السبت، ديسمبر 13، 2008

سفن ستر العورات

عطا مناع

المثير للجدل على الساحة الفلسطينية والعربية أن الخطاب الإعلامي السياسي والديني والوطني هبط لمستوى لا يمكن تجاهله لما له من تداعيات على الأداء الشعبي العام تجاه القضايا المصيرية للأمة العربية وبالتحديد القضية الفلسطينية، ولا يتصف بالذكاء من يعتقد أن البضاعة الإعلامية التي يروجها الساسة الفلسطينيون والعرب تأتي في سياق المعقول والمنطقي وكانعكاس للازمة الداخلية الفلسطينية التي قلبت الموازين الوطنية رأسا على عقب مما عمق من حالة التشرذم والانحدار الرسمي الذي تجاوز كل الخطوط المسموحة تاريخيا وفتح المجال لسيادة الأجندة المعادية لإدراك مهندسيها أن العرب لا حول لهم ولا قوة، وأنهم يستجدون التسوية المذلة بكل ما للكلمة من معنى، ولكن لا حياة لمن تنادي.

لقد تجاوز النظام العربي الرسمي حالة العجز وانعدام الفعل والتأثير في خارطة الصراع في المنطقة وفقد ميزة التبعية للنظام الرأسمالي وتحول لنظام بوليسي ينفذ أوامر السيد الأمريكي الذي سيطر على الأنظمة الفاقدة لشرعيتها وأهليتها لانحرافها عن الأهداف التي وجدت من اجلها وتناقضها مع الطبيعة التطورية للحركة الاجتماعية المتماشية مع احتياجات شعوبها، والملفت انقلاب النظام العربي الرسمي بطريقة سافرة على الهوية الوطنية والمزاج الشعبي بخصوص القضايا العربية المشتركة، وما الموقف المعادي لأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة بالمشاركة في حصارهم وتجويعهم إلا خير دليل على حالة الانحطاط العربي.

الشعب الفلسطيني يجوع ويذبح ولا يرف جفن للأنظمة العربية الرسمية، وقد تمخض عجزهم عن قرار وزراء الخارجية العرب بإرسال سفن ستر العورات لقطاع غزة المحاصر، هذا القطاع بحاجة للتضامن المدعوم بموقف عربي حقيقي يترجم سياسيا وشعبيا، ويبدو أن موقف شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي عندما سؤل في برنامج"اختراق للإعلامي عمرو ألليثي على القناة الثانية للتلفزيون المصري عن حصار دولة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، جاء رد الشيخ طنطاوي "افرض أنها عاملة حصار وإحنا مالنا" وعندما كرر الإعلامي ألليثي السؤال على الشيخ طنطاوي قال" لا اعرف أن هناك حصار على غزو وهذا ليس شغلي وإنما هو شغل وزير الخارجية، ولكن لوزير الخارجية المصري احمد أبو الغيط قصة لا تختلف كثيرا عن قصة الشيخ طنطاوي، فقد سبق أبو الغيط طنطاوي في هجومه على الشعب الفلسطيني في غزة بان أصدر تصريحات هدد فيها بكسر رجل أي فلسطيني يجتاح الحدود مع مصر، وقد جاءت تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتزيد الطين بله عندما وصف وصول السفن لقطاع غزة بأنة لعبة سخيفة اسمها كسر الحصار.

يجب أن نفرق بين المحاولات الشعبية الأوروبية لكسر الحصار عن قطاع عزة، تلك المحاولات التي تعبر عن حالة من التضامن الاممي للقوى الديمقراطية في العالم التي تحاول تسليط الضوء على جرائم الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة وبين التقليد الكاريكاتيري العربي لانتفاضة السفن بإرسال سفن مساعدات للقطاع، فالعرب الذين وضعوا أنفسهم في خانة من لا لهم حول ولا قوة بعثوا بإشارات مباشرة وغير مباشر لدولة الاحتلال تعبر عن سقط الفعل العربي المقبول إسرائيليا إلا وهو إرسال سفن المساعدات الرمزية التي لا تشكل نقطة في بحر الاحتياجات الطبية والغذائية لمليون ونصف المليون فلسطيني.

شتان ما بين سفن فك الحصار وسفن ستر العورات التي تعمل على تعزيز الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، وبدل إرسال السفن العربية كان الأولى بوزراء الخارجية العرب أن يتخذوا موقفا يتسم بالكرامة ولو بالتهويش، موقف يؤكد على موقف العرب المقرون باتخاذ خطوات عملية على الصعيد الدولي والداخلي كتجميد التطبيع الاقتصادي كحد أدنى للدول العربية التي تربطها علاقات سياسية واقتصادية مع دولة الاحتلال، وكان من المفترض أن يناقش العرب مجرد إمكانية فتح معبر رفح واستخدامه كجسر بري اقتصادي لضخ الدماء للاقتصاد ألغزي الذي بات فريسة لما يسمى باقتصاد الإنفاق.

لقد انكشفت لعبة النظام العربي الرسمي الذي أصبح يلعب على المكشوف، فالقضية تأخذ أبعادا سياسية من خلال التضيق الاقتصادي على حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة والغير متضررة من الحصار، فالمتضرر من الحصار الفئات المهمشة الفقيرة التي تعتمد بنسبة 70% على المساعدات المقدمة من المؤسسات الاغاثيه التي مسها الحصار وأعلنت وقف مساعداتها، الحصار يمس المزارع والعامل وسيدة المنزل والطفل والمريض الذين ينتظر دورة لا للعلاج وإنما ليسلم الأمانة إلى صاحبها.

الأداء العربي وسياق الأحداث والتهديدات الإسرائيلية بالحرب على قطاع غزة يشير إلى أننا بصدد مرحلة متقدمة من الضغط على القطاع، مرحلة تتقدم خطوة إلى الأمام باتجاه الاباده الجماعية للفلسطينيين القاطنين في قطاع غزة الاكثف سكانا في العالم، وما تصريحات تسيفي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية رئيسة حزب كاديما بان الإسرائيليين قد يفقدوا الجندي الإسرائيلي الأسير في قطاع غزة إلا مؤشرا واضحا على قفزة وحراك للوضع الساكن في قطاع غزة مع الأخذ بعين الاعتبار انتهاء التهدئة خلال أيام ودعوة الاحتياط الإسرائيلي تحسبا، والسؤال الموجة للنظام العربي الرسمي؟ ما العمل إذا أقدمت دولة الاحتلال على ارتكاب جريمة حرب في قطاع غزة؟ في اعتقادي لنا تجربة مع هذه الأنظمة خلال حرب تموز التي شنتها دولة الاحتلال على لبنان الشقيق ومن قبلة العراق والحبل على الجرار.

ليست هناك تعليقات: