الجمعة، يوليو 31، 2009

نحو توازن استراتيجي اقليمي و دولي لصالح العرب - 1 ـ

السيد محمد علي الحسيني

يعتمد تحقيق التفوق لأية دولة على المستوى الاستراتيجي على عدة عوامل أساسية متداخلة ومترابطة مع بعضها وان کان أهمها وأکثرها تأثيرا العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتولي مختلف دول العالم بشکل أو بآخر أهمية لموضوع تحقيقها تقدما على الصعيدين الاقليمي أو الدولي أو کلاهما معا، في الوقت الذي نجد فيه ان هناك دولا حققت مستويات عالية من التفوق وحتى انها باتت تتحکم في لعبة التوازنات الاقليمية والدولية وتحدد المؤشرات والمقاييس التي في ضوئها تصعد أو تنزل دولة أو دول محددة.

وکما هو صعب ومرير مسألة تحقيق التفوق الاستراتيجي والوصول الى القمة أو مستويات مثالية، فإنه وفي نفس الوقت لن تکون عملية البقاء في القمة أو المستوى المثالي سهلة و هينة بل وانها قد تکون احيانا أصعب بکثير من عملية الصعود وأکثر مرارة منها.

وعند مراجعة المراحل التأريخية المتباينة نجد هناك العديد من الدول التي صعدت وبلغت مستويات غير عادية من التفوق الاستراتيجي وصارت تتحکم في مسارات السياسية والاقتصادية على المستوى الدولي نجد أن هذه الدول بنفسها قد تقهقرت الى الوراء ونزلت من مستوياتها الاستراتيجية الى مستويات متدنية فقدت على أثرها أغلب أوراق الضغط التي کانت في يديها.

ونظرة الى العالم القديم، وتحديدا الى الزمن الذي کانت فيه کل من الحضارات الرومانية والفارسية و الاغريقية هي الابرز والاقوى والاکثر تحکما في المسارات السياسية و الاقتصادية، فإننا نکتشف وبسهولة أن السبب الذي دفع بالاغريق والرومان والفرس الى بلوغ هکذا مستويات راقية کانت تعود أساسا الى منحها أهمية کبيرة لمسائل العلوم والثقافة وسن القوانين و التجارة وتنظيم الحياة الاجتماعية وبناء قوة عسکرية مقتدرة ناهيك عن أنها ولاسيما عند الرومان والاغريق قد أولت للجانب السياسي أهمية مميزة من حيث الترکيز على الابعاد الديمقراطية وإشراك أکبر عدد ممکن من الناس في صناعة وصياغة القرار السياسي والتشريعي. ونجد سبب نزول هذه الدول من مستويات رقيها وصعودها الاستراتيجي يتعلق بتراجع هذه الدول في الجوانب الاساسية التي صعدت من خلالها، وبتعبير أوضح وأدق، أن الامبراطوريتين الرومانية والفارسية وفي مراحل زمنية معينة، لم تتمکنا من المضي قدما بمستويات تقدميهما على الاصعدة العلمية والثقافية والقانونية والتجارية..الخ ولم تتمکنا من دفع عجلة التقدم بفعالية الى الامام وذلك ماولد عوامل الضعف والتراجع في آجم تلك الامبراطوريتين ودفعتهما لنزول حاد من علياء صعودهما الى حضيض خبو نجميهما.

ولو تمعنا في التأريخ العربي الاسلامي وطالعنا عصر صدر الاسلام والخلفاء الراشدين والعصور الاموية والعباسية والعثمانية، فإننا نجد ولاغرو صفحات مشرقة من التفوق العربي ـ الاسلامي على الصعيد الدولي وکيف انه تمکن من بسط نفوذه وسطوته على مختلف الاصعدة وبنفس السياق، فإن أسباب تراجع وسقوط الدول الاموية والعباسية والعثمانية تتعلق اساسا بتفشي الفساد والمحسوبية وعدم الشعور بالمسؤولية وغلبة الجهل على الثقافة وتراجع العلم والبحوث الدراسية.

أما الحديث عن العصور الوسطى، فإن ذلك سيقود للحديث عن دول مثل فرنسا وإمبراطورية النمسا والمجر کيف إنهما کانتا لفترات محددة تسيطران وبإحکام على مقاليد السياسة والاقتصاد والتجارة الدولية وکيف تراجعت هاتان الدولتان، أما الحديث عن العصر الذي صعدت فيه بريطانيا وصارت (الامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس) فإن تقدمها الصناعي ـ الزراعي ـ العلمي ـ القضائي ـ السياسي داخليا کان متلازما لسطوتها وبسط نفوذها على مختلف بقاع العالم وکيف کانت تتحکم في ممرات التجارة الدولية وتلعب الدور الابرز ليس في تنصيب وعزل الملوك والرؤساء وانما حتى في بناء الدول ذاتها، هذه الامبراطورية بدأت بالتراجع مع صعود دول أخرى وبروزها وأخذها زمام المبادرة منها بمختلف المجالات الحساسة و المهمة وتکفي الاشارة الى دول مثل الولايات المتحدة الامريکية والمانيا(في فترة الحرب الباردة) واليابان وکيف ان کل واحدة منها بدأت تلعب دورا على صعيد أو عدة أصعدة حتى آل الامر الى هذا اليوم الذي نرى فيه بوادر تراجع وإنکسار وتقوقع في الغول الامريکي وکيف أن الازمة الاقتصادية الاخيرة قد أماطت اللثام عن الواقع الحقيقي للاوضاع الاقتصادية ـ الاجتماعية للولايات المتحدة الامريکية ووضعتها على المحك وهي الان في صراع مصيري من أجل ضمان مجرد بقائها في القمة وليس بقائها القوة الاوحد في العالم.

في هذا الخضم، وفي کل هذا التضارب السياسي ـ الفکري ـ الاجتماعي ـ الاقتصادي، تبلورت المراحل التأريخية التي حددت وبموجب سنن ومقومات واضحة اولويات تفوق دول معينة وتلاعبها بالتوازن الاستراتيجي بين الدول لحساب مصلحتها ومنفعتها الخاصة، وإذا ماوضعنا عصور التفوق العربي ـ الاسلامي التي استمرت لقرون جانبا، فإن العرب وببالغ الاسف لم يتمکنوا من أن يشغلوا دورا مهما وحيويا في لعبة التوازنات الاستراتيجية الاقليمية والدولية وأثبتت مجريات الوقائع والاحداث على الارض أن دور العرب بهذا السياق لم يکن أبدا في مستوى الطموح العربي ولافي مستوى صراعهم المصيري مع أعدائهم الاساسيين وعلى رأسهم الکيان الصهيوني الغاصب للقدس.

ولامناص من ان الحديث عن السعي الجدي لإحداث تغيير في المعادلة وتجيير التوازن الاستراتيجي الاقليمي والدولي بشکل أو بآخر باتجاه يصب في مصلحة العرب، ليست بتلك العملية السهلة کما قد يتصورها البعض وانما هي واحدة من أعقد وأشرس المعارك المصيرية "الصامتة" التي تتداخل وتتشابك فيها العديد من العوامل والظروف والملابسات. إلا أنه لاخيار للعرب سوى خوض هذه المعارك "الحضارية" وإثبات أحقيتهم بالتفوق من خلال سعيهم الحثيث من أجل کسب موطئ قدم اساسي وراسخ لهم في لعبة التوازنات الدولية وسوف نوضح تفاصيل ذلك لاحقا بعون الله تعالى.

*الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان.

جدعون ساغر يغتصب هوية الطلاب العرب في مناطق 48

راسم عبيدات

.......لم يعرف التاريخ على مر عصوره وأسوء أنواع وأشكال احتلاله،هذا الشكل والنوع من العنصرية والاقصائية ورفض الاعتراف بالآخر،ومحاولة محو ذاكرته ووجوده.واجباره على انشاد نشيد محتله ومغتصب أرضه كنشيد قومي له،ولكن في مجتمع عنصري مسكون بهاجس الخوف الدائم من الفلسطيني في الأحلام واليقظة والقبور،والنظر اليه على أنه سرطان يجب اقتلاعه من أرضه،يصبح كل شيء مباح ومشروع وليس فعلاً منافياً لحقائق التاريخ وتزويراً له وأيضاً ليس لا سامية بغيضة ومقيته في أبشع أشكالها وصورها وتجلياتها؟!.

ومع تشكل حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل،شهدنا حالة من التصعيد غير المسبوق والتي وصلت حد"الهستيريا" ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في مناطق 48،وتسابقت كتل وأحزاب اليمين بمختلف ألوان طيفها الحزبي والسياسي على تقديم مشاريع قرارات تستهدف وجود وهوية وذاكرة وانتماء شعبنا هناك،وهي ترى أن إثبات صهيونيتها وولاءها لأفكار"جابوتنسكي وهرتزل وبن غوريون" يتحقق فقط بما تطرحة من أفكار وما تقوم به من أعمال وأفعال مغرقة بالتطرف ضد شعبنا وأهلنا في مناطق 48،فمن مشاريع وقرارات منع وتقيد احياء النكبة الى مشاريع قرارات منع ما يسمى بالتحريض والمقصود تقيد حرية الرأي والتعبير لشعبنا، وصولاً الى قرار وزير التربية والتعليم الاسرائيلي "جدعون ساغر" باخراج كلمة ومصطلح النكبة من المنهاج التعليمي للطلبة العرب،وكذلك فرض ما يسمى بالنشيد الوطني الاسرائيلي"هتكفاه" الأمل على الطلبة العرب،وهذا لا يعني سوى اغتصاب هوية الطلبة العرب وتعميق حالة الاغتراب عندهم ،فهذا النشيد لا يمت الى قوميتهم وهويتهم ورموزهم وتاريخهم وتراثهم بصلة،سوى أنه يذكرهم بعمق مأساتهم وتشردهم واغتصاب أرضهم،وانشاده ليس له سوى معنى واحد أن الاحتلال هو الضحية وأن شعبنا هو الجلاد والمغتصب لهذه الأرض،وأنه مدين له بالإعتذار عن هذه النكبة،هذه الأرض التي وجدوا عليها قبل هؤلاء العابرين بمئات السنين،والمسألة لم تقف عند هذا الحد،بل وامعانا في محاولات ضرب ومحو الذاكرة والهوية والوجود الوطني لشعبنا على أرض أجداده،أمر"جدعون ساغر" بالغاء وشطب كلمة النكبة من المنهاج الذي يدرس في المدارس العربية،مبرراً ذلك بأنه لا توجد دولة من الدول تعتبر يوم"استقلالها" يوم نكبة،هذه النكبة التي يدرك "ساغر وغيره من أركان حكومته وقادته،أنها ستبقى خالدة في التاريخ وفي الذاكرة والوجدان الشعبي الفلسطيني،خلود هذا الشعب ومن لا يعايش النكبة من أبناء شعبنا،فهو يتمثلها ويشاهدها يومياً في الممارسات والاجراءات الاسرائيلية القمعية والإذلالية بحقه،والنكبة أكبر كثيراً من أن يجري شطبها بقرار أو جرة قلم،وستبقى مخيمات اللجوء والشتات والمنافي التي يتوزع فيها شعبنا شاهد على هذه النكبة،كما سيبقى وجود وتكاثرشعبنا على أرضه كابوساً يؤرق"ساغر" وغيره من القادة الصهاينة،هذا الشعب الذي كانت رئيس الوزراء الاسرائيلي السابقة"غولدا مئير" ترى أنه بمثابة الكابوس لها ولدولتها تشعر به مع كل ولادة لطفل فلسطيني جديد.

ومهما اتخذ"ساغر"وغيره من قرارات غاية في العنصرية والتطرف والإقصائية،سيبقى حق شعبنا في العودة الى أرضه ووطنه،حق فردي وجمعي وقانوني وتاريخي لا يسقط بالتقادم،ولا تلغيه أية مبادرات أو إتفاقيات أو اجتهادات أو قرارات أوحلول خلاقة وغير خلاقة خارج الترجمات الحرفية والدقيقة للقرار الأممي(194) والذي كفل هذا الحق لشعبنا الفلسطيني،حق تتوارثه وتحمله الأجيال جيلاً بعد جيل على مر السنين.

"وساغر" وغيره من القادة الإسرائيليين على اختلاف مشاربهم السياسية،والذي يتنكرون بالمطلق لهذا الحق،يدركون تمام الإدراك أن جوهر الصراع والحل والوصول الى سلام حقيقي يتوقف على هذا الحق،فهو أحد أهم مرتكزات البرنامج الوطني الفلسطيني،والذي لا تستطيع أي زعامة أو قيادة فلسطينية مهما كانت درجة اعتدالها أو حتى تعاونها مع المحتل،أن تمتلك الجرأة أو القدرة على التنازل عن هذا الحق،فأي موافقة على ذلك ستكون بمثابة انتحار سياسي لتلك القيادة .

ونحن ندرك تمام الإدراك أن ما يقوم به "ساغر" وغيره من قادة اسرائيل،يندرج في اطار سياساتهم واسترايجياتهم الرامية الى دفع القيادة الفلسطينية المفاوضة والدول العربية الى الإعتراف بالطابع اليهودي لدولة اسرائيل،كشرط وأساس للموافقة على اقامة دولة فلسطينية على جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام1967 ، وهي تطرح في مطابخها السياسية الكثير من السيناريوهات والمقترحات،من أجل التخلص من أكبرعدد ممكن من أبناء شعبنا الفلسطيني هناك،تارة عبر التبادل السكاني والجغرافي،وأخرى عبر عمليات طرد وترحيل قسرية،تتجلى في سلسلة من الممارسات والقرارات المتلاحقة والمغرقة في التطرف والعنصرية.

ولكن جماهير شعبنا التي تشبثت بوجودها وبقاءها هناك،وعمدت هذا التشبث والبقاء بالدماء والتضحيات،ولم ترهب أو تترك وتهجرأرضها في أحلك أيام الحكم العسكري.

اليوم مع تجذر وتطور وعيها،وتبلور هويتها القومية بشكل واضح،وولادة وتشكل أحزابها وحركاتها الوطنية والقومية الحاضنة لهذا الفكروالوجود،والمعبرة عن همومها وهويتها وتطلعاتها،وسقوط الرهان على ذوبان واندماج شعبنا في المجتمع الإسرائيلي،وتصاعد المطالبة الإعتراف به كأقلية قومية،لها مؤسساتها الثقافية والتعليمية الخاصة،كان بمثابة الضوء الأحمر الذي أشعل الخطر أمام "ساغر" وغيره من قادة التطرف في اسرائيل،بأن استمرار الوجود العربي الفلسطيني بالتنامي والزيادة والتكاثر،مع وجود قوى وأحزاب فلسطينية تدفع به نحو خيار التمسك بهويته وثقافته الخاصة،لا بد أن يشكل خطرجدي على يهودية الدولة ويحولها الى دولة ثنائية القومية،مما ينزع عنها الطابع اليهودي،ولهذا نرى أن قرار وزير التربية والتعليم الاسرائيلي"ساغر" بإخراج كلمة النكبة من المنهاج التعليمي في المدارس العربية،وكذلك فرض تعليم ما يسمى بالنشيد الوطني الاسرائيلي"هتكفا" الأمل على طلبتنا في المدارس العربية،يندرج في اطار الحرب الشاملة الممارسة اسرائيلياً بحق أهلنا وشعبنا هناك،والتي بات من الواضح أن الأحزاب الصهيونية،بدأت تكشف وتكشر عن أنيابها بشكل سافر ووقح ضد شعبنا هناك في ظل الإنحيازات الكبيرة في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين والتطرف .

وهذا يفرض على كل القوى والأحزاب الفلسطينية الشريفة،على اختلاف مشاربها الفكرية وتلاوينها السياسة،أن تتوحد في معارك الدفاع عن هويتها وحماية وجودها ،واستمرار صمودها وبقاءها على أرضها،فكل القوى الفلسطينية ومؤساتها وقياداتها في دائرة الإستهداف الإسرائيلي،وأي انقسام من شأنه أن يساهم في تمرير ما تقوم به قوى التطرف والعنصرية من مخططات تستهدف وجودنا في وطننا وأرضنا،وهذه المعركة ليست قصراً على أهلنا وشعبنا في 48،بل معركة يجب أن يشارك ويساهم بها الشعب الفلسطيني،بكل مكوناته وتجمعاته في الوطن والشتات.

من يحوي الآخر الزمان؟؟ أم المكان؟؟؟

حسيبة موساوي
مساءكم.. عنبر.. مساءكم.. أحلى من قطعة سكر..
ها..قد عدت وفي جعبتي.. وريقة أخرى قد تكون خاصتي وقد تكون خاصتك.. من أردت أن تقرأني وتطرح فكري.. يقاسم بعض من زمنك.. اليوم أردت أن أقتسم فكرة قد تتبادر إلى أذهانكم.. فكرة من يحوي الآخر؟؟.. الزمان أم المكان؟؟ سؤال طالما حيرني.. وبعثرني وجعلني كل مرة أكتشف حقيقة أعمق من التي كنت أبحث عنها.. حقيقة وجودنا، هل هو متعلق بالزمان أم بالمكان؟؟.. أم بكليهما؟؟، فرحت أغوص بتفكيري وشرودي في هذا العالم المضاء داخل ساعة حالكة من الليل وسط هاته النجوم الصيفية، أراقني منظرها.. أردت أن أصعد إلى السطح.. وفعلا فعلت ذلك..
خفت كثيرا في البداية.. أحسست أن هذا الليل يحتويني وحدي دون أن يقاسمني هاته الخلوة أحد آخر، فأصابني دوار.. ولم أعد أستطيع المكوث أكثر، شعرت بشيء يجذبني نحو الأفق، ورغبة شديدة تهز نفسي وتدفعني إلى الوراء كي أنزل.. ترى ما المخيف داخل هاته السماء؟؟ أعلوها وشموخها؟؟.. أم خباياها؟؟..
جميلة هي تلك الأضواء.. لكن في نفس الوقت فهي مخيفة ورهيبة، كثيرا ما كنت أقرأ الطالع والأبراج والفلك والنجوم.. وغير ذلك من الماورائيات.. من باب التطفل فقط، ليس عيبا أن أقرأ ما يمنع عني.. ولكن العيب أن أبقى شاردة في ملكوت خلق لي فهو جزء مني ومن معتقداتي .. حقي في هذا الكون.. كل الأديان تشير أن ولادتي مرتبطة بهذا الكون.. كل الحضارات أشادت بهذا المنطق.. أنا ما أنا عليه الآن نقطة رياضية في الفلك ، من يحدد إحداثياتها؟؟.. من يحدد تناظرها؟؟.. من يحدد ثقلها.. ومركزها؟؟.. نحن نشبه الدمى أو عرائس المسرح.. يد خفية تحركنا داخل مجال معين ومعلوم.. خلال زمن معين ومحدود، لماذا أنا هنا دون أن أكون هناك؟؟.. لماذا أنا خلال هاته الثانية بالذات أطارحكم سؤالي؟؟.. من أكون؟؟.. تبقى جدلية الوجود دائما متاهة لا مفر منها، صنيع جميل مبهر، أي ريشة هاته التي حددتها وصنعت لها الظل؟؟.. وحددت مكانها ...
حين نتحدث عن المكان فنحن نحدد المجال.. أي يجب وضع المحور.. الفلك.. المسرح أين يقف البطل، الخشبة إن صح القول، إذن الخشبة أو المسرح ماهو إلا محور تتلاعب داخله كل النقاط الرياضية، أو تلك العرائس التي لحد الساعة لم نتحدث عنها وعن حقيقتها..
وفي الأخير ما أردت قوله، أن ساعة الولادة.. ساعة الفرح.. ساعة الترح.. حقيقة مرتبطة بمكان وجودي.. وحركيتي.. ويبقى أن نقول أن المكان يحوي الزمان، الموت والحياة لا يلتقيان في مكان واحد..
الحركة يحددها الزمان، إذن الزمان يحوي الإنسان، ويبقى أن نحدد أي إنسان هذا الذي تحويه هاته الثانية بالذات داخل هذا المجال بالذات، فوق هذا المسرح..
آ...خ يا جنوني.. مرة أخرى تعذب معي من يقرأني..
إلى أن نلتقي في وريقة أخرى..

الخميس، يوليو 30، 2009

السيد محمد الحسيني يطالب بالوقف الفوري للهجوم على مدينة أشرف


سلم وفد من المجلس الاسلامي العربي برئاسة رئيس شورى التنفيذ فضيلة الشيخ راشد بدير ، رسالة من الامين العام للمجلس سماحة العلامة السيد محمد علي الحسيني ، الى السفير العراقي في لبنان البرزنجي ، تناول فيها الموقف من هجوم القوات العراقية على مدينة أشرف معقل منظمة مجاهدي خلق الايرانية .

وعبر الحسيني في رسالته عن الصدمة والذهول من هذا الهجوم الذي يستهدف لاجئين هاربين من الظلم و الجبروت والطغيان ، وهذا ما يتنافى مع القوانين والانظمة الوضعية التي تلزم الدول بحماية اللاجئين السياسيين ، ويتناقض كذلك مع مختلف الشرائع السماوية وبشکل خاص مع الشريعة الاسلامية السمحاء .

وسأل الحسيني عن توقيت هذا الهجوم ، وهل له علاقة بضغوط ايرانية مورست على العراق في ظل ازمة النظام الايراني الحالية .

ولفت العلامة الحسيني عناية المسؤولين العراقيين الى ان هذا الهجوم سيكون له بالغ الاثر السلبي على سمعة ومكانة الحكومة العراقية في المحافل الدولية والاوساط السياسية والاعلامية والشعبية على حد سواء .

وختم رسالته بمطالبة السلطات العراقية بوقف هذا الهجوم فورا والعمل على حماية اللاجئين الايرانيين الى أراضيها ، والاسراع الى معالجة ما تسببت به هذه العملية العسكرية من أضرار بشرية ومادية ومعنوية .

كما زار وفد المجلس الاسلامي العربي كلا من الممثل الشخصي للامين العام للامم المتحدة في لبنان السيد مايكل ويليامز ، ورئيس بعثة الصليب الاحمر الدولي في لبنان السيد جورج كومينوس ، وسلمهما رسالتين من السيد الحسيني تطالب المجتمع الدولي بالتدخل السريع والحازم لدى الحكومة العراقية لوقف المجزرة والكارئة الإنسانية التي ترتكبها في مدينة أشرف فورا . وتحث الهيئات الدولية المختلفة على التدخل الانساني العاجل لمساعدة واغاثة أهالي المدينة .

وهذا نص الرسائل المرسلة :

. سعادة سفير جمهورية العراق في لبنان الأستاذ عمر البرزنجي – المحترم-

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,

نتابع في المجلس الاسلامي العربي في لبنان عن کثب الانباء الواردة من العراق و التي تتحدث عن عمليات تعرض غير مسبوقة لسکان مدينة أشرف معقل منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة اسفرت عن سقوط العديد من الشهداء و المئات من الجرحى على يد الشرطة العراقية، واننا في الوقت الذي ندين فيه و نشجب مثل هذه التصرفات و الاجرائات البعيدة جدا عن روح التسامح و العطف الاسلاميين و حتى إنها لاتتفق مع المعايير و الاعراف الاجتماعية التقليدية المتعارف عليها بين مجتمعاتنا العربية بشکل عام و المجتمع العراقي بشکل خاص، فإننا ندعو الحکومة العراقية و دولة رئيس الوزراء السيد نوري المالکي الى إتباع سياسة الحکمة و بعد النظر و عدم السماح بتطور الاوضاع و تفاقمها و حدوث کارثة إنسانية تصبح مادة للإعلام الدولي بحيث تشوه سمعة العراق ومکانته الدولية.

سعادة السفير:

ان الواجب الاسلامي و الاخلاقي يدعو الحکومة العراقية الى أن تغير من سياستها الحالية المتبعة ضد سکان مدينة أشرف وتعاملهم وفق الاعراف والمعايير والضوابط الدولية کلاجئين سياسيين يستحقون الحماية من نظام بات لايرحم حتى شعبه واننا نطالب الحکومة العراقية أن توقف وبشکل فوري کافة عملياتها التعرضية والاستفزازية ضد مدينة أشرف واننا وباسم المجلس الاسلامي العربي في لبنان نعرب عن تضامننا مع سکان أشرف و نقف معهم في نفس الخندق حتى يرفع عنهم الغبن والعاقبة للمتقين.

السيد محمد علي الحسيني

الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان

بيروت /الخميس:30/7/2009

--------


حضرة الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان السيد مايكل وليامز- المحترم -

السلام عليكم,

يتعرض سکان مدينة أشرف معقل منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة في شمال شرق العاصمة بغداد إلى حملة قتل ومداهمة و إعتقالات غير مسبوقة وإن أنباء مؤکدة وموثقة تحدثت عن سقوط العديد من الشهداء والمئات من الجرحى بينهم أکثر من ثلاثون عنصر نسوي من سکان أشرف من خلال تعرضهم للضرب بالهراوات واستخدام الغازات الخانقة والمسيلة للدموع وکذلك إستخدام الذخيرة الحية ضدهم وتأتي هذه العمليات البربرية الهمجية البعيدة عن کل المعايير والقيم والضوابط الانسانية والقانونية والدينية بعد مدة طويلة من فرض حصار جائر على هذا المعسکر بناءا على ضغوطات مباشرة من النظام الايراني وان العديد من أعضاء المنظمة قد تم إعتقالهم و إقتيادهم إلى جهات مجهولة واننا في المجلس الإسلاميّ العربيّ في لبنان في الوقت الذي ندين ونستنکر بشدة تصرفات وإجرائات الحکومة العراقية المنافية والمخالفة للأعراف والموازين الدولية، فإننا نهيب بکم أن تتدخلوا مباشرة وفوراً لوقف هذه المأساة والکارثة الانسانية وعدم السماح بأن تتخذ أبعادا أکثر خطورة و دموية من ذلك ونناشدکم بأن تمارسوا الضغوط الکفيلة بردع الحکومة العراقية من الانجراف خلف سياستها الدموية هذه ونطالبکم بأن تراعوا حقوق هؤلاء الايرانيين التي تريد الحکومة العراقية هدرها في سبيل إتفاقيات ومصالح ضيقة خاصة واننا بإنتظار إجرائاتکم مع فائق تقديرنا لکم.

السيد محمد علي الحسيني

الامين العام للمجلس الإسلاميّ العربيّ في لبنان

بيروت ,الخميس:30/7/2009

------------

حضرة رئيس بعثة الصليب الاحمر الدولي في لبنان السيد جورج كومينوس – المحترم-
السلام عليكم ,

تواردت خلال الاربع و العشرين ساعة المنصرمة أنباءا مؤسفة عن حدوث عمليات مداهمة غير مشروعة لمدينة أشرف معقل منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة من قبل قوات الشرطة العراقية بأمر خاص من جانب حکومة نوري المالکي وأفادت تلك الانباء بوقوع العديد من الشهداء ومئات القتلى وبينهم أکثر من ثلاثين أمرأة وان الاجواء متوترة هناك للغاية سيما بعد أن أخذ الجيش العراقي زمام المبادرة و بسط سلطته ونفوذه على مدينة أشرف ونحن نرى في المجلس الاسلامي العربي في لبنان ان الاوضاع آخذة بالتفاقم مالم يکن هنالك تدخلات دولية وإنسانية تخفف من حدة المأساة و تهدئ من روع الکارثة المحدقة بسکان المدينة وندعوکم کمنظمة إنسانية مهتمة لمراعاة و متابعة القضايا المتعلقة بالسجناء والاسرى والذين يتعرضون لکوارث مختلفة أن تتدخلوا من أجل معرفة مصير اولئك المجاهدين الذين تم إقتيادهم من قبل الشرطة العراقية الى أماکن مجهولة حيث نتخوف من أن يتم تسليمهم الى النظام الايراني نظير صفقة سياسية ـ أمنية وان المعلومات والخبرة المتوفرة لدينا تؤکد بأن مثل هذا الاحتمال وارد بقوة وعليه ندعوکم للتحرك العاجل والسريع في سبيل وأد هکذا مشروع لا إنساني کما ندعوکم لزيارة المعسکر أيضا والتعرف عن قرب على أوضاع واحوال سکان أشرف واننا نهيب بکم أن تسرعوا جهد إمکانکم لأن الوقت في غير صالح سکان أشرف الذين لاغوث لهم سوى الدول المحبة للسلام والمنظمات الانسانية وتقبلوا جزيل شکرنا.

السيد محمد علي الحسيني
الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان

إسـتغاثة لمبارك من ألف أسرة مصرية تعمل بشركات البالون الطائر بالأقصر

نصر القوصى

أستغاثة جديدة وصلتنى من أصحاب شركات البالون بمدينة الأقصر يستغيثون فيها بالرئيس محمد حسنى مبارك و يؤكدون في شكواهم أن

سياحة البالون الطائر والتى بدأت بمصر منذ 20 عاما و زادت وترعرعت يوما بعد يوم ووصلت للعالمية فى ظل قياده سيادتكم الحكيمة وخبرة الطيران المدنى المصرى المرموقة ، فمصر اليوم تحتل المركز الثالث عالميا فى هذا المجال بعد أمريكا وتركيا من حيث عدد الرحلات والركاب الذى يصل يوميا إلى 1500 راكب شتاء وحوالى 200 راكب صيفا مقسمين على الشركات الثمانية العاملة بالمجال بالأقصر ، ورغم النداءات والإستغاثات والإلتماسات والتحقيقات العديدة من جميع الصحف والقنوات التليفزيونية المصرية والعالمية و بعد النداء والإستغاثة الأخيرة بجريدة النبأ العدد 1035 بتاريخ 18 /7/20009 م وبعد التحقيق الصحفى لجريدة الأهرام بعنوان لماذا الإصرار على وقف البالون برغم تنفيذ كل عوامل الأمان رغم تحقيق 200 مليون جنية إيرادا سنويا (توقف طائر الخــــــــــــير ! ) بالعدد 44786 بتاريخ 20/7/2009م ورغم إهتمام جميع مسئولى الدولة بجميع قطاعاتها بهذه القضية التى تخدم 1000 أسرة مصرية تعمل بها بطريقة مباشرة ، والتى تخدم 6000000 ستة مليون سائح يزورون مصر والتى تساهم مساهمة مباشرة فى دفع عجلة التنمية والإقتصاد القومى ، والمجال لة رواده الكثيرون من جميع أنحاء المعمورة . ساهم هذا النشاط وبشهادة جميع مشغلى السياحة العالمية والمحلية بزيادة نسبة عدد الليالى السياحية وعدد السائحين للأقصر والبلاد المجاورة مثل أسوان والغردقة وشرم الشيخ ! ! ! تركيا الآن سحبت جميع سائحين البالون الذين يأتون لمصر و يقلعون بـ 45 رحلة بالون فى وقت واحد ( قبل شروق الشمس ) بكابادوكيا ، وفى مهرجانات البالون الدولية بأمريكا وأسبانيا وإنجلترا يصل عدد البالون إلى 1000 بالون صغير الطراز فى الجو يطير فى وقت واحد ويساعد ذلك على التنشيط السياحى والمساهمة فى تحقيق أعلى دخل قومى ،كما يخلق فرص عمل للشباب ، شركات التأمين الدولية ترفض وقف التأمين الذى يبلغ حوالى 1000 جنيها يوميا على الشركة الواحدة عن طريق مصر للتأمين ، المرتبات لم تتوقف لأن العمالة فنية ونادرة ، أقساط البنوك لم تتوقف .. الدكتور / سمير فرج رئيس المجلس الأعلى للأقصر ساهم بكل جهوده فى حل هذه القضية وقدم كل ما تم الإتفاق علية من لجان الطيران المدنى وشركة المطارات المصرية التى تدير المشروع ... السيد الفريق طيار / أحمد شفيق وزير الطيران المدنى تابع القضية بنفسة حتى تاريخ 29/7/2009م فى الإجتماع الأخير مع شركة المطارات المصرية وسلطة الطيران المدنى المصرى لإعادة إفتتاح الشركات ومطار البالون والذى كان من المفترض 31/7/2009م ، الأستاذ الدكتور / أحمد نظيف رئيس مجلس الوزاء ساهم مساهمة فعالة فى حل الأزمة بتوجيهاتة الحكيمة .. ولن يبقى شىء يعيق الإفتتاح من جميع وزارات الدولة ... ولا ندرى لماذا لم يتم إعلان تاريخ الإفتتاح حتى الآن ..

فنناشد سيادتكم بالتدخل فى حل هذه القضية الهامة وهى قضية العاملين البسطاء

التى تهتم بها سيادتكم دائما والذين فقدوا الذات ولم يقدوا على مواكبة ظروف الحياه الصعبة بعد توقف النشاط أكثر من ثلاثة أشهر من 25/4/2009م و حتى الآن ..

وتفضلوا سيادتكم مع قبول وافر الإحترام ،

مقدمة لسيادتكم العاملين بشركات البالون الطائر بالأقصر

وادي الجهل السعيد

صالح خريسات
اختيار الكلام أصعب من تأليفه. وقد أفضى هذا القول بي، إلى العشرينيات من القرن الماضي، حيث صدرت قصة رمزية، مترجمة عن الأدب الانجليزي، وذاع صيتها بين المثقفين وكبار الكتاب. وقد جعلت هذه القصة مقدمة لكتاب نفيس عن التسامح، كان يهدف إلى إلغاء ذلك المطلق المزيف، الذي هو مصدر كل هيمنة عمياء، على العقل البشري.
تتحدث القصة عن شعب كان يعيش في "وادي الجهل السعيد"، وقد سلم قيادته إلى عدد من "الكبار العارفين" الذين عكفوا على صفحات من كتاب قديم، كتبها قبل ألف عام، شعب مجهول.
وكان القدم يضفي على هذه الصفحات، لوناً من القداسة،حتى أصبحت معارضة ما جاء فيها، أو الشك فيه،تعرض أصحابها لسخط الناس.
وتصور القصة الجماعات المتساكنة في "وادي الجهل السعيد"، منطوين على أنفسهم،لا يعرفون شيئاً عن العالم، خارج واديهم، ويعتبرون التطلع إلى هذا العالم الخارجي، لوناً من الكفر. تقول القصة:
"وكانت تتلى عليهم في همس، عندما يخيم الظلام في أزقة قريتهم الصغيرة، قصص غامضة المعنى، عن الرجال، والنساء، الذين تجرئوا على أن يشكوا، أو يسألوا.. وكان يقال، إنهم ذهبوا ولم يعودوا..وكان يقال، أن عدداً قليلاً، حاولوا أن يتسلقوا الهضبة التي تحجب الشمس،ولكن هذه عظامهم البيضاء، مطروحة عند سفح الهضبة".
ثم تحكى القصة، أن رجلاً قد تجرأ على الخروج، على هذا الناموس،فطاف ما طاف،ثم عاد دامي الأقدام،منهوك القوى،ولم يكد يصل إلى اقرب باب، حتى سقط وقد أغمى عليه.فظل زمناً طريح الفراش، وقد صمم "كبار العارفون" على محاكمته، بعد أن تبرأ جراحه،لتجرئه على الخروج عن حدود الوادي..
ثم تصوره القصة، وقد اقتيد إلى ساحة كبيرة انعقدت فيها المحكمة، وأمره الكبار أن يلزم الصمت،ولكنه أدار لهم ظهره، واتجه إلى الجماهير،وراح يتحدث إليهم عما رأى، وعما اكتشف، ويقول فيما يقول:"وكنت عندما أسأل أحداً:ما وراء هذه الهضاب؟ كنت أجاب بهز الرؤوس، وبالصمت.وكنت إذا ألححت بالسؤال، أخذوني إلى العظام البيضاء، عظام أولئك الذين تجرأوا على تحدي الله، وكنت أصيح وأقول:هذا إفك،إن الله يحب الشجعان، فكان"كبار العارفون"يأتون إلي ويقرأون لي من الكتب المقدسة. وكانوا يقولون:إن كل شيء في السماء، وفي الأرض، مرسوم بالناموس. وإن هذا الوادي بنص الناموس لنا، نملكه ونعيش فيه. لنا حيوانه، وزهره، وثمره، وسمكه،نفعل بها ما شئنا. أما الجبال، فهي لله.وما وراء الجبال، يجب أن يبقى مجهولاً حتى آخر الزمان.
ويصيح"الكبار العارفون":زنديق..! هذه زندقة، ورجس، وتردد الجماهير كلماتهم. ثم يتناولون أحجاراً كثيرة، ويشدون على الرجل رجماً، حتى يقتلوه.
ثم تنتقل بنا القصة، إلى هذه البلاد نفسها،وقد حل بها الجفاف بعد سنين،وماتت الماشية من العطش، وأمحلت الغلات من الحقول، و"الكبار العارفون" مع ذلك كله، يتأنون بانقشاع المحنة، لأنه هكذا وعدتهم الكتب، التي بين أيديهم. ولكن المحنة لم تنقشع.
وأقبل الشتاء، وهلك نصف السكان لقلة الطعام، وعند ذلك حدثت ثورة، وتشجع الناس على الجهر بالدعوة إلى الهجرة إلى ما وراء الجبال. واحتج "الكبار العارفون"، ثم اضطروا للاستسلام، عندما رأوا المراكب تنقل المهاجرين، في طريقهم إلى اكتشاف المجهول. ويختتم الكاتب قصته بانتصار هذه الجماهير. وقد أفضى بها السير إلى حقول خضراء، ومروج نضرة. وعند ذاك تذكروا الرائد الأول، الذي رجموه بالأمس، فنقلوا رفاته ليدفنوه في البناء الشامخ، الذي كان خاصاً لسكنى "الكبار العارفين". فأين في زماننا تقع بلاد وادي الجهل السعيد، وما هي حدودها؟!.

كاتب عمود " تشوف تشوف " ، ينزع ورقة التوت ،عن مدير نشر مجلتي «تيل كيل» و«نيشان».

علي مسعاد
" ...ما يهم بنشمسي هو الدرهم، ومن أجل جمعه يمكن أن يبيع أي شي في مجلتيه من الجنس إلى الحشيش إلى الدعارة..."
رشيد نيني / عمود " تشوف تشوف " تحت عنوان "يخاف ما يحشم "

"..هذه "الصنطيحة" التي يمتاز بها بنشمسي والتي بدأ بتربيتها منذ اليوم الأول لصدور مجلته..".
وتتوالى الكلمات " العارية " ، تباعا ، عن صاحب مجلتي " نيشان " و" تيل كيل "...
كلمات ، لا تشبه كل الكلمات ...
فقد استقاها ، صاحب عمود " تشوف تشوف " ، من قاموس " العري " و " الفضائح " ، التي تؤدي وظيفتها ، بشكل جيد ، من نزع ورقة التوت ، عن المستهدف منها ، وترديه ، عاريا ، كما هو ، في عيون " مالك " الحقيقة ، وأمام الملء ...وليس بالصورة ، التي يرغب ، ويجتهد في أن يراه ، بها الآخرون .
هي ، كلمات اختارها ، مدير نشر صحيفة " المساء " ، الجريدة ، الأكثر مقروئية ، على الإطلاق ، في المغرب ، بعناية فائقة ، ليفتح بها ، النار على صاحب مجلتي " نيشان " وتيل كيل " ، اللتين تدافعان ، على حد قول صاحب العمود ، عن الخبائث والفسق والفجور والعصيان .
فالمجلتين ، على حد تعبير ، رشيد نيني ، تعطيان فكرة واضحة عن العمل الخطير الذي يقوم به من أجل زعزعة الأسس التي يقف عليها هذا المجتمع، الذي لا يرى فيه بنشمسي سوى تجمع عشوائي للمنافقين والمرضى بالانفصام والعدوانيين المليئين بالعقد الدينية والمسكونين بالماضي العتيق.
وأن صاحب مجلتي " نيشان " وتيل كيل " ، والكلام ، لنيني ، " ..الإسلام، في نظره، ليس هو الحل وإنما العلمانية، مع أنه لم يكتب كلمة واحدة عن إسرائيل، الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط حسبه، التي تتحول بسرعة إلى دولة دينية يهودية خالصة. وإذا كان الإسلام ليس هو الحل، فإن القرآن، حسب بنشمسي، يجب أن تتم مراجعته، أما عيد الأضحى فليس سوى مناسبة لتلطيخ الشوارع بالقاذورات، والحج ليس سوى «سوبيرمارشي» سنوي كبير، أما الصيام فليس فريضة والدولة يجب أن تفتح المقاهي والمطاعم لأشباه بنشمسي الذين لا يصومون رمضان في إطار الحرية الدينية، عوض أن يبقوا مختبئين في مقر مجلتهم يحاولون خنق صوت «الكوكوت» التي تصفر يوميا ساعة الغداء. أما مؤسسة الزواج فقد انتهى زمنها والمكان اليوم للتعايش بين الشبان والشابات بدون عقود زواج، والبكارة ليست سوى عقدة، أما العفة فمرض نفسي يجب التخلص منه..." .
لكن السؤال ، الذي يطرح نفسه بإلحاح ، عند قراءة ، كل الكلمات التي كتبها رشيد نيني في حق بنسمشي ، هو :
- هل فعلا ، حان الوقت لقول الحقيقة والصراخ بالحقيقة أم أن صاحب عمود " تشوف تشوف " ، قد أخطأ التوقيت ؟ا
بالأمس القريب ، فتح رشيد نيني ، النار على رفاق دربه ، من مؤسسي ، صحيفة " المساء " نفسها ،من توفيق بوعشرين ، على أنوزلا فحسين مجدوبي ، فكشف أوراق الجميع وأمام الكل ، مما خلق حربا حامية الوطيس ، بين أصدقاء الأمس ، وعوض أن يفتحوا ملفات حقيقية عن واقع المغرب والمغاربة ، خصصوا كل وقتهم وجهدهم وصفحاتهم ، للنبش في أوراقهم السرية ؟ا
مما ، ولد لدى قراء الصحافة الوطنية ، أسئلة عديدة ، لعل أبرزها :
- هل ، هي ، فعلا ، الصحافة التي نستحق ؟ا
صحافة ، عوض أن تلتفت الصحافة ، إلى الواقع وتكشف الأوراق كل الأوراق ، وتفضح الوجوه كل الوجوه ، لم تنجح إلا في فضح سوءات رجالاتها ، ناسية ، الهدف من تأسيسها ، وجمهور القراء ، الذي لا يهمه ، أن يكون صاحب مجلتي " نيشان " و" تيل كيل " ، " جبانا " ، وغيرها من النعوت والصفات ، التي لا تعد ولا تحصى بعمود " تشوف تشوف " .
بل ، القارئ المغربي ، في حاجة إلى سجالات حقيقية ، حول مواضيع وملفات ، راهنة ، تهم واقعه اليومي ومستقبل أبنائه .
وهو ، ليس قاصرا ، لدرجة لا يفرق فيها ، بين إعلام جاد ، يخدم القضية وإعلام لا يهمه ، إلا التواجد في السوق وبأي ثمن وتحت أي مسمى .
وما قاله ، رشيد نيني ، في حق بنسمشي ، كفيل بالتاريخ ، للكشف عنه وتعريته ، فالتاريخ لا يرحم ، وأن السجالات الفكرية والأدبية ، هي ما نحتاجه اليوم ، قبل الغد ، وليس إلى نشر الغسيل على صفحات الجرائد والمجلات ، لأهداف لا يعلمها إلا أصحابها .
و " النار " التي فتحها ، اليوم رشيد نيني ، على بنسشمي ، وبالأمس على بوعشرين وأنوزلا ، لا تعكس إلا الوجه الحقيقي ، للمؤسسات الصحفية ، التي بدأت تفقد جمهور قرائها ، مع بداية الاكتساح ، الذي بدأت تعرفه الصحافة الإلكترونية في المغربية ، بالنظر إلى هامش الحرية الذي يتمتع به ، كتابها ، إلى جانب الروح المتجددة التي تسري في دماء مؤسسيها ، في الوقت التي ظلت فيه الصحف الورقية ، رهينة " مقص الرقيب " و" قتل " روح الابتكار ، لدى أغلب المنتسبين إليها .

كيف نحافظ على وحدة المجتمع؟

صبحي غندور

هناك، في الحاضر العربي، مزيج من الأزمات، بعضها صناعة خارجية ناتجة عن احتلال أو تدخّل أجنبي سافر، وبعضها الآخر هو محصّلة تراكمات داخلية من عوامل سوء الحكم وتعثّر محاولات الإصلاح والتغيير السليم.

ولا يخلو أيّ مجتمع، مهما كان حجمه، من مظاهر وعوامل انقسام، مثلما تكمن فيه أيضاً عناصر التوحّد والوئام. إنّهّا سنّة الحياة في الجماعات البشرية، منذ تكوّنها على أشكال تكتّلات عائلية وعشائرية وقبلية، وصولاً إلى ما هي عليه الآن من صورة أممٍ وأوطان.

لكن المحطة المهمّة في مسيرة تطوّر الشعوب، هي كيفيّة حدوث التغيير والتحوّل فيها، كما هو السؤال عن طبيعة الانقسامات وأطرافها. أي، هل الانقسام على قضايا سياسية؟ اجتماعية واقتصادية؟ أم هو تبعاً لتنوّع ثقافي/أثني، أو ديني/طائفي؟ فكلّ حالة من تلك الحالات لها سماتها التي تنعكس على تحديد ماهيّة الأطراف المتصارعة وأساليبها وأهدافها.

وحتى لا يبقى الحديث في العموميات، فإنّ المشكلة ليست في مبدأ وجود انقسامات داخل المجتمعات والأوطان، بل هي في انحراف الانقسامات السياسية والاجتماعية إلى مسارات أخرى تُحوّل الصراع الصحي السليم في المجتمع إلى حالة مرضية مميتة أحياناً، كما يحدث في الصراعات الأثنية والطائفية والقبلية. فكثير من المجتمعات الإفريقية شهدت وما تزال حروباً أهلية على أسس طاثفية وأثنية وقبلية. كذلك مرّت القارّة الأوروبية بهذه المرحلة، وكان ما شهده العقد الماضي من حرب الصرب في يوغسلافيا ومن الأزمة الأيرلندية هو آخر هذه الصراعات، رغم التحوّل الكبير الذي حصل في أوروبا وفي أنظمتها السياسية خلال القرن العشرين.

أيضاً، رغم الإنقلاب الثقافي الذي حدث في أميركا مؤخراً بانتخاب باراك حسين أوباما كأوّل رئيس أميركي أسود، فإن الولايات المتحدة الأميركية شهدت منذ قرن ونصف القرن حرباً أهلية دامية كان عنصراً مهماً فيها الصراع حول الموقف من مسألة "العبيد" ومن هم من غير ذوي البشرة البيضاء والأصول العرقية الأوروبية، واستمرّت مظاهر التفرقة العنصرية في أميركا رغم ما نصّ عليه الدستور الأميركي من مساواة بين كلّ المواطنين، ورغم وجود نظام سياسي ديمقراطي علماني يتناقض مع المسألة العنصرية.

إنّ الفكرة الأساس التي أحاول التأكيد عليها هنا، هي أنّ عوامل الانقسام ومظاهره ستبقى قائمة في أيِّ مجتمع مهما بلغ هذا المجتمع من تطوّر اجتماعي وسياسي ومن تفوّق علمي وحضاري، لكن المهم ألا تكون عناصر الانقسام السائدة فيه هي ما يدفع إلى حروب أهلية بدلاً من تغيير سلمي يحقّق أوضاعاً أفضل للحاضر وللمستقبل معاً.

فالتعدّدية بمختلف أشكالها هي سنّة الخالق الحتمية على هذه الأرض، والطبيعة تؤكّد تلك الحقيقة في كلِّ زمانٍ ومكان. لكن ما هو خيار بشري ومشيئة إنسانية هو كيفيّة التعامل مع هذه "التعدّدية"، ومن ثمّ اعتماد ضوابط لأساليب التغيير التي تحدث في المجتمعات.

فليس المطلوب عربياً، وهو غير ممكن أصلاً، أن تتوقّف كل مظاهر الانقسام في المجتمع. فهذه دعوة مناقضة لطبيعة الحياة وسنّتها التي تقوم على التحوّل والتغيير باستمرار، وعلى الصراع الجدلي الإجتماعي بين الناس. لكن المؤمّل به هو أن تأخذ الصراعات السياسية والاجتماعية أولويّة الاهتمام والتفكير والعمل بدلاً من الصراعات التي تجعل الفقراء مثلاً يحاربون بعضهم البعض فقط لمجرّد توزّعهم على انتماءات أثنية أو طائفية أو قبلية.

وحينما ينتفض شعب ما في أيِّ بلد من أجل المطالبة بالعدالة السياسية والاجتماعية، تصبح حركته قوة تغيير نحو مستقبل أفضل، بينما العكس يحدث إذا تحرّكت الجماعات البشرية على أساس منطلقات أثنية أو طائفية، حيث أنّ الحروب الأهلية ودمار الأوطان هي النتاج الطبيعي لمثل هذا التحرّك.

إنّ المجتمعات الديمقراطية المعاصرة قد توصّلت إلى خلاصات مهمّة يمكن الأخذ بها في أيِّ مكان. وأبرز هذه الخلاصات هي التقنين الدستوري السليم لنظام الحكم ولتركيبة المجتمع ممّا يصون حقوق جميع المواطنين في البلاد.

أيضاً، لا بدّ في هذه المجتمعات من توافر الحدّ الأدنى من ضمانات الأمن والغذاء، وبعض الضمانات الاجتماعية والصحية، ممّا يكفل التعامل مع مشكلتيْ "الخوف" و"الجوع"، فلا تكون "تذكرة الانتخاب" أسيرة ل"لقمة العيش"، ولا يخشى المواطن من الإدلاء برأيه أو المشاركة بصوته الانتخابي كما يملي عليه ضميره لا كما يرغب من يتحكّم بلقمة عيشه أو من يرهبه في أمنه وسلامته.

***

هذه أسس هامّة لبناء المجتمعات الحديثة ولتوفير المناخ المناسب لوحدة الأوطان ولتقدّمها السياسي والاجتماعي ولمنع الاهتراء في أنظمتها وقوانينها، كما هي عامل مهم أيضاً في منع تحوّل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى براكين نار تحرق نفسها ومن حولها.

كذلك، فإنّ عدم الالتزام بأساليب التغيير الديمقراطية يعني تحويراً للانقسامات السلمية نحو مسارات عنيفة. فالانقسامات السلمية الصحية في المجتمعات تحتاج لضمانات التغيير الديمقراطي من قبل الحاكمين والمعارضين معاً.

فالتمييز ضروري بين رفض أسلوب العنف المسلّح من أجل التغيير أو في التعامل مع "الآخر" في المجتمع نفسه أو خارجه، وبين حقّ المقاومة المشروعة من أجل التحرير حينما تكون هناك أجزاء من الوطن خاضعة للاحتلال.

والتمييز ضروري بين تغيير أشخاص أو حكومات أو قوانين، وبين تهديم أسس الكيان الوطني والمؤسسات العامة في الدولة.

أيضاً، التمييز مطلوب فكرياً بين الدين نفسه وبين اجتهادات دعاته، بين الحرص على الولاء الوطني وبين التقوقع الإقليمي، بين الانفتاح على الخارج وبين التبعية له، بين الهُويّة القومية وبين الإساءات التي حدثت باسمها، كما تحدث الآن باسم الانتماءات الدينية.

إنّ التمييز مطلوب بين قدرتنا كعرب على تصحيح انقساماتنا الجغرافية من أجل حاضرنا ومستقبلنا، وبين انقساماتنا التاريخية في الماضي التي ما زلنا نحملها معنا جيلاً بعد جيل، ولا قدرة لنا على تغييرها أصلاً!

إنّ العرب يواصلون في حاضرهم مزيجاً من سلبيات التاريخ والجغرافيا معاً، على أرض عربية مجزأة، وما حولها من طموحات إقليمية ودولية. وفي ظلّ هذا الواقع القائم على التجزئة تتخبّط الأوطان والأفكار والتجارب الإصلاحية.

لقد أصبحت هناك علاقة جدلية بين سوء الأوضاع في الداخل وبين محاولات الهيمنة من الخارج. كما هي أيضاً العلاقة السببية بين عطب الحكومات وبين تدهور أحوال المجتمعات والحركات السياسية المعارضة فيها. فكلّما غابت البنى السياسية والدستورية والاجتماعية السليمة في المجتمعات، كلّما كان ذلك مبرّراً للتدخّل الأجنبي ولمزيد من الانقسام بين أبناء الوطن الواحد. وتزداد المشاكل الداخلية تأزّماً كلّما ارتهن البعض لإرادة الخارج الذي شعاره دائماً: "فرِّق تسُد".

أبو ماهر غنيم، وطائر الوقواق / د. فايز أبو شمالة

د. فايز أبو شمالة
عاد أبو ماهر غنيم إلى أرض الوطن يحف فيه أبو مازن، عاد من الشرق متجهاً إلى الغرب تحت ظلال علم إسرائيل، إنها الطريق الطويل الفاصل بين الجذر والثمرة، بين الدم والسلامة، وبين الضحايا وصرخاتهم، لقد عبر أبو ماهر الطريق الذي حلم أن يعبر منه يوماً على هيئة الفاتحين المنتصرين مكللاً بالغار، عبر أبو ماهر غنيم الطريق تحت حراسة الجندي الإسرائيلي، عبر على دم الشهداء الذين عاهدهم أنه لن ينكّس رأسه يوماً، وأنه لن يمر من تحت سيف إسرائيل المشهر، غرّب أبو ماهر غنيم مكرهاً، ليقدم أوراق غربته عن الوطن إلى الضابط الإسرائيلي وفي أذنيه تصنُّ كلمات الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصر في قصيدته التي وقف لها أبو ماهر مصفقاً، ومهللاً، ومرحباً بالشعر الذي يعبر عن الواقع الفلسطيني المتحرق على الكرامة بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، الاتفاقية التي وقف ضدها أبو ماهر غنيم، وقال فيها الشاعر عز الدين المناصرة: أيها البدوي الذي قد توسّد عشب الحرير
تشككت لما رأيت قماش العلم
باهتاً مثل هذا الضجيج الذي لا يهز القبور
أين عروة مخلاتهم والشعير
إذا نام مهري وناموا على طاولات المدى
وأنا لم أنم
إذا غربوا دونما فشك أو هدير!!!
أخيراً ترك أبو ماهر غنيم الهدير للدبابات الإسرائيلية، فلم يعد يسمع إلا هدير المفاوضات، أما فشك المقاومة الفلسطينية فقد تكفل بتصفيته الجنرال كيث دايتون، فأهلاً وسهلاً بعودة البطل الميمونة إلى أرض فلسطين، لأن العودة إلى فلسطين حق لكل فلسطيني، ويجب ألا يحرم منها أحد أكان يؤيد أوسلو أو يحتقر أوسلو، ومن الجريمة أن تكون العودة إلى الوطن انتقائية، وأن تكون لأغراض سياسية، وأن تصير العودة نقطة مساومة ومفاوضة للتخلي عن الأصول التي من أجلها كانت الانطلاقة سنة 1965، وكان فيض الشهداء، وكانت أنّات الأسرى المكظومة، وعذابات الثاكل، وكانت الثورة، وكان الحلم يلمع بين نجمتين معلقتين في سماء الوطن والشتات.
لكم تمنى شعبنا الفلسطيني أن تكون عودتكم لها دوي الكرامة، وصوت الأمل، ولون التضحية التي قضى من أجلها الآلاف والآلاف، يوم نزفت الوديان، والجبال، والسفوح، يوم صار العذاب دمعاً يقطر من الجرح المفتوح.
fshamala@yahoo.com

الأربعاء، يوليو 29، 2009

أبو عمار يلاحق قاتليه

د. عدنان بكرية

يأبى أبو عمار إلا أن يفجر قضية مقتله من جديد وهو الذي عودنا على عدم التسامح والصمت على الجرائم التي ارتكبت ضد أبناء شعبنا .. كيف لا يلاحق قاتليه حتى بعد مماته ؟! وكيف يمكن الصمت على دم أبو عمار صانع الثورة الفلسطينية وحامل شعلتها وحامي نارها ؟
بعد أربعة أعوام على اغتيال الرجل بالسم وإقفال ملفه وتسجيله ضد مجهول تتفجر قضية اغتياله من جديد على يد فاروق القدومي احد رفاق أبو عمار ومؤسسي حركة فتح وم ت ف .. كثيرة هي الأسئلة التي تطرح في هذا السياق وبدلا من التراشق الإعلامي والاتهامات المتبادلة يجب فحص ملف اغتيال عرفات من جديد ووضع النقاط على الحروف .. وعليه لا بد لنا من طرح بعض النقاط المفصلية في قضية الاغتيال ربما تشكل مدخلا لتحقيق نزيه يكشف عن الجاني أو الجناة الحقيقيين.

أولا – مما لا شك فيه أن عرفات اغتيل بالسم وكل الاحتمالات تشير إلى ان المخابرات الاسرائيلية قامت بتسميمه عن طريق دس السم بالدواء أو بمعجون الأسنان لكن السؤال المطروح ..كيف استطاعت المخابرات الإسرائيلية الوصول إلى دوائه وأغراضه الشخصية داخل المقاطعة المحاصرة والتي لا يدخلها إلا المقربين جدا منه ؟وهذا الأمر يؤكد الرواية بأن هناك أطراف مقربة جدا شاركت في ترتيب الأمر وتنفيذه .
بسام أبو شريف المستشار الشخصي لعرفات يقول بان سيارة نقل فلسطينية خاصة كانت تنقل الحاجيات لعرفات وكان سائقها فلسطيني وكانت تعبر حاجزين وعند الحاجز الثالث يتم تفتيشها من قبل الإسرائيليين ويبدو انه تم تغيير الدواء عند الحاجز الثالث !والسؤال كيف يمكن تغيير الأغراض الشخصية دون أن ينتبه الحراس الفلسطينيين ؟

ثانيا – طبيب أبو عمار الشخصي (اشرف الكردي) أكد أن القيادة الفلسطينية عارضت تشريح جثة أبو عمار واخفت التقارير الطبية التابعة له الأمر الذي أضاع سير التحقيق والبحث وأسدل الستار على حقيقة اغتياله والاهم من هذا كله عدم تشكيل لجنة تحقيق رغم مطالبة الشارع الفلسطيني بذالك ... ترى من يقف وراء تمييع التحقيق ومنعه ؟!والكردي أبدى استغرابه واستهجانه لعدم إبلاغه بمرض أبو عمار وهو الذي كان يستدعى على الفور من قبل مكتب أبو عمار !ويضيف "ما زلت متعجبا من عدم إبلاغي بمرض الرئيس الفلسطيني إلا في الأسبوع الثالث، وهو ما لم يحدث من قبل قط. كما أنني مندهش لأن أحدا لم يسألني بعد سفره عن حالته وخلفيته الصحية، وأنا طبيبه الذي لازمته خلال 25 عاما. ولم أجد تفسيرا مقنعا لاستبعادي من الفريق المعالج له".

ثالثا – مما لا شك فيه ان هناك أطراف كثيرة كانت معنية بتغييب أبو عمار وفي مقدمتها اسرائيل وبعض خصومه من الفلسطينيين فكل القراءات السياسية آنذاك كانت تشير إلى استفحال الخلافات داخل البيت الفلسطيني وبالتحديد الفتحاوي !ومما لا شك فيه انه من الصعب جدا على اسرائيل الوصول إليه دون الاعتماد على طرف آخر خاصة وان عرفات معروف جدا بحدسه وحسه وحرصه الأمني وهو الذي نجا من محاولات اغتيال متكررة ومتعددة .

رابعا – وعودة إلى اتهامات فاروق القدومي لأبي مازن ومحمد دحلان ورغم خطورتها إلا أنها تفتح الآفاق للتفكير الجدي والبحث عن قتلة ياسر عرفات وهنا لا بد لنا أن نشير إلى أن اتهامات القدومي تبقى منقوصة ما لم تدعم بأدلة قاطعة لأن الأمر اخطر من مجرد اتهامات تخرج وعليه فان القدومي مطالب بتدعيم اتهاماته بأدلة واضحة وقاطعة إذا كان يمتلكها كما يقول .. لان عدم كشف باقي البينات من شأنه أن ينعكس سلبا على القدومي نفسه !وثمة سؤال لا بد من طرحه ..لماذا صمت أبو اللطف أربع سنوات على الأمر؟!

خامسا – الأمر المحير جدا ... ان القدومي والمعروف بتاريخه النضالي وبصدقيته وبأنه ماكنة السياسة الفلسطينية لا يمكنه توجيه مثل هذه الاتهامات الخطيرة دون ان يكون واثقا مما يقول ودون الاستناد الى حقائق دامغة !خاصة وانه يعرف كيف ستنعكس هذه الاتهامات على الشعب الفلسطيني وحركة فتح بالتحديد والذي يعتبر احد رموزها التاريخيين والبارزين .
ويجب اخذ اتهاماته على محمل الجد حتى لو كان البعض غير مقتنع بروايته !فلا يمكن أن تخرج هذه التصريحات من فراغ لان القدومي يعرف تماما بان هذه الاتهامات ستؤدي إلى انهيار حركة فتح .. وكذالك لا يمكن أن تأتي هذه التصريحات من باب تصفية الحساب مع أبي مازن فالتلاعب بدم أبي عمار أمر غاية في الخطورة.
أمام هذه الحيثيات لا بد من فتح تحقيق شامل لكشف من يقف وراء اغتيال ياسر عرفات حتى لو كانوا المتهمين أبو مازن ودحلان فلا احد فوق القانون ... وانهي المقال بما كتبه المفكر فهمي هويدي :
أن الصراع في الساحة الفلسطينية، الذي استدعى قتل عرفات، لم يكن في جوهره بين زعامات بقدر ما إنه كان ولا يزال بين مواقف سياسية بعضها مع الخطوط الحمراء والثوابت والبعض الآخر في المربع المعاكس. وقد سبقت الإشارة إلى أن الخلاص من عرفات أريد به إزاحة العقبة التي وقفت في طريق التسوية التي كان التفريط في الثوابت من شروطها.
بالتالي فلا ينبغي أن يصرفنا التحقيق في مقتل أبو عمار الرمز عن تسليط الضوء على انعكاسات ذلك على الموقف والمنهج، باعتبار أن المطلوب لم يكن رأس الرجل فقط وإنما رأس القضية ذاتها.
الملاحظة الثانية المهمة أن التواطؤ على قتل عرفات للخلاص من الموقف الذي يجسده لا يختلف كثيرا عما يسمى الآن بالتنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية في رام الله وبين السلطة الإسرائيلية. ذلك أنني لا أرى فرقا كبيرا -إلا في الدرجة- بين أن يكون هناك تفاهم بين عناصر فلسطينية وإسرائيلية على التخلص من أبو عمار وبين أن يتم ذلك التفاهم بين رجال أمن فلسطينيين ونظراء إسرائيليين لهم، لملاحقة عناصر المقاومة وتصفيتها، وهو ما يدعونا للاعتراف بأن التواطؤ لم يتوقف، وإنما استمر تحت مسميات أخرى.

يا طالبين الدبس من قفا النمس

راسم عبيدات

..........يبدو أنه بسبب ادماننا كعرب وفلسطينيين سياسة التفاوض من أجل التفاوض،لم نعد قادرين على التمييز فقط، فهذه الميزة فقدناها منذ زمن،بل وحتى التعلم من الأمثلة والمأثورات الشعبية،من طراز"اللي بيجرب المجرب عقله مخرب" ويا "طالبين الدبس من قفا النمس"...الخ،ولا حتى من الوقائع والحقائق والمعطيات على الأرض،وحتى النبي موسى عليه السلام حينما ساورته الشكوك حول وجود الله،قدم له الدليل المادي على وجوده واطمئن قلبه،ولكن دعاة نهج التفاوض من أجل التفاوض عندنا من عرب وفلسطينيين،والذين أصبحوا خبراء وجهابذة،وألفوا الكتب عن أن أهمية وقيمة التفاوض ودوره في استرداد الحقوق والأوطان،فهم يتعاملون مع الأمور على قاعدة"عنزة ولوطارت"،فرغم كل الحقائق والوقائع الموجودة على الأرض،والتي تثبت فشل هذا النهج وعقمه،بل أصبح مشرعاً وشاهد زوراً على استمرار الاحتلال في ممارساته واجراءاته القمعية بحق شعبنا الفلسطيني،وفي المقدمة منها استمرارالاستيطان وتصاعدة وتزايده بوتائر عالية جداً،فهم لا يريدون مغادرة هذا النهج أو التخلي عنه،وهم يعلمون جيداً أنهم لن يحصلوا على دبس من عدو يقف على رأس حكومته مجموعة من كبار قادة التطرف واليمينية،خبروهم وجربوهم أكثر من مرة،فرئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي "بنيامين نتنياهو" والذي تولى رئاسة الحكومة الاسرائيلية في 1997،رفض تنفيذ اتفاقيات أوسلو وأصر على فتح الاتفاقيات واعادة التفاوض على المتفق عليه،وقال بالحرف الواحد أنه لن يقدم أي شيء للفلسطينيين مجاناً،وبوجوده الآن في رئاسة الحكومة الاسرائيلية عبر عن استراتيجيته ورؤيته للسلام والمفاوضات والحل مع الفلسطينيين بشكل واضح وجلي لا يقبل التأويل أو حتى الإجتهاد في النص،بالقول أنه اذا ما أراد العرب والفلسطينيين السلام وموافقته على دولة فلسطينية،فعليهم أن يعترفوا بيهودية دولة اسرائيل والقدس عاصمة أبدية لإسرائيل،واسقاط حق العودة بشكل نهائي،وبقاء الكتل الإستيطانية الثلاث الكبرى تحت السيطرة والسيادة الاسرائيلية،وما تبقى من أراضي دولة اسرائيل يتنازل عنه للأغراب ليقوموا عليه ما يريدونه أو يسمونه دوله ،جمهوريه،امبرطوريه ،شريطة أن تكون منزوعة السلاح،وأن لا يكون على رأس قيادتها حماس وغيرها من فصائل المقاومة الأخرى،وأضاف اليها وأن تمنع من اقامة أية أحلاف عسكرية.

هكذا قال"نتنياهو" في كلمة تنصيبه وفي خطابه الذي ألقاه في جامعة "بار ايلان" الإسرائيلية في حزيران الماضي،وأظن أنه لا يدعي أي من جهابذتنا العرب والفلسطينيين أنه أكثر معرفة "بنتنياهو" من أبيه والذي يقول بأن ابنه النبيه يسخر من العرب والفلسطينيين ويضحك عليهم،ويطرح عليهم شروط تعجيزية غير قادرين على الموافقة عليها.

وقبل الحديث عن التطورات السياسية والجارية حالياً على صعيد الصراع العربي- الاسرائيلي وفي القلب منه الفلسطيني،لا بد من القول بأن عدد المستوطنين في الضفة الغربية،قبل أوسلو كان ما بين 110-120 ألف مستوطن،وارتفع هذا العدد عام2007 ليصل الى 270 ألف مستوطن،أما الآن فهو يناهز300 ألف مستوطن.

واليوم يجري الحديث عن حركة سياسية نشطة في ظل وصول "أوباما" الى الحكم من أجل فكفكة حلقات الصراع العربي- الاسرائيلي،والانتقال من ادارة الأزمة الى حلها،هذا الحل واضح جداً أنه لن يرى النور،ليس كنظرة تشاؤمية أونوع من الرفض من أجل الرفض أو"الفنتازيا"،بل لأن أي حل يتطلب بالأساس،خضوع اسرائيل للمؤسسات الدولية،والإلتزام بالقوانين والمواثيق والمعاهدات والاتفاقيات والقرارات الصادرة عنها،أما بقائها فوق القانون الدولي،وتوفيرالحماية والحضانة الأمريكية والأوروبية الغربية لها،من أية قرارات أوعقوبات تتخذ بحقها،فهذا يعني مزيداً من الصلف والعنجهية الاسرائيلية والتنكر للمؤسات الدولية وقراراتها،كما أن خطة أو رؤية "أوباما" السوبرمانية التي ينظر لها فلسطينيو وعرب الاعتدال،والتي يعتبرونها انقلاباً جوهرياً في السياسة الأمريكية،فهي حتى اللحظة الراهنة لم تخرج عن استخدام لغة جديدة لتسويق بضاعة قديمة أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد قابلة للبيع والتسويق حتى بأبخس الأثمان.

فيما هو مطروح حالياً من وعد جديد "لأباوما" بإقامة دولة فلسطينية خلال أربع سنوات،لا يتعدى أو يخرج عن وعود الرئيس الأمريكي السابق"بوش" وعود إقامة الدولة الفلسطينية خلال خمس سنوات والتي انقضت دون أن يتحقق شيء سوى المزيد من الإستيطان وقضم الأرض الفلسطينية.

ووعد"أوباما" الرباعي بإقامة الدولة غير قائم على انهاء الاحتلال،بل الحركة السياسية الجارية حالياً من خلال الزيارات واللقاءات المكوكية بين المسؤولين الأمريكيين والأوروبين الغربيين مع زعماء المنطقة من عرب وفلسطينيين واسرائيليين ،تستهدف بالأساس العمل على اقناع الاسرائيليين بالموافقة على تجميد الإستيطان لمدة ثلاثة شهور،بالطبع بما لا يشمل القدس والمشاريع الإستيطانية قيد الأنشاء،مقابل أن يقوم العرب بخطوات تطبيعية كبيرة تجاه الإسرائيليين من طراز فتح الأجواء العربية أمام حركة الطيران التجاري والسياحي الإسرائيلي وحتى الحربي،وفتح الأسواق العربية أمام البضائع الإسرائيلية،ناهيك عن فتح السفارات والقتصليات والممثليات التجارية الإسرائيلية في البلدان العربية ...وغيرها.

ومن هنا تبدأ دورة لا منتهية من الجدل البيزنطي والمفاوضات المارثونية،حول المشاريع التي يشملها التجميد والتي لا يشملها،والخطوات التطبيعية كافية وغير كافية،وطبعاً الحكومة الاسرائيلية لا تعدم الحجج والذرائع من أجل خرق الاتفاق ومواصلة الإستيطان،وحتى إن التزمت بذلك فهي ستطلق يد الجمعيات الإستيطانية في القدس للإستيلاء على المزيد من المنازل العربية في القدس وتكثيف الإستيطان فيها من أجل استكمال تهويدها وأسرلتها،ناهيك عن مواصلة الحملة واصدار المزيد من القوانين العنصرية بحق عرب 48،والتي تنتهك حقوقهم وحرياتهم وتمس وجودهم وانتماءهم وعروبتهم،ناهيك عن اطلاق العنان لزعران المستوطنين للقيام بحملات عربدة وزعرنة بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية طولاً وعرضاً.

وهذا يتطلب منا كعرب وفلسطينيين،أن نحدث تغيراً جدياً في رؤيتنا وسياساتنا ومنهجنا واستراتجياتنا،لا تقوم على استمرار استجداء "الدبس من قفا النمس" والتذلل أمام عتبات المؤسات الدولية والبيت الأبيض،بل العمل على استثمار كل عناصر قوتنا العربية من أموال وقوة اقتصادية وتجارية وعلاقات،وتفعيل واسناد قوى المقاومة واحتضانها،وبما يشكل ضغط جدي وتهديد حقيقي للمصالح الأمريكية والأوروبية الغربية في المنطقة،وبما يجعلها تمارس ضغوط جدية على اسرائيل من أجل انهاء احتلالها للأراضي العربية والفلسطينية المحتلة،وتطبيق وتنفيذ مقررات الشرعية الدولية،وبدون ذلك فإن ما يجري لا يخرج عن إطارادارة الأزمة لا حلها،والعمل على شرعنة الإحتلال وتأبيدة.

اتفاقية "أوسلو" أين الحسابُ؟

د. فايز أبو شمالة
بعد خمسة عشر عاماً يتوجب على الفلسطينيين وضع اتفاقية "أوسلو" على ميزان المصالح والأضرار التي لحقت بقضيتهم الوطنية، وأن يحاولوا قراءة آثارها السياسية، والحياتية، والوجدانية بموضوعية، ماذا تحقق من إيجابيات، وماذا تساقط على رأسهم من سكن السلبيات؟ وأين وصلت قضية فلسطين التي من أجلها كانت الانطلاقة سنة 1965 وما رافقها من شهداء، وكانت الانتفاضتان وما تبعها من جرحى وأسرى وعذابات، وقطع أرزاق.
أما الإيجابيات التي يحشدها البعض المؤيد لاتفاقية "أوسلو" فإنها تذوب أمام حقيقة واحدة، وهي أن عدد المستوطنين الذي كان يُعَدُّ بالآلاف في الضفة الغربية، قد صار بعد "أوسلو" أكثر من ثلاثمائة ألف يهودي، وأن مدينة القدس العربية التي كانت متصلة بمدن الضفة الغربية من جهة الشمال، والجنوب، والشرق، قد انقطعت عن محيطها العربي، وتهودت، ليجيء جدار العزل ليقتطع أجزاءً من الضفة الغربية ويضمها للدولة العبرية، ويفرض على الفلسطينيين العيش في مناطق منفصلة عن بعضها في الضفة الغربية، ومفصولة عن غزة بسبب الانقسام الفلسطيني الذي هو إحدى إفرازات "أوسلو" التي شقت الساحة السياسية الفلسطينية إلى مؤيد ومعارض، ولما كان الالتزام بشروط الاتفاقية يقضي بتطبيق بنودها على الأرض واتخاذ خطوات تنفيذية بما في ذلك وقف الانتفاضة، ومنع المقاومة، فقد صار الرفض للتقيد بما جاء في اتفاقية "أوسلو" تمرداً، وهذا ما قاد الساحة الفلسطينية إلى المواجهة المسلحة، وأوصل الحال الفلسطيني إلى ما هو عليه اليوم من انقسام.
وفي حين لم تحقق الاتفاقية أي ضمان للاعتراف الإسرائيلي بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، أو السياسية وفق القرارات الدولية، اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل، وحقها في الوجود، مقابل اعتراف إسرائيل بالمنظمة فقط.
ومن يراقب بحيادية يستنتج أن اتفاقية أوسلو قد بيّضت وجه الدولة العبرية، ومهدت لاتفاقية وادي عربة في الأردن، وفكت طوق المقاطعة العالمية عن الدولة العبرية التي مدت جذورها الاقتصادية، والدبلوماسية حتى الهند والصين شرقاً.
أما الشق الاقتصادي الملحق باتفاقية "أوسلو"، فيتفق المؤيد قبل المعارض على أنه أسوأ اتفاق بين مجموعتين، لا بين كيانين منفصلين؛ إذ جعل الاقتصاد الفلسطيني تابعاً، دون فسحة أمل للتطور، أو الاعتماد على الذات، ومن أبرز نتائجه الضائقة المالية المزمنة.
ما سبق من نبش في الذاكرة يقود إلى أن اللاجئين قد باتوا أبعد عن حق العودة، وأن الدولة قد تبخرت، وأن الصراع الذي كان في وجدان الأمة صراعاً عربياً إسرائيلياً قد انخسف بعد "أوسلو" ليصير نزاعاً حدودياً بين السلطة وإسرائيل.
إن بعض ما سبق ليفرض على الفلسطينيين أن يقتصّوا من المسئول عن اتفاقية "أوسلو"، وأن يقتنصوا اللحظة المناسبة لمحاسبة من أفرغ قضيتهم السياسة من مضمونها، وهيأ لإسرائيل من أمرها أمناً، بعد أن أزاحت ملف القضية الفلسطينية عن طاولة المجتمع الدولي، لتدسه في أدراج أجهزتها الأمنية؟.
fshamala@yahoo.com

بيان عاجل من المجلس الإسلاميِّ العربيِّ في لبنان

بيان

بسم الله الرحمن الرحيم:(فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف)

إلى: دولة رئيس وزراء العراق السيد نوري المالکي,

إلى: مجلس النواب العراقي,

إلى: کافة القوى الخيرة و المحبة للسلام في المنطقة و العالم,

يتابع المجلس الإسلاميّ العربيّ في لبنان و بقلق بالغ الانباء المتباينة بشأن الاستعدادات الجارية للهجوم على مدينة أشرف معقل منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة وان هنالك أنباء قد وصلتنا تتحدث عن عمليات مداهمـة قد قامت بها قوات الشرطة العراقية لمدينة أشرف مستخدمة الهراوات و الغازات المسيلة للدموع و الخانقة و کذلك الذخيرة الحية و قيامها بإعتقال البعض منهم و إقتيادهم إلى خارج المعسکر إضافة إلى وقوع أربعة شهداء و أکثر من ثلاثمائة جريح وهو أمر أصابنا بالصدمة و الذهول لکونه ليس يتنافى مع القوانين و الانظمة الوضعية وانما حتى يتعارض مع مختلف الشرائع السماوية و بشکل خاص مع الشريعة الاسلامية السمحاء المعروفة برحابة صدرها وسعة آفآقها لتقبل و إستقبال کل هارب أو متصدي للظلم و الجبروت و الطغيان إينما کان وان توارد هکذا أنباء مثيرة للسخط و للقلق و الانزعاج سوف يکون لها بالغ الاثر على سمعة و مکانة الحکومة العراقية في المحافل الدولية و الاوساط السياسية و الاعلامية و الشعبية على حد سواء والامر الذي يزيد من قلقنا و يدفعنا لوضع أکثر من علامة استفهام على توقيت الهجوم هو أنه قد جاء عقب البيان الخاص الذي أصدرته السيدة مريم رجوي رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المقاومة الايرانية بخصوص عودة سکان مدينة أشرف إلى إيران بشروط معينة منها على سبيل المثال لا الحصر:(يتمتعون بحصانة من الاعتقال و المطاردة و التعذيب و الاعدام وأي نوع من الملاحقة و فتح ملفات قضائية کيدية ضدهم و سيتمتعون بحرية التعبير)حسبما ورد في البيان المذکور والذي حدد أيضا اسسا و مبادئ قانونية و أخلاقية للتعامل و التعاطي مع سکان أشرف في حال عودتهم الى إيران وان يصادق النظام الايراني على کل ذلك وبخلافه فإن الحکومة العراقية مدعوة لکي تعلن إمتثالها لقرار البرلمان الاوربي الصادر في 24 نيسان المنصرم و تنفيذ أحکامه.

ان تزامن هجوم الشرطة العراقية مع ذلك البيان الصادر عن السيد مريم رجوي يبين بوضوح أن هنالك ثمة أمور عديدة بحاجة للتوضيح وعلى رأسها مايشاع عن ضغوط إيرانية إستثنائية على الحکومة العراقية من أجل تصفية موضوع مدينة أشرف و الغايات و الاهداف المبيتة من ورائها و ماهو مصلحة الشعب العراقي من الامتثال لهکذا ضغوط؟ وان الحکمة و المنطق تتطلبان من الحکومة العراقيـة أن تتأنى کثيرا في أية خطوات تخطوها فيما يتعلق بمدينة أشرف ولاسيما إذا ماکانت من صالح النظام الايراني وان المصلحة الوطنية العراقية تتطلب الدفاع عن سکان أشرف بوجه التهديدات القائمة ضدهم ونحث الحکومة العراقية أن تضطلع بواجباتها الاساسية الملقاة على عاتقها بموجب المقررات الدولية المسائل المتعلق بها وقبل ذلك ماتستوجبه الاحکام الاسلامية من ضمان توفير الامن و الطمأنينة لهؤلاء المجاهدين الخارجين على سلطان ظالم و مستبد کما إننا نطالب الولايات المتحدة الامريکية أيضا أن تفي بإلتزاماتها بهذا الصدد وان لاتقف کمتفرجة على الاحداث الدامية في أشرف حيث أن سلامة و أمن سکان أشرف وبموجب القرارات الدولية ذات الصلة على ذمة الامريکان.

الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان

السيد محمد علي الحسيني

الاربعاء:29/7/2009

الثلاثاء، يوليو 28، 2009

من المسئول عن حرمان مشرفى ووكلاء الأنشطة التربوية من كادر المعلمين

نصر القوصى

وردت لنا شكوى من كمال بشارى رضوان آدارى بالتربية والتعليم أكد فيها

إن قرار الإدارة المركزية للشئون الإدارية وشئون العاملين بالوزارة بحرمان مشرفى ووكلاء الأنشطة التربوية من كادر المعلمين مثير للدهشة والأستغراب ففى 12/9/2007وردت للمديريات والإدارت التعليمية والمدارس نشرة بالقرارات المنظمة لصرف الكادر من الإدارة المركزية للشئون الإدارية وشئون العاملين بالوزارة والتى أفادت بأن شاغلى وظيفة مشرف نشاط ( إجتماعى- صحافة – مسرح – وسائل تعليمية – مكتبات ) بالمدارس يستحقون صرف بدل معلم وهو المرحلة الأولى من الكادر على اعتبار أنهم يقومون بعمل أخصائى نشاط بالمدارس طبقا للقانون 155 لسنة 2007م .وفى 28/10/2007 وردت نشرة من نفس الجهة تتضمن نفس المعنى .

وفى 30/10/ 2007ومن نفس الجهة وردت نشرة ثالثة تحمل نفس المضمون واشترطت أن من يستحق صرف الكادر يكون منتمى لاحدى مجموعات التعليم ( التخصصية تعليم – الفنية تعليم-الهندسة تعليم) وبناء على كل هذا تم صرف المرحلة الأولى من الكادر لمشرفى الأنشطة ابتداء من 1/7/2007م

وفى 1/3/2009 ورد خطاب يفيد أن أخصائيين النشاط الذين اجتازوا امتحان المرحلة الثانية يستحقون صرف المرحلة الثانية من الكادر وكان هؤلاء المشرفون قد أدوا امتحانات الكادر وأجتازوها بنجاح بناء على خطابات سرية وردت لهم بالوزارة .

وذلك طبقا للمادة 72 من القانون 155 لسنة 2007 التى تنص على أن كل من يجتاز اختبارات الكادر يحصل على المرحلة الثانية منه وتسمى بدل اعتماد .

وبعد ذلك قوجئ الجميع بورود خطاب بأن المشرفين لا يستحقون صرف كادر المرحلة الثانية .

أعقب ذلك خطاب آخر فى 12/3/2007 يفيد أن هؤلاء المشرفيين لا يستحقون صرف شيئا من الكادر سواء من المرحلة الأولى أو الثانية لأنهم غير حاصلين على مؤهل عالى .

والعجيب أن هذه الخطابات وردت من الإدارة المركزية للشئون الإدارية وشئون العاملين بوزارة التعليم التى قرر قبل ذلك الصرف ويقول المشرفون الذين ألتقينا بهم لقد تقدمنا بالعديد من الالتماسات إلى المسئولين بالوزارة فافادوا أن الموضوع معروض على السيد المستشار القانونى للسيد وزير التعليم وكذلك مجلس الدولة .

ومن وقتها ونحن محرومون من الكادر فهل يصح ونحن شركاء فى العملية التعليمية ودورنا لا يقل عن دور المعلم وبدوننا تصبح العملية التربوية خاوية وناقصة .

نناشد السيد الوزير وكل المسئولين أنصافنا فليس من المعقول أن نلجأ إلى اساليب غير شرعية للحصول على حقوق شرعية .

استنساخ الفساد واستحلاب ثور الطهارة

سامي الأخرس
دائماً تبدأ محرقة التاريخ من الماضي، لأن التاريخ لا يستند على مرتكزات فضفاضة، أو نرجسية، وإنما يبدأ من حيث انتهت آخر الصفحات، التي لا يمكن إعادة صياغتها بنفس الديباجة. ربما تتشابه بملامحها وتطوراتها وتحركاتها، وتحرشاتها، وعوامل اندفاعها المحبرية، لكن لا يمكن الصياغة بنفس الديباجة لأن هناك تطور في الوعي والمفهوم، وتغير في الشكل والجوهر، والمضمون، ولو في حدود المعقول والمقبول.
ولكن ورغم ذلك يمكن استنساخ باقة من باقاته مع إضافة زخرفة أكثر حداثة، ومواءمة للظرف البيئي والمناخي الذي تخضع له هذه العملية لإعادة الاستنساخ حتى يمكن لها محاكاة الحاضر، والإعلان عن المستقبل، وقهر الماضي.
لا أدرك من أين ابدأ عملية التورية عن ذلك المفهوم أو بالأدق "المصطلح" الذي له يومان يدغدغ خلايا عقلي النشطة، والمتأهبة حتى غلب على قدرتي في المضي قدماً بالحافزية والاستعدادية التي كانت تتسم بالحمية والنشاط في " رسالتي العلمية" التي لم أعد أمتلك من القدرة النفسية النظر إليها وفي سياقها الطبيعي الذي بدأت به بعقد العزم على أخراج شيء جديد، أو على الأقل ما يحمل سماتي الفكرية التي ما أن تضمد جرحاً حتى ينزف آخر، بفعل فساد القوم، وفساد الهواء المحاصِر لغلافنا النفسي، والجسدي، حتى أصبح شاغلنا الذهني في إطاره الطبيعي والرئيسي، وكأن أنوفنا تحولت لخياشيم تعجز عن القيام بواجباتها الطبيعية، فاستبدلت بخياشيم كمن يعيش في بحر من الفساد لا تلتقط أضراره شعيرات الأنف العادية، فنحونا صوب التسمك ولكن لم ننجو لأن الافتراس بعالم البحار اشد وطأة وضراوة من حيتان الأرض المتكورة.
فديباجة العقلاء بثوب أهل العلم والمعرفة، وعفن الحقيقة عندما تقع على كومة فساد تزينها ياقة براقة تبهر الناظر والسامع على مرآي مسافات الهامش .
في ظل قتامة الإحباط التي تستحوذ عليك في بعض الأحيان، وتجعل من صدرك بركان يكاد يتفجر ، لا يسعك سوى أن تستل من مخزونك كل الترهلات المتأففة من طفيليات الزمن التي كنت لبرهة تعتقد إنها أحد الضرورات لاختمار الحياة، واستمرارها، وإنها من ذلك الصنف النافع المفيد، والضروري للحياة. فتبدأ عملية إنتاجها الطبيعي حتى توخز جسدك وخزت ألم تلوث حلماً جميلاً كنت تشاهد ملامحه وأنت متفتح العينان ، أعمى القلب، كمن يقول فعلاً" إن العاشق لا يبحث عن عيوب معشوقة"، والحبيب لا يرى من حبيبة سوى الحب. وذاك القديس في محرابه يتزركش بالعفاف والطهارة المغلف بالشوق، إلى أن تصفعك عملية الاستنساخ لنفسك تحت مبضع الألم لتبدأ عملية الاستذكار مع قهقهة صامته ساخرة يتبعها حديث نفسي بينك وبين روحك مردداً" آن أوان الاستذكار أيها الحمار" لقد غدت الغفوة، وليس عجب أن توصف نفسك بالحمار بهمس دون أن يسمعك أحد سوى تلك النفس الشريرة القابعة ببدنك، لأنك تعبر عن خدعة وغباء غلفت ضفاف الوادي الجاف التي كنت تستمتع بعذابات مياهه الجافة، التي لا يراها سواك في حلم تعيشه، وكذبة تصدقها.
فالمرأة كالتاريخ لا يمكن ركل أحدهما، وبهما سر مشترك، الجاذبية، الأناقة، الجمال مع علاقة الخشونة التي تبرز لك مخالبها بلحظة لتفترس طهارتك، وبراءتك، وعفافه نفسك، أليس حواء من أخرجت آدم من الجنة؟!
أوليس هي من يركع حامل القلم، والشارب، والمعرفة، والفكر ليسقط ببراثن دلالها، ونعومة خلقها، ويسيل لعابة عاجزاً عن مقاومتها؟! بلا هي ثورة جميلة يسقط المرء ضحية لسلاحه الفعال. وصدق من قال ثلاثة أصناف لا يشبعون " طالب النساء، وطالب المال، وطالب العلم" يلهثون كلاً في واده خلف شهوته، أما هذه المخلوقة، فهناك أول من يقع ناظره على اسمها" مجرد اسمها" تبدأ الحركة الفسيولوجية ثورتها وفعلها السحري، وتنتابه غريزة حميمية، مصحوبة بضعف، لتستسلم ذكوريته ، ويركل ثقافته، وطهارته، ويبتلع لعابه. فكم جميلة منحت الأولوية تحت قلم أحمر بيد أستاذ، وعقل مفكر برأس زعيم...الخ، حتى أولئك الغير جميلات لهن نصيب من الطيب على أمل استحصال شيء إن تمنعت الجميلة. ولكن إنصافاً للحقيقة أتساءل من الساقط الأنوثة أم الذكورية؟ بقناعة راسخة الساقط هي تلك النفس الشهوانية الدنيئة التي لا ترى بالأنوثة سوي شهوانية، وكأن الطبيعة الإلهية لم تمنحها سوي شهوانية فحسب، بالرغم من إنها شريكة كاملة المواصفات العقلية، والحياتية، ولكن هل كذب "كونفشيوس" عندما قال على الرجل الناجح أن يبتعد عن ثلاث" ما بين فكيه، وأمعائه، وما بين فخديه" هو صدق ونحن تجاهلنا.
مشهد مستنسخ من التاريخ بديباجة الفساد على مستوى المؤسسة المعرفية التراكمية لبني البشر، تعيد صناعة نفسها في مصنع مناخي كل ما يحيط به فاسد فاسق، في مجتمعات تبحث عن الفضيلة، وهي أهل الفضيلة، تبدأ يومها بالبسملة ويكاد الخشوع أن يقفز باكياً من بؤبؤ عينيه وهو يستمع لترتيل قرآني من آيات الرحمن، وأول ما يبدأ بإدارة المفتاح بقفل باب مكتبه يعود ذاك العجوز الذي أخذ منه العمر عتيا لحيويته وملاطفاته ومغازلاته على أنغام الاوكازيون الأكاديمي المليء بفاتنات صغيرات، متأهبات لاستقبال حياة باسمه، أمانات تغادر عتبات الصغر لنهل العلم، والمعرفة، من عقول وكتب العلم، وتجارب الماضي والحاضر لربط خيوط الأمل بالمستقبل، وليس لنهل تسبيل العيون، وتوزيع الابتسامات حتى يُعتقد أنه أغمي عليه عشقاً وذوباناً وسحراً " ولما لا فتنه الجمال"، فتقع فريسة تلك الجميلة ولما لا وفي نهاية المطاف والأمر درجة التميز رهن ابتسامه ومداعبة من جسدها الرشيق المتراقص على أنغام مراهقة هؤلاء.
لم يستنسخ التاريخ " دوللي" وحدها لعيد إنتاج نوع بهيمي من أنواع المخلوقات، بل استنسخ لنا أنواع وأنواع من مكدسات البشر، وأرباب القلم والفكر، ولننظر في سيل المعرفة الذي فرضته علينا العولمة الثقافية كم من بارع مثقف، وأستاذ متفلسف،ومثقف يافع أنتج لنا ليسحر أفئدتنا بقاموسه المعجمي، وفكرة المزدان بالتعملق الإنتاجي، ولكن!!!! لكل امرئ مرآته التي لا يرى تشوهاته سوى عندما يقف أمامها وحيداً عارياً من عفونته.
تضطرنا الحياة للتفلسف أحياناً تحت وطأة العنف المجتمعي الذي يحتضن عمرك، كحاضنة الخدج، لا تقوي على الخروج منه لأنك تموت لمجرد مغادرته، ولكن السؤال المفعم باليأس من أولئك هل يفهم أحداً فلسفتك تلك؟ وهل يعى قارئها مقصدك؟ وهل يمكن قراءة ما لم تكتبه وأنت في قمة ثورتك الذاتية؟ أجب إن كنت تقرأ – تفهم – تفكر- تعي – تحس.
هي لحظة مثل أي لحظة يتفاعل معها الوعي الحسي مع اللاوعي فتنتج قريحتك ما يمكن لها من إنتاج في خضم إعصار من الهواجس المتراكمة في عصارتك العقلية التي لا يمكن ملء الكؤوس منها لتسكر أدمغة الظامئين من الحقيقة، لأن الحقيقة إزعاج يحقق الاستنفار، وينمي الحقد في باطن الأمور، ويرسم توجهات النفس العبثية، لتنفجر عندما تتهيأ لحظة الافتراس لأولئك المنتفخين علماً، وفكراً، للتنظير الهش، المرتعش أمام نصاعة الطهر والإصلاح.
فلم تعد قوانين الجوعي ترضي بملء الأمعاء فقط، لأن التاريخ لن يستنسخ الجوعى، بل الشابعون، ويستنسخ المنتفخون لأنهم تهرقلوا كهرقل الروم، وتقمصوا دور هولاكو، وهارون الرشيد الحكيم، حامل مشعل العلم والفتح، بعبق الجاريات المزينات لقصر بغداد الجميل.
هل وصلت إلى مبتغاي؟ وانتصب ظهري المنحني لأقف أشاهد مرآتي الصادقة؟ وأدرك هؤلاء أن القوم لا يتوهون؟ نغادر الوادي ولكن تبقي حجارته فيه.......
ولعل التاريخ يبدأ من جديد في سرد سيرة" كونفشيوس" ويعلمنا إننا بيوم قرأنا لأفلاطون، وسقراط، وسيرة محمد العظيم سر الفضيلة، والعدل، والأمانة، والصدق بجوهرها، وليس بشكلها.
وليت مجتمعنا، وجامعاتنا، وهواءنا، وماءنا، يحقن بمضاد إنفلونزا الفساد الذي لم نتمكن ونحن نتصفح التاريخ من استحلاب مشروب الطهارة من زبده.

