‏إظهار الرسائل ذات التسميات فايز أبو شمالة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فايز أبو شمالة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، أبريل 18، 2010

الشهيد الرنتيسي يؤبن نفسه

د. فايز أبو شمالة
الإنسان كتلة من المشاعر والأحاسيس، ترق روحه في لحظات، وتعكر نفسه في أوقات، فتتجاذبه عدة عوامل متناقضة، ليميل إلى البكاء، وهو في قمة الفرح، وتراه يبتسم وسط الأحزان، نفس بشرية تتقد في شرايينها كل التناقضات، ففي قمة الاندفاع لعمل ما، تجول في النفس فكرة التوقف، وترى الإنسان في قمة الرغبة لتملك شيء يزهد فيه، إنها النفس البشرية التي يتفاعل في أحشائها مكنون الأمل والإحباط، والثقة والتردد، والإقدام والإحجام، والرغبة وعدمها، ولكنه الإنسان الذي يحسم الأمر دائماً لجهة الخير ضد الشر، ولجهة الحق ضد الباطل، ولجهة المنفعة العامة ضد التكسب الشخصي، لتذوب الروح راضية في الذي آمنت فيه، واقتنعت. هذه الحالة الإنسانية عاشها الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وهو يحاور نفسه التي تلومه على تركه حياة الرغد، وعمله المهني الناجح، ومستقبلة المشرق بالمال، والجاه، والهناء، ليلتحق بدرب الشقاء والتعب، درب التضحية، فتحدثه نفسه:
ماذا دهاك يطيب عيشك في الحزن تشري النعيم وتمتطي صهو الصعاب
ماذا عليك إذا غدوت بلا وطــن ونعمت رغـد العيش في ظل الشباب
هذه النجوى الداخلية تراود كل إنسان، حين يتساءل بينه وبين نفسه، ما الذي حل بي؟ أما كان أجدر أن أكون بين أسرتي، وأرشف من ملذات الحياة؟ ما الذي يلزمني أن أكون في السجن، أو تحت يدي الجلاد؟ حديث نفس يطرق وجدان كل البشر، ولاسيما في تلك اللحظات التي يتوحد فيها الإنسان مع نفسه، يراجع سيرته، يتفقد خطواته القادمة؛ أين أصبت؟ أين أخفقت؟ ما جنيت؟ إلى أين تمضي حياتي؟ لحظات إنسانية محضة، لحظات تميز ذوي الإحساس عن الأغبياء الذي يسدرون في الدنيا دون تفكير، وتدبير، لذا يرد الرنتيسي على نفسه التي تلومه، ويحاورها بثقة الآمل بالغد، ويقول لها:
يا هذه، يهديك ربك، فارجعــي
القدس تصرخ، تستغيثك، فاسمعي
والجنب مني بات يجفو مضجعي
فالموت خير من حياة الخُنَّـع
ولذا فشــدي همتي وتشجعـي
يطالب الرنتيسي نفسه أن تشد همته، وأن تشجعه على مواصلة طريق الصعاب الذي أختار، ويطالب نفسه أن تكون عوناً له لا معيقاً لمساره، فهو غير راضٍ عن حياة الخنوع، ولا يطيب له أن يتمتع بسعادة فردية، طالما صار جزءاً من الكل الذي يتوجع لصراخ القدس، فكيف يعرف النوم من أرقه وجع الناس، وأحوالهم. لحظات عبر عنها المونولوج الداخل، عندما يقدم الإنسان على التضحية فتنتابه رجفة، يعطي بيد ويسأل نفسه: هل هذا العطاء في محله؟ فالحياة ثمينة، وحب البقاء غريزة، ولا يعاند الإنسان غرائزه إلا إذا أوجبه على ذلك ما هو أقوى منها، عندما تنافس غريزة البقاء أشياء أهم، وأعز، وأغلى.
ولكن نفس الرنتيسي البشرية لا تستلم، ولا تعطي صاحبها مطلق التصرف بجسده، تحاوره، وتسأله وهو المعزول في الزنزانة، مقطّع الأوصال، تحاربه مباهج الحياة، وتحول الجدران بينه وبين الأحبة، تسأله نفسه، أو تعاتبه نفسه، وتلومه ولا تشمت، قائلة:
هاأنت ترسف في القيود بلا ثمـن وغدا تموت، وتنتهي تحت التراب
وبنيك؛ واعجبي، ستتركهم لمن؟ والزوج تسلمها، فتنهشـها الذئاب
هنا؛ يسخر الرنتيسي من هذه الفلسفة، ويحسم الخلاف، أو حالة التشكك التي توسوس فيها نفسه، ويصل إلى النتيجة التي ارتضاها، والقائلة: إن العذاب والسجن، والشهادة هي نتيجة لما يقوم فيه من عمل مقاوم، وهذه طريق قد ارتضاها مقتنعاً، مؤمناً أنه صاحب رسالة، ولن يتراجع عنها، وما على نفسه إلا الصبر، فالحياة إلى زوال، وجنة الرحمن تنتظر، يقول:
إن تصبري يا نفس، حقا ترفعي
في جنة الرحمن خير المرتـع
إنّ الحياة وإنْ تَطُلْ يأتِ النعي
فإلى الزوال مآلها، لا تطمعـي
إلا بنيــل شهادة فتشفعــي
يتوحد الرنتيسي في نهاية القصيدة مع نفسه، التي استسلمت لإرادة صاحبها الذي صمم على مواصلة المشوار، فتعلن النفس اصطفافها إلى جواره، ومبايعته برضا على الحق، وتتخلى عن تشككها في خطه السياسي، ومساره الفكري، وتسير معه إلى الشهادة، وهي تقول:
إني أعيذك أن تذل إلى وثــن أو أن يعود السيف في غمد الجراب
فاقض الحياة كما تحب فلا ولن أرضى حيـاة لا تظللها الحــراب

السبت، أبريل 17، 2010

ثلاثون عاماً يا سجين

د. فايز أبو شمالة
لم يصدق السجناء الفلسطينيون أن زميلهم السجين عمر القاسم يتجاوز العشرين عاماً خلف الأسوار سنة 1988، ولم يحسب السجناء أن الثورة الفلسطينية عاجزة عن تحرير أسراها، وأن الدولة العبرية قد صار عمرها أربعين عاماً، وهي جادة في تنفيذ أحكامها التعسفية بحق السجناء، فقد كان يوماً أسوداً في حياة السجناء ذلك اليوم الذي تجاوز فيه الشهيد عمر القاسم العشرين عاماً في سجون إسرائيل، وكانت الصدمة كبيرة عندما توفى الرجل قهراً، فكيف يكون لنا ثورة، وثوار، وقيادة سياسية وعسكرية، ويترك الأسرى عشرون عاماً في السجون؟ وهم يرددون مقولة: إن أمة تعجز عن تحرير أسراها ستعجز حتماً عن تحرير الأرض، فمن تخلَّ عن الإنسان تخلت عنه الأوطان، حتى صار سنة 2010، صار عدد الأسرى الفلسطينيين الذين أمضوا أكثر من عشرين عاماً 115 أسيراً.
لم يخطر في بال الأسرى الفلسطينيين في يوم من الأيام أن تكون مهمة الثورة الفلسطينية، ومهمة السلطة الفلسطينية هي رصد عدد السنوات التي أمضاها الأسرى في السجون، وكتابة الأشعار فيهم، والتغني ببطولاتهم، ولم يجل في خاطرهم أن تصير قضيتهم إنسانية، وأن تستدر دمع المجتمع الدولي دون أن تفك لهم قيداً، ليدخلوا موسوعة "جينز" للأرقام القاسية مثلهم مثل أطول كوفية، وأكبر سدر كنافة، وأطول ثورة في التاريخ، وأقصر فستان سياسي، يعجز عن كسر الأقفال التي صدئت، وهي تغلق بوابات الحياة عشرات السنين على نائل البرغوثي ثلاثة وثلاثين عاماً، وزميله أكرم منصور، وفؤاد الرازم، وأبي على الكيالي، ونافز حرز، وعلاء البازيان، ومخلص برغال، ووليد دقة، وأحمد أبو حصيرة.
لم يخطر في بال الأسرى الفلسطينيين أن السجين الفلسطيني سامي يونس سيدخل عامة الثمانين وهو في الأسر، لتكون وصيته لأهله بعد سبعة وعشرين عاماً خلف الأسوار هي: إن عدت إليكم جثة هامدة، فلا تستعجلوا في دفني، أدخلوني غرفتي، مددوني على سريري، ثم اتركوني قليلاً في بيتي تحت شجرة التوت، هنالك في الهواء الطلق، وطوفي بي قريتي الفلسطينية "عارة"، قبل أن تدفنوني. يا الله؛ ما أغزر دمع الرجال!
لم يخطر في بال الأسرى الفلسطينيين أن عذابهم لعشرات السنين، وأن أجمل سنوات عمرهم التي ضاعت خلف الأسوار ستأتي لشعبهم بسلطة فلسطينية بلا وطن، وحكومتين، ولكن مع بقاء سيطرة الجيش الإسرائيلي على كل شبر، وعلى مدخل كل مدينة فلسطينية، لتستجدي القيادة الفلسطينية رحمة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وتنشد تلطفها، وتترقرق لشفقتها، بأن تمن وتفرج عن عدد من الأسرى غير المطهمة أيديهم بالدم الإسرائيلي.
لم يخطر في بال الأسرى الفلسطينيين أن الضفة الغربية وغزة ستتوحدان في الاحتفال بيوم الأسير الفلسطيني، ولكن كل على طريقته، ليصير الانقسام الفلسطيني بديلاً عن الوحدة العربية التي حركت فيهم التضحية، ويصير اعتقال الأسير المحرر من السجون الإسرائيلية بعد أيام بأيدي فلسطينية تصفق في الاحتفال بيوم الأسير الفلسطيني.
لم يخطر في بال الأسرى الفلسطينيين أن حد أبطال المقاومة الفلسطينية ورموزها من عرب 1948، والذي حكمت عليه إسرائيل بسبع مرات إعدام، وتمكن ثلاث مرات من الفرار من سجونها، وقال عنه مدير المخابرات الإسرائيلية عام 1974 "الهروب الثالث لحمزة يونس جرحنا أكثر من عبور المصريين لخط بارليف". هذا الأسير المحرر، والعميد السابق في منظمة التحرير، يجوب شوارع العاصمة الجزائرية هذه الأيام، وهو يضع على صدره، وعلى ظهره شعارات تندد بفساد أجهزة السلطة، وتندد بما وصلت إليه الحالة الفلسطينية.
أغمضوا أعينكم أيها السجناء، فقد احتفلنا بيوم الأسير الفلسطيني.
ولن أنقل اقتراحكم: بأن تغطي القيادة الفلسطينية وجهها بالطرح في يوم الأسير.

الجمعة، أبريل 16، 2010

يا ليتهم قسموا

د. فايز أبو شمالة
يتفلسف بعض الكتاب العرب والفلسطينيين، ويرددون خلف بعض السياسيين: بأن الفلسطينيين أفضل شعب ضيع الفرص التي سنحت له، وكلما لاحت لهم فرصة أضاعوها بتشددهم. هذا الكلام يتساوق مع الرواية الإسرائيلية، ويدعي بأن غباء العرب السياسي أوقعهم في ورطة الرفض، وساعد إسرائيل على التملص من الضغط الدولي، وأوقع العرب في ورطة تضييع الفرص، ويسوقون رفض العرب قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947، نموذجاً للضعف العربي، والفشل السياسي. ولكن المدقق في حقيقة الموقف العربي والفلسطيني يجد مصداقية للرفض، ويكتشف أن العرب أغبياء لو وافقوا على قرار التقسيم الذي يعطي اليهود أكثر من نصف فلسطين، وهم لا يمتلكون بالحيلة، والسرقة، والتآمر، وفق الوثائق الدولية، سوى 6% فقط من أراضي فلسطين، ويكتشف أن شعار "يا ليتهم قسموا" الذي أطلقته المرأة العسقلانية أثناء الهجرة، لم يكن صائباً كما يدعي البعض .
قد يقول أحد الخبثاء: لقد ضيع التشدد في حينه فرصة قيام الدولة الفلسطينية، ومكن إسرائيل من السيطرة على 78% من أرض فلسطين. وهنا أقول: لم تكن تلك فرصة، وإنما كانت قرصنة يهودية أسهمت الخيانة في تمريرها، وساعد الضعف العربي على تطويرها، ولاسيما أنها تزامنت مع استيراد الخوف والفزع من اليهود، وترافقت مع القصور في العمل المقاوم الذي يتناسب مع رفض قرار التقسيم، فكانت الفرص الضائعة هي عدم الإعداد الجديد لمواجه العصابات اليهودية التي اغتصبت فلسطين تحت بصر العرب، وسمعهم.
لقد دللت الأحداث المتتالية بعد ذلك على أن الموافقة على قرار التقسيم أو عدم الموافقة ما كانت ستغير المخطط اليهودي، وما كانت ستجنب الفلسطينيين العدوان الإسرائيلي، والدليل؛ موافقة الفلسطينيين والعرب على نتائج الحرب، وسكوتهم على دولة إسرائيل التي قامت على ثلاثة أرباع فلسطين. فلو كان هدف اليهود دولة وفق قرار التقسيم، لاكتفوا، وحمدوا "إلياهو" ربهم، ولكنهم واصلوا عدوانهم على غزة سنة 1956، وهاجموا الضفة الغربية، واحتلوا باقي فلسطين، وأجزاء من دول عربية أخرى سنة 1967.
قضية الصراع مع اليهود لا علاقة لها بالفرص الضائعة، فقد وافق الفلسطينيون على اتفاقية أوسلو وهي أردأ اتفاقية يمكن أن يقبل فيها فلسطيني، فهل رضت إسرائيل، واكتفت بذلك، وحرصت على تطبيق الاتفاقية التي لم ترد في حلم اليهود سنة 1947، أم ظلت الدولة العبرية تدفع في اتجاه تنفيذ مخططها القائم على تدمير الإنسان، وتواصل الاستيطان، حتى ضجر، وانفجر رأس من وقع الاتفاق مع اليهود، وقلبه انفطر.

الخميس، أبريل 15، 2010

الفلسطينيون ليسوا شعب الجبارين

د. فايز أبو شمالة
شعب الجبارين كان وثنياً عندما جاء النبي موسى برسالة التوحيد، فإن صدقنا بأن الفلسطينيين هم شعب الجبارين، فمعنى ذلك أن اليهود هم من سلالة أتباع النبي موسى، واليهود هم امتداد التاريخ العبري على أرض إسرائيل، وأننا نصدق بنقاء العرق، ومعنى ذلك أن يهود اليوم الغاصبين لفلسطين ليسوا تجمع عنصري، جاءوا من كل أصقاع الأرض، وبعضهم امتداد لليهود الذين عاشوا في دولة الخزر لعدة قرون قبل أن يتفرقوا في أنحاء أوروبا، وإن صدقنا بأن يهود اليوم هم امتداد للعبرانيين، ولهم التواصل مع اليهود القدماء، فمعنى ذلك؛ أن لهم حق العودة إلى أرض الآباء!.
نحن الفلسطينيين لسنا من سلالة الجبارين الذي تواجهوا في ساح الوغى مع العبرانيين، قبل أن يهزموا، ويسيطر على البلاد اليهود، نحن الفلسطينيين تزاوج التاريخ الإسلامي مع الجغرافيا العربية، ونحن امتداد للحضارة التي امتزجت من المغرب حتى العراق. وإن ادعى أحدهم: أن في هذا الكلام تبرير للفكرة الإسرائيلية التي تقول: الفلسطينيون عرب، وأمامهم أرض العرب الواسعة، والممتدة من المحيط إلى الخليج، اذهبوا، واسكنوا فيها، ولا تزاحموننا، فأنتم لستم لاجئين عن أرض فلسطين طالما جذوركم تمتد إلى هناك.
لمثل هذه الإدعاء أقول: إن وصلنا إلى هذا المستوى من النقاش، والإقناع بالحجة التاريخية، فمعنى ذلك أن الوجود الإسرائيلي قد انتهي عن هذه الديار، وذلك لأن إسرائيل فرضت نفسها بالقوة العسكرية أولاً، وليس بالحجج التاريخية والدينية التي كانت مبرراً، وثانياً: لأن الواقع الذي كان قائماً، ولما يزل، يقول: بأن فلسطين قلب بلاد العرب والمسلمين.
أما بالنسبة لشعب الجبارين الذي ورد ذكرهم في الكتب، فالبحث العلمي يجزم بأنهم قد غيروا جلدهم، وتأقلموا مع التطور الحاصل على سكان البلاد، ودخلوا في الدين الإسلامي، وتكلموا العربية، وصار وجدانهم متواصل مع أخوانهم في العقيدة واللغة والتاريخ المشترك.
ومن يصر على أن الفلسطينيين هم شعب الجبارين، أو أنهم الكنعانيون، فمعنى ذلك أن لنا جيران في شمال فلسطين هم الفينيقيون، ولنا علاقة جوار في الجنوب مع الفراعنة، ولنا احتكاك مع الشرق بالعمونيين في الأردن، والأموريين في سوريا، والأشوريين في الشرق. فهل يقبل من يطلق على الفلسطينيين شعب الجبارين هذا التمزيق، ويقول بعد ذلك: إن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى، فإن كانت قضية العرب فالحق يقضي أن تكون فلسطين عربية، وليست أرض الجبارين، أو الكنعانيين، لئلا نبرر للآخرين القول: أرض العبرانيين، وأرض الفينيقيين، وأرض الفراعنة، ورجال البيد، وأهل اليمن البعيد!.

الأربعاء، أبريل 14، 2010

نقد ناعم الملمس لخان يونس

د. فايز أبو شمالة
ما صح في زمن لا يصلح لزمن آخر، وما ناسب مرحلة لا يناسب أختها، مسلمات يمليها واقع قطاع غزة، ففي السابق كان المواطن يدوس على القانون بنعليه، وكانت غزة بحاجة إلى جرعة قوة زائدة، تهدف إلى إيقاظ المواطن من غفوته عن كثير من القيم، التي غيبتها حالة الانفلات الأمني، وبالتالي كان لا بد من تنبه المواطن بالقوة إلى حيوية القانون. ولكن في هذه الأيام التي انصاع فيها الإنسان الفلسطيني في غزة إلى الأخلاق الحميدة، وقلَّ أن تجد من يرفع رأسه متحدياً القانون، وصار للشرطة هيبة الإجراء، التي تملي على المؤسسات اللجوء إلى أسلوب الإقناع بديلاً عن استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها.
ما سبق من تقديم كان ضرورياً لنقدي الناعم لبلدية خان يونس في المواقف التالية:
أولاً: فائض القوة الذي استخدمته بلدية خان يونس قبل فترة، وهي تغلق محلات الذهب في مبنى بلدية خان يونس القديمة لم يكن ضرورياً، وفق ما تناقل الناس من أحاديث عن كيفية استخدام القوة الزائدة ضد أصحاب مصالح يأبون التمرد، ولطالما لبوا نداء الواجب.
ثانياً: القوة الخاطئة التي استخدمتها بلدية خان يونس في هدم سور أحد المواطنين خلف سوق حي الأمل، وبعد أيام تعاود البلدية ذاتها بناء السور الذي هدمته بيد كباشها ذاته، وعلى نفقة البلدية. فأي قرار هذا الذي هدم، ومن يقف وراءه؟ وأي قرار هذا الذي عاود البناء؟ وهل هو خطأ موظف تمت محاسبته، أم خطأ مسئول؟!
ثالثاً: لا شك أن شارع البحر هو الشارع الحيوي الوحيد الواصل بين سكان مدينة خان يونس وبحرها، ورغم أن مدخل الشارع من الشرق في اتجاه واحد، إلا أنه يتسع لاتجاهين مع بداية مخيم خان يونس حتى وصوله إلى شاطئ البحر، ولا خلاف أن الحفاظ على الشارع كما هو قائم أمر حيوي وجيد، ولكن أن يكون لشارع البحر ارتداد في منطقة المخيم بالذات بعمق خمسة أمتار من الاتجاهين، فهذا أمر غير منطقي، وقد أدى إلى تعطيل حركة البناء عدة أشهر لأحد المواطنين، وأدى إلى ارتداد مواطن آخر بالقوة عدة أمتار بحيث بات شكل مبناه نشازاً عن خط البناء القائم في الشارع، وللعلم؛ فإن كل المباني القائمة على الشارع نفسه قد استوفت الإنشاء، واستكمل الشارع عماره، ولن يتغير مجراه لمئات السنين القادمة. وهذا ما جعل الناس في ريب من أمر المخيم الذي يتلقى خدماته من الأونروا! وكان حرياً ببلدية خان يونس أن تراجع قرار الارتداد، وأن تتجاوب مع المتغيرات الميدانية الجديدة التي يجب التنبه لها؛ فعندما اتخذ قرار الارتداد كانت خان يونس محاصر بالمستوطنات، وكان لها شارع واحد وحيد يوصل إلى شاطئ البحر، أما اليوم؛ فإن لخان يونس عدة شوارع توصل إلى شاطئ البحر، وعلى البلدية أن تفكر في البدائل، وفي كيفية شق الشوارع الجديدة، وتعبيدها، وتجهيزها للتعمير، إنها بدائل إستراتيجية لشارع البحر الذي ضاق على ساكنيه.

السبت، أبريل 10، 2010

مرحباً، يا مخابرات إسرائيلية

د. فايز أبو شمالة
مرحبا؛ عشر ملايين دولار من نصيبك. إن كنت تعرف معلومات عن الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، اتصل على الرقم ....أنت وسرك في أمان. هكذا قالت الاسطوانة عبر الهاتف الذي رن في بيتي. وهنا أسأل المخابرات الإسرائيلية: لماذا عشرة ملايين دولار؟ ماذا سيفعل فلسطيني يسكن قطاع غزة بعشرة ملايين دولار؟ وهل يحتاج الإنسان لبيته أكثر من دجاجة للغذاء؟ وهل يحتاج أكثر من كيلو سردين، ورغيف خبز، ومشروب الشاي والقهوة، وبعض حبات طماطم، وأصبع موز! لماذا عشرة ملايين دولار؟ ماذا سيفعل فلسطيني بالملايين؟ وهل سيذهب إلى الدار الآخرة وفي حوزته عشرة ملايين دولار؟
الناس في قطاع غزة تفتش عن الستر، والحياة البسيطة، وعن راتب محدود آخر الشهر، ولا مطمع لغالبية الناس أكثر من ذلك، ولا رغبة للكثير بدوخة الغنى، وربكة ارتفاع قيمة الذهب، وسعار العملة الورقية، وانخفاض قيمة الدولار، واليورو!
قبل الهروب الإسرائيلي من معبر رفح، وأثناء سفري إلى مصر العربية، اعترض سبيلي رجل المخابرات الإسرائيلية، وتعمد أن يتحدث معي في مكتبه، وأن يظهر نفسه بالعارف بتفاصيل حياة الناس في غزة. كان رجل المخابرات في العقد الثالث من العمر، وحاول أن يظهر قوة شخصيته أمامي، وثقته بنفسه، وثقافته، وأنه في هذا العمل يقوم باستطلاع رأي الفلسطينيين حول إمكانية السلام، ولماذا حدثت انتفاضة الأقصى؟
تحدثت مع رجل المخابرات الإسرائيلية بصراحة، وتعمدت أن يكون الحديث بالعبرية الفصيحة، وأوغلت في تحليل الأسباب التي أدت إلى تفجر الانتفاضة، وكان تقديري وما زال؛ أن الدولة العبرية تتحمل كامل المسئولية عن تصاعد العنف. واصلت حديثي الذي فرض على رجل المخابرات أن يجلس كطالب مدرسة يستمع إلى أستاذه، وأضفت:
دولة إسرائيل عملت ضد السلام، وتعمدت تدمير المجتمع الفلسطيني كل سنوات سيطرتها على حياة الناس، وكان الاستفزاز الإسرائيلي محراك المقاومة. لقد توفرت لإسرائيل فرصة تاريخية لن تتكرر، كان فيها المجتمع الفلسطيني بغالبيته مقتنعاً بالسلام، ومؤيداً لرجال السلطة، لقد لمّوا البنادق، واعتقلوا المقاومين، وكان المجتمع بغالبيته مع الوصول إلى حل سياسي يفضي إلى دولة فلسطينية، ويتعايش مع الدولة العبرية؟ فماذا فعلت إسرائيل؟:
أولاً: عمدت إسرائيل إلى تشجيع الديمقراطية الزائفة داخل المجتمع الفلسطيني، الديمقراطية التي تصب في صالح الاحتلال، ولا تعتمد التعددية الحزبية بالمفهوم الواسع.
ثانياً: إسرائيل تقف وراء كل مظاهر الفساد داخل المجتمع الفلسطيني، وهي التي تشجع على تسلط، وتسلق كل أولئك المرتبطين معها للقبض على مفاصل السلطة.
ثالثاً: لم تقدم إسرائيل حلول سياسية مقبولة على غالبية الفلسطينيين، ليقبلوا التعايش مع الإسرائيليين على جزء صغير من أرضهم الوطنية.
رابعاً: مارستم قتل الفلسطينيين، وسجنهم، وتعذيبهم، وتحقيرهم في عز حديثكم عن السلام.
ظل ضابط المخابرات الإسرائيلية يستمع بصمت حتى أتممت حديثي، ليقول: كم يبلغ راتبك الشهري؟ هل يكفي عائلتك؟ ألا تفكر في مصدر دخل آخر؟
قلت: أبعد كل هذا الحديث؟ والله لو كان بخاطري لما قابلتك، ولما استمعت إليك، ولكن هذا هو حالكم في إسرائيل، ولن يتغير تفكيركم!.

الأربعاء، أبريل 07، 2010

سجنٌ وحبٌ

د. فايز أبو شمالة
ما أن أطلتْ من بعيد، حتى نسيتُ نفسي، وراحت عيناي تحتضنها بفرح عجيب. لم أقو على زحزحة بصري عن وجهها الناعم، والقلب يصفق لها، ويضمها بحب وحنان، ويهتف لرؤيتها، وهي مقبلة في اتجاهي، ما أجمل هيئتها، وأنا أتابع تحركها، وتقدمها، وهي تقترب مني أكثر، ما أجمل اللحظة التي تحول فيها بصرها نحوي، وهي تنظر إلي بسرعة، قبل أن تجلس إلى جواري! لقد ارتجف قلبي، ورقصت روحي، فأي سماء أنزلت هذه الجملية الفاتنة؟ وكيف انشقت عنها الأرض، لتنبت كقرنفلة في حدائق روحي، ما أسعدني، وأنا أدقق في ملامح وجهها! وكأنها هي، وكأن الشعر والشفتين والعينين والجبين والقامة والحركة، كأنها هي! فمن أسقط ملامح طفلتي التي تركتها قبل ست سنوات على ملامح هذه الطفلة اليهودية ابنه تسع سنوات؟ وكأنها هي! أو هكذا تخيلتها من خلال شوقي لأطفالي، أو هكذا أثّر الحرمان على وجداني، فخلق مشهداً تعويضياً عن أبوةٍ ناقصة.
تنبهت الطفلة اليهودية للرجل الذي يحدق فيها، ويبتسم لها ببلاهة، وما أن لمحت القيود الحديدية في معصمه وفي قدميه حتى قفزت هاربة، وهي تصرخ: "إيما" يا أمي.
كانت أمها تجلس على بعد سنتيمترات عن يساري، على المقعد ذاته الذي يجلس عليه السجان عن يميني، وكلانا ينتظر عودة السجان الآخر الذي غاب لاستكمال الإجراءات الإدارية لإدخالي مريضا جداً إلى مستشفى "سوركا" في مدينة بئر السبع؟
نظرت الأم إلى طفلتها بهدوء، وقالت لها بالعبرية: "شفي" اجلسي، عودي لمكانك، لا تخافي، إنه إنسان رغم القيود، ثم؛ ألا ترين السجان الذي يراقبه!، لا تخافي، عودي.
عادت الطفلة اليهودية، وجلست بحذر بيني وبين أمها، وأعادتني إلى حالة الفرح الحزين، والأمل، وأنا أقول لنفسي: لماذا الحروب؟ لماذا السجون؟ لماذا الجراح والموت؟ من الذي يزرع في قلوب البشر كل هذه العداوة والأحقاد؟ متى يأتي السلام، ويخلصنا من شلال الدم، وعذاب الحرمان؟
فمن يدري؛ لقد أقفل الزمن عدة صفحات من حياتي، وصار لطفلتي أطفال، وقد تكون الطفلة اليهودية التي فرح لها قلبي، وانتفض لها وجداني سنة 1990، وتحدثت في حينه لطلاب صفها عن السجين العربي، كما تحدثت أنا للسجناء عن الطفلة التي ركضت بالصدفة، وجلست إلى جواري، قد تكون اليوم مجندةً، أو زوجة لضابط إسرائيلي ضغط على الزناد في حرب غزة، فقتل عدة أطفال فلسطينيين.

الثلاثاء، أبريل 06، 2010

مجلس وطني وفلسطيني

د. فايز أبو شمالة
لو سألت أي شاب فلسطيني أينما كان: ماذا تعرف عن المجلس الوطني الفلسطيني؟ وهل تجد نفسك ممثلاً فيه؟ من هم أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، وكم عددهم؟ هل تعرف عضواً واحداً منهم؟ هل يتمتع أعضاء المجلس الوطني بحرية الرأي والتفكير والتعبير وتسجيل المواقف المبدئية الثابتة؟ متى جرى انتخاب أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الحاليين؟ كيف تم اختيارهم؟ وأنا واحد منهم! وهل تتوقع أن يؤثر أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في المسار السياسي الدائر؟ وهل يؤثرون في صناعة القرار؟
لن افترض الجواب الذي دار في رأس كل قارئ، ويجمع عليه كل مهتم بالشأن الفلسطيني، ولكن سأفترض أن ساحة العمل السياسي الفلسطيني بلا مجلس وطني، ونكتفي بالسلطة في رام الله ممثلة بوزارة المالية، والأجهزة الأمنية، فهل سيغير ذلك من الأمر شيئاً؟ بمعنى آخر، أما زال المجلس الوطني الفلسطيني على الهيئة ذاتها، والمبادئ والأهداف التي تأسس من أجلها؟ أما زال هو العباءة التي تلفّ كل القوى الفلسطينية، والفعاليات، والكفاءات، والتجمعات، وله القدرة على استقطاب الوجدان الفلسطيني في الوطن والشتات؟ وهل يقدر على استنهاض روح العمل الوطني، وهل هو حقاً يمثل المزاج العام للشعب الفلسطيني؟ وهل هو المرجعية السياسية للقرار للفلسطيني؟ هل يحاسب؟ هل يتمتع بالاستقلالية؟ هل له القدرة على قلب الطاولة رأساً على عقب إن مس أحد الثوابت الوطنية التي تأسس من أجلها؟ هل يتمتع بمصادر تمويل بعيدة عن مصادر وزارة المالية التي هي جزء من السلطة التي يجب أن تكون تحت مسئولية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي يبارك تعيينها المجلس الوطني؟
هل أدركت تعقيدات المعادلة؟ ومع ذلك لن افترض الجواب الذي توصلت إليه، وإنما سأطرح السؤال التالي: هل للمجلس الوطني الفلسطيني موقف من مجمل الأحداث الدائرة على الساحة الفلسطينية؟ هل له القوة والصلاحية والقدرة كي يحسم الأمور الخلافية بين الفلسطينيين، وهل له القوة كي يفصل في قضية الصراع العربي الإسرائيلي؟
قد يستغرب البعض حديثي عن المجلس الوطني الفلسطيني الذي يجيء في غير موعده، وبلا مناسبة، ولكن عندما يعرف العربي أن المجلس الوطني الفلسطيني هو نفسه نقطة خلاف في ورقة المصالحة الفلسطينية التي أعدتها جمهورية مصر العربية، في حين كان يجب أن يكون المجلس هو نقطة حسم الخلاف الفلسطيني دون الحاجة إلى مصر، لذا؛ فإنني أقترح على الأطراف الفلسطينية شطب فقرة الخلاف المتعلقة بالمجلس الوطني كلياً من وثيقة المصالحة، وإعداد وثيقة مصالحة فلسطينية جديدة، أهم بنودها: بناء مجلس وطني فلسطيني جديد مستقل، يعتمد الثوابت الفلسطينية التي تأسس من أجلها أول مجلس وطني فلسطيني في القدس سنة 1965، ليصبح ممثلاً لكافة قطاعات الشعب الفلسطيني، ويضحى قادراً على توفير مصادر تمويل مالي بعيداً عن مال الدول المانحة، ويغدو مستقلاً في قراره السياسي، ويمسي قادراً على فرض المصالحة، ويغلب المصلحة الوطنية على كل اعتبار.

أين المال يا هيئة التقاعد؟

د. فايز أبو شمالة
صار اسمها هيئة التقاعد الفلسطينية بدلاً من صندوق التأمين والمعاشات بموجب قانون التقاعد لسنة 2005 من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني؛ لتتولى مهمتين رئيستين هما: توفير رواتب تقاعدية للمشتركين، واستثمار أموالهم في نظام التقاعد العام. وتقول المادة 79 بضرورة أن يقدم مجلس إدارة الهيئة تقريراً سنوياً لرئيس مجلس الوزراء لنشره، والإفصاح عنه للمشتركين في نظام التقاعد، على أن يتضمن البيانات المالية، والحسابات عن السنة المنصرمة، والنتائج الأساسية المتعلقة بأداء الاستثمار، وبيان سياسة الاستثمارات للسنة القادمة، فأين هذه الحسابات؟ وأين صار مصير المال المتراكم في الصندوق والبالغ مليارات الدولارات، ولمن يتشكك أقول: إن ما تنفقه هيئة التقاعد الفلسطينية يصل إلى 168 مليون دولار تقريباً في السنة، بينما المبلغ المستحق على السلطة الفلسطينية يقدر بحوالي 350 مليون دولار في نهاية عام 2006 وبحساب بسيط؛ فإن فائض المبلغ هو 182 مليون دولار سنوياً، فإذا ضرب الرقم بعدد سنوات نفوذ السلطة الفلسطينية، فإن النتيجة هي ملايين ملايين الدولارات المتوفرة لحساب المتقاعدين، فأين هي؟ ولماذا ينتظر المتقاعد صرف رواتب الموظفين من حكومة رام الله أولاً، ليتسلم المتقاعد مستحقاته ثانياً. فأين فائض أموالهم؟ وأين يتم استثمارها؟ وأين أرباحها، بل أين ذهبت أصولها؟
حدد القانون أول أهداف الهيئة توفير مستحقات الموظفين عند انتهاء خدماتهم، وتوفير معاش شهري يصل إلى 70% من آخر راتب للموظف، فمن الذي قرر احتساب راتب المتقاعدين على أساس متوسط آخر ثلاث سنوات للراتب؟؟ وهل تضمن المعادلة القائمة حالياً للمتقاعد استرداد أمواله التي استثمرها كل عمره في هذا الصندوق؟ ولماذا يربط مصير المتقاعد بمصير موظف الحكومة؟ ولماذا يتم ربط رواتب المتقاعدين بمساعدات الدول المانحة، ومساهمة الاتحاد الأوروبي لصالح صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ وعشرات الأسئلة المحيرة، التي يقول فيها العارفون:
إن هنالك قضايا معروضة على المحاكم في أكثر من بلد، ومنها بلاد عربية، وهنالك شهود يتم استدعاؤهم فيما يتعلق بأموال هيئة التقاعد ـ سآتي على تفاصيلها في مقال لاحق ـ ويقولون: إن على هيئة التقاعد الفلسطينية تحديد سياسة استثمارية واضحة، والإفصاح عن استثمارات صندوق التأمين والمعاشات، وأرباحه للمشتركين بنظام التقاعد وفقا لأحكام المواد 22 و61 و62 و79 من قانون التقاعد العام لسنة 2005، وعلى مجلس إدارة هيئة التقاعد الإفصاح عن المؤسسة التي تقوم بمهام الحافظ لأموال وممتلكات الهيئة، وإجراء مناقصة للحافظ لتتمكن البنوك والمؤسسات المحلية من المشاركة في التنافس على إدارة ممتلكات هيئة التقاعد، وعلى مجلس إدارة هيئة التقاعد الإفصاح عن الشخص أو المؤسسة، التي تقوم بمهام مدير الاستثمار، وإجراء مناقصة لمدير الاستثمار لتتمكن المؤسسات المالية المحلية من المشاركة في التنافس على إدارة استثمارات هيئة التقاعد.

الاثنين، أبريل 05، 2010

إعدام يمني وتونسي وفلسطيني

د. فايز أبو شمالة
قضت المحاكم اليمنية بإعدام يمني بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، ونشر أحد المواقع العبرية خبراً عن تجسس نائب وزير الداخلية التونسي السابق "أحمد بنور" لصالح الموساد الإسرائيلي، وعن دوره في اغتيال كل من الشهيدين خليل الوزير "أبي جهاد" وعاطف بسيسو، وكان التحقيق الفلسطيني قد طال شخصية "عدنان ياسين" نائب السفير الفلسطيني في تونس، وقبل أيام أعلنت الحكومة الفلسطينية في غزة عن نيتها تطبيق حكم الإعدام بحق عدد من عملاء إسرائيل، الذين أصدرت المحاكم الفلسطينية بحقهم حكماً بالإعدام، وقبل فترة من الزمن ألقى حزب الله اللبناني القبض على شبكات تجسس تعمل لصالح الدولة العبرية، وتضم شخصيات معروفة ورتب عسكرية، والعجلة تدور!.
فما هذا؟ هل يمكن الاستنتاج أن روح إسرائيل، وصلب بقائها تأسس على حفنه من العملاء الذين باعوا أنفسهم، وأن هؤلاء العملاء هم شريان الحياة للدولة العبرية؟ وهل يمكن الاستنتاج أن الدولة العبرية تهتم بصناعة العملاء من كافة المستويات، وفي كافة بلاد العرب والمسلمين؟ وهل يمكن الاستنتاج أن هنالك آلاف العملاء العاملين لصالح الدولة العبرية لما يزل يعملون، ولم يتم الكشف عنهم، وهم الدم الدافق في عروق اليهود، وهم بصرها وأذنها وإحساسها المبكر بالخطر، وهم ذراعها الضارب؟ وهل يمكن الافتراض أن العملاء هم شعر رأس شمشون اليهودي، ومصدر قوته، فإن قص شعر شمشون تغشى الظلام عين إسرائيل، وصار في آذانها وقرٌ، وصارت كالوحش الهائج الذي دمر المعبد على نفسه.
لا استغرب النتائج التي توصل إليها مركز الحرية للدارسات واستطلاعات الرأي في قطاع غزة، والتي تبين أن نسبة 86% من الفلسطينيين في غزة مع تنفيذ حكم الإعدام بحق العملاء الذين تجسسوا لصالح إسرائيل. ولاسيما أن الناس في غزة قد توجعت، واكتوت، وأدركت أن الذي حفر قبر الشهداء هم العملاء، وأن وراء كل أسير في السجون الإسرائيلية يتواجد عميل، وأن فوق كل بيت مدمر، وتحت كل سيارة قصفت يوجد عميل، وأزعم؛ أنه لو جرت دراسة على أبشع الألفاظ التي تتأذى منها الأذن الفلسطينية والعربية بشكل عام؛ لكانت لفظتي: عميل، وجاسوس، لفظتان تشيران إلى الخائن الذي استسهل تقديم المعلومات عن حياة الفلسطينيين والعرب لأعدائهم. هؤلاء الخونة لا مكان لهم في الدنيا، ولكن وفق القانون.
استطلاع الرأي المؤيد لتنفيذ حكم الإعدام بنسبة ساحقة له ما وراءه من تنبيه إلى مزاج الشعب الفلسطيني، الذي يصطف بغالبيته في خندق المقاومة، ويرفض التنازل عن حقوقه التاريخية والسياسية في فلسطين.

السبت، أبريل 03، 2010

لماذا يدفعون لنا الأموال؟

د. فايز أبو شمالة
لسنا من ذوي العيون الزرقاء، ولا من أصحاب الشعر الأشقر، فلماذا يحرص الأوروبيون والأمريكيون على دفع الأموال لنا، نحن الفلسطينيين؟ بل ويدفعون لنا بسخاء، وحريصون على إرضائنا، وإشباعنا، وإسكاتنا حتى صرنا مثل دجاج المزارع المعلوف بنسبة البروتين عالية الجودة، وكما يقال: أكلٌ، ومرعى، وقلة صنعة، حتى صرنا نعطي بيض الصمت كل صباح! ونصفق لإنسانية الغرب بأجنحة الفرخ الذي ينتظر أن يزقه مطعموه.
ما أكثر الوفود الأجنبية الزائرة لفلسطين، بعضها جاء من اليابان ليعالج الصرف الصحي، والآخر جاء من إيطاليا ليهتم بالمياه العذبة للمواطن الفلسطيني، وفريق ثالث جاء من فرنسا بغرض نشر الثقافة الحرة، والاهتمام بالمرأة، وفريق ألمانيا يعتني بالطفل، ما هذا يا فلسطين؟ كيف تساقط عليك مطر الخيرات الأوروبية؟، وتم تشكيل المؤسسات لدعم الشعب الفلسطيني، وتواجدت على أرضك الجمعيات السياسية الداعمة للديمقراطية، وتم عقد المؤتمرات الدولية لدعم الشعب الفلسطيني؟ لماذا كل هذا الاهتمام بكم يا أيها الفلسطينيون؟ لماذا لا يصير الاهتمام بإخوانكم العرب في الأردن، أو بإخوانكم العرب في مصر؟ لماذا يقدمون لكم أنتم الأموال، وطرق إنفاقها، وكيفية تطوير الانتفاع، وآلية توظيفها واستثمارها؟ سؤال كبير يطرح على كل ذي عقل؟ لماذا ينفقون علينا من ميزانياتهم، ويقطعون اللقمة عن فم أطفال العراق والسودان والصومال ليضعوها في فم الفلسطينيين؟ وإلى متى؟
سيخرج من يقول لي: لماذا تنسى الطرف الآخر من معادلة الانقسام الفلسطينية، والخلافات العربية؟ ألا تبصر إيران، والمال الذي تدفعه لحزب الله في لبنان، ولحركة حماس في غزة؟ إن لإيران أطماع توسعيه، وهي تسعى إلى إيجاد ركائز لها في المنطقة العربية، ولإيران أهداف سياسية بعيدة المدى تكمن وراء تصنيع القنبلة الذرية، ولهذا تدفع المال لصنائعها في المنطقة، إنه مال سياسي، يقبضونه كي يمررون مخططات إيران!
هذا الحديث يعيدني إلى البداية التي تقول: لا أحد يدفع مالاً لزرقة عيون الفلسطينيين، ولا من أجل ترقيق ضميرهم، وتعزيز ديمقراطيتهم، المال الذي يدفع على هيئة رواتب، ومساعدات، ومؤسسات حقوق إنسان يصل راتب بعض مسئوليها إلى ألاف مؤلفة من الدولارات الأمريكية، وأخرى نثرية، جاء لشراء الذمم، وتثبيط الهمم، ووأد الحمم البركانية التي تتفجر في قلوب شعب اغتصب اليهودي أرضه، وطردوه، وتركوه يرتزق، كي لا يقاتل عدوه، وإنما ليتقاتل فيما بينه على الفتات، والرتب العسكرية الوهمية، والدرجات الوظيفية.
يعرف ذلك السيد سلام فياض وهو يقول لعكيفا إلدار في صحيفة هآرتس: إن السلام يصنع بين المتساويين، وليس بين الأسياد والخدم.

كتابي الذي قبّله أبو عمار

د. فايز أبو شمالة
ما سيلي فقرة من كتابي "افتراض المشابهة" المطبوع في رام الله سنة 2003، وفيه رأيي الصريح بالتنسيق الأمني، وموقفي من المنسقين؛ وذلك قبل سيطرة حماس على قطاع غزة، وقد أهديت نسخة من الكتاب إلى الرئيس ياسر عرفات، وكما نقل إليّ، فقد قلّب المرحوم أبو عمار صفحات الكتاب، وقبّله بعد أن وقف عند الصفحة التالية:
لقد انفجرت شرايين قلوبنا مع شرايين قلب الشاعر المتوكل طه وهو يسمع، ويرى، أولئك المسئولين الذين يصافحون المحتل ويلتقطون معه الصور التذكارية، مع الابتسامة العريضة، وهم ينسقون معه لذبح الانتفاضة، ومن ثم يخرجون للتصريح: بأن الانتفاضة مستمرة حتى زوال الاحتلال. هذه الازدواجية لدى المسئولين أوجبت المشابهة بين سياسي الساحة الفلسطينية هذه الأيام، وبين شخصية "الزغل" في التاريخ العربي في الأندلس.
فماذا تقول كتب التاريخ قبل ستمائة سنة: "لقد ظل "الزغل" رمزاً للمقاتل الصنديد ضد القشتاليين في بلاد الأندلس، ولكن الرجل في خطوة غير متوقعة، وبعد أن أدرك أنه محاصر من الأعداء والأصدقاء، وقّع على معاهدة تسليم وتنازل عن البلاد، التي كانت تحت يده، ويد قواده، ووافق على أن يستقر سيداً في مدينة (أندرش) وما إليها، وأن يكون له ألف تابع من بني وطنه، وأن يمنح معاشاً سنوياً كبيراً، لقد وقع "الزغل" في فخ القشتاليين، وأصبح موظفاً يتسلم وقواده الرواتب، ويتحرى مؤامرة القشتاليين لإبعاده عن موطنه، بعد أن وقع لهم على التنازل. وهذا ما تحقق فعلاً، لقد أضطر الرجل إلى المغادرة، وهرب إلى المغرب العربي بماله وعياله، وهناك ألقى القبض عليه بتهمة الخيانة، وحوكم بتجريده من أمواله، وسمل عينيه، وترك يبحث عن لقمته في الشوارع، جزاءاً على ما خان".
عقاب الزغل بهذه القسوة لم يكن الأول في التاريخ، لقد سبق ذلك بآلاف السنين أن عاقب "نبوخذ نصر" الكلداني ملك اليهود "صدقيا"، الذي ثار على حكم الكلدانيين، فأرسل نبوخذ نصر جيشه وحاصر عاصمته "أورشليم" سنة 586 ق.م. ولما ضاقت في وجه ملك بني إسرائيل السبل، فر باتجاه أريحا، وهناك ألقي القبض عليه، وعاقبه نبوخذ نصر بقتل أبنائه الثلاثة أمامه، ثم سمل عينيه، ليكون أخر منظر رآه في حياته مقتل أبنائه الثلاثة، ليعيش ضريراً يلوك الحسرة في شوارع بابل.
بالعودة إلى ديوان "الخروج إلى الحمراء" الذي يحذر القيادة الفلسطينية من النهاية التي وصل إليها الزغل، ويحذر المسئولين من الوقوع بين فكي الذئب، يقول المتوكل طه:
من يأخذ الذئب جاراً صالحاً أبداً لحم الصغار على أنيابه قُبَلُ
إن لغة الشعر تعرف بوصفها خروجاً أو انزياحاً عن قواعد النظام اللغوي المستخدم في الحياة اليومية، أي النظام النثري، سواء أكان هذا الخروج ينتظم في كلام موزون مقفى، أو كان متحرراً بدرجات متفاوتة من قواعد العروض، فالقول الشعري يعتمد على نظام أشاري يختلف عن النظام الذي يستخدمه المتكلم العادي، وقد يكون الذئب جاراً اضطرارياً، وقد يكون صالحاً تكتيكياً، ولكن لفظة "أبداً" يقف لها شعر رأس كل سياسي فلسطيني عاقل.
قرأ أبو عمار الصفحة بتمعن، وهز رأسه بأسى كمن أدرك الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان، فقد كان رئيساً محاصراً في المقاطعة!

الجمعة، أبريل 02، 2010

الانزياح التنظيمي في فلسطين


د. فايز أبو شمالة
ظاهرة اجتماعية، وتنظيمية، وحزبية، تمثل استجابة واعية للمتغيرات الحياتية والسياسية، البعض يدركها سريعاً، يتفاعل معها، وتصيبه بالتأثير الإيجابي، وتوحي له بواقع جديد مغاير، والبعض يظل كالمسار في الخشب، لا تحركه شدة الرياح التي تقتلع الأشجار الجافة، ليجد نفسه مثبتاً في خشبته دون دراية منه في أي أرض قذفت فيه الريح.
لقد شهد تاريخنا الفلسطيني الحديث ميلاد عشرات التنظيمات السياسية، كما شهد موت عشرات أخرى، وشهد الراهن الفلسطيني تنظيمات توسعت جماهيرياً، وتمددت، وتألقت بالفعل الواعي والواثق، وأخرى ضاقت على عناصرها بالوراثة، واضمحلت، وغاب تأثيرها عن الحدث السياسي، ولكن الثابت؛ كلما اختفى تأثير هذا التنظيم كلما تجلى حضور الآخر.
قليلة هي التنظيمات الفلسطينية التي تدرك ما يجرى من تحولات في وجدان الجماهير، ولكن الجميع يلمس ذلك مع حالة الانزياح الجماهيري عن التنظيم، والجفاء السياسي له، والتناقض الفكري معه، وقد عاشت بعض التنظيمات الفلسطينية هذه الحالة، وسعت لتدارك التدهور في حضورها الوجداني للناس، وعملت على تطور أفكارها وفق الواقع، فانتقلت مرة من فكر قومي إلى فكر ماركسي، لتعاود الانتقال من الفكر الماركسي إلى الفكر الاشتراكي، وقد تحولت بعض التنظيمات بمواقفها السياسية، فمن المطالبة بكل فلسطين، إلى القبول بحدود سنة 67 من فلسطين، وانزاحت بعض التنظيمات عن نفسها، وانشقت، وانشطرت، وانفطرت، وكلها شواهد، تقول: لا ثبات، ولا جمود في الحياة السياسية التي تعتمد الحراك، ولاسيما عندما تصطدم التجربة التنظيمية بحائط الصد الواقعي العنيد.
حالة الانزياح التنظيمي التي أصابت الأفراد، هي التي تصيب المجتمعات ككل، وعلى سبيل المثال: لقد هتفت التجمعات الفلسطينية في غزة مطلع السبعينيات من القرن الماضي لتنظيمات اليسار، وعشقت أفكاره، وروايته عن نفسه، وخطابه الإعلامي، حتى صار مخيم جباليا أكبر مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، صار كله يتبع تنظيم يساري بعينه، ولكنه تحول بالتجربة، وانزاح فكرياً، وسياسياً إلى تنظيم آخر لا علاقة له باليسار. وظل كذلك زمناً، حتى أذا اقتربنا من الفترة الراهنة، أدركنا أن المجتمع الفلسطيني واصل تحوله الفكري حتى صار بغالبيته مؤمناً بالعقيدة الإسلامية، وسار وهو يؤمن بخطها السياسي، وسار دون أن يلتفت إلى ما له صله، أو احتكاك، أو علاقة باليسار، الذي صار منظره غريباً، بل صار فكرة شاذاً وسط مجتمع فلسطيني عربي مسلم، لا يتعايش مع الأفكار المستوردة.

الأربعاء، مارس 31، 2010

وجهان لكهرباء واحدة في غزة

د. فايز أبو شمالة
الوجه الأول: لا شرَّ بلا خيرٍ، ولا عسر من انقطاع الكهرباء عن غز بلا يسرٍ، فمن الشرِّ الذي أرادوه بقطع الكهرباء أعطوا لغزة صفاء الذهن الوطني، أخذوا النور عنها وأعطوها دقة بصر المقاومة، وواسع النظر إلى الحلم الفلسطيني، هدوا الصناعة في غزة ليعيدوا إليها هدوء الأعصاب السياسي، فصار ليل غزة بلا كهرباء أجمل، وصار صوتها أرق، وصارت سماؤها أكثر بريقاً، وصار جلباب غزة يفوح عطراً، ويتساقط نرجساً، وفاحت شوارع غزة بالياسمين، وأشرقت بيوتها بالحنين في ثلاثة:
أولاً: انقطاع الكهرباء لساعات يعزل الناس عن نشرات الأخبار، وشبكة الإنترنت، ويعطيهم فسحة للتواصل الاجتماعي، والتفاعل الإنساني الذي يبرمجه الناس مع مواعيد قطع الكهرباء.
ثانياً: بلا كهرباء يشع بريق العتمة في البيوت، وللعتمة همس دافئ، ومشاعر حياة تدركها الحواس، وحكايات عائلية بالأمل عن الغد الذي سيشرق بلا محتل، وبلا غاصب.
ثالثاً: قطع الكهرباء يلزم الأطفال بالنوم المبكر، وبالتالي يتفرغ الوالدان لواجبات أخرى، ولاسيما أنهم يوقتون التواصل الوجداني مع قطع الكهرباء، عندما تشرق العتمة بالأشواق، وترتعش ممرات الكنيست الإسرائيلي من التكاثر السكاني، وتحترق الأوراق.
الوجه الثاني لكهرباء غزة: لا خير في أمة ترتبط بحبل سري مع عدوها، ترجوه الانتصار، فيفيض عليها بالكراهية، ويضن عليها بالكرامة، ويوسع السجون لأبنائها، يطعمها الشهد إن رضي عنها، ويسقيها الذل إن غضب عليها، وهذا ما يدركه سكان غزة في ثلاثة:
أولاً: أن الدولة العبرية سبب انقطاع الكهرباء، والهدف من قطعها المتواصل هو: إشغال الناس عن التفكير في 85% من فلسطين المغتصبة، وعن 15% تحت الاحتلال.
الثاني: أن عدوهم دولة لليهود تفعل ما يطيب لها، ولا تجرؤ أي دولة عظمى أن تقول لليهودي في إسرائيل: لا. ولا يجرؤ أي زعيم عربي مهما كان، أن يمس بسوء شال الحرير الأزرق الذي يلف خصر إسرائيل.
الثالث: أن قطع الكهرباء عن غزة لا تخص سكان قطاع غزة وإسرائيل فقط، وإنما هنالك يد شيطان تنسج كل الوقت ثوب العتمة على مقاس تمرد سكان غزة على شروط الرباعية، وللتفصيل أقول: يحتاج قطاع غزة إلى 3300 كوب وقود صناعي أسبوعياً، ولكن محكمة العدل العليا في إسرائيل قررت أن غزة تحتاج إلى 2200 كوب وقود صناعي أسبوعياً فقط، والتزمت الحكومة الإسرائيلية بذلك، والتزم الاتحاد الأوروبي بتسديد قيمة فاتورة الوقود مباشرة إلى إسرائيل من برنامج الطوارئ حتى نوفمبر 2009، عندما أوقف الاتحاد الأوروبي البرنامج لأهداف سياسية خبيثة، وراح يضخ المال مباشرة إلى حكومة رام الله، التي اكتفت بتسديد فاتورة ما مقداره 1100 كوب وقود صناعي أسبوعياً فقط، لتقع غزة تحت ضائقة الحاجة إلى من يسدد عنها باقي قيمة فاتورة الوقود؟ ولاسيما أن المتضرر المباشر من نقص الوقود هو المواطن الفلسطيني الذي يعاني اغتصاب أرضه، ويكتوي بنار الحصار.
فلماذا تراجع الاتحاد الأوروبي عن تسديد فاتورة الوقود مباشرة كالسابق؟ لماذا ألغى برنامج الطوارئ؟ وهل يهدف الاتحاد الأوروبي إلى تعميق شق الخلاف الفلسطيني عندما حول المال نقداً إلى حكومة رام الله؟ وأين منظمات حقوق الإنسان وهي ترى سجناء غزة بلا كهرباء؟ وهل تقطع الكهرباء عن سجناء "جوانتنامو" وعن سجناء أبو غريب وسجناء نفحة؟ أين جامعة الدول العربية؟ وأين التنظيمات الفلسطينية من يسارها إلى يمينها؟ وأين الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني منظمة التحرير الفلسطينية؟ بل أين رجال حركة فتح الذين يعيبون في مجالسهم الخاصة على حكومة رام الله تنكرها لغزة، وتخصيصها جل الميزانية الفلسطينية لمشاريع في الضفة الغربية؟
على سكان غزة التأقلم مع العتمة، وأن يتحسسوا مسارهم بقرون استشعار المقاومة، وأن يلتقطوا برموشهم نجوم الصبر، ليصنعوا من الصمود قبة الصخرة للمسجد الأقصى.

الأربعاء، مارس 24، 2010

دعاة تصفية الآخر

د. فايز أبو شمالة
في كل صباح، أقف ضارعاً متوسلاً لله أن يخرج شعبنا من حالة الانقسام، وأن ينجي أطفالنا من غدٍ؛ يتربص لهم فيه عدو لا يرحم، يوقد النار تحت قِدر الخلاف، ويجمع الحطب، أقف ضارعاً لله أن يمنَّ علينا بالمصالحة الداخلية، وأن يتم نعمة الإسلام علينا بالمؤاخاة بين الشعب الواحد، وأن ننعم بالسلام الداخلي، فألف عدو إسرائيلي من الخارج لا يوجع حياتنا الاجتماعية، وقضيتنا السياسية كعدو واحد داخلي يسكن فينا، ويسري في عروقنا.
في كل صباح أفتش في الأخبار عن قطرة ماء تبل العروق، وتعلن عن نهاية الجفاء، وترطب الأجواء الفلسطينية الداخلية، فالعاقل يدرك أن الانقسام الفلسطيني شر وإن جلب خيراً شخصياً لبعض الفلسطينيين الذين ارتضوا لأنفسهم أن يتكسبوا من القسمة، ويحسبون أنفسهم من الخاسرين لو التقى الجمع. لهؤلاء أقول: الفرح والأمن والارتواء حالة عامة، فلا يحس أحدكم بالفرح والمنطقة تغرق في الأحزان، ولا يحس بالأمن من تحصن بالحراس والمنطقة مهددة بالأخطار، ولا يحسبن البعض نفسه ناجٍٍ بنفسه وولده وماله إن غرقت السفينة.
في كل صباح أسأل نفسي السؤال ذاته: هل ستنتصر فتح على حماس، وتقتلعها من جذورها، وتسحق آخر فلسطيني ينتمي إلى هذه الحركة؟ وأقلب صيغة السؤال على الشكل التالي: هل ستنتصر حماس على حركة فتح، وتقتلعها من جذورها، وتسحق آخر فلسطيني ينتمي إلى هذه الحركة؟ وأبصر الجواب معلقاً على باب كل بيت، وأبصره في الشارع، وفي السوق، وعلى لسان سائقي السيارات، وفي المداس، والمستشفيات، والمساجد، الجواب الذي يصرخ: لا؛ لن ينجح أيهم في تصفية الآخر، واقتلاعه من جذوره ولو بعد مئة عام. فماذا يتعمق الخلاف، ويصل إلى حد رفض الآخر، ولفظة بصوابه وخطئه؟ لقد انقسم مجتمعنا الفلسطيني على نفسه، وأسلم أمره إلى أحد التنظيمين، وصار الفرز في المجتمع رأسياً، وصارت الكراهية حادة النصل، لا تجرح من يقترب من شفرتها وحسب، وإنما تقطع من حاول نفض الغبار عن المرحلة، أو لمس الانقسام بطرف إصبعه، وأشار إلى خطأ هنا، أو إلى ملاحظة سلبية هناك، لقد صارت الألفاظ تحسب لهذا الطرف أو ضد ذاك.
في كل صباح، يقف الشعب الفلسطيني بين يدي الله، وقبل أن يسأل تحرير فلسطين، يسأل الله نهاية مرحلة الانقسام، ولسان الحال يقول: كفى، لقد اختبر كل طرف قوة الآخر، وتأكد لديه أن لا قدرة للنصف على التفرد في الحكم، وقمع النصف الآخر، فالحياة مشاركة، وأخذ وعطاء، وتبادل أفكار وآراء، ووحدة الوطن تفاهم وتسامح، ووصول إلى نصف الطريق للخلاص من حالة تمزق مهين، لا يتمنى بقاءها إلا كل عدو مبين.

الأربعاء، فبراير 03، 2010

المبحوح، شهيدٌ أم عشيقٌ!؟

د. فايز أبو شمالة
حرصت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية على تشويه سيرة الشهيد القسامي محمود المبحوح، وتعمدت بخبث مفضوح أن تربط بين الشهيد المبحوح، وبين وجود فتاة نجحت في خداعة، ليفتح لها الباب، وبالتالي سهلت عملية انقضاض طاقم الموساد عليه، وهنا لست بمعرض مناقشة سخافة الفكرة، وسماجة عنوان الصحيفة الذي جاء تحت عنوان: "المرأة التي أسقطت بالفخ كبير حماس" وذلك لأن الرجل ينتمي لدينه الإسلامي أولاً، ومخلص لوطنه، وشعبه ثانياً، ومؤسس لكتائب القسام ثالثاً، وكلها شواهد تقول: إنه منتمٍ، والمنتمي منشغل بمستقبل شعب، مسكون بالهم الوطني، وموجوع بالوفاء، بالتالي ليس عاشقاً لامرأة مشبوهة! فكيف لو كان مراقباً، وملاحقاً، وتعرض من قبل لمحاولة القتل، ويمارس عبادة التضحية بالنفس في سبيل الله، ويحلم بما هو أسمى من الأرض وما عليها؟
إن الذي حاول تسويق خبر وجود فتاة مشبوهة، وإيجاد رابط ما بينها وبين عملية الغدر التي تمت، ليقصد من ذلك الإساءة إلى الفكرة التي آمن فيها الشهيد قبل الإساءة إليه شخصياً، والهدف هو إثارة حالة من الظن السيئ، والضعف الإنساني، وكأن العدو الإسرائيلي استكثر على شعبنا الفلسطيني وجود هكذا شخصية قيادية تتميز بالوفاء، والعطاء، والإخلاص، فسعى إلى تشويه صورتها، ليفسد مقومات الفخر، والاعتزاز بأن لدى الفلسطينيين رجالاً تفكر، وتعمل، وتسهر على تسليح غزة، وتعزيز صمودها المقاوم، ونقل المعدات لها من آخر الدنيا رغم الحصار الأمريكي والإسرائيلي والفرنسي، ورغم العيون.
أحسب أن أول من تنبه إلى مقتل الشهيد المبحوح هو الكاتب الدكتور مصطفى اللداوي، وهو أول من تشكك في الموت الطبيعي للشهيد، وأول من كتب مقالاً بعنوان: "قتل ولم يمت"، ويبدو أن الكاتب كان يعرف الشهيد شخصياً، وفي مقاله الأخير عن كيفية الغدر، أشار الكاتب اللدواي إلى أن الشهيد الذي يتمتع بقوة جسدية تمكنه من مقاتلة مجموعة من الرجال، تمكن منه مهاجموه أثناء وجوده في الحمام، وفي وضع لا يسمح له بالدفاع عن نفسه، وهذه رواية مطلع، ومتابع لمجريات التحقيق، وهي تنفي بشكل مطلق ما ورد في صحيفة يديعوت عن وجود امرأة، وقفت على باب غرفة الفندق. ولا تعني إشارة رئيس طاقم التحقيق الكولونيل "ضاحي خلافان" إلى إمكانية ضلوع الموساد الإسرائيلي في اغتيال المبحوح، وأن سبعة أشخاص أو أكثر يحملون جوازات سفر أوروبية شاركوا في خلية التصفية، ما يستوجب الغمز من قناة امرأة شقراء، وما يثيره هذا الكلام من تشكك لدى بعض النفوس الضعيفة، التي حاولت الطعن في صلب العقيدة الجهادية التي آمن فيها الشهيد المبحوح.
لقد تعمدت بعض المواقع الفلسطينية إلى تبرئة الموساد من دم الشهيد، وبدل أن تشير إلى الجهد الفلسطيني الجريء في تسليح غزة، وإلى العمل الدءوب الذي تقوم فيه المقاومة لتوفير مقومات الصمود، وشحن السلاح إلى رجال المقاومة، ذهبت بعض المواقع الصفراء حقاً إلى إثارة حالة من التشكك في قيادات المقاومة، وتعمدت إلى إلصاق التهمة بالخلافات الفلسطينية داخل التنظيم الواحد الذي ينتمي إليه الشهيد المبحوح.
فإذا كان هدف الصحيفة العبرية هو تشويه المقاومة، ومحاربة الفلسطينيين، وتشكيكهم بأنفسهم، فما هو هدف المواقع الفلسطينية الصفراء التي تطعن بمصداقية المقاومة؟
fshamala@yahoo.com

الاثنين، فبراير 01، 2010

لذةُ العطاءِ

د. فايز أبو شمالة
للعطاء لذة تفوق لذة الأخذ لمن أدرك الدلالة، ولا يفقه ذلك إلا من أعطى بلا حساب، وسما بالعطاء إلى مراقي التضحية، أما من تعود على الأخذ، وقعد ملوماً كسيراً، فإنه يستهجن ذلك، ويتشكك بصدق العطاء، ويرتاب، لأنه لا يؤمن بالحياة على الأرض إلا من خلال بعدها المادي، وفي إطارها التبادلي، دون أن يستشرف حقل الروح، ويتنسم هواءه، لذا يستغرب بعض عبيد الفكر المادي وجود التضحية، ولا يصدق ما قاله إسماعيل لأبية إبراهيم، عليهما السلام، عندما همَّ ليذبحه. ويفغر بعضهم فاه، وهو يسمع عن الذي ضحى بدمه، وحياته، وسنوات عمره، وماله في سبيل الله، ودفاعاً عن الوطن، دون أن ينتظر عوضاً من بشرٍ.
والعطاء عادة، يكتسبها الإنسان بالممارسة العملية، والتجربة التي تستحثه على مزيد من العطاء، بل وتطوير هذه المقدرة على نكران الذات، وسلخها عن شهواتها المادية، إلى أن يصير العطاء سلوكاً، يملي على صاحبه مزيداً من التضحية دون تفكير، أو مراجعة لحساب الربح والخسارة، ليصير أسير العادة، لا يدقق كثيراً في نهاية المطاف، فقد وصل إليه بالروح، وحسم أمره من قبل، وألقى بحمله على من هو أكبر من صغائر الدنيا.
ولا أفضح سراً لو قلت: إن خلايا روحي تتجدد مع شباب المقاومة الفلسطينيين، الذين يعملون سراً في قطاع غزة، ويحضّرون لغدٍ آتٍ لا محالة مع عدوهم الإسرائيلي، يمارسون نشاطاً جسدياً مضنياً، وهم يشدّون عصب الروح إلى أقصى مدى، بحيث لا يصدق من له حسابات مادية على الأرض، أن بشراً يقوم بهذا العمل دون مقابل، وأن بشراً يُقْدِمٌ على كل هذه المخاطرة دون أن ينتظر كلمة شكر. فالذي آمن بالعطاء يتصرف ضمن عادة الاقتناع، بأن ما يقوم فيه من عمل يرتقي إلى مصاف القداسة، ولاسيما أنه يؤسس، ويبني، ويحضر لما سوف يحمي ما هو مقدس لديه، فإذا بالقداسة تنتقل من عمقها الروحي لتتجسد بالفعل المادي الذي يمثله العطاء، وما يتبع ذلك من كظم المعلومة، وتطوير الحس الأمني، وعشق الواجب، والمبادرة، والالتزام، والغرق في ساعات العمل دون الإحساس بالوقت، أو الانتباه إلى الزمن الذي صار مضمونه إنجاز المهمة بنجاح، دون انتظار موعد الإجازة، أو حتى الإحساس بالمرض الذي يقعد عن العمل، أو يعيق عن ممارسة لذة العطاء.
قد يسأل غبي، أو خبيث: أين هم، إن غزة تمنع إطلاق الصواريخ، وتحرس الحدود؟!
في رسالة لها؛ ذكرتني الكاتبة الفلسطينية "سوسن البرغوثي" بالجملة التي قالتها أم الشهيد "محمد فرحات"؛ المرأة التي قدمت ابنها الغالي شهيداً، قدمته، وهي تعي ما تفعل، وتدرك معاني العطاء، لتقول: قدمت الغالي للذي هو أغلى!
fshamala@yahoo.com

السبت، يناير 30، 2010

كلاهما يقول، وكلاهما يفعل

د. فايز أبو شمالة
يصر نتانياهو على مواصلة الاستيطان في الضفة الغربية، ويمارس ذلك بالفعل، وليس بالقول، وفي رسالة بليغة المعاني، توجه "نتاياهو" بعد لقائه مع المبعوث الأمريكي "جورج ميتشل" إلى كتلة "غوش عتصيون" الاستيطانية، وقال: لقد جئت إلى هنا كي أغرس شجرة، ومن ثم سأتوجه إلى مستوطنة "معاليه أدوميم"، والهدف هو إرسال رسالة واضحة بأننا هنا، وسنبقى هنا نزرع ونبني، وهذه المنطقة ستبقى جزءا لا يتجزأ من دولة إسرائيل إلى الأبد. فماذا يمكن أن يقول المفاوض الفلسطيني بعد هذا الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الاستيطان؟. لقد أصر السيد عباس على ضرورة وقف الاستيطان كشرط لاستئناف المفاوضات. ولكنه من جهة أخرى يقول: أننا سنواصل المفاوضات، ولا طريق آخر غير المفاوضات، وأنه لن يسمح بأي مقاومة للإسرائيليين.
وكما وعد نتنياهو الإسرائيليين، توجه بعد يومين إلى مستوطنة "معالية ادوميم" التي تعتبر كبرى مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، وقال فيها: "بعد أن تم تحرير المدينة (يروشليم) القدس، فُتحت الطريق إلى البحر الميت، واليوم تقف "معاليه ادموميم" على هذا الطريق كجزء من القدس، وأضاف: "نحن هنا، وسيستمر وجودنا هنا، وسنبني هنا لان المكان جزء من القدس السيادية. لقد حضرت إلى هنا من مجمع "غوش عتصيون" جنوب القدس الذي يمثل البوابة الجنوبية للقدس، والآن أنا في "معاليه ادوميم" البوابة الشرقية للقدس، وقريبا سأزرع شجرة في مستوطنة "آرئيل" كما زرعت فيها جامعة". في مقابل ذلك، رفض السيد عباس الاستجابة لطلب المبعوث الأمريكي باستئناف المفاوضات دون شروط، بينما تواصل قوات الأمن الفلسطينية منع المقاومة فعلياً، وما زالت تسمي المقاومة عنفاً.
وكما وعد "نتايناهو" الإسرائيليين، توجه إلى مستوطنة "أرييل" بالقرب من مدنية نابلس، وشارك فيها بزراعة الأشجار، وقال: "أسلافنا عاشوا هنا، وهنا نحن سنعيش، وسنبني" لقد جاءت زيارته لمستوطنة "آرييل" بعد تصريحات عباس للتلفزيون الروسي حول استعداده للاعتراف "بالدولة اليهودية في إطار اتفاق سلام شامل، وجاءت بعيد ساعات عل تصريحات الرئيس الأمريكي، باراك أوباما التي حمل فيها حركة حماس، وما أسماه "اليمين الإسرائيلي" مسؤولية تعثر عملية السلام، معتبرا "أن نتنياهو يحاول التحرك مسافة اكبر مما يرغب فيه ائتلافه الحاكم". وبالفعل، لقد تحرك في اتجاه تعزيز بقاء المستوطنات.
في المقابل؛ يكرر السيد عباس القول: بضرورة أن تستأنف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها قبل عام، ولكنه يتشاور مع الدول العربية في إمكانية استئناف المفاوضات غير المباشرة، وعن قرب، مقابل رزمة تحسينات حياتية، بينما يواصل السيد نتانياهو العمل على الأرض، ويقول: لنبدأ التفاوض من نقطة الصفر، ودون شروط.
فهل مرَّ عليكم أصدق من فعل السيد نتاياهو، وأبلغ من قول السيد عباس!.
fshamala@yahoo.com

الجمعة، يناير 29، 2010

إلى الأبد، ابق يهودياً

د. فايز أبو شمالة
كنت طفلاً في الحادية عشر من عمري عندما حدثت المحرقة، وما زلت أذكر كلمات أبي، ووصيته لي: إلى الأبد، أبق يا ولدي، يهودياً. هكذا وظف شمعون بيرس رئيس دولة إسرائيل الذاتي لخدمة العام اليهودي، وهو يتحدث أمام البرلمان الألماني في الذكرى التي يسمونها "الكارثة والبطولة" بينما جلس أعضاء البرلمان مؤدبين في حضرة الرئيس الإسرائيلي، ولم تبد منهم أي مشاغبة، أو رفض لهذا التحقير اليهودي لتاريخ ألمانيا، والأدهى من ذلك؛ أن أعضاء البرلمان قاطعوا شمعون بيرس بالتصفيق أكثر من مرة، بل وقفوا لدقائق مع نهاية الكلمة، وهم يصفقون، ويبايعون "شمعون بيرس" يهودياً تنكّس أمامه رؤوس الألمان، ويقسم قادتها السياسيون بين يديه يمين الخضوع لليهود.
كنت مندهشاً وأنا أتابع كلمة شمعون بيرس باللغة العبرية، وقد بثتها الإذاعة، والتلفاز الإسرائيلي، وكانت الدولة في غاية الفرح، بينما صدى حروف اللغة العبرية تتردد وسط برلين، في المبنى التاريخي "البندوستاغ"، وشمعون بيرس يقول: في مثل هذا اليوم قبل سبعين سنة نفذ النازيون الألمان جرائهم بحق اليهود أبناء جلدتي، وفي سنة 1951، اعترف المستشار الألماني بالمحرقة اليهودية، وبحق دولة إسرائيل بالتعويض، وها هي ألمانيا تدعو إلى هذا اليوم العالمي لإحياء الكارثة، كدليل على صداقتنا، وتواصل العلاقة الحميمة بين ألمانيا وبين إسرائيل، وبين أوروبا وبين إسرائيل، وما عليكم إلا الحلم الرائع للمستقبل.
أليس غريباً هذا التذلل الأوروبي لليهود؟ وهل حقاً هذه هي ألمانيا؟ وهل هذه هي حقيقة الشعب الألماني؟ فما الذي سحق عقول الأوروبيين، وذاكرتهم؟ وكيف انقلبوا على أنفسهم، وهم من قرأ تاريخ اليهود، ولامسوا بأعينهم ما قاله: "بار بوروخوف" ممن وضعوا الأساس لدولة إسرائيل، ورفعوا شعار: "بالدم والنار سقطت يهودا، بالدم والنار ستقوم يهودا". ومع ذلك يتنكر الأوروبيون لماضيهم، وينسون الحاضر، وهم يصغون للقاتل "نتانياهو" وهو يقول في الاحتفال المركزي للذكرى في بولندا: جئت من "أورشليم" لأقول لكم: إلى الأبد لن ننسى، ولن نصفح، ولن نسمح لم ينكر حدوث الكارثة، بأن يمحو ذاكرتنا.
إنه الخوف اليهودي على الذاكرة المزيفة التي زرعوها في عقول البشر لأغراض عقائدية، وهم حريصون على توظيفها باستمرار، ولاسيما بعد أن فضحت حرب غزة حقيقتهم، كما قال الكاتب الإسرائيلي "جدعون ليفي": إن ألف خطاب ضد اللاسامية لن يطفئ النار التي أضرمتها حملة "رصاص مصبوب"، ليس فقط ضد إسرائيل بل ضد العالم اليهودي بأسره. وهذا ما يستحث العرب والفلسطينيين لأن يبعثوا ذاكرتهم، وأن يرددوا صباح مساء: إلى الأبد سنبقى عرباً مسلمين، وإلى الأبد لن ننسى حقنا في فلسطين، ولن نسمح لم تآمر على حقوقنا، وأخرجنا من ديارنا، بأن يخرجنا عن ديننا، ومن ذاكرتنا، أو أن يدنس تضحياتنا.
fshamala@yahoo.com

الأربعاء، يناير 27، 2010

للفلسطينيينَ قيادةٌ خارجُ فلسطينَ

د. فايز أبو شمالة
لطالما سعت إسرائيل لإيجاد قيادة فلسطينية داخل الأراضي المحتلة، قيادة محلية تتحمل مسئولية العمل السياسي الفلسطيني. ولكن باءت محاولاتها بالفشل، حتى وهي تخلق روابط القرى، وتدعمها كقيادة بديلة، لأن الفلسطينيين صرخوا: منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي التي تمثل مصالح كل الفلسطينيين أنّى تواجدوا، وهي النبع التي يرد حوضها كل الرعاة الظمأى للحرية.
سببان كانا وراء التفتيش الإسرائيلي عن بدائل محلية لقيادة العمل السياسي؛ الأول: إن وجود قيادة فلسطينية داخل حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، يعني وجود قيادة تحت السيطرة، وغير قادرة على تجاوز الأفق الإسرائيلي، مهما علت تطلعاتها، ومن يتشكك في ذلك، ليقرأ النتيجة التي وصل إليها الشهيد ياسر عرفات، أو ليعرف ما هو مصير الوزراء الفلسطينيين، وأعضاء المجلس التشريعي، ورؤساء البلديات الذين ينتمون لحركة حماس؟
الثاني: قيادة فلسطينية داخل حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، هي قيادة تمثل مصالح أربعين في المائة من الشعب الفلسطيني، وتفتش عن حلول لا يتجاوز مداها المساحة الجغرافية لمدن الضفة الغربية وقطاع غزة، بالتالي فهي قيادة تخلت رغم أنفها عن يافا، وحيفا، وعكا، وصفد، وعسقلان، وبيت دراس، ولا تعبر عن طموح اللاجئين.
إذن؛ لم تكن إسرائيل غبية، وهي تحاول خلق قيادات محلية بديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يكن الشعب العربي الفلسطيني غبياً وهو يصر على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد، وهذا ما أعجز إسرائيل التي لجأت إلى التحايل، والخداع السياسي لتدجين منظمة التحرير، وجعلها قيادة محلية بديلة، بشعارات وطنية كبيرة، قيادة تمارس عملياً ما استعصى على غيرها ذات يوم، ولا غرابة، والحال هذا، أن تجد الشعب الفلسطيني قد تغير، بعد أن اختفت منظمة التحرير الفلسطينية التي هتف لها ممثلا شرعيا وحيداً، ليحل محلها منظمة تحرير لا تمثل أحلام، وطموحات كل الشعب الفلسطيني سواء أكان في الشتات، أو في دول اللجوء، أو داخل الوطن المحتل؟.
هل يفهم من كلامي هذا أننا بحاجة إلى قيادة سياسية فلسطينية خارج حدود السيطرة الإسرائيلية؟ أقول: نعم، ويجب أن تكون مرجعية القرار السياسي الفلسطيني خارج حدود فلسطين المحتلة، وبعيداً عن المجال الإسرائيلي الذي فرض نفسه على القرار الفلسطيني، ومن يدعي أن هنالك حرية رأي، وتعبير، وانتخابات حرة، واختيار نزيه للقيادة، واستقلالية للقرار الفلسطيني فهو واهم، ويزكي الاحتلال، ويطهر سلاح الإسرائيليين من الدم الفلسطيني.
بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، شاركتُ شخصياً سنة 1998 في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في مدينة غزة، كان المؤتمرون الفلسطينيون يصفقون للرئيس الأمريكي بلا وعي، وبلا عقل، وكأن الرجل الأمريكي جاء محرراً لفلسطين، لقد صفق المؤتمرون لذكر أي شيء له علاقة بالرئيس الأمريكي، فإذا قيل: زوجة الرئيس، صفق المؤتمرون، وإذا قيل: البيت الأبيض، صفق المؤتمرون، وإذا قيل: الجيش الأمريكي، صفق المؤتمرون، وسط هذا الضجيج السياسي المأساوي، صرخت بصوت صاخبٍ غاضبٍ: كفى. لم يبق لكم إلا التصفيق لكلب كلينتون. انتبه إلي صراخي بعض الحضور، ومن ضمنهم؛ مراسل التلفزيون الإسرائيلي "يهودا عاري"، الذي نظر إلي بشماتة، وهو يواصل التغطية الإخبارية التي انسجمت مع زفير الإسرائيليين، الذي لوّث أحلام غزة.
fshamala@yahoo.com