‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالله المدني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالله المدني. إظهار كافة الرسائل

الأحد، أبريل 18، 2010

الحيرة ما بين النظامين الرئاسي والبرلماني: باكستان مثالا

د. عبدالله المدني

على الرغم من مرور اكثر من 62 عاما على قيامها ككيان مستقل، لا تزال باكستان حائرة ما بين الأخذ بالنظام البرلماني أو الأخذ بالنظام الرئاسي، علما بأن لكلا النظامين حسناته وسيئاته كما أثبتت التجارب في أكثر من مكان. ولعل أفضل دليل على حيرة باكستان هو موافقة جمعيتها الوطنية مؤخرا على إصلاح دستوري يستهدف العودة مجددا إلى النظام البرلماني، أي إلى النظام الذي يكون فيه رئيس الجمهورية مجرد صاحب منصب فخري يفتقد إلى أمضى سلاح ألا وهو سلاح حل البرلمان والدعوة إلى الإنتخابات، فيما السلطة الفعلية في يد رئيس الحكومة الذي عادة ما يكون رئيس الحزب الحائز على أكبر عدد من مقاعد البرلمان المنتخب.

وبتلك الموافقة التي شارك فيها أغلبية نواب الجمعية الوطنية، دون وجود أصوات ممانعة أو غائبة، وحظيت بإشادة مختلف القوى السياسية، وذلك في مشهد نادر الحدوث داخل دولة عرفت طوال تاريخها بالإنقسام السياسي على نفسها، تكون باكستان قد أقدمت على التعديل الثامن عشر لدستورها، علما بأن آخر مرة تم فيها تعديل دستورها كان في عام 2003 أي في عهد الرئيس السابق الجنرال برويز مشرف والذي سعى من خلال ذلك الإجراء إلى تعزيز صلاحياته كرأس للدولة، بمقدوره حل البرلمان وإقالة الحكومة كيفما شاء ومتى ما شاء.

ومن جهة أخرى فإن الإصلاح الجديد الذي شمل أكثر من تسعين مادة من مواد الدستور الحالي، وعكف على صياغته وإعداده ممثلو 14 حزبا سياسيا ممثلا في غرفتي البرلمان بما فيها حزب رئيس الجمهورية الحالي "آصف علي زرداري" الذي ستتقلص صلاحياته بصورة كبيرة وبالتالي سيتحول إلى رئيس ضعيف لا حول ولا قوة له – يقال أنه رضخ لذلك في مقابل وعد بعدم النبش في المخالفات وأعمال الفساد والإفساد التي أرتكبها في عهد حكومة زوجته الراحلة "بي نظير بوتو" – سيعيد باكستان مجددا إلى دستور عام 1973 الذي حكم بموجبه الراحل "ذوالفقار علي بوتو" بلاده كرئيس قوي للوزراء ما بين عامي 1973 و1977 فيما كان رئيس الجمهورية هو "تشودري فضل إلهي"، وذلك قبل أن يقوم الجنرال محمد ضياء الحق في عام 1977 بإنقلابه العسكري المشؤوم الذي تلاه إيقاف العمل بدستور 1973 وإعلان الأحكام العرفية، وتنصيب نفسه كرئيس للجمهورية بصلاحيات واسعة من عام 1979 وحتى تاريخ مقتله في حادث تحطم طائرته في السابع عشر من أغسطس عام 1988.

والباحث في تاريخ باكستان وتحولاتها السياسية، سيكتشف أن أول دستور لها كان ذلك المعروف بقانون حكومة الهند لعام 1935 . وقد ظل العمل ساريا بهذا الدستور إلى أن تم إنتخاب جمعية وطنية في عام 1947 من أجل صياغة دستور بديل يجسد الأهداف التي إنفصلت من أجلها البلاد عن الهند البريطانية. لكن هذه الجمعية لم تنه أعمالها إلا بعد مخاض عسير إستغرق نحو تسعة أعوام، ليولد ما عرف بدستور العام 1956 والذي لم يعش طويلا.

أما السبب فهو أن الميجور جنرال "صاحب زادة سيد إسكندرعلي ميرزا"، الذي كان قد عين كرئيس للبلاد في أغسطس 1955 ، قام بإنقلاب عسكري في أكتوبر 1958 من أجل تعزيز صلاحياته ونفوذه. وبطبيعة الحال لم يكن هذا ممكنا دون إيقاف العمل بدستور 1956 الذي إجتهد وتعب المشرعون المدنيون في صياغته ليكون نواة للدولة الديمقراطية العصرية.

وتشاء الأقدار أن يزاح "إسكندر ميرزا" بنفس الطريقة التي جاء بها. ففي نفس العام الذي قاد فيه إنقلابه، إنقلب عليه قائد جيشه والشخص الذي أوكل إليه قيادة سلطة الأحكام العرفية ألا وهو الماريشال "محمد أيوب خان" الذي أمسك زمام الأمور بيد من حديد كرئيس للجمهورية ورئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة بأفرعها الثلاثة. وهكذا لم يتم التطرق مجددا إلى موضوع الدستور إلا في عام 1960 ، وذلك حينما عين أيوب خان بنفسه لجنة من أجل صياغة مشروع دستور جديد. وقد أنهت هذه اللجنة عملها بعد عامين بتقديم ما عرف بدستور العام 1962 . لكن هذا الدستور أطيح به أيضا، بل أن الذي أطاح به هو من أقره أي الماريشال أيوب خان وذلك حينما أعلن الأحكام العرفية في البلاد في مارس 1969 وسلم السلطة إلى رئيس أركان جيشه الجنرال "آغا محمد يحيى خان" تفاديا للمزيد من المظاهرات الشعبية ضد حكمه.

وما يهمنا هنا هو التركيز على دستور العام 1973 الذي جاء بعد التجربة القاسية لإنفصال الجناح الشرقي للبلاد والذي لم يقلص مساحة باكستان وعدد سكانها وحجم ثرواتها فقط، وإنما أطاح أيضا بالفكرة التي بنى عليها القائد الأعظم "محمد علي جناح" دولته المسلمة المستقلة، وهي أن الأخيرة هي الممثلة والحامية والمجسدة الوحيدة لأحلام عموم مسلمي شبه القارة الهندية. وسبب تركيزنا على دستور 1973 هو أنه ركيزة الإصلاحات الأخيرة التي تنتظر مصادقة مجلس الشيوخ الباكستاني عليها لتكون نافذة.

يتطرق هذا الدستور، الذي كان قد دخل حيز التنفيذ إبتداء من 14 أغسطس 1973 ، إلى جملة من الأمور المفصلية مثل:

دور الإسلام كعقيدة رسمية للبلاد، و كشرط يجب توفره في كل من يشغل او يسعى إلى شغل منصبي رئاسة الجمهورية أوالحكومة. أما فيما عدا هذين المنصبين فيسمح لمعتنقي الديانات الأخرى بإشغالها.
ضرورة نشر الإسلام ومبادئه ومفاهيمه بكل الطرق والوسائل مع جعل دراسة القرآن والعلوم الإسلامية إجباريا لتشجيع وتسهيل الإلمام باللغة العربية.
بيان دور وصلاحيات الحكومة الفيدرالية وحكومات الأقاليم.
بيان صلاحيات ومواصفات رئيس الجمهورية (يجب ألا يقل عمره عن 45 وينتخب من قبل نواب الشعب لفترة لا تزيد عن خمس سنوات، ولا يزاح إلا بأصوات ثلثي نواب الشعب، وتنحصر مسئولياته في إصدار الأنظمة المحلية أثناء غياب مجلس النواب عن الإنعقاد ومنح العفو وأخذ العلم من رئيس الحكومة بتطورات الشئون الداخلية والخارجية)
بيان صلاحيات ومواصفات رئيس الحكومة (ينتخب من قبل مجلس النواب بالأغلبية، ويتمتع بصلاحيات أوسع بكثير من صلاحيات رئيس الجمهورية، ويكون هو وأعضاء حكومته مسئولين أمام مجلس النواب الذي يستطيع محاسبتهم ومساءلتهم وإستجوابهم).
توضيح دور المجلس التشريعي الفيدرالي المماثل لدور البرلمان البريطاني.
توضيح دور ومسئوليات مجلس الشيوخ كمؤسسة تشريعية تضم ممثلين عن مختلف أقاليم البلاد بأعداد متساوية، وذلك كحل لتبديد مخاوف الأقاليم من هيمنة المركز على صناعة القرار.
تأسيس مفوضية قومية للمالية من وزير المالية الإتحادي ووزراء المالية في الحكومات الإقليمية، وذلك بغرض تقديم النصح فيما يتعلق بتقسيم عائدات الدولة ما بين المركز والأقاليم.
التأكيد على بعض الحريات العامة والأهداف الحيوية مثل: حق المرأة في المشاركة السياسية وشغل أعلى المناصب في الدولة، وحماية الأقليات، وتأمين الرعاية الإجتماعية، و تطوير الحياة الإقتصادية لمختلف فئات الشعب، وتوثيق روابط باكستان بالعالم الإسلامي، والعمل على إشاعة السلام في العالم، وحظر الرق والتشغيل بالقوة، و مكافحة كافة أشكال التمييز، وتأمين سلامة المواطن وأمنه وحريته في العمل والتنقل والتجمع والتعبير والتعبد والترفيه البريء.
التأكيد على إستقلالية السلطة القضائية وتمتعها بمكانة سامية في الدولة.
.

ومما لا جدال فيه أن الإصلاحات الدستورية الأخيرة بالمضامين سالفة الذكر ستجعل – حين دخولها حيز التنفيذ – من رئيس الحكومة الحالي "يوسف رضا جيلاني" صاحب اليد العليا في باكستان. وبما أن هذا الأخير هو عضو في حزب الشعب الباكستاني الذي يتزعمه حاليا رئيس الجمهورية " آصف علي زرداري"، فإن سلطة الأخير قد لا تهتز كثيرا رغم الجدل الكبير الدائر حول مصداقيته، وذلك إنطلاقا من حقيقة النفوذ الهائل الذي يتمتع به عادة زعماء الأحزاب الباكستانية داخل كياناتهم الحزبية.
على أن بعض المحللين ينظرون إلى هذه التغييرات بشيء من القلق، على الرغم من إستحسانهم المبدئي للفكرة و تأكيدهم على أنها خطوة مطلوبة لإزالة المطبات الكثيرة والأشواك المتراكمة على طريق الديمقراطية الباكستانية الهشة، والتي تسببت فيها كما رأينا أطماع جنرالات المؤسسة العسكرية المستبدين. أما أسباب القلق فأولها الوضع الأمني الراهن في البلاد والذي يتطلب وجود رئيس قوي يملك صلاحيات إستثنائية ويتمتع بعلاقات متينة مع مختلف القوى المدنية والعسكرية، وثانيها أن الإصلاحات المذكورة تعني فيما تعني تقوية سلطة ونفوذ الأقاليم على حساب سلطة ونفوذ المركز، وهذا أمر خطير لأنه يشير ببساطة إلى إمكانية سيطرة زعماء الأقاليم على موارد أقاليمهم وتوجيهها إلى الوجهة التي يختارونها. فإذا ما علمنا أن معظم هؤلاء الزعماء المحليين لديهم مصالحهم وحساباتهم وعلاقاتهم الخاصة التي قد لا تتطابق أو تنسجم مع السياسات العامة للدولة الباكستانية ، فإن احتمال أنجراف باكستان نحو المزيد من الفوضى والإنقسام أمر وارد كما يقول هؤلاء المحللون، وبينهم أكاديميون وصحفيون بارزون من باكستان نفسها.
الأمر الآخر الذي قد يسبب حالة من الشقاق مستقبلا هو التعديل الذي يقال أن الإصلاحات الجديدة قد تطرقت إليه بخصوص تغيير إسم أكثر الولايات الباكستانية إضطرابا وهي"ولاية الحدود الشمالية الغربية" إلى ولاية "خيبر/ بشتون". حيث قالت بعض المصادر أن لحزب المهاجرين القومي المعارض، إضافة إلى أحد أجنحة حزب الشعب الحاكم تحفظات على هذه التسمية الجديدة.
د. عبدالله المدني
*باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : إبريل 2010
البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh

الأحد، أبريل 11، 2010

دييغو غارسيا .. صاحبة الدور المحوري في حرب الخليج القادمة

د . عبدالله المدني

المتابع لما تكتبه الصحافة الأجنبية الغربية هذه الأيام، سيلاحظ بكل تأكيد وجود العديد من المقالات والتحليلات المطولة التي تتحدث عن أن الولايات المتحدة وحليفاتها لئن كانت تقوم بجهود دبلوماسية دؤوبة لثني النظام الإيراني عن المضي قدما في برامجها النووية المثيرة للجدل، فإنها بالتزامن مع ذلك تقوم بالإستعداد والتخطيط لشن حرب خاطفة على المنشآت النووية الإيرانية.

وفي هذا السياق، تكرر ورود إسم جزيرة "دييغو غارسيا" كمنطلق لغارات جوية متتابعة ومكثفة ضد الأراضي والمنشآت الإيرانية، وبما يعني أن الجزيرة المذكورة ستلعب دورا محوريا في أية حرب قادمة في الخليج، مشابها لذلك الذي لعبته أثناء حرب تحرير الكويت، إن لم يكن أكبر. ففي الأنباء أن "دييغو غارسيا" تشهد منذ بعض الوقت حركة غير طبيعية لجهة تجهيز وتوسعة مهابط الطائرات وبناء التحصينات والمهاجع والمستودعات الإضافية، علاوة على حركة لافتة للنظر في أعداد الطائرات والمروحيات والقاذفات المقلعة والهابطة، وفي أشكال التدريبات والتمارين اليومية.

وما يعنينا هنا ليس التثبت من صدق تلك التحليلات أو زيفها أو الدخول في جدل حول نتائج الحرب المتوقعة وتأثيراتها على دول الخليج وشعوبها، وإنما تسليط الضؤ على "دييغو غارسيا" ودورها في الماضي والحاضر في المخططات الإستراتيجية الأمريكية، وأسباب عدم حصولها على الإستقلال كغيرها من المستعمرات، خصوصا وأن القاريء العربي بصفة عامة لايعرف سوى القليل عنها، بل ربما لا يستطيع تحديد موقعها على الخارطة.

جغرافيا تقع "دييغو غارسيا"، التي تبلغ مساحتها الإجمالية 17 ميلا مربعا في مياه المحيط الهندي، على بعد ألف ميل تقريبا من الساحل الجنوبي للهند، و1200 ميلا من جزيرة موريشوس. ولهذا فإن أقرب قطع اليابسة إليها هي سريلانكا وجزر المالديف. وقد ظلت طويلا أرضا غير مأهولة بالسكان، إلى أن جلب إليها المستعمرون الفرنسيون في القرن الثامن عشر للميلاد سكانا من مستعمراتهم في أفريقيا وموريشوس وسيشيل للعمل في مزارع جوز الهند. وتزايد عدد السكان في أعقاب سقوط الجزيرة في أيدي البريطانيين بعد هزيمة الفرنسيين في الحروب النابليونية، حيث جاءتها أعداد أخرى من العمالة من شبه القارة الهندية.

تاريخيا ظلت الجزيرة إحدى ملحقات موريشوس من عام 1814 وحتى 1965 ، أي حتى العام الذي قامت فيه حكومة رئيس وزراء بريطانيا العمالي هارولد ويلسون بإنتزاعها من موريشوس مقابل وعد للأخيرة بالاستقلال في عام 1968 و بدعوى رغبة لندن في إستئجار الجزيرة من أجل إقامة قاعدة عسكرية لها فيما وراء البحار. ومن أجل إقامة تلك القاعدة عمد البريطانيون إلى إخلائها من سكانها، بتهجيرهم إلى الدول الذي جاؤوا منها أصلا كالهند و كينيا ومدغشقر وموريشوس وسيشيل، بحيث لم يبق فيها في عام 1971 سوى أقل من ألفي نسمة . ويعتبر عام 1966 عاما مهما في تاريخ هذه الجزيرة، حيث أبرمت لندن فيه إتفاقية مع واشنطون (من المفترض أن تنتهي بحلول العام 2036 ) أعطت بموجبها الأولى للثانية الحق في إقامة قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية فوق أراضي الجزيرة، بشرط تلبية الحاجات الدفاعية للبلدين معا، وذلك ضمن التحالف الأمريكي – البريطاني لمواجهة التمدد الشيوعي في العالم. ورغم ما تردد أن لندن حصلت لاحقا من الأمريكيين على ملايين الدولارات كتعويضات في صورة تخفيضات على فواتير مشترياتها من صواريخ بولاريس امريكية الصنع، فإنه لم يثبت ذلك بالدليل القاطع.

أما عن التسمية، فقد سميت الجزيرة بهذا الإسم تخليدا لمكتشفها البرتغالي "دييغو غارسيا" الذي قاد حملة إستكشاف برتغالية لجزر المحيط الهندي في عام 1554 للميلاد مع زميله "هيرناندو دو سوتو"، لكنه توفي في رحلة العودة إلى بلاده قبل إكمال مهمته.

عسكريا تكمن أهمية الجزيرة أولا في موقعها الإستراتيجي المتوسط ما بين سواحل الأرخبيل الإندونيسي وساحل إفريقيا الشرقي، ثم في حقيقة كونها مسرحا لمنشآت عسكرية أمريكية وبريطانية ضخمة تشمل محطات الدعم والرصد والإستكشاف وتزويد السفن والطائرات الحربية العملاقة بالوقود والمؤن والصواريخ والذخائر وقطع الغيار، وأخيرا في حقيقة كونها موقعا حاضنا لأدق أجهزة الإتصالات والكشف والتنصت وأكثرها حساسية، علاوة على إحتضانها لما يمكن وصفه بمرآب ضخم وحصين للسفن الحربية والغواصات والمستشفيات المجهزة العائمة.

وبسبب من كل هذا، لعبت الجزيرة دورا هاما أثناء حقبة الحرب الباردة لجهة رصد كل ما كان الدب الروسي والتنين الصيني وحلفائهما يقومون به في مياه المحيط الهندي وإمتداداتها، إلى الدرجة التي تسرب معها خبر عن ضغوط مارستها موسكو على حلفائها الهنود كي ينددوا في المحافل والمؤتمرات الدولية بالتواجد الأمريكي فوق تراب "دييغو غارسيا"، ويطالبوا بضرورة جلاء الأمريكان والإنجليز عنها ومنحها الإستقلال. وبطبيعة الحال فإن الوضع تغير الآن مائة وثمانين درجة، بدليل قيام البحريتين الأمريكية والهندية بإجراء مناورات عسكرية مشتركة على سواحل الجزيرة من وقت إلى آخر.

ولعبت "دييغو غارسيا" دورا خطيرا وحاسما أثناء حرب تحرير الكويت في عام 1991. حيث كانت بمثابة نقطة إنطلاق للطائرات القاذفة العملاقة من نوع بي -52 ، والطائرات المزودة للمقاتلات الحربية بالوقود في الجو، والصواريخ القادرة على إقتحام أشد الأماكن تحصينا والتي كانت قد جلبت إلى الجزيرة من قواعدها في ولاية "مين" الأمريكية وغيرها لدك مواقع الحرس الجمهوري العراقي. كما كانت بمثابة محطة تتوقف فيها الطائرات الناقلة للجنود للتزود بالوقود، ولا سيما بعد قرار الهند بعدم السماح للطائرات الحربية الأمريكية المتوجهة إلى الخليج للتزود بالوقود في مطاراتها.

ولعبت "دييغو غارسيا" دورا لا يمكن التقليل من شأنه في حدثين آخرين أولهما أثناء عملية تحرير أفغانستان في عام 2001 ، وثانيهما أثناء غزو العراق في عام 2003 . ففي كلا الحدثين كانت الجزيرة هي المصدر الأول للصواريخ الذكية وأطنان القنابل التي ألقيت على كابول وبغداد لإزالة نظامي صدام حسين والملا محمد عمر من الوجود. وفي السنوات الأخيرة إكتسبت الجزيرة أهمية مضاعفة، كونها صارت حاضنة لمستودعات الصواريخ المتطورة الموجهة بالليزر التي تستخدمها البحرية الأمريكية، والتي تم نقلها من مستودعاتها الأصلية في ولايتي فلوريدا وجورجيا. هذا ناهيك عن ميزة إمتلاكها للمدرجات الطويلة (أكثر من 6 كيلومترات طولا) والأجهزة الملاحية والفنية الدقيقة اللازمة لإستقبال مركبات الفضاء التابعة لوكالة ناسا في حالات الهبوط الإضطراري. هذه الميزة التي جعلتها ايضا مكانا صالحا لهبوط الطائرات المدنية العملاقة من نوعي إير باص 340 و بوينغ 777 إذا ما واجهتها مشاكل فنية أثناء طيرانها من الغرب إلى الشرق أو العكس.

ويعتقد أنه بسبب الأهمية الإستراتيجية التي إستعرضناها في السطور السابقة، فإن لندن ومعها واشنطون قاومتا كل فكرة للجلاء عن "دييغو غارسيا" أو منحها حق تقرير مصيرها. ولعل ما ساعدهما على ذلك عدم وجود أية مقومات لقيام كيان مستقل، ولا سيما السكان الذين لا يزيد عددهم في أفضل الأحوال عن 4500 فرد شاملا عوائلهم وأطفالهم. وهؤلاء لئن رفعوا دعاوي ضد لندن أمام المحاكم البريطانية في السنوات الأخيرة، فإن مطالبهم لم تتجاوز حق العودة إلى الأراضي التي هجروا منها بالقوة، والحصول على تعويضات مالية مجزية على ما فرض عليهم من تهجير قسري و على ما تم فرضه على بلادهم من دور عسكري لا يحبذونه، خصوصا وأن هذا الدور يقتضي جعل الجزيرة أراضي مغلقة أمام وسائل المواصلات المدنية والسياحة والاستثمارات الأجنبية، بل ويجعلها أيضا سجنا سريا للمخابرات المركزية الأمريكية على نحو ما تردد بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تبعها من حروب وإجراءات مشددة ضد الإرهاب والإرهابيين.

وربما لولا تحرك نواب المعارضة البريطانية مؤخرا لمساءلة حكومة حزب العمال عن دورها في حربي أفغانستان والعراق، و تركها الحبل على الغارب للأمريكيين ليتصرفوا كما يريدون إنطلاقا من أرض يفترض أن السيادة فيها لبريطانيا العظمى، لما تحمس أبناء "دييغو غارسيا" لمطالبهم، ولما تولد لديهم بصيص أمل في إحتمال إنصافهم.

والحقيقة أن أول من سلط الضؤ على قضية مواطني "دييغو غارسيا" هو الأنثروبولوجي الأمريكي اليساري "ديفيد فاين" في كتابه الموسوم "جزيرة العار: تبادل للرأي حول دييغو غارسيا"، الصادر في عام 2009 ، والذي يتحدث فيه المؤلف بإسهاب عما يصفه بالمؤامرة الأمريكية – البريطانية لتصفية سكان "دييغو غارسيا" الأصليين عبر تهجيرهم إلى موريشوس وسيشيل، ليعيشوا هناك في فقر وعوز حتى هذه الساعة، وذلك من أجل تحويل أراضيهم إلى قواعد عسكرية حصينة تضمن بواسطتها البلدان (بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية) هيمنتهما على العالم. ويفصح المؤلف عن مواقفه اليسارية حينما يصف ما حدث للجزيرة وأبنائها بأنه عملية تحالفت فيها "الإمبريالية مع الرجعية والعنصرية والعسكريتاريا لإعاقة أحلام شعب يرنو إلى التواجد على أرضه ونيل الإستقلال"، ثم حينما يقول في موضع آخر "لقد تحولت جنة إستوائية ذات شواطيء زمردية وأشجار جوز هند باسقة إلى مخلب لأجندة العسكرية الأمريكية التوسعية".


د. عبدالله المدني
باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : إبريل 2010
البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh

الأحد، أبريل 04، 2010

الصين كعقبة وحيدة أمام عقوبات أممية على طهران

د. عبدالله المدني

يقال أنه في أدراج مجلس الأمن الدولي تنام الآن مسودة جاهزة لفرض عقوبات وتدابير دولية مشددة على النظام الإيراني لثنيها عن المضي قدما في برامجها النووية المثيرة للجدل، ويقال أن هذه العقوبات موجهة إلى عدد كبير وطازج من المصارف الإيرانية، والمؤسسات التابعة للحرس الثوري الإيراني، والمنشآت الصناعية الضالعة في التصنيع الحربي، والشخصيات الإيرانية البارزة، لكنها تستثني قطاعي النفط والغاز الإيرانيين. وفي رواية ثانية أنها تستثني أيضا الطائرات والسفن الإيرانية الناقلة للبضائع من حق الدخول إلى المياه والأجواء الدولية. أما لماذا لم تفعل أو تمرر تلك العقوبات حتى الآن، فسببه الخشية من عدم حصولها على موافقة كافة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أو بعبارة أوضح الخشية من إستعمال بكين وحدها لحق النقض /الفيتو لإحباط المشروع، بعدما أمن الغرب جانب روسيا الإتحادية إلى حد كبير. وهنا يجب التذكير بما قاله الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في أواخر فبراير المنصرم من أن الصين هي آخر قطعة دومينو يجب أن تسقط قبل أن نجعل من تشديد العقوبات على طهران أمرا واقعا.

وهكذا لا يحتاج المرء إلى كبير عناء لتفسير إستثناء قطاعي النفط والغاز الإيرانيين من العقوبات، وإستثناء وسائل المواصلات الجوية والبحرية الإيرانية. فهذا الإستثناء يبدو كما لو كان متعمدا من أجل تسهيل موافقة الصينيين على مشروع العقوبات، وذلك من منطلق أن أكثر ما يشغل قادة بكين هو مصالح بلادهم التي ستضرر كثيرا إذا ما فرض حظر على التعامل النفطي مع طهران (خصوصا وأن الأخيرة هي ثالث أكبر مورد للنفط والغاز للصينيين من بعد السعودية وأنغولا) أو إذا ما فرض حظر على البواخر والطائرات المدنية الإيرانية، بإعتبارها إحدى وسائل نقل صادرات الصين من السلع والمنتجات الصناعية الرخيصة إلى الأسواق الإيرانية الكبيرة.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن موقف الصين منذ أن طفا ملف إيران النووي على السطح إتسم بالضبابية والميوعة، بمعنى اللعب على العبارات دون إبداء رأي صريح وواضح حول الموضوع، وذلك على الرغم من مطالبات الدول الأوروبية المتكررة لها بتبني موقف حاسم يتجاوز عبارات مثل "ضرورة إستنفاذ كافة الحلول الدبلوماسية أولا" و أن "العقوبات الإقتصادية لا يمكن أن تحل أية قضية شائكة حلا جذريا" و "الوقت لا يزال مبكرا لفرض عقوبات جديدة" و "لا يمكن معاقبة 70 مليون إيراني بسبب طموحات نظامه".

على أنه لوحظ مؤخرا تغير الخطاب الصيني بصورة طفيفة، الأمر الذي عزاه بعض المراقبين إلى ضغوط تعرضت لها بكين في الأسابيع الأخيرة من دول إقليمية مهمة صديقة لها وتربطها بها مصالح متشعبة، وفي الوقت نفسه معنية كثيرا بما يحدث من تطورات متسارعة على صعيد تطور قوة إيران النووية، فيما عزاه مراقبون آخرون إلى إحتمال وجود مقايضات ما بين الإدارة الأمريكية وقادة الصين الشيوعيين، بمعنى أن تدعم الصين أي مشروع أمريكي – غربي ضد إيران في مجلس الأمن، مقابل أن تتساهل أو تتنازل واشنطون لها في ملفات مثل "حقوق الإنسان" و "التبت" و "تايوان" و"المعارضة الإيغورية العاملة من الأراضي الأمريكية". هذا، على الرغم من أن مصادر عديدة رجحت الإحتمال الأول أي قيام دول إقليمية كبرى ومعها روسيا الإتحادية بالضغط على طهران لقبول العرض المقدم من وكالة الطاقة الذرية الدولية والخاص بتبادل الوقود من أجل مفاعل نووي، خصوصا وأن دبلوماسيا روسيا رفيعا كشف النقاب لوكالة رويترز للأنباء في أواخر مارس المنصرم عن وجود مثل تلك الضغوط من قبل بلاده ودول أخرى.

أما التغيير الذي طرأ على خطاب الصين، التي سبق لها أن وافقت من قبل على ثلاثة قرارات أممية بفرض عقوبات من مجلس الأمن ( القرار رقم 1737 لعام 2006 ، والقرار 1747 لعام 2007 ، والقرار 1803 لعام 2008 ) ، فقد تمثل في تصريح غير مسبوق أدلى به وزير الخارجية الصيني "يانغ جيشي" في جنيف في الوقت ذاته الذي كان فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" ورئيس الحكومة البريطانية السابق "طوني بلير" يشددان في خطابين منفصلين لهما أمام لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) في الثالث والعشرين من مارس المنصرم على ضرورة منع نظام راديكالي متشنج كالنظام الإيراني من إمتلاك أسلحة نووية بكافة الوسائل، مضيفين أن الأمر لا يتعلق بأمن إسرائيل فقط وإنما بالأمن والسلام العالميين.

إن كشف رئيس الدبلوماسية الصينية لأول مرة أن بلاده تضغط على النظام الإيراني من أجل أن يلين الأخير من مواقفه المتشددة ويقبل بفكرة إرسال مخزونه من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى الخارج مقابل حصوله على وقود نووي جاهز للإستخدام في مفاعلات أبحاثه، وأن الدبلوماسيين الصينيين قد حذروا نظراءهم الإيرانيين في لقاءاتهم الثنائية من أن التأخير وعمليات التملص والمراوغة قد لا يؤدي إلى فرض عقوبات إقتصادية على بلادهم فقط، وإنما قد يسبقها أو يتبعها عمل عسكري يزعزع السلام في بحيرة الخليج، هو بالفعل تطور في موقف الصين التي لم تكتف بذلك بل ألحقته بموقف آخر هو إنضمامها إلى المحادثات الهاتفية لممثلي ألمانيا والدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن حول فرض سلسلة عقوبات جديدة على إيران.

على أن محللين كثر راحوا يثيرون قضية أخرى تتعلق بمدى الخسائر التي ستتكبدها بكين من جراء وقوفها في خندق الإيرانيين. فالصين لئن كانت مهتمة فعلا بدوام علاقتها وتعاونها الوثيق مع إيران، فإنها في الوقت نفسه لا تستطيع المجازفة، لا بعلاقاتها الثنائية مع دول الخليج العربية المتوجسة من إختلال ميزان القوة العسكرية في المنطقة لصالح طهران، ولا بعلاقاتها الثنائية مع القطب الأمريكي، رغم كل ما قيل ويقال عن وجود توترات وخلافات في العلاقات الصينية – الأمريكية، وتحديدا منذ قمة كوبنهاغن حول المناخ ثم لاحقا بروز قضية عمل شركة "غوغل" داخل الصين، ورغم ما يتردد من أن بكين تخشى من تصاعد نفوذ واشنطون في العالم بأسره، إن نجحت الأخيرة في تمرير مشروع العقوبات في مجلس الأمن.

صحيح أن هذه العلاقات، منذ إعادة تدشينها في أوائل سبيعات القرن الماضي من بعد إنقطاع طويل بسبب العداء الأيديولوجي المرير في حقبة الحرب الباردة، قد شهدت بعض التوترات من حين إلى آخر، إلا أن الصحيح أيضا أنها بصفة عامة كانت مستقرة وطبيعية ومهمة للغاية لحفظ الأمن والسلام في العالم (بدليل ما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في مقال صحفي لها في العام الماضي حينما ذكرت بأن القليل من المشاكل العالمية يمكن حله بواسطة واشنطون أو بكين بمفرديهما، لكن الكثير منها يمكن حله إذا ما تعاونتا معا. أما الذين وصفوا العلاقات الصينية - الأمريكية بالعلاقات المعقدة التي لا يمكن وضعها في خانة "التحالف" أو "العداء"، فإنهم سرعان ما إكتشفوا أن الصين والولايات المتحدة دولتان متنافستان في مجالات، وشريكتان في مجالات أخرى. وبعبارة أخرى فإن علاقات الطرفين بها عوامل توتر مثل قضايا حقوق الإنسان وملفي التبت وتايوان والموقف من النظامين القمعيين في بورما وكوريا الشمالية، وبها أيضا عوامل دافعة نحو التعاون مثل المصلحة المشتركة في القضاء على الإرهاب، ومنع الإنتشار النووي، والتبادل التجاري، والإحتباس الحراري، وضمان الأمن والسلام في المحيط الباسيفيكي.

فاذا ما أخذنا في الإعتبار أولا ضخامة رؤوس الأموال الأمريكية المستثمرة مباشرة في الصين في العديد من القطاعات الحيوية مثل التصنيع والبتروكيماويات والطاقة والإتصالات والسياحة والترفيه ( بلغ حجمها الإجمالي في عام 2006 فقط نحو 48 بليون دولار)، و ثانيا العدد الكبير من المشروعات المشتركة ما بين الشركات الصينية والأمريكية (نحو 20 ألف مشروع مشترك في عام 2006 إضافة إلى مئات أخرى من المشاريع المشتركة ما بين شركات صينية و أخرى متعددة الجنسيات لكنها تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها)، وثالثا حقيقة أن الولايات المتحدة تعتبر بالنسبة للصين الشريك التجاري الأهم والسوق الأكبر لمنتوجاتها (بدليل وجود عجز يقدر بنحو 350 بليون دولار في ميزان التجارة الصيني – الأمريكي لصالح الصين)، فإن قادة الصين المعروفين بالدهاء والبرغماتية قد لا يتعجلون بإتخاذ موقف مؤيد لأيران في مجلس الأمن يخالف إجماع الكبار.

لكن مهما كان الوضع، فإن إستمرار الضغط على بكين لإتخاذ موقف أكثر وضوحا وحسما ضد مناورات طهران ومماطلاتها، لا بد أن يتواصل من كل صوب وحدب حتى إقناعها بخطورة ومحاذير إمتلاك طهران للقوة النووية. بل أن المطلوب أيضا أن تتواصل الضغوط عليها لقبول مسودة العقوبات في شكلها الأصلي – أي من دون إستثناءات – لأن تلك الإستثناءات التي أسلفنا ذكرها، إن صحت، فإنها تجعل العقوبات بلا أسنان. ومن ضمن الأمور الأخرى التي يجب أن تتواصل وتثار كي تلتقطها آذان قادة بكين هو أن هناك طرق كثيرة أخرى لمعاقبة النظام الإيراني إذا لم يحسموا أمرهم وينضموا إلى جهود الأقطاب الستة الكبيرة، وإن بكين بوقوفها في وجه تلك العقوبات إنما تحكم على نفسها بعزلة في غير صالح إقتصادها وطموحاتها في لعب دور عالمي أكبر، بل ستبدو في نظر دول الإتحاد الأوروبي وأقطار الخليج العربية وأمم أخرى كطرف أناني لا يفكر إلا بنفسه، بل وأيضا كطرف لا يلتزم بما وقع عليه في معاهدة منع الإنتشار النووي.

د. عبدالله المدني
باحث ومحاضر اكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : مارس 2010
البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh

الأحد، مارس 28، 2010

حول عملي الروائي الأول

د. عبدالله المدني

في عام 2009 أخرجت لي دار نشر لبنانية عملي الروائي الأول. الرواية التي حملت عنوانا مثيرا هو "في شقتنا خادمة حامل" أثارت الكثير من الجدل واللغط في داخل البحرين وخارجها. فمن قائل أنها لا ترقى إلى مستوى الإبداع الأدبي، إلى زاعم بأني تسترت خلف الرواية لأستعرض سيرتي الذاتية التي لا تهم أحدا، إلى متساءل عن الدافع الذي حذا بأكاديمي متخصص في السياسة و العلاقات الدولية والاستراتيجيات لدخول عالم ليس عالمه ولا يفقه شيئا من أبجدياته، إلى مشاغب إتهمني بأني أرنو إلى الشهرة التي لا تتحقق إلا من خلال رواية يتصدرها عنوان فضائحي و بها توليفة من الثالوث العربي المحرم (الجنس والسياسة والدين)، إلى ناقد زعم بأني استندت في عملي إلى الاسترسال التقريري في عرضي لأحداث رواية متسارعة ومليئة بالأحداث الكبيرة، ثم إتهمني بالقفز من مستوى زمني إلى آخر على نحو مفاجيء.

وردي البسيط والمتواضع على كل من إنشغل مشكورا بهذا العمل هو أني لم أزعم يوما أني روائي متمكن بمجرد أن المطابع أخرجت رواية تحمل إسمي، كما أني لم أضع نفسي ضمن أعلام الرواية العربية التي أعترف أنها مجال له أربابه ومبدعوه.

كل ما في الأمر أني إنطلقت من قناعة مفادها أن الرواية ليست سوى تجارب إنسانية متراكمة مصاغة بلغة أدبية قادرة على الوصف والتخيل وصنع الحبكة الدرامية، وبالتالي فإن إمتلك المرء تلك التجارب واللغة السليمة المعبرة عنها، فإن من حقه أن يكون روائيا. كذلك فعل كل الروائيين الخليجيين الذين جاؤوا من الحقلين الأكاديمي والسياسي من أمثال د. غازي القصيبي ود. تركي الحمد و المرحوم عبدالرحمن منيف وغيرهم. وبعبارة أخرى، فإن كتاب الرواية لا يولدون روائيين، وليس شرطا أن يكونوا حاملين لشهادات جامعية في الأدب، وإنما تقودهم أقدارهم إلى هذا المجال الإبداعي تنفيسا عن مكنوناتهم الإنسانية وتعبيرا عن تجاربهم في الحياة. وأمامنا قصة أحد أغنى كتاب الرواية في العالم وأكثرهم شهرة ألا وهو الأديب والروائي الكولومبي الكبير "غابرييل غارسيا ماركيز" الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عن روايته الخالدة "مائة عام من العزلة". فهذا ظل يكتب حصريا في السياسة، ولم يطلقها ويتزوج من الكتابة الروائية إلا بعد أن ذاق ويلات الكتابات السياسية وما سببته له من معاناة وتشرد وفقر، حيث قال - كما يروي الأستاذ سمير عطا الله في أحد أعمدته اليومية - "لقد إتخذت قراري. لا كتابات سياسية بعد اليوم، ولا مطالعات، ولا محاولات. سوف أنصرف إلى الرواية، وسوف أرويها للناس كما كانت تفعل جدتي".

ثم أنه ليس شرطا أن تكون الرواية مزدحمة بالشخوص والأحداث والحوارات المطولة والغموض والحبكات الدرامية كي نطلق عليها هذا الإسم. ففي إعتقادي المتواضع الذي ربما يشاركني فيه الكثيرون أنه كلما قل عدد شخصيات الرواية وأبطالها وقصرت حواراتهم و رسمت أدوارهم في حدود معينة، وكلما إبتعدت الرواية عن الغموض والتعقيدات، كلما كان ذلك أنفع وأجدى لخلق رواية يستطيع المرء قراءتها بسلاسة ودون ملل وصداع، أو تشتيت لأفكاره و جهده في تذكر هذه الشخصية أو تلك أو هذا الحدث وذاك.

أما ردي على من إدعى أن الرواية تستعرض سيرتي الشخصية، فهو أن كل من يعرفني حق المعرفة أو تابع مسيرتي الدراسية ومشواري العملي أو قرأ شيئا عنها سيكتشف بنفسه زيف هذا الإدعاء لأن الكثير في سيرة بطل الرواية "سالم" وتحولاته وتنقلاته لا يتقاطع مع سيرتي ومشواري.

و أستطيع أن أزعم أن معيار الجودة في اية رواية يكمن في تفاعل القاريء مع أحداثها وإندامجه مع شخوصها بحيث إن بدأ قراءتها لم يلق بها جانبا إلا وهو يطوي صفحتها الأخيرة، وهذا تحديدا ما كان من أمر الكثيرين من الأصدقاء مع روايتي، حيث أن كل من حصل على نسخة منها قرأها من الغلاف إلى الغلاف أو إلتهم محتوياتها إلتهاما خلال جلسة واحدة متواصلة.

وحسبي - وهذا هو المهم – أني تمكنت من خلال هذا العمل، مهما قيل فيه، أن أتطرق إلى حقبة خصبة وثرية ومشحونة بالتحولات الكبيرة والصراعات الفكرية والمناقشات الطلابية العاصفة في التاريخ العربي المعاصر، هي الحقبة البيروتية – إن صحت التسمية – أي الحقبة التي كانت فيها بيروت منارة العلم والثقافة والإبداع وملجأ المضطهدين والمنفيين والباحثين عن الحرية والتنفيس والراحة، قبل أن تطالها الأيدي الهمجية فتحيلها إلى ركام وظلام وأشلاء ودماء و وطن مسكون بالآلام والأوجاع والأفكار البائسة والانقسامات العبثية. صحيح أني لم أعط تلك الأحداث حقها من التفصيل - لأني لم أكن بصدد كتابة مؤلف تاريخي – إنما ما يشفع لي هو أني توقفت عندها و أشرت إليها بما يناسب أهميتها في خضم تشابكها مع أحداث الرواية أو في خضم إثارتها للأفكار والعواطف والمشاعر عند أبطال الرواية.

وحسبي أيضا أن ناقدا عربيا في وزن الدكتور صلاح فضل أستاذ النقد في كلية الآداب بجامعة عين شمس وعضو مجمع اللغة العربية قرأ الرواية وقارنها بعملين روائيين كبيرين، حينما قال: " يستحضر عنوان الرواية فى الذاكرة الأدبية عملين سابقين، أولهما لروائى مصرى رائد فى كشف أسرار مجتمعه وهو إحسان عبدالقدوس «فى بيتنا رجل»، والثانى لكاتب وشاعر سعودى شهير هو «غازى القصيبى» فى روايته «شقة الحرية»، وهو – أي عملي الروائي - لا يقل عنهما مكانة فى نسيجه الفنى ولا تماسكا فى رؤيته على الرغم من هناته. حيث أفرد الدكتور فضل مساحة كبيرة لرواية "في شقتنا خادمة حامل" في صحيفة "المصري اليوم"، تعرض من خلالها لبعض الهنات التي من النادر أن يخلو منه العمل الأول لأي كاتب روائي، قبل أن يشير إلى بعض الأخطاء التقنية في العمل. لكن المهم هو ما خلص إليه الرجل في النهاية كحكم مجمل على العمل وهو قوله " ومع أن الرواية مكتنزة بصفحاتها القليلة وأسلوبها المقتصد فإنها تحفل بقدر هائل من التحليلات الدقيقة، وتزخر بمشاهد مثيرة للمتعة، مما يجعلها باكورة روائية لأستاذ موهوب يمتلك حسا فنيا مرهفا ورؤية إنسانية عميقة".

وأخيرا فإنه يكفيني - بكل تواضع - أنشغال العديد من الزملاء بالعمل وجدالهم حوله، فهذا وحده دليل على أهميته، وباعث لي على المضي قدما في إنتاج أعمال روائية أخرى.

ومما أتذكره، أن كل ما قيل عن روايتي قيل بالطريقة نفسها أو أسوأ منها، يوم أن أخرجت المطابع العمل الروائي الأول للصديق الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي (شافاه الله وعافاه)، وهو رواية "شقة الحرية" الممتعة. حيث تصدى للعمل بعض من في قلوبهم غل أو حسد من نقاد المشرق العربي، وراحوا - من وحي معارضتهم لتوجهات المؤلف الفكرية و مواقف بلاده السياسية – يطعنون فيه ويجرحون صاحبه ببذيء الكلام، وكأن كتابة الرواية صارت حكرا عليهم وعلى مواطنيهم فقط من المنتمين إلى ما يسمى دول "المركز" العربية، بمعنى أن سواهم من مواطني دول "الأطراف" لم يبلغوا بعد مرحلة الرشد الأدبي الذي يجعلهم ملمين بأبجديات الإبداع الروائي. ووصلت البجاحة بأحد هؤلاء إلى الدرجة التي لم يجد معها حرجا في وصف "شقة الحرية" بأنها عمل يحمل في ثناياه إهانتان: واحدة للتاريخ والأخرى لفن الرواية". وتوضيحا لإتهامه هذا، كتب الناقد العربي قائلا: " تأتي إهانة التاريخ من إنتقاد الرواية للأنظمة والأحزاب والقوى القومية والناصرية والبعثية والماركسية، والتقليل من شأنها والتركيز على إخفاقاتها، على نحو يبدو أنه محاولة للتبشير بنظام مغاير هو النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة" وهكذا راح الناقد الهمام يستهدف الرواية كعمل سياسي وليس كعمل فني ويسعى إلى محاكمة مؤلفها ومجمل مواقفه الفكرية. وفي توضيحه للتهمة الأخرى (إهانة فن الرواية)، أخذ الناقد على المؤلف تحيزه لشخص من شخوص الرواية أكثر من غيره، ناهيك عن قوله "لم يتقيد المؤلف بالنهج المحفوظي – نسبة إلى الأديب الكبير نجيب محفوظ – لجهة سرد الأحداث وفق نسيج متشابك أحداثا وأبطالا وأزمنة، كما هو الحال في ثلاثية نجيب محفوظ المعروفة. وبهذا فقد جعل الناقد من عملية تقليد نجيب محفوظ في الكتابة الروائية سنة يجب على كافة الروائيين العرب إتباعها، دون أن يتنبه إلى أن ذلك مدعاة لتحجيم خصوصياتهم وقتل لروح التجديد والتنويع والإبداع ومنع لتحرير فن الرواية العربية من قيود الأنماط التقليدية.

أما الصديق المفكر الدكتور تركي الحمد، فهو الآخر لم يسلم من ترهات بعض الأساتذة من نقاد المشرق العربي وإتهاماتهم التي كان على رأسها أن الرجل لجأ إلى الرواية للتحدث عن المسكوت عنه ومن ضمنه قصة تحولاته الفكرية ومسيرته ما بين معاهد العلم والمعتقلات. ورغم أنه لا يوجد ما يعيب هذا المنحى، ناهيك عن عدم إنكار المؤلف أن ثلاثيته (العدامة، والشميسي، والكراديب) هي من وحي سيرته الذاتية الحافلة بالأحداث، فإن الحانقين على كل إبداع مصدره الجزيرة والخليج، تصدوا لها ايضا بالنقد القاسي غير المبرر، بل شنوا عليها وعلى صاحبها هجوما خرج عن نطاق النقد الأدبي إلى نقد أفكار المؤلف السياسية التي لا تروق لهم لأنها واقعية ولا تنطلق من الشعارات الزائفة وتمجيد البطولات الوهمية وغسل الأدمغة بالأيديولوجيات الفارغة التي لم تطعم فما ولم تهذب عقلا ولم تحرر شبرا من الأرض ولم تقم صرحا صناعيا عملاقا، وإنما – على العكس – تسببت في الهزائم والتخلف والتكلس الفكري و بالتالي توسعة الهوة الحضارية التي تفصل العرب عن غيرهم من الأمم.

د. عبدالله المدني

باحث ومحاضر أكاديمي في العلاقات الدولية من البحرين

تاريخ المادة : مارس 2009

البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh

الأحد، مارس 21، 2010

ذو المتين صار في خبر كان

د. عبدالله المدني

الإرهابي الخطير الأرعن، عضو الجماعة الإسلامية الإندونيسية المرتبطة أيديولوجيا بتنظيمي القاعدة وأبي سياف المجرمتين، المدعو "ذو المتين" - وليس " دولماتن أو ظلماتي كما نشرته وسائل الإعلام العربية التي لا تكلف نفسها البحث عن التهجئة الصحيحة لأسماء العلم الأجنبية - لقي حتفه في العاشر من مارس الجاري في ضربة سددتها قوات الأمن الإندونيسية ضد مخبأ للجماعة الإسلامية في جاكرتا.

وبهذا العمل الذي يحسب لنظام الرئيس الإندونيسي "سوسيلو بامبانغ يودويو" بصفة عامة وللمفرزة 88 ضمن قوات الأمن الإندونيسية المختصة بمكافحة الإرهاب بصفة خاصة، يكون قد وضع حد نهائي لحياة رجل بائس لم يفعل في السنوات الأربعين من حياته شيئا سوى إراقة دماء الأبرياء، وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، ونشر الفكر المتطرف الذي تعلمه في كهوف أفغانستان وباكستان و أحراش جنوب الفلبين المسلم. وإن كان هناك من شيء أنجزه فعلا، فإنه لا يتجاوز الإضرار بسمعة بلده ومواطنيه المعروفين بصفة عامة بالتسامح والوسطية.

وبموت "ذو المتين"، فإنه يلحق برموز أخرى متشددة خطيرة، قاومت مثله طويلا عمليات البحث والمطاردة والتعقب، لكنها وقعت في نهاية المطاف في المصيدة. فمن قبله نجحت قوات الأمن الإندونيسية في القضاء على زميليه وصديقيه في ما يسمى بأعمال "الجهاد"، وصنويه لجهة التخصص في زرع المتفجرات وتفخيخ السيارات، ونعني بهما المجرم الإندونيسي من ذوي الأصول الماليزية "أزهري بن حسين" الذي قتل في غارة للشرطة في نوفمبر عام 2005، ومواطنه الآخر الإرهابي "نورالدين محمد توب" الذي لقي حتفه قتلا بالرصاص في سبتمبر من عام 2009 ، في أواسط جزيرة جاوه.

و جاءت نهاية "ذو المتين" المتهم بكونه العقل الفني المخطط لتفجيرات بالي في عام 2002 والتي راح ضحيتها 202 شخصا (كان من بينهم 7 أمريكيين و 88 أستراليا) في وقت كان فيه الرئيس يودويونو يحل ضيفا على الحكومة الاسترالية في زيارة رسمية طال إنتظارها وتأجلت مرارا. فكان الحدث بمثابة هدية جميلة وبشرى سارة يقدمها الضيف لمضيفيه الذين لم تلتئم جراحهم بعد من فقدان أصدقائهم وأحبائهم في حادثة بالي المذكورة وحادثة أخرى كان مسرحها بالي أيضا في أكتوبر 2005 (حصدت 20 شخصا كان من بينهم أربعة أستراليين، وجرحت 129 آخرين بينهم 29 أستراليا).

وبطبيعة الحال كان هناك من الخبثاء من حاول إشاعة خبر مفاده أن "ذوالمتين" لقي حتفه قبل وقت طويل، دون ان تكشف سلطات جاكرتا عن ذلك في حينه، مفضلة الإعلان عن مصرعه أثناء زيارة رئيسها إلى كانبيرا، بغية تحقيق كسب إعلامي. غير أن الحقيقة هو أن مصرع الرجل حدث في يوم الإعلان عنه، كنتيجة لتسارع جهود أندونيسيا المخابراتية والأمنية وتكثيفها في الآونة الأخيرة إستعدادا لتهيئة المناخ أمام زيارة من المقرر أن يقوم بها الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في الفترة ما بين 20 – 22 مارس إلى أندونيسيا، حيث عاش أوباما طفولته وتشرب جزءا من ثقافة إندونيسيا الملونة. فجاكرتا تراهن كثيرا على هذه الزيارة التي طال إنتظارها، وتريدها أن تتم في أجواء لا يعكر صفوها أي حدث أمني متزامن، كي تثبت للإدارة الأمريكية أنها ناجحة في مكافحة الإرهاب والتصدي للإرهابيين، وذلك أملا في علاقات بينية أوطد ترافقها معونات ومساعدات إقتصادية أمريكية معتبرة، وتدفق أوسع للاستثمارات الأجنبية، و انتعاش في السياحة التي هي إحدى أهم مصادر الدخل القومي للأرخبيل الإندونيسي.

ويمكن القول أن أهمية مقتل "ذو المتين" هي بحجم أهمية إعتقال "رضوان عصام الدين" المعروف بإسم "الحنبلي" و الموصوف من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ببنلادن الشرق الأقصى، والذي أقلق مضاجع الإستخبارت الآسيوية والغربية طويلا قبل القبض عليه متنكرا في عام 2003 من قبل قوات الشرطة التايلاندية في منتجع سياحي تايلاندي، ليسلم مخفورا للأمريكيين وينقل على الفور إلى معسكر غوانتانامو، إنتظارا لمحاكمته بتهمة التخطيط لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتجنيد منفيذيها والتنسيق فيما بينهم. ودليلنا حول تساوي أهمية الرجلين هو أن الإدارة الأمريكية وضعت مكافأة متساوية (10 ملايين دولار) لمن يقبض على أي منهما حيا أو ميتا أو يدلي بمعلومات عنهما تقود إلى ذلك.

ومما عرف عن الإرهابي القتيل، الذي تكنى بأسماء كثيرة مثل "عبد المتين"، و "عمار عثمانان"، و "مختارمار" و "جوكو پيتويو"، و " جوكو پيتونو، و" نوفال"، و"جينيوس"، أنه ولد في وسط جاوة في 1970، وعمل لبعض الوقت في مجال بيع السيارات المستعملة قبل أن يسافر للجهاد في أفغانستان، حيث تعلم فنون التفجير من على بعد بواسطة الهواتف النقالة، وزراعة الألغام، و خلط المواد الكيماوية لصنع القنابل الحارقة، في معسكرات الإرهابي "بن لادن"، حيث تعرف على من سيصبح مثله إرهابيا مطلوبا للعدالة في سائر دول جنوب شرق آسيا، ونعني به "أزهري بن حسين".

وفي 2003 أي بعيد تفجيرات بالي المشار إليها آنفا، فر "ذو المتين" إلى جنوب الفلبين وإحتمى هناك بمقاتلي جبهة تحرير مورو الإسلامية (كبرى الجماعات الإسلامية الفلبينية المتمردة ضد مانيلا) الذين منحوه الحماية والمأوى مقابل تعليمهم صناعة القنابل والمتفجرات. لكن بمجرد توقيع إتفاقية سلام ما بين الأخيرة وحكومة مانيلا، إنضم "ذوالمتين" إلى قطاع الطرق من جماعة "أبو سياف" في معقلهم في جزيرة "خولو" الجنوبية ليعلمهم ويدربهم على خفايا زراعة وصنع المتفجرات. وأثناء تواجده في خولو، أشيع أنه جرح في عملية عسكرية للقوات الفلبينية ضد ميليشيات أبي سياف، ثم أشيع في عام 2008 أنه قتل، غير أن تلك الأنباء لم تكن صحيحة. حيث إقتصرت المعلومات المؤكدة على تواجده في تلك الجزيرة، و نجاحه في الهرب منها قبيل وصول قوات الجيش الفلبيني إليها بساعات معدودة، بدليل عثور تلك القوات على أربعة من أبنائه هناك (تسلمتهم أمهم وأعادتهم إلى إندونيسيا لاحقا).

وهكذا نرى أن "ذو المتين" لم يحصل على أي قدر من التعليم، وإقتصرت علومه على ثقافة الهدم والقتل والتخريب والأفكار المتشددة التي زرعها في رأسه ورأس زملائه الآخرين أفغان متشددون جهلاء، إضافة إلى المرشد الروحي للجماعة الإسلامية الإندونيسي من أصل حضرمي "أبوبكر باعاشير" والذي يقضي حاليا عقوبة بالسجن في جاكرتا لدوره التحريضي والتعبوي. وهذا بطبيعة الحال عكس حال زميله "أزهري بن حسين" الذي نال الدكتوراه من جامعة ريدينغ الاسترالية وعمل استاذا في جامعة ماليزيا التكنولوجية، قبل أن يتورط في أنشطة الإسلام السياسي ويسافر للجهاد في أفغانستان، ليعود إنسانا متطرفا وينفذ أعمالا إجرامية مثل تفجير فندق ماريوت جاكرتا في عام 2003، وتفجير السفارة الأسترالية في جاكرتا في عام 2004، و العمليتان الانتحاريتان في فندقي ماريوت والريتز كارلتون في جاكرتا في عام 2009.

وجملة القول أن تصفية هذا المجرم الخطير، لئن كانت إنتصارا مدويا للقوى المكافحة ضد الإرهاب الدولي، والتي يحق لها الإحتفال، خصوصا بعد نجاحاتها المتتالية الأخيرة في باكستان لجهة إعتقال أو تصفية قادة بارزين من حركة طالبان الأفغانية الشيطانية، أو في اليمن لجهة تصفية رموز مهمة لتنظيم القاعدة، فإنه من جهة أخرى يمثل ضربة موجعة ضد الجماعة الإسلامية الأندونيسية وحلفائها في جنوب الفلبين، خصوصا مع وجود أمير الجماعة "أبوبكر باعاشير" ونائبه "سركسي" وراء القضبان الإندونيسية، ووجود ممثلهما في "ولاية سنغافورة" المدعو "ماس سلامات كاستري" في قبضة السلطات الأمنية الماليزية من بعد هروبه من معتقله السنغافوري في فبراير 2008 ، بل خصوصا بعد فقد الجماعة لأربعة من أبرز رموزها الإجرامية خلال خمس سنوات (أزهري ونو الدين وأبو دجانة وذوالمتين).



والمعروف أن الجماعة الإسلامية، التي أسسها باعاشير ورفيقه "عبدالله سونغكار" في عام 1993 إحياء وتجديدا لأفكار حركة "دار الإسلام" الناشطة التي نشطت في أندونيسيا في أربعينات القرن المنصرم، تسعى عن طريق استخدام العنف إلى تحقيق ما لا يمكن تحقيقه وهو إقامة دولة إسلامية في جنوب شرق آسيا مكونة من: إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي والمقاطعات الفلبينية الجنوبية. وكنتيجة لتبنيها أعمال الإرهاب والعنف وإرتباطها بتنظيمات إجرامية كالقاعدة وطالبان وأبي سياف، فإنها أدرجت ضمن الحركات الإرهابية بموجب القرار رقم 1267 الصادر من مجلس الأمن الدولي في 25 أكتوبر 2002.

و طبقا للمصادر الإندونيسية، فإن الجماعة مسئولة منذ عام 2000 عن العديد من العمليات الإرهابية المسلحة. فإضافة إلى ما تطرقنا إليه من عمليات إجرامية في السطور السابقة، وقفت الجماعة الإسلامية خلف محاولة الإغتيال الفاشلة بحق السفير الفلبيني في جاكرتا "ليونيدز كاداي" في أغسطس 2000 ، وتفجير مواقف السيارات التابعة لسوق الأوراق المالية في جاكرتا في سبتمبر من العام نفسه ، وإرهاب المحتفلين بأعياد الميلاد في ديسمبر من ذلك العام أيضا، والهجوم بالقنابل الحارقة على مترو الأنفاق في مانيلا والذي أودى بحياة 22 راكبا بريئا وجرح المئات، وتفجير مركبة كانت واقفة بجوار مسكن السفير الأمريكي في جاكرتا في سبتمبر 2002 ، وقتل جندي أمريكي وجنديين فلبينيين في أكتوبر 2002 في هجوم بالقنابل على حانة كانوا بداخلها في مدينة "زامبوانغا" الجنوبية، وإلقاء قنبلة على موقف للحافلات في مدينة "كيداپاوان" الفلبينية الجنوبية، حيث قتل 6 أشخاص وجرح 24 آخرين.

د. عبدالله المدني
* باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية
تاريخ المادة: مارس 2010
البريد الإلكتروني : elmadani@batelco.com.bh

الأحد، مارس 14، 2010

دماء في پونا الهندية

د. عبدالله المدني

تقع مدينة پونا، التي تعتبر ثامن أكبر مدينة في الهند وثانية كبرى مدن ولاية "مهاراشترا" من بعد "مومباي" (بومباي سابقا)، على إرتفاع 560 ميلا فوق سطح البحر. وكانت هذه المدينة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 937 ميلادي، ذات يوم عاصمة لإمبراطورية "ماراتا". وفي عام 1817، الذي شهد هزيمة القوات الماراتية أمام القوات الإنجليزية، ألحقت پونا بأراضي التاج البريطاني لتخدم مذاك وحتى إستقلال الهند في عام 1947 كثكنة عسكرية لقوات المستعمر.

وإذا كان الرعيل الأول في الخليج العربي قد عرف "حيدر آباد" عاصمة ولاية "أندرا پراديش" الجنوبية كوجهة للإقترتن بالسيدات الهنديات المسلمات، وعرف بومباي، كمدينة كزموبولينية تخدم أغراضه في الترويح والتثقيف وتسويق اللؤلؤ وشراء حاجات مواطنيه المتواضعة في حقبة ما قبل إكتشاف النفط،

و إذا كان هذا الرعيل قد عرف شقيقة بومباي(ميراج) أو (مرج بحسب نطقهم)، كوجهة للإستشفاء بفضل مصحاتها ومستشفياتها العريقة - تحتضن اليوم كليتين من أفضل كليات الطب في الهند، وأكثر من 100 مستشفى وعيادة خاصة، وإشتهرت بأنها أول مدينة في آسيا أجريت فيها عملية قلب مفتوحة وذلك في عام 1954 ، كما اشتهرت منذ القرن 19 بمستشفياتها التبشيرية التي وظفت خيرة الأطباء المتخصصين)، فإن الآباء والأجداد ومن ثم أبناؤهم وأحفادهم من الجيل الجديد في الخليج عرفوا شقيقة بومباي الأخرى(پونا) كوجهة للتحصيل العلمي بفروعه ومستوياته المختلفة.

لقد ظلت مدينة پونا منسية لزمن طويل، فيما عدا إشتهارها كمركز للأنشطة الإجتماعية والدينية، ومكان لإقامة المصلحين الإجتماعيين والشخصيات البارزة ضمن حركة التحرير الوطنية التي قادها المهاتما غاندي ورفاقه. لكنها في السنوات المبكرة لحقبة ما بعد الإستقلال، شهدت تغيرات كثيرة، فتحولت مثلا إلى مقر لأكاديمية الدفاع الوطني وللمختبرات الكيميائية القومية. كما شهدت في عقدي الخمسينات والستينات تطورات صناعية كنتيجة لوقوع الإختيار عليها كمركز لتصميم وتصنيع المركبات والحافلات والجرارات الزراعية من قبل مؤسسة تاتا المعروفة. وفي عام 1961 تعرضت المدينة لفيضان مدمر خرب أجزائها القديمة، فكان ذلك الحدث المأساوي نقطة إنطلاق لإعادة تشييدها وفق تخطيط حديث. وبإكتمال العملية في عام 1966 كانت المدينة قد إمتدت في كل الإتجاهات و تغيرت خرائط وجهها كليا.

غير أن النقلة الكبرى في حياتها حدث في التسعينات حينما إتجهت إلى إقتصاد المعرفة كبديل للإقتصاد الزراعي. ولعل ما مكنها بسهولة من تحقيق هذا التحول هو ما راكمته من تسهيلات وتجهيزات تربوية وتعليمية وتدريبية ممثلة في إحتضانها لمئات المعاهد والجامعات ومراكز التدرب على التخصصات العلمية المطلوبة كتكنولوجيا المعلومات والإتصالات، و تكنولوجيات وسائل المواصلات، وتكنولوجيات الترجمة و إجادة اللغات العالمية الحية. ليس هذا فحسب، وإنما إشتهرت أيضا كمدينة توفر االترفيه البريء كلألعاب الرياضية المختلفة والبرامج المسرحية والموسيقية والأدبية وبأكلاف في متناول ذوي الدخول المتواضعة من أبناء العالم الثالث. وربما لهذا السبب، معطوفا على تميز المدينة بقدرتها على قبول الثقافات المختلفة في أجواء رائعة من التسامح، صارت پونا الخيار الأول للكثير من الأسر متواضعة الدخل في الخليج والعالم العربي حين البحث عن وجهة لإبنائهم من أجل التحصيل الجامعي، وذلك بدليل أن جامعات المدينة وكلياتها لئن ضمت البحريني والإماراتي والعماني، فإنها ضمنت أيضا السوداني واليمني والصومالي والسوري والفلسطيني والإيراني (تقول أحدث الإحصائيات المتوفرة أن نحو 500 ألف طالب يقطن پونا حاليا، من بينهم 18 ألفا من الطلاب الأجانب)

و بطبيعة الحال فإن ما دعانا للحديث، ولو متأخرا بعض الشيء، عن هذه المدينة المسالمة النائمة بأمان فوق هضبة "ديكان" هو تعرضها في الثالث عشر من فبراير المنصرم لهجوم إرهابي دموي، ونعني بذلك الإعتداء الذي إستهدف مقهى "جيرمان بيكري" أو "المخبز الألماني" الذي يتجمع فيه عادة الطلبة الأجانب الدارسون مع زملائهم الهنود للتسلية البريئة والترويح عن النفس.

أما الذي إرتكب تلك الجريمة النكراء التي أودت بحياة 15 شخصا بريئا - كان من ضمنهم سعيد عبد الخاني (26 عاما) الشاب الإيراني المسلم الذي كان قد أتم للتو 6 أسابيع من برنامج مكثف لللغة الإنجليزية - وجرحت 60 آخرين - كان من بينهم طلبة مسلمين من السودان والأردن فقدوا أطرافهم، وبالتالي صاروا من ذوي الإعاقة الدائمة مثل "أنيس الفاتح" و "أمجد أحمد"، فهو نفسه الذي خطط ونفذ وأدار هجمات مومباي البربرية في عام 2008 ضد نزلاء فندق "تاج محل" الفخم، والتي أسفرت عن مقتل 166 شخصا وجرح 600 آخرين، أي جماعة "عسكر طيبة" (تبنت جماعة إسلامية غير معروفة قالت أنها متفرعة من عسكر طيبة مسئولية الإعتداء)

و"عسكر طيبة" لمن لا يعرفها جماعة إرهابية تتخذ من باكستان مقرا لها ومسرحا لتدريب كوادرها وأرضا للإختباء، وتدعي زورا وبهتانا بأنها تعمل من أجل تحرير كشمير و نصرة شعبها المسلم، ولكأنما الهدف الأخير لا يتحقق إلا بإ سالة دماء الأبرياء وترويع الآمنين وإرهاب تلامذة العلم و تعمد قتل أكبر عدد ممكن من أبناء فقراء المسلمين ممن جاؤوا من ديارهم النائية بحثا عن المستقبل الأفضل. و دليلنا على أن المجرمين تعمدوا قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء هو إختيارهم لمساء يوم السبت (أي يوم إجازة نهاية الإسبوع الذي تكتض فيه مقاهي پونا ومطاعمها بالطلبة) للقيام بعمليتهم الدنيئة.

إن عملية پونا وهمجية منفذيها ومن يقف وراءهم بالدعم والتمويل والحماية كشفت الوجه القبيح لبعض الجهات والأجهزة التي لا تريد أن ترى مناخا من السلام يخيم على شبه القارة الهندية، وأفقا واعدا ينبثق من وراء ركام الآلام والأحزان والحروب المتكررة منذ رحيل المستعمر البريطاني قبل ستة عقود ونيف، بدليل أنه كلما لاح الأمل بقرب حدوث إنفراج بين الخصمين الآسيويين الكبيرين، قامت تلك الجهات والأجهزة بعملية إجرامية تستهدف تخريب التقارب وأجهاض الآمال.

فلقد حدث في عام 2004 تقارب رائع ما بين نيودلهي وإسلام آباد حير في حينه المراقبين وأدهشهم، خصوصا وأنه توج بإطلاق محادثات سلام شاملة، وزيارات رسمية على أعلى المستويات، وتسييرالقطارات وحافلات الركاب ما بين شطري كشمير. غير أن أعداء السلام والحياة كان لهم رأى آخر مناقض، فخططوا في ديسمبر من عام 2001 للقيام بهجوم إنتحاري ضد قدس أقداس الهنود وهو مبنى برلمانهم ورمز حريتهم وديمقراطيتهم ونظامهم العلماني، الأمر الذي أدى إلى تراجع العلاقات الهندية- الباكستانية الى مستويات دنيا لم تصلها حتى أثناء اندلاع الحروب المسلحة ما بين البلدين. فقد جمدت العلاقات الدبلوماسية وتوقفت المبادلات التجارية وعلقت كافة أشكال الاتصالات فيما كانت قوات البلدين المسلحة تواجه بعضها البعض على طول الحدود الفاصلة في حالة قصوى من الاستنفار و في ظل تجارب متكررة على إطلاق الصواريخ الباليستية.

بعد ذلك، حدث مرة أخرى ما لم يكن متوقعا. فعلى اثر مكالمة هاتفية جرت في مايو من عام 2003 ما بين رئيس الحكومة الباكستانية وقتذاك "مير ظفرالله خان جمالي" و نظيره الهندي وقتذاك "أتال بيهاري فاجبايي". فاجأت نيودلهي، التي كانت تصر على عدم التحدث الى إسلام آباد قبل قيام الأخيرة بتفكيك الشبكات الإرهابية المنطلقة من أراضيها لضرب القوات والمصالح الهندية في كشمير، المجتمع الدولي بإستعدادها للتباحث مع الباكستانين على مجمل العلاقات والقضايا العالقة بما فيها كشمير دون شروط , بل أعلنت عن إعادة العلاقات الدبلوماسية والاتصالات الجوية والبحرية والبرية مع جارتها الباكستانية، الأمر الذي رحبت به الأخيرة وقابلته بالمثل.

وبموازاة هذا التطور جرت جهود دبلوماسية مكثفة كان غرضها إعطاء دفعة للعملية لضمان استمراريتها وقطع الطريق على أية انتكاسة قد تلوح بفعل تصريح متطرف من أي من البلدين، أو بفعل عملية حمقاء يقوم بها أعداء السلام. ففي الوقت الذي كان فيه مستشار الأمن القومي الهندي (وقتذاك) غراجيش ميشرا المعروف بنفوذه وقربه من رئيس الحكومة الهندية يبحث مجمل أوضاع شبه القارة الهندية مع كبار المسئولين الأميركيين في واشنطون، كان نائب وزير الخارجية الأميركي في عهد إدارة الرئيس جورج بوش "ريتشارد أرميتاج" يلتقي بكبار صناع القرار في نيودلهي وإسلام آباد ويبحث معهم علاقات البلدين وسبل تحسينها. الى ذلك كانت مجموعة من البرلمانيين الباكستانيين تزور نيودلهي وتجري محادثات مع نظرائها الهنود منتهزة الأجواء الجديدة في علاقات البلدين، الأمر الذي أسفر عن تأكيد الجانبين المتحاورين على ضرورة بذل قصارى الجهد لعزل المتطرفين في الهند والباكستان بغية منعهم من تخريب جهود السلام بتصريح استفزازي من هنا أو عمل أحمق من هناك. أما رجال الأعمال في البلدين الذين تكبدوا الخسائر من جراء حال الفتور ثم القطيعة في العلاقات الهندية – الباكستانية ، ولطالما رأوا في تحسين روابط البلدين السياسية فرصا واعدة لإقامة مشاريع مشتركة ومبادلات بينية تعود بالخير على شعوب القارة كلها، فقد سارعوا الى إجراء محادثات هاتفية مع نظرائهم في الطرف الآخر بغية تنشيط العلاقات التجارية وتفعيل لجان غرف الصناعة والتجارة المشتركة المجمدة منذ عام 1999 . والجدير بالذكر أن إقليم جنوب آسيا الذي يقطنه خمس سكان العالم لا تمثل المبادلات التجارية بين دوله سوى واحد بالمئة من تجارة العالم بسبب العداوات التاريخية والخصومات السياسية.

و مرة أخرى لم ترق هذه الأجواء الإيجابية للمتطرفين والإرهابيين من أشياع القاعدة وطالبان ومن في حكمهم، فكانت ضربتهم الهمجية في بومباي في عام 2008 والتي إضطرت معه حكومة رئيس الوزراء مانموهان سينغ مدعومة بشركاء حزب المؤتمر الحاكم وكافة قوى المعارضة إلى الإعلان صراحة بأن نيودلهي لن تواصل محادثات السلام مع إسلام آباد ما لم تضع الأخيرة حدا لأنشطة الجماعات الإرهابية الناشطة فوق التراب الباكستاني للإضرار بأمن وسلامة الهند.

وهكذا نجد أن توقيت عملية پونا كان مقصودا، بمعنى أن الهدف منها كان إثارة نيودلهي وإيجاد مبرر لدفعها للإنسحاب مما إتفق عليه مؤخرا وهو إحياء عملية السلام المتعثرة في شبه القارة الهندية عبر محادثات تمهيدية تبدأ بإجتماع يعقد ما بين أمين سر وزارة الخارجية الهندية "نيروباما راو" ونظيره الباكستاني "سلمان بشير".


د. عبدالله المدني
*باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : مارس 2010

البريد الإلكتروني : elmadani@batelco.com.bh

الأحد، مارس 07، 2010

باكستان تكذب رواية طهران عن إعتقال زعيم متمردي بلوشستان

د. عبدالله المدني

في مسرحية سيئة الإخراج، وعمل إستعراضي قصد منه إرسال رسالة إلى من يعنيهم الأمر في دول الجوار وعبر مياه الخليج العربي أيضا حول قوة أنيابها المخابراتية، وقدرتها على الوصول إلى خصومها وإلتقاطهم، سواء كانوا في البر أو الجو أو البحر، زعمت طهران في الثالث والعشرين من فبراير المنصرم أن نجاحها في إصطياد زعيم جماعة "جند الله" السنية البلوشية "عبدالملك ريغي" قد تم بقدراتها الذاتية ومن دون أدنى مساعدة أجنبية.

"محمد عباسي" يكذب رواية طهران ويحرجها

وحتى قبل أن يدحض السفير الباكستاني في طهران "محمد عباسي" هذه المزاعم ويحرج الإيرانيين عبر تصريح صحفي قال فيه بوضوح "أن الرواية الإيرانية بعيدة كل البعد عن الحقيقة" - لولا أصول الدبلوماسية لقال أن الرواية كاذبة - و أن بلاده ساعدت إيران إستخباراتيا على إعتقال ريغي وهو مسافر على متن طائرة ركاب مدنية (إتضح فيما بعد طبقا لتصريحات سلطات الطيران المدني في بشكيك عاصمة قيرقيزستان أنها تابعة للأخيرة وكانت في رحلة إعتيادية من دبي إلى بشكيك تحت رقم 454) و"أن هذا العمل لم يكن ممكنا لولا تعاون باكستان"، كان كل الشواهد والمعطيات تدل على وجود ضلع للمخابرات الباكستانية في الحدث.

مصلحة طهران وإسلام آباد في القبض على ريغي

فلئن كان لطهران مصلحة أكيدة في إعتقال الرجل الذي وقف وراء عمليات إغتيالات وتفجيرات عديدة بحق رجال حرسها الثوري وموظفي أجهزتها الرسمية في إقليم "سيستان/ بلوشستان"، و لها مصلحة أخرى تتمثل في إستثمار العملية في التغطية على إخفاقاتها وأزماتها الداخلية المتصاعدة منذ إنتخاباتها الرئاسية الأخيرة، ولها مصلحة ثالثة في الإدعاء بأن ريغي لم يكن سوى أداة في أيدي "الشيطان الأكبر" وحلفائه، فإن لإسلام آباد مصلحة أكبر بكثير خصوصا في ظل ظروفها ومشاكلها الحالية التي تبدأ بمعاناتها الإقتصادية المزمنة، والفلتان الأمني في مدنها الكبرى والذي جعل منها بلدا غير جاذب على الإطلاق عند المستثمرين الأجانب، والتوترات الصامتة في علاقاتها مع جارتها الإيرانية والناجمة عن إتهام طهران المتكرر للأنظمة الباكستانية المتعاقبة بالتساهل في التعامل مع المتمردين البلوش المتحركين عبر الحدود المشتركة، ولا تنتهي عند التحديات التي تواجهها في شمال البلاد المتاخم لأفغانستان من قبل الفرع الباكستاني لحركة طالبان المدحورة التي أسستها وجهزتها وأطلقتها مخابرات إسلام آباد نفسها في التسعينات زمن حكم رئيسة الحكومة الراحلة السيدة "بي نظير بوتو"، وذلك قبل أن ينقلب السحر على الساحر على النحو المعروف للجميع.

وقد يقول قائل ما الفائدة الآن من الحديث عن هذا الموضوع؟، فأيا كانت الجهات المتورطة في العملية، وأيا كانت تفاصيلها، فإن المهم لطهران وحلفائها الإقليميين من حكومات وأحزاب هو وقوع أحد أهم المطلوبين لدى النظام الفقهي الإيراني في المصيدة!

طهران ستشنق ريغي لا محالة

مثل هذا الكلام صحيح دون شك، خصوصا وأن نهاية ريغي ستكون حكما بالإعدام شنقا تصدره محاكم الثورة الإسلامية على نحو ما فعلته هذه المحاكم منذ الثورة الخمينية في عام 1979 بحق عشرات الآلاف من الإيرانيين ممن لم تصل تهمهم إلى ربع التهم الموجهة إلى ريغي الذي تتداخل في سيرته صورتا "المناضل" من أجل الحرية، و"الإرهابي" الذي لا يفرق ما بين الأهداف العسكرية والمدنية.

عبدالملك ريغي وعبدالله أوغلان

لا يمكن ، بطبيعة الحال، التقليل من عملية إعتقال "ريغي" أيا كانت أسرارها وتفاصيلها غير المعلنة حتى هذه اللحظة. فهي حدث كبير ومهم، وربما كان في مستوى إعتقال الأتراك لزعيم حزب العمال الكردي "عبدالله أوغلان". غير أن من يعتقد بأن الحدث سوف يؤدي إلى إنطفاء جذوة الحركة الإنفصالية البلوشية في باكستان وإيران من أجل إقامة كيان مستقل للبلوش الموزعين ما بين البلدين تحديدا، فهو واهم. إذ ربما كان العكس صحيحا، بمعنى أن إعتقال "ريغي" قد يؤدي إلى المزيد من المتاعب لكلا النظامين الإيراني والباكستاني. وشاهدنا هنا هو أن نجاح أنقرة في إعتقال الزعيم الإنفصالي الكردي "عبدالله أوغلان" في عام 1999 في عملية مخابراتية جريئة في العاصمة الكينية من بعد طرده من سوريا، رضوخا لتهديدات أنقرة لدمشق، لم يفض إلى تراجع طموحات الشعب الكردي في تركيا في إقامة وطنهم المستقل أو موت قضيتهم التاريخية.

العملية قد تؤجج نوازع الإنتقام عند البلوش

وبعبارة أخرى، فإن إعتقال "ريغي" وإعدامه المؤكد لاحقا - بدليل ما ذكره المدير العام لعدلية طهران "علي رضا أوايي" الذي قال أن ريغي قاتل وبالتالي سيطالب بمحاكمته في طهران كي ينفذ فيه حكم الشريعة الإسلامية بحزم - قد يدفع بأنصاره في حركة "جند الله" - التي للكثيرين منا بالطبع تحفظات عليها بسبب طروحاتها الطائفية والوسائل العنيفة التي تنتهجها - وغيرهم من بلوش الداخل والمهجر إلى التضامن والتكاتف والتحرك بصورة غير مسبوقه بقصد الإنتقام، بل قد يدفعهم إلى التحالف أو التنسيق مع القبائل البشتونية في باكستان وأفغانستان الطامحة هي الأخرى منذ زمن بعيد إلى إقامة كيان بشتوني مستقل في شمال باكستان وجنوب أفغانستان تحت إسم "بشتونستان"، مستغلين في ذلك العداء المشترك تجاه النظام الباكستاني المائل دائما نحو تفضيل العناصر البنجابية في المقام الأول والعناصر السندية في المقام الثاني، ناهيك عن توظيفهم للتداخلات العرقية والقبلية والثقافية ما بين الشعبين البلوشي والبشتوني.

رد حركة "جند الله" على عملية إعتقال زعيمها

والحقيقة أن رد حركة "جند الله" على إعتقال زعيمها جاء سريعا ومتناغما مع ما ذكرناه في السطور السابقة. فمن بعد الإعراب عن إستيائها لتعاون مزعوم بين المخابرات الغربية ومخابرات طهران وإسلام آباد وكابول في الإيقاع بزعيمها، ومن بعد التذكير بأن طهران تنسق وتتعاون مع الغرب على خلاف ما قد يبدو للعيان من عداء ونفور، طمأنت الحركة أنصارها قائلة في بيان رسمي لها "نقول لأهل السنة المؤمنين في إيران والشعب البلوشي، عليكم بالصبر، وينبغي أن نعلم جميعا أن هذا قضاء الله وقدره، ونحن مستمرون في القتال والجهاد"، ومضيفة "إن المأساة الكبيرة ستزيد تصميمنا على النضال عن طريق الجهاد بصورة أكثر حزما لتكريم الضحايا وتحقيق الحرية والكرامة للأمة البلوشية وجميع أهل السنة".

وفي مكان آخر من البيان، تعهدت الحركة بالانتقام لإعتقال زعيمها مهددة طهران بهجمات نوعية غير مسبوقة على يد من وصفتهم بالمئات من الشباب البلوشي المدرب على القتال والكر والفر.

من هو عبدالملك ريغي؟

لكن من هذا الرجل الذي أظهرته أجهزة الإعلام الإيرانية المرئية على شاشاتها كسيرا ويائسا، ومعترفا على نفسه بالضلوع في مؤامرة أمريكية ضد إيران، على عكس ما عرف عنه من بأس وعزيمة وإصرار على نفي تهم التعاون مع الغرب؟

ينتمي عبدالملك ريغي المولود في عام 1979 إلى قبيلة "ريغي" البلوشية المعروفة كما هو ظاهر من إسمه. ويقال أنه لم يحظ بأي تعليم سوى بعض الدروس الدينية، قبل دخوله المعتقل بسبب إعتدائه بالسلاح الأبيض على أحد مواطنيه، هذا على الرغم من أنه وضع لقب "دكتور" قبل إسمه حينما إستضافته إذاعة "صوت أمريكا في إبريل من عام 2007. أي بعد سنتين كاملتين من إدعاء السلطات الإيرانية بموته في عملية عسكرية على الحدود الإيرانية – الأفغانية.

أما حركته المعروفة بإسم "جند الله" فقد ظلت طوال السنوات القليلة الماضية محورا لإتهامات طهران بوقوفها خلف عمليات القتل وقطع الطرق في إقليم "سيستان/ بلوشستان" وتهريب المخدرات، بل أتهمتها أيضا بسعيها إلى فصل الإقليم المذكور عن التراب الإيراني بمساعدة الغرب وتنظيم "القاعدة" معا، على الرغم من النفي المتكرر لريغي بأن هدف جماعته هو فقط إزالة التمييز والغبن الواقع ضد مواطنيه السنة وسنة إيران عموما، وتحقيق العدالة والمساواة لهم.

أهم خمس عمليات لحركة "جندالله"

ولعل أهم خمس عمليات جريئة قامت بها الحركة و تسببت في ثورة طهران العارمة عليها هي: ما حدث في مارس من عام 2006 ، حينما إعترض مقاتلوها على طريق زابول - زاهدان حافلة ركاب وقتلوا 22 فردا ممن كانوا على متنها من موظفين رسميين عائدين إلى أسرهم للإحتفال بعيد النوروز. وما حدث في 14 فبراير من عام 2007 حينما فجرت الحركة حافلة كانت تقل عناصر من الحرس الثوري الإيراني فقتلت 11 وأصابت 18 آخرين. وما حدث في مايو من العام نفسه حينما قتلت الحركة 34 إيرانيا وأسرت آخرين على طريق بام – كيرمان. وما حدث في مايو من عام 2009 حينما فجر مقاتلو الحركة مسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في زاهدان فتسببوا في مقتل 20 من المصلين. وأخيرا ما حدث في أكتوبر من العام نفسه حينما هاجمت عناصر من الحركة مدينة "سرباز" البلوشية الشرقية فجرحت نحو 150 شخصا وقتلت 43 من قادة الحرس الثوري البارزين، كان من بينهم نائب القائد العام للحرس "نور علي شوشتاري" وقائد الحرس الثوري في إقليم "سيستان/بلوشستان" رجب علي، وقائد وحدة أمير المؤمنين في الحرس المذكور، علاوة على عشرة من الزعماء القبليين الموالين لطهران.

د. عبدالله المدني

* كاتب ومحاضر في الشئون الآسيوية من البحرين

تاريخ المادة : مارس 2010

البريد الإلكتروني : elmadani@batelco.com.bh

السبت، فبراير 27، 2010

إستمرار الفساد في أندونيسيا يقوض شعبية يودويونو

د. عبدالله المدني

بعد أشهر من إعادة إنتخابه للمرة الثانية كرئيس لكبرى الديمقراطيات الإسلامية في يوليو من العام المنصرم، تواجه أحلام الرئيس الإندونيسي “سوسيلو بامبانغ يودويونو” في إقامة إئتلاف وطني جامع مآزق وصعوبات كثيرة مصحوبة بأسئلة عديدة حول مدى كفاءة حكومته وجديتها في مكافحة الفساد المستشري في اوصال البلاد.

أحد مصادر تلك الصعوبات جاءت من محاولة يودويونو التوفيق ما بين قوى ورموز سياسية متضادة في أهدافها وأيديولوجياتها وطموحاتها وطرق تفكيرها ، وذلك على نحو ما فعله غداة فوزه في الانتخابات الرئاسية، أي حينما عمد إلى تقوية نفوذه في البرلمان عبر عقد تحالفات سياسية، تلتها تشكيل حكومة وزعت حقائبها على مختلف الأحزاب السياسية التي دعمت ترشحه للرئاسة، ناهيك عن الشخصيات الانتهازية التي غيرت مواقفها بمجرد شعورها بأن النصر سيكون حليف الرجل لا محالة.

وهكذا رأينا تايكونا للمال والأعمال مثيرا للجدل مثل "أبورضا البكري" الذي تولى في أكتوبر الماضي قيادة حزب "غولكار" الذي حكم البلاد زمن الديكتاتورالراحل سوهارتو، بل الذي نافس يودويونو على الرئاسة في الانتخابات الأخيرة، يكافيء مع أربعة من زملائه بحقائب وزارية. علاوة على ذلك منح يودويونو حقيبة وزارية هامة مثل وزارة تنسيق الشئون الإقتصادية إلى "حتا راجاسا"، وهي شخصية إسلامية معتدلة من رموز حزب " بارتي أمانت ناسيونال" الإسلامي أو حزب الأمانة الوطني الذي كان قد أسسه زعيم جماعة "المحمدية" والرئيس الأسبق للبرلمان "أمين ريس"، وذلك على الرغم من الأداء السيء لهذه الشخصية في كل ما أوكل إليه من مناصب رسمية سابقة ما بين عامي 2001 و2004 مثل وزارة النقل ووزارة الأبحاث والتكنولوجيا. وتعليقا على هذا، كتبت الصحافة الإندونيسية واصفة حكومة يودويونو الحالية بأنها خليط من الإصلاحيين والمحافظين، ومن الساسة والتكنوقراط، ومن العلمانيين والإسلاميين.

غير أن يودويونو، الذي كان وقتها في ذروة مجده المتحقق من حصوله على تخويل جماهيري كاسح، رد قائلا بأنه عمد إلى ذلك من أجل تمرير أجندته وسياساته في البرلمان والتي تتمحور حول الإصلاحات الإقتصادية والمالية ووسائل جذب رؤوس الأموال الأجنبية، ومكافحة البيروقراطية المستفحلة والفساد المستشري، وتطوير الأجهزة الرقابية والأمنية. وبعبارة أخرى كان الرئيس الفائز يمد يديه وقتذاك إلى الجميع من موقع قوة، قبل أن تضعف مكانته وشعبيته بفعل الفضائح الناجمة من تدخل بعض أركان إدارته في مهام المفوضية العامة لإجتثاث الفساد، والتي كان من معالمها التزوير وإنفاق ما يقارب 7 بلايين روبية (750 مليون دولار) من المال العام من أجل إخراج أحد المصارف المحلية من عثراته المالية في العام الماضي.

الأمر الغريب الذي توقف عنده المراقبون طويلا هو أن حزبي "غولكار" و "بارتي أمانت ناسيونال"، بدلا من أن يسندوا ظهر يودويونو بإعتباره حليفا لهما في البرلمان وشريكا لهما في الحكومة، إنتهزا هذه الواقعة للتشويش على صورته وشعبيته، وذلك بإنضمامهما إلى المعارضة وترديدهما لما رددته الأخيرة.

الأغرب من ذلك أن حزب "غولكار" المتمرس منذ حقبة سوهارتو البائدة على الفساد والنهب زعم بأن ما أنفق من المال العام لإخراج المصرف المذكور من عثراته تجاوز كثيرا ما أعلن عنه، وأن الفارق تم نهبه لصالح حزب الرئيس(حزب إندونيسيا الديمقراطي)، وهو ما أنكره يودويونو بشدة مع مطالبته بإجراء تحقيق شفاف لتبرئته وحزبه من هذه التهمة الشنعاء التي لطخت بالفعل سمعته.

وإذا كان ما قالته رئيسة الجمهورية السابقة وزعيمة المعارضة الحالية "ميغاواتي سوكارنو بوتري" من أن تلك الأموال المنهوبة قد أنفقت على حملة الرئيس يوديونو الإنتخابية ولعبت دورا حاسما في فوزه بأصوات أكثر من 60 بالمئة من الناخبين، يبدو مفهوما بإعتباره تهويشا وتبريرا منها لخسارتها في المعترك الإنتخابي، فإن ما لا يمكن ايجاد مبرر له – سوى توجيه ضربة ليودويونو على أمل العودة لحكم أندونيسيا مرة أخرى وبالتالي إستعادة الإمتيازات الذهبية المفقودة – هو قيام حزب متحالف مع رئيس البلاد وشريك له في الحكم كحزب "غولكار" بقيادة حملة لتشويه صورته وسمعة حزبه الحاكم.

على أن مطالبة الرئيس يودويونو بإجراء تحقيق شفاف لئن أدت إلى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية مكونة من 30 مشرعا، للنظر في القضية، فإن الإشكالات والخلافات السياسية الموجودة على الساحة ما بين الداعمين لللبرلة الإقتصادية بقيادة وزيرة المالية الإقتصادية الموهوبة "موليان إندرواتي" (حاصلة على درجة الدكتوراه في الإقتصاد من جامعة إلينوي الأمريكية) و نائب الرئيس وحاكم المصرف المركزي السابق "بوإيديونو"، و بين خصوم الإنفتاح الإقتصادي الواسع بقيادة "ابورضا البكري" الذي حقق ثروات طائلة من الأنشطة الإحتكارية وبنى لعائلته إمبراطورية أعمال ضخمة أثناء الحقبة السوهارتية شملت الإشتغال في التجارة والزراعة والصناعة والسياحة والشحن والتعدين والانشاءات والإعلام والصيرفة والتأمين، قبل أن يتعرض لخسائر بسبب الأزمة المالية العالمية، قد سيست القضية و أرخت بظلالها عليها بصورة جعلت أحلام يودويونو في تحقيق إجماع وطني حول أجندته تتبخر أو تتضعضع. الأمر الآخر الذي أثر في نفس الإتجاه سلبا هو تنازع السلطات والخلافات والإحتقانات الموجودة ما بين الشرطة والسلطات القضائية و قضاة المحكمة الدستورية ورجال الأعمال المتنفذين.

وربما هذه النتيجة المحبطة هي وراء ما يتردد في الإعلام الإندونيسي المتمتع بهامش واسع من الحرية منذ سقوط سوهارتو من أن يودويونو لم يعد كما كان يوم فوزه الكاسح، بمعنى أنه فقد الآن الأمل وبالتالي صار يعبر عن ذلك بالمواقف العصبية والغضب السريع من أي نقد لإدارته، وكأن الجميع يتقصده شخصيا ويحاول النيل منه، متناسيا أن ما يجري هو ضريبة الديمقراطية، وأن بلاده قد خطت خطوات راسخة على هذا الصعيد خلال سنوات العقد الماضي، وأن شعبه قد بلغ الرشد وصار بفعل حركة المجتمع المدني وتنظيماته الكثيرة قادرا على تكوين رؤيته الخاصة للأحداث وبالتالي التأثير في مجريات الأمور بإستقلالية.

نعم ! لقد نجح الجنرال المتقاعد يودويونو في وضع بلاده على الطريق الصحيح من بعد سنوات عجاف من الأزمات والإحتقانات في أرخبيل مترامي الأطراف، مقطع الأوصال جغرافيا، متنوع الأعراق والثقافات، مختل إختصاديا، مسكون بنزعات إنفصالية وجهوية حادة.

غير أنه إلى الآن لم يجد علاجا مناسبا لداء بلاده المزمن وهو الفساد المستشري في مفاصل أجهزة الشرطة والخدمة المدنية، على الرغم من محاولاته ووعوده الكثيرة، وتقديمه للعشرات من مسئولي الدولة للمحاكمة بتهم إستغلال الوظيفة العامة من أجل الكسب الحرام، بل وتسميته يوما في ديسمبر من كل عام كيوم وطني لإجتثاث الفساد، وهو المناسبة التي إستغلها خصومه مؤخرا للتظاهر بأعداد غفيرة في شوارع جاكرتا للتنديد بما قيل أنه فضائح وإستغلال للنفوذ من قبل مسئولين في إدارة الرئيس نفسه مثل والد زوجته "أوليا فوهان" المسئول القيادي في المصرف المركزي، بل وأيضا مسئولين في لجنة إجتثاث الفساد نفسها، وذلك في إشارة إلى نائبي رئيس تلك اللجنة "بابيت ريانتو" و "تشاندرا حمزة" الذين أعتقلا بتهمة الإرتشاء وإستغلال السلطة، قبل أن يفرج عنهما لعدم كفاية الأدلة.

لقد اعادت التظاهرة المذكورة إلى الإذهان ما حدث أثناء إنتفاضة الشعب ضد ديكتاتورية سوهارتو في عام 1998 ، بل كان يمكن أن تتطور إلى شيء مشابه، لولا هطول الأمطار الغزيرة التي فرقت الجموع المتظاهرة، ولولا خطاب التهدئة الذي ألقاه يودويونو إلى شعبه مساء ذلك اليوم الماطر من التلفزيون الرسمي.

في ذلك الخطاب بدا الرئيس مصمما على المضي قدما في تنفيذ سياساته، بدليل إعلانه "الجهاد" دون هوادة ضد الفساد والإرهاب معا وبنفس القوة، خصوصا وأن تلك التطورات جاءت متزامنة مع إكتشاف خلية تابعة للميليشيات الإسلامية كانت تتدرب في أحد المعسكرات النائية على إغتياله عبر إجادة التصويب باستخدام صورة لرأسه وصدره.

وكان من الطبيعي أن تشكل هذه الهموم والمنغصات الكثيرة إحباطا لدى يودويونو، خصوصا مع وصف الصحافة الأجنبية له بأبي الفساد منذ تسرب أخبار قضية المصرف المتعثر المشار اليها آنفا، ناهيك عن تراجع موقع أندونيسيا في قائمة الشفافية العالمية من المركز 137 إلى 111، وعدم تضمين الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" لأندونيسيا في جولته الآسيوية الأخيرة التي شملت اليابان وسنغافورة والصين وكوريا الجنوبية. ليس هذا فقط ، بل أدت تلك الهموم إلى فقدان الرئيس لثقته بأقرب المقربين منه بمن فيهم وزيرته المفضلة "أندرواتي" بدليل أنه لم يصطحبها معه في زيارته الرسمية إلى أربع من دول الإتحاد الأوروبي في ديسمبر المنصرم.

إلى ذلك و ربما بسبب التطورات نفسها، ألغى يودويونو زيارة كانت مقررة له إلى أستراليا،الشريك التجاري الإقليمي الأهم لبلاده، حيث قيل أنه خاف ألا تنجم الزيارة عن نتائج إيجابية لجهة الملفات الحيوية التي تهم الجارتين، وعلى رأسها ضخ الإستثمارات الأسترالية في الإقتصاد الإندونيسي، ومكافحة الإرهاب، ومعالجة مسألة التسلل إلى الأراضي الأسترالية من البوابة الإندونيسية والتي يقوم بها لاجئون متجمعون على الأرض الإندونيسية من أفغانستان وسريلانكا وبنغلاديش و بورما وغيرها.

جملة القول أن يودويونو رغم كل ما لحق بعهده الرئاسي الثاني من إنتكاسات، لا يزال زعيما صلبا وقادرا على تمرير سياساته في البرلمان بفعل التحالفات التي عقدها. أما صور الفساد التي ألقت بظلالها على عهده فلا يد له فيها، كونها ناجمة عن مشكلة قديمة يساعد على إستمرارها فساد الجهتين المعنيتين بمكافحتها وهما جهازي القضاء والشرطة.



د. عبدالله المدني
باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : فبراير 2010
البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh


الأحد، فبراير 21، 2010

تايوان كنموذج للدولة العلمانية متعددة الأديان

د. عبدالله المدني

كل من زار تايوان، لا بد وأن لاحظ إنتشارالمعابد البوذية والكونفوشوسية والتاويستية جنبا إلى جنب مع الكنائس الكاثوليكية والبروتستانية والجوامع الإسلامية، بل و شاهد أيضا تردد معتنقي هذه الديانات على تلك المعابد في أجواء من السلام والطمأنينة المكفولة بقوة القانون، الأمر الذي لا يمكن تلمسه أو رؤيته في أراضي البر الصيني الشاسعة.

وطبقا لمسح أجرته وزارة الداخلية التايوانية ، وصلت أعداد تلك المعابد بمختلف تلاوينها في نهاية عام 2008 إلى عدد غير مسبوق هو 15 ألف معبد وكنيسة وجامع. أما المعهد القومي للعلوم في تايبيه الذي يصدر دراسات مشابهة كل خمس سنوات منذ عام 1984، فقد توصل في عام 2004 إلى نتيجة مفادها أن 90 بالمئة من الشعب التايواني يمارس طقوسه الدينية، و أن 30 بالمئة من هؤلاء باتوا يترددون على معابدهم مرة واحدة على الأقل كل شهر.

وبطبيعة الحال فإن ما يتيحه نظام البلاد القائم على مباديء العلمانية و أصول الديمقراطية التمثيلية، أتاح لسكان البلاد البالغ تعدادهم اليوم 23 مليون نسمة ممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة، مع منحهم إجازات رسمية لإقامة معابدهم الخاصة أو منحهم تراخيص لإنشاء محطاتهم الفضائية الدينية وفق نظام عادل لا تمييز فيه أو محاباة لأصحاب العقيدة الغالبة وهم البوذيون الذين يشكلون نحو 24 بالمئة من إجمالي السكان. وبسبب من هذا، فإنه من النادر أن يسمع المرء في هذه البلاد عن شكوى مصدرها أصحاب الأقليات الدينية، أو عن محاولات من قبلهم لإنشاء ميليشيات وحركات إنفصالية، أو عن إحتجاجات و مصادمات طائفية، أو عن خروقات تمارسها السلطة ضد معتنق هذا الدين أو ذاك، الأمر الذي جعل تايوان في مقدمة الدول التي لا تضطهد أو تقوم بالتمييز ضد مواطنيها لأسباب دينية.

على أن هذا المشهد الجميل في تجلياته ودلالاته جديد نسبيا، بمعنى أنه لم يظهر للعيان إلا مع عملية الإنفتاح والتعددية السياسية التي بدأها الرئيس التايواني الثاني "تشيانغ تشيغ كو" ثم رسخها الرئيس التايواني الثالث "لي تينغ هوي" الموصوف بأول زعيم منتخب في تاريخ الصين القديم والحديث. فأثناء حقبة تطبيق قانون الأحكام العرفية ما بين عامي 1949 و1987 كانت علاقات السلطة مع الرموز الدينية مضطربة و تخلو من الثقة كنتيجة لمخاوف تايبيه من إحتمالات إستغلال بكين للحريات الدينية في التجسس على الدولة التايوانية، وهو ما أدى إلى لجؤ تايبيه إلى تضييق الخناق على المنظمات الدينية والإجتماعية والخيرية وإخضاعها لمعايير صارمة، بل وإلقاء القبض على بعض رموزها وزجهم في المعتقلات لآجال طويلة بحجة المحافظة على الأمن والنظام.



من المعايير التي طبقت في تلك الحقبة ضرورة تسجيل المعابد البوذية والكونفوشوسية والتويستية - على وجه التحديد - لنفسها لدى السلطات المختصة قبل بدء أنشطتها. ولهذا السبب قيل ان أتباع التويستية أجبروا على العمل السري إلى أن منحوا حرية التحرك بدءا من أواخر الثمانينات. لكن على العكس من ذلك، إتخذت الكنيسة البروتستانتية مواقف حادة وصلبة لجهة حقها وحق أتباعها في المجاهرة بآرائهم السياسية ونشر مواقفهم في مطبوعات خاصة أو التعبير عنها من خلال أنشطة جماهيرية، على النحو الذي ظهر في دعم الكنيسة لحق لمواطنين التايوانيين في تحديد مستقبلهم، أي خلافا لسياسة حزب "الكومينتانغ" الحاكم الداعية إلى إستقلال تايوان.

وإذا ما رجعنا إلى مسوحات وزارة الداخلية التايوانية لإتضح لنا وجود منحى متزايد لدى التايوانيين للتمسك بعقائدهم الدينية، لكن في ظل مشهد رائع من التسامح، بمعنى القبول بالآخر وعدم إضطهاده أوالتحرش به أو إهانة رموزه. والغريب في الأمر أن ذلك المنحى أكثر بروزا ووضوحا ضمن الفئات العمرية الشابة أو من تقل أعمارهم عن 30 سنة. إضافة إلى هذه الحقيقة، حفلت المسوحات المشار إليها بحقائق أخرى لها دلالاتها ومنها أن 7 بالمئة من المواطنين أو نحو 1.5 مليون نسمة كان في العام 2008 ملتزما، بدليل مواظبته على زيارة أماكن الصلاة والتعبد. ومنها أن أكثر هؤلاء مواظبة كانوا من معتنقي الديانة التاويستية (بنسبة 50.8 بالمئة) فمعتنقي البروتستانتية (بنسبة 25.3 بالمئة) فمعتنقي الكاثوليكية (بنسبة 11.1 بالمئة) فمعتنقي الديانة البوذية (بنسبة 10.7 بالمئة).

والمعروف أن الكثيرين في تايوان يعتبرون أنفسهم منتمين إلى الديانة البوذية على الرغم من أن الأخيرة تشترط في المنتسبين إليها إجتياز دراسات وطقوس معينة طبقا لما ذكره البروفسور "جوني تشانغ" من كلية إدارة المنظمات والتثقيف الديني بجامعة "أليتيا".

تاريخيا يعود دخول البوذية إلى تايوان إلى القرن السابع عشر، حينما وصل إليها المهاجرون الأوائل من إثنية الهان البوذية ومعهم مجاميع أخرى تدين بالديانة التويستية من جنوب شرق البر الصيني. وفي تاريخ مقارب دخلت المسيحية إلى البلاد أيضا على أيدي المبشرين الهولنديين والإسبان. غير أن النقلة الكبرى في تشكيل الخارطة الدينية للجزيرة جاءت مع تدافع اكثر من مليون نسمة من العسكريين والمدنيين نحوها في عام 1949 هربا من جحافل القوات الشيوعية بقيادة "ماو تسي تونغ". فكان لهذا التطور تداعيات إيجابية تجسدت في إثراء المجتمع التايواني ثقافيا، خصوصا مع وجود شخص مثل مؤسس البلاد الماريشال "تشيانغ كاي شيك" الذي تم تعميده كمسيحي قبل عشرين عاما من وصوله إلى سدة الحكم في تايبيه أي في عام 1929.

ومن بين التداعيات الإيجابية الأخرى لذلك التطور والتي لا تزال ملموسة، ظهور جمعيات بوذية إلى جانب الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية، وقيام كل هذه الكيانات الدينية بلعب دور مساند لجهود الحكومة في توفير وتحسين الرعاية الإجتماعية. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى تقرير حديث صادر عن وزارة الداخلية، ورد فيه أنه مع نهاية العام 2008 كانت تلك الكيانات الدينية تدير 24 مستشفى، و11 عيادة طبية، و26 بيتا للمتقاعدين، و27 معهدا للمعاقين في مختلف أرجاء تايوان، إضافة إلى مساهماتها الكبيرة في دعم بعض الكليات المختصة بتدريس الأديان، مثل مساهمة الكنيسة الكاثوليكية في دعم كلية الدراسات الدينية بجامعة "فو جين الكاثوليكية" والتي من أهم أهدافها تعزيز الحوار ما بين الكاثوليكية والديانات الأخرى.

ومن ضمن من وصل في هذه الحقبة الحديثة نسبيا (1949) إلى تايوان هربا من الشيوعيين نحو عشرين ألف مسلم شكلوا نواة الجالية المسلمة التي تقدر اليوم بخمسين ألف نسمة وتتألف من الهوي والأتراك والأويغور والقازاق، ويتواجد هؤلاء تحديدا في العاصمة تايبيه وفي "كاوشيونغ" بجنوب البلاد، وفي "تشونغ لي" و"تايشونغ" بوسطها حيث توجد في كل هذه البقاع مساجد وجوامع كبيرة تم بناؤها بتبرعات سعودية. وهؤلاء، كغيرهم من أصحاب العقائد الدينية الأخرى، يتمتعون بأوضاع إجتماعية وإقتصادية جيدة، بل يمثلهم اليوم 27 عضوا في المجالس التشريعية. هذا ناهيك عن وجود جمعية معترف بها رسميا لهم تقوم بأنشطة متنوعة مثل إقامة الدروس الدينية في المساجد وتوفير دراسات صيفية لأبناء المسلمين، وادارة مكتبة إسلامية تحمل إسم العاهل السعودي الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز، وإصدار مجلة موسمية تدعى "لسان الحق"، وترجمة القرآن والكتب الإسلامية إلى اللغة الماندرينية.

علاوة على الجمعية المشار إليها والتي أطلق عليها إسم "الجمعية الإسلامية الصينية"، هناك مؤسسات وتنظيمات إسلامية أخرى تتبعها أو متفرعة عنها مثل "جمعية الشباب المسلم الصيني"، و"جمعية الثقافة الإسلامية الصينية"، ورابطة المسلمين الصينيين". ولم تسمح السلطات التايوانية لهذه الجمعيات بالعمل الحر فقط وإنما سمحت لها أيضا بدعوة وإستقبال وفود من العالم الإسلامي، وإرسال طلبة وطالبات إلى الدول العربية و الإسلامية لتعلم أصول عقيدتهم، أو توفير منح دراسية لهم للإلتحاق بمركز دراسات الحضارة الإسلامية التابع لجامعة "تشينغتشي" الوطنية التي تحتوي مكتبتها على مراجع غنية ونادرة في الدراسات الإسلامية، والتي تعتبر أيضا الجامعة الوحيدة في تايوان التي تمنح شهادات الماجستير في الدراسات الإسلامية.

مما سبق نرى أن العلمانية لم تقض على الأديان، ولم تخربها أو تشوهها، ولم تؤلب الناس ضد معتقداتها الدينية، ولم تنشر الفسق والفجور والإنحلال، مثلما يزعم معظم رجال الدين في العالمين العربي والإسلامي ومعظم أشياعهم من الملتزمين، وإنما حمت الأديان وآخت بينها، ووفرت لإتباعها حرية العمل والتحرك دون تمييز، بل منحت الجميع فرصا متساوية للوصول إلى مختلف الوظائف الرسمية كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، فمنعت بذلك طغيان دين على آخر، أو إزدراء معتنقي هذا الدين لأتباع ذاك الدين. على أن أغرب ما يلاحظه المتابع لجهة مواقف رجال الدين المسلمين من العلمانية هو أنهم يتحمسون لتطبيقها في البلاد ذات الأقليات المسلمة، ويقاومونها في البلاد ذات الأغلبية المسلمة. وبعبارة أخرى فإنهم يكيلون بمكيالين بمعنى أنهم يؤيدونها عندما تكون في صالح المسلمين، و يزدرونها حينما تكون في صالح الآخر غير المسلم.


د. عبدالله المدني
*باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : فبراير 2010
البريد الإلكتروني : elmadani@batelco.com.bh

السبت، فبراير 13، 2010

في رثاء "الماركسي" الذي رفض أن يحكم الهند

د. عبدالله المدني

خسرت الهند مؤخرا رمزا من رموزها السياسية التاريخية الكبيرة ممن هيمنوا على المشهد السياسي الداخلي طويلا. ففي منتصف يناير المنصرم رحل عن 95 عاما السياسي الماركسي "جوتي باسو" الذي حفر إسمه في تاريخ ولاية "البنغال الغربية"، بل في تاريخ الهند بأسرها كأحد أطول رؤساء حكوماتها المحلية بقاء في السلطة، وأكثرهم وهجا وإنجازا وحضورا.

على أن الأهمية التي جسدها الراحل، لم يتأت من هذا وحده أو من شعبيته الواسعة، أو من نجاحاته المتتالية على مدى نصف قرن في الإنتخابات المحلية والعامة، وإنما أيضا من حقيقة إيمانه بالديمقراطية الهندية، وبالتالي عمله من خلال أطر هذه الديمقراطية لتحقيق أجندته الماركسية، وذلك بمعنى عدم لجوئه للعنف والأساليب القهرية للإستيلاء على السلطة والبقاء فيها، على نحو ما فعله أقرانه الماركسيون في الصين و الإتحاد السوفيتي و دول أوروبا الشرقية والهند الصينية والشرق الأوسط. بل أن الراحل كشف للعالم أجمع عن زهده في حكم الهند حينما طلب منه قادة جبهة الأحزاب اليسارية و العلمانية في عام 1996 تولي رئاسة الحكومة الهندية المركزية لضمان وحدتهم وتماسكهم، وكوسيلة أيضا لحصد دعم جماهير العمال والفلاحين والطلبة

والمعروف أن الراحل كان قد قرر في نوفمبر 2000 بمحض إختياره ولأسباب صحية ترك السلطة كرئيس وزراء شيوعي منتخب ديمقراطيا لولاية "البنغال الغربية"، بل آثر بالتزامن أن يعتزل الحياة السياسية وقيادة الحزب الشيوعي الماركسي الهندي ورئاسة جبهة الأحزاب اليسارية، واضعا بذلك حدا لصفة إلتصقت بإسمه هي "أقدم رؤساء الحكومات الشيوعية في العالم".

وقتذاك أثار هذا الحدث ضجة إعلامية وردود أفعال متباينة في الوسط السياسي الهندي، إنطلاقا مما كان للرجل من نفوذ وتأثير وتاريخ طويل حافل بالمعاني والإنجازات والمعارك السياسية. فعلى مدى عقود طويلة في حقبة ما قبل الإستقلال كان "باسو" رمزا وطنيا ومحرضا جماهيريا وطاقة تعبوية ومحاربا عنيدا من أجل الحرية والعدالة الإجتماعية، ثم صار في حقبة ما بعد الإستقلال إداريا ناجحا ومعارضا شجاعا ومشرعا حكيما وحزبيا قادرا على تكييف معتقداته الماركسية مع المستجدات وتطويرها بما يتناسب مع الواقع المحلي الهندي. وظل حاله على هذا المنوال حتى في أوج ضعفه الجسدي الناجم عن تقدمه في العمر، وأوج ضعفه الإيديولوجي الناجم عن إنهيار الدولة الشيوعية الأم في موسكو.

ويمكن القول أن تاريخ الرجل الحافل وثقافته الواسعة وتجاربه الطويلة في العمل هي التي مكنته من مواجهة الصعاب دائما بنجاح، فيما كان أصدقاؤه وخصومه يسقطون تباعا. ويمكن القول ايضا أن غيابه اليوم عن المشهد السياسي لا يعني موت حزبه أو موت الشيوعية في الهند، لسبب بسيط هو أن الأخيرة ليست حزبا برجوازيا أو وراثيا أو قمعيا، وإنما حزب يؤمن بالأساليب الديمقراطية والإقتراع الحر في إختيار قياداته.

والحقيقة أن مثل هذا القول ردده "باسو" بنفسه وقت إعتزاله في عام 2000 أي حينما كان حزب "بهاراتيا جاناتا القومي اليميني" يحكم الهند ويروج لقرب أفول اليسار السياسي في عموم الهند، حيث سجل عنه قوله: " أقول للذين يروجون لفكرة أن الشيوعية قد ماتت، أن الذي مات هو تجارب معينة إسترشدت بالمباديء الشيوعية، وليس الشيوعية كفكر ومنهج.

وكان هذا الكلام موجها أيضا لحزب المؤتمر (أكبر أحزاب البلاد التاريخية وصانع إستقلالها) لأن الأخير كان منذ فجر الإستقلال في معارك سياسية مع "باسو" وما يمثله، بل كان يعامله كخصم لا يمكن الإتفاق معه إلا في جزئية صغيرة من سياساته هي تلك المتعلقة بالتصدي لمشاريع وبرامج القوى القومية المتشددة الساعية لتحويل الهند إلى كيان أحادي الثقافة.

لكن من هو "جوتي باسو" هذا الذي تمكن من ترسيخ إسمه في تاريخ الهند المعاصر؟ وماذا يذكر البنغاليون له؟

ولد "باسو" في عام 1913 لأسرة متوسطة الحال كان ربها طبيبا منحدرا من منطقة تقع حاليا ضمن أراضي بنغلاديش. ونشأ وتلقى علومه الأولى في كلكتا قبل أن يلتحق في عام 1925 بكلية "سانت زيفيير" لدراسة القانون، و الكلية الهندوسية لدراسة الإنجليزية. وفي عام 1935 رحل إلى بريطانيا بهدف مواصلة تعليمه العالي في القانون، مثلما فعل قريناه جواهر لال نهرو ومحمد علي جناح، حيث إلتحق هناك بجامعة لندن، متتلمذا على يد كبار فلاسفة الماركسية الإنجليز، الأمر الذي مهد أمامه الطريق للتعرف على الأفكار الشيوعية الرائجة في أوساط اليسار البريطاني. تلك الأفكار التي لقيت هوى في نفسه فجعلته يلغي خططا سابقة للعودة إلى الهند لمزاولة المحاماة. على ان ظروف الحرب العالمية الثانية لم تترك للرجل خيارا سوى العودة الى بلاده في عام 1940 ليلتحق فورا بالحزب الشيوعي الهندي. وسرعان ما إستطاع أن يلفت النظر إلى مواهبه القيادية والخطابية والتنظيمية التي كان قد صقلها بالعمل في صفوف إتحاد الطلبة الهنود لما وراء البحار في لندن ، فاختاره الشيوعيون الهنود في أول مؤتمر قانوني لهم في عام 1943 كمنسق للجنة الحزب في ولاية البنغال على رأس سبعة أعضاء.

في عام 1944 وبطلب من قيادة حزبه أسس "باسو" أول إتحاد لعمال سكة حديد البنغال –آسام بغرض الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم أمام حكومة الهند البريطانية. وحينما أجريت أول إنتخابات تشريعية محلية في البنغال في مايو 1946، خاضها "باسو" وإستطاع أن ينجح فيها بجدارة ويلحق هزيمة نكراء بخصمه، مرشح حزب المؤتمر "همايون كبير". لكن الحزب الشيوعي الهندي تم حظره بعد ذلك، فلجأ إلى العمل السري الذي تخللته فترات من الإعتقال والسجن.

في الخمسينات كان إسم "باسو" يدوي بين الجماهير كمحرض ومنسق وقائد للمظاهرات الشعبية كمظاهرات 1953 المنددة بإرتفاع الأسعار، ومظاهرات المعلمين في عام 1954 المطالبة بتحسين الأجور، ومظاهرات الإحتجاج ضد مشروع دمج ولايتي البنغال وبيهار في 1956 .

أما أول فوز له بمقعد برلماني فقد كان في سنة 1953 التي شهدت إجراء أول انتخابات عامة في الهند المستقلة، حيث نجح "باسو" في انتزاع مقعد عن دائرة شمال كلكتا، من منافس شرس يستند إلى خلفية إقطاعية ونفوذ مالي وحقيبة وزارية هو "روي تشودري" مرشح حزب المؤتمر.

ومنذ عام 1967 الذي وضع للمرة الأولى حدا لإنفراد حزب المؤتمر بحكم ولاية البنغال الغربية، وبالتالي إضطراره للدخول في تحالفات سياسية لإدارة هذه الولاية الكبيرة، ظل الحزب الشيوعي الهندي الماركسي بقيادة "باسو" رقما صعبا في جميع التحالفات، إلى أن جاءت إنتخابات العام 1977 التي إستطاع فيها "باسو" وحلفاؤه اليساريون أن يحققوا أغلبية برلمانية مريحة تتيح لهم إدارة البنغال بإنفراد. ومنذ ذلك التاريخ، وعلى مدى السنوات الثلاث والعشرين اللاحقة إحتفظ الرجل بالسلطة المحلية كنتيجة لفوزه وفوز جبهته الساحق في خمسة إنتخابات متتالية.

وأثناء هذه السنوات الطويلة، بكل ما شهدته من تحولات وتطورات داخلية وخارجية، لعب "باسو" دورا فعالا لجهة خدمة مواطنيه وتحسين أحوالهم المعيشية، لكن مع الحرص الشديد على اللعبة الديمقراطية وسيادة مباديء العلمانية وسلطة القانون، حتى قيل أنه لو لم يقم بأي إنجاز لكفاه التفاخر بشيء وحيد هو ظهور ولاية البنغال الغربية تحت قيادته كأبرز الولايات الهندية لجهة خلوها من الفساد السياسي وإستغلال السلطة في الإثراء غير المشروع.

ويذكر البنغاليون الهنود له بالفضل والعرفان ما أحدثه في أريافهم من إصلاحات زراعية، كان لها الفضل الأكبر في تحسين الإنتاج الزراعي نوعا وكما من بعد سنوات من الكساد والتخبط في ظل الحكومات المحلية لحزب المؤتمر، وكيف أن ولايتهم تحت قيادة "باسو" تمكنت في الثمانينات والتسعينات أن تحقق معدلات نمو زراعي عالية ضمن 17 ولاية من الولايات الهندية الأكثر إزدحاما بالسكان، وأن تصبح هي مع ولاية "كيرالا" من أكثر ولايات الهند لجهة تراجع معدلات الفقر والأمية في الأرياف.

إلى ذلك، وعلى الرغم من محاولات جهات عدة تشويه صورة الرجل وسياساته، فإنه إستطاع أن يقدم أفضل النماذج على مستوى الولايات الهندية لجهة الإستقرار والوئام (لم تقع في ولايته أية مصادمات طائفية أو عرقية كتلك التي حدثت في ولايات أخرى بسبب حادثتي إغتيال رئيسة الحكومة السيدة أنديرا غاندي في عام 1984 ، وهدم المسجد البابري في عام 1992) ثم لجهة حيوية المؤسسات الديمقراطية وتفاعلها وتمثيلها (دشن مشروعا شاملا للديمقراطية اللامركزية، فكانت هناك إنتخابات على مستوى جميع المجالس المحلية كل خمس سنوات منذ عام 1978، وفي جميع هذه الإنتخابات كانت أغلبية المقاعد من نصيب الفقراء والمحرومين الذين لا يستندون إلى الجاه والمال والنفوذ الإقطاعي، الأمر الذي دلل على النزاهة وإنتفاء سطوة المال للوصول إلى المجالس المنتخبة). وقد أدت هذه التجربة الناجحة في ولاية البنغال الغربية إلى قيام المشرعين الهنود بتبنيها وتعميمها عبر إجراء تعديلين دستوريين.

وعلى الصعيد الصناعي نجحت قيادة "باسو" نسبيا في إخراج ولايته من عثراتها ومشاكلها عبر التخلي منذ عام 1994 عن شيء من سياساته الإشتراكية وإستبدلها بالانفتاح الإقتصادي من أجل جذب الإستثمارات الأجنبية، لكن مع بعض الحذر كيلا تتأثر مصالح الطبقات الفقيرة بسلبيات الخصخصة.

وأخيرا، فإن مما سيذكر للراحل جهوده ومساهماته الكبيرة على مستوى الوطن الهندي للتصدي لمشاريع حكومة حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي اليميني التي عملت في وقت من الأوقات من أجل تحويل الهند إلى دولة ذات ثقافة واحدة هي ثقافة الأكثرية الهندوسية. فهو، على الرغم من تواضع قوة اليسار داخل البرلمان الإتحادي في أواخر التسعينات، وعلى الرغم من تمثيل تياره لأقلية لغوية وثقافية، لم يتردد في قيادة جبهة برلمانية منظمة ومترابطة بهدف الدفاع عن الوحدة الوطنية والدعامات الرئيسية الثلاث التي قامت عليها الهند الحديثة (الديمقراطية والعلمانية والفيدرالية) في مواجهة مشاريع المتشددين من ذوي السراويل الكاكية والقمصان الزعفرانية.



د. عبدالله المدني
باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة: فبراير 2008
البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh

الأحد، فبراير 07، 2010

عن إنهيار عملاق الطيران الآسيوي


د. عبدالله المدني

حينما تذكر عبارة "عملاق الطيران الآسيوي"، فإن الإشارة هنا لا بد وأن تخص الناقلة الجوية الوطنية لليابان المعروفة إختصار بإسم "جال"، بإعتبارها الأوسع إنتشارا (220 محطة في 35 بلدا) والأكثر إمتلاكا للطائرات على مستوى آسيا (279 طائرة من مختلف الأحجام والأشكال)، والأحدث أسطولا (يضم إسطولها طائرات بوينغ 777 – 300 وبوينغ 777-200 الأحدث في العالم والتي إشتركت "جال" في تصميمها من ضمن 7 شركات طيران أخرى، إضافة إلى طائرات "إير باص أ-300- 600 آر" ذات الهيكل الواسع)، والأضخم من حيث عدد المسافرين على متنها (53 مليون راكب) و كمية المنقول من البضائع بواسطتها (1.2 مليون طن من البضائع وخلافها)

وعلى الرغم من ظهور شركات طيران عملاقة أخرى في آسيا ( مثل الخطوط السنغافورية والتايلاندية وخطوط كاثي باسفيك الهونغكونغية) خلال العقود التالية لتأسيس "جال"، فإن الأخيرة بقيت دوما متميزة من حيث الأداء والكفاءة وخدمات الضيافة ودقة المواعيد وغير ذلك من الأمور التي توليها التقاليد والثقافة اليابانية إهتماما خاصا، بل بقي إسمها وشعارها القديم المكون من طائر الكركي ضمن إطار دائري أحمر، والذي جعلنا نسميها في سنوات طفولتنا بإسم "طائرة الوزة" محفورين في الذاكرة.

لا زلت أتذكر كيف أني فؤجئت في رحلتي الأولى على متنها، بمضيفة أنيقة تقترب مني وتطالبني بأدب أن أخلع ملابسي وحذائي وأرتدي بدلا منها هدية مقدمة من الشركة (بيجامة نوم و"روب دي شامبر" و خفا من الصوف)، إستعدادا للنوم في مقعدي الذي تحول بنقرة زر إلى سرير مريح. كان ذلك في حينه شيئا غريبا، لكنه لم يكن بمستغرب على اليابانيين الذين برعوا في ابتكار كل ما هو مثير و الإستفادة من كل ما هو جديد.

ويتذكر صديق لي كان يعمل في طهران كيف أن "جال" وحدها وفرت له فرصة الإنتقال مباشرة من العاصمة الإيرانية إلى القاهرة للمشاركة في جنازة الرئيس عبدالناصر ، حيث كانت الخلافات السياسية والأيديولوجية قد قطعت وقتذاك كافة الروابط ما بين العاصمتين الكبيرتين، وكانت "جال" وحدها هي همزة الوصل، لأنها كانت تطير من طوكيو وتهبط في طهران ثم تواصل سيرها نحو العاصمة المصرية مرتين في الأسبوع. هكذا كان العملاق الجوي الآسيوي يربط ما بين أقاصي العالم وتنتشر شبكاته وخطوطه في كل الإتجاهات.

لهذا كله، إستغرب الكثيرون وهم يسمعون مؤخرا خبرا عن إعلان إفلاس هذا الصرح العملاق تحت وطأة ديون بلغت أكثر من 25 مليار دولار، على الرغم من أن إنهيار وإفلاس شركات الطيران الكبرى ليس أمرا جديدا، بل دائم التكرار على نحو ما حدث سابقا لخطوط دلتا الجوية الأمريكية ولخطوط أليتاليا الإيطالية، ناهيك عن "بان أمريكان"!

صحيح أن خبر الإفلاس لا يعني خروج "جال" من عالم الطيران نهائيا، أو تجميد رحلاتها، أو تعثر نشاطها، أو تسريح كافة منسوبيها. وصحيح أن إعلان الإفلاس خطوة إجرائية تستهدف في المقام الأول إعادة الهيكلة بغية تصحيح الأوضاع التي أدت إلى الإفلاس. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف وقع عملاق الطيران الآسيوي في هذا المأزق الخطير؟ وكيف لم يستطع مديروه من تكييف أوضاعه مع المتغيرات وعوامل المنافسة الصعبة داخل منظومة الإقتصاد العالمي؟ وهل هذه هي بداية سقوط الكيانات اليابانية الكبرى التي ظلت طويلا محمية خوفا من إختراق الأجانب لها؟

للإجابة على هذه الأسئلة، لا بد من الوقوف على تاريخ "جال" وما مرت به من تطورات منذ تأسيسها في الأول من أغسطس 1951 كشركة خاصة برأسمال قدره 100 مليون ين، وذلك بهدف إخراج البلاد من عزلتها وربطها جويا بالخارج في أعقاب إنتهاء الحرب الكونية الثانية.

كانت الرحلة الإفتتاحية للشركة بواسطة طائرة من نوع "دي سي 3" مستأجرة من الخطوط الجوية الفلبينية لتتلوها في 25 أكتوبر 1951 أول رحلة تجارية داخلية بواسطة طائرة من نوع "مارتن تو زيرو تو" و طاقم ضيافة معار من خطوط "نورث ويست" الأمريكية التي تعتبر اليوم أكبر ناقلة جوية أجنبية تسير رحلات من وإلى اليابان. حدث هذا قبل أن يمرر البرلمان الياباني في أغسطس 1953 تشريعا بإنشاء شركة طيران يابانية مملوكة للدولة تحت إسم "شركة الخطوط الجوية العالمية اليابانية أو "نيهون كوكو كابوشيكي غيشا هو"، على أن تستحوذ الأخيرة على كافة أصول وحقوق وإمتيازات الشركة القديمة.

في فبراير 1954 قامت الشركة الجديدة بتسيير أول رحلة دولية لها من طوكيو إلى سان فرانسيسكو عبر جزيرة "ويك" و "هونولولو"، مستخدمة طائرة من نوع "دي سي 6 بي" لم يكن على متنها سوى 18 راكبا.

بعد ذلك توسعت شبكة الشركة بامتلاكها في الخمسينات اسطولا متنوعا من طائرات مكدونالد دوغلاس. غير أن النقلة الكبرى للشركة جاءت في الستينات والسبعينات حينما إعتمدت حصريا في خدماتها الجوية على الطائرات النفاثة الضخمة من نوع "بوينغ"، وقامت بتسيير رحلات مباشرة إلى سياتل ونيويورك ولوس أنجيلوس وهاواي وهونغ كونغ ولندن وباريس وموسكو، حيث قيل وقتذاك أن نصف أرباح الشركة الصافية تأتي من رحلاتها عبر المحيط الأطلسي إنطلاقا من سواحل الولايات المتحدة الشرقية. أما في الثمانينات والتسعينات فقد شهدت الشركة توسعا أكبر في شبكتها الجوية بتسيير رحلات منتظمة للركاب والبضائع ما بين طوكيو وساوباولو وفانكوفر ومكسيكو سيتي عبر نيويورك. غير أن تلك الفترة شهدت أيضا صدور قانون في عام 1985 لخصصة الشركة وبالتالي إبطال مفعول القانونين رقم 45 و47 لعام 1972 اللذين اسبغا عليها صفة الناقلة الوطنية الحصرية لتسيير الرحلات الداخلية والخارجية. وهكذا لم يحل العام 1987 إلا والشركة قد تمت خصخصتها بالكامل لتنافس من غير دعم حكومي شركات طيران يابانية اخرى مثل " أول نيبون إيرويز" و"جابان إير سيستم". غير أن "جال" تمكنت في هذه الفترة الحرجة من الصمود، أولا بفضل ما جنته من أرباح خدمات الرحلات المستأجرة "تشارترد فلايت" أثناء حرب الخليج الثانية في عام 1990، وثانيا بفضل إتفاقيتها مع مؤسسة "ديزني" الأمريكية كي تكون الناقلة الرسمية لمدينة "ديزني لاند" للالعاب في طوكيو.

كان ما سبق مجرد إنذار مبكر لما سوف تواجههه الشركة مستقبلا! ففي سنوات التسعينات ووجهت "جال" بمصاعب مالية من جراء الكساد في الولايات المتحدة و بريطانيا وضعف القدرات الشرائية للسواد الأعظم من اليابانيين، والذي أثر كثيرا على حركة سفرهم إلى الخارج للسياحة. وهي لئن تمكنت مرة أخرى من الصمود بفضل تقليص النفقات و تقديم عروض مغرية للسفر على رحلاتها و الرحلات الإقتصادية السريعة للشركات الرافدة لها، فإنها عادت لتواجهة مشاكل إدارية وتخبطات مالية مع بداية الألفية الجديدة كنتيجة لإندماجها مع "جابان إير سيستم" وتكوينهما شركة قابضة جديدة تحت إسم " جابان إيرلاينز سيستم".

ومما زاد الأمور تعقيدا وقتذاك قرار "جال" في عام 2005 الانضمام لما عرف بإسم "التحاف من أجل عالم واحد" والذي رأى اليابانيون فيه فرصة لتطوير ناقلتهم الوطنية الكبرى وتقديم خدمات أفضل لعملائها، ثم قرارها في عام 2008 بضم أحد أهم شركاتها الرديفة (جابان إيشيا إيرويز) إلى "جابان إير سيستم"، علما بأن "جابان إيشيا إير" كانت قد تأسست في عام 1975 لتستخدم حصريا في نقل الركاب ما بين اليابان وتايوان، بعد رفض حكومة بكين السماح لشركة "جال" بالهبوط في مطاراتها قبل أن تقطع كافة روابطها مع التايوانيين. فكانت تلك حيلة بارعة من "جال" إستفادت منها كثيرا، خصوصا وأن تايبيه هي الوجهة المفضلة لعشرات الآلاف من اليابانيين في عطلات نهاية الأسبوع.

مما سبق عرضه، يتبين أن إشهار إفلاس "جال" كأول واقعة فشل كبرى في اليابان خارج نطاق القطاع المصرفي، تضافرت فيه عوامل عدة. فإضافة إلى إشتداد المنافسة العالمية في سوق الطيران، وتراجع حركة السفر بسبب الأزمة الإقتصادية العالمية وإنفلونزا الخنازير، كانت هناك عوامل أخرى مثل التوسع الكبير في تحديث الأسطول الجوي و إفتتاح محطات جديدة كثيرة، والدمج غير المدروس، وسؤ الإدارة، وتزايد الديون، وإنقطاع الدعم الحكومي، وإرتفاع أسعار الوقود، والإستثمار في الفنادق والمنتجعات الأجنبية.

ولأن "جال" تعتبر من وجهة نظر الحكومة اليابانية إحدى روافد التنمية المستقبلية في البلاد، فإن طوكيو بدت شديدة الإهتمام بمأزقها، وبادرت فورا إلى التأكيد على أنها لن تتخلى عنها وستساندها بقوة "من خلال حزم إنقاذ حكومية سخية" حتى تخرج من عثرتها، مستبعدة سماحها لشركات طيران أجنبية بالاستحواذ عليها، الأمر الذي وضع حدا لتكهنات إنتشرت حول قرب استحواذ شركتي طيران "دلتا" و "أمريكان إير لاينز" الأمريكيتين على حصة معتبرة في "جال" وبالتالي تعزيز أقدامهما داخل اليابان و الشرق الأقصى.

ويرى المراقبون أن إختيار "كازو إيناموري" مؤسس شركة "كيوسيرا" للإلكترونيات وأحد أبرز خبراء الإدارة اليابانيين لشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة "جال" بدلا من الرئيس المستقيل "هاروكا نيشيماتسو"، معطوفا على تقديم بنك مملوك للدولة لمبلغ 145 مليار ين لشركة "جال" كتمويل طواريء، وقيام مؤسسة مدعومة من الدولة تدعى " مؤسسة مبادرة التحول التجاري" بإبداء إستعدادها للقيام بعملية إعادة هيكلة شاملة للشركة الجوية، هي في الواقع شواهد تبشر بالخير، وإن إستدعت العملية الأخيرة إجراءات مؤلمة مثل تسريح ثلث أجمالي العاملين في "جال" و إغلاق خمس المحطات الخارجية.


د. عبدالله المدني
باحث و محاضر أكاديمي متخصص في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : يناير 2010
البريد الإلكتروني : elmadani@batelco.com.bh

الأحد، يناير 31، 2010

وداعا يا أبا الديمقراطية والعلمانية الإندونيسية

د. عبدالله المدني

قبل يوم واحد فقط من رحيل العام 2009 وبدء العام الجاري، خطفت يد المنون الرئيس الإندونيسي الأسبق عبدالرحمن عبدالواحد أثناء تواجده في إحدى مستشفيات جاكرتا للعلاج من أمراض السكري والقلب والفشل الكلوي. وبهذا إنطوت صفحة من صفحات تاريخ كبرى البلاد الإسلامية سكانا، كان فيها الراحل، رغم عجز جسده وضعف بصره، بطلا لا يشق له غبار في القتال من أجل ما يؤمن به دونما مواربة أو نفاق أو محاباة لهذه الجهة أو تلك.

و بطبيعة الحال سيكتب التاريخ عن واحد أو "غوسدور" كما عرف في أوساط الجماهير، أنه أول رئيس لأندونيسيا ينتخب إنتخابا حرا ديمقراطيا من بعد ثلاث رؤساء جاؤوا إلى السلطة بطرق ملتوية أو في ظل ظروف غير طبيعية. غير أن الأهم من ذلك ما سيكتب عنه لجهة إيمانه العميق بالتعددية السياسية والعلمانية كشرطين أساسيين لنهوض بلاده وتقدمها. هذا على الرغم من أنه كان وريث إسرة دينية و يقود حزبا إسلامي التوجه لكن بوجه متسامح ورؤية معتدلة لا تقصي الآخر غير المسلم ولا تضطهده ولا تلغي حقوقه كمواطن.

كان بمقدور واحد أن يقدم لوطنه أشياء كثيرة خلال فترة رئاسته القصيرة (21 شهرا) التي بدأت عاصفة وإنتهت أيضا عاصفة، غير أن التركة كانت ثقيلة وكبيرة. ذلك أن ما رسخه سلفه الديكتاتور أحمد سوهارتو – بالتعاون مع بطانته وأفراد أسرته وجنرالات جيشه وأعضاء حزبه الحاكم - في مفاصل الدولة والمجتمع الإندونيسي من صور الفساد والنهب والمحاباة والتمييز والقمع خلال ثلاثة عقود من حكمه الديكتاتوري كان عصيا على المعالجة في ظل ديمقراطية ناشئة وأحزاب متباينة الأهواء وجماعات إنفصالية ترنو إلى تمزيق الكيان الإندونيسي الموحد، خصوصا وأن السنوات الأولى من إستقلال البلاد في ظل زعميها الأول أحمد سوكارنو ذهبت هباء دون أن تسمح بتطوير قواعد الدولة الحديثة ذات المؤسسات الدستورية المنيعة والإقتصاد المتين كنتيجة لسياسات الأخير الإرتجالية وإنصرافه إلى الشعارات الهوجاء ومحاربة طواحين الهواء بإسم التصدي للامبريالية وتطبيق الإشتراكية الوطنية تارة والترويج للحياد الإيجابي والمحافظة على السيادة والإستقلال تارة أخرى.

وهكذا لم يتمكن واحد الذي كان قد وصل إلى قصر مرديكا الرئاسي تحت شعار "ريفورمسي" أي الإصلاح من تحقيق أجندته، وبالتالي شهد عهده الكثير من الإضطراب والشد والجذب، معطوفا على الإفٌتتال الطائفي والأعمال الإرهابية وتزايد نفوذ الإسلاميين، وإنتشار الفضائح المالية.

على أن كل هذا، وغيره ( مثل مهادنته لنظام سوهارتو في وقت من الأوقات من أجل تجنيب شعبه المزيد من القمع) لم يحجب عن أعين الإندونسيين دور الرجل الفعال في إسقاط الديكتاتورية السوهارتية، ثم دوره لاحقا في تشييد قواعد العهد الديمقراطي الجديد.

ولعل أفضل دليل على مكانة الراحل في نفوس مواطنيه – رغم خلفياتهم الإيديولوجية والثقافية المتباينة – أن موته وحدهم فجاؤواء من أقاصي البلاد لتشييعه في موكب مهيب تقدمه الرئيس الحالي "سوسيلو بامبانغ يودويونو" (رغم عتبه على واحد بسبب لجؤ الأخير في عام 2005 لتشكيل إئتلاف معارض ضده بإسم الأرخبيل اليقظ المتحد)، إضافة إلى الرئيسة السابقة/ زعيمة حزب أندونيسيا الديمقراطي السيدة ميغاواتي سوكارنو بوتري التي كانت يوما ما نائبته في رئاسة الجمهورية، بل التي تصادمت معه في أكثر من منعطف وقضية. ليس هذا فقط، وإنما أيضا إجماع الكثيرين من ساسة إندونيسيا وقادة الرأي فيها على تسمية واحد كبطل قومي وإعلان يوم ميلاده مناسبة وطنية.

والمعروف أن واحد المولود في بلدة "جومبنغ" بشرق جاوه في عام 1940 لعائلة محافظة، تولى قيادة تنظيم "نهضة العلماء" في عام 1984 ، وهو التنظيم الذي كان جده العلامة "هاشم الأشعري" قد أسسه قبيل إستقلال البلاد في عام 1949 ورعاه ورسخ جذوره في الأرض حتى صار واحدا من أكبر التنظيمات الإسلامية في الثمانينات، بل صار صاحب قواعد شعبية فاقت الخمسين مليون نسمة. ومما لا شك فيه أن قيادته لهذا التنظيم الكبير منحه نفوذا كبيرا وصوتا مسموعا للدفاع عن التعددية ورؤيته الخاصة حيال الكثير من القضايا الإسلامية والأحكام الشرعية والفقهية. تلك الرؤية التي كانت مثار جدل كبير بسبب خروجها على المألوف ومحاولتها المزج ما بين الحداثة والموروث. كما أن ذلك النفوذ المتأتي من قيادته لتنظيم ديني جماهيري سمح له شخصيا بدخول عالم السياسة الشائك، على الرغم من تشدده المبدئي حيال إنغماس تنظيمه رسميا في السياسة، من منطلق أن الدين والسياسة خياران شخصيان.

وفي عام 1998 إصيب واحد بجلطة كنتيجة لتداعيات مرض السكر، الأمر الذي سبب له ضعفا شديدا في البصر و تثاقلا في المشي و الحركة. غير أن ذلك لم يوهن من عزيمته لجهة مقاومة السياسات الأمنية البشعة لنظام سوهارتو الذي راح خلال عقد التسعينات يسعى وراء القيادات الإسلامية الكبيرة في الداخل من أجل عقد تحالفات معها كوسيلة لتجميل صورة نظامه في الخارج. وبدلا من أن يرضخ واحد لمساومات سوهارتو، عقد تحالفا سياسيا مع الخصم اللدود للأخير ممثلا في إبنة بطل الإستقلال أحمد سوكارنو (السيدة ميغاواتي سوكارنو بوتري). ذلك التحالف الذي كان بمثابة اللبنة الأولى في تجييش الجماهير ضد نظام سوهارتو المترنح وقتذاك تحت وطأة تداعيات أزمة 1997 النقدية الآسيوية.

و مما لا جدال فيه أيضا أن إمتلاك الراحل لرؤية منفتحة وضمير متسامح، رغم ترعرعه في عائلة دينية محافظة، وفي بلد الجل الأعظم من سكانه مسلمون، كان أحد نتائج تنقلاته في بيئات مختلفة وإختلاطه بأصحاب ثقافات متباينة، فضلا عن وجود ميل شخصي مبكر لديه للقراءة المتعمقة في مختلف المجالات والإستمتاع بالموسيقى والفنون والرياضة. ذلك الميل الذي عزاه الكثيرون إلى ما رسخه فيه والده عبدالواحد (المناضل في صفوف الحركة الوطنية من اجل الإستقلال وأول وزير للشئون الإسلامية في تاريخ إندونيسيا المستقلة)، وجده لأمه زليخة "بشري الشنشوري"، ومعلمته الماركسية في مدرسة "الليسيه فرانسيه" بجوكجاكرتا في الخمسينات التي شجعته على مطالعة كتب لينين بالانجليزية

حيث نجد في سيرته الذاتية أنه تنقل في سنوات تعليمه الأولي ما بين المدارس القرآنية التقليدية والمدارس العصرية الأجنبية، ثم تنقل خلال مرحلة تعليمه الجامعي ما بين جاكرتا وعاصمتين من أكثر العواصم العربية إنفتاحا وإزدهارا في الستينات (القاهرة وبغداد). وأنه إلى جانب إنشغاله في تلك العواصم بالدراسة وتثقيف الذات، إنشغل أيضا بالسينما والغناء والصحافة وتعلم اللغات وتكوين الصداقات مع الطلبة المغتربين من شتى الجنسيات، والإطلاع على مؤلفات كبار رواد الفكر الليبرالي ومتابعة السجالات الفكرية في الصحافتين المصرية والعراقية باللغة العربية التي أتقنها وأجادها قبل حصوله في عام 1963 على منحة مجانية للدراسة في جامعة الأزهر.

ومن هنا لم يكن غريبا أن ينصرف الرجل بعد عودته إلى إندونيسيا من الشرق الأوسط إلى الإشتغال بالتعليم وإدارة المدارس والمعاهد والجامعات من أجل تخريج كوادر متخصصة، ومنفتحة على علوم العصر ومتسامحة إزاء الآخر. كما لم يكن غريبا أن ينصرف الراحل لاحقا إلى الإشتغال بالسياسة وتقديم نفسه كزعيم فصيح ذي مواقف صريحة وجريئة أمام الأصوليين والمتشددين، وشخصية ذات أفكار حرة ونشاط مكثف ضد الأدلجة والمؤدلجين.

نعم! لقد كانت للراحل أخطاء، بل سلسلة متتالية من الأخطاء التي أثارت الرأي العام ضده وأفقدته المصداقية في وقت من الأوقات. وفوق ذلك راح الرجل يعالج كل خطأ بخطأ أكبر دونما إكتراث بالانتقادات الموجهة إليه، حتى أن أحد المعلقين العرب كتب عنه ساخرا: "يبدو أن ما يقال عن الرئيس الإندونيسي واحد هو عن واحد تاني". فواحد أخطأ مثلا بتردده في ضرب آل سوهارتو منذ البداية، فتركهم يعيثون في البلاد فسادا وتأجيجا للقلاقل. وحينما قرر ضربهم بعد فوات الأوان كانت النتيجة هو تواري إبن الديكتاتور السابق عن الأنظار ليواصل مهامه في التحريض والتخريب من تحت الأرض. وهو أخطأ أيضا حينما إعتمد سياسة المراوغة والحلول الوقتية لمواجهة أزمات متفاقمة كانت تحتاج إلى الحسم السريع. وهو أخطأ ثالثا حينما حصر إتصالاته ومشاوراته في دائرة ضيقة من الأتباع والأقارب ممن وضع فيهم ثقته وترك لهم الحبل على الغارب، فكانت النتيجة أن إستغل بعض هؤلاء تلك الثقة وضعف الرئيس البدني في تمرير ما يحلو لهم من إجراءات بغية الكسب غير المشروع وتحقيق مصالح خاصة.

على أن التاريخ لن ينسى لواحد أنه بدأ ونجح إلى حد بعيد في إنهاء الدور المزدوج للمؤسسة العسكرية في الحياة المدنية الإندونيسية وتحجيم إمتيازات جنرالاتها وتقليص نفوذهم. وسيذكر التاريخ له أيضا أنه كان أول رجل مثقف ثقافة عالية ينتخب لإدارة بلاده، حيث كل من سبقوه – بإستثناء الرئيس الإنتقالي "بحر الدين يوسف حبيبي" – لم تكن مؤهلاتهم الدراسية تتعدى الشهادة الثانوية. كما سيذكر التاريخ له أن الهم الإقتصادي شغل حيزا واسعا من تفكيره وذلك من منطلق أنه لا سبيل أمام إندونيسيا للحفاظ على وحدتها الوطنية والتخلص من شبح التفكك والتطرف والعنف إلا بتوفير الحياة الكريمة الآمنة والحقوق الإجتماعية المتكافئة لعشرات الملايين من الجياع والعاطلين والمهمشين والمحبطين. أما الهم الآخر الذي شغل مساحة كبيرة أيضا من تفكيره فقد كان كيفية إعادة الوهج للسياسة الخارجية الإندونيسية وعلاقات بلاده مع العالم الخارجي ولا سيما مع العملاقين الآسيويين الكبيرين الهندي والصيني واللذين تعامل معهما سوهارتو بسلبية غير مبررة طيلة 32 عاما من عهده الأسود.


د. عبدالله المدني

*باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين

تاريخ المادة: يناير 2010

البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh

الأحد، يناير 24، 2010

سريلانكا: إنتهت الحرب الإنفصالية، وبدأ الصراع السياسي

د. عبدالله المدني

ما أن قضى الجيش السريلانكي في وقت سابق من العام الماضي قضاء مبرما على حركة التاميل الإنفصالية، منهيا بذلك حربا أهلية دامت قرابة ربع قرن، وراح ضحيتها ما لا يقل عن 150 ألف قتيل، ناهيك عن الدمار الذي أحدثته في البنى التحتية، والاستنزاف الذي خلقته لموارد البلاد المحدودة، والتخريب الذي أوقعته في القطاعين السياحي والإستثماري، حتى لاح ما يشبه التنافس الساخن بين القوى السياسية و الرموز العسكرية من أجل إستثمار الإنجاز المذكور للوثوب إلى السلطة أو البقاء فيها لآجال أطول.

فرئيس البلاد الحالي "ماهيندا راجاباكسا" الذي تنتهي ولايته في نوفمبر 2011 ، ومن خلفه حزبه السياسي الحاكم (حزب حرية الشعب المتحد)، سارع إلى الإدعاء بأن النصر ضد نمور التاميل لم يكن ليتحقق لولا سياساته الرشيدة معطوفة على الخطط العسكرية الحكيمة التي وضعها شقيقه "غوتابايا راجاباكسا" وزير الدفاع، بل قام بالدعوة إلى إجراء إنتخابات رئاسية مبكرة في 26 يناير الجاري أي بعد يومين، في محاولة مستميتة منه لإستثمار الشعبية التي تحققت له من وراء عودة السلام إلى البلاد في كسب فترة رئاسية أخرى، قبل أن تنسى الجماهير الحدث وتلتفت إلى امور سلبية طبعت عهده.

أما قائد الجيش الجنرال "سارات فونسيكا " (58 عاما) والذي شغل هذا المنصب منذ عام 2005 وحتى تقاعده مؤخرا، فهو الآخر، ومن ورائه حزب المعارضة الرئيسي (الحزب الوطني المتحد) و القوى الماركسية ممثلة في حزب "جاناتا فيموكتيبيرامونا "، وجدها فرصة مواتية لإستثمار ما تحقق في خوض السباق الرئاسي، قائلا أنه هو الأجدر بقيادة البلاد. وهو لئن إعترف أن النصر ضد التاميل تحقق بتوجيهات "راجاباكسا" السياسية، فإنه إتهم الأخير بالفساد والمحاباة والنزوع نحو الديكتاتورية، وقطف ثمار ما زرعه غيره بالعرق والدم والدموع، مذكرا الجميع بأن "راجاباكسا" بدلا من أن يكافأه على خططه الحربية الناجحة ومشواره العسكري المتميز الطويل (40 عاما من الدراسة والخبرة والتدرج في الرتب العسكرية)، حاول إزاحته بمنحه حقيبة وزارية هامشية (وزارة الشباب والرياضة) بعد أن شكك في ولائه، وزعم كذبا أنه يعد لإنقلاب عسكري. بل حاول التخلص منه بطريقة غير مباشرة وذلك حينما خفض من أعداد الحرس المخصصين لحمايته وحراسة منزله من 600 عنصر إلى 25 عنصرا فقط، على الرغم من التهديدات الموجهة ضده من قبل بقايا جماعة نمور التاميل. وفي هذا السياق لم ينس "فونيسكا" من الإشارة إلى أن القوى الموالية للرئيس قد تغتاله مع إقتراب موعد الإقتراع، وتلصق الجريمة بنمور التاميل.

بطبيعة الحال لا يوجد في النظام الديمقراطي السريلانكي ما يمنع تولي عسكري سابق مثل "فونسيكا" منصب الرئاسة، طالما أن أقوى ديمقراطيات العالم وهي الولايات المتحدة لديها تجربة معروفة في هذا المجال ونعني بها تولي الجنرال "دوايت أيزنهاور" للرئاسة في الخمسينات عبر إستثمار ما حققته القوات الأمريكية من إنتصارات تحت قيادته في الحرب العالمية الثانية. لكن السؤال الذي يبقى قائما هو : هل بلدان جنوب آسيا – عدا الهند - تتمتع بهياكل ومؤسسات ديمقراطية منيعة مثل الولايات المتحدة، وبما يحول دون قيام الجنرال المنتخب بإجراءات وتغييرات دستورية تصب في صالحه أو صالح محازبيه وأنصاره؟

الجواب طبعا بالنفي. فجنرالات جنوب آسيا ينطلقون إلى عوالم السياسة ويزاحمون المدنيين مستخدمين شرعية تحقيقهم لنصر عسكري داخلي وليس لنصر عسكري ضد عدو خارجي. كذلك فعل الماريشال محمد أيوب خان في باكستان، و من بعده الجنرال ضياء الرحمن في بنغلاديش.

لكن بعيدا عن شرعية النصر العسكري الذي قد يرفع من حظوظ "فونسيكا" الانتخابية، فإن الرجل يمتلك ميزات أخرى تصب في صالح فوزه مثل إنتمائه الطبقي (كما هو الحال في الهند حيث الانتماء الطبقي في أوساط الأغلبية الهندوسية والممزوج بشيء من الإيديولوجيا يلعب دورا هاما في السياسة، فإن الانتماء الطبقي في أوساط الأغلبية السنهالية يلعب دورا محوريا في الحياة السياسية السريلانكية، وإن بصورة خجولة وأقل وضوحا من ذلك الموجود في الهند). فالرجل ينحدر من طبقة "كارافا" المعروفة بنشاطها الإقتصادي وهيمنتها على الأقاليم الجنوبية و تمثيلها للبرجوازية الجديدة التي تشكل نحو ثلث العرق السنهالي، ولشريحة التجار وملاك الأرض التي تضم نحو نصف السنهاليين.

في مقابل هذا، يعاني الرئيس الحالي "راجاباكسا" من مشكلة عدم وجود قواعد شعبية قوية له في الأقاليم الجنوبية المؤثرة إنتخابيا. كما أنه يعاني من إنخفاض قديم في شعبيته بسبب أساليبه الأوتوقراطية وتطبيقاته لإجراءات إقتصادية لا تحظى بالشعبية مثل تلك التي أوصى بها صندوق النقد الدولي، وكانت لها إنعكاسات سلبية على أجور العمال ورواتب الموظفين وأسعار السلع والخدمات وقيمة صرف العملة المحلية.

على أنه يجب أن نستدرك ونقول أن حزبي البلاد الرئيسين و أيضا مرشحيهما للرئاسة (راجاباسكا و فونيسكا) لا يختلفان كثيرا في طروحاتهما وأجنداتهما السياسية، وإن ركز "فونيسكا" على ملفات مثل محاربة الفساد وتعزيز الديمقراطية وحرية الإعلام وتبنى مسألة العدالة الإجتماعية. فهما مثلا لهما نفس النظرة الشوفينية حيال الأقلية التاميلية ، أو كما قال أحد المعلقين: هما "ثوبان مصنوعان من قماش واحد"، بمعنى أن كليهما يدينان بالبوذية وينتميان إلى الإثنية السنهالية، ويعتبران من المتعصبين لقوميتهما، وبالتالي ينظران إلى التاميل، ليس كشركاء في الوطن، وإنما كأقلية يجب أن تعرف حدودها ومكانها فلا تتجاوزها أو تطالب بما يتخطاها.

ودليلنا على أن "فونسيكا" يتبنى مثل هذا الموقف هو مقابلة منحها الرجل في سبتمبر من عام 2008 لصحيفة كندية يومية، قال فيها "أؤمن إيمانا عميقا بأن سريلانكا هي ملك للسنهاليين فقط. أما الأقليات الموجودة بيننا فتستطيع أن تعيش معنا في البلاد، لكن عليها أن تعي وضعها جيدا فلا تحاول تحت أية ظروف أن تطالب بأشياء لا تستحقها".

أما دليلنا على إنتهاج "راجاباكسا" للموقف نفسه فهو أنه، رغم كونه رئيسا لكل السريلانكيين، لم يبذل أي جهد منذ انتصار جيشه على نمور التاميل للتقرب من أبناء الأقلية التاميلية، أو تطييب خواطرهم، أو تخفيف معاناتهم، أو التحقيق في الأنباء التي إنتشرت وتداولتها منظمات حقوق الإنسان العالمية حول ممارسة جيشه لأعمال إبادة جماعية بشعة في معاقل نمور التاميل، بل حصر جل تفكيره في كيفية إستثمار النصر العسكري لكسب المزيد من الشعبية، وبالتالي الفوز سريعا بولاية ثانية قبل أن تنسى الجماهير أنه "بطل الحرب والسلام " و "مخلص الأمة السنهالية"، على نحو ما ردده مؤيدوه.

وموقفا راجاباكسا ومنافسه ينسجمان ويتطابقان مع مواقف أغلبية السنهاليين الذين لا يشعرون بأدنى صور الحرج من تشويه وجه بلادهم الديمقراطي من خلال إقصاء ملايين التاميل من حقوق المواطنة الكاملة، بل لا يشعرون بالحرج حتى من إطلاق دعوات لإعادة التاميل إلى الهند وإلحاقهم بأخوتهم في الثقافة والعرق في ولاية "تاميل نادو" الجنوبية، بدعوى أن البريطانيين هم الذين جلبوهم من هناك وزرعوهم في سريلانكا يوم أن كانت تعرف بإسم سيلان لإستخدامهم في زراعة نبات الشاي، بعد أن إكتشف المستعمر أن الأخيرة أرض صالحة لزراعة ذلك النبات الذي تعرفوا عليه من الصينيين في حدود عام 1824 .

غير أن مواقف المرشحين الرئاسيين يثيران الإستياء في العالم الحر. وليس أدل على ذلك من مواقف واشنطون ولندن اللتين نددتا بالأساليب العنيفة واللانسانية التي إستخدمتها حكومة "راجاباكسا" في تعاملها مع التاميل المهجرين من مناطق العمليات الحربية. هذا ناهيك عن تنديد منظمة الأمم المتحدة التي إشتكت لكولومبو من عملية إحتجاز ما لا يقل عن ربع مليون مدني تاميلي في معسكرات لا تتوفر فيها أدنى المتطلبات البشرية، و يحظر على وسائل الإعلام الإقتراب منها. إلى ذلك أعربت جهات ومنظمات حقوقية عن خشيتها من إلتزام واشنطون الصمت مستقبلا – سواء فاز الرئيس الحالي أو منافسه "فونسيكا" بالرئاسة – حيال انتهاكات حقوق التاميل على يد سلطات كولومبو.

وسبب هذه المخاوف هو أن واشنطون - لأسباب جيوبوليتيكية - محتاجة إلى كولومبو كحليف في منطقة جنوب آسيا، وبالتالي لا تستطيع الضغط عليها كثيرا أو تهديدها بوقف المساعدات – مثلما طالبت منظمات أمريكية عدة - خوفا من سقوطها في أيدي خصوم ومنافسي الولايات المتحدة الإقليميين كالصين، خصوصا وأن بكين تراقب المشهد عن كثب وتسعى إلى إستقطاب سريلانكا من خلال المساعدات غير المشروطة.

وربما هذا يفسر أسباب الزيارة السريعة لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون جنوب ووسط آسيا "روبرت بليك" (كان سفيرا في كولومبو من عام 2006 وحتى أوائل 2009 ) إلى كولومبو في أواخر العام المنصرم، ويفسر في الوقت نفسه صدور تقرير إستراتيجي من 18 صفحة عشية تلك الزيارة. في ذلك التقرير الذي كتبه إثنان من أعضاء لجنة الشئون الخارجية في الكونغرس الأمريكي في أعقاب عودتهما من زيارة إلى سريلانكا في شهر نوفمبر المنصرم، وتبناه المرشح الرئاسي الديمقراطي الفاشل السيناتور "جون كيري" ورد ما نصه " أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تخسر سريلانكا .. وبالتالي عليها أن تبني سياسة جديدة تجاه هذا البلد قوامها إهتمام أكبر بسجله السياسي والإنساني، واستنباط أدوات وخيارات جديدة من تلك المتاحة أمامنا للتعامل معه".

لكن بعض الذين قرأوا التقرير من متابعي شئون جنوب آسيا كانت لديهم إنتقادات وملاحظات قوية عليه. من هؤلاء "روبرت تيمبلر" مدير البرنامج الآسيوي لمجموعة الأزمات العالمية التي تتخذ من بروكسل مقرا لها، والذي قال: "إن التقرير الأمريكي كتبه أناس لا يعرفون ما يقولون ولا خبرة لديهم بالمنطقة المعنية، علاوة على أنهم بالغوا كثيرا في تصوير أهمية سريلانكا الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة".


د. عبدالله المدني
*باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : ديسمبر 2009
البريد الأليكتروني: elmadani@batelco.com.bh