لا منافسة، ولا نفقات، يا شركة الاتصالات

د. فايز أبو شمالة
الرازق هو الله، ولن نحسدكم على حجم أرباحكم يا شركة الاتصالات الفلسطينية، بارك الله لكم في هذا المال المستقطع من خبز الشعب، والمسحوب من جيب المواطن وهو صاغرُ، حيث لا يجد طريقاً آخر للاتصال، والترابط مع العالم إلا من خلالكم، وما دام لا منافس لكم فهنيئاً لكم مبلغ 291 مليون دينار صافي الإيرادات التشغيلية لهذا العام، وصافي أرباح بنسبة 36% تصل إلى 89 مليون دينار مكنتكم من توزيع الأرباح بنسبة 40% ، ووفرت لكم التغطية لإقامة الاحتفالات، والمناسبات، والهدايا، فالمال كثير، والخير وفير، فلم لا تقام المهرجانات، وينبري الشعراء في الغزل، والتمسح بالعسل.
أما إذا تعطل هاتف، أو احتاج المواطن للرقم 144، أو 166، أو 176، ستأتيه الاسطوانة بالكلام الرقيق: سيتم تسجيل المكالمة لضمان ضبط الجودة. ولما كان الفلسطيني متلهفاً على ضبط الجودة، فهو ينتظر صابراً، ولكن الاسطوانة تواصل العزف، وعلى المواطن الانتظار، وسماع الموسيقى، ثم مزيداً من الانتظار، والموسيقى، والإعلانات، ووقت ضائع، والهدف هو ضبط الجودة، من خلال تسجيل أطول فترة زمنية من الاتصال على حساب المواطن، وكأن شركة الاتصالات استعذبت الأرباح، فلجأت إلى ضبط الجودة من جيب المواطن، ولن أتطرق إلى اسطوانة جوّال مرحباً في عز الحاجة، وإن نسى المواطن موعد الفاتورة يوماً، تفصل الخدمة.
لقد حلل الله الربح، وحرم الاحتكار، وإذا كان من حق المستثمر على الوطن الربح، فإن حق المواطن على الحكومة محاربة التفرد، فما زالت ذاكرة الشعب الفلسطيني لا تنسى أن زمن الاحتلال الإسرائيلي البغيض، كانت تأتي فاتورة التلفون للمواطنين أقل تكلفة من الزمن الفلسطيني المنتظر، وقد حسبت شخصياً قيمة تكلفة الاتصال من بيتي إلى بيت الجيران في خان يونس فوجدتها أغلى من تكلفة الاتصال مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولما سألت في قلعة الرأسمالية عن السبب، قيل لي: إنها المنافسة، هنا تتنافس الشركات على حسن الجودة، وعلى تخفيض الأسعار، وللمواطن الخيار!.
فمن ينافسكم يا شركة الاتصالات الفلسطينية؟ وبأي حق تملكتم ذبذبات الوطن، وصارت لكم حكراً، لتبيعون المواطن الهواء كما يطيب لكم؟ وتربحون ما يحلو لكم!! لقد باعت البلدية الماء للمواطن، ولكن بعد أن استخرجته من قاع الأرض، وعندما تبيع شركة توزيع الكهرباء الطاقة، فإنها تكون قد اشترتها من المنتج، وإذا باع التاجر الغاز فإنه يكون قد اشتراه، فمن أين تستخرجون الهواء، أو من أين تستوردونه يا شركة اتصالات؟
لا ننكر أن لكم أصولاً ثابتة للاستثمار، ولكم شبكة تمديدات، ولكن هذه الأصول لا تعني الاستئثار، وزواجكم الكاثوليكي مع وسائل الاتصال، وإذا توفرت لكم ظروف سابقة مكنتكم من رقبة القرار، فإننا نسأل السلطة في غزة ورام الله، وننادي، يا أصحاب القرار، افتحوا باب المنافسة في حسن الجودة والأسعار، ليصير للمواطن الحق في جزء من الربح، وله الفرصة في التدلل والاختيار.
fshamala@yahoo.com

الاثنين، يوليو 27، 2009

مأساة العقل العربي

هـيـثـم الـبـوسـعـيـدي
كثر الحديث عن أسباب التخلف العربي وجذور الفشل وعوامل الانحطاط، وما تعيشه الأمة من آثار سلبية في كافة الجوانب على الرغم من التغيرات البسيطة في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم التي تتباهى بها الأنظمة من المشرق حتى المغرب وتطلق عليها في ذات الوقت عدة مصطلحات مثل "إنجاز" و" نهضة" و " تقدم".

وهذا الفشل الذريع والتردي الذي تتحدث عنه كثير من الدراسات أرجعه كثير من المفكريين والفلاسفة العرب لعدة أسباب جوهرية، من أبرزها وأهمها ما يعيشه العقل العربي الفردي والجماعي من أوضاع صعبة وظروف متردية تمتد جذورها لفترات زمنية طويلة غير محددة.

والعقل بالأساس هو حصيلة الأفكار والقيم والمبادئ والمعتقدات والعادات التي ترتكز عليها الثقافة المنتمي إليها ذلك العقل، ونظرة سريعة لصفات وخصائص العقل العربي تدفعنا لاكتشاف ما يمر به هذا العقل من حالات حرجة وأوضاع متأزمة وذلك بسبب سيطرة جملة من الأفكار على جزء من تكوينه وتفكيره، لتؤدي بمرور الزمان لوضعه في حاله أشبه بالأسير القابع في سجن كبير لا يستطيع الخلاص من قيوده ولا الفكاك من قبضة سجانه.

فهذا العقل يتصف بأنه عقل ماضوي جامد يتغنى بالماضي والأمجاد العتيقة، ويتعلق بجزء من المعتقدات ذات الطابع التقليدي التي لا تجر معها سوى الويلات والحروب الطائفية والمشاحنات القبلية.

كما أنه يلتصق دائما بسلبية الرجوع للخلف والالتصاق بالتفسير الماضوي لحقائق العلم والتقدم دون إعطاء فرصة للعقل للانطلاق والتوسع في مجالات التفكير، لذا فإن التفسيرات المحددة والدوران في الحلقات المفرغة يجعله دائما محبوس في مساحات ضيقة وحدود مغلقة.

وهو من جانب آخر عقل غير واعي يعيش حالة من الغيبوبة والسلبية والتناقض وخصوصا أمام "التطور الحاصل في العالم" دون أن يتفاعل معه أو يستفيد منه بطريقة جديدة من أجل تحقيق قفزات واسعة وانتشال أوطانه ومجتمعاته من حالات الانحطاط إلى حالات الازدهار، وذلك راجع بالأساس لاعتقاده أن مفهوم المعاصرة والحداثة عبارة عن حرب ثقافية ضد قلاعه الفكرية وحصونه العقائدية وميراثه الحضاري مما جعله في وضعية المشتت بين الحفاظ على الهوية الموروثة أو تمزيقها أو البحث عن هوية مصطنعة أخرى دون إدراك الأسباب الرئيسة لحدوث ذلك التخبط.

فجزء من تلك الأسباب واقع في سوء تعامل العقل العربي مع الواقع وتغافله عن إدراك تفاعلاته وطبيعة القوى التي تتحكم فيه كما أن أحد أسباب حدوث ذلك التخبط هو سوء فهم الأحداث الجارية الآن في المجالات العلمية والإنسانية في العالم كله.

هذا أسفر عنه وجود مسافة واسعة بين العقل العربي ومفهوم المعاصرة والتقدم دفعته نحو تجاهل تحديات المستقبل والتغافل عن اقتناص الفرص وإهمال التوجه نحو مسارات التقدم والحداثة.

والنقطة الأبرز في معاناة العقل العربي تتمثل في وجود ثقافة أحادية الجانب تسيطر على تفكير الأفراد في كثير من المجتمعات العربية، وتسعى لتوزيع قيم القبيلة أو الطائفة أو الانغلاق عن الذات بين أفرادها، وقيم أخرى ذات طابع انعزالي ونزعة شيفونية، بل تدمن هذه الثقافة بعض اللعب الغبية من أمثال " أضحوكة المؤامرة ".

وهذه الثقافة تمتد جذورها لما قبل الإسلام بحيث ظلت لوقتنا الحاضر ولم تستفد من الثورة الفكرية التي أحدثها الإسلام، فقد أنقلب العقل العربي بعد فترة من ظهور الإسلام على أجزاء مهمة من القيم العظيمة والمبادئ العليا، وأبرز تلك المبادئ " العدل " الذي غاب عن بلاط الحكام مما نتج عنه افتقار الحياة العربية لمبدأ " العدل " في شتى شؤون ونواحي الحياة عبر قرون طويلة.

كل ذلك أدى لوجود مجتمعات متخلفة تملؤها العواطف الساخنة والأوهام الكاذبة لتنتج عن تلك السلوكيات عدة مساوئ وأضرار منها: سوء الإدارة، مركزية الدولة، تسلط الفرد، انتشار الفساد، أنظمة تعليم متهالكة، اقتصاديات هشة، أشكال مختلفة للتعصب، غلبة العاطفة في الأمور الاجتماعية والسياسية، بروز" الأنا " المتضخمة ضد المخالف للمذهب والعرق والطائفة والوطن، بالإضافة إلى طغيان ماضوية المذاهب والفرق التي أغرقت الأفراد والمجتمعات بمزيد من الخلافات الحادة والأحقاد المدمرة.

والمتأمل قليلا لحالة الأمة يثبت له صحة النقاط سالفة الذكر، فالأمة حاليا في وضع محرج بحيث أصبحت غير قادرة على استقبال قيم التعددية وقبول الآخر والإيمان بعالمية العلم والمعرفة، بل فشلت فشلا ذريعا في حسن التعامل مع حركة حقوق الإنسان وحقوق المرأة ومبادئ الديموقراطية، كما أن الأنظمة الرسمية العربية على اختلافها هي بالأساس نتاج دول مزيفة وهزيلة وهذا ما أكدتها حادثة احتلال العراق، ولم تصل إلى مرحلة البلادة السياسية والإنسانية التي تعيشها في الوقت الحاضر إلا بعدما عبثت بالأوطان والمجتمعات بشتى أشكال القمع السياسي والاضطهاد الفكري مما أسفر عنه مجتمعات ضعيفة القرار غير قادرة على المشاركة في صناعة الحدث، ليصبح بعد ذلك المواطن العادي ذا طبيعة انهزامية، يبتعد عن مطالب الحرية والعدالة والمساواة ويتخذ مواقف ذليلة خانعة في كل الأمور المفروضة عليه مقابل " لقمة العيش " وبضعة دراهم، وفي نفس الوقت تمارس هذه الأنظمة العربية دور الخانع الذليل ولكن أمام القوى الكبرى في العالم.

أما المجتمعات العربية فهي تعيش اليوم أشبه بحالة اللاوعي والخوف من طرح الأفكار التجديدية والاطروحات التنويرية، مع وقوف عقل النخب العربية في الظل بحيث أمست غير قادرة على ممارسة دورها في رسم إشارات التقدم ووضع خطط فاعلة للخروج بالعقل العربي من مأزقه. والأصعب من ذلك أن الفشل في مواجهة النظام العالمي الجديد أدى وسيؤدي لغياب الكثير من القيم النبيلة وإلغاء الكثير من معالم الشخصية العربية وتحطيم الواقع أكان سياسيا أو معرفيا أو جغرافيا، وسيمهد نحو بروز إشكالية المجتمعات الاستهلاكية غير المنتجة وربما نصل سريعا إلى مرحلة المجتمعات المادية مما يؤدي بشكل كبير لتشويه العقل العربي أكثر مما هو مشوه ووضعه في خانة أشد مأساوية.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل من سبيل لانتشال العقل العربي من مأساته ؟
الحل هو في إخضاعه لعميلة نقد واسعة ومراجعة دقيقة ودراسة متعمقة وتحليل منطقي يتم من خلالها مناقشة مجموعة الأفكار الحالية والمعتقدات والقضايا التاريخية القابعة في عقل الإنسان العربي لأجل غربلته من الشوائب وتنقيته من السلبيات مع الاحتفاظ بجزء من القيم الأصيلة والمبادئ العليا ذات الجذور الإسلامية والعربية، بالإضافة إلى أهمية قراءة التاريخ بنظرة دقيقة وفاحصة لفهم الحاضر والماضي والمستقبل والاهم من ذلك مناقشة تفاصيل اللحظة الراهنة بكل ما تحتويه من ظروف قاهرة وأوضاع مأساوية، وعندما يتحقق ذلك رغم استحالته سيتمهد الطريق نحو نقل العقل العربي من حالة الخمول إلى حالة النشاط بل سينقذ نفسه من وضعية التأزم إلى وضعية الانفراج، وسيكسر كافة القيود ويعبر كل الحواجز مهما كانت، وهنا ندرك في المحصلة النهائية أهمية نقطة تحرير العقل العربي التي هي أهم وسيلة لتخليص العرب بقياداتهم ودولهم ومجتمعاتهم ومثقفيهم وإفرادهم من قيود الانعزال والظلام إلى التنوير والانفتاح وتبني أفكار الحداثة التي تدعو لنشر مبادئ مرتبطة بالعقل والضمير والأخلاق والحرية والمساواة والإبداع في شتى المجالات.

السببية بين العلم والفلسفة

زهير الخويلدي

" أما الرياضيات فهي نظر في الحساب والهندسة وليس في مقتضيات الهندسة والحساب ما يخالف العقل والحق ولا هي مما يمكن أن يقابل بإنكار وجحد"[1]

أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة.

منذ البواكير الأولى لإنبجاس القول الفلسفي مع الإغريق أو الهنود أو الحكماء العرب بدت فكرة السببية متعلقة بالطموح الكبير الذي تبديه همة الفكر نحو جعل المسائل الكلية: الأصل والتكوين وصيرورة الكائن أمورا معقولة ومدركة من طرف الإنسان. وظهر البحث العقلي عن الأسباب الأصلية والتطلع المعرفي نحو العلل النهائية أمرا متأصلا في الطبيعة البشرية ومنغرسا في الروح التائقة نحو المطلق.

بيد أن الإنسان لم يدرك مباشرة عن طريق الحواس والذهن سوى جزء بسيط من الواقع، وبالتالي كان البحث بواسطة الأسباب منذ البدء وسيلة محبذة لتجاوز هذه المحدودية وبلورة إستراتيجية معرفية وتقنية تقدر على سبر الكون في مجموعه. هذا التوجه لم يكن عن طريق إبداع الأساطير الكونية والحكايات الكبرى التي تظهر القدرات الخارقة للبشر ونماذج خرافية من السيطرة على المكان والتجوال في الزمان وإنما من خلال اختراع نظريات علمية وتصورات فلسفية تعتمد على التجريد الرياضي والتثبت التجريبي وتعتقد أن الطبيعة تخضع لقوانين ثابتة وأن الوقائع تنتظم وفق نظام معين وأن انبثاق وتتابع الظواهر يشبه انبثاق وترابط الأفعال الإرادية للبشر.

إن فهم مصطلح السببية Causalité ودوره في نظرية المعرفة وفي مستوى سيطرة الإنسان على الطبيعة وعزوه الفضاء وتفجير الذرة والتحكم في الخلايا المنتجة للحياة يتطلب تقصي جنيالوجي لوضعها السابق في ركام الميتافيزيقا و استعمالها المكثف من قبل العلماء في الاختراعات والإنشاءات الصناعية من قبل التقنيين، دون أن نهمل فترات الأزمة التي تعرضت لها والانتقادات التي وجهت إليها. فما نقصد بالسببية؟ ماهي طبيعة السببية؟ ماهو أصلها أو مصدرها؟ وماهي قيمتها؟ ما الفرق بينها وبين العلية والضرورة والحتمية والجبرية؟ هل هي عقيدة دينية أم فكرة فلسفية؟ هل هي قانون علمي أم مبدأ أنطولوجي؟ هل حتمية صارمة أم نموذج إرشادي يوجه البحث العلمي لا غير؟ هل هناك سببية خاصة وجزئية وقطاعية أم أنه لا توجد سوى سببية كونية كلية وواحدة؟ كيف يمكن رسم تاريخ مختصر للنظريات الفلسفية لفكرة السببية؟ ما حقيقة الانتقادات الموجهة ضدها؟ وهل بالفعل مجرد عادة في القول والعمل كما يري الغزالي وهيوم أم أنها سنة من سنن الكون وضرورة طبيعية كما يؤكد ابن رشد واسبينوزا؟ ما طبيعة الأزمة التي تعرضت إليها؟ وهل يمكن للفلسفة والعلم أن يتخليا عنها؟ ألا تتحول السببية إلى عائق ابستيمولوجي تحول دون التقدم والتطور؟ وهل يقتضي منطق الكشف العلمي تحطيمها والاستغناء عنها واستبدالها بأوليات جديدة؟

ما نراهن عليه هو تفادي الربط بين الإيمان بالسببية على صعيد الوجود والمعرفة والقيم والتسليم بالقضاء والقدر والارتماء في الخرافة والغيب والتأكيد على أن الإنسان خالق أفعاله وهو مكلف بعقله مستخلف في الأرض وبالتالي فهو مسؤول عما يأتيه في الأرض من أعمال سواء كانت محمودة أو مذمومة.

ماهي المنزلة الميتافيزيقية للسببية؟

يقول أفلاطون: " كل ما يولد هو يولد بالضرورة بفعل سبب... لأنه من المستحيل أن يولد أي شيء كان دون سبب"[2]

بادئ ذي بدء يمكن أن نشير إلى أن مصدر النظريات الفلسفية هو في الغالب النظريات السابقة عن الفلسفة وخاصة التصورات الدينية والميثولوجية، فالمفهوم السحري عن القدرة puissance عند المانا والذي حلله كل من فرايزر ودوركايم وموس يمكن أن نعتبره واحد من أصول فكرة السببية في أشكالها الأولى.

وحتى إن التفت الإنسان البدائي فيما بعد إلى الآلهة فذلك نتيجة إحساس وفهم معينين للسببية. وقد افترض الإغريق فوق هذه الآلهة نفسها قدرة مطلقة لا تقهر أطلقوا عليها اسم القدر وافترضوا أنها تتحكم في الأحداث التي تحصل للبشر وحتى في مصير الآلهة نفسها. ففي التفكير الأسطوري يعتبر غضب الآلهة سبب هذا العنف الذي يجعل المرء في حالة من عدم الرضى بمنزلته في الكون و يسبب غفوة الناس. فضربات القدر لها أسبابها والقدر نفسه يتحكم في الآخرين بالأسباب. غير أن فهمنا للسببية على أنها قدر يقتضي وجود فكرة الكلية واستمرارية السلاسل والتساوي بين السبب والنتيجة ولكن توجد على الأقل فكرة تعاقب الأشياء وهي فكرة ضرورية حسب هارتمان لتشكل مفهوم السببية العلمية فيما بعد.

إن الانطلاق من فكرة القدر يمكننا من إدراك مصدر فكرة السببية فقد أعلن أنكسماندر "أن كل شيء يحدث بالاعتماد على القدر". غير أن هذه الضرورة المطلقة بعيدة كل البعد عما نعنيه اليوم بالسببية التي ربما تكون قريبة مما يعنيه الذريون بالصدفة عند تفسيرهم لحدوث الأشياء في العالم. إن ديموقريطس لا يرى في وجود قطيعة بين الأحداث بل استمرارية وحلقة متسلسلة ، إذ كل شيء يفسر من خلال أساس صلب وبواسطة قانون معين ومنطق خفي. انه منذ أن شرع العالم في التواجد فإن كل شيء يحدث وفق ضرورة معينة.

لقد أشار علينا سقراط بأنه عثر في يوم من الأيام على كتاب الطبيعة لأناكساغور ووجد فيه أن مبدأ النوس Nous هو الذي ينظم كل الأشياء وقد نقد اعتماد الطبيعيين على الأسباب الميكانيكية واقترح نظرية الغائية التي تتأسس على الإرادة الموجودة في الطبيعة البشرية. إلا أن أفلاطون في محاورة الفيدون يرى أن الأسباب الغائية لا تسمح بتفسير شامل للأشياء ويلتجئ إلى شكل جديد للسبيبية صاغه فيما بعد أرسطو اسم العلة الصورية. ويقصد أن الأفكار هي الماهيات والأسباب الصورية للأشياء غير أن نظرية الأشكال الصورية عند أفلاطون خاضعة للأسباب الغائية .

اللافت لنظر أن هناك تفسيرات متعددة لفكرة السببية عند أفلاطون ففي محاورة المينون يقول أن المعرفة العلمية هي معرفة ثابتة وبالاعتماد على العلم يقع تثبيت المحسوس بواسطة التفكير في السبب وفي المحاورات الأخيرة يعلن أفلاطون صراحة عن فكرة السببية، ففي الفيلاب يرى من الضروري أن كل شيء يصير ولا بد أن يكون وراء صيرورته سبب ويفرق بين الأسباب الأصلية الأولى لتكون الشيء وتكون الأسباب الثانوية التي ترتبط بالمادة وهي أسباب عمياء لامعقولة ونجد هذا التمييز بين الأسباب الأولى والأسباب الثانوية وارتباطها بالعقل في الطيماوس.

ورغم كل شيء فإن أفلاطون لم يبدع إلا إرهاصات ومبادئ جنينية لفكرة السببية وأرسطو هو الذي أسس أول نظرية حول السببية عندما ميز بين أربعة من الأسباب الصورة –المادة –الغاية –الفاعل . اذ يأخذ مثال التمثال ويرى أن علته المادية هي البرنز والعلة الصورية هي الإله أو الإنسان الذي يحاكيه النحات والعلة الفاعلة هي ضربات المطرقة والعلة الغائية هي الغائية التي وجد من أجلها التمثال (التعبد –التذكر). ويترتب عن ذلك أن الإغريق لم يستنبطوا نظرية في السببية من الطبيعة بل من أثار الإنسان ومن نظره وتأمله لهذه الآثار على الرغم من أن اعتبار الطبيعة لم يكن غائبا عن أنظار أرسطو الذي حاول بالإضافة إلى ذلك أن يوجد قدرة صانعة تحاكي الشخص الإنساني.

لكن إذا أخذنا الأشياء في نموها أي في "الكيف" و"اللماذا" فلا بد أن نعود إلى العلة الفاعلة التي تفسر تكون التمثال في الزمان والعلة الغائية التي تفسر لماذا صنع التمثال، كما أن الصورة المادية تتناقض مع العلل الصورية والغائية والفاعلة لأن هذه الأخيرة ليست مفارقة للشيء بل هي محايثة.

تتعلق نظرية السببية بمجمل فلسفة أرسطو وبمنطقه لأن السبب يلعب نفس الدور في القياس أو علم النفس بما أن العلاقة بين السبب والنتيجة هي نفسها الموجودة بين الغاية والوسيلة في الفعل الإرادي والقائمة بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل في الميتافيزيقا. إذ أن الفاعل هو الذي يدفع بالشيء من القوة إلى الفعل ولكن الفعل ليس إلا السبب الصوري وفي المجال العملي ولكي نفسر ظاهرة الكسوف والخسوف يلتجئ أرسطو إلى العلة الغائية لأن هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بالعلة الفاعلة، فالتغير الطبيعي والإنتاج الصناعي يحدثان من الصورة.

غني عن البيان أن أرسطو هو الواضع الأول لنظرية متكاملة عن فكرة السببية وحتى الفلسفات الرواقية والأبيقورية فإنها وقعت في العديد من النقائض . إذ أكدت الرواقية على العقل و اللوغوس والأسباب ونظرت إلى الأشياء باعتبارها في نفس الوقت منطقية وطبيعية، فالسبب يعطي الشكل للمادة وسنجد أن الرواقيين يثبتون السببية الكونية التي قال بها أنكسيمندر عندما يتطرقون إلى القدر ويتبنون كذلك الأفكار الميتافيزيقية لأرسطو . ولكن لهم السبق في القول بأن كل شيء في العالم هو منغلق عن الأشياء الأخرى ولكنهم يرون أن كل شيء متعلق بالكل وبالنسبة إليهم "كل شيء يمكن أن يكون علامة على كل شيء" ويمكن على هذا النحو أن نعتبر أن إثبات الرواقية للسببية هو تدمير للمفهوم الحقيقي لها.

هذا التناقض نجده كذلك عند الأبيقوريين فهم يقولون من جهة أن لا شيء يصدر عن اللاوجود متبعين ديموقريطس ولكنهم يؤكدون على أن تواجد بعض الفترات الزمنية القصيرة والخاطفة التي تغادر فيها الذرات الخط المستقيم لتلتقي ببعضها البعض و بهذا فهم يثبتون السببية ونقيضها في نفس الوقت. وبالتالي لا نجد حقيقة كونية بل نظرية في الصدفة وحتى الشكاك مثل بيرون وسكستوس وأنسيدام فإنهم أكدوا على لاكفاية مبدأ السببية لأن السبب لا يوجد لا عندما يحدث الأثر ولا عندما يعاصره فهي ليست شيئا لأنه يسبق النتيجة / الأثر بل ينبغي أن يحدث في نفس الوقت مع الأثر لكن إذا كان السبب والأثر متعاصرين فمن يقول لنا من بين هذين الحدثين من هو السبب ومن هو النتيجة؟ وينتهي الريبيون إلى أن فكرة السببية هي مجرد فكرة أو ابتداع من ابتداعات الفكر وقد واصل الغزالي النقد الريبي بتأكيده أن فكرة السببية هي من إبداع الفكر بينما الأمر الذي يوجد في الواقع هو التتابع والتعاقب والتكرار لا غير.

اذ يقول الغزالي في هذا الإطار:" "إن الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر."

نستخلص من ذلك أن البذور الجنينية لفكرة السببية الحديثة مزروعة في الفكر الفلسفي القديم، ففلسفة اسبينوزا مثلا قد احتوت على كل النظريات القديمة : الهندسة الاقليدية والتصور الرواقي والأبيقوري للكون، لذلك أنتج اسبينوزا مفهوما للسببية هو في نفس الوقت ضرورة عقلانية حيث أن خصائص شكل هندسي ما مستنبطة من ماهية هذا الشكل وسببية محايثة للعالم أي للطبيعة، غير أن الطبيعة من حيث وجهها الإبداعي هي الإله ،وفي مستوى ثالث يؤكد اسبينوزا أن كل واقعة معينة هي مسببة من قبل واقعة معينة تسبقها وهي تشير بذلك إلى التصور الذري لسببية.

ما نلاحظه أنه بعد القديس توماس الإكويني لم يحافظ الفكر البشري إلا على نوعين من الأسباب الأربعة الأرسطية فهو قد تخلص من العلتين الغائية والمادية واعتمد على العلة الفاعلة والصورية فإذا كان العصر الأول لنظرية السببية يعود إلى أرسطو وعلله الأربعة فإن العصر الثاني الذي أبقى على علتين " الفاعلة والصورية" قد بدأ مع علم القرن 17 ولعل تصور الإله على أنه إله صانع أو علة غائية مثل التصور الأرسطي والقبول بفكرة إله خالق من عدم قد أعطى قيمة كبيرة للعلة الفاعلة فكأن العلم والفلسفة قد توحدا ليتفقا على إعطاء العلة الفاعلة المنزلة الأولى، وسنجد في العصور الحديثة أن العلة فهمت من خلال معنيين الأول تنص فيه على التعاقب الزمني للأثر بالمقارنة مع السبب أو الضرورة العقلانية بين الأثر والسبب في الأول نحن أمام التصور التجريبي أما في الثاني فنحن أمام التصور العقلاني لسببية.

إن" السبب في اللغة: اسم لما يتوصل به إلى المقصود وفي الشريعة: عبارة عما يكون طريقا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه"[3]. من هذا المنطلق تعرف السببية هي العلاقة الثابتة بين السبب والمسبب وبالتالي تحدث جميع التغيرات وفقا لقانون الارتباط بين السبب والنتيجة، وتعني أن لكل ظاهرة سببا يقف وراءها وبالتالي ما من شيء إلا وكان لوجوده سبب أي مبدأ يفسر وجوده. هناك ترادف بين السببية والعلية ولكن العلة هي ما يحصل به الشيء وينتج المعلول بلا واسطة بينما السبب هو ما يحصل عنده الشيء ولا به وبالتالي يفضي إليه بواسطة. لكن كيف كانت النقلة من الفلسفة إلى العلم تحولا من العلة إلى السبب؟ ولماذا لم يعد الباحث يكتفي بالتفتيش عن علل الظواهر وصار يهتم بالقوانين وبالعلاقات الثابتة التي تربط بينهما؟

[1] أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة. تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2002. ص. 09.

[2] أفلاطون،محاورة الطيماوس ،a 28 .

[3] الشريف الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2000، ص 120

محاورات رجال الدين

صالح خريسات
هناك خطأ شائع، أرجو أن أسجل تحفظي عليه، وهو ما يتردد على ألسنة المفكرين والأدباء، في صيغة الحوار بين الأديان. فالحقيقة أن الديانات لا تتحاور فيما بينها لأنها في أصلها واحدة، ومصدرها واحد وهو الله في السماء. ومعلوم أن رجال الدين، الذين يمثلون الديانات، وينطقون باسم أتباعها، هم الذين يتحاورن فيما بينهم. ولأنهم ليسوا ملائكة، وليسوا معصومين من الخطأ، فإن الخلافات تبدو بينهم واسعة، وتحتاج إلى مؤتمرات كثيرة لبحثها، وتحديد سبل الالتقاء والتعاون. هذه المؤتمرات تنعقد بمبادرات شخصية، من الزعماء السياسيين، وقادة الفكر والرأي، الذين يدركون بحسهم العلمي، والإنساني، أهمية تشكيل قاعدة فكرية، يتم التأسيس عليها، من أجل إزالة كل ما علق بقلوب الناس، من أسباب العداء الديني، والصراعات الدامية، التي يدفع الإنسان الطيب،ثمنها من روحه، وأرواح أولاده، وأمنهم، ومعاشهم، ورخاء بلدهم، ومستقبل الأجيال التي لا ذنب لها، ولا مسؤولية.وفي الغالب تختتم هذه المؤتمرات إعمالها، بمشاركة مئات الباحثين، والمتخصصين، في شؤون الديانات السماوية الثلاث.وقد قدر للباحث, إن يضطلع على جملة من هذه المؤتمرات، ومراجعة مقرراتها، فهي دائما تركز، وسط أجواء العدائيات المستمرة، بين أ تباع الديانات المتعددة،وأعمال العنف والتدمير، بين الشعوب المتناحرة، تركز على ضرورة توسيع دائرة الحوار، لتشمل كل المعتقدات، على اعتبار أن الحضارات، تقوم على قاعدة الحوار بين الشعوب، وتبادل المعرفة، وتعميق أواصر التعاون. بيد أن اختلاف النوايا، وغياب مظاهر التفكير السليم،غالبا ما تعكر صفو المؤتمرات، وتضيع هيبتها وقيمتها الدينية والإنسانية والفكرية أيضا.وغالبا ما تنتهي هذه المؤتمرات، باتفاق دولي، على أن الإرهاب ظاهرة كونية، تجب محاربتها بمشاركة جميع دول العالم،وكأن الغاية من هذه المؤتمرات الدولية، معالجة ظاهرة الإرهاب والعنف، والواقع أن هذا الهدف، هو نتيجة الجهود التي من المفترض أن تبذل، لتصحيح الأخطاء الفكرية والمنهجية، والتعليم الهابط في المدارس، ودور العلم، فلا يجوز أن نقفز إلى النتائج، من غير التأسيس عليها، فنحن بحاجة إلى سنوات طويلة، من العمل والتهيئة لمثل هذه النتائج المرجوة. وقد وجدت أن الإعلان الختامي لهذه المؤتمرات، غالبا ما يكون مخيباً للآمال، فهو لا يمهد الطريق للقاء آخر. فما هي طبيعة مثل هذه المؤتمرات؟ وما هي خطوطها الأساسية؟ وهل هناك نقطة للتلاقي والاتفاق، ومحو أشكال التناحر، والتباغض، والاختلاف، بين الأديان والمعتقدات؟!.
إن حوار الأديان، أو حوار الثقافات، أو حوار الحضارات، وأحياناً الحوار بين الشرق والغرب، كلها ذات دلالة واحدة، وهي تعني اجتماع زعماء العالم، وقادة الفكر السياسي، والديني، وعلماء الأديان، والمعتقدات، على اختلاف انتماءاتهم العرقية، والدينية، والإيديولوجية، للتباحث والتعاون، في إمكانية تحقيق قدر مشترك من التعاون، بين شعوب العالم، وترسيخ السلم، والأمن، على الأرض، ونبذ كل أشكال العنف، والعدائيات، وأسباب التناحر والتباغض.
وتشكل مثل هذه اللقاءات، مناسبة هامة، يتبادل فيها العلماء، الأبحاث، والآراء، ويتناقشون في جو من الحرية، والحوار المثمر، حول موضوعات تقدم الإنسانية، ونشدان الرخاء، ومنع التجاوزات على كرامة الإنسان، وحقوقه، التي أقرتها الشرائع الدينية، والقوانين الوضعية.
معنى ذلك أننا بحاجة إلى قوة معرفية، وليست قوة السلاح، لكي ننتصر في مثل هذه اللقاءات العالمية، بعد أن ثبت للعالم، بأن الحرب لا تقتل عدوا،ً وإنما تقتل الإنسان نفسه، وتدمر حياته، وتلغي دائرة حريته، وسعادته.
ولم تعد ثقافة تمجيد الموت، كتضحية، مقبولة، ولم يعد العالم، يتحمل عدائيات جديدة، أو حرب إبادة، وتطهير عرقي. هذا ما تقوله الأوساط السياسية، والثقافية، في البلدان الأوروبية، وأمريكا. وهم الآن يرفعون شعارا، "بصفتي إنسانا فإن موطني العالم كله".
وإذا قدر لنا، أن نستقبل مثل هذا الشعار، بنوايا طيبة، فإننا بلا شك، نحتاج إلى معرفة أفضل، حول المشاكل التي تعاني منها، مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وبخاصة في هذا الوقت بالذات، حيث ما زالت الحواجز النفسية، بفعل العوامل الدينية، والتاريخية، والسياسية، تمنع قبول الآخر، وترفضه، وتهدد بإلغاء وجوده.
لا بد والحالة هذه، من تبادل معرفي وثيق، بين الحضارات البشرية، بمعزل عن الإنتماء العرقي للقوى المشاركة، في صنع تلك الحضارات. مع التشدد، على ضرورة احترام الخصوصية التاريخية، لكل شعب ميزت تطوره، وقادته إلى بناء دولة، معترف بها عالمياً.
ولن تفلح كل الجهود الرامية، إلى ترسيخ مبدأ شراكة السيادة فوق الأرض إلا إذا تولدت مرحلة جديدة، تفسح المجال أمام جميع الشعوب، للتعبير عن وجودها الحر، وسيادتها الكاملة على أراضيها، وامتلاك مصيرها بيدها، مع المساهمة النشطة، في بناء السلم، والاستقرار في العالم.
وكلنا ثقة، أن تلقى دعوة تكاتف زعماء الدول، وحرصهم على أداء هذه الرسالة الإنسانية، صدى في نفوس الخيرين والمدافعين عن حقوق الإنسان، لتنتقل هذه الرسالة، إلى الشعوب المتساكنة على ظهر الأرض، فتساهم هي الأخرى، في ترسيخ السلم والإستقرار في العالم، وبناء مجتمع إنساني جديد، تنتفي فيه الحروب، ويضمن للشباب العالمي، أجواء أفضل، من العدالة الاجتماعية، والحرية.
ونؤكد الآن، على ضرورة استمرار اللقاءات الدورية، و الحوار بين رجال الدين، والحضارات المختلفة، وتوسيع دائرة الاهتمام، لتضم أكبر عدد ممكن، من المؤثرين في الأوساط التعليمية، والسياسية، والاجتماعية، والتربوية، وأن يفسح لهم مجال الإطلاع، على إنتاج بعضهم بعضا، ومناقشة أهم القضايا الاجتماعية، والسياسية، والأثرية، ودراسة تطور حركات التحرر في العالم، والمشكلات الرئيسية، التي تعترض طريق السلم والإستقرار. فمثل هذه اللقاءات، والمشاركات، ينتج عنها تبادل الأفكار والمؤلفات، وتعميق صلات التعاون الفكري والثقافي، بين الشعوب المختلفة، من أجل الوصول إلى فهم أفضل، لمشاكل المجتمعات المعاصرة.
وإذا أحسن العلماء، وأخلصوا النية، فلا شك أن يصبح هؤلاء، رسل معرفة، وتبادل خبرات، في مجال التقارب بين الشعوب، والدول، بمعزل عن الأنظمة السياسية، التي تسودها. وسيكون الشرف الرفيع، والدور العظيم في صنع الاستقرار والسلم العالمي، الذي هو أمل الشعوب وغاية تطلعاتها.
وليت أن الزعماء والعلماء، يتجاوزون فكرة رصد الظواهر السياسية، والبحث في مشكلاتها، لأنها لا تكاد تنتهي أبداً، فالتطور الاجتماعي بشموليته، السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعمرانية، والعسكرية، والإدارية، هي مفاتيح الالتقاء والتعاون، ومحور التوافق والانسجام، بعد أن قضت السياسة على أشكال السلام، والطمأنينة، والتعايش بين الشعوب.
هذه المحاولات التوحيدية، لا تلغي فوارق التحليل، على أساس منهجيات علمية متباينة، بل تشدد على تلك الفوارق، شرط أن يكون هدف التحليل، إبراز دور الإنسان، في صنع تاريخه بنفسه، وإلغاء كل ما يعوق عملية التطور الاجتماعي، من عوامل موضوعية، ناتجة عن صراع الإنسان مع الطبيعة، أو عن استغلال الإنسان للإنسان.
وفي مثل هذه الأجواء العلمية الإنسانية، تغيب الحواجز المصطنعة، بين العلوم الإنسانية، وتترسخ قاعدة "لا وطن للعلم" بحيث يبرز التاريخ الاجتماعي، كعلم شمولي، يضم كل العلوم الإنسانية، ويتجاوزها، لإبراز عملية التطور الاجتماعي، بجميع جوانبها. فتضم الأبحاث، نماذج من مختلف جوانب الحياة البشرية، ونماذج تصف الحضارات، أو علم السياسة، أو علم الشرائع، ونماذج تعالج قضايا المرأة، أو البيئة، أو تاريخ الفكر والمذاهب..الخ. وبهذه الشمولية، يكون الإنسان حقاً، هو مقياس كل شيء في الوجود.
وتدعو الحاجة الآن، إلى الاهتمام بالأجيال الجديدة، من مختلف شعوب العالم، ليتم إعادة النظر في الكتب التاريخية المقررة، في المدارس الثانوية، والجامعات، وضرورة إنقاذ الأجيال، من براثن النظريات العرقية، وإدانة التوجهات العنصرية، والعسكرية، ورفض مبدأ الحرب، كوسيلة لحل المشكلات الدولية المعاصرة، وضرورة تجنيب البشرية، ويلات حرب عالمية محتملة، وتنشئة الأجيال الجديدة، على مبادئ حرية الشعوب، في حق تقرير مصيرها، دون ضغوط، أو تدخل خارجي، في شؤونها الداخلية.

نداء إلى إخواننا الشيعة في اليمن

السيد محمد علي الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم:(ياأيها الذين آمنوا عليکم أنفسکم لا يضرُّکم من ضلَّ إذا أهتديتم إلى الله مرجعکم جميعا فينبئکم بما کنتم تعملون)صدق الله العظيم.

إلى إخواننا الشيعة في القطر اليمني العربيّ الشقيق...

السلام عليکم و رحمة الله و برکاته,

نتابع في المجلس الإسلاميّ العربيّ في لبنان و عن کثب أنباء الصدامات المؤسفة التي تحدث في بلدنا الثاني اليمن بين أبناء الوطن و العرق و الدين الواحد, وإننا في الوقت الذي نتألم کثيراً لذلك و ندعو الباري القدير دوماً أن يسبغ من فيض الطافه على أبناء الشعب اليمني و يضع حدّا لهذا الصراع غير المجدي الدائر بين أبناء الشعب فإننا نرى السيناريو الحالي الذي تتم تأدية أدواره على الساحة اليمنية، لايخدم سوى أجندة و قوى خارجية لاتتربص خيراً باليمن و شعبه، ورغم أننا أکدنا وفي مناسبات کثيرة على تغلغل أيادٍ خارجية(خبيثة)بين الشيعة العرب في مختلف الأقطار العربية وسعيها لاستغلال أوضاع الشيعة ولاسيما الجانب الطائفي من أجل الوصول إلى غايات وأهداف مبيتة لاتخدم لامن قريب ولامن بعيد مصلحة الشيعة العرب ولاحتى تساهم في تحسين أوضاعهم بل انها تساهم في المزيد من تعقيد أوضاعهم وجعلهم يبدون بصورة سلبية في نظر الآخرين.

أيها الإخوان: إن المجلس الإسلاميّ العربيّ الذي يرى في نفسه المرجعية الفکرية ـ السياسية الوحيدة للشيعة العرب، يدعو إخوانه من شيعة اليمن إلى عدم الاقتداء بقوى مشبوهة لاتريد من الأساس خيراً للشيعة و لاتهديهم إلى الطريق القويم ونحثّهم على أن يمحّصوا أي خطوة يقومون بها ويفکروا في أبعادها النهائية حيث يجب عليکم أيها الإخوة أن تفکروا وبعمق في مصلحة شعبکم قبل مصلحة شعوب أخرى تبعد عن بلدکم آلاف الکيلومترات ومطلوب منکم أن ترفعوا من درجة وعيکم إلى مستوى لاتتمکن القوى الخارجية أو المتربصة شراً باليمن بشکل خاص و العرب بشکل عام من استغلالکم لصالح أهدافها الخاصة.

أيها الاخوان الاعزاء:

لقد أوصى الله عزّوجلّ المسلمين في محکم کتابه الکريم أن(لاتلقوا إيديکم إلى التهلکة)، واننا نرى السير في هکذا طريق لا خير فيه ولا مستقبل زاهر من ورائه، سوف لايؤدي في نهاية الأمر إلا إلى نتائج سلبية و غير مرضية, واننا ندعوکم إيها الإخوة أن تکونوا حذرين و في مستوى المسؤوليتين الوطنية و القومية و ان تعملوا وبکل ماأوتيتم من أجل إنهاء هذه الفتنة وإن ثقتنا والله لکبيرة بکم والحمد لله رب العالمين.

محمّد عليّ الحسينيّ

الأمين العام للمجلس الإسلاميّ العربيّ في لبنان

لبنان /بيروت

الثلاثاء :28/7/2009

www.arabicmajlis.org

الأحد، يوليو 26، 2009

سهرتان، وانفجارٌ في فرح دحلان

د. فايز أبو شمالة
أنظر في كومة بطاقات الدعوة لحضور حفل زفاف، واستغرب؛ أين الوقت الكافي لأغطي كل هذه المناسبات، ولاسيما أن قطاع غزة من شماله إلى جنوبه يعيش حالة فرح، ويعج بالسيارات المزينة التي جعلوا منها هودجاً لزفة العروس، أما موعد العرس فيحدده صاحب الصالة التي ستقام فيها السهرة، وليس العروسين، فصالات الأفراح في غزة معدودة، ومحجوزة لأسابيع قادمة. لذا عندما تصل بطاقة الدعوة تكون الفرحة قد اكتملت، ولم يبق إلا تنفيذ البرنامج الذي يشتمل على سهرتين:
أما السهرة الثانية فهي تخص النساء، أو سهرة ليلة العمر كما يسمونها في مصر، فهي تصنع الذاكرة المشتركة للعروسين، وتؤسس للتواصل الإنساني، وفي هذه السهرة يجلس أهل العروسين من الذكور خارج الصالة، ويتركون النسوة لوحدهن، ليظهرن في الصالة بما راق لهن، ويلبسن ما يحلو لهن، ويتنافسن، ويظهرن قدراتهن على الرقص فيما بينهن، والذكر الوحيد الغارق في أحلامه هو العريس، العريس فقط! مع التحذير من التصوير بالجوال داخل الصالة، والناس في غزة تتفهم ذلك في ظل الحصار الصهيوني الذي رفع أسعار كل شيء بما في ذلك سعر الشرف، فقد ربض على أرض غزة، ورفض أن يغير طبعه، فإذا بنساء غزة حجاب، وجلباب، ورحم فلسطينية تُصرُّ على الإنجاب.
أما السهرة الأولى فهي سهرة العريس، وتتم في الشارع العام دون وجود للمرأة، وفيها يستعرض الشباب قدراتهم على القفز، والرقص، والحركة الرياضية، وتنشيط الحنجرة، والمجاملة، والتمني بالعدوى، إنها ليلة لكل الحارة عندما يختلط عرق الرجال بالهواء الطلق، وكأنها إرادة البقاء مع أنغام: على دلعونا، ويا ظريف الطول، وأحياناً أغنية: فتحاوي ما يهاب الموت، أو أغنية: هلا يا صقر القسام، وليس صحيحاً ما يقال: بأن الرجل إذا رقصَ نقصَ، الرجل إذا رقصَ على طريقة غزة المحاصرة اقتنصَ مهارة، وخفة، ورشاقة، وحيوية.
وسط هذا الفرح الفلسطيني دوى الانفجار، لقد كان واضحاً أنه يستهدف حركة حماس قبل عائلة دحلان، إنه انفجار الفتنة، وإظهار عجز حماس عن حفظ الأمن، ولاسيما أن الفرح المستهدف يخص عائلة أحد قيادي حركة فتح البارزين، ومن يقدم على مثل هذا العمل هو جاهل بأصول علاقاتنا العائلية، ونسيجنا الاجتماعي، وهو غرٌ في السياسة، يحركه من له أهداف تخريبية ضد المجتمع، وهذا هو مكمن الخطر، ولاسيما إذا حاول التستر على جريمته بعباءة الدين الإسلامي، ليحلل ما طاب لمذاقه، ويحرم ما لا يتناسب ومقاسه!. فأين هو الحرام في أفراحنا المكشوفة، ومناسباتنا التي يتلصص عليها الطيران الإسرائيلي؟
في سجن نفحة الصحراوي، وبحضور السجين جبر وشاح، أقسم السجين محمد أبو شاويش: أنه إذا عاش، وخرج من السجن فلن يجالس الرجال، فقد ملّ رؤيتهم على مدار الساعة بعد عشر سنوات في السجن، وقال: سأجلس مع الحاجة صفية، وخديجة، وعائشة على باب الدار في معسكر النصيرات، وسأهجر الرجال.
بعد سنوات تحرر من السجن، وزرته في مكان عمله في غزة، فإذا به يجلس وسط عشرة موظفين رجال، ولا يوجد بينهم أي امرأة! . كان ذلك تعبير صادق عن حال غزة التي تحافظ على الأصول، وترفض الاختلاط، وهي تحتمي بدينها، وتصر أن تظل بئر زمزمٍ، وزئير جيلٍ عرمرمٍ، تمسك بيدها بندقية المقاومة، وهي تستعد للمواجهة القادمة.
fshamala@yahoo.com

المصالحة العراقية المستحيلة

نقولا ناصر

(الاعتراف الأميركي باستحالة استقرار الوضع في العراق دون شراكة سياسية مستحيلة بدورها للمقاومة في مشروع الاحتلال هو مشروع أميركي للمصالحة العراقية محكوم عليه بالفشل مسبقا)

تحتل "المصالحة العراقية" الآن البند الأول في جدول الأعمال السياسي لكل أطراف الصراع التاريخي الدائر على أرض الرافدين في الوقت الحاضر، فبينما تسعى القوة الأميركية القائمة بالاحتلال لهذه المصالحة كشرط مسبق لضمان استمرارية النظام السياسي الذي كانت منذ غزو العراق عام 2003 تجهد لإقامته في بغداد حتى يتسنى لها تحرير قواتها لاستخدامها في مسرح العمليات الأفغاني، تسعى القوة الإيرانية -- المستفيدة الأولى حتى الآن من الاحتلال الأميركي -- لمصالحة تضمن أن يستمر هذا النظام نفسه ضامنها لكي تظل هي المستفيد الأول بعد رحيل قوات الاحتلال الأميركي، في الوقت نفسه الذي تجهد المقاومة العراقية من أجل إنجاز مصالحة تكون المدخل إلى وحدة وطنية لا تسرع في تحرير العراق من الاحتلال وكل المستفيدين منه وما تمخض عنه فحسب بل تكون أيضا ضامنا لسلاسة المرحلة الانتقالية التي ستعقب الرحيل المرتقب لقوات الاحتلال ثم بعد ذلك ضامنا لاستقرار النظام الوطني الذي سيحمل أعباء إعادة بناء الدولة العراقية وإعادة إعمار الدمار الشامل الذي خلفه الغزو فالاحتلال والطفيليات السياسية التي جاء بها معه لتمتص نسغ الحياة من الجسد العراقي النازف.

وخلال الأسبوع الماضي كانت "المصالحة" هي العنوان الرئيسي للحراك السياسي لأطراف الصراع الثلاثة، فهي كانت اليافطة التي رفعها الرئيس الأميركي باراك أوباما كهدف لاستقباله نوري المالكي رئيس وزراء النظام المنبثق عن الاحتلال في بغداد، وكانت هي اليافطة للمهمة التي أرسل نائبه جو بايدن لأدائها في العاصمة العراقية أوائل الشهر الجاري، وكان انتداب أوباما لبايدن لإنجاز هذه المهمة تجاوزا لوزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ووزير دفاعه روبرت غيتس وسفيره في بغداد كريستوفر هيل، ورفعا لمستواها، عل بايدن ينجح في ما فشلوا فيه جميعا وفشل قبلهم ريان كروكر، سفير سلفه جورج بوش إلى القطر العربي المحتل، بعد ست سنوات من الجهود الحثيثة التي بذلها لتحقيق مصالحة بين الطفيليات السياسية المتكالبة على ما استطاعت نهشه من فتات الاحتلال، تكالبا جامحا لم يكبحه أي رادع حد زج الوطن العراقي المثخن بجراح الاحتلال في فتنة طائفية لم يجد الاحتلال رادعا لها سوى الزج بالمزيد من قواته المحتلة التي فشلت بدورها بدليل ما يخصصه أوباما حاليا من جهد ورجال لإنجاز المهمة.

وبينما كان الرئيس السوري بشار الأسد يحث زعيم التيار الصدري الزائر في دمشق، مقتدى الصدر، على "أهمية العمل من أجل المصالحة الوطنية" ويؤكد "حرص سوريا على دعم أي جهد يستهدف تحقيق هذا الهدف"، حسب بيان من مكتب الرئيس بثته وكالة الأنباء الرسمية "سانا"، كان رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) علي لاريجاني يحث أحمد الشلبي، رئيس "المؤتمر الوطني العراقي" الزائر في طهران، على "الوحدة بين العراقيين جميعا، وبخاصة بين الشيعة" لأن "الوضع الحساس والخاص للعراق في المرحلة الانتقالية" يجعل هذه الوحدة "أساسية أكثر من أي وقت مضى"، حسب تقرير نشرته "طهران تايمز" يوم الخميس الماضي، وهو تقرير لم يفته الإشارة إلى "حسد" بعض الدول العربية من الدور الإيراني في العراق!

وإذا كان حرص طهران على المصالحة بين "الشيعة" مفهوما في دوافعه وأهدافه، فإن حكمة الدبلوماسية السورية وواقعيتها التي تضطرها لاستقبال الصدر وحثه على المصالحة لا يمكن أن تنخدع بقوله إن حكومة المالكي "ما زالت تحت تأثير المصلحة الحزبية" لتغض الطرف عن كون "تياره" السياسي ما زال محكوما بالسقف الطائفي الحزبي إياه بدليل إعلانه كذلك أنه لا يسعى إلى "إسقاط" حكومة المالكي أو "إضعافها" وبدليل عجزه حتى الآن عن إيجاد أي قاسم مشترك مع المقاومة بالرغم من كل رطانة تياره ضد الاحتلال، ولا يمكن أن تفوتها حقائق مثل دور "جيش المهدي" الذي يقوده في الفتنة الطائفية، ومثل الصراع الدموي بين "التيار الصدري" وبين غيره من القوى الطائفية في إطار "العملية السياسية" وخارجها للفوز بحصة من السلطة التي أنشأها الاحتلال الأميركي، وللفوز بالحظوة لدى طهران باعتبارها القوة "العراقية" الأكثر تأهيلا من غيرها من أطراف الأخطبوط الإيراني في العراق لضمان استمرارية المكانة التي أصبحت لإيران في العراق في ظل الاحتلال الأميركي، ومثل التقلب السياسي الذي يدفع التيار الصدري مثلا للانضمام إلى "الائتلاف الشيعي" ثم الخروج عليه أو للتحالف مثلا مع حزب الدعوة لإيصال المالكي إلى سدة رئاسة الوزراء ثم انقلاب الطرفين على بعضهما، لكن الحقيقة الهامة التي لا تفوت الدبلوماسية السورية بالتأكيد هي التناقض المزمن للتيار الصدري بين المعارضة اللفظية ذات الملامح الإيرانية للاحتلال وبين المقاومة الفعلية للاحتلال على الأرض.

غير أن الحقيقة الأكثر أهمية التي تدركها الدبلوماسية السورية لكنها تختار الاستنكاف عن الجهر بها لأسباب حصيفة معروفة تكمن في أن حرص طهران على المصالحة "بين الشيعة" العراقيين، أو على الأصح بين الأحزاب والمليشيات التي تدعي تمثيلها لهم، هو طريق طائفي مجرب أثبت بالتجربة المرة أنه أولا مستحيل بين الأحزاب التي تدعي منذ الاحتلال تمثيل هذا المذهب العريق في التراث الديني والسياسي العربي، بدليل انفراط الائتلاف الطائفي الذي يحث لاريجاني الآن على إحيائه، وهو ثانيا ليس طريق العراقيين إلى أي وحدة وطنية، بدليل أنهار الدماء العراقية البريئة التي سفكت بسبب السير فيه، وهو ثالثا ليس طريقا لأي مساهمة عربية في إحلال الأمن والاستقرار في العراق بعد أن أحبط جهود جامعة الدول العربية لتحقيق المصالحة بين العراقيين، وهو رابعا الطريق المسؤول عن الفتنة والفرقة والاقتتال الوطني الذي استخدم لتشتيت أي جهد وطني شامل لمقاومة الاحتلال منذ الغزو، والدعاة إلى هذا الطريق والذين سلكوه هم خامسا الوحيدون المستفيدون منه، وهو سادسا طريق مثل الوبأ انحصرت عدواه داخل الحدود العراقية حتى الآن لكنه يهدد بالانتشار إقليميا انتشارا يهدد النسيج الوطني وبالتالي وحدة الأراضي الإقليمية لأقطار التجزئة العربية المجاورة، وهو سابعا الطريق الوحيد للمصالحة الذي تسعى إليه القوتان الأميركية والإيرانية بهدف إطالة أمد الاحتلال لأن أي وكيل للاحتلال بعد رحيله لا يمكن إلا أن يكون طائفيا.

ومن المؤكد أن الدبلوماسية السورية تدرك أكثر من غيرها كل هذه الحقائق وغيرها الكثير، غير أن الوقت ربما يكون قد حان في المرحلة الانتقالية الفاصلة التي يمر العراق بها لافتراق سوري حاسم عن الرؤية الإيرانية والأميركية للمصالحة العراقية، افتراق يستلهم المبادئ القومية لسوريا وقيادتها ويستهدف مصالحة توحد العراقيين وطنيا في مقاومة الاحتلال حتى التحرير، لا السعي وراء سراب توحيدهم طائفيا على أمل توفير استقرار للعملية السياسية الأميركية والنظام المنبثق عنها بهدف إطالة أمد الاحتلال.

ثلاث استنتاجات أميركية

إن الرؤية الأميركية للمصالحة قد توصلت إلى ثلاث استنتاجات رئيسية: أولها أن النظام الذي رعاه الاحتلال حتى الآن في المنطقة الخضراء ببغداد هو نظام طائفي يعجز بحكم طائفية مكوناته السياسية نفسها عن تحقيق أي مصالحة يمكن أن توصف ب"الوطنية".

وثانيها أن مصالح إيران تتناقض مع أي مصالحة وطنية في العراق إلا إذا قبضت الثمن إما شراكة لها مع المصالح الأميركية في العراق وحوله أو وراثة منفردة للاحتلال الأميركي فيه.

وثالثها وأهمها أن المقاومة العراقية حقيقة مادية قائمة على الأرض ترسخت وتنمو يوميا وعجز الاحتلال واذرعه "العراقية" عن دحرها بالرغم من كل محاولات دحرها طوال السنوات الست الماضية وبالتالي لا يمكن دونها أن تتحقق أي مصالحة وطنية عراقية أو يحل أي أمن واستقرار.

ولأن الاحتلال الأميركي يبدو عاجزا عن قطع أذرع الأخطبوط الإيراني في العراق ويبدو عاجزا بقدر أكبر عن قطع دابر المقاومة العراقية فإنه يسعى الآن إلى مصالحة توفق بين إيران وامتداداتها العراقية وبين المقاومة، غير أن هذا مشروع أميركي محكوم عليه بالفشل المسبق، لأن بحرا من الدماء التي سالت في الحرب العراقية الإيرانية وتاريخا من الأطماع الفارسية في العراق وقضايا الحدود التي تفاقمت بالغزو يفصل بين طرفي هذا المشروع، فالمراقب يدرك بأن إيران استثمرت الاحتلال الأميركي لمواصلة حربها على العراق التي توقفت بين البلدبن باتفاق لوقف إطلاق النار عام 1988 لا باتفاق سلام تعذر حينها ومن غير الممكن أن يتحقق الآن بمصالحة بين المقاومة -- وهي الوريث الشرعي للنظام الوطني العراقي الذي خاض تلك الحرب – وبين الجيوش الإيرانية العلنية والسرية التي تصول وتجول تحت المظلة الأميركية في العراق اليوم، ناهيك عن أنهار الدماء التي سالت طوال السنوات الست المنصرمة والتي خطط الاحتلال لسفكها لكنه بذكاء المستعمر التقليدي ترك تنفيذ الجريمة لأطراف "العملية السياسية" وهي دماء لا يمكن للمقاومة غسلها إلا ربما بمحاكمة المسؤولين عنها، لا بالتصالح معهم.

ولهذا السبب شهد المراقبون منذ زيارة بايدن لبغداد أوائل الشهر الجاري مسرحية ما صوره الإعلام الأميركي كخلاف بين الإدارة الأميركية وبين حكومة المالكي وهو لا يعدو كونه اختلافا بينهما حول تكتيكات "فرق تسد" التي يراهما كل طرف منهما مناسبة أكثر لشق صفوف المقاومة عن طريق إغراء هوامشها بالانضمام إلى "عمليتهم السياسية"، حيث قدم أطراف هذه العملية عرضا نموذجيا لمؤهلات العميل المزدوج وهو يحاول ضرب راعييه الأميركي والإيراني أحدهما بالآخر.

فعندما "اقترح" بايدن ضم "بعثيين" إلى العملية السياسية سارع المالكي إلى اعتبار اقتراحه تدخلا في الشؤون الداخلية العراقية التي يحتار المراقب في معرفة أي شأن منها لا يتدخل فيه المحتلون الأميركيون. وعندما تأكد في الأسبوع الماضي توقيع بروتوكول بين الحكومة الأميركية وبين "المجلس السياسي للمقاومة العراقية" طلب وزير خارجية المالكي من الولايات المتحدة وتركيا "توضيحات" بينما اعتبرت حكومته أي اتصالات أميركية كهذه خرقا للاتفاقية الأمنية بين الجانبين. وكان الصوت الإيراني مميزا ومرتفعا في التهديدات التي أطلقها علنا أطراف "عراقية" في العملية السياسية بالتحول إلى "مقاومة" أميركا في العراق إن حاولت أن تفرض من قالت إنهم مارسوا العنف والإرهاب على هذه العملية.

وعلى كل حال فقد تبرأ الجسم الأساسي للمقاومة من أي اتصالات كتلك، فالقيادة العليا للجهاد والتغيير (عزة الدوري) تلخص موقفها في البيان الذي أصدرته قيادة قطر العراق لحزب البعث في السابع عشر من الشهر واعتبر "زيارة بايدن محاولة واضحة لترتيب الأوضاع الداخلية في العراق وتعزيز التفاهم الأميركي – الإيراني وتنظيمه قبل عملية الانسحاب الأميركي من العراق" ودحض التقارير التي تحدثت عن "ضغط بايدن" على المالكي لإنجاز مصالحة مع البعثيين باعتبارها "أخبارا كاذبة" هدفها "تشويه" سمعة الحزب وأعلن " أن البعث لا يلتفت إلى ما يسمونها (المصالحة) ورفضها مرارا وتكرارا وأكد أنه اختار منذ البداية طريق المقاومة المسلحة لطرد الاحتلال ومن جاء بهم لحكم العراق".

بينما تلخص موقف القيادة العليا للجهاد والتغيير (حارث الضاري) بالبيان الذي أصدرته في اليوم نفسه اللجنة الموحدة لفصائل التخويل والذي أكد بأن "طبيعة مرحلة الصراع بيننا وبين العدو المحتل لا تستدعي التفاوض معه بل تتطلب زيادة زخم الضربات لإجباره على الإذعان لشروطنا والانسحاب من أرضنا" بينما اعتبر البيان "العملية السياسية برمتها من حكومة ودستور ومفوضية وما إلى ذلك هي من إفرازات الاحتلال لا نعترف بها ولا نقر بمشروعيتها ونطالب بزوالها مع زوال الاحتلال"، بينما أكدت القيادتان أنهما لم تفاتحا بالأمر، وكانتا قد أوضحتا أنهما ليس ضد التفاوض بشروط المقاومة من حيث المبدأ.

وينسحب موقف القيادتين هذا على مؤتمر للمصالحة ذكرت تقارير إن بايدن ينسق لعقده في واشنطن قبل نهاية العام، وقبل انتخابات "العملية السياسية"، برئاسة أوباما نفسه، تحضره عدة دول عربية، تتوقع الإدارة الأميركية منها استخدام ما لها من نفوذ أو ما تستطيعه من مساع حميدة لإقناع المقاومة العراقية، وبخاصة تلك التي يقودها البعثيون، بإلقاء سلاحها والانضمام إلى العملية السياسية مقابل التصريح للبعث بالعمل كحزب سياسي مشروع ودور في صنع القرار العراقي، وفي هذا السياق ذكر تقرير لأسبوعية "الأهرام ويكلي" هذا الشهر أن بايدن حث المالكي على السماح للبعثيين بإعادة التجمع في حزب جديد يشارك في الانتخابات التي أقر "البرلمان العراقي في الأسبوع الماضي إجراءها أوائل العام المقبل.

حقائق عراقية تنتظر اعترافا عربيا

لكن هذا الاعتراف الأميركي باستحالة استقرار الوضع في العراق دون شراكة سياسية مستحيلة بدورها للمقاومة في مشروع الاحتلال إن كان يحكم مسبقا على المشروع الأميركي للمصالحة بالفشل فإنه من جانب آخر يؤكد مجموعة من الحقائق: أولها أن المصالحة بين القوى الطائفية والعرقية بالمحاصصة بينها قد اثبت فشله، ليستمر حتى الآن ما وصفه مؤخرا إياد علاوي -- الذي دخل التاريخ باعتباره أول رئيس وزراء عراقي تحت الاحتلال -- ب"فراغ السلطة" في بغداد.

وثانيها أن الدولة العراقية التي هدمها الاحتلال قد عجز حتى الآن عن بناء بديل لها ولن تستطيع الحكومات المتصارعة في ظل الاحتلال بناءها، ويستطيع المراقب تعداد أربع منها مثل حكومة الظل الأميركية للاحتلال وحكومة الواجهة العراقية له في المنطقة الخضراء وحكومة دولة القاعدة "الإسلامية" التي تخوض مع كلتا الحكومتين حربا طائفية وحكومة الكرد العرقية المحصورة في الشمال العراقي ناهيك عن حكومات المليشيات الطائفية في الأقاليم.

وهذا يقود إلى الحقيقة الثالثة وهي أن إعادة بناء الدولة العراقية هي مهمة وطنية لم يعد يوجد من هو مؤهل لها غير المقاومة، وهذه بدورها تقود إلى الحقيقة الرابعة وهي أن المقاومة قد فرضت وجودها ممثلا حقيقيا للشعب العراقي بحيث لم يعد من الممكن تجاهلها، فالاعتراف الأميركي بها سواء المباشر (توقيع بروتوكول مع "المجلس السياسي للمقاومة) أم غير المباشر (المناورات الأميركية لشقها بشرائها سياسيا بعد فشل تجربة "الصحوات" لعزلها عن قاعدتها الشعبية بشراء قادة للصحوات ماليا).

وخامس هذه الحقائق أن المقاومة قد نجحت في ما فشل فيه الاحتلال، فهي توحد صفوف فصائلها بصورة متسارعة في مصالحة وطنية حقيقية لم تعد تتردد في المصارحة في النقد الذاتي لأخطاء الماضي، وكان انضمام اللجنة القيادية للحزب الشيوعي إلى الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية للقيادة العليا للجهاد والتغيير أحدث المؤشرات إلى ذلك، بينما يستمر معسكر الاحتلال وعمليته السياسية في التصدع والتشظي.

أما الحقيقة السادسة فهي نجاح حزب البعث في الخروج كالعنقاء من مجزرة "اجتثاثه" باعتباره المؤسسة الوطنية العراقية الباقية الوحيدة المؤهلة لبناء الوحدة الوطنية والدولة الوطنية القادرتين على إنقاذ وحدة الأراضي الإقليمية للوطن العراقي وإنقاذ العلاقة التاريخية الجيوسياسية للعراق مع أمته العربية والإسلامية، وليس أدل على هذه الحقيقة من الحالة الهستيرية التي أصابت حكومة المالكي نتيجة اعتراف الاحتلال الأميركي بهذه الحقيقة، وهي هستيريا أصابت حكومة البديل الطائفي بالرعب حد أن تحظر زيارة ضريح الرئيس الشهيد صدام حسين في إشارة غنية عن البيان إلى أن إرثه الذي اعتقدت أنها قد دفنته إلى غير رجعة بإعدامه قد انبعث ليقض مضاجعها ومضاجع الاحتلال الذي جاء بها.

بقي أن تعترف الدول العربية بهذه الحقائق لترسيخها بعد أن اعترف الاحتلال الأميركي بها جاهدا للالتفاف عليها بهدف إجهاضها، عل النظام العربي يكفر عن دوره في إيصال الوضع العراقي إلى ما آل إليه، وعسى أن يكون تفاؤل قيادة قطر العراق لحزب البعث في الحادي عشر من الشهر الماضي في محله عندما قالت إن المقاومة العراقية "نجحت في إحداث شرخ في الطوق العربي المفروض حولها ، ورغم انه لم يصل لمستوى الدعم إلا انه رسالة واضحة للجميع بان المقاومة تفرض وجودها عربيا وعالميا مما يفتح المجال أمام تطورات عربية لصالح المقاومة".

*كاتب عرب من فلسطين

ارحمونا ....خطب....أعراس ......أعياد ميلاد وزواج ....خريجو مدارس وجامعات....ووووووو

راسم عبيدات
المشجب أو الشماعة التي نعلق عليها كل أخطائنا ومصائبنا جاهزة،الإحتلال هو السبب،أوسلو هو السبب،العولمة وما أحدثته من ثورة معلوماتية وتكنولوجية وعدم قدرتنا أو جهوزيتنا لها او القدرة على محاصرة تداعياتها السلبية على قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا هي السبب.
والسبب بالأساس يكمن فينا،في الذات العربية القائمة على ثقافة وعادات المباهاة والفشخرة والنرجسية وحب الذات الإيمان والقناعة بالشيء اذا ما توافق مع رغباتنا وخدم مصالحنا،واذا ما تعارض ذلك معها فنحن من أشد المعادين لها،ومستعدون لهدم المعبد على غرار نيرون على رؤوسنا ورؤوس غيرنا.
فالديمقراطية حق ومبداً نؤمن به وندافع عنه شريطة أن لا يمس مراكزنا ولا مواقعنا،واذا مسها فلتذهب هذه الديمقراطية الى الجحيم،وكم من الأحزاب العربية والفلسطينية انشقت وانقسمت وانشطرت تحت يافطة غياب الديمقراطية في أحزابها،لكي نكتشف لاحقاً أن الشعارات التي رفعت لتبرير الانقسام والانشقاق لم تكن الا يافطات تخفي خلفها مصالح وأهداف شخصية.
وفي الجانب القيمي والأخلاقي فالمجتمعات العربية عموماً،ورغم ما تظهر أو تبدو عليه من مظاهر خادعة قوة وترابط وتماسك الأسرة والعادات والتقاليد الاجتماعية وقيم التعاضد والتسامح والتكافل وغيرها،فهي في العمق تكشف عن ازمات اجتماعية عميقة وتحكمها قضايا النفاق الاجتماعي وازدواجية المعايير وسلوك "الفشخرة والتباهي" وحب الظهور" وحتى كما يقول المأثور الشعبي"الكبره على خازوق"،وهذا لا يعني بالمطلق عدم الرغبة أو المحبة للناس أن يفرحوا ويحتفلوا،ولكن ما نشهده اليوم،حالة تصل حد"الهستيريا" والإبتذال والتسفيه والخروج عن المألوف،وبما يخلق حالة من البلبلة والململة الواسعتين من هذه المناسبات وما يرافقها من مظاهر"فشخرة واستعراض" وتكاليف ومصاريف لو استثمرت أو صرفت في مكانها الصحيح لربما أحدثت تغيرات وتطورات في واقعنا وقيمنا وسلوكنا الاجتماعي،والذي هو نتاج ثقافة وتربية ووعي اجتماعي مشوه.
ففي ظل المتغيرات والتطورات التي تعيشها مجتمعاتنا العربية،والتي تخترقها قيم وثقافة العولمة من القمة حتى القاع،وجدنا أن أزماتنا المجتمعية والاجتماعية تتفاقم في ظل غياب التحصين الثقافي والاجتماعي ضد هذه الغزوة وغياب المؤسسات والأحزاب والقوى التي تلعب دور الراعي والموجه والحامي والمدافع ل وعن هذه القيم.
فعلى سبيل المثال لا الحصرمنذ أصبحنا نقيم مناسباتنا الاجتماعية وبالذات منها الخطب والأعراس في القاعات بدل البيوت والساحات واستبدلنا الدبكة الشعبية والسامر بالفرق الموسيقية الغربية على مختلف أشكالها ومسمياتها، وأصبحت "كروت" بطاقات أعراسنا أشبه بالبيان والتعاميم الداخلية مع مقدمة غزلية شبيهة بغزليات عمر بن أبي ربيعة،والبيان يحدثك عن يوم السهرة للرجال في بيت العريس، ويوم والجلوة والحناء والشمع في بيت العروس،وموعد الغداء في قاعة على الأغلب خلف "المحاسيم" الحواجز العسكرية والجدران لساكني القدس،وموعد العرس والقاعة التي يقام فيها،وأماكن التجمع ونقاطها،وطبعاً هنا تصبح حفلة العرس حفلات والمصاريف مضاعفة،وحتى تتحدث أهل البلد والأوساط الاجتماعية والأهل والأقارب عن فشخرتنا وكرمنا الحاتمي نعزم ونوجه الدعوات لأكبرعدد من المدعون،ونحرص على دعوة ما يسمى بعالية القوم والمجتمع المخملي ونذبح عشرات رؤوس الأغنام والخراف،خفية عن منظمات الرفق بالحيوان وممثلة الإغراء الإيطالية "بريجيت باردو" وبما يصل الى طن أو طنين من اللحم،عدا المئات من كيلوات الفواكه المعتبرة والحلويات من النخب الأول،ولا ننسى القهوة السادا،وفي زفة العريس نغلق الطرق ونطلق الزوامير وان كنا خارج سلطة الاحتلال المباشرة نطلق الرصاص بغزارة تعبير عن فرحتنا"وان ضرب الموزر يلبقنا"،أما اذا كنا تحت سلطة الاحتلال المباشرة،فعلينا أن نطلق آخر صرعات"الفتاش والمفرقعات"،ونستمر في السهرة ولكي يكون فرحنا وحفلنا مشهود حتى ساعات الفجر الأولى،ونضرب بيد من حديد على كل من يحاول أن يمنعنا من مواصلة السهر من الأهل والجيران حتى الصباح بحجة عدم ازعاج الآخرين من كبار السن والأطفال ومن لديهم أشغال وأعمال في الصباح وبحاجة للنوم والراحة،أما اذا كان الفرح والسهر قريب من سكن اسرائيليين،فنلتزم مثل"الأرانب" بكل التعليمات والأوامر وحينها لا موزر ولا غيره.
والمأساة هنا يا أخوان أن العريس وأهله ليس فقط يثقلون بالمصاريف،بل الكثير من المدعوين يضطرون للإستدانة لتلبية احتياجات العرس أو تحت طائل طلبات نسائهم،واللواتي يجب أن يكن على آخر موضة،وحتى لا يقولوا أن زوجة فلان أو علان أو بنته لم تكن "مودرن"،ناهيك عن ما تراكمه الأعراس من ديون ومصاريف ليس لها مبرر،بل وتخلق الكثير من المشاكل والخلافات الاجتماعية داخل الأسر والعائلات،وأضحى "النقوط" ليس نوع من المساعدة والدعم للعريس،بل شكل من أشكال الدين على طريقة الفائدة المركبة،أنا بنقطك 200 شيكل وفي عرس ابني أو عرسي بترجعها 400 شيكل وهكذا دواليك،والمصيبة الكبرى ليس في المبلغ المضاعف،بل من أخذ نقوط في عرس،ودعي الى عرس من نقّطه ولم يحضر هنا الطامة الكبرى،فعدا عن نعته بأقبح وأوسخ ما في قاموس اللغة من ألقاب وصفات،هناك من لا يخجل من طلبه بأن يسدد اليه قيمة النقوط وبالفائدة.
أي تعاضد وتكافل اجتماعي هذا؟،وأية علاقة محبة وتعاون تلك.؟
ومسألة الانهيار القيمي والمجتمعي ليست وقفاً على الأعراس وما تحمله من تكاليف ومصاريف وحفلات بذخ كافية لاطعام قطاع غزة بأكمله،بل امتدت الى قطاعات أخرى،ولم تعد المسألة مقتصرة على تقديم التهاني والمباركات على "حبة حلو" أو علبة شوكولاته،بل أصبح من ي/تنجح في امتحان الشهادة الثانوية العامة،يقيم حفلة ساهرة في القاعة وفرقة موسيقية ويدعو الأصدقاء،ناهيك عن اعلانات التهنئة في الصحف والتلفزيونات،والتي تشهد حالة من الردة المقيتة حيث أصبحت مجالس العائلات على غرار مجالس الصحوات في العراق
تنشر اعلانات التهنئة لأبنائها الناجحين/ات،هذا الدور الذي كانت تقوم به الأطر الطلابية والقوى الحزبية،عندما كانت الحركة الوطنية في عزها وعنفوانها،هذه حالة تبشر بمدى الخراب في المجتمع والذي يتفكك وينسحب نحو العشائرية والجهوية والقبلية.
ومسألة الحفلات والبذخ ليست مقتصرة على مناسبة دون أخرى،ولا تقتصر على شهر دون آخر،بل أضحت على مدار العام،وعلى البنوك أن تضيف الى قائمة خدماتها بند قرض لتغطية نفقات المناسبات الاجتماعية من خطب وأعراس وأعياد ميلاد وزواج وحفلات تخرج مدرسية وجامعية ومناسبات الحج والعمرة وعزائم وولائم رمضانية.....الخ.
ورغم كل الذي يحدث لا أحد يبادر ويعلق الجرس لا سلطة ولا أحزاب ولا مؤسسات دينية ولا مؤسسات أهلية ومجتمعية،وفي الوقت الذي تغيب فيه المرجعيات والعناوين،فنحن لسنا بحاحة لميثاق شرف وطني،بل ميثاق شرف اجتماعي،هذا ان بقي هناك من يحترم هذه المواثيق أو يلتزم فيها ،فالأزمة عميقة وشاملة وبحاجة الى جهد نوعي والى وسائل وأدوات وآليات تختلف عن كل الأدوات والوسائل القديمة،ونحن في هذا الجانب بحاجة الى "كي الوعي" حتى نثوب ونعود الى رشدنا،لأن حجم الخراب والدمار في هذه الجوانب أعمق وأشمل مما نتصور.

رؤية جزئية للمواقف البرازيلية بعد العدوان الاسرائيلي على غزة

جادالله صفا

منذ العدوان الصهيوني على قطاع غزة، اتخذت العديد من القوى البرازيلية اليسارية عدة مواقف، اجمعت كلها على ادانة العدوان الصهيوني على القطاع، واعتبرت هذا العدوان وما قام به هذا الكيان جرائم حرب، مسؤول العلاقات الدولية بالحزب الشيوعي بالبرازيل Jose Reinaldo قال: الشيوعين يتمنون السلام، ولهذا، فاننا نحمل اسرائيل والامبريالية الامريكية باعتبارهم مسؤولين عن جرائم الحرب، ونؤكد على النضال من اجل نظام عالمي جديد، لا يمكن فصله عن النضال القائم على اساس مناهضة الامبريالية، فالمقاومة الوطنية العربية الفلسطينية تشكل جزء من هذا النضال، وامام هذه الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة، فلا خيار امامنا الا وقوفنا ودعمنا للمقاومة"

اما حزب العمال البرازيلي الحاكم فقد اصدر بيانا قال فيه: " هجمات الجيش الاسرائيلي على الاراضي الفلسطينية، والتي خلفت الاف الضحايا ومئات القتلى، اضافة الى الخسائر المادية، ولا يمكن وصفها الا بارهاب دولة، لن نوافق على " المبررات" المقدمة من قبل الحكومة الاسرائيلية، بانها كانت تتصرف دفاعا عن النفس وردا على الهجمات، التي لا يمكن ان يكون الرد من خلال استهداف المدنيين، الانتقام من المدنين هي ممارسة عادية للجيش النازي" كما دعا البيان عناصر الحزب للخروج الى الشوارع للتظاهر ضد العدوان ومن اجل السلام، وكان هذا البيان موقع من رئيس حزب العمال Ricardo Berzoini وسكرتير العلاقات الدولية للحزب Valter Pomar.

لقد كان بيان حزب العمال سببا لاستنفار الحركة الصهيونية على مستوى القارة والبرازيل على وجه الخصوص، واستدعت وزارة خارجية الكيان الصهيوني السفير البرازيلي بتل ابيب لتقدم له احتجاجا شديد اللهجة على بيان الحزب، باعتباره الحزب الحاكم الذي ينتمي اليه رئيس الجمهورية البرازيلية لويس اناسيو لولا دا سيلفا، فاصدر بعض وزراء واعضاء مجلس شيوخ ونواب وقيادات عمالية بيانا اخر يرفض مضمون البيان الصادر السابق وانه لا يعبر عن سياسة حزب العمال التاريخية اتجاه الصراع، من بين الموقعين على البيان، عدد من وزراء حزب العمال البرازيلي، منهم وزير العدل، وعدد من اعضاء مجلس الشيوخ وعلى راس القائمة رئيس كتلة حزب العمال بالمجلس، اضافة الى نواب وقيادات عمالية وصل عددها الى ستة وثلاثين قياديا.

كان من المقرر ان يقوم سكرتير العلاقات الدولية ضمن وفد برازيلي يشمل ايضا مسؤول العلاقات الدولية بالحزب الشيوعي في البرازيل، بزيارة الى فلسطيني المحتلة تشمل الضفة والقطاع، والالتقاء مع مسؤولين فلسطينين من كافة الفصائل الفلسطينية ومنها حركة حماس، حيث احتجت السلطة الفلسطينية ورفضت ان تشمل هذه الزيارة الى قطاع غزة والالتقاء مع قادة فصائل فلسطينية، وان تقتصر الزيارة فقط على مسؤولين بالسلطة والمنظمة، وكان قد التقى الوفد خلال زيارته للضفة بشهر ايار بوزير الشؤون الخارجية الدكتور رياض المالكي، ووزير شؤون الاسرى بالاضافة الى مسؤول ملف المفاوضات بمنظمة التحرير الفلسطينية الدكتور صائب عريقات.

بعض القيادات على مستوى اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي في البرازيل، تعمل لتقارب بين ابناء الجالية الفلسطينية وقيادات يهودية صهيونية بالبرازيل، فهذا النشاط شهدته ولاية الريو غراندي دو سول عندما تمكن احد اعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي من جمع احد ابناء الجالية الفلسطينية ورئيس الفيدرالية الاسرائيلية بالولاية، كذلك ما صدر من تصريحات غير رسمية عن مسؤولين بالحزب بولاية الريو دي جانيرو.

زيارة ليبرمان للبرازيل قبل ايام، لاقت استنكار واسع من قوى اليسار البرازيلي، وكان موقف سكرتير العلاقات الدولية بحزب العمال الحاكم، اثناء مقابله له مع صحيفة هأرتس الصهيونية يوم 23/07/2009 واضح عندما وصف افيغادور ليبرمان بانه انسان فاشي وعنصري، ودعى حزب العمال والشعب البرازيلي الى الخروج بمظاهرات احتجاج على هذه الزيارة، الا ان انه لم تخرج مظاهرة واحدة بالبرازيل باستثناء الريو دي جانيرو.

وزير خارجية الكيان الصهيوني للبرازيل ولقائه الرئيس لولا ووزير الخارجية، هي الاولى منذ 22 عاما لوزير خارجية لهذا الكيان، ورغم الموقف العام الذي يتم وصف وزير خارجية الكيان الصهيوني بفاشيته وعنصريته الا انه بحركته منذ استلامه وزارة الخارجية وجولاته الدولية، ليقول لنيتمكن احد من ان يعزله او يحاصره كرد على مواقفه العدائيه، وبالاخص اتجاه الفلسطينين والعرب، فقد طالب الوزير العنصري والفاشي حكومة لولا بالعمل على مطالبة ايران بالتخلي عن برنامجها النووي، وان تكون البرازيل وسيطا للسلام للصراع الدائر مع سوريا والفلسطينين بدون شروط، هذا ما اراده ليبرمان من الحكومة البرازيلية.

تاتي اهمية تسليط الضوء على هذه المواقف لحزبين اساسيين من احزاب اليسار البرازيلي، والتي تعتبر من اكبر الاحزاب اليسارية البرازيلية والتي تشارك بالحكومة الحالية، ولها امتدادات جماهيرية وقاعدة كبيرة، لمحاولة معرفة طبيعة التوجهات السياسية لدى هذه القوى اتجاه الصراع العربي الصهيوني، ومقدار ما تتركه السياسة الرسمية الفلسطينية من انعكاسات على سياسة هذه الاحزاب، ودور الحركة الصهيونية بالبرازيل من خلال ضغوطاتها ونفوذها بالدولة والمؤسسات الحكومية والحزبية لتشويه طبيعة الصراع العربي الصهيوني، وتشويه الحقوق الفلسطينية، حيث يجد المراقب ان هناك موقفين اتجاه الصراع مع الكيان الصهيوني، الموقف الذي يمثله مسؤول العلاقات الدولية بحزب العمال والاخر موقف الحكوميين بالحزب الذي يتعارض بشكل كامل مع سكرتير العلاقات الدولية.

الرؤية الفلسطينية التي تمثلها السلطة الفلسطينية والعلاقات القوية بين حركة فتح والحزبين البرازيليين، تركت انعكاسات على رؤية الحزبين اتجاه الصراع العربي الصهيوني ضمن السياسة الفتحاوية وسياسة السلطة الفلسطينية، ورغم ان التصاريح التي تخرج من مسؤولين بهذه الاحزاب الا ان التصاريح لا تتطرق اطلاقا الى حق العودة للاجئين الفلسطينين ولا الى الحل على اساس الشرعية الدولية، كذلك تعود هذه السياسة الى الوضع العام الذي تمر به الجالية الفلسطينية ومؤسساتها، فكيف ياتي وزير خارجية الكيان الصهيوني الفاشي والعنصري كما وصفه سكرتير العلاقات الدولية بحزب العمال، ولم يصدر الاتحاد العام للمؤسسات الفلسطينية بيانا يستنكر هذه الزيارة او يعري سياسة هذا الانسان الفاشي امام المجتمع البرازيلي، فبالتاكيد هكذا غياب يترك فراغا سلبيا على دور القضية الفلسطينية وقاعدتها الجماهيرية بالبرازيل.

كذلك لا يجوز ان نهمل ما تقوم به الحركة الصهيونية، والتي تنشط باتجاه رئيس الجمهورية البرازيلية ومجلس الشيوخ والبرلمان البرازيلي، للدفاع عن الكيان الصهيوني وسياساته العدوانية بالمنطقة العربيه، حيث تعمل هذه الحركة على تعزيز العلاقات بكافة المجالات الاقتصادية والتكنولوجيا والامنية وغيرها من المجالات العديدة سواء على مستوى الدولة او الولايات والمدن، بوقت نرى ممثلي جاليتنا والاتحاد العام للمؤسسات الفلسطينية يقف مكتوفي الايدي امام كل هذه الحركة الصهيونية تاركا لها حرية الحركة، فلا بد من مراجعة للذات الفلسطينية بالعمل الوطني بالبرازيل مما يخدم قضيتنا الفلسطينية ويعزز حملة التضامن على اساس الثوابت الفلسطينية.

– البرازيل

اللجان الأمنية مع الميليشيات انتهاك فاضح لسلطة الدولة

الياس بجاني

("وطنية - 23/7/2009 عقد اجتماع اليوم بين مسؤولين من حزب الله وتيار المستقبل وحركة أمل في بيروت، بدعوة من رئيس فرع مخابرات بيروت العقيد جورج خميس في مكتبه. وحضر عن تيار المستقبل ماهر أبو الخدود وعن حزب الله المسؤول عن لجنة الارتباط والتنسيق في بيروت عماد كحلول والمسؤول عن الإعداد والتوجيه في حركة أمل علي جابر.

واصدر المجتمعون بيانا جاء فيه: "انسجاما مع المناخ التصالحي بين قيادات الأحزاب والتيارات الرئيسية في بيروت ومع اللقاءات التقاربية بينهم، عقد مسؤولو هذه الأحزاب اجتماعا بدعوة من رئيس فرع مخابرات بيروت العقيد جورج خميس، في مكتبه، لوضع تصور واقتراحات حول نقل هذه الأجواء إلى قواعدهم الحزبية والشعبية ومناصريهم، وذلك بقصد سحب التشنج من الشارع وعودة الإلفة بين سكان مدينة بيروت وأحيائها")

إن الرضوخ إلى هرطقة الأمن بالتراضي مع الميليشيات الذي كان فُرِض بالقوة وإلإرهاب على اللبنانيين خلال فترة الحرب، والقبول مجدداً بإحياء اللجان الأمنية الميليشياوية في بيروت والجبل يعتبر انتكاسة قاتلة لأسس ومفاهيم الدولة، وانحرافاً خطيراً عن روحية القانون والعدل، كما أن السير به لأي سبب كان سيؤدي حتماً إلى تغييب سلطة الدولة وتعطيل عمل مؤسساتها وشل قدرات قواها الأمنية الشرعية واقتصار دورها على مهمة التنسيق والفصل بين القتلة والمجرمين من جهة، وبين ضحاياهم من المواطنين من جهة أخرى، تماماً كما كان حال ودور هذه القوى خلال غزوة حزب الله والميليشيات المحلية التابعة للحكم السوري ونظام ملالي إيران لبيروت السنة الماضية والتي اعتبرها السيد حسن نصرالله انجازاً مجيداً.

كما أن قول النائب وليد جنبلاط قبل يومين بضرورة "التمييز بين سلاح المقاومة وسلاح الزعران" هو طرح غير منطقي وغير عملي وغير قابل للصرف ومرفوض جملة وتفصيلاً لأن كل سلاح خارج سلطة الدولة هو سلاح ميليشياوي وسلاح "زعران" وغايته "الزعرنة"، وهنا بالطبع لا نعني السلاح الفردي الموجود في كل بيت لبناني.

لقد نص اتفاق الطائف على تجريد كل الميليشيات من سلاحها وحلها بمن فيها حزب الله، وبسط سلطة الدولة بواسطة قواها الذاتية على كامل التراب اللبناني، كما شدد على أمر التقيد باتفاقية الهدنة مع إسرائيل، ولم يأتِ لا من قريب ولا من بعيد على ذكر مقاومة وسلاح مقاومة. والنائب جنبلاط الذي التزم "بالطائف" وسلم سلاح ميليشيا حزبه الثقيل "للسوريين" يعلم جيداً أن المحتل السوري هو من رفض اعتبار حزب الله ميليشيا وأبقى على سلاحه خلافاً "للطائف".

لقد أثار الاجتماع الذي شارك فيه تيار المستقبل موجة عارمة من الاستنكار والاستغراب، وكان أول المستنكرين وبشدة نائب بيروت والعضو في كتلة المستقبل نهاد المشنوق الذي قال في مداخلة مع "المؤسسة اللبنانية للإرسال"، وفي نفس اليوم: "أسمح لنفسي بالقول إن هذا الاجتماع لا يمثل كتلة المستقبل أو تيار رفيق الحريري، أيا كان من مثلهم في الاجتماع، أعتقد أن الذي اتخذ قرارا بحضور الاجتماع أخطأ، كما أن حضوره الاجتماع هو تكريس لأمر نحن في كتلة المستقبل نرفضه بالمبدأ". وأضاف: "نحن نطلب من الجيش أن يكون دوره طبيعيا بين الناس وأن يكون حاميا للناس وليس بالعودة لأن تكون هناك اجتماعات بين ميليشيات في مركز المخابرات، أو في أي مكان آخر باعتبارها أطراف صراع عسكريا". وختم: "هذه الاجتماعات تعيدنا لأيام الحرب وفكر الحرب، فيما نحن ندعو لسحب 7 أيار من الشارع، فنحن لسنا طرفا امنيا لكي نجتمع مع أي فريق، بل نحن طرف سياسي مسالم يمثل جمهورا عريضا ولا علاقة لنا بالصراعات الأمنية، وإذا كانت هناك من مسائل فلتبحث مع المسؤولين السياسيين في إطار سياسي وليس في أي إطار أمني".

وفي اليوم التالي للاجتماع رفض مفتو المناطق ابتكار لجان أمنية أو تنسيقية لتحل محل المؤسسات الرسمية المعنية ومحل الجيش في حفظ الأمن وضبطه". وفي هذا الإطار تساءل مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس "لماذا يسعى البعض إلى تغييب الدولة وابتكار لجان أمنية أو تنسيقية لتحل محل المؤسسات الرسمية المعنية، أليس هذا تعطيلا لهذه المؤسسات لصالح اللجان، ثم أليس القبول بمنطق الميليشيات هو تبن لهذا المنطق، وإذا كان الجلوس على مائدة الخمر له حكم شربها، كذلك الجلوس مع هذه الميليشيات هو إقرار بأننا متساوون في الميليشياوية، فهل نحن حقا ميليشيات؟ وهل هي البديل عن الدولة؟ وإلا فما هو دور القوى الأمنية الشرعية"، آملا أن "يكون ما جرى خطأ لا يتكرر، وأن يكون الدفاع القائم عن هذا الخطأ هو فقط لمجرد عدم الاعتراف به لعدم العودة إليه". وسأل المفتي الميس "لماذا تطوى صفحات أمنية ذات بعد وطني ويعلم بها العالم كله، وتسوى الأمور وكأن شيئا لم يكن رغم خطورتها، ويسلط الضوء على جوانب أخرى، وتلصق بفئة أو طائفة وتسيء إلى الإسلام والمسلمين؟".

من جهته، أبدى مفتي بعلبك الهرمل الشيخ خالد صلح خشيته من "بدعة اللجان الأمنية التي تضيع معها دماء الشهيدة زينة الميري، كما ضاعت دماء شهداء 7 أيار في المساواة بين الموازين غير المتكافئة أقله في موضوع السلاح". وقال: "نرفض أن يحل أحد محل الجيش في حفظ الأمن وضبطه، ونرفض تحويل الجيش إلى مجرد شيخ صلح تأتي إليه المشاكل لحلها عن طريق لجان أمنية، بل المطلوب أن يكون هو الحاكم العدل في ضرب المخلين بالأمن إلى أي جهة انتموا، لا أن ينتظر حتى يأتي هذا المندوب أو ذاك لحل خلافات المحازبين والأنصار، ويكون الذي ضرب ضرب والذي هرب هرب، علما أن الأمور إذا انفلتت من عقالها فلا أحد يسمع لهؤلاء المندوبين في حين كان بعض هؤلاء المندوبين في الأحياء هم رأس حربة في افتعال الأشكال لأنهم يحظون بالحماية". وشدد على "أخذ المؤسسات الرسمية ولا سيما الأمنية منها بعدها الحقيقي والفاعل وعدم الاحتكام إلى أطراف في النزاع بل أن يكون القانون هو الحكم على الجميع ومن يخالف يعاقب ومن يتعرض للظلم يؤخذ له الحق".

نتمنى من القلب أن يكون كل ما قاله النائب المشنوق بجرأة ووضوح ووطنية، وكل ما حذر منه مفتو المناطق من أخطار قد وصل إلى ضمائر من يعنيهم الأمر وفي مقدمهم النائب جنبلاط ليعيدوا بوعي ومسؤولية وتجرد تقييم هرطقة "اللجان الأمنية" بشكل معمق وبالتالي لا تتكرر لا اجتماعات تيار المستقبل الأمنية مع ميليشيات أمل وحزب الله, ولا اجتماعات لجان الحزب التقدمي الإشتراكي مع حزب الله.

إن تيار المستقبل كما نعرف ليس تنظيماً ميليشياوياً، وليس بإمرته مسلحون، ولا توجد عنده مخازن أسلحة، وبالتالي يجب ألا يتم توريطه من أي كان، وتحت أي ظرف باجتماعات أمنية مع الميليشيات التي غزت بيروت وأعادة الغزوة مرة أخرى في عائشة بكار، والتي بالتأكيد لا أحد يضمن أنها لن تكرر أعمالها الإجرامية هذه في أي وقت طالما تمتلك السلاح والدولة مغيبة.

�ونعم وألف نعم للكلام الوطني المسؤول الذي أدلى به أمس النائب السابق مصطفى علوش في مداخلة تلفزيونية:� "ان السلاح الذي استخدم في الاحداث الاخيرة في عائشة بكار وأدى الى إستشهاد زينة الميري، هو نفسه الذي استعمل في احداث 7 ايار 2008، ونحن لا رغبة لنا بالعودة الى اللجان الأمنية لحل الاشكالات في المناطق اللبنانية. نسأل عن مبرر وجود السلاح بعيداً عن مناطق التماس مع اسرائيل، كالشمال وجبل محسن وعائشة بكار وحتى في الضاحية الجنوبية؟ وندعو الى سحبه من الجميع فلولا وجود القوة الضاغطة بيد حزب الله عبر سلاحه واستخدامه لتغيير المعادلة في لبنان، لكانت اللعبة الديمقراطية اختلفت وتشكيل الحكومة كان أسهل".

يبقى أن الأمن هو من مسؤولية الدولة فقط، ويجب ألا يكون أمناً بالتراضي مع "الزعران"، كما لا يجب بأي حال من الأحوال الرضوخ لإرهاب حزب الله وباقي الميليشيات التي تدور في فلكه وتشريع سلاحها أو القبول بالعيش في ظل أمنها وتحت رحمتها.

الزيارة الكاظمية والوحدة الوطنية

د. محمد عادل
في أجمل وأروع وأبهى صورة للوحدة الوطنية تمت زيارة الإمام موسى الكاظم ع وعانق الزوار الكرام القادمين من كافة المحافظات العراقية إخوتهم في الدين والوطن من أبناء الاعظمية الشرفاء الغيارى

وقدم أبناء الاعظمية الضيافة العربية الكريمة لإخوتهم من أكل وشراب واستضافة وكانوا سببا رئيسيا في إنجاح الزيارة كما صرح بذلك الإخوة القادة الأمنيين وكما شاهدنا بأم أعيننا

ولابد أن استذكر هنا أخي وتاج رأسي الشهيد البطل عثمان ألعبيدي رحمه الله واسكنه فسيح جناته هذا البطل العراقي الذي فاق حاتم الطائي في الكرم بمراحل لأنه جاد بروحه الشريفة الطاهرة لإنقاذ إخوانه الزوار في حادثة جسر الأئمة الأليمة وأصبح مثلا مشرفا للمواطن العراقي البطل وادعوا إلى المزيد من الاهتمام بالعائلة التي أنجبت هذا الشهيد الكريم ابن الكرام

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على فشل المخططات الجبانة لتفريق إخواني وأحبائي العراقيين أبناء البيت الواحد وان الشعب العراقي سيبقى واحدا موحدا مهما حاول الأعداء والحاقدين زرع الفتنة الطائفية البغيضة المقيتة

ولا ننسى مدلولات هذه الزيارة المباركة من جاهزية قوات الأمن البطلة في الحفاظ على الأمن وأرواح المواطنين بجهود ذاتية بعد انسحاب القوات الأمريكية لذا نتقدم لهم بالشكر والتقدير وندعوهم لتكثيف جهودهم المباركة لتحقيق الأمن التام للمواطن العراقي الحبيب
مع التقدير
اللهم احفظ العراق
اللهم احفظ شعب العراق الواحد الموحد
طبيب وباحث في الشأن العراقي
وداعية للوحدة الوطنية

Baghdad_mohammed_doctor@yahoo.com

السبت، يوليو 25، 2009

ضربات قاضية

رامي سليمان الدهشان
غالبا قد تحدث خروق تكون الحكومة سببا فيها هنا وهناك ,وتتحمل السلطة مآل التجاوزات بحق المواطن باعتبار أنها سلطة حاكمة ومسيطرة وحامية ,وان تجاوزت السلطة حد المسموح بإتباع سياسة تكميم الأفواه ومطاردة لون سياسي محدد فقد تثور ثائرة المواطنين.

والحالة الفلسطينية بحساسيتها تستوجب التوقف عند كل مفترق طرق رغم تعقدها ,لكننا في النهاية نستطيع وضع النقاط على الحروف واستجلاب مفاتح الملفات المقفلة والتي كان آخرها ملف الرحل ياسر عرفات الذي أثاره أمين سر ورئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير وأحد أبرز قيادات ومؤسسي حركة فتح فاروق القدومي "أبو اللطف".

واعتقدت في بادئ الأمر أن السلطة ستتخلي عن منصبها في حال سماع تلك الاتهامات ,خصوصا أن أبا اللطف لوح بتسجيلات تؤكد صحة ما قاله من خلال الوثائق ومحاضر الاجتماعات التي ضمت محمود عباس ومحمد دحلان القياديان في فتح وشارون رئيس وزراء الكيان السابق .

وهذا ليس مستغربا أن تحل السلطة نفسها ,كما قامت سلطات دول عديدة بذلك من قبل ؛عقب إعلان تجاوزات كالفساد المالي أو الخيانة وغيرها .

لكن هنا وبفلسطين بالذات لم ولن يحدث ذلك لعدة اعتبارات مهمة وعلى رأسها الغطاء الخارجي والدعم الصهيوني؛ والسلطة لقيامها بدورها الأمني والتزامها المطلق بخط خارطة الطريق وجدت الرضا الكافي فبقيت!!.

قنبلة أبا اللطف وكما وصفها البعض ,باعتقادي لم يكن لها صوت ولا تأثير على أرض الواقع حاليا,بخلاف التأثير الإعلامي والذي سيفضي بلا شك آجلا وليس عاجلا لمزيد من التوترات على الساحة منبعها انشقاقات داخل فتح .

وهذه الوثائق لا يختلف عليها اثنان أنها ضربة قوية جدا هزت جسد السلطة وأشعرها بالرعب الشديد رغم التغطية الإعلامية العميقة سواء لصالح عباس ودحلان أو ضد القدومي .

لكن وبعد أيام قلائل تصدر نشرة لندنية تتهم الغرب واللجنة الرباعية بالضلوع في أحداث وانتهاكات الضفة الغربية بالاشتراك مع السلطة ,فهذا ضربة أخري كالشعرة التي قسمة ظهر البعير.

فقد كشف التقرير عن وجود أيادي خفية تلعب معها السلطة على وتر الخلافات الفلسطينية وتأجيج الصراع ودعم طرف على حساب الآخر ماليا وسياسيا وأمنيا,وذلك يتم بمعايير مزدوجة دون النظر لحقوق الإنسان أو ادني معايير الأخلاق .

فإلي ماذا تفضي نتائج تلك الضربات ولمصلحة من ,بالنظر إلي الأمور حين وضعها على طاولة التشريح وبموضوعية وحيادية عالية ؟

حين يتم عرض وقائع الأحداث بالاعتقالات في الضفة الغربية دون غيرها وبالأخص "بدون تهم أو محاكمات لغالبية القابعين في سجون السلطة" ,وحين يتم التطرق لموضوع العلاقات السياسية والأمنية والدعم المالي لجهة دون أخرى بل وعلى حسابها,فيستوجب منا الفحص والتدقيق .

الدعم السياسي :ما دام هناك دعما سياسيا لجهة دون أخري فهناك شك وريبة ,وفي أي بلد كانت ,فالدعم بهذه الشاكلة يجسد في ذاكرة الفلسطيني خاصة والعربي عامة ,صورة المتعاون مع الاحتلال ,وتلك الصورة الحقيقة جسدت من خلال وثائق ومشاهدات علنية ,رآها المواطن القابع تحت الاحتلال وشاهدها من خلال فضائح ما خلف دهاليز الساسة والتي تم كشفها ,لذا فهي ضربة قاضية تفضي إلي إسقاط شرعية السلطة ,إن لم يكن واقع ملموس ففي اعتقادي ستخلد ذاكرة ومدونة تاريخ للأجيال ,وكما يقال الجزاء من جنس العمل .

الدعم المالي:دائما تحكمت الشعوب ببعضها بالمال المسيس,فالغرب عموما لم يكن يوما ليدعم الشعب الفلسطيني أو سلطته حبا فيها أو إمعانا في إسقاط شرعية الاحتلال أو دعما للمقاومة ,كيف لا وهو الذي أرسي قواعد الاحتلال في فلسطين ؛وحكم التبعية مبني في مفهوم الغرب على الدعم المالي لقيادة الشعوب ,والسلطة حينما تحكم نفسها للمال المسيس والمقبوض الأجر ,تضرب نفسها بسياط من حديد ,وتؤذي من حولها ومن سار بركبها .

الاعتقالات بدون تهم : للسلطة الحق في اعتقال الجنائيين والمجرمين ,ولها أن تقدمهم للمحاكمة ويتخذ فيه الإجراءات اللازمة ,وأيضا للسلطة الحق في القبض على من تثبت عليهم بالمحاكمة العادلة المساس بأمن البلد أو سببا في زعزعته ,لكن أن تتم اعتقالات وبدون محاكمة ويشهد بذلك القريب والبعيد ,حتى وإن كانوا مجرمين !!فما قولنا إن عرفنا أنهم أرادوا مقاومة الاحتلال واعتقلوا ؟ ,وباعتراف السلطة نفسها حين كرر أبو مازن "نلتزم بخطة خارطة الطريق التزاما مطلقا"والالتزام بها يعني مطاردة واعتقال المقاومين لتمرير اتفاق التسوية ؛وذلك باعتقادي يبرهن تلك المعادلة , ليلوث صورة وسمعة السلطة الحاكمة,وهي من أشد الضربات القاضية والتي ستدفع في النهاية الي ثورة جماهيرية ,وليست بالضرورة عسكرية.

الاتفاق الأمني :من أشد القضايا وقعا على رؤوس الشعوب وفتكا بها ,ما يسمي "اتفاقا امنيا" ,فالعراق مثلا لن يحظي بفرصة استعادة السيادة أو بناء اقتصاد قوي ومتين أو حتى الحصول على قرار سياسي مستقل طالما هناك اتفاقا وتعاونا امنيا مع الدول الكبرى ,وهنا في فلسطين تم الأمر وانتهي بالاتفاق الأمني, وعلى رأس القائمين لحماية الكيان (دايتون) ,الذي خدم بلده في بعثة التفتيش الأممية للبحث عن أسلحة دمار شامل قبل غزو العراق .

وهنا السلطة في رام الله تضع نفسها بين فكين بخصوص الاتفاق الأمني ,الأول التعاون مع الاحتلال لضمان أمنه ,والثاني التعاون من دايتون ومعاونيه لضمان أمن الاحتلال,وصرح دايتون بالأمرين في ندوة بمعهد واشنطن تحت عنوان "السلام من أجل الأمن",وأكد بقوله"التغير بين الرجال الفلسطينيين الجدد في العام الماضي كان معجزة، جيلي نما مع الانتفاضات والآن لدىَ الأمل في أن أطفالي لن يواجهوا الشيء نفسه",وأكد أن هناك تفاهما أمنيا بين أجهزة السلطة و(الإسرائيليين) في بسط الأمن وضمان أمن الكيان,وهو جاهز تماما لتجنيد مزيد من الكتائب من خلال الدعم المال والسياسي الغربي لتكون الدول الغربية وعلى رأسها الكيان المستفيد الوحيد من كافة أشكال التعاون !!

لأجل هذا ,إن بقيت الأمور على حالها وفي تزايد مستمر ,وكشف للوثائق والجرائم ,فلن تبقي الأفواه مقفلة وستنفجر في وجوه الساسة بثورة عارمة,مما سيعمل على تغيير الصورة السياسية والأيدلوجية القائمة من جذورها ولعقود قادمة.

Ramy.political@hotmail.com

غزة لندن نيوجيرسي

د. فايز أبو شمالة
صحيحة تلك التقارير الواردة إلى إسرائيل، والتي تفيد بأن العداء للسامية قد تزايد في أوروبا ولاسيما في بريطانيا، وبات الوضع مقلقاً لليهود القاطنين هناك، والسبب يرجع إلى حرب الرصاص المصبوب على غزة، وما كشفته عن جوهر اليهودي العقائدي الجائع إلى القتل، كما وصفه "مناحيم بيجن" حين قال: "إنه قد ولدتْ من الدم والنار والدمع والرماد فئة جديدة من الجنس البشري، فئة لم تكن معروفة للعالم طوال ما يربو على ألف وثمانمائة عام، تلك هي فئة اليهودي المحارب، ذلك اليهودي الذي كان يعتبره العالم ميتاً، ودفن في التراب، قد هب من رقاده، ولن يختفي من على وجه الأرض".
إن هذه الصراحة تفضح عدة قرون من التمويه، والزيف حاول خلالها اليهودي أن يبدو مسكيناً، وضعيفاً، ومحتقراً، ومنزوياً، ومطيعاً لأطماع الدول الاستعمارية، فإذا بانتصاراته السهلة على العرب، وبحربه الوحشية على غزة تزيل القناع عن وجهه، وعن أهدافه التي تتجاوز فلسطين، لتضرب كل مكان في العالم.
أما السبب الآخر فله علاقة باليهودي نفسه، إذ لا يمكن الفصل بين الكراهية لليهود، وما يمارسه اليهودي حيث تواجد، ففي أسبوع واحد تم الكشف عن جرائم اليهود في مكانين من العالم، الأول في رومانيا، فقد نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن الجريمة التي هزت المجتمع الأوربي، حين فتحت السلطات الرومانية تحقيقا في تهريب بويضات لعارضات أزياء، بما عرف على أنه: "مصنع أطفال"، تورط فيه أطباء يهود إسرائيليين للأمراض النسائية، إذ كان يتم التلقيح في عيادة "ساببيك" في بوخارست، العيادة التي شطبت من المؤسسات التي يسمح لها بممارسة التلقيح الصناعي. ويلاحق في هذه القضية حوالي ثلاثين شخصاً، المسئول عنهم يهوديان إسرائيليان، تم اعتقالهما، ويهوديان آخران متخصصان في تقنيات الإنجاب بطرق صناعية، وفق ما ذكرته النيابة الرومانية.
والثاني تمثل في أكبر عملية فساد في تاريخ مدينة "نيوجيرسي" وفي مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، تبين أن المتورطين فيها عشرات الشخصيات السياسية، وعلى رأسهم حاخامات يهود، وشخصيات مدينة منتخبة يقف وراءهم اليهود، ومنهم رؤساء بلديات، ومن ضمن اليهود المتورطين خمسة "ربانيين" أداروا شبكة الفساد، وتبييض الأموال، ومنهم الحاخام "اسحق روزنباوم" من بروكلين والمتهم بتجارة الأعضاء البشرية حول العالم، حيث يرتفع لديه سعر الكلية الواحدة من عشرة ألاف دولار إلى أكثر من مائة ألف دولار.
الحرب على غزة كانت الفاضحة لنفسية اليهودي التي لا ترى على وجه الأرض من يستحق الحياة غير اليهودي، لذا يخطف أرض فلسطين، ليخطف من سكان العالم دماءهم، وقرارهم، وأعضاءهم، ويخطف من أهل غزة أمنهم، ويخطف من العرب غشاء بكارتهم.
fshamala@yahoo.com

نتائج الثانوية العامة 2009 تحت المجهر؟؟

عبد الكــريم عليــان

نتائج العام الماضي أفضل بكثير من هذا العام وليس كما ذكر في وسائل الإعلام !!

قبل البدء بعرض النتائج وتحليلها وجب التذكير بالسمات التي برزت خلال العام الدراسي 2008 / 2009 ونخص هذه الدراسة طلبة قطاع غزة فقط ! فمنذ بدء العام الدراسي اشتكى معظم الطلاب من عدم توفر معلمين ذوي خبرة في مجال التدريس الثانوي إذ من المعروف أن جزءً كبيرا من الطاقم التدريسي السابق متوقف عن التعليم نتيجة الانقسام السياسي المعروف والمستمر، وهذا لا يختلف عن المعاناة الشديدة التي يواجهها المواطن الغزّي في كافة الخدمات الحياتية.. والكل يعرف أن سلطة حماس بغزة استبدلت هؤلاء المعلمين بغيرهم مما أدى إلى إرباك كبير في العملية التعليمية مما دفع ببعض الطلبة لأن يتحولوا من القسم العلمي إلى العلوم الإنسانية حسب ما يعتقدون بأن العلوم الإنسانية يمكن تعلمها بيسر ولا يحتاجون إلى مدرسين فيها.. ولا يمكن القفز عن آثار الحرب المدمرة على قطاع غزة وما أثارته في نفوس الجميع سواء قبل الحرب وفي أثنائها أو بعدها.. والباقية آثارها على كافة أنشطة المواطن حتى وقتنا الحاضر! وأيضا الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها أهالي غزة، وبرزت مشكلة انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة عن معظم أحياء قطاع غزة مما كان له بالغ الأثر على طلابنا وتركيزهم على التحصيل، وكذلك الخوف الشديد الذي صاحب الطلبة والأهالي من المستقبل لعدم وضوح الرؤية بالاعتراف بالشهادة الثانوية فيما لو انقسمت الامتحانات إلى سلطتين، رغما عن بيانات الطمأنة التي كانت تصدر عن الجهات الرسمية سواء من رام الله أو من غزة.. إضافة لما ذكر من سمات هناك العديد من القضايا التي لا يمكن حصرها، ويعاني منها أبناؤنا ومدارسنا في قطاع غزة...

تجدر الإشارة أن وسائل الإعلام وخاصة إعلام حركة حماس قد طبلت وزمرت قبل ظهور النتيجة بأسبوع وهي تبشر الناس أن النتيجة لهذا العام هي أفضل بكثير من العام السابق في محاولة منها بانعكاس ذلك على أدائها وإدارتها للحكم في غزة والحقيقة الساطعة مغايرة تماما لما ذكرته وسائل الإعلام عن غزة إذ بلغت نسبة النجاح العامة في العام الماضي 52.19 % ، أما هذا العام فبلغت 49.76 % من عدد الذين تقدموا للامتحان، والمتتبع للتصريحات والبيانات الوزارية قد لا يستطيع الحصول على الأرقام الحقيقية إذا لم تذكر أية بيانات مستقلة أو منفردة عن طلاب غزة فيما عدا النجاح والعشرة الأوائل.. ونعتقد أن هذا الإخفاء مقصودا، أو أنه غير مهني من الجهاز التعليمي برمته.؟! إذ كان من المتوقع أن يصدر بيانا تفصيليا وتقويميا من وزارة التربية والتعليم بهذا الخصوص. ولا نخفي القارئ بأنني قمت بجهد كبير في الحصول على البيانات وتبويبها وإجراء العمليات الإحصائية لتفسيرها بالطريقة العلمية، ومع أنني قمت بذلك في العام الماضي إلا أنني لم أواجه صعوبة كبيرة مثل هذا العام.. الملفت للنظر هو اهتمام الهيئات الرسمية وغير الرسمية، وكذلك وسائل الإعلام المختلفة بالطلبة المتفوقين مثلما يحصل في كل عام.. هذا جميل ومرضي عنه؛ لكن الأهم والذي لم ينتبه له أحد هو الفئة الراسبة والتي تخلفت عن النجاح، أو كما يقولون: (لم يحالفهم الحظ !) وكأن هؤلاء لم تشكلهم الظروف التي نعرفها، ولم تتأثر بما يجري في محيطها.. وأن الجهاز التعليمي الذي يديره السياسيون المنقسمون غير مسئولين عن هذا الفشل الذريع..؟ في الدول المتقدمة، نعم ! يهتمون بالفئة المتقدمة لكنهم يهتمون أكثر بالفئة المتأخرة أيضا، ويحكمون على نتيجة الامتحان بأن الجهاز التعليمي والجهاز الحكومي كله مسئولا عن النتيجة! وإذا ما ظهرت النسبة بأن الناجحين كانوا 50 % مثلا؛ فهذا يعني أن الجهاز التعليمي لم يقم بواجبه بقدر 50% أيضا ويجب تشديد الرقابة علية وزيادة ميزانيته بشكل يضمن تحسين قدرته على العمل.. ويبدو أن القائمين على الامتحانات لم يكن لديهم فلسفة التقويم لعملهم وكل همهم هو فرز أبنائنا وتصنيفهم بما يروق لهم ويتلذذون بخراب المجتمع وعدم الاكتراث بالنتائج المدمرة لعملهم.. وهنا نذكر: " بأن وظائف القياس (الامتحان) لم تعد مقصورة على تحديد الدرجات وتكوين الأحكام الخاصة بالترفيع والترسيب، وإنما أصبحت بالإضافة لذلك وسيلة تهدف للحصول على المعلومات ومعالجتها بقصد تحسين عمليات التعلم والتعليم، وهي تستند إلى أكبر قدر من البيانات يمكن توفيرها عن الأفراد، وهي وسائل ضبط لنوعية العملية التربوية بحيث يتم الحكم في نهاية كل مرحلة على ما إذا كانت تلك فعالة، ولا مانع من الاستمرار بها، أو أنها تحتاج إلى إيقاف أو تعديل بالإضافة إلى أنها وسائل تساعد على التعرف على ما إذا كانت الأبدال المختلفة للممارسات التربوية فعالة أم لا في تحقيق الأهداف والغايات التربوية المنشودة. (القياس والتقويم ، جامعة القدس المفتوحة ، ص 53 ، القدس: 1992) .."

لنبدأ الآن بعرض النتائج كما ظهرت أو وزعت على مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام بالنسبة للناجحين في كل الفروع، وكما أشرنا بذلك نخص هنا قطاع غزة فقط ! حيث تقدم للامتحان هذا العام ما مجموعه 38317 طالبا وطالبة منهم ما يقارب 7000 طالبا في القسم العلمي ، و30000 في قسم العلوم الإنسانية، و1500 طالبا في الفروع الصناعية والتجارية والزراعية، وبلغ عدد الناجحين من هؤلاء 19070 طالبا أي بنسبة مقدارها 49.76 %. وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقا في أن العملية التعليمية في تدهور خطير مقارنة مع العام الماضي أو الأعوام السابقة، وليس كما نشر في وسائل الإعلام المختلفة بأن هناك تقدما ملموسا في عدد الناجحين هذا العام عن العام الماضي.. كيف ذلك والأرقام تقول العكس، حيث كانت نسبة الناجحين هي: 52.19% أي بتدهور مقداره 2.43 % عن العام الماضي؟ الملاحظة المهمة خارج نطاق نتيجة الامتحان، وهي عدد طلاب القسم العلمي مقارنة مع القسم الأدبي متدنية جدا ؛ فبينما كانت نسبتهم في السابق تزيد عن 30 % من إجمالي الطلبة انخفضت هذه السنة إلى 22 % ، وهذا يعني أن العملية التعليمية يشوبها الكثير من التشويه وأنها لا تسير وفق أهداف محددة يحتاجها المجتمع والدولة خصوصا أن الحياة العصرية تتطلب أن يكون عدد الطلبة في القسم العلمي أكثر منهم في قسم العلوم الإنسانية مما يستدعي منا إعادة النظر في برامج المدرسة وأنشطتها في كافة المراحل التعليمية ..

فيما لو قسمنا الناجحين إلى فئات فستكون على النحو التالي: الفئة الضعيفة وهي من (50 درجة إلى أقل من 60 درجة) بلغ عددهم 7153 طالبا بنسبة مقدارها: 37.50% من عدد الناجحين، أما الفئة الأعلى أو المقبولة وهي من حصلوا على درجات بين ( 60 إلى أقل من 70 درجة) فبلغ عددهم: 4775 بنسبة مقدارها: 25.03% من عدد الناجحين، والفئة الجيدة وهي بين ( 70 إلى أقل من 80 درجة) بلغ عددهم 3322 طالبا أي بنسبة مقدارها: 17.42%، والفئة جيد جدا وهي بين (80 إلى أقل من 90 درجة) بلغ عددهم: 2651 طالبا أي بنسبة مقدارها: 13.45%، والفئة الممتازة أو المبدعة وهي بين ( 90 إلى أقل من 100 درجة ) بلغ عددهم: 1169 طالبا أي بنسبة مقدارها: 6.13% من عدد الناجحين. الاستنتاج السريع لهذه الأرقام يقول: أن النتيجة غير طبيعية وغير منطقية، حيث أنها بعيدة جدا عن التوزيع الطبيعي لأي فئة بشرية، هذا إن دل على شيء فسيدلنا أولا: بأن الامتحان لا يتصف بالصدق أو الثبات ولا يمكن أن يكون موثوقا به، وإما يكونوا قد تلاعبوا في النتيجة الطبيعية للطلبة فظهرت النتيجة مختلة وهذا جلي وواضح من خلال العدد الكبير الذي ظهر في الفئة الضعيفة أي الناجحين الذين حصلوا على علامات مابين (50 إلى أقل من 60 درجة) وجاءت نسبتهم 37.50%من عدد الناجحين كمؤشر على ترفيع عددا كبيرا من الراسبين ونقلهم إلى الفئة الأولى للناجحين فتضخمت وأخلت بالميزان الطبيعي للنتيجة فأفقدها المصداقية.. الشيء الغير منطقي أيضا هي الفئة الممتازة والتي جاءت نسبتها 6.13% وهي نسبة غير موجودة في أي مجتمع في العالم إذ من المعروف أن هذه النسبة لا يمكن أن تتجاوز 2.5% لأي مجتمع حسب ما تشير إليه الدراسات العالمية في هذا الشأن وهذا دليل آخر على عدم مصداقية الامتحانات التي يشكك في وضعيتها أو في تصحيحها لتخرج بهذه النتيجة. ولو فرقنا بين القسم العلمي وقسم العلوم الإنسانية فسوف تظهر النتيجة واضحة كما في الجدول التالي :

نسبة النجاح للقسم العلمي
نسبة النجاح لقسم العلوم الإنسانية

الفئة
لسنة 2008
لسنة 2009
لسنة 2008
لسنة 2009

الضعيفة (50 إلى أقل من 60 درجة)
7.52 %
6.33 %
33.20 %
47.84 %

مقبول (60 إلى أقل من 70 درجة)
20.00 %
22.83 %
32.09 %
25.25 %

جيد (70 إلى أقل من 80 درجة)
26.50 %
25.86 %
20.14 %
14.75 %

جيد جدا (80 إلى أقل من 90 درجة)
24.61 %
29.28 %
11.77 %
9.06 %

ممتاز ( 90 إلى أقل من 100 درجة)
17.50 %
15.60 %
2.76 %
3.08 %


(جدول مقارنة لنسبة الناجحين في كل فئة للقسمين العلمي والأدبي في السنة الماضية وهذه السنة)

بلغ عدد الناجحين في القسم الأدبي لهذا العام 2009 (13999) من أصل (30000) طالبا تقدموا للامتحان أي بنسبة مقدارها 46.66 % ولو أضفنا لهم عدد الفئة الضعيفة الذين لا يمكنهم دخول الجامعات الفلسطينية (متطلب دخول الجامعات هو: حصول الطالب على معدل 60% كحد أدنى في الثانوية العامة ـ حسب قانون وزارة التربية والتعليم العالي) فسوف يصبح عدد الراسبين لهذا العام هو: 22699 من أصل الـ 000 30 طالبا، ونعتقد أن هذا في حد ذاته يكفي لأن نقول: أن هناك إرباكا وتخبطا واضحا في العملية التعليمية وعلى الأخص في امتحان الثانوية العامة الذي هو الحصيلة النهائية للتعليم المدرسي والسبب الرئيسي وراء ذلك هو: استمرار الانقسام وحالة التشرذم السياسي، كما هي الحالة في جميع مناحي الحياة المختلفة في محافظات غزة، فهل أدرك السياسيون والقادة حجم الخلل والدمار الذي أنتجوه، وبدلا من التباهي والاحتفال بالفئة المتفوقة يقوموا بعمل جلسات نقاش وإعادة حساباتهم ومدركاتهم... لتكون بداية لإعادة اللحمة لشعبنا وتوحيد صفوفه لمواجهة التحديات المقبلة بدلا من حسابات فئوية ضيقة..؟! يمكننا أن نقبل بالنتيجة عندما تكون متزنة بمعني أن تتساوى الفئة الضعيفة مع الفئة الممتازة التي جاءت أيضا مرتفعة حسب المقاييس الدولية، خاصة في القسم العلمي حيث جاءت بنسبة تساوي: 15.60 % من عدد الناجحين، ولو جاءت مساوية أو قريبة من الفئة الضعيفة بمقدار 6.33 % لقلنا أن النتيجة يمكن أن تشكل توزانا منطقيا أو طبيعيا، وكذلك في القسم الأدبي الذي يتجلى الخلل بشكل كبير في النتيجة كما هو ظاهر في الجدول.

على كل حال نحن أمام معضلة كبيرة بحجم الخلل في الفئة الضعيفة لقسم العلوم الإنسانية التي جاءت بمقدار 47.84 % من الناجحين وهذا يدفعنا لتغيير قانون قبول طلبتنا في الجامعات الفلسطينية إما باعتماد معدل السنوات الثلاثة في الثانوية العامة، أو تقوم الجامعات بعمل امتحان قبول لكل تخصص على حدة كيفما يرغب الطالب باختياره، وهذا معمول به في كثير من جامعات العالم دون الاعتماد على معدل الثانوية العامة لأنه: " لا توجد هناك أداة قياس تعطي نتائج أو قياسات دقيقة بشكل مطلق، وفي العادة تكون نتائج القياس تقريبية تعتمد في دقتها على دقة أدوات القياس المستخدمة. وكذلك أن مجرد النجاح في الثانوية لا يعني ضمان النجاح في الدراسة الجامعية.. (ثورانديك، روبرت، هيجن، اليزابيث، القياس والتقويم في علم النفس والتربية، ترجمة: كيلاني، عبد الله، عدس، عبد الرحمن، مركز الكتب الأردني، عمان: 1984 ) " السؤال المهم موجه لوزارة التربية والتعليم العالي وهو: كيف لا يمكن أن نثق بنتائج مدارسنا في المرحلة الثانوية أي الصف العاشر والحادي عشر لنقوم بعمل امتحان موحد للصف الثاني عشر؟؟ أليس هذا يفقدنا الثقة بكل الجهاز التعليمي برمته؟؟ نعتقد أننا بحاجة لتغيير نظرتنا عن مركزية القرار وإعطاء الفرصة لمدارسنا ويمكن اعتمادنا لمعايير الجودة لهذه المدارس فيما بعد ولجامعاتنا كذلك مادام أن جميع مؤسساتنا تقوم بعمل امتحان لخريجي الجامعات في حال توظيفهم أو تشغيلهم في تلك المؤسسات.. وفي الختام لا يسعني إلا أن أقدم التهنئة للناجحين، والوقوف بجانب الذين تخلفوا عن الانتقال من هذه المرحلة ليقوموا من جديد كدافع للتقدم والنجاح...

الجمعة، يوليو 24، 2009

ربيعة قدير : "أونغ سان سوتشي" الصين

د. عبدالله المدني

بملامحها وملابسها المتطابقة مع ملامح وملابس نساء آسيا الوسطى من ذوات الثقافة التركمانية، وبشعرها الأشيب المجدل في ظفائر طويلة، وبقامتها الطويلة نسبيا، لا تختلف السيدة ربيعة قدير - التي ذاع صيتها منذ الاضطرابات التي وقعت مؤخرا في مقاطعة "شينغيانغ" الصينية – كثيرا عن قرينتها البورمية "اونغ سان سوتشي". فعلى الرغم من بعض الفوارق المتعلقة بالجذور والمنشأ والمؤهلات العلمية والإرث السياسي ومنطلقات النشاط السياسي ومكانه، تظل ربيعة وسان سوتشي صوتا الأمل لشعبيهما، والمعبرتان عن طموحاتهما وحقوقهما.

وإذا كانت زعيمة المعارضة البورمية "أونغ سان سوتشي" قد وصفت ذات مرة بأنها فارسة الأمل، فان ربيعة قدير ترتاح للقب "أم الايغور" الذي أسبغها شعبها عليها كناية عن اعترافهم بجهودها في الخارج من اجل لفت أنظار المجتمع الدولي إلى قضية شعب لا يعرف عنه الكثير، بل تفضل هذا اللقب على لقب آخر هو "دالاي لاما شينغيانغ" الذي أطلقته عليها الصحافة الاجنبية منذ اجتماعها في الولايات المتحدة في عام 2005 بالزعيم الروحي لشعب التبت، واتفاقهما على تنسيق جهودهما إلى أن تعترف بكين باحترام حقوق جميع الأقليات

وإذا كانت سان سوتشي تمارس النضال من داخل وطنها وسط ظروف صعبة وقيود مفرطة وممارسات قمعية من قبل الطغمة العسكرية الحاكمة في رانغون والتي لولا دعم حكام بكين لهم سياسيا واقتصاديا وفنيا لأنهار نظامهم منذ زمن بعيد، وتستند في نضالها والتفاف مواطنيها حولها على الإرث السياسي لوالدها الجنرال "اونغ سان" الذي طرد الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، ونجح على طريقة جورج واشنطون في خلع البزة العسكرية وانتزاع الاستقلال من المستعمرين الإنجليز بمهارة القائد السياسي، من بعد مفاوضات شاقة في أواخر الأربعينات، قبل أن يتم اغتياله قبل اشهر من جلاء الجنود البريطانيين عن بورما في عام 1948 ، فان ربيعة قدير اضطرت اضطرارا إلى النضال من الخارج مستندة إلى ارث واسم تكونا لها من خلال زج السلطات الصينية لها ولأولادها في المعتقل، وتعذيبها تعذيبا نفسيا، ومصادرة ممتلكاتها، وتشويه صورتها.

وعلى خلاف "سان سوتشي" المولودة في عام 1945 والمتخرجة من جامعة أكسفورد البريطانية الشهيرة، والحاصلة على درجات علمية من جامعات بريطانية وهندية أخرى في تخصص الفلسفة والسياسة والاقتصاد والتي اختارت بعد إكمال تعليمها أن تتزوج من شخص من غير مواطنيها هو البريطاني "مايكل أريس"، وتتنقل معه ما بين نيويورك وبريطانيا واليابان والهند، فان ربيعة قدير ولدت في يناير 1947 لأسرة متواضعة من مدينة "ألتاي" في شينغيانغ، ولم تكمل تعليمها بسبب فقر عائلتها – لذا فهي لا تجيد الإنجليزية وتعتمد في أحاديثها على مترجمين - وتزوجت في عام 1965 من احد مواطنيها لتنقل معه إلى مدينة "أكسو" في شينغيانغ مع بدايات ثورة "ماو تسي تونغ" الثقافية المجنونة التي أدخلت ربيعة وزوجها ونشاطهما في مجال بيع الملابس ضمن عملية التطهير الثقافي، الأمر الذي أدى إلى إفلاس ربيعة ماديا وطلاقها من زوجها، قبل أن تتزوج مرة أخرى في عام 1981 من أستاذ الجامعة المساعد "صديق روزي" وتنتقل معه إلى عاصمة شينغيانغ "أورومتشي". لكن ربيعة كانت وقتها قد عرفت كيف تستفيد من حركة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي في بلادها من اجل استعادة بعض مما سلب منها من ممتلكات في الحقبة الماوية. فأسست إمبراطورية أعمال شملت سلسلة من محال غسيل الملابس وسلسة أخرى من المتاجر الكبرى المتخصصة في تسويق الأزياء التقليدية، إضافة إلى العمل في مجال العقارات. وبالمثل عرفت ربيعة كيف تستفيد من انهيار الاتحاد السوفيتي و قيام جمهوريات آسيا الوسطى كدول مستقلة، وما رافق ذلك من نشاط تجاري عبر الحدود، لتؤسس المزيد من الشركات التجارية العاملة ما بين الصين وروسيا وكازاخستان. وهكذا لم يحل عام 1995 إلا وهذه السيدة تحتل المرتبة الثامنة ضمن أغنى أغنياء الصين بحسب تصنيف مجلة "فوربز" الأمريكية، وبثروة قيل أنها لا تقل عن 200 مليون يوان.

على أن هذه الثروة الكبيرة لم تنس ربيعة معاناة شعبها، بل أنها وظفت جزءا من أموالها في الأعمال الخيرية والمشاريع المحلية الصغيرة الهادفة إلى رفع الظلم والحيف والفقر عن مواطناتها من نساء الايغور، وتأمين حياة كريمة لهن، مثل مشروع " أمهات الألف عائلة". ومن جهة أخرى ساهم نفوذها وحضورها الاقتصادي المذكور في لفت أنظار صناع القرار في بكين إليها، فتم منحها في عام 1993 عضوية الدورة الثامنة للمؤتمر الشعبي السياسي الاستشاري، ثم تم تعيينها كممثلة للصين في مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للمرأة في بكين في عام 1995 . إلى ذلك اسند إليها منصب نائب رئيس اتحاد الصناعة والتجارة في مقاطعة الحكم الذاتي لشينغيانغ، ورئيسة جمعية سيدات الأعمال في شينغيانغ.

ولعل ما ذكرناه في الجزئية الأخيرة يبين مدى اختلاف تعامل النظام الصيني مع ربيعة قدير عن تعامل النظام البورمي مع "اونغ سان سوتشي" فالأخيرة لم تنل من نظام بلادها منذ عودتها إلى بورما على عجل في عام 1988 للمكوث إلى جانب والدتها المشرفة على الموت، سوى سلب حريتها وقمع أنصارها وحرمانها من ابسط الحقوق الآدمية، بما في ذلك حرية التنقل والاتصال بالخارج والالتقاء بالأهل والأصدقاء.

وإذا ما عدنا لاستكمال مسيرة ربيعة، نرى أنها – رغم ما راكمته من ثروات وما حظيت به من مناصب رسمية – فقد آثرت برغبتها وإرادتها ألا تصمت حينما شاهدت قمع السلطات بوحشية للمئات من شباب الايغور في مدينة "غولجا" في عام 1997 ، فكانت انتقاداتها المتتالية للنظام ومطالباتها الملحة بإتباع سياسات مختلفة جذريا، سببا في انزعاج بكين منها، واتخاذ الأخيرة لقرار طردها من عضوية مجلس الشعب الوطني و إلغاء حصانتها ومصادرة جواز سفرها، كيلا تلتحق بزوجها "صديق روزي" الذي كان قد غادر الصين إلى الولايات المتحدة دون موافقة بكين، مما جعل الأخيرة تجبر ربيعة على الطلاق منه رسميا.

وفي أغسطس 1999 ، وبينما كانت ربيعة في طريقها لمقابلة وفد من الكونغرس الأمريكي مكلف بالتحقق من الأوضاع في شينغيانغ، القي القبض عليها بتهمة القيام بأنشطة انفصالية تهدد الأمن الوطني، وذلك في إشارة إلى قائمة لأسماء أكثر من 10 معتقلين قيل أن ربيعة كانت تحملها معها لتقديمها إلى الأمريكيين. بعد إلقاء القبض عليها، قدمت ربيعة إلى المحاكمة في عام 2000 ، وصدر حكم عليها بالسجن لمدة 8 سنوات – سنتان منها في الحبس الانفرادي. غير أنه بسبب ارتفاع أصوات منظمات حقوق الإنسان الغربية و ضغوطات إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، تم إطلاق سراح ربيعة قبل انقضاء مدة محكوميتها بسنتين. و كانت خطوة ربيعة التالية هي مغادرة الصين إلى الولايات المتحدة للسكن في فرجينيا بجانب زوجها، والعمل من هناك سويا من خلال ما يعرف بالمجلس العالمي للايغور، من اجل رفع الاضطهاد والظلم الواقع على مواطنيهما المسلمين، ناهيك عن الضغط على بكين حتى تفرج عن أولادهما الذين تعرضوا إلى مضايقات كثيرة منذ إطلاق سراح والدتهم، بل تم اعتقال 3 منهم (ابليكيم وعليم وقهر) في مايو 2006 قبل أن يطلق احدهم ويوضع تحت الإقامة الجبرية، كحال أخته "روشانغول" التي تعيش في الصين لكن تحت المراقبة والإقامة الجبرية أيضا.

وربما في المقطع الأخير من المقال، الكثير مما تتقاطع فيه سيرتا الامرأتين البورمية والايغورية. حيث تزامنت عودة "اونغ سان سوتشي" إلى بلدها في عام 1988 من بعد غياب طويل مع اندلاع مظاهرات تطالب بالديمقراطية شارك فيها الملايين من البورميين وقمعتها السلطات الحاكمة بوحشية ورعونة مخلفة آلاف القتلى. وإزاء هذا المشهد الرهيب، لم تتحمل سان سوتشي ما حصل فأطلقت في 8 أغسطس 1988 ما سمته بحرب الاستقلال الثانية. تلك الحرب التي وضعتها في مواجهة 400 ألف جندي تقودهم حفنة من الجنرالات القساة الذين لم يفعلوا شيئا للبورميين منذ إطاحتهم بالحكم الديمقراطي في عام 1962 سوى بث الرعب والخوف في نفوس أكثر من 48 مليون مواطن، فضلا عن احاطتهم بستار حديدي كيلا يتعرفوا على ما يحصل خارج بورما من تطورات سياسية واقتصادية وتكنولوجية. وكنتيجة لجرأة هذه السيدة في التعبير عن مطالب شعبها في الحرية والديمقراطية والانفتاح، وعدم قبول بالمساومات والاغراءات، وضعت سوتشي منذ عام 1990 قيد الإقامة الجبرية في منزلها في رانغون – باستثناء فترات قليلة جدا - ومنع عنها الاتصال بالعالم الخارجي. كما تعرض أنصارها في "الرابطة الوطنية للديمقراطية" إلى الاعتقال والضرب والتعذيب الجسدي والنفسي كيلا يتجرأوا و يطالبوا مجددا بتفعيل نتائج انتخابات عام 1990 التي فازوا فيها وألغاها العسكر.

الحال – أنه كما في نموذج ربيعة قدير – لم تنل حرب الأعصاب التي مورست ضد سوتشي من معنوياتها وطموحاتها كما لم يضعف ذلك من تيارها السياسي. فرغم سؤ التغذية الذي عانته في المعتقل والذي كان سببا في نقصان وزنها وتساقط شعرها واصفرار وجهها واضطرارها إلى بيع أثاث منزلها لشراء الطعام، كانت سوتشي لا تكف عن بعث الأمل في مواطنيها من خلال خطبها وإطلالتها عليهم من سطح منزلها، علاوة على ابتكارها طرقا لإيصال صوتها إلى العالم الخارجي من بلد يعتبر فيه استعمال الانترنت والهواتف الخليوية جريمة يعاقب عليها القانون.

وسوف تتطابق صورتا المناضلتين أكثر لو حصلت ربيعة – كما صار يتردد اليوم - على جائزة نوبل للسلام، التي منحت لسوتشي في عام 1991 تقديرا لصلابتها في مقاومة الديكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان.

وأخيرا فان المقارنة بين السيدتين لن يكون لها معنى وبالتالي سيكون كل ما أوردناه في السطور السابقة لاغيا لو ثبت أن المجلس الأعلى للايغور الذي تتزعمه ربيعة لها صلة ما بالجماعات الإرهابية الايغورية المنطلقة من الدول المجاورة للصين. ذلك أن أجمل ما في سيرة "سوتشي" انه لم يثبت سوى استخدامها للأسلوب الغاندي في مقاومة جلاديها.

د. عبدالله المدني
*باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : يوليو 2009
الايميل:

أمريكا تتحدى إسرائيل وتعلن انقلاباً عليها

محمد داود

يبدو أن الموقف الأمريكي هذه المرة أكثر جدية عن ذي قبل، وقد لمسنا في حدة التصريحات نوعاً من الإصرار الأمريكي على وقف الاستيطان باعتباره حجر عثرة يعرقل عملية التسوية السياسية في المنطقة والجهود الرامية لإقامة دولتين وفق ما تعهدت به إدارة بوش السابقة وإدارة اوباما الحالية، والتي تعهدت خلال حملتها الانتخابية بتسوية أوضاع الشرق الأوسط، وإقامة الدولة الفلسطينية.

الموقف الأمريكي في الفترة الأخيرة جاء استجابة للحملة الإعلامية التي قامت بها السلطة الفلسطينية رئيساً وحكومة ضد إجراءات الاحتلال التوسعية والاستيطانية والمطالب بإزالة الجدار العنصري وانسحاب الاحتلال من المدن الفلسطينية الواقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، هذه المطالب ترجمت من خلال الموقف الأمريكي الصريح الذي أدان إسرائيل وطالبها بوقف أنشطتها التوسعية .

ونحن لانبالغ في نعتنا لهذا التغيير "انقلاباً" لأنه حقاً انقلاب تاريخي مقارنة بالموقف والسلوك الأمريكي طوال أعوام سابقة، جيث يشكل تطوراً جديداً في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وإعلان صريح بأن الولايات المتحدة قد سئمت من السلوك الإسرائيلي وأن المعايير أصبحت مختلفة بعد أن كانت سلبية لانحيازها بشكل علني لإسرائيل، وبات جلياً أثناء الحرب على قطاع غزة، وحرب تموز 2006 على لبنان والدعم الأمريكي السخي المتنوع والنوعي " المادي والسياسي والعسكري واللوجستي" لإسرائيل واستخدام أمريكا لحق النقد الفيتو طوال عقود مضت لإفشال المشاريع الفلسطينية والعربية الداعية في مجلس الأمن الدولي لكبح جماح الإرهاب الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني والعربي في إطار اتفاقات التحالف الاستراتيجي بين الدولتين.

هذا الموقف أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق الذي انتهت ولايته بضربة حذاء، وقال إن إسرائيل إحدى الولايات الأمريكية، وأن شعب إسرائيل مكمل للشعب الأمريكي في العدد والعدة، وطالب بقيام الدولة اليهودية، وهو لايقل خطورة عن تصريح بلفور الذي أصبح وعداً فيما بعد.

التحدي الأمريكي بات بارزاً في هذه الأيام، بعد مطالب الولايات المتحدة بضرورة وقف إسرائيل عدوانها على قطاع غزة ورفع الحصار ووضع نهاية لمأساة الشعب الفلسطيني، يعد جملة رسائل نقلتها عواصم عربية وإسلامية ودولية وشخصيات مثل كارتر ومبعوث الرباعية وهيئات حقوق الإنسان الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، لمن يدعي حماة الإنسانية والسلم والديمقراطية والحرية في عالم غزته العولمة وأصبح قرية صغيرة وكتلة متحدة.

طلب أمريكا تزامن في لحظة أعلنت أنها ستوقف دعمها المالي المخصص لإسرائيل، وفي المقابل إعلانها صرف مبلغ 200 مليون دولار من 900 مليون دولار قررت أمريكا دعم خزينة السلطة الفلسطينية، ودعم مشاريع أخرى إنسانية، هذا التطور الخطير بالنسبة لإسرائيل في السياسية الأمريكية بات واضحاً أثناء زيارة نتنياهو للولايات المتحدة ومطالب أوباما من نتياهو والذي خاب ظنه رغم ضغوط اللوبي الصهيوني، جميعها التقت مع إعلان أجهزة الأمن الأمريكية عن حملة اعتقالات واسعة طالت حاخامات يهود واقتحام كنس ومعاهد يهودية بعد كشفها لشبكة دولية واسعة للغاية مع فروع في الولايات المتحدة وإسرائيل وسويسرا ساهمت في تبييض أموال وتقديم رشاوى والمتاجرة بالأعضاء وتزيف واحتيال...ووضع هذه الأموال لحسابات مصرفية إسرائيلية وحاخامات منهم الحاخام عوفاديا يوسف وغيره .

إن السياسيون الأمريكيون أدركوا أخيراً أن مصالحهم في المنطقة أصبحت في خطر و أخذت تتضرر، وأن الدول العربية والإسلامية أخذت تتملل من الموقف الأمريكي الداعم للاحتلال، وعبرت خلال زيارتها للولايات المتحدة أنها لاتقبل هذا الانحياز والكيل بمكيالين، وأن هناك استحقاقات لحل الصراع بالجملة قد طال انتظاره وقد آن الأوان لأن يطبق، لاسيما بعد بروز دول إقليمية كبرى، وصعود أقطاب جديدة على الساحة الدولية، أهمها التحدي النووي الإيراني.

في هذا الخضم والسجال على الجبهة الأمريكية الإسرائيلية، التي سيكون لها تداعيات كبيرة إذا استثمرت فلسطينياً وعربياً وربما تخلف انقلابا تاريخياً في موازين الصراع العربي الإسرائيلي، لذلك ندعو الأطراف الفلسطينية إلى إنهاء الانقسام والشرخ الفلسطيني، وتوحيد الخطاب الإعلامي ضمن حملة إعلامية محلية وإقليمية ودولية ضخمة ضد الاستيطان والجدار و حقوق الشعب الفلسطيني، حتى ننال حقنا في العيش بكرامة.

كاتب وباحث

حصار غزة مستمر في سياقه الإقليمي

نقولا ناصر

في اجتماع دولي افتتح بجنيف يوم الأربعاء الماضي ونظمته لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف لبحث مسؤولية المجتمع الدولي عن تطبيق القانون الإنساني الدولي لحماية المدنيين الفلسطينيين غداة العدوان الذي شنته دولة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة أوائل العام الجاري ومناقشة نتائج التحقيقات التي قامت بها الأمم المتحدة ومقررها الخاص جون فولك – الذي ما زالت حكومة الاحتلال تمنعه من الدخول -- وجامعة الدول العربية وبرلمانيون دوليون وغيرهم من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، أجمع المتحدثون على أن المجتمع الدولي ما زال عاجزا عن تحمل مسؤولياته عن فك الحصار المفروض على القطاع، وعن إلزام دولة الاحتلال بالتزاماتها وهو ما حثها عليه في رسالة إلى المجتمعين الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي – مون، بينما أدان رئيس اللجنة المنظمة، بول بادجي، استمرار دولة الاحتلال في الاستهتار الكامل بالقانون الإنساني الدولي، وأدان رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ميغويل ديسوتو بروكمان، في بيان قرئ باسمه المجتمع الدولي نفسه لأنه ما زال يقف "صامتا" بعد مضي ستة أشهر على صدور قرار الجمعية العامة الذي حث على رفع الحصار المفروض على حرية حركة الناس والسلع من القطاع وإليه، معتبرا أن الحرب على غزة "لم تنته بعد"، وأن "الحصار مستمر".

لكن المفارقة المثيرة للسخط حقا أن القوة الأميركية العظمى التي ما زالت تهيمن على قرار المجتمع الدولي لم تكتف ب"الصمت" الذي أدانه بروكمان، بل إنها ما زالت مصرة كما يبدو على قلب الحقائق وتزييفها أمام الرأي العام العالمي، كما يستدل من الرسالة التي وجهها رئيس البيت الأبيض، باراك أوباما، أوائل تموز / يوليو الجاري إلى عاهل المغرب الملك محمد السادس ليحثه على استثمار المساعي الحميدة للمملكة ليس من أجل فك الحصار عن غزة بل من أجل "فك العزلة" العربية والإسلامية عن دولة الاحتلال ب"جسر الفجوات بين إسرائيل وبين العالم العربي"، وحتى عندما حاول أوباما أن يكون متوازنا في رسالته لكي يدعو دولة الاحتلال إلى وقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات التي توصف بالعشوائية وإزالة حواجز الطرق فإنه لم يتطرق البتة إلى ضرورة فك الحصار عن القطاع، لا بل إنه بدا كمن يحرض على استمرار هذا الحصار عندما حث المغرب أيضا على دعم سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في رام الله "في بناء قوات أمنها لمواجهة الإرهاب وإنهاء التحريض" ضد الاحتلال، على ذمة وكالة الأنباء المغربية الرسمية في الرابع من الشهر، في إشارة غير مباشرة إلى المقاومة المحاصرة في قطاع غزة.

وقد بدأ المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشيل جولته الثالثة في المنطقة على خلفية موقف أميركي يسعى إلى فك "العزلة" العربية عن دولة الاحتلال، وهي عزلة مخروقة على نطاق واسع على كل حال، في إطار مواصلة الحصار الإسرائيلي الأميركي العربي على قطاع غزة باعتباره جزءا من المواجهة الأوسع مع إيران، في إطار ما قال ناثان غوتمان في صحيفة "فوروورد" اليهودية يوم الأربعاء الماضي إنه "تعهد" قدمه أوباما لممثلي الجالية اليهودية الأميركية في الثالث عشر من الشهر الحالي باعتماد مبدأ "التبادلية" لمبادلة الضغط على دولة الاحتلال لوقف نشاطها الاستيطاني بالضغط على العرب للتطبيع معها، لأن "التقدم نحو السلام لا يمكن أن يكون مسؤولية الولايات المتحدة – أو إسرائيل – وحدهما"، ولأن على "الدول العربية مسؤولية .. تهيئة جماهيرها .. لقبول مكانة إسرائيل في المنطقة"، ولأن مبادرة السلام العربية لوحدها "لم تعد كافية"، كما قالت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون بعد يومين.

وقد اتضح خلال الأيام القليلة الماضية أن الإدارة الأميركية ودولة الاحتلال الإسرائيلي كلتاهما تستخدم فزاعة "الخطر النووي الإيراني" لابتزاز العرب، فالوزيرة كلينتون، من تايلاند الأربعاء الماضي، استخدمت هذه الفزاعة للترويج ل"مظلة دفاعية" أميركية فوق المنطقة لتحييد القدرة الإيرانية "على المضايقة أو الهيمنة"، بينما تستخدم دولة الاحتلال الفزاعة ذاتها لصرف الأنظار بعيدا عن احتلالها للأراضي العربية في فلسطين وسوريا ولبنان من أجل تحييد ضغوط الإجماع الدولي على "حل الدولتين" .

وفي هذا السياق تندرج جولة ميتشل الجديدة، التي كانت الإمارات العربية المتحدة محطتها الأولى وسوريا محطتها الثانية، في رسالة لا تخفى دلالتها بأن عقدة الصراع العربي الإسرائيلي عربية، لا فلسطينية، وبأن حلها حسب الفهم الأميركي يبدأ في العواصم العربية لا في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبأن مهمة ميتشل للتهدئة على جبهة هذا الصراع تندرج في خدمة المخطط الأميركي – الإسرائيلي الأوسع للهيمنة الاستراتيجية على المنطقة. إن وصول وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي يوم الاثنين، ثم وصول مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز إليها يوم الثلاثاء التالي مصحوبا بوفد من مسؤولي البيت الأبيض ووزارات ووكالات أميركية عديدة لعقد "اجتماع استراتيجي" مع نظرائهم الإسرائيليين، على ذمة يديعوت أحرونوت الصادرة الأربعاء الماضي، لا يترك مجالا للشك في الإطار الإقليمي الذي تندرج فيه مهمة ميتشل.

وفي السياق ذاته جاءت أوامر تل أبيب بإجراء مناورات لسلاح الجو لمسافات طويلة تغطي المسافة بين فلسطين المحتلة وبين إيران، ثم إرسالها غواصة "دولفين" نووية لحقت بها بعد أيام سفينتي صواريخ حربيتين عبر قناة السويس إلى البحر الأحمر، في ما وصفه عبد الباري عطوان رئيس تحرير القدس العربي اللندنية ب"العربدة الإسرائيلية"، لكن تسويغ وزير الخارجية المصري احمد أبو الغيط له (16/7/2009) بأنه كان تطبيقا لاتفاقية القسطنطينية لعام 1888، بعد أن خفف من أهمية الحدث بالتكهن بأنه ربما جاء في سياق "مناقلات" لقوات دولة الاحتلال، قد حول العربدة الإسرائيلية إلى عربدة سياسية عربية للتغطية على العربدة الأميركية الأخطر في المنطقة.

في أواسط الشهر الحالي تأخرت الموافقة المصرية على دخول قافلة "عاشت فلسطين" الأميركية إلى قطاع غزة لأن السفارة الأميركية في القاهرة اشترطت توقيع المشاركين فيها على "إفادات" موثقة قانونيا يتنازلون بموجبها عن حقوقهم كمواطنين أميركان في حماية حكومتهم لهم، لتجعل منهم عبرة لمن يفكر غيرهم من الأميركيين بكسر الحصار المفروض على غزة، حيث لم يكتف العدوان الإسرائيلي بقصف المدرسة الأميركية بل "دمرها بالكامل"، كما قال عضو مجلس بلدي مدينة نيويورك المشارك في القافلة شارلز بارون.

والناقد العربي والفلسطيني لهذه السياسة الخارجية الأميركية، التي توفر بيئة سياسية موضوعية لجعل أي عدون جديد على غزة مسألة وقت فقط، يجد نفسه كبالع السكين وهو يلوم المجتمع الدولي على صمته أو يلوم أوباما على عدم صمته، بسبب حرج مطالبتهما بأن يكونوا فلسطينيين أكثر من القيادة الفلسطينية التي يعترف أوباما والمجتمع الدولي بها ممثلة للشعب الفلسطيني ومفاوضة باسمه، فهذه القيادة نفسها ممثلة في الرئاسة الفلسطينية برام الله قد أصدرت مراسيم رئاسية تعتبر المقاومة بعامة "خارجة على القانون"، وتعتبر وجودها في القطاع بخاصة "انقلابا" يمثل امتدادا إقليميا لإيران في إهانة صارخة لتاريخ لم ينقطع من الكفاح الوطني الفلسطيني استمر قبل إيران وسوف يستمر بعدها بالتأكيد، وهي قيادة لم تعتمد حتى الآن إنهاء حصار قطاع غزة شرطا مسبقا لاستئناف التفاوض مع دولة الاحتلال لا يقل أهمية عن وقف الاستيطان الاستعماري للأرض الفلسطينية.

*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*

رداً على سؤال: الأمريكان لماذا يكرهوننا؟

راسم عبيدات

........ دائماً تتساءل الإدارات الأمريكية المتعاقبة،لماذا يكرهنا العرب والمسلمون،وما هي أسباب هذا الكره،وهل هذا الكره له علاقة باللون أوالدين أوالجنس أو العرق أم ماذا؟.

والغريب هنا أن الإدارات الأمريكية تعرف وتعلم جيداً أن الكره العربي- الإسلامي ليس قائماً على تلك العوامل أو الأسباب،وهوليس كرهاً أو معاداة للشعب الأمريكي،بل هذا الكره له علاقة بالسياسة الخارجية الأمريكية،هذه الكره نابع من العداء الأمريكي المطلق للقضايا العربية والإسلامية وفي القلب منها القضية الفلسطينية،والدعم اللا محدود لإسرائيل في كل جرائمها وخروجها عن القانون الدولي،بحيث أضحت اسرائيل بفضل الدعم والمساندة الأمريكية في كل المجالات والمحافل الدولية،الدولة الوحيدة فوق القانون الدولي،والتي لا تلتزم أو تحترم أو تنفذ وتطبق قرار لهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة.

والمواقف العدائية الأمريكية للقضايا العربية والاسلامية بلغت ذروتها في عهد المحافظين الجدد وتحديداً بعد أحداث البرجين أيلول/ 2001،حيث وضعت الادارةالأمريكية العرب والمسلمين بالمجمل وبالذات حركات المقاومة الدينية والعلمانية منها مثل حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية،وكذلك قوى المقاومة العراقية وغيرها في قالب واحد مع الحركات الأصولية المتطرفة من منظمات سلفية ومتشددة كالقاعدة وغيرها ووصفتها"بالإرهاب"،وأسقطت حق الشعوب في المقاومة والنضال من أجل نيل حريتها واستقلالها وتقرير مصيرها،كما نصت عليه الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية.

وللتذكير هنا نقول أنه بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وعقد مؤتمر باريس عام 1919،كان الرئيس الأمريكي ويدرو ويلسون،هو من الداعين الى حق الشعوب في تقرير مصيرها،ولكن هذا الحق جرى التنكر له عندما تعلق الأمر بالشعب الفلسطيني،ولعله من المفيد أن نسلط الضوء بشيء من التفصيل على إزدواجية "وتعهير" المعايير والمباديء الدولية والإنسانية وتوظيفها وتطبيقها ليست كقيم ومعايير ومباديء انسانية،بل انتقاءها وفق خدمتها وانسجامها مع المصالح والأهداف الأمريكية والغربية،وطبعاً في المقدمة منها ما يخدم اسرائيل وبقاءها فوق القانون الدولي.

هذه السياسة الأمريكية والتي قامت في عهد المحافظين الجدد على تقسيم العالم الى قوى "خير" تمثلها أمريكا وأوروبا واسرائيل ومعها توابعها على المستوى العالمي من عرب ومسلمين وغيرهم،وقوى" الشر" وفي المقدمة منها حركات المقاومة وفي المقدمة منها الفلسطينية واللبنانية والعراقية ودول مثل كوريا الشمالية وايران وسوريا وغيرها،واستندت تلك السياسة الى شن حروب استباقية،بالنتيجة أثبتت فشلاً ذريعاً في السياسة الخارجية الأمريكية،وخلقت المزيد من قوى المقاومة للوجود والمشروع الأمريكي في المنطقة،ناهيك أن تلك السياسة ساهمت الى حد كبير في خلق قوى وحركات مغرقة في التطرف وجدت في القتل من أجل القتل رداً على السياسات الأمريكية والغربية وانحيازها المطلق لصالح اسرائيل،وخلق المزيد من العداء تجاه أمريكا والغرب،وخصوصاً إن ما كانت تسوقه أمريكا ومعها أوروبا الغربية من حجج وبراهين وذرائع لسياساتها وحروبها الاستباقية،لا يصمد أمام الحقائق والواقائع،ولعل تقرير بيكر- هاملتون أشار الى فشل السياسة الخارجية الأمريكية بشكل واضح وصريح.

فأي عاقل سيقتنع ان احتلال أفغانستان والعودة بها الى العصور البدائية،هو من أجل القضاء على"الارهاب" ممثلاً بحركة طالبان،تلك الحركة التي ترعرت في كنف أمريكا وأجهزة مخابراتها وقدمت لها الدعم العسكري والمالي لمحاربة الروس اثناء وجودعم في أفعانستا ن ووصفتهم بمقاتلي الحرية،واليوم بتعارضهم مع المصالح الأمريكية أضحوا "ارهابيين" ومن ثم يتم الإعاز الى العربية السعودية لمحاورتهم والبحث عن امكانية مشاركتهم في الحكومة الافغانية،واحتلال العراق وتدميره ونهب خيراته وثرواته وقتل وتشريد أبناءه،ألم يتم تحت حجج وذرائع ثبت كذبها وزيفها من طراز امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل الى نشر وتعميم الديمقراطية على الطريقة الأمريكية من خلال مجموعة من اللصوص والفاسدين،والتي جعلت الشعب العراقي يتوق لعهد الرئيس الراحل صدام والذي بكل مساوئه أو سلبياته أفضل مئة مرة مما جلبته لهم أمريكا من حكام وديمقراطية زائفة؟.

واذا ما عرجنا على فلسطين فهنا تتجلى بشكل فاقع نفاق وازدواجية "وتعهير" أمريكا والغرب لكل المعايير والقوانين الدولية،فالذي حكم سياسة أمريكا وأوروبا الغربية من اسرائيل وما تقوم به من ممارسات واجراءات عدوانية وعقابية بحق الشعب الفلسطيني،ليس المواثيق والأعراف والقوانين الدولية،بل توفير الدعم والغطاء سياسيا وعسكريا وماليا واعلامياً لها في كل مخالفاتها وخروجها على القانون الدولي،ولم يتم استخدام سياسة العصا ضد اسرائيل مرة واحدة عقابا لها على كل تجاوزاتها وممارساتها التي لا تتفق مع القانون الدولي،بل دائماً قفازات حرير ومد حبل النجاة لها والدعم والتشجيع على تلك الممارسات،وهذا ليس مجرد كيل اتهامات أو انشاء،بل حقائق يعرفها القاصي والداني،وهنا نسجل الكثير الكثير،فكم مرة حمت أمريكا اسرائيل من أية عقوبات دولية تفرض عليها نتيجة لتجاوزاتها وجرائمها،من خلال استخدامها حق النقض "الفيتو" ضد قرارات ادانتها في مجلس الأمن الدولي،فأمريكا التي تعرف جيداً بطلان قرار ضم مدينة القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل ،أنه مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي،وهي على هذا الصعيد كانت تشجع اسرائيل بدل إدانتها،بدلالة أن كل مرشحي الرئاسة الأمريكية كانوا يتسابقون،على طرح نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس،وأمريكا تعرف وتعلم أن جدار الفصل العنصري غير شرعي ويدمر حياة الفلسطينيين،وهناك قرار لمحكمة العدل الدولية،بإزالته وتفكيكه وتعويض الفلسطينيين عن ما لحق بهم من أضرار جراء ذلك الجدار،وأمريكا تعلم جيداً أن الإستيطان غير شرعي في الضفة الغربية والقدس،ويلتهم الأرض الفلسطينية،ولا يترك مجالاً لأية مفاوضات أو تحقيقاً لا لرؤية بوش التي لم تتحقق ولا حتى لا رؤية أوباما في إقامة دولة فلسطينية،وأمريكا تعلم وتعرف أن القدس تتعرض للتهويد والأسرلة والتطهير العرقي،حيث هدم المنازل بالجملة،بل ويطال أحياء بأكملها،وأمريكا تعلم وتعرف أن الكثير من قادة اسرائيل وضباط جيشها ارتكبوا جرائم حرب في الضفة والقطاع،واستخدموا أسلحة أمريكية محرمة دولياً،ليس فقط في العدوان الأخيرعلى القطاع غزة،بل وفي أكثر من عدوان وغارة،وأمريكا تعلم وتعرف وتشارك في حصار الشعب الفلسطيني عقاباً له على خياره الديمقراطي والذي أفرز قوى لا تتفق والرؤيا والأهداف الأمريكية،والجميع يعرف أن أمريكا لا تلزم أو حتى تدعو اسرائيل الى الإلتزام بقرارات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن،بل لم تلزم اسرائيل على إزالة ليس مستوطنة بل"كرفان" استيطاني واحد،والجميع يعرف أن أمريكا لا يهمها لا مصالح الشعب الفلسطيني ولا حقوقه المشروعة،بل هم الأول والأساس أمن اسرائيل،وما دون ذلك فليذهب الى الجحيم،والجميع يعرف أن أمريكا شجعت وتواطئت مع اسرائيل في اقتحامها لسجن أريحا واعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات،والجميع يعرف أن أمريكا لا تكترث لمصير أحدعشر ألف أسير فلسطيني وعائلاتهم،بل الهم الأول والأساسي لها الجندي الإسرائيلي المأسور"شاليط".

ولو استمرينا في تعداد نقاط ومواقف الإنحياز الأمريكي لصالح اسرائيل والإزدواجية والنفاق"وتعهير" المعايير والمبادىء والقوانين الدولية لربما احتجنا الى مجلدات.

وبعد كل ذلك يأتي الرئيس الأمريكي ليعرض علينا بلغة جديدة بضاعة قديمة فاسدة،وهي دولة فلسطينية خلال أربعة أعوام مشروطة ليس بإنهاء الاحتلال مقابل التطبيع،بل التطبيع مقابل الاستيطان،وتحسين الشروط والظروف الاقتصادية للفلسطينيين تحت الاحتلال بصندوق دعم عربي ودولي،أي تأبيد الاحتلال.

ونحن نعرف أن التغير في المواقف الأمريكية والأوروبية الغربية،رهن بالتغير في العالم العربي،وبدون شعورأمريكا وأوروبا الغربية بتهديد جدي لمصالحها في العالم العربي،وتوظيف كل مقومات القوة العربية الاقتصادية والمالية والتجارية وحتى خيار المقاومة،فلن يحدث أي تغير فعلي في المواقف الأمريكية على الأرض،ولعل الجميع يدرك جيداً أن بعض المواقف التي يتخذها مجلسي الشيوخ الأمريكي "الكونغرس" والنواب من الشعب الفلسطيني أكثرتطرفاً من المواقف الإسرائيلية نفسها،والشعب الفلسطيني يعي تماماً أن أمريكا وأوروبا الغربية تسعيان الى ادارة الأزمة لا حلها،ولكن على أمريكا وأوروبا الغربية أن يعرفا جيداً،أنه بدون حل القضية الفلسطينية وفي المقدمة منها قضية القدس،فإن علاقاتهما بأكثر من مليار ومئتي نليون مسلم ستبقى متوترة وتتجه نحو التفاقم،وولادة المزيد من القوى والحركات المغرقة في التطرف،قد تبدو معها أحداث البرجين والعمليات التفجيرية مجرد لعب أطفال،فالثورة المعلوماتية والتكنولوجية،ستجعل استخدام تلك القوى لأسلحة الدمارالشامل احتمالية قائمة،بل ولن تقف الأمور عند حد تهديد المصالح الاقتصادية والتجارية والبضائع الأمريكية في الوطن العربي،بل سيطارد الأمريكي على هويته في طول الوطن العربي وعرضه .

والشعب الفلسطيني لا يريد "كلشيهات" وشعارات،بل ما يريده خطوات عملية،يريد أن يرى موقف عملي أمريكي واحد،موقف يلزم اسرائيل بوقف الإستيطان بشكل كامل في الضفة والقدس،حينها يشعر الشعب الفلسطيني ببداية تغير جدي في المواقف الأمريكية،وما دون ذلك فمشاعر الكراهية للأمريكان ستتصاعد فلسطينيا ًوعربياً ولن تشفع لها أو تحمي مصالحها النخب والقيادات الفاسدة وأنظمة القمع التي تحتضنها وتحميها .

الخميس، يوليو 23، 2009

محاورة أيون الأفلاطونية أو الينبوع الفلسفي الأول للهرمينوطيقا

زهير الخويلدي

"فما زال التأويل هو أصعب جوانب فني بكل تأكيد. وإنني لأرى في نفسي القدرة على أن أتحدث عن هوميروس أفضل من أي شخص آخر."[1]

ارتبط اسم الهرمينوطيقا بهرمس رسول الآلهة أولمب في الميثولوجيا الإغريقية الذي ذكر أنه ينقل الرسائل من زيوس كبير الآلهة وينزل بها من العالم السماء إلى مستوى البشر في الأرض فكان بالتالي خير وسيط بين عالم السر الغيبي وعالم العلن المرئي ولكنها ارتبطت أيضا بالتفسيرات الهيمورية (نسبة إلى الشاعر هوميروس) وكتابي العبارة وفن الشعر لأرسطو ، ولكن محاورة أيون لأفلاطون هي أيضا من الينابيع الصافية التي نهل منها مؤسسي هذا الاختصاص النبيل الذي سمي منهج تفسير النصوص الدينية أو نظرية في التأويل أو فن في الفهم.

ربما من فضائل محاورة أيون الأفلاطونية- المشكوك في صحة نسبتها إليه- أنها أرست التقاليد الأولى السؤال الهرمينوطيقي حول الجدارة والصناعة بالنسبة إلى الراوي وطرحت الأدوار التي يلعبها المؤلف والقارئ وسلطة النص والسياق الاجتماعي الذي تشكل فيه وبحثت في قضايا المعنى والحقيقة والطبيعة والقيمة والإنسان وما يضطلع به من مسؤولية في الحياة. ولعل أهم إشكال مطروح منذ البداية في هذه المحاورة هو: ما علاقة تصور أفلاطون للهرمينوطيقا في محاورة أيون بتصوره للغة ولطبيعة العلاقة بين الكلمات والأشياء في محاورة الكراتيل؟ وهل أن الخطاب الهرمينوتيقي يقتصر على مجال اختصاص معين دون آخر أم أنه خطاب كوني يتناول جميع التجارب الحياتية وكل الحقول المعرفية دون استثناء؟ بأي معنى نتحدث عن كونية الخطاب الهرمينوطيقي؟ وهل يمكن للهرمينوطيقي أن يرتقي إلى مرتبة الفيلسوف؟ بأي معنى نسند حرفة الفهم والتأويل إلى الشعراء في حين أن أفلاطون أطردهم من المدينة في محاورة الجمهورية لابتعادهم عن الحقيقة واتقانهم فن الكذب والخداع؟

لم ترتبط الهرمينوطيقا عند أفلاطون بالتلاوة الشفوية وبشرح النصوص ولا بالترجمة من لغة أجنبية إلى لغة متداولة ولكنها تنطلق منذ البدء من التجربة اللغوية بماهي علامة على وجود الإنسان في العالم وتستشكل المسألة في فضاء المهرجانات والتباري بالقصائد حيث العلاقة متوترة بين الباث- الراوي والمتقبل- الجمهور وحيث الرسالة تخفي المطلوب وتطلب من المتفرج قدرة على فك الرموز من أجل تحصيل الفهم. يؤكد أفلاطون على أن الهرمينوطيقا فن وأن الماهر فيها هو الذي يظهر في أحسن صورة ويجعل من المعنى هو مقصده الأسنى بقوله على لسان سقراط:" إن فهم هوميروس ليس مجرد حفظ كلماته عن ظهر قلب، ولن يتسنى لإنسان أن يكون راوية قصائد ملحمية ما لم يفهم المعنى الذي يرمي إليه الشاعر لأن الراوية ينبغي عليه أن يؤول عقل الشاعر لمستمعيه. وما كان له أن يؤوله حق تأويله ما لم يعرف ما يعنيه."[2]

إن الهرمينوطيقا ترتبط بالشعر والرواية وتتطلب الإتقان في الحديث عن الآخرين وحسن التقديم والقدرة على بلوغ درجة الاتحافات الهومرية والمهارة في تأويل نقاط الاتفاق بين سائر الشعراء. منذ اللحظة أولى يظهر الهرمينوطيقي كرجل اختصاص ومتبحر في قطاع معين وهو ما يختلف عن الفيلسوف كباحث عن الكلي ومدعى المعرفة المطلقة التي تشمل المؤتلف والمختلف بين المجالات جميعها.

إن الفن الحقيقي هو الذي يكون أبعد عن التمويه والخيال قريبا من الحق والجمال والخير وبالتالي ينبغي أن يكون الشعر متجها نحو حث الإنسان على فعل الخير ويصور المرء بشكل ملائما ويجعله قدوة لغيره، كما أن الحب هو القوة الفنية الإبداعية والخالقة التي يشترك فيها الفن مع الفلسفة.

الإشكال الذي يعالجه أفلاطون بعد ذلك هي قواعد هذا الفن الذي يسمى هرمينوطيقا ويطرح على النحو التالي: هل الهرمينوطيقا فن يتقنه المؤول عن حرية أم أن ذلك يتم وفق قواعد؟ هل هذه القواعد خاصة بقطاع معين أم أنها كلية؟ هل هي ثابتة أم متغيرة؟

يحل أفلاطون هذا الإحراج بقوله: "لو كنت قادرا على أن تتحدث عنه وفقا لقواعد الفن لكان تسنى لك أن تتحدث عن بقية الشعراء، فالشعر كل (لا يتجزأ)...انه عندما يكتسب إنسان معرفة فن بكليته فإن بحثه في الجيد والرديء يكون أمرا واحدا بعينه"[3].

هنا يعلن أفلاطون على خلاف القراءات السائدة بأن المؤول له درجة الفيلسوف وأنه يرتقي إلى مرتبة الحكيم شريطة أن يقلع عن التعامل مع اختصاصه على أنه علم ويمارسه كفن وينبغي كذلك ألا يكون هذا الفن مقتصرا على موضوع دون أخر ومقيدا بقواعد وإنما يجب أن يكون كليا وعن موهبة ومهارة عالية يتجلى فيها الذوق والحس المرهف المعبران عن الحرية الإنسانية في أعلى درجاتها، في عين المسألة يقول:" إنما أنتم الحكماء معشر الرواة والممثلين، وكذلك الشعراء الذين تتغنون بأشعارهم. أما أنا فواحد من سواد الناس يتكلم الحقيقة فقط."[4]

الفرق بين الفيلسوف والهرمينوطيقي هو أن الأول ينشد الحقيقة ويسلك في سبيل ذلك منهجا يسير فيه وفق خطوطا مستقيمة بينما يطلب الثاني المعنى وقلما يظفر به لصعوبة الفن الكلي الذي يؤدي إليه. إن الهرمينوطيقا ليست التأويل وعلاقتها به هي مثل علاقة النوع بالجنس وذلك لعدم التقيد بقوانين صارمة وقوالب ضيقة تمنع الراوي من ترسل الكلام والاستطراد المتكرر والتأويل اللامتناهي ومن الإفادة والإضافة والتوسع والتبحر في الموضوع الذي يتحدث عنه خاصة وهو يوظف اللغة والخيال والسرد ويستلهم روح الخلق من عالم السماء المليء بالآلهة وقد جاء على لسان سقراط:"كثيرة هي الأقوال البليغة التي يتحدث بها الشعراء عن أفعال البشر، غير أنهم...لا يفرغون قولهم بواسطة أي قواعد فنية. انهم ببساطة مدفوعون الى نطق ما تمليه عليهم آلهة الشعر دون غيره."[5]

هذا الدرس الأفلاطوني الافتتاحي انتبه إليه هانس جورج غادامير ولذلك جعل من الهرمينوطيقا فلسفة وقدم مطلب المعنى على الحقيقة وأعطى أولوية لقيمة الفهم على التأويل. لكن ماذا يقصد أفلاطون بقوله:"إن الشعراء ماهم الا مترجمو الآلهة الذين يتلبسونهم مرارا. أليس هذا هو الدرس الذي أراد الله أن يلقنه عندما غنى بلسان أسوأ الشعراء أجمل الأغنيات؟"[6] ولماذا اتفق سقراط وأيون على أن:" الشعراء المجيدين بواسطة الهام الهي يترجمون لنا أقوال الآلهة"؟[7]

إن اعتبار العلاقة بين الكلمات والأشياء نتيجة الاصطلاح والمواضعة وليست نتيجة الضرورة والقانون الوجودي في محاورة الكراتيل قد يعطي للشاعر فسحة من الحرية لكي يؤثث بالكلام ويبني عالما يتجاوز به العالم المرئي الذي لا يرضى عنه نحو دنيا التصور والخيال والإمكان. ألم يقل هو نفسه في محاورة الطيماوس:" إن العلم يأتي عن طريق التعليم أما التصور الصحيح فيأتي عن طريق الإقناع."؟

ما تبقى من المحاورة هو تساؤل عن دليل التأويل وعن التأثير على المستمعين وأفق الانتظار وجماليات التلقي واهتداء إلى ملكة الذوق التي تساعدنا على الحكم الأفضل وتمييز الجيد من الرديء وتمجيد الإلهام في التجربة الهرمينوطيقية وخاصة في فن الرواية. لكن ما معنى أن ينسب الهرمينوطيقي التضليل إلى الوعي وأن يفضل الإلهام مع البقاء في حالة اللاوعي بقول أيون في النهاية:" الإلهام هو الصفة الأنبل بما لا يحد"؟[8]

المرجع:

أفلاطون، محاورة أيون، ترجمة عادل مصطفي، مأخوذة من كتابه فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنيوطيقا، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007.

------------------------

[1] أفلاطون، محاورة أيون، ترجمة عادل مصطفي، مأخوذة من كتابه فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنيوطيقا، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007, ص.480.

[2] أفلاطون، محاورة أيون،, ص.480.

[3] أفلاطون، محاورة أيون، ص.ص.484.485.

[4] أفلاطون، محاورة أيون،,ص. ص.484-485

[5] أفلاطون، محاورة أيون، ص.487.

[6] أفلاطون، محاورة أيون،, ص.488

[7] أفلاطون، محاورة أيون،, ص.490

[8] أفلاطون، محاورة أيون، ص.501.

شركة الطاقة الفلسطينية .. تستحق وسام مصنوع من جلد الأحذية البالية

سامي الأخرس
اقل شيء يمكن أن يقدمه الإنسان في حالتنا المعاشة يومياً التي نصحو بها الساعة الثامنة صباحاً بلا كهرباء في مناخ تموز اللاهب حتى الساعة الثامنة مساءً، ثم التقطع في التيار الكهربائي كل خمس دقائق يدفع به المرء من أعصابه الكثير الكثير بعد يوم حار يلهب جسده وعقله، على العطل الذي يصيب حياته، وأجهزته الكهربائية التي لو أراد إصلاحها أو استبدالها يحتاج لثروة يرضى بها لعاب تجار الأنفاق، وجشع أشباه الرجال في جنة عدن القابعة تحت رحمة شركات الخصخصة والاستثمار بالبشر وبالخدمات، أمام هذه الحالة لا يسعني سوى الاقتراح بأن يكلل عنق القائمين على شركة الطاقة الفلسطينية من مديرها حتى غفيرها بوسام ولكن من نوع الجلد المصنوع من الأحذية البالية لأنه اقل ما يستحق هؤلاء اللصوص.
يعتقدون أن شعب غزة يقيم بفنادق خمسة نجوم، أو بفيلل وقصور بها مولدات كهربائية ضخمة لا تقف على مدار الساعة ومكيفات آخر طراز لا يبحثون عن كهرباء أو ضروريات وكلهم قادة ووزراء وأبناء أحزاب مدللون، فيتلاعبون بنا كيفما شاؤوا وهم محقين ولما لا وهم يدركون أن هذا الشعب مسدوح على قفاه ملكت منه البلادة حد اللامبالاة سوى بملء الأمعاء والاستلقاء بلحظة انتعاش بجوار هذه الزوجة يفرغ بها ما يضجره من شهوات، معتقداً إنه ملك كل ما يشبعه ويشبع عقلة وتفكيره الصغير، وإنه قهر الغيظ متناسياً إنه افرغ بوعاء مجرد من أي معاني الشعور والحياة.
أُدرك أن العديد سيتأفف من هذا المقال، ويخلق المبررات لشركة الطاقة الفلسطينية وكل شركات الاستثمار مرتدياً ثوب الوقار والعقلانية الأكذوبة التي يتجملون بها، ويرتدون شكلها الجمالي، ولكنها عفنة بداخلها يتكور بها جسد مجرد سوى من ألوان المكياج الزاهية اللامعة، البراقة، يعيش في خداعها كما تعيش الأنعام.
لست غاضباً وأنا أكتب تلك الكلمات، ولست في ثورة غضب وهيجان ولكنها نتاج حالة ترصد لأكثر من عام، أراقب بها ساعات استقبال الضيف العزيز" التيار الكهربائي"، فأحياناً أمنحهم العذر في فعل ما يشاؤوا لأنهم أمام شعب ارتضى الخضوع والخنوع والاستسلام، لا يقوى سوى على التصفيق كلما قطع التيار وأعيد مرة أخرى، مهرجين في حفلات ساخرة على أنغام الوجع والاه، وفي الختام يقولون لنا إصلاحات، هذه الإصلاحات اليومية لأكثر من ثلاثة أعوام كانت كفيلة بأن يقوم مبتدئين لا يفقهون بأعمال الصيانة من إمداد دولة جديدة في صحراء بشبكة كهرباء ، ولكنهم يتلاعبون بهذا الشعب لصالح كروشهم العفنة، ويتلاعبون بهذا الفقير الذي بالكاد يستحصل على قوته اليومي، ورغم ذلك فهو يستحق لأنه يدفن رأسه في وحل الخضوع والاستسلام، وهنا صدق رفيقنا المفكر " غازي الصوراني" وهو يحدثني بشجون عند سؤاله عن هؤلاء الفقراء، فيقول عن تجربة له في اقبية التحقيق بالأردن" في زمن السبعينات وأنا أعذب بالسوط بوضع اسماه الدجاجة" أي جعلوا من جسده دجاجة أرجلها عند رأسها" نظرت إلى الوجوه التي تضربني بالسوط فإذ هي عسكريان فقيران، فقلت بيني وبين نفسي يعذباني لأنني أدافع عنهم، وعن قضاياهم، هل ما افعله صواب؟!!
وهل نحن ما نفعله صواب في الدفاع عن هؤلاء وباسمهم "الفقراء" الذين دفنوا رؤوسهم في التراب واستلقوا في جهنم العذابات كأدوات تنفيذ؟
لست ميقناً أن النهاية ستكون هنا، بل هي ما ستمليه علينا الأيام عندما ننحدر لمزيداً من نار جهنم الحياة والاستزلام على نسائنا فقط إن كانت هذه النسوة في داخلها تنظر إلينا كرجال.
وآخر كلماتي وبكل قناعة وإصرار أتمني أن يأتي يوماً ونكلل أعناق شركة الطاقة الفلسطينية فعلاًُ أوسمة ولكنها مصنوعة من جلد الأحذية البالية لأنهم لا يستحقون أكثر من ذلك.

حتى وأنت في القبر، يا أبا عمار

د. فايز أبو شمالة
وكأن أبا عمار يطارد قاتليه، يلف حبل المشنقة على أعناقهم، حتى بات اسمه وهو تحت التراب يثير حنق، وغضب، وارتعاب أولئك الذين تآمروا على الرجل، ولاسيما وهم يتابعون ما يقال حول الموضوع، ويحللون رأي الكتاب بما أطلقه فاروق القدومي من قذيفة احترق بارودها على شوك اللحظة، وتناثر في كل اتجاه، بحيث يصعب لملمته دون جواب شافٍ يطفئ النار التي اشتعلت في قلوب الناس، ويجيب على السؤال: من هم قتلة أبو عمار؟ ولماذا تآمروا على الرجل؟ ولماذا لم يتم التحقيق؟ لقد بات الشارع الفلسطيني مقتنعاً أن أبا عمار قد قتل غدراً، ولم يمت على فراشة كالبعير، وهذا رأي كثير من الكتاب الذين تناولوا الموضوع بالتحليل العلمي، والتفكير العقلي، وبالمنطق، ومنهم الدكتور إبراهيم أبراش، وزير الثقافة السابق في حكومة فياض، والسيد حافظ البرغوثي رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة، والكاتب المصري المعروف السيد فهمي هويدي، لقد ناقشوا، وغيرهم الوثيقة التي عرضها القدومي بعلمية، وعقل متفتح، وفي حين استبعدوا أن يكون الرئيس عباس شريكاً في التآمر على القتل، ولكنهم كغيرهم لم ينكروا أن الرئيس أبو عمار قد قتل بالسم، وأن وراء قتل الرجل أهدافاً سياسية تخدم الدولة العبرية، ولها تغطية أمريكية، وأن الهدف هو رأس القضية الفلسطينية، ويجمع كل العقلاء الذين تناولوا هذا الموضوع على ضرورة درء الشبهة، ووأد الشك من خلال لجنة تحقيق دولية، تكشف عن الحقيقة كي تجلي عن كل عين قذاها.
أما أولئك الكتاب الذين سنوا أقلامهم للهجوم على القدومي دون وازع من ضمير، وسعوا لإزالة روح أبي عمار عن مكاتبهم، فهم ذاتهم الكتاب الجاهزون للطعن بكل من يخالف سادتهم الرأي، وهم ذاتهم الذين طعنوا في الأسير مروان البرغوثي عندما فكر في ترشيح نفسه للرئاسة منافساً لأبي مازن. هؤلاء الكتبة الذين اتهموا القدومي بالكذب والافتراء والجنون نسوا أنهم يتحدثون عن قائدهم، وعن زعيمهم لعشرات السنين، فإذا كان أمين سر حركة فتح، والرجل الثاني في الثورة، ومسئول الدائرة السياسية، وأحد أرباب البيت الفلسطيني كذاباً، ولاعب ورقٍ، وضارب دفٍ، فما هي شيمة أهل البيت الذي هم عماده؟
يبدو أن أبا عمار يصرُّ على ألا يغفر، وألا يتساهل في دمه، ويصر أنه سيعاقب قاتليه، ولن يتخلى عن تاريخه، وسيخرج لهم بأشكال جديدة ليحاسبهم، وكأنه تقمص سيرة شاعر الصعاليك الشنفري الذي أقسم أن يقتل مائة رجل من أعدائه، ولكنه مات بعد أن قتل منهم تسعة وتسعين، إلى أن جاء يوم، ومر عن قبره أحد أعدائه، فركل عظامه برجله، فجرح، والتهب الجرح، وأصابته الغرغرينا، ومات الرجل ليكون رقم المائة.
أبو عمار يلاحق قاتليه في فراشهم، ويحجبهم عن زوجاتهم، وهم يتخيلونه يدق عليهم الأبواب، ويكمن لهم تحت أسرتهم، ويتقافز لهم على مفارق الطرق، وفي مدخل العمارة، ويسبقهم إلى المصعد، ويرقبهم وهم يصعدون سياراتهم، ويطل عليهم بعينيه البراقتين، وهم في الحمّام، ويتوعدهم قائلاً للشعب الفلسطيني: ولكم في القصاص حياه يا أولي الألباب.

الأربعاء، يوليو 22، 2009

مصر "23 يوليو" .. ومصر كامب ديفيد

صبحي غندور

مع كلِّ عامٍ يمضي على ثورة 23 يوليو في مصر، تزداد حسرة العرب عموماً على افتقاد دور مصر في قضاياهم الكبرى، بل على التغيير السلبي الكبير الذي طرأ على دور مصر بعد وفاة قائد "ثورة يوليو" جمال عبد الناصر.

واهتمام العرب بهذه المناسبة "المصرية" هو اهتمام بحدثٍ أخرج مصر من حالة العزلة التي فُرضت عليها بعد سقوط "دولة محمد علي"، ثمّ بسبب الهيمنة البريطانية والأجنبية على شؤونها السياسية ومقدراتها الاقتصادية، بالتعاون مع شبكة مستفيدين من طبقة سياسية واجتماعية مصرية كانت تشكّل نصفاً بالمائة من عدد سكان مصر.

ولقد كان ذلك هو حال معظم البلاد العربية في منتصف القرن العشرين: فساد سياسي واجتماعي في الداخل، قائم على الاحتكار والإقطاع والاستغلال، في ظلّ هيمنةٍ أجنبية واحتلال. وتزامن هذا الواقع مع بدء التنفيذ الصهيوني والأجنبي لمشروع "دولة إسرائيل" في القلب الفاصل بين مشرق الأمّة العربية ومغربها.

فالأمّة العربية كلّها كانت تعيش هذا الحال رغم التجزئة التي حدثت لها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى واتفاقيات "سايكس بيكو" البريطانية/الفرنسية التي ورثت الهيمنة على الأراضي العربية بعد سقوط الدولة العثمانية.

إذن، ثورة 23 يوليو في مصر عام 1952 لم تكن حدثاً عادياً في بلد عربي صغير، بل كانت نموذجاً رائداً لحركة تحرّر وطني عام، ولتغيير اجتماعي وسياسي شمل المنطقة العربية، وترك آثاراً هامّة على شعوب أفريقيا وأميركا اللاتينية وعلى معظم دول "العالم الثالث" التي كانت تعيش أيضاً ظروفاً مشابهة لأوضاع البلاد العربية.

ولم يحدث هذا الاهتمام العربي والتأثّر الدولي بثورة 23 يوليو بمجرّد قيامها في العام 1952، لكنّ ذلك حدث من خلال قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس ومواجهة العدوان الثلاثي: البريطاني، الفرنسي، والإسرائيلي على مصر في العام 1956. فهذه كانت معركة الإرادة الوطنية ضدّ الهيمنة الأجنبية، ومعركة التحرّر من الاستعمار والاحتلال، وتلك آنذاك كانت قضيّة دول "العالم الثالث" كلّه.

كذلك كان تجاوب الشعوب العربية مع قيادة ثورة 23 يوليو حينما أطلق قائد الثورة جمال عبد الناصر الدعوات لتضامن الأمّة العربية ولوحدة شعوبها، ولتصحيح واقع فرضه المستعمر لكي تسهل هيمنته على ثروات ومقدّرات الأمّة العربية وعلى موقعها الجغرافي الهام.

إنّ ثورة 23 يوليو كانت "مصرية" المنطلق، لكنّها كانت "عربية" في قضاياها ومعاركها وآثارها السياسية والفكرية والاجتماعية، وهذا بحدّ ذاته كان كافياً لكي يتمّ التآمر عليها وعلى قيادتها من أجل إعادة "مصر المارد" إلى "زجاجة العزلة" عن محيطها الجغرافي، وهو ما قد حصل بعد وفاة جمال عبد الناصر وبعد معاهدات كامب ديفيد، وما هو الآن واقعٌ مؤلم تعيشه مصر والأمّة العربية.

صحيحٌ أنّ تجربة ثورة 23 يوليو تحت قيادة ناصر كانت لمدّة 18 عاماً فقط، لكنّ هذه التجربة خاضت الكثير من المعارك، وحقّقت الكثير من الإنجازات المصرية والعربية والدولية، وهي كغيرها من الثورات والتجارب الكبرى نجحت في أمور وتعثّرت في أخرى، لكن قيمتها الأهم كانت فيما نفتقده اليوم من حيويّة وثقل الدور المصري في القضايا العربية الكبرى، وفي مقدّمتها قضيّة الصراع العربي/الصهيوني.

فمصر عبد الناصر رفضت، رغم هزيمة العام 1967، استعادة سيناء مقابل تخلّي مصر عن دورها العربي في الصراع مع إسرائيل. وخاضت مصر عبد الناصر "حرب الاستنزاف" على جبهة قناة السويس لمدّة عامين، وهيّأت الجيش المصري لمعركة العبور التي حدثت في العام 1973، وحقّقت تضامناً عربياً فاعلاً على قاعدة قرارات قمّة الخرطوم في العام 1967، ممّا أدّى إلى تماسك الأمّة العربية وانتصارها العسكري في حرب أكتوبر 1973.

كان ناصر يردّد "القدس قبل سيناء، والجولان قبل سيناء"، و"لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل ما لم تتحرّر كلّ الأراضي العربية المحتلّة عام 1967، وما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة".

لقد حرص جمال عبد الناصر، كردٍّ على هزيمة عام 1967، على أن يوقف أيّة صراعات عربية/عربية وعلى أن يبني تضامناً عربياً فعالاً، فسحب القوات المصرية من اليمن، وصالح كلَّ من عاداه من العرب، وأكّد على أهميّة إعطاء الأولويّة الكاملة للصراع مع إسرائيل، وبأنّ هذا الصراع يقتضي بناء تضامنٍ عربيٍّ فعّال يضع الخطوط الحمراء من جهة (كمجموعة لاءات قمة الخرطوم) حتى لا ينزلق أيّ طرفٍ عربي في اتفاقيات منفردة، ويوقف كلّ الصراعات العربية/العربية والمعارك الهامشية داخل المجتمع العربي.

فأين هو دور مصر الآن، وأين هي الأمّة العربية من تلك الحقبة المشرّفة في تاريخها رغم ظروف الهزيمة العسكرية؟!

إنّ العرب يفتقدون اليوم مصر 23 يوليو، مصر جمال عبد الناصر، مصر الرائدة والقائدة، مصر العروبة والتحرّر والكرامة الوطنية والقومية.

إنّ الانقلاب حدث على دور مصر التاريخي يوم جرت معاهدة السلام مع إسرائيل واتفاقيات كامب ديفيد فكان ذلك بداية عصر الانحطاط العربي المعاصر، وما جرى فيه من حروب أهلية عربية وصراعات على الحدود بين العرب، يرافقها تسويات وتطبيع مع إسرائيل وتعزيز للتواجد العسكري الأجنبي في المنطقة.

لقد أقدمت مصر 23 يوليو على دخول حرب مع إسرائيل لمجرّد وصول معلومات من موسكو عن حشود إسرائيلية ضد سوريا، بينما اجتاحت إسرائيل معظم لبنان عام 1982 واحتلّت أوَّل عاصمة عربية بيروت، ثم دمّرت بعد ذلك الكثير في لبنان وفلسطين وقتلت الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين في أكثر من حرب وعدوان طيلة الثلاثين سنة الماضية، ولم يدفع ذلك كلّه أو أيٌّ منه مصر كامب ديفيد حتّى إلى إلغاء العلاقات مع إسرائيل!!

في ظلِّ قيادة مصر 23 يوليو، كانت المنطقة العربية تشهد تحرّراً من استعمار بريطاني وفرنسي امتدَّ من عدن إلى الجزائر، بينما حقبة "كامب ديفيد" وما بعدها تستعيد الهيمنة الأجنبية بمختلف أشكالها.

في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي كانت الانقسامات والصراعات في المنطقة العربية تدور حول الأفكار والسياسات، أمّا ما بعد ذلك فقد تحوّل إلى صراعاتٍ وانقسامات على معايير طائفية ومذهبية وأثنية تعيشها المنطقة العربية بأسرها دون مرجعية سليمة واحدة للأمّة.

الأمّة العربية لا تتحدّث الآن عن حلم التوحّد والتكامل بين أقطارها، كما كان الأمر في فترة ناصر، بل هي تعيش الآن كابوس خطر الصراعات الداخلية الذي يهدّد الوطن نفسه!.

الأمّة الآن تخشى على نفسها من نفسها أكثر ممّا يجب أن تخشاه من المحتلّين لبعض أرضها والساعين إلى السيطرة الكاملة على ثرواتها ومقدّراتها.

إنّ ضعف جسم الأمّة العربية الآن هو من ضعف قلبها في مصر، ومن استمرار عقل هذه الأمّة محبوساً في قوالب فكرية جامدة يفرز بعضها خطب الفتنة والانقسام بدلاً من التآلف والتوحّد والعمل من أجل نهضة جديدة لكل الأمّة وأوطانها.

تساؤلات في المرجعية السياسية ـ الفکرية للشيعة العرب -6

السيد محمد علي الحسيني

سؤال مهم و حساس طرحته اوساط صحفية و سياسية متباينة بخصوص موقف المجلس الاسلامي العربي في لبنان من النظام العربي الرسمي و ماهي طبيعة رؤيته لهذا النظام و توقعاته بشأن المستقبل الذي ينتظره، ولما کنا في بعض الاحيان ننأى بأنفسنا جانبا ولو بصورة مؤقتة عن الاجابة القاطعة عن بعض الاسئلة الحساسة(ومن ضمنها هذا السؤال)، فقد رسم البعض صورا مختلفة الاشکال و الالوان لموقفنا تضاربت في خطوطها العامة و الخاصة، حيث جزم البعض اننا تکتل سياسي معاد اساسا للنظام العربي الرسمي و نسعى لطرح بديل أو حتى بدائل محددة له، فإن البعض الآخر قد إعتقد بأننا خط مساير و مهادن للنظام المذکور و لانملك بدا من إنتهاج خط سياسي توافقي يتناسب مع مبادئه و طروحاته و افکاره.

وفي الوقت الذي أثارت اوساط أخرى مقربة من المجلس الاسلامي العربي تساؤلات بشأن الموضوع نفسه و عن ما إذا کان المجلس و بحکم طروحاته الوسطية ـ الاعتدالية الاسلامية و نهجه العروبي سيجد لامناص من أن يکون حليفا إستراتيجيا للنظام العربي الرسمي و يربط مصيره و مصير طروحاته و أفکاره و مبادئه العامة بمصير هذا النظام، فقد وجدنا من انه لامناص من وضع النقاط على الحروف و طرح موقفنا الواضح من موضوع النظام العربي الرسمي وان ذلك يمثل رؤية دقيقة و إستراتيجية لمجلسنا سيما في هذه المرحلة السياسية الدقيقة و الحساسة من عمر المنطقة و التداعيات و المستجدات في ظل النظام الدولي الجديد، وان تصدينا لهذا الموضوع له علاقة و ارتباط وثيق بصلب و جوهر مبادئنا و افکارنا ولاسيما واننا نعتبر قضية الامن القومي العربي من أهم خطوطنا الحمراء قاطبة وان استتباب الامن القومي العربي و ثباته لن يکون أبدا من دون وجود نظام سياسي ـ اقتصادي ـ عسکري ـ أمني يملك بزمام الامور و يحدد المرتکزات و الابعاد الاساسية لنظرية الامن القومي، وبإعتقادنا ان أي خلل أو هشاشة في النظام الرسمي سينعکس ومن دون شك على الامن القومي و يسحب آثاره السلبية عليه رغم ان هنالك علاقة جدلية وثيقة و غير قابلة للإنفصام بين نظرية الامن القومي و النظام العربي الرسمي وان اي سعي للعزل أو الفصل بين هذين الموضوعين سيقود ومن دون شك الى خانة الاصطفاف في خط ما من خطوط العداء و الخصومة ضد النظام العربي الرسمي وهو امر قطعا لانقبل به البتة لسبب بسيط يتعلق بمخالفته للخط و المبدأ العام لمجلسنا الاسلامي العربي.

لقد واجهنا خطوطا و مسارات و اتجاهات سياسية ـ فکرية( اسلامية و عروبية) تسعى لجرنا بإتجاهات مغايرة و مضادة للنظام الرسمي العربي و تبني طروحات تؤسس لأفکار و رؤى غريبة و طارئة على واقعنا العربي الاسلامي ولما کنا قد وضعنا ومنذ الوهلة الاولى لتأسيس المجلس الاسلامي العربي في لبنان صيانة الامن القومي العربي و الدفاع عن المصالح العليا للأمة العربية فإننا وجدنا أن أي تناقض أو تضارب مع النظام الرسمي العربي سيقود في النهاية الى ان نکون مجرد أداة لتنفيذ أجندة و مآرب أجنبية و إقليمية لاعلاقة لها البتة بوطننا العربي ومن هنا، فإننا وعشية الاحتفال بالذکرى السنوية الثانية لتأسيس المجلس الاسلامي العربي أکدنا و بکل وضوح و في أول تصريح من نوعه بأننا نعمل من أجل صيانة الامن القومي العربي و الدفاع عنه حتى آخر قطرة دم وقد نزل تصريحنا هذا نزول الصاعقة على خصومنا و مناوئينا و طفقوا يفسرونها بما طاب لهم و يرموننا بتهمة العمالة و التبعية للنظام الرسمي العربي، والحق يقال أننا لانعتبر الدفاع عن ملك أو رئيس أو أمير عربي في مواجهة أعداء و مناوئين لهم(وهم في الواقع أعداء و مناوئين للأمة العربية) بمثابة عمالة أو تبعية کما يحلو لأولئك البعض أن يطلقوا علينا، وانما ننظر إليها من زاوية کوننا قوة إحتياطية شعبية جماهيرية ضاربة و متصدية لکل أعداء العروبة و الاسلام.

هويتنا اسلامية ـ عربية خالصة و إنتمائنا الاول و الاخير هو لأوطاننا ولأمتنا العربية المجيدة وان هذان الرکنان هما الاساس في تشييد صرح المجلس الاسلامي العربي وبناءا على ذلك، نعتبر الدفاع عن النظام الرسمي العربي عند تعرضه لخطر العدوان أو ماشابه من صلب واجباتنا الاساسية وتدخل ضمن أهدافنا الاستراتيجية ذلك أنه وکما أسلفنا هنالك علاقة جدلية وثيقة بين هذا النظام و الامن القومي العربي.

وعندما يتسائل البعض عن أننا لانؤمن بالاصلاح أو بالتغيير في الواقع العربي لصالح الشعوب، فإننا نؤکد بأننا نؤمن بالاصلاح و التغيير النابع من رحم و واقع أوطاننا وليست تلك"الدخيلة"أو"المقحمة"عليه قسرا من أجل خدمة أجندة و مصالح خارجية. ان الاصلاح و التغيير الحقيقيين يبدئان من النصيحة کأول خطوة لابد منها کما أوصانا نبي الرحمـة صلى الله عليه و على آله وصحبه وسلم حين قال(المسلم النصيحة) و لانعتقد بأن قادتنا و حکوماتنا العربية ليست على استعداد لسماع النصائح ونجزم أن العديد من المکاسب الديمقراطية و الجماهيرية التي تحققت على طول بلدان العروبة کانت من نتيجة الاستماع لنصائح الخيرين و الذين يريدون الاصلاح حقا لشعوبهم، کما أننا نرى أن المشورة تدخل أيضا في مسألة الاصلاح السلمي الايجابي لبلداننا العربية ونرى بأن الانظمة السياسية العربية المختلفة في مضامينها الفکرية ـ السياسية نوعا تتقبل و بکل رحابة صدر المشورة سيما إذا ماکانت تحمل في طياتها أهدافا و مشاريع مفيدة و واضحة للبلدان العربية.

ان المجلس الاسلامي العربي الذي جاء أساسا من أجل خدمة الامة العربية و توعية کافة شرائحها المختلفة(والشيعة منها بشکل خاص)بخصوص طبيعة المرحلة الحساسة و الخطيرة التي تمر بها منطقتنا و ضرورة أن نکون في المستوى المطلوب من الجهوزية والاستعداد لمواجهة کافة الاحتمالات بمافيها المواجهة المسلحة الشعبية ضد کل من تسول له نفسه التطاول و الاعتداء على حرمة أراضينا العربية و النظام الرسمي العربي واننا نعلنها و بکل جلاء أن خلايا المجلس الاسلامي العربي ليست(خلايا نائمـة)من أجل تنفيذ أجندة عدوانية ضد أمن و استقرار بلداننا العربية وانما هي خلايا مکشوفة و علنية يقظة و حذرة على الدوام للإنقضاض على کل عدو ينتهك حرمة أراضينا أو مياهنا أو أجوائنا العربية وبهذا نعلنها و بکل وضوح و بشکل مباشر ان المجلس الاسلامي العربي في لبنان هو مشروع عروبي الشکل و اسلامي المحتوى وهو المرجعية السياسية ـ الفکرية العربية الوحيدة للشيعة العرب في کافة أرجاء الوطن العربي و العالم و يعتبر نفسه احدى خطوط الدفاع الاولية بوجه أعداء الامة العربي واننا على نفس المسافة من کافة الاقطار العربية و نعتبرها جميعا کوطننا لبنان و لانفرق بين أي منها و نؤمن إيمانا راسخا بأننا نمتلك الامکانية و القدرة اللازمتين للتصدي لأعداء الامة مثلما نمتلك القدرة و الامکانية المطلوبة لتوعية و إرشاد الشيعة العرب بشکل خاص بما يخدم مصالح أمتنا العربية و امنها القومي واننا سنبقي سيوفا مشرعة بوجه کل عدو أو تسول له أن يتربص شرا بأمتنا العربية والله تعالى من وراء القصد.والحمدلله رب العالمين.

*الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان.

alsayedalhusseini@hotmail.com

ومع تجدد الذكرى يتجدد العهد ويتواصل الوفاء: ثورة وقائد تاريخي

محمود كعوش
مع نضوج الوعي عندي في سن مبكرة جداً وجدت نفسي دون ما تخطيط مسبق وعن غير قصد أو ترصد مشدوداً إلى مهنة المتاعب ومقبلاً برغبة ولهفة شديدتين على الكتابة السياسية، إلى درجة أنني حرصت على أن لا أفَوِتَ مناسبة عربية كبيرة دون تناولها بالبحث والتقييم الأمينين ومقارنتها بالماضي وقياسها عليه ومقارنة الحاضر بها وقياسه عليها، وتقديمها للقارئ الكريم بشكل يشبع نهمه السياسي ويرضي طموحاته الوطنية والقومية ويُحفز عنده تطلعاته المستقبلية. كما حرصت على أن أتطرق بشكل أمين وغير منحاز إلى فرسان وأبطال وقادة ورجالات كل مناسبة وتقديمهم للقارئ بشكل يخلو من المغالاة والمبالغة في وصفهم وتبيان فضائلهم وحسناتهم وخصالهم الحميدة ومدحها على حساب تجاهل رذائلهم وسيئاتهم وعيوبهم. ومن بداهة القول أن يكون لجمهورية مصر العربية وأكبر وأعظم فرسانها وأبطالها وقادتها ورجالاتها نصيب وافر من هذه المناسبات ومن اهتماماتي بها وبهم. كيف لا وقد كانت مصر وستبقى قلب العرب والعروبة، كما أراد لها الزعيم العربي التاريخي الراحل جمال عبد الناصر أن تكون وتبقى. ومن أهم هذه المناسبات ثلاث هي: ثورة 23 يوليو/تموز 1952 وميلاد عبد الناصر في 15 يناير/كانون الأول 1918 ورحيله في 28 سبتمبر/أيلول 1970.
مما لا شك فيه أن ثورة 23 يوليو/تموز 1952 التي فجرها نفر من الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر ضد نظام الحكم الاستبدادي في مصر بكل ما مثلته من حالة ثورية مستجدة وطارئة على الأمة العربية في العصر الحديث وما أحدثته من تحولات وطنية وقومية لامست مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية العربية، قد ارتقت بالإنسان العربي إلى مستوى المسؤولية التاريخية في صراعه الطويل والشاق مع الاستعمار والاستيطان التوسعي وجميع أشكال التحالفات الإقليمية والأحلاف الأجنبية. كما أنها أسهمت بشكل فاعل وملحوظ في تعزيز وتمتين مناعة وقدرة هذا الإنسان على مواجهة وتحدي الرجعية وقوى الردة والتخاذل والانحطاط والتخلف والاستبداد والرأسمالية والإقطاع في مصر والوطن العربي بشكل عام.
في رحاب الثورة المجيدة وكنف زعيمها الخالد جمال عبد الناصر كبر الإنسان العربي وارتفعت هامته بقَدْرِ ما كِبَرت وارتفعت هامة الثورة التي أجمع المؤرخون عرباً وعجماً على اعتبارها واحدةً من أهم وأعظم الثورات المؤثرة في التاريخ المعاصر، لما أحدثته من تحولات، وما أفرزته من إيجابيات على صعيد مصر أولاً، والوطن العربي ثانياً، والعالم ثالثاً، وبالأخص على مستوى الدول النامية.
والآن وقد مضى سبعة وخمسون عاماً على تفجر ثورة 23 يوليو/تموز 1952 وواحد وتسعون عاماً على ميلاد عبد الناصر وتسعة وثلاثون عاماً على رحيله، فإننا نرى أن من الحكمة وعين الصواب تجنب الخوض في قراءات تحليلية ونقدية تفصيلية ومعقدة لإنجازات هذه الثورة ونتائجها وإيجابياتها وسلبياتها، درءاً للسقوط في منزلقات عاطفية تجاه الثورة وفكرها وزعيمها، خاصة وأننا كعرب غالباً ما نُوصف "بالاستغراق المفرط والمبالغ به في التعبير عن عواطفنا الجياشة تجاه ما ومن نحب أو نكره"!!
فمثلها مثل جميع الثورات التي عرفها التاريخ، اتسمت ثورة 23 يوليو/تموز بالإيجابيات والسلبيات. وكقائد لهذه الثورة اتصف عبد الناصر مثله مثل جميع القادة الكبار بمزيج من الإيجابيات والسلبيات. لكن إيجابيات الثورة كانت أكبر بكثير من سلبياتها، وكذا كان الحال مع زعيمها، أقلّه في نظر من اعتنقوا الفكر القومي العربي وثبتوا على إيمانهم به برغم كل ما أحدق به من مؤامرات دنيئة وما مورس ضده من ضغوط أكثر دناءة على المستويين العربي والأجنبي . ومما لا شك فيه أن إيجابيات الثورة الكبيرة جداً وازت إنجازاتها العظيمة جداً، وكذا كان الحال مع سلبياتها التي وازت هي الأخرى أخطاءها.
والحق يُقال أن قراءة ثورة 23 يوليو/تموز بعين مجردة وبعيدة عن أي مؤثرات خاصة أو تأثر بالحملة المضادة لقوى الردة العربية التي رهنت نفسها ومصيرها للولايات المتحدة الأميركية ومشروعها الاستعماري ـ الاستيطاني في وطننا العربي، تحفزنا على القول دون أدنى تردد أنه إذا ما قارناها "بأعوامها الثمانية عشرة التي امتدت بين عام تفجرها وعام وفاة زعيمها" بكل التجارب والممارسات السياسية العربية الأخرى التي سبقتها وتبعتها فإنها تبقى المتميزة والمتفوقة، بسبب فضلها الكبير والحاسم في تحقيق الاستقلال الوطني لمصر والعديد من الأقطار العربية والدول النامية في جميع القارات. هذا بالطبع إلى جانب ما أنجزته من تحولات اجتماعية وتنموية وخروج من دائرة الاستقطاب الدولي والتبعية، والتي كان لجمال عبد الناصر وإخوانه من الضباط الأحرار في مجلس قيادة الثورة شرف تحقيقها برغم شراسة قوى الأعداء في الداخل والخارج وتكالبها على الثورة. فلولا قوى الظلام المضادة داخل مصر والوطن العربي عامة والاستعمار والصهيونية في الخارج، لكان قد قُدر للثورة بقيادة زعيمها أن تنجز الكثير من خططها ومشاريعها وبرامجها الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية، وكذلك الوحدوية.
يتفق المفكرون والكتاب القوميون على أن الأسباب التي جعلت عبد الناصر يقوم بثورته في منتصف القرن الماضي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا، مع تصاعد في حدّتها وتمدد في رقعة انتشارها افترضهما التبدل في الزمن. كما ويجمعون على أن الأفكار التي طرحتها الثورة ما تزال تلقى صدى جماهيرياً إيجابياً واسعاً حتى يومنا هذا أيضاً، الأمر الذي يؤكد مصداقيتها ومصداقية زعيمها، ويمنحهما المشروعية الحقيقية والصادقة.
فالأوضاع العربية المتردية والمزرية التي كانت سائدة قبل الثورة عادت وتفاقمت من جديد بعد غياب عبد الناصر. ويُستدل على ذلك مما هو حاصل الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ولبنان والسودان والصومال بشكل مباشر، وما هو حاصل في أقطار عربية أخرى بشكل غير مباشر. ومن يدري فقد يكون الآتي أدهى وأمر!! هذا بالطبع إذا ما مضت الأنظمة العربية في معاداة شعوبها وأوغلت في انصياعها للإرادة الأميركية – "الإسرائيلية" المشتركة، في ظل غياب الكرامة والإرادة العربيتين!!
لكن من حسن طالع الأمة أن فكرة النهوض الوحدوي التي لامست العواطف وتربّعت في الوجدان العربي مع تفجر الثورة وانتصاب هامة زعيمها ما تزال تداعب هذه العواطف وتحتل هذا الوجدان، وبالأخص في المستوى الشعبي على مساحة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، بما في ذلك "ما هو محتل منه وما هو مهدد بالاحتلال" إذا ما استمر الوضع العربي على ما هو عليه من انحطاطٍ وتردٍ في ظل قيادات عربية عاجزة ولا حول لها ولا قوة.
وعندما نُحيي ذكرى ثورة 23 يوليو/تموز فإن الوفاء يفترض أن نتوقف طويلاً عند شخص زعيمها جمال عبد الناصر لنستذكر تجربته ونستلهم العبر منها ونعمل على زرعها في ذاكرة أبنائنا، لأن الأسباب التي استدعت قيامها ما تزال تحاكيها، ولأن الأفكار التي طرحتها ما تزال تنتظر من يباشر في تطبيقها بشكل أمين ومخلص.
نتوقف عند جمال عبد الناصر لعله يكون في ذلك عبرة لمن رهنوا مستقبل بلادهم وشعوبهم بيد الولايات المتحدة وأطلقوا العنان للمخططات الأميركية – "الإسرائيلية" الجهنمية لتعيث فساداً في الوطن العربي، لقاء حفنات تافهة من الدولارات أو البقاء فوق كراسي الحكم في أنظمة فقدت شرعية بقائها مع لحظة إسقاط مشروع الدفاع العربي المشترك.
نتوقف عنده من منطلق إيماننا بعظمته وضرورة محاكاة تجربته وثورته واستخلاص الدروس والعبر. نعم، وربما قبل هذه من منطلق إيمان راسخ بالقومية العربية التي رفع شعارها وتبّناها وقضى من أجلها، والتي يحوّلها نفر من الكتاب والمفكرين والباحثين والإعلاميين من أهل الثقافة الضيقة هذه الأيام إلى "شماعةٍ" يعلقون عليها الأوضاع العربية المتردية خدمة لأهل السلطة والجاه وأسيادهم في الخارج، وتبريراً لتقاعسهم واستكانتهم، وحتى استسلامهم.
فالفكر القومي الذي اعتنقه جمال عبد الناصر ما كان يوماً دعوة إلى تغييب الديمقراطية أو القفز من فوقها، ولا وجهاً للقمع والفاشية أو رديفاً للدكتاتورية الفردية، بصرف النظر عما أُلصق بالتجربة الناصرية من تهم وافتراءات بهذا الخصوص، قد يكون بعضها القليل صحيحاً وقد يعود العذر فيها لِقصر عمر التجربة نفسها وكثرة الإرهاصات والإفرازات السلبية والكبيرة التي ورثتها عن مراحل الاستعمار المتعددة ونظام الحكم الاستبدادي الذي انقلبت عليه، إضافة إلى تكالب القوى المعادية في الداخل والخارج ضدها.
إن كل ما قيل وتم تداوله عن التجربة الناصرية والثورة والزعيم بهذا الخصوص صاغه المغرضون في إطار خطة شيطانية مدروسة وحملة ترويج شرسة للنزعات القطرية البحتة التي استشرت في الوطن العربي بعد رحيل عبد الناصر، تلك النزعات التي حوّلت الأقطار العربية إلى إقطاعيات ومزارع لممارسة القمع والفاشية والدكتاتورية تحت سمع وبصر العالم بما فيه الولايات المتحدة الأميركية "صاحبة الفضيلة والحريصة على إرساء الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان في العالم"!!
نتوقف عند جمال عبد الناصر وثورته وتجربته وفي أذهاننا جميع أشكال القتل والفتك والبطش والإبادة والإذلال والانتهاكات اليومية التي يمارسها "الإسرائيليون" في الأراضي الفلسطينية المقدسة والأميركيون فوق تراب بلاد الرافدين المباركة، والتي وللأسف يمارسها "الاخوة الأعداء" في حركتي "حماس" و"فتح" الفلسطينيتين في هذه الأيام "الغبراء" بحق بعضهم البعض من أجل الاستئثار بالسلطة "العرجاء" لا من أجل تحرير الأرض المحتلة.
نتوقف عند المناسبة العظيمة متشبثين بما تبقى عندنا من كرامة كان لجمال عبد الناصر الفضل الأكبر في إرساء دعائمها وزرعها في نفس وعقل وقلب كل إنسان عربي على مساحة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، نعم من المحيط إلى الخليج.
نتوقف عند المناسبة العظيمة لشعورنا الصادق والأمين بأننا أحوج ما نكون في هذه الظروف الصعبة لأمثال هذا الرجل الكبير، الذي كبرت أمته به وكبر بها.
ألسنا بحاجة إلى كرامة لطالما افتقدناها مع رحيله ومع توالي التجارب السياسية العربية التي تلت التجربة الناصرية على مدار العقود الأربعة الأخيرة، تلك التجارب التي قفزت فوق التجربة الناصرية وتنكرت لها وتعمدت عدم محاكاتها والبناء عليها، إلى أن آل الوضع العربي إلى ما هو عليه من تراجع وانحدار وفقدان للكرامة والإرادة؟
ترى هل يداهمنا "إعصار عودة الوعي" من حيث ندري أو لا ندري ومن حيث نحتسب أو لا نحتسب، ليوقظ قادة الأمة من سباتهم العميق ويخرجهم من غيبوبتهم الأعمق وينير بصيرتهم ويرشدهم للصلح والتصالح مع شعوبهم والتخلي عن نزعاتهم القطرية الضّيقة ومصالحهم الذاتية الأضيق، ليحاكوا التجربة الناصرية بما لها وما عليها، ويبنوا فوقها، ويعيدوا الكرامة لأنفسهم وأقطارهم وأمتهم؟
أنت منا ونحن منك يا جمال، وما أحوجنا إليك في هذه الأيام. إننا نحتاجك في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى. ويعلم الله أننا نفتقدك كما لم نفتقدك من قبل، وكما لم نفتقد زعيماً قبلك. نعم نفتقدك وأنت ما تزال حياً في قلوبنا وعقولنا. رحمك الله يا أبا خالد وأسكنك فسيح جنانه.

كاتب وباحث مقيم في الدانمارك
kawashmahmoud@yahoo.co.uk

من واقع اللاجئين الفلسطينين بامريكا اللاتينية – البرازيل وتشيلي

جادالله صفا

خلال شهر سبتمبر تكون قد اكتملت فترة السنتين على وصول اللاجئين الفلسطينين الذين قدموا من مخيم الرويشيد الى البرازيل، وبهذا التاريخ تكون الفترة القانونية الموكلة للمفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة قد انهت مسؤوليتها الانسانية عنهم، دون ان تكون قد اوفت هذه المؤسسة الدولية بكامل واجباتها الانسانية اتجاه هذه المجموعة، ولم تعطي اللاجئين كافة حقوقهم التي كانت قد اوعدتهم بها قبل نقلهم من الصحراء الاردنية الى هذه البلاد البعيدة، وانتهكت حقوقهم وسلبت حريتهم، وعاملتهم بكل سوء واستخدمت معهم اساليب غير انسانية، فهذه المؤسسة رات ان تحمل الانسان الفلسطيني مسؤولية مؤامرة العالم عليه، ومسؤولية تشريده وملاحقته لانه انسان، هذه هي المؤسسة الانسانية التي تريد ان تفرضها الامم المتحدة، الامم الراقية، الامم التي تدافع عن حرية الانسان على شعبنا الفلسطيني.

المفوضية العليا للاجئين تعاقدت مع مؤسسات غير حكومية لتقديم خدمة مدفوعة الاجر للاجئين الفلسطينين في مناطق سكنهم، لتثبت لاحقا ان هذه المؤسسات والمفوضية غير مؤهلة وتنقصها الخبرة التي تؤهلها للتعامل مع افراد يختلفون كليا بمفاهيمهم وعاداتهم وتقاليدهم مع هذا المجتمع الجديد، فلم توفر لهم فرص عمل كما كان مفترضا، ففرص العمل التي وجدها بعض الشباب من ابناء اللاجئين الفلسطينين، يعود الفضل بها الى المؤسسات الخيرية الاسلامية، كذلك قصرت كليا بالرعاية والعناية الصحية، وتعليم اللغة البرازيلية لم يكن كافيا، حيث تعليم اللغة والممارسة اليومية مع المجتمع البرازيلي بعاداته وتقاليده تكون اقرب الطرق الى التاقلم مع المجتمع الجديد، ونظرا للفوارق الكبيرة بين المجتمع العربي الفلسطيني مع المجتمع البرازيلي، واجه اللاجئون صعوبات جمه، تركت انعكاسات سلبية على حياتهم اليومية.

الوقاحة وصلت عند المفوضية العليا للاجئين، بتوجيه اتهام الى السفير الفلسطيني بالبرازيل بانه يدعم مجموعة من اللاجئين الفلسطينين المضربين ببرازيليا ليستمروا باضرابهم، لانه وفر لهم طعاما، تريدهم المفوضية ان يموتوا جوعا، تريد المفوضية من الفلسطيني ان يكون ناقصا بدون حقوق، تريد ان تفرض على الفلسطيني الموافقة على ان يتنازل عن حقه وحقوقه ليوافق على التنازل عن هويته وانتمائه، تريده فقط بدون هويه، وليبقى بانتظار المساعدات الانسانية المشروطة، ولا نلوم الا قيادة الشعب الفلسطيني التي وافقت ان تحول قضيتنا من قضية سياسية ووطنية الى قضية انسانية بانتظار المساعدات الغربية والرواتب الشهرية التي تقدمها دول الغرب، بعد ان كانت جماهير شعبنا تقدم الذهب والاموال دعما وتبرعا فداءا لفلسطين فداءا للمقاومة، وبهذا تكون سلطتنا وقيادتنا قد قضت على النفس التضامني عند الانسان الفلسطيني.

الحكومة البرازيلية تتعامل كان لا شي يحصل على اراضيها، لا تعطي اي نوع من الاهتمام لهذه المجموعة البسيطة من اللاجئين، وقد نشرت احدى الصحف البرازيليا الواسعة الانتشار بالبرازيل، انه تم اكتشاف جهاز تنصت ببيوت احد اللاجئين الفلسطينين بمدينة موجي داس غروسيز بولاية ساوبولو، ورغم تصريح الحكومة بان لا توجد مصلحة لاحد بالتنصت والتجسس على اللاجئين، الا انها لم تقم باي خطوات لمعرفة من وراء هذا العمل الجبان، فالحكومة البرازيلية بامكانها اتخاذ اجراءات تساعد على التخفيف من حدة المعاناة التي يمر بها اللاجئين، والعمل على تحقيق بعض من مطالبهم لو وافقت ان تلتقي او تجتمع معهم، ويقع اللوم على هذه الحكومة البرازيلية باعتبار رئيسها لويس انياسيو لولا دا سيلفا من كبار المناصرين والمؤيدين للحقوق الفلسطينية سابقا، يقف الرئيس البرازيلي على بعد امتار من عشرة مضربين يريدون الحديث مع رئيس الجمهورية او من يمثله، ليشكروه على حسن الضيافة، ليرفعوا له مطالبهم، ليطلبوا منه المساعدة للخروج من البرازيل، حكومة لم تقدم لمجموعة صغيرة من اللاجئين الفلسطينين الحد الادنى من حقوق الانسان، مما يجعل الانسان يشك بنوايا هذه الحكومة، فهل هذه الحكومة تريد ان تكمل الدور البرازيلي الذي بدأ عام 1947 عندما كان الصوت البرازيلي هو الصوت الذي شرع ماساة الشعب الفلسطيني؟ وهل ستكون البرازيل هي دولة من دول توطين اللاجئين وتصفية القضية؟

هناك من يقول ان اللاجئون القادمون من العراق هم يمرون بمرحلة اعادة توطين، وهنا يبقى السؤال العالق، هل هناك مشروع توطين للاجئين الفلسطينين؟ فهل لاجئوا العراق هم الخطوة الاولى بهذا المشوار؟ وهل ستكون الدول الاوروبية ودول امريكا اللاتينية وامريكا الشمالية هي الدول التي ستقوم باستيعاب اعدادا كبيرة من اللاجئين الفلسطينين لمنحهم جنسيات هذه الدول وتوطينهم بها؟ وهل هذا خطوة باتجاه تصفية حق الشعب الفلسطيني بالعودة الى دياره ووطنه التي شرد منها؟

اما الجانب الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية واداء السفارة الفلسطينية فهو اداء بالفعل غير مقبول، فبدل من الوقوف الى جانب هذه المجموعة والتضامن معها منذ اليوم الاول، فقد كان موقفهم تراجعيا وسلبيا، مما ترك بصمات سلبية على التضامن الفلسطيني، يريدون ان يحملوا اللاجئين مسؤولية ماساة فلسطين، يتهمون المجموعة المضربة ببرازيليا بالاساءة الى اللاجئين نتيجة اضرابهم، وان المساعدات كانت على مسافة قصيرة جدا، فكان اضرابهم السبب، مثلما كانوا يقولون لنا بان اسرائيل كانت ستعطينا دولتنا الفلسطينية لولا العملية الاستشهادية لحماس بتل ابيب او نتانيا، وبالحقيقة ان المفوضية العليا هي التي تسيء، والحكومة البرازيلية ايضا هي بموقف غير مقبول وسلبي ومدان اتجاه اللاجئين.

فاذا قارنا ما يجري بتشيلي مع ما يجري بالبرازيل، نجد ان السفارة الفلسطينية بتشيلي قد تمكنت من تحقيق انجازات فعلية لمصلحة اللاجئين، ومن هذه الانجازات هو تمكن السفارة الفلسطينية من الحصول على بيت لكل عائلة لاجئة بقيمة 24 الف دولار تبرعا من الحكومة التشيلية، وهذا يؤكد اننا بامكاننا مساعدة اللاجئين لو رغبت سفارتنا الفلسطينية بالبرازيل والاتحاد العام للمؤسسات الفلسطينية الذي يدعي نفسه بانه يمثل الجالية الفلسطينية، فمن سيدفع اجرة بيوت اللاجئين بعد 20/09/2009؟ وماذا سيحصل بهم بعد انتهاء عقد الايجار؟ من اين سياكلون ويشربون؟ علي اي ارصفة سينامون؟ فاجرة البيت الشهرية اكثر من الراتب الشهري الذي يتقاضاه العامل. فاين هي لجنة الدفاع عن اللاجئين الفلسطينين التي شكلها الاتحاد العام للمؤسسات الفلسطينية والسفارة الفلسطينية؟ هذه اللجنة التي وجهت رسالة تاييد لانتخاب ابو مازن رئيسا لدولة فلسطين، لماذا اللجنة لا تطلب من ابو مازن جزءا من منحة مالية يابانية او بلجيكيه لللاجئين الفلسطينين بالبرازيل.

المطلوب هو ان تقوم السفارة الفلسطينية والاتحاد العام للمؤسسات الفلسطينية باتخاذ اجراءات عملية وسريعة والدعوة الى لقاء يضم كافة المؤسسات الفلسطينية لبحث وضع اللاجئين الفلسطينين العام بالبرازيل، وان تتحمل هذه الجهات المسؤولية الكاملة واتخاذ اجراءات عملية لتفادي الاسوء، والتاكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، والتاكيد على التضامن الفلسطيني الفلسطيني اولا، فهل هذه الاطراف ستبدأ فعلا باتخاذ اجراءات ام ستترك الامر كأن لا علاقة لهم بالموضوع؟ ستبقى بانتظار الايام القادمة، لنرى من لديه ضمير وحس وطني.

– البرازيل

القدسُ أولاً وثانياً، وغزةُ عاشراً

د. فايز أبو شمالة
في كل صباح يبتلع اليهود قطعة من لحم القدس، وفي كل صباح تصير المدينة المقدسة يهودية أكثر، ليودع العرب بالدمع ذاكرتهم، وأماكنهم التي تهودت، وكأن تلك الأراضي ترتد عن دين الإسلام لتعتنق اليهودية تحت بصر ولي الأمر الفلسطيني، الذي اقتصر دوره على المراقبة، والتوثيق، والبكاء بين يدي أمريكا، ومن ثم الاتصال برؤساء وملوك العرب الذين أغلقوا الأذنين عن صرخات المدينة المستغيثة، وسط إغضاء طرف الأمة العربية والإسلامية عن أولى القبلتين، وثالث الحرمين.
ولمن يفهم لغة الأرقام أقول: لقد بلغ عدد اليهود الذين يسكنون القدس العربية منذ هزيمة 1967 أكثر من مائتي ألف يهودي، إضافة إلى أكثر من نصف مليون يهودي يسكنون القدس الغربية التي اغتصبتها اليهود سنة 1948. أي أن هنالك مليون إلا ربع يهودي يسكن أورشليم القدس، يحاصرون بمزاميرهم الأماكن الإسلامية حتى صارت: "الله أكبر" تختنق بأبواق اليهود، والملياردير اليهودي الأمريكي "آرفين مسكوفيتش" يواصل تمويل بناء فندق "شيفارد" وعشرات الوحدات السكنية لليهود في ضاحية الشيخ الجراح الإسلامية، وبالذات في المنطقة التي كانت قبل قيام إسرائيل معروفة باسم "كرم المفتي" المكان الذي احتضن رجال المقاومة الفلسطينية بقيادة الحاج "أمين الحسيني". ليأتي مشروع بناء الفندق اليهودي ليقول للعرب والمسلمين: سنمسح عن وجه الأرض كلَّ مكانٍ تحدى قيام الدولة العبرية، وسيرفرف العلم الإسرائيلي الأزرق على كل مقدساتكم.
على ضوء هذا التهويد المنظم، والمتواصل لكل القدس، ما دواعي تكرار: أن القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، والقدس رمز الوجود الفلسطيني، ومنطلق السلام والحرب، ما دام العمل لا يرقى إلى هذا القول؟ وهل يتجرأ أي مسئول فلسطيني أو عربي على القول: أن القدس الموحدة مدينة إسلامية إلى الأبد، وعاصمة دولة فلسطين؟! أتحدى أي مسئول فلسطيني أو عربي أن يهمس بهذا الكلام، ولو همساً؟
إن كل الكلام العربي، والصراخ الفلسطيني لن يوقف تهويد القدس، ولن يحول دون إقامة فندق "شيفارد"، والوحدات السكنية اليهودية في ضاحية الشيخ جراح رغم الاعتراض الأمريكي على البناء، ومثلما نجح اليهود في الاستيطان على "جبل أبو غنيم" الذي يسمونه "هار حوماه" قبل عشر سنوات تحت سمع العرب، وبصر الفلسطينيين، ستواصل الدولة العبرية مشروع التهويد العقائدي لأورشليم الكبرى، وستعرف كيف تتفاهم مع أمريكا، وكيف تمتص اعتراضها دون ارتعاب منها، ودون ارتداع، ولاسيما أن الإجماع اليهودي على أورشليم إلى الأبد، يعزز من التطرف العلني لرئيس الوزراء "نتانياهو" ليقول: القدس الموحدة عاصمة الشعب اليهودي، وعاصمة إسرائيل، وسيادتنا عليها غير قابلة للطعن.
ألا يفرض مصير المدينة المقدسة على السلطة الفلسطينية أن تنسى غزة قليلاً، وأن تترك خلافاتها مع حماس جانباً، وتنتبه إلى الوطن الذي يضيع؟ ألا تستحق المقدسات الإسلامية من الجميع التداعي للقاء في القاهرة أو عمان، أو دمشق أو الرياض بهدف حماية القدس من التهويد؟ ألا يستوجب مصير القدس احتضان العواصم العربية للقاء ينسق آلية مواجهة التهويد، مع تجاهل ملهاة المصالحة الفلسطينية إلى حين يتم التوافق على برنامج عمل جدي، يوقف تهويد كل فلسطين، ويكون المقدمة الصحيحة لبداية عمل ميداني مشترك بين فتح وحماس، وباقي التنظيمات ضد المحتلين، ويمهد لتحقيق المصالحة؟
إلى أن يتحقق برنامج العمل المشترك بين التنظيمات الفلسطينية في الميدان، سيظل الانقسام الفلسطيني قائماً، وستظل القدس تتسرب من بين أصابع العرب والمسلمين الرخوة، لتتجمع في طاقية اليهودي!.

الله يفرِّج عن الحزب الشيوعي وخصوصا عن جريدة الإتحاد

د. ميرا جميل

عندما كنت طالبة ابتدائية تعرفت على صحيفة "الإتحاد"- التي تصدر في حيفا -عبر معلمي للغة العربية ، الذي نصحني أن أقرأ الإتحاد والجديد ومجلة الغد لأني أملك موهبة أدبية كما قال وعقلا منفتحا. ولكنه همس لي أن يبقى الأمر سرا بيننا لأن كشفه قد يقود لفصله من التعليم .

لم أفهم وقتها العلاقة بين الاتحاد والفصل من التعليم .

والدي مزارع يفك الحرف بصعوبة .. ولكنه صاحب حس وطني وفهم سياسي . صارحته . استمع لي ثم قال :" معلمك صادق ومخلص . ولكن اياك ان تنبسي ببنت شفة عن هذا الموضوع لأي أنسان حتى لإخوتك " .وكان يعرج كل اسبوع على قرية الرامة القريبة من قريتنا ،ليحضر لي جريدة " الاتحاد " ثم فاجأني بعدد ليس قليلا من أعداد مجلة "الجديد"المستعملة والتي يعود تاريخها الى بداية 1958 وحتى العام 1967 .. وعدد جديد ابن شهره آذار 1967 ، مما جعلني أشعر اني أملك كنزا عظيما .. مع ذلك لم أفهم تماما هذا الخوف من جريدة لا تشتم ولا تتملق ، وتكتب عن واقع العرب وحقوقهم وترفض الظلم ، وتؤيد نضال العمال العرب واليهود من أجل حقوقهم ورفع مستوى حياتهم وضد استفحال البطالة . كان ذلك عشية حرب حزيران 1967.

وكانت مجلة "الجديد" نافذه على الثقافة العربية وعلى الفكر العالمي .. والحقيقة لم أفهم كل ما قرأته ، ولكن شدني الشعر العربي عامة والفلسطيني خاصة ، وتعرفت على الشعراء أبو سلمى ومحمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب ونجيب سرور واحمد عبد المعطي حجازي وحنا ابو حنا وعصام العباسي وآخرين لا أتذكر اسمائهم .

وكثيرا ما طلب مني والدي أن أقرأ مقالات جهينة ، وفيما بعد عرفت انه الكاتب اميل حبيبي ، وان القي على مسامعه القصائد التي تنشر فيى الاتحاد والجديد ، وكان ينفعل مع قصائد أبو سلمى ويمسح دموعه سرا ومع الجواهري .. رغم انه لم يفهم الكثير من الكلمات .. وكان يطلب مني تفسيرها وعندما أعجز الجأ لأستاذي الذي يشرحها لي وأرى الابتسامة على شفتيه .. وفيما بعد عرفت اني لم أكن الوحيدة من طلابه وطالباته الذين وجههم لقراءة الاتحاد والجديد ..المهم ان والدي بعد شرح المعاني المخفية لقصائد الجواهري كان يصر على سماعها مرة بعد أخرى. .. وكل مرة ينفعل من جديد وكأنه يستمع لها لأول مرة . اما أبو سلمى فكان سهلا ساحرا ومؤثرا يفرض الصمت والدموع . وهناك قصيدة لن انساها واتمنى لو أجد نسخة منها كتبها شاعر مصري كرسالة الى الرئيس الأمريكي ترومان ... احتجاجا عل القاء القنبلة الذرية على هيروشيما (لا أذكر اسم الشاعر ، قد يكون عبد الرحمن الشرقاوي او الخميسي ) قرأتها ربما مائة مرة لوالدي . . وما زلت أحفظ منها مقاطع حتى اليوم .

طالت مقدمتي ولكن الذكريات تتجسد في ذهني كلما قرأت شيئا عن "الاتحاد" التي لم افارقها حتى غادرت حيفا الى قبرص في اواسط التسعينات من القرن الماضي .

الكاتب نبيل عودة يذكر في الكثير من كتاباته انه تعلم اللغة العربية على صفحات الاتحاد ، وانها صانت لغته ... اذن الاتحاد كانت مدرسة للغة والكرامة والفكر والنضال .. وانا ابنة لهذه المدرسة .، التي واجهت السياسة العنصرية التي ارادتنا جهلة ومهزوزين ومهزومين وسقاة ماء وحطابين كما قال لوبراني المستشار سيء الصيت لرئيس الحكومة الأول للدولة العبرية دافيد بن غوريون.

اليوم انا خارج البلاد .لا أتصفح الاتحاد الا اثناء زياراتي الخاطفة . واتابع موقع الجبهة لأرى مصير هذه الصحيفة التي يبكيني ما آلت اليه .

أقول لكم وانا أكاد أبكي ، ان الاتحاد اليوم هي التجسيد الحقيقي للكارثة الانسانية التي حلت بالحزب الشيوعي . جيل القادة المناضلين والمثقفين قد مات . . أو أجبر على ترك الحزب. القيادة الآن هي مزيج محزن من الناس الذين بدون عمود فقري سياسي وفكري . الحزب لم يعد المعبر عن المجتمع المدني . ولا عن مجتمعة المتشقق طائفيا وعائليا . اجتماعيا الحزب بلا رؤية وبلا تأثير على الظواهر السلبية . ما هي قيمة الأحزاب اذا لم تدير مجتمعاتها أو تؤثر على تطورها ؟.. ولا أعني ادارة السياسة العامة للدولة. أين تأثير الحزب الشيوعي الثقافي والأخلاقي والتربوي والاعلامي على المجتمع العربي للأقلية الفلسطينية الباقية في وطنها.. ؟ لماذا هذا الافلاس الكامل حتى في السياسة ؟ كيف يمكن الثقة بقادة يتأرجحون بين التدين والقومية ؟ ينافسون بالزعيق القومي والشعارات القومجية الحركة الاسلامية وبقية الحركات . والحقيقة ان الحركة الاسلامية تقود وتحسم المزاج العام عند عرب ال 48 .أقول هذا بكل أسف وقلق على المستقبل .. لأن رؤيتي تتمحور في فهم يتعارض مع الطائفية السياسية واراها خطرا على مجتمعنا وهذا ليس توقعا بل حقيقة قائمة لا يراها الا العميان.

الماركسية دفنوها . العدل الاجتماعي شعار ضبابي ، مساواة المرأة كذبة كبيرة . الأممية صاروا يخافون ان يلفظوها .كل التقاليد الاجتماعية الثقافية التقدمية ليس هناك الآن من ينشرها ويغذي بها الأجيال الصاعدة . مقاهي الأرجيلة هي غذائهم الروحي الوحيد .. وشطف الدماغ الأصولي يتصاعد ، وقد حدثوني عن "اختفاء" شباب من الناصرة بعد أن تعرضوا لغسيل مخ أصولي .. وأن أهالي الشباب أصدروا منشورا يطالبون شيخ ما يسمى شهاب الدين بتوضيح ما آل اليه مصير ابنائهم . مثل هذه القضية يُفرض الصمت حولها من الجميع ..

مثل هذا المجتمع لا أتحمس لأعود اليه !!

صار الحزب الشيوعي حزبا موسميا في الانتخابات ، لا يختلف عن بقية القوائم الانتخابية او المسماة حزبية وكلها أحزاب وجهاء بلا مؤسسات . بماذا يختلف الحزب الشيوعي عن بقية أحزاب الوجهاء ؟

مجلة "الغد" الشبابية المميزة اختفت . مجلة "الجديد" التي تعتبر أفضل مجلة ثقافية فكرية صدرت في اللغة العربية اختفت ، بعد ان تدهور وضعها الثقافي والفكري وغاب عنها المحررين ذوي الرؤية والقدرات الفكرية . الندوات الشعرية التي كانت تتحول الى مهرجانات ثقافية نضالية اختفت . المحاضرات الثقافية والفكرية والسياسية في نوادي الحزب لم يعد لها ضرورة . ان شجرة الحزب الشيوعي الآن أصبحت جافة .. ضحلة ..

يقال الناس على دين ملوكهم ، وأنا أقول الأزمة الخانقة أفرزت قيادة فارغة ، مهزوزة ، عاجزة عن طرح برنامج ، عاجزة عن تقديم نهج فكري حقيقي للناس . المصوتون للحزب بأكثريتهم الساحقة مصوتون بقوة الاستمرار ، وأحيانا وفاء لتقاليد العائلة التي كانت قبل خمسين سنة أيضا "مع الحزب ". وأعترف بأني في انتخابات الكنيست الأخيرة ، كنت بالصدفة في حيفا وصوت مرغمة وبدون قناعة لجبهة الحزب الشيوعي لأني هكذا تعودت ، وضحكت على نفسي .. حتى زوجي الشيوعي القبرصي اعتبر تصويتي غير عقلاني وقال لي : " لا صوت حتى لحزب شيوعي بدون ثقة بالمرشحين "!!

ان الحزب الشيوعي الأن لا هو اممي ولا هو قومي ، ولا هو عمالي ، وبالكاد نقول انه حزب يساري ... ومؤخرا صار حزبا يمجد حسن نصرالله وحزب الله وحماس وأحمد نجاد وملالي ايران ، وهو متواطئ مع المد الأصولي الظلامي في الشارع تحت صيغة مضحكة ، عبر عنها سكرتيره العام محمد نفاع بمقال قال فيه : " نحن مع المقاومة في كل مكان " أي مع طالبان والقاعدة أيضا ومع الجهاديين في الجزائر قتلة الشعب الجزائري .. وقس على هذا المنوال الفكري الشيوعي الهجين !!

ولكن أكثر مظاهر الأزمة المأساوية للحزب الشيوعي الاسرائيلي ( راكاح ) هي حالة جريدة "الاتحاد" . لو ماتت لدفنوها وبكوا على تاريخها .ولكنها لا حية ولا ميتة.. أو لنقل مومياء تتحرك . أقول هذا وقلبي ينزف دما . لو قلنا انها مثل أوراق الخريف لظلمت أوراق الخريف ، فهي تفتقر الى الفكر والى الثقافة، والى النقاش مع الآخرين ، والى مقارعة الخصوم .

ان المثقفين من أعوان "المفدال " وأعوان "مباي " الذين تقاعدوا من سلك التعليم ، صاروا يسرحون ويمرحون على صفحات "الاتحاد " . وكل كذاب يتوهم ان ابناء جيله ماتوا لذلك يسرح ويشطح في الأكاذيب تبييضا لسمعته . واذا كان هذا لا يكفي فانه يحج الى بيت الله الحرام ويصير مؤمنا ورعا ، بل ويصير عضوا في لجان الصلح ولجان الدعوة للمعروف والنهي عن المنكر( ليس عن منكراته ) !!

عجائز فلسطين يقولون عندما يرون انسانا عجوزا مريضا لا أمل فيه وموته هو نهاية عذابه : " الله يفرِّج عنه " . وأنا أقول : الله يفرِّج عن الحزب الشيوعي ، الله يفرِّج عن جريدة " الاتحاد"، فكلاهما لا يستحقان هذا المصير المبهدل ، هذا المصير التراجيدي .

الدكتورة ميرا جميل – كاتبة وباحثة اجتماعية فلسطينية – نيقوسيا

meara.jameal@gmail.com

الثلاثاء، يوليو 21، 2009

تساؤلات في المرجعية السياسية ـ الفکرية للشيعة العرب ـ5

السيد محمد علي الحسيني

لم ينظر الکثيرون من المراقبين والاوساط السياسية والصحفية إلى أطروحة المجلس الإسلاميِّ العربيِّ في لبنان على أنها أطروحة سياسية ـ فکرية ـ إجتماعية متکاملة الجوانب والابعاد وانها تؤسس لتيار ونهج إسلامي ـ عروبي يأخذ الاولويات الاساسية للأمة العربية کأساس ومرتکز لعمله الفکري والحرکي، وظل هؤلاء ينظرون من خلال نوافذ وشرفات تيارات واتجاهات سياسية تخالف نهجنا الاسلامي ـ العروبي الوسطي ـ المعتدل في تعامله وتناوله لمختلف الامور وهو ماشکل غشاوة وبقعة داکنة أمام الاعين لکي تبصر بجلاء ووضوح کنه ووحقيقة المجلس الإسلاميِّ العربيِّ بعيدا عن تصورات وإعتبارات محددة سلفا.

ولم يکن عملنا في واقع يشهد قوة خصومنا السياسيين على الساحة اللبنانية وسوح عربية أخرى وتتباين فيه الرؤى السياسية فيها أيضا بحقنا، بذلك العمل السهل والبعيد عن المشاکل والازمات والتعقيدات، خصوصا عندما أکدنا وبقوة على الاولويات الاساسية للأمة العربية والتي غمرنا العديد بسبب منها اننا نسلك نفس ذلك النهج والطريق الذي سلکته العديد من التيارات القومية العروبية خلال العقود المنصرمة ولم تحقق أية مکاسب واقعية على الارض للجماهير سوى المزيد من تعقيد الاوضاع، متناسين بأن تلك التيارات کانت تعتمد على أفکار ومبادئ براقة في شکلها الظاهري لکنها وللأسف کانت تفتقد الى محتوى ومضمون متجذر في رحم الواقع الذاتي والموضوعي وکانت تعتمد على لغة دغدغة العواطف والاحاسيس الجماهيرية من دون مخاطبة العقل العام. وهنا لابد من أن نشير الى أن الموقف غير الواضح والضبابي لتلك التيارات العروبية من الاسلام، کان هو أيضا عاملا مساعدا على إبتعادها أکثر فأکثر من جوهر حل القضية حيث ان الشکل القومي کما هو الاطار الخارجي الحقيقي للشخصية العربية فإن المحتوى الاسلامي هو صلبها وعمقها الفکري ـ الاجتماعي، وان ترك أي جانب من أجل الجانب الآخر أو ان يغبن حقه، فإن الحل سيکون ناقصا وغير مفيدا وبعيدا جدا عن الواقع، وبناءا على ذلك، أکدنا ومن دون مواربة أو لف أو دوران على هذين البعدين وضرورة تجانسهما وإدافتهما مع بعضهما البعض وان إهمال البعد الاسلامي أو إستخدامه کمجرد برقع لتمرير أهداف ومشاريع سياسية محددة سيدفع الى سلب الشخصية العربية من محتواها الذي کانت ولاتزال هويتها الاساسية التي عرفها العالم کله من خلالها وتطرح في نهاية الامر شخصية تميل الى عنجهية وغطرسة متعالية محاکية للتي رأيناها في الشخصية القومية الالمانية والايطالية واليابانية ابان الحرب العالمية الثانية تحديدا، کما ان إهمال البعد القومي في نفس الوقت (کما هو الحال مع العديد من الاحزاب والتنظيمات الاسلامية على الساحة العربية)، سيقود الى حالة من الضياع والاغتراب والضبابية للشخصية العربية وتجعلها مجرد محتوى من دون شکل مطلوب لکي يضم ذلك المحتوى بين جانبيه، لأجل هذا، شددنا على هذين البعدين وضرورة توحدهما ضمن إطار سياسي ـ فکري واضح المعالم والاهداف وقد تلقى خصومنا ومناوئينا نهجنا هذا بمنتهى الجدية وصمموا على أن يعملوا کل مابوسعهم من أجل تحديدنا وحصرنا ضمن زاوية حرجة وهو عمل قد بدأ من أعلى المستويات وترجم من خلال عدة قنوات وأصعدة لکننا ولإيماننا بحتمية إنتصار أفکارنا ومعتقداتنا فإننا صممنا على الاستمرار في عملية المواجهة وضرورة أن نثبت للعالم کله أن رهان هؤلاء هو رهان خاسر وان الغد والمستقبل سيکون بعون الله سبحانه وتعالى و نصره لنا.

*الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان.
alsayedalhusseini@hotmail.com

الرياضة في قطاع الشرطة

نعمان عبد الغني
namanea@yahoo.fr

تشكل الرياضة في الشرطة جانبا مهما باعتبار أن الرياضة عنصر من عناصر الإعداد البدني والذهني والنفسي لرجل الشرطة وأن حسن الأداء في العمل لابد أن يأتي من إنسان لائق بدنياً وذهنياً وهو ما تحققه الرياضة ، عملا بمقولة العقل السليم في الجسم السليم.
وتواصل اهتمام الشرطة بالرياضة كنشاط رئيسي تبرز من خلاله قدرة رجل الشرطة على حسن الأداء والكفاءة في تنفيذ المهام الموكلة إليه حتى أصبحت هدفاً يحقق من خلاله البطولات والانجازات التي تضعها الشرطة في مقدمة اهتماماتها سواء على المستوى المحلي أو العربي أو العالمي.

الرياضة في الشرطة الجزائرية على أعتاب أول نقله نوعية كبيرة تؤكد من خلالها أهمية الرياضة في منظومة العمل الأمني ويبرز من خلالها أيضاً ارتفاع مستوى الوعي الرياضي بين أفراد الشرطة سواء من الرجال أو الإناث وتؤدي المديرية العامة للأمن الوطني دورها أيضاً في تنظيم المسابقات والمشاركات المحلية والخارجية وتمثيل أفراد الشرطة في العديد من البطولات على المستوى العربي والعالمي.

وكانت لتوجيهات المدير العام للأمن الوطني الأثر الأكبر في النهوض بالرياضة الشرطية وتطويرها حتى سجلت بحروف من نور إسم الشرطة الجزائرية في جميع المحافل الرياضية وحصدت العديد من البطولات والدروع .

لابد أن تكون لنا وقفة نتأمل من خلالها مشوار الجهد والكفاح الذي قدمه كل من تولى مسيرة الرياضة في الشرطة الجزائرية وكل من ساهم في وضع أساس العمل الرياضي الذي أصبح الآن مليئاً بالانتصارات والأنجازات التي تؤكد أن القائمين على النشاط الرياضي في المديرية العامة للأمن الوطني يسيرون على الدرب السليم ضمن إستراتيجية محددة تصل بهم في كل مشاركة إلى منصات التتويج.

وللتأكيد على أهمية الرياضة في الشرطة الجزائرية تم إنشاء النوادي الرياضية التي تعمل على نشر الوعي الرياضي وتنمية القدرات البدنية لدى ضباط وأعوان الشرطة من خلال إعداد الخطط والبرامج الخاصة بهذا النشاط وتأمين مستلزمات تنفيذها و توفير المدربين المختصين لجميع الرياضات كما تهتم أيضاً بالعديد من البرامج والأنشطة الثقافية والاجتماعية الخاصة بأفراد الشرطة.

ويعتبر النوادي الرياضية أحد أهم الأماكن التي يلتقي فيها الضباط لممارسة الرياضة بجميع أنوعها وقضاء أوقات مميزة في الاطلاع والقراءة وممارسة الأنشطة الاجتماعية التي تقرب بين الضباط وفي جو أمن ومناخ رياضي اجتماعي على أعلى مستوى من الرقي ودفء المشاعر.

وهناك تطور ملحوظ في نشاط الشرطة في السنوات المنصرمة، نود أن نوضح هنا أن النوادي الرياضية للشرطة لها ميزة خاصة لا توجد في نوادي أخرى، فهي تمارس مهامها في اتجاهين:

الاتجاه الأول: ممارسة النوادي للأنشطة الرياضية بين منتسبي الشرطة بشكل عام حيث يعد الخطط لتنفيذ البرامج الرياضية بين الوحدات المركزية والمحافظات لقيام مسابقات وتجمعات رياضية يشرف عليها النادي ، وكذا يشرف على تنفيذ البرامج الرياضية في إطار المحافظة ويقدم الدعم و الرعاية لها .

الاتجاه الثاني : نوادي الشرطة يعتبر ضمن أندية اتحادية الرياضة والعمل وتشارك في تصفيات كما انه يمتلك فرقاً لألعاب مختلفة تشارك في المواسم الرياضية السنوية في الجمهورية، حيث وصلت بعض الفرق الى فرق الدرجة الأولى في الجمهورية، كما أن اتحاد الشرطة عضو في الاتحاد الرياضي العربي للشرطة, ويشارك في إعداد الخطط والبرامج التابعة للاتحاد العربي.

حيث عمدت الشرطة الاتحاد على توسيع رقعة عملها الرياضي وإبراز جميع الألعاب والمسابقات لتشمل جميع وحدات القوات الأمنية وذلك بفتح فروع ومصالح في جميع الولايات ، عملها الأساسي الإشراف وإقامة المسابقات الرياضية التي تنزل مركزياً من المديرية العامة للأمن الوطني، وبهذا أوصلنا النشاط الرياضي الى مدى يمكن أن يزاوله ويشارك فيه جميع منتسبي القوات الأمنية بكل أرجاء الجمهورية..

عبد الناصر الفلسطيني

محمود كعوش
في الذكرى السابعة والخمسين لثورة تموز 1952 المجيدة:
عبد الناصر...عاش لفلسطين وقضى شهيداً من أجلها

كما كان الحال عليه على مدار أعوام العقود الأربعة الأخيرة استقبل العرب، الذين ما زالوا يمتلكون الجرأة وقدرة الثبات على مواقفهم القومية والمجاهرة بها، الذكرى السابعة والخمسين لثورة 23 يوليو/تموز المجيدة وانبثاق الفكر الناصري هذا الشهر بكثير من الأسى والمرارة بسبب حالة الضعف والوهن والتردي التي تعيشها الأمة العربية ومضي النظام الرسمي العربي في انبطاحه واستسلامه للإرادة الإسرائيلية - الأميركية المشتركة. ولعل ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق وما يتساقط فيهما من شهداء تلو الشهداء وما يحاك من مؤامرات ضد لبنان وأقطار عربية أخرى خير أمثلة على هذه الحالة.
وفي هذه المناسبة أرى أن من المفيد التذكير بأن قائد هذه الثورة المجيدة وصاحب هذا الفكر العظيم الراحل الكبير جمال عبد الناصر كان هو السباق بين الحكام العرب في الدعوة لعقد مؤتمرات القمة العربية من أجل القضية الفلسطينية منذ عام 1964، وقد مضى في تبنيها حتى رحيله في عام 1970. ومن المفيد التذكير أيضاً بأن علاقته بهذه القضية، التي تصدرت على الدوام أولوياته القومية باعتبارها قضية العرب المركزية، عادت إلى فترة مبكرة جداً من حياته الدراسية والعسكرية والسياسية.
فبعد صدور قرار تقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1947 تشكلت لدى جمال عبد الناصر قناعة مفادها "أن ما يحدث في مصر وما يحدث في فلسطين هو جزء من مخطط استعماري يستهدف الأمة العربية كلها". وانتقلت تلك القناعة إلى إخوانه من الضباط الأحرار، بحيث استقر رأيهم منذ اجتماعهم الأول على ضرورة مساندة المقاومة الفلسطينية من خلال الانضمام إلى فرق المتطوعين العرب التي كانت قد بدأت تتشكل في العاصمة السورية دمشق وعواصم ومدن عربية أخرى كثيرة.
وعندما أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين وأظهرت انحيازاً فاضحاً إلى جانب الصهاينة في عدوانهم السافر والمتواصل على الفلسطينيين، رأى عبد الناصر أن لحظة الدفاع عن الحقوق العربية قد أزفت لأن ما حدث في فلسطين مثل انتهاكاً صارخاً للعدالة الدولية والكرامة الإنسانية في آن معاً. وأتبع ذلك بخطوة عملية تمثلت بطلب الحصول على إجازة من الجيش المصري ليتمكن من الانضمام إلى صفوف المتطوعين. لكن شاءت الصدفة أن تأمر الحكومة المصرية الجيش بالتحرك العاجل للمشاركة في حرب الدفاع عن عروبة فلسطين قبل أن يُبت بذلك الطلب. وكان لعبد الناصر ما أراد، فخاض غمار تلك الحرب وتردد اسمه بشكل مدو في معارك أسدود والنقب وعراق المنشية، كما اكتسب شهرة كبيرة في حصار الفالوجة. وتقديراً لبطولاته وتميزه في ساحات الوغى وتقديراً لوطنيته، منحته القيادة وسام النجمة العسكرية.
واستناداً لما جاء في "فلسفة الثورة" و"الميثاق الوطني" فإن عبد الناصر بعدما اكتشف أمر الأسلحة الفاسدة وعرف الطريقة التي كان يتم بها تسيير المعارك وانتبه إلى أن القيادة العليا للجيش المصري كانت تهتم باحتلال أوسع رقعة أرض ممكنة من فلسطين دون النظر إلى قيمتها الإستراتيجية أو إلى أثرها في إضعاف مركز الجيش، وسع من دائرة نشاطاته في تنظيم الضباط الأحرار.
وأثناء حصار الفالوجة تولدت لدى عبد الناصر قناعة راسخة بأن الحصار لم يكن يقتصر على تلك البلدة الصغيرة أو فلسطين أو قطر عربي بعينه وإنما كان يشمل الوطن العربي كله من المحيط إلى الخليج، الأمر الذي ولد لديه قناعة موازية مفادها أن "المواجهة الحقيقية للاستعمار والصهيونية والرجعية العربية إنما تبدأ في الحقيقة من داخل الوطن".
وعلى ضوء ذلك خلص عبد الناصر وإخوانه من الضباط الأحرار إلى أن "القاهرة حيث الانتهازيون وعملاء الاستعمار يتاجرون بالقضية الفلسطينية ويشترون الأسلحة الفاسدة للجيش المصري هي نقطة البداية وليست فلسطين"، وهو ما يستدعي القول منا دون تردد أو حرج أن "حرب فلسطين 1948 بما ترتب عليها من نتائج وإفرازات وإرهاصات أسهمت إسهاماً كبيراً ومباشراً في قيام ثورة 23 يوليو/ تموز 1952 المجيدة، إلى جانب عوامل أخرى عديدة خاصة بمصر".
عُرف عن عبد الناصر وقوفه بثبات وصلابة إلى جانب الثورة الفلسطينية المسلحة التي اعتبرها أنبل ظاهرة في الأمة العربية، وتصديه بعزم وإصرار لخصومها الداخليين وأعدائها الخارجيين. وكما هو معروف فإنه أشرف على توقيع "اتفاقية القاهرة" بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة اللبنانية في نوفمبر/تشرين الثاني 1969 حفاظاً على الثورة الفلسطينية واستمرار مسيرتها النضالية.
وأثناء أحداث أيلول 1970 في الأردن لم يدخر عبد الناصر جهداً إلا وبذله من أجل وقف تلك الأحداث المريعة والمرعبة. وحتى يضع حداً لنزف الدم الأخوي الأردني ـ الفلسطيني دعا إلى عقد مؤتمر قمة عربي استثنائي انتهى إلى توقيع اتفاقية جديدة بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الأردنية، سُميت هي الأخرى "اتفاقية القاهرة".
وبعد توقيع تلك الاتفاقية ووداعه القادة العرب اطمأن على الثورة الفلسطينية وخفق قلبه الكبير بحبها لآخر مرة وتوقف يوم الثامن والعشرين من سبتمبر/ أيلول 1970 . رحم الله جمال عبد الناصر القائد والأب والأخ والرفيق. لقد عاش للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وقضى شهيداً من أجلهما. نفتقدك. كم نفتقدك!!
يبقى عزاءُنا أنه وبرغم مرور سبعة وخمسين عاماً على انبثاق الفكر الناصري وتسعة وثلاثين عاماً على غياب صاحبه وبرغم كل ما تعرضت له الأمة من كوارث ومصائب ونائبات، لم يزل هذا الفكر يفرض نفسه بزخم واندفاع لافتين للنظر بين الجماهير العربية التي تحتضنه وتدافع عنه متحدية كل صنوف القمع والقهر التي تتعرض لها من قبل أنظمة الحكم في عواصم الوطن من محيطه إلى خليجه.
وهذا ما يستدعي بإلحاح إعادة طرح السؤال التالي للمرة الألف بعد المليون: ترى ألا تقتضي الحكمة أن يعترف حكام الأمة الآن وبعد كل هذا المخاض العربي الطويل بحالة التميز التي شكلتها ثورة 23 يوليو/تموز 1952، بفكرها وتجربتها وزعامة جمال عبد الناصر التي تجاوزت البعدين العربي والإقليمي لتشمل البعد الدولي ، بحيث يمكن أن نتوقع مع قادم الأيام أن يخطوا خطوة إلى الأمام تحفزهم على تقييمها ونقدها بشكل بناء وموضوعي لأخذ العبر من إيجابياتها وتقويم سلبياتها ووضعها موضع التطبيق العملي والبناء عليها، لإخراج الأمة مما هي عليه من تفكك ووهن وضعف واستكانة؟ أعتقد أن ذلك عين الحكمة.

كاتب وباحث عربي
kawashmahmoud@yahoo.co.uk

نكبة ثانية تقرع ابوابنا؟

د. عدنان بكرية

اعلان السيد حسن نصرالله امس في خطابه عن نية اسرائيل افتعال حربا مع لبنان بهدف تهجير فلسطينيي ال 48 ممن يعيشون داخل الخط الاخضر والبالغ تعدادهم مليون ونصف المليون هو اعلان صادق وصريح وسبق لسفير مصر لدى اسرائيل ان ساق نفس التحدير قبل اسبوع عندما اعلن عن تخوفه من ان تخرج اسرائيل مشروع تهجير فلسطينيي ال 48 الى حيز التنفيد .
ه>ه التصريحات وما نلمسه نحن هنا على ارض الواقع يشير الى ان ساعة الصفر قد اقتربت بالنسبة لنقل المشروع من حيز التخطيط الى حيز التنفيد ...فالتعاطي الاسرائيلي العنصري مع فلسطينيي الداخل من خلال سن قوانين (ابرتهايدية) عنصرية بات أمرا يثير القلق ويدعو الى الحذر والتيقظ ،خاصة وان سلوك التعاطي يحظى بإجماع المجتمع الاسرائيلي وأحزابه السياسية من أقصى يمينها الى وسطها .
رئيسة الوزراء السابقة تسيبي ليفني أعلنتها في أكثر من مناسبة بأنها تسعى الى انتزاع اعتراف عربي "بيهودية الدولة" ووضعت هذا الاعتراف كشرط لاستئناف مفاوضات السلام مع الطرف الفلسطيني متابعة ان مكان فلسطينيي الخط الأخضر هو الكيان الفلسطيني ولا مكان لهم داخل وطنهم الأصلي !في إشارة واضحة وصريحة على نيتها تهجيرنا ! اليميني الفاشي "ليبرمان" اشترط دخوله الائتلاف الحكومي مع "نتنياهو" بلجم فلسطينيي ال 48 من خلال سن قوانين عنصرية جديدة تحد من حركتنا ..
فعلا شرعوا بسن هذه القوانين أو اقتراحها لبحثها في الهيئة العامة للكنيست وهنا نشير إلى أن معظم أعضاء الكنيست يؤيدون سن مثل هذه القوانين لا بل يذهبون للمطالبة بإقرار قانون "يهودية الدولة" والذي يعني نسف شرعية وجود مليون ونصف المليون فلسطيني ممن بقوا على أراضيهم عام 1948 !ويعني أكثر من هذا نكبة جديدة سترتكب بحقنا سوف تحمل الكثير من التبعات والإسقاطات.
لا يمكن مواجهة هذه التحديات الصعبة بالبيانات والخطابات والمهرجانات الاستنكارية ! ولا يمكن الصمت على هذه المخططات واعتبارها مجرد هرقطات صهيونية غير قابلة للتنفيذ كما يدعي البعض ... بل يجب التعاطي معها بحجمها الطبيعي لئلا تتكرر النكبة ونجد أنفسنا بين جموع إخوتنا المشردين !وسؤالي من الذي سيمنع اسرائيل ويردعها عن تنفيذ مخططها ضدنا ؟
الوضع العربي والفلسطيني والدولي اليوم أسوء عما كان عليه عام 48 عندما ارتكبت النكبة الأولى .. انقسامات واذدنابات ولا مبالاة .. تقاطبات عديدة تدفع ثمنها الشعوب العربية والاهم الوضع الفلسطيني المتردي .. كل هذه الأجواء تسهل على اسرائيل تنفيذ مخططاتها دون حسيب أو رقيب خاصة وان الوضع العالمي يسير بصالحها .
أكثر من زعيم اسرائيلي يطالب وبصراحة بالتخلص من عرب ال 48 كونهم قنبلة موقوته وخطرا ديموغرافيا على الدولة العبرية كما يقولون ..ولا يمكن تحاشي وتجاوز هذا الخطر دون الإقدام على عمليات تهجير شاملة إذا لم يتم تبادلهم ضمن صفقة سلمية تصفوية وفي إطار مفاوضات السلام مع السلطة الوطنية الفلسطينية !
المؤسف أن السلطة لم تصدر أي موقف رسمي عملي بهذا الخصوص بل أن موقفها راوح بين التأتأة والصمت وأحيانا التجاهل وكأن أمرا لم يحدث
وكأننا لسنا جزء من القضية الفلسطينية !
لقد ذهب الرئيس أبو مازن الى ابعد من ذالك عندما صرح بأنّ الفلسطينيين في مناطق الـ48 هم "عرب إسرائيل"، ولا دخل لهم في حل القضية الفلسطينية، وأنّ مواقفهم المتشجنة لا تساهم في صنع السلام مع إسرائيل، على حد تعبيره وكأننا هبطتنا على هذه الأرض من كوكب آخر وليس لنا إخوة في الضفة والقطاع والشتات وبأننا مجرد رقم اسرائيلي يمن تقليصه بعملية تهجير وتشريد !يتعاطى معنا وكأننا غرباء ولسنا جزءا من الجرح الفلسطيني النازف !
خطاب نتنياهو الأخير جاء ليضع النقاط على الحروف عندما عاود إعلان "يهودية الدولة" ليضع العالم أمام حقيقة نيته ونية الحركة الصهيونية بالعمل على تنقية الدولة من الغرباء كما يدعون للحفاظ على يهوديتها الصافية !والمؤسف حقا أن العالم العربي لم يخطو خطوة عملية واحدة باتجاه رفض توجه نتنياهو مثل سحب المبادرة العربية التي تعفنت في الدُرج !
بيانات الاستنكار والرفض التي أصدرتها بعض الجهات العربية لن تردع نتنياهو وزمرته عن المضي قدما نحو تجسيد مشروعهم التصفوي بل على العكس تماما فإنها تشجعه على تنفيذ مشروعه ألتهجيري ما دام الموقف العربي بهذه الميوعة والليونة !
يحدثوننا أجدادنا عن قوات الإنقاذ العربية دخلت عام 48 فلسطين لمساعدة أهلنا على الصمود ... لكنها في النهاية شجعتهم على الرحيل منفذة قرارات قياداتها ببيع فلسطين.. فهل سيكون الموقف العربي هذه المرة شبيها بالموقف عام 48 .. أم أننا سنباع هذه المرة في بازارات تصفوية تحت خيمة السلام المزعوم ؟!
المثل يقول "ما حك جلدك مثل ظفرك " وان أي رهان على الموقف العربي او الدولي سيكون رهانا خاسرا .. حتى لو صرخ العرب بأكملهم فان هذا الصراخ لن يردع نتنياهو عن مخططه ولن يغير من الحال شيئا !فاسرائيل تتعاطى مع ملف فلسطينيي الداخل بنفس الأهمية التي تتعاطى فيها مع ملف ايران وحزب الله وترى بوجود مليون ونصف المليون فلسطيني داخلها اكبر خطر عليها وعلى مستقبلها !
اسرائيل لن تتورع عن تنفيذ مخططها وبسهولة ما دمنا حتى الآن لا نملك الآلية لإفشال هذا المخطط وقيادتنا المحلية لا تضع على أجندتها أية خيارات لمواجهة التحديات حتى أنها تتعامل بلامبالاة مع تصريحات نتنياهو !وكأنها "مزحة"!
قيادات الأقلية الفلسطينية هنا مطالبة اليوم بترك لهجة الاستنكار والارتقاء الى مستوى الحدث والتعامل معه بحجمه الطبيعي دون استهتار وعبث وهي مطالبة أيضا بصياغة برنامج إعلامي سياسي لتدويل المشكلة وعدم الاكتفاء ببيانات الاستنكار والتنديد .. فعندما ستقتحم القوات الاسرائيلية مدننا وقرانا بالبارود والنار لن تحمينا بيانات الاستنكار والتنديد ولن تمنع اسرائيل عن ارتكاب فعلتها !

دراسة : المجتمع اليهودي في اسرائيل

عمر امين مصالحة

وضعت الأسس السياسية والثقافية للمجتمع اليهودي الاسرائيلي منذ الإنتداب البريطاني على فلسطين، بين السنوات 1917وحتى عام 1948، فخلال هذه المدة وقبيل إقامة اسرائيل، تبلور المجتمع اليهودي استناداً الى الأيديولوجية الصهيونية، وبدعم من المؤسسات اليهودية في جميع أنحاء العالم.(1)

كانت البداية في أواخر القرن التاسع عشر، أثر الهجرة اليهودية الاولى الى فلسطين بين السنوات 1882 وحتى 1903، فقد هاجرت الى البلاد مجموعة من اليهود الروس، الذين ترعرعوا على مبادىء الاشتراكية، فكان التطوع بمثابة العامود الفقري للنشاط السياسي لهذا المجتمع، في حين كان مبدأ المس