال العراق، لا في "تحريره من الإرهاب" كما يزعم الأمريكيون.

وقد بدأت هذه المجالس تشهد ــ في الآونة الأخيرة ــ ما يشبه التراجع، خاصة بعد اتهامها "بتدنيس" يدها بالمال والسلاح الأمريكي، وبعد عمليات التصفية الجسدية التي طالت قادتها مثل زعيم مجلس صحوة الأنبار عبد الستار أبو ريشة في الأنبار، وحسين جبارة في صلاح الدين، وحسين علي صالح الجبوري في كركوك، وتفجير منزل رئيس صحوة عشائر الموصل فواز الجربة، وقتل عطا الله إسكندر حبيب بمجلس صحوة الحويجة مع سائقه، ثم قام المسلحون بإحراق جثته والسائق مع السيارة في موقع الحادث.. الأمر الذي يلقي بظلال من الشك حول هذه التجربة ومدى إمكانية استمرارها.

وإذا جئنا نبحث في ما يمكن أن نطلق عليه "مستقبل المجالس" لن نجد ما يبشر القائمين عليها بخير. في ظل محددات كالتالي:

اختراق المجالس

حيث حذر مسؤولون أمنيون بحكومة المالكي من تغيير تنظيم "القاعدة" تكتيكاته، والتكيف مع الاجراءات الجديدة، باختراق واسع للأجهزة الأمنية ومجالس الصحوة التي شكلها الأمريكيون لمواجهته. وكانت القاعدة قد بثت شريطاً مصوراً لإعدام تسعة من عناصر الشرطة، حذرت خلاله تلك المجالس، من التمادي في التعامل مع الأمريكيين، ومؤكدة العودة القريبة لعناصرها.

وقد عكست بعض عملياتها، مثل تفجير مقر البرلمان، واستهداف نائب رئيس الوزراء سلام الزوبعي، ونائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي، بالإضافة إلى اغتيال عبدالستار أبو ريشة قدرة كبيرة للتنظيم على اختراق مراكز أمنية حساسة، عبر زرع عناصره داخلها لفترات طويلة.

ويؤكد الخبراء أن "التنظيم ما يزال الأكثر قدرة على إعادة تنظيم صفوفه، في ضوء وجود عشرات الخلايا النائمة التابعة له داخل العراق وخارجه، وتحولها إلى العمل السري بعدما تأكد من أن كشف عناصره وحكم وإدارة المناطق سهل استهداف أعداد كبيرة منهم".

وتأسيساً على معلومات استخبارية، قال اللواء (عبد الجبار ربيع) ــ الذي كان قائداً في جيش الرئيس السابق صدام حسين ويترأس الآن الجيش في محافظة صلاح الدين ــ قال : إنه قاد قوة من الجنود والشرطة الحكوميين، في 30 أكتوبر الماضي، للقبض على عناصر بخلية تابعة للقاعدة، وتحرير رهائن من سجن يقع في جبال (حمرين) البعيدة التابعة لمحافظة صلاح الدين. مضيفاً : عندما وصلت القوات اكتشفت أن معظم رجال القاعدة كانوا قد حُذروا من العملية برمتها، وهو ما يؤكد وجود اختراقات بالأجهزة الحكومية لصالح فصائل المقاومة.

** المقاومة الشريفة أبقى وإن طال ظلام المجالس

وينتهي متابعون للشأن العراقي وتطورات مجالس الصحوات، إلى أن هذه المجموعات النشاذ لن تعيش طويلاً، أمام إرادة الشعب العراقي ومقاومته الباسلة التي تعهدت بدحر المحتلين وكل عميل جاء معهم أو تم تنظيمه لاحقا! إذ لن تدوم صهوة جواد مجدٍ متوهم، أو كبرياء قائد مغرور، وإن رفرفت رايات العمالة والاحتلال وحكم لفترة ممتطي دبابة الغزاة.