السبت، يوليو 25، 2009

نتائج الثانوية العامة 2009 تحت المجهر؟؟

عبد الكــريم عليــان

نتائج العام الماضي أفضل بكثير من هذا العام وليس كما ذكر في وسائل الإعلام !!

قبل البدء بعرض النتائج وتحليلها وجب التذكير بالسمات التي برزت خلال العام الدراسي 2008 / 2009 ونخص هذه الدراسة طلبة قطاع غزة فقط ! فمنذ بدء العام الدراسي اشتكى معظم الطلاب من عدم توفر معلمين ذوي خبرة في مجال التدريس الثانوي إذ من المعروف أن جزءً كبيرا من الطاقم التدريسي السابق متوقف عن التعليم نتيجة الانقسام السياسي المعروف والمستمر، وهذا لا يختلف عن المعاناة الشديدة التي يواجهها المواطن الغزّي في كافة الخدمات الحياتية.. والكل يعرف أن سلطة حماس بغزة استبدلت هؤلاء المعلمين بغيرهم مما أدى إلى إرباك كبير في العملية التعليمية مما دفع ببعض الطلبة لأن يتحولوا من القسم العلمي إلى العلوم الإنسانية حسب ما يعتقدون بأن العلوم الإنسانية يمكن تعلمها بيسر ولا يحتاجون إلى مدرسين فيها.. ولا يمكن القفز عن آثار الحرب المدمرة على قطاع غزة وما أثارته في نفوس الجميع سواء قبل الحرب وفي أثنائها أو بعدها.. والباقية آثارها على كافة أنشطة المواطن حتى وقتنا الحاضر! وأيضا الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها أهالي غزة، وبرزت مشكلة انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة عن معظم أحياء قطاع غزة مما كان له بالغ الأثر على طلابنا وتركيزهم على التحصيل، وكذلك الخوف الشديد الذي صاحب الطلبة والأهالي من المستقبل لعدم وضوح الرؤية بالاعتراف بالشهادة الثانوية فيما لو انقسمت الامتحانات إلى سلطتين، رغما عن بيانات الطمأنة التي كانت تصدر عن الجهات الرسمية سواء من رام الله أو من غزة.. إضافة لما ذكر من سمات هناك العديد من القضايا التي لا يمكن حصرها، ويعاني منها أبناؤنا ومدارسنا في قطاع غزة...

تجدر الإشارة أن وسائل الإعلام وخاصة إعلام حركة حماس قد طبلت وزمرت قبل ظهور النتيجة بأسبوع وهي تبشر الناس أن النتيجة لهذا العام هي أفضل بكثير من العام السابق في محاولة منها بانعكاس ذلك على أدائها وإدارتها للحكم في غزة والحقيقة الساطعة مغايرة تماما لما ذكرته وسائل الإعلام عن غزة إذ بلغت نسبة النجاح العامة في العام الماضي 52.19 % ، أما هذا العام فبلغت 49.76 % من عدد الذين تقدموا للامتحان، والمتتبع للتصريحات والبيانات الوزارية قد لا يستطيع الحصول على الأرقام الحقيقية إذا لم تذكر أية بيانات مستقلة أو منفردة عن طلاب غزة فيما عدا النجاح والعشرة الأوائل.. ونعتقد أن هذا الإخفاء مقصودا، أو أنه غير مهني من الجهاز التعليمي برمته.؟! إذ كان من المتوقع أن يصدر بيانا تفصيليا وتقويميا من وزارة التربية والتعليم بهذا الخصوص. ولا نخفي القارئ بأنني قمت بجهد كبير في الحصول على البيانات وتبويبها وإجراء العمليات الإحصائية لتفسيرها بالطريقة العلمية، ومع أنني قمت بذلك في العام الماضي إلا أنني لم أواجه صعوبة كبيرة مثل هذا العام.. الملفت للنظر هو اهتمام الهيئات الرسمية وغير الرسمية، وكذلك وسائل الإعلام المختلفة بالطلبة المتفوقين مثلما يحصل في كل عام.. هذا جميل ومرضي عنه؛ لكن الأهم والذي لم ينتبه له أحد هو الفئة الراسبة والتي تخلفت عن النجاح، أو كما يقولون: (لم يحالفهم الحظ !) وكأن هؤلاء لم تشكلهم الظروف التي نعرفها، ولم تتأثر بما يجري في محيطها.. وأن الجهاز التعليمي الذي يديره السياسيون المنقسمون غير مسئولين عن هذا الفشل الذريع..؟ في الدول المتقدمة، نعم ! يهتمون بالفئة المتقدمة لكنهم يهتمون أكثر بالفئة المتأخرة أيضا، ويحكمون على نتيجة الامتحان بأن الجهاز التعليمي والجهاز الحكومي كله مسئولا عن النتيجة! وإذا ما ظهرت النسبة بأن الناجحين كانوا 50 % مثلا؛ فهذا يعني أن الجهاز التعليمي لم يقم بواجبه بقدر 50% أيضا ويجب تشديد الرقابة علية وزيادة ميزانيته بشكل يضمن تحسين قدرته على العمل.. ويبدو أن القائمين على الامتحانات لم يكن لديهم فلسفة التقويم لعملهم وكل همهم هو فرز أبنائنا وتصنيفهم بما يروق لهم ويتلذذون بخراب المجتمع وعدم الاكتراث بالنتائج المدمرة لعملهم.. وهنا نذكر: " بأن وظائف القياس (الامتحان) لم تعد مقصورة على تحديد الدرجات وتكوين الأحكام الخاصة بالترفيع والترسيب، وإنما أصبحت بالإضافة لذلك وسيلة تهدف للحصول على المعلومات ومعالجتها بقصد تحسين عمليات التعلم والتعليم، وهي تستند إلى أكبر قدر من البيانات يمكن توفيرها عن الأفراد، وهي وسائل ضبط لنوعية العملية التربوية بحيث يتم الحكم في نهاية كل مرحلة على ما إذا كانت تلك فعالة، ولا مانع من الاستمرار بها، أو أنها تحتاج إلى إيقاف أو تعديل بالإضافة إلى أنها وسائل تساعد على التعرف على ما إذا كانت الأبدال المختلفة للممارسات التربوية فعالة أم لا في تحقيق الأهداف والغايات التربوية المنشودة. (القياس والتقويم ، جامعة القدس المفتوحة ، ص 53 ، القدس: 1992) .."

لنبدأ الآن بعرض النتائج كما ظهرت أو وزعت على مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام بالنسبة للناجحين في كل الفروع، وكما أشرنا بذلك نخص هنا قطاع غزة فقط ! حيث تقدم للامتحان هذا العام ما مجموعه 38317 طالبا وطالبة منهم ما يقارب 7000 طالبا في القسم العلمي ، و30000 في قسم العلوم الإنسانية، و1500 طالبا في الفروع الصناعية والتجارية والزراعية، وبلغ عدد الناجحين من هؤلاء 19070 طالبا أي بنسبة مقدارها 49.76 %. وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقا في أن العملية التعليمية في تدهور خطير مقارنة مع العام الماضي أو الأعوام السابقة، وليس كما نشر في وسائل الإعلام المختلفة بأن هناك تقدما ملموسا في عدد الناجحين هذا العام عن العام الماضي.. كيف ذلك والأرقام تقول العكس، حيث كانت نسبة الناجحين هي: 52.19% أي بتدهور مقداره 2.43 % عن العام الماضي؟ الملاحظة المهمة خارج نطاق نتيجة الامتحان، وهي عدد طلاب القسم العلمي مقارنة مع القسم الأدبي متدنية جدا ؛ فبينما كانت نسبتهم في السابق تزيد عن 30 % من إجمالي الطلبة انخفضت هذه السنة إلى 22 % ، وهذا يعني أن العملية التعليمية يشوبها الكثير من التشويه وأنها لا تسير وفق أهداف محددة يحتاجها المجتمع والدولة خصوصا أن الحياة العصرية تتطلب أن يكون عدد الطلبة في القسم العلمي أكثر منهم في قسم العلوم الإنسانية مما يستدعي منا إعادة النظر في برامج المدرسة وأنشطتها في كافة المراحل التعليمية ..

فيما لو قسمنا الناجحين إلى فئات فستكون على النحو التالي: الفئة الضعيفة وهي من (50 درجة إلى أقل من 60 درجة) بلغ عددهم 7153 طالبا بنسبة مقدارها: 37.50% من عدد الناجحين، أما الفئة الأعلى أو المقبولة وهي من حصلوا على درجات بين ( 60 إلى أقل من 70 درجة) فبلغ عددهم: 4775 بنسبة مقدارها: 25.03% من عدد الناجحين، والفئة الجيدة وهي بين ( 70 إلى أقل من 80 درجة) بلغ عددهم 3322 طالبا أي بنسبة مقدارها: 17.42%، والفئة جيد جدا وهي بين (80 إلى أقل من 90 درجة) بلغ عددهم: 2651 طالبا أي بنسبة مقدارها: 13.45%، والفئة الممتازة أو المبدعة وهي بين ( 90 إلى أقل من 100 درجة ) بلغ عددهم: 1169 طالبا أي بنسبة مقدارها: 6.13% من عدد الناجحين. الاستنتاج السريع لهذه الأرقام يقول: أن النتيجة غير طبيعية وغير منطقية، حيث أنها بعيدة جدا عن التوزيع الطبيعي لأي فئة بشرية، هذا إن دل على شيء فسيدلنا أولا: بأن الامتحان لا يتصف بالصدق أو الثبات ولا يمكن أن يكون موثوقا به، وإما يكونوا قد تلاعبوا في النتيجة الطبيعية للطلبة فظهرت النتيجة مختلة وهذا جلي وواضح من خلال العدد الكبير الذي ظهر في الفئة الضعيفة أي الناجحين الذين حصلوا على علامات مابين (50 إلى أقل من 60 درجة) وجاءت نسبتهم 37.50%من عدد الناجحين كمؤشر على ترفيع عددا كبيرا من الراسبين ونقلهم إلى الفئة الأولى للناجحين فتضخمت وأخلت بالميزان الطبيعي للنتيجة فأفقدها المصداقية.. الشيء الغير منطقي أيضا هي الفئة الممتازة والتي جاءت نسبتها 6.13% وهي نسبة غير موجودة في أي مجتمع في العالم إذ من المعروف أن هذه النسبة لا يمكن أن تتجاوز 2.5% لأي مجتمع حسب ما تشير إليه الدراسات العالمية في هذا الشأن وهذا دليل آخر على عدم مصداقية الامتحانات التي يشكك في وضعيتها أو في تصحيحها لتخرج بهذه النتيجة. ولو فرقنا بين القسم العلمي وقسم العلوم الإنسانية فسوف تظهر النتيجة واضحة كما في الجدول التالي :

نسبة النجاح للقسم العلمي
نسبة النجاح لقسم العلوم الإنسانية

الفئة
لسنة 2008
لسنة 2009
لسنة 2008
لسنة 2009

الضعيفة (50 إلى أقل من 60 درجة)
7.52 %
6.33 %
33.20 %
47.84 %

مقبول (60 إلى أقل من 70 درجة)
20.00 %
22.83 %
32.09 %
25.25 %

جيد (70 إلى أقل من 80 درجة)
26.50 %
25.86 %
20.14 %
14.75 %

جيد جدا (80 إلى أقل من 90 درجة)
24.61 %
29.28 %
11.77 %
9.06 %

ممتاز ( 90 إلى أقل من 100 درجة)
17.50 %
15.60 %
2.76 %
3.08 %


(جدول مقارنة لنسبة الناجحين في كل فئة للقسمين العلمي والأدبي في السنة الماضية وهذه السنة)

بلغ عدد الناجحين في القسم الأدبي لهذا العام 2009 (13999) من أصل (30000) طالبا تقدموا للامتحان أي بنسبة مقدارها 46.66 % ولو أضفنا لهم عدد الفئة الضعيفة الذين لا يمكنهم دخول الجامعات الفلسطينية (متطلب دخول الجامعات هو: حصول الطالب على معدل 60% كحد أدنى في الثانوية العامة ـ حسب قانون وزارة التربية والتعليم العالي) فسوف يصبح عدد الراسبين لهذا العام هو: 22699 من أصل الـ 000 30 طالبا، ونعتقد أن هذا في حد ذاته يكفي لأن نقول: أن هناك إرباكا وتخبطا واضحا في العملية التعليمية وعلى الأخص في امتحان الثانوية العامة الذي هو الحصيلة النهائية للتعليم المدرسي والسبب الرئيسي وراء ذلك هو: استمرار الانقسام وحالة التشرذم السياسي، كما هي الحالة في جميع مناحي الحياة المختلفة في محافظات غزة، فهل أدرك السياسيون والقادة حجم الخلل والدمار الذي أنتجوه، وبدلا من التباهي والاحتفال بالفئة المتفوقة يقوموا بعمل جلسات نقاش وإعادة حساباتهم ومدركاتهم... لتكون بداية لإعادة اللحمة لشعبنا وتوحيد صفوفه لمواجهة التحديات المقبلة بدلا من حسابات فئوية ضيقة..؟! يمكننا أن نقبل بالنتيجة عندما تكون متزنة بمعني أن تتساوى الفئة الضعيفة مع الفئة الممتازة التي جاءت أيضا مرتفعة حسب المقاييس الدولية، خاصة في القسم العلمي حيث جاءت بنسبة تساوي: 15.60 % من عدد الناجحين، ولو جاءت مساوية أو قريبة من الفئة الضعيفة بمقدار 6.33 % لقلنا أن النتيجة يمكن أن تشكل توزانا منطقيا أو طبيعيا، وكذلك في القسم الأدبي الذي يتجلى الخلل بشكل كبير في النتيجة كما هو ظاهر في الجدول.

على كل حال نحن أمام معضلة كبيرة بحجم الخلل في الفئة الضعيفة لقسم العلوم الإنسانية التي جاءت بمقدار 47.84 % من الناجحين وهذا يدفعنا لتغيير قانون قبول طلبتنا في الجامعات الفلسطينية إما باعتماد معدل السنوات الثلاثة في الثانوية العامة، أو تقوم الجامعات بعمل امتحان قبول لكل تخصص على حدة كيفما يرغب الطالب باختياره، وهذا معمول به في كثير من جامعات العالم دون الاعتماد على معدل الثانوية العامة لأنه: " لا توجد هناك أداة قياس تعطي نتائج أو قياسات دقيقة بشكل مطلق، وفي العادة تكون نتائج القياس تقريبية تعتمد في دقتها على دقة أدوات القياس المستخدمة. وكذلك أن مجرد النجاح في الثانوية لا يعني ضمان النجاح في الدراسة الجامعية.. (ثورانديك، روبرت، هيجن، اليزابيث، القياس والتقويم في علم النفس والتربية، ترجمة: كيلاني، عبد الله، عدس، عبد الرحمن، مركز الكتب الأردني، عمان: 1984 ) " السؤال المهم موجه لوزارة التربية والتعليم العالي وهو: كيف لا يمكن أن نثق بنتائج مدارسنا في المرحلة الثانوية أي الصف العاشر والحادي عشر لنقوم بعمل امتحