الثلاثاء، يوليو 21، 2009

من ذكريات المعتقل يرويها المناضل مروان شاهين: الشيخ فضي

راسم عبيدات

.....الصدمة كانت كبيرة والهزيمة اكبر،والرهان على العرب في تحرير فلسطين سقط وشعارات"تجوع يا سمك" و"بأسنانكم وأظافركم"ضيعت فلسطين من نهرها الى بحرها،والشعب الفلسطيني وفصائله قرروا وأيقنوا أنه لا "يحرث الأرض إلا عجولها"،والشاب مروان شاهين المفعم بالحيوية والنشاط ابن التسعة عشر عاماً، والذي شاهد سقوط مسقط رأسه مدينة القدس بطريقة مخزية ومهينة،والتي حاول الدفاع عنها،ولكن ما لديهم هو وصحبه من أسلحة وذخائر غير متجانسة وقلة الخبرة والتدريب،لم تنجح في انقاذ المدينة،ويؤسر مروان ومعه عدد كبير من شباب ورجالات القدس،ويتم تجميعهم في ساحة الأقصى،ويقول مروان بمرارة عن حالة الجهل وقلة الوعي والتجربة والتي كانت موجودة بين الشعب عامة في تلك الفترة"جمعونا في الساحة وألقى ضابط اسرائيلي خطاب فينا وخلال الخطاب قال بتبجح"هللا اجاني خبر انه قواتنا احتلت يريحو" وبدلاً من أن نحزن أو نشتم هذا الضابط ونلطم على وجوهنا وصدورنا بدأنا بالتصفيق.

ويقول مروان من بعد ذلك وأنا لا أصدق أن مدينتنا سقطت بتلك السهولة،وأنه لا بد من مقاومة ومقارعة الاحتلال حتى نستعيد وطننا،والشباب في تلك الفترة كان مستعداً للإلتحاق والعمل مع أي فصيل من فصائل المقاومة،ولم نكن نعرف الهوية الفكرية أو الخط السياسي لهذا الفصيل أو ذاك،بل المهم أن نلتحق بالمقاومة،فانتظمت في منظمة أبطال العودة احدى المنظمات التي تشكلت منها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لاحقاً،وكنا بالأساس في تلك الفترة نركز على العمل العسكري والكفاح المسلح واللذان كانا في عنفوانهما في تلك الفترة،وشاركنا في أكثر من عمل،وعشت فترة مطاردة في جبال الخليل في كهوفها ومغرها،وكانت الجماهير في تلك الفترة حاضنة حقيقية للثورة،تحرص على الفدائي حرصها على حدقات عيونها،وكانت ترى فيه الأمل والرد على الهزيمة وعنوان عزتها وكرامتها.

ويستطرد مروان بالقول كانت علاقتنا كمطاردين من أطياف سياسية مختلفة تعلو فوق لغة الفصيل أو الحزب وكنا أسرة واحدة فلسطين قبلتنا وهدفنا ووجهتنا.

ويضيف الشيخ فضي،في يوم من الأيام طوقت قوات كبيرة من الجيش الاسرائيلي تساندها المروحيات المنطقة التي نختبيء فيها في جبل الحاوز"البصة"،وتمكنوا من اعتقالي حيث تم نقلي بطائرة مروحية الى سجن الخليل،وهناك تعرضت الى شتى أنواع التعذيب،والتي كانت في تلك الفترة تركز على التعذيب الجسدي أكثر من النفسي،وخضعت للتحقيق في سجن الخليل والمسكوبية وأبو كبير لمدة قاربت الشهرين، ومن بعدها نقلت الى سجن الرملة وحكم على بالسجن مدى الحياة،وكانت بدايات الحركة الاعتقالية والسجون أوضاعها غاية في السوء والصعوبة،والسجون تفتقر الى مستلزمات الحياة الأساسية،وكميات الأكل غير كافية لا كماً ولا نوعاً،وفي هذا السياق يروي مروان كنت أعمل في المطبخ،وكان عدد من الأخوة والرفاق يعملون في النظافة منهم الرفيق صلاح أبو قطيش،كنت أهرب لهم الأكل من خلال وضعه في "كرادل" القمامة،حيث يقوم الأسرى بنبشها واستخراج أكياس الأكل التي أضعها لهم،وأيضاً كان يعمل في المطبخ كل من الأخ المرحوم سعيد الددو والرفيق سليم نسيبة،حيث كانوا مسؤولين عن أكل المرضى"الديتا"،وكان الرفيق سليم لكي يسد رمق جوعه يسرق بيضتان من المطبخ ويشربهما،وفي احدى المرات وأثناء شربه لهما كان ينادي عليه الأخ المرحوم الددو ولم يرد،ولكي يجيب لاحقاً،لم أستطع بلعهما من السرعة وعلقتا بدلاً من أن يقول في"زوري" أي البلعوم في "زوبري" لكي يضج المعتقلين بالضحك،وفضي يقول شاركت في سنوات اعتقالي السبعة عشر من عام 1968 وحتى فترة تحرري من الأسر في صفقة التبادل ايار/ 1985 في العديد من الاضرابات منها اضراب سجن الرملة شهر شباط 1969 واضراب سجن نفحة الشهير 14/7/1980 ،وعن سجن نفحة والاضراب يقول الشيخ فضي،هذا السجن أقيم في صحراء النقب، لكي يكون مقبرة للإحياء والموت البطيء والتفنن في اذلال الانسان وامتهان كرامته.

حيث قامت ادارة مصلحة السجون الاسرائيلية بنقل 80 مناضلاً فلسطينياً من مختلف السجون الاسرائيلية الى هذا السجن ممن تعتبرهم النواة الصلبة،والذين يتصدرون ويتزعمون الحركة الأسيرة،وفي السياق يقول أنزلونا من"البوسطة" اثنين اثنين،وكانت مجموعات من الجنود تصطف على الجانبين ومعهم كلاب بوليسية،وكانوا يصرخون علينا وكلابهم تحاول الهجوم علينا،وطلبوا منا أن نخلع ملابسنا،وعندما بقينا في ملابسنا الداخلية،أصروا على خلعها فرفضنا وحاولوا خلعها بالقوة،وهنا صرخ علينا المناضلين الذين سبقونا الى الساحة بضرورة الخلع وعدم التصادم معهم الآن،لكي نجد بعد الخلع أنهم قاموا برش أجسادنا بمادة شبيهة بالبودرة كما قالوا ضد القمل،وعندما وصلنا الى الساحة عراة كان منظراً مضحكاً مبكياً،والكل يحاول ستر عورته بيديه،ويضيف فضي عندما دخلنا السجن كان يفتقر الى كل مقومات الحياة البشرية حيث العقارب والأفاعي وغيرها من الحشرات،وقلة ورداءة الطعام،والقمع والتفتيشات والاستفزازات المستمرة والمتواصلة من ادراة السجن والسجانين،واحتجاجا على ذلك خضنا اضراباً مفتوحاً عن الطعام استمر 34 يوماً،استشهد خلاله الأسيران راسم حلاوة من مخيم جباليا في غزة وعلي الجعفري من مخيم الدهيشة في بيت لحم،استشهدا وادارة السجن تحاول كسر الاضراب بالقوة،وكانت تجبر الأسرى على التغذية بالقوة من خلال التغذية الفمية "بالبرابيج"،وكانوا ينقلون الأسرى المضربين عن الطعام الى مستشفى سجن الرملة،ويمارسون طقوسهم السادية عليهم،ويقول فضي هنا أنه لولا حالة التضامن العالية من شعبنا وأهلنا في الخرج ولولا صمود أسرانا لسقط عدد كبير من الشهداء،وفي هذا الاضراب لم يستشهد فقط الجعفري وحلاوة،بل انضم إليهم الرفيق اسحق مراغة"أبو جمال" والذي استشهد من تأثيرات ذلك الاضراب في شهر تشرين ثاني/ 1983.

وعن العلاقات الاعتقالية في ذلك المعتقل،يقول فضي كنا أسرة وعائلة واحدة،نغيب وتغيب الفئوية والحزبية في سبيل المصلحة الوطنية والعامة.

والشيخ فضي والذي جمعتني به علاقات صداقة وعمل روي لي بعض"القفشات" التي حدثت في المعتقل،كما وسأروي لكم عدد من"نهفاته" خارج المعتقل.

والحديث هنا للشيخ فضي يقول،كنت غير مغرم أو مولع بالجلسات،حيث كنا نتلقى من ثلاث الى أربع جلسات يومياً تنظيمية وسياسية وفكرية عدا التعاميم،وفي يوم من الأيام جاء الرفيق المسؤول جبريل عوض وطلب مني أن أكتب موضوعة عن هيئة الأمم،وقلت له"شو بتحسابني خريج اكسفورد"،وفي سياق آخر يقول عندما انتقلنا من سجن الرملة الى سجن بئرالسبع،ولكي يحثني الرفيق الشهيد "أبو جمال" على حضور الجلسات،قال لي يا شيخ فضي هذا ليس سجن الرملة،هنا الرفيق أوالمناضل الذي لا يحضر جلسات يقولوا عنه اما محقق معه أو عميل،فقلت له يا رفيق أبو جمال لا أريد حضور الجلسات،وليكتبوا عني عميل على كل جدران السجن،وكان هناك رفيق آخر لا يميل الى حضور الجلسات مثلي هو الرفيق عبد القطب،سألني هل تحضر جلسات،قلت له طبعاً أربع جلسات،وليكتشف لاحقاً عدم حضوري،وبالمناسبة أصيب بأزمة قلبية في المعتقل،وكان يقول جزء له علاق بالجلسات.

والشيخ فضي على درجة عالية من البساطة والمثالية،وأحياناً تحس وتشعر بأن درجة نقاءه وانتماءه واخلاصه،قد اختفت في هذا الزمن،فعندما جاء أوسلو وكان الأسرى يتسابقون من أجل نيل الرتب والنياشين والرواتب مقابل سنوات السجن التي قضوها،نأى الشيخ فضي بنفسه عن ذلك ،حتى عندما تم تخصيص راتب دائم للأسرى الذين قضوا خمسة أعوام فما فوق،كان الشيخ فضي يشعر بالخجل،بأن يتلقى راتب أو معاش مقابل واجب وطني،ولكن الحاجة وتخلى الثورة عنهم دفعته لذلك،وفضي الذي يعمل حارساً في جمعية الشبان المسيحية/ القدس،عندما تتحدث معه تشعر أن الزمن عنده متوقف منذ وجوده في المعتقل،والمعتقل وطول المدة أوجدا له حالة من النسيان،فعلى سبيل المثال فواحدة على"نهفات الشيخ" أنه في يوم كان يقود سيارة وأنا أرافقه في الرحلة،وفي الطريق شعر أن البنزين يتفذ من السيارة ودخلنا الى المحطة لتعبئة البنزين،والنتيجة كما دخلنا خرجنا،حيث أن الشيخ أخذه الكلام مع صديق ونسي الهدف الذي من أجله دخلنا المحطة،وفي حادثة أخرى طلبت من الشيخ باعتباري مسؤول عنه وظيفياً وهو عامل صيانة أن يقوم بتركيب جسر للبرادي في قاعة المؤسسة،وبعد ساعة عدت اليه ولم يكن قد ركب الجسر بعد بحجة أنه لا يوجد كهرباء أو المقدح لا يعمل،والمسألة كانت يا أخوان أن الشيخ قام بقطع الكهرباء من الأمان – أي المفتاح الرئيسي- وهناك عشرات"القفشات والنهفات" على صديقنا الشيخ،والذي في طيبتة واخلاصه أضحى عملة نادرة في هذا الزمان،ويبقى الشيخ وأمثاله من رواد العمل الوطني والكفاحي وحرسه القديم،وبجهودم وتضحياتهم حققت الحركة الأسيرة الفلسطينية الكثير من المنجزات والمكتسبات.

ليست هناك تعليقات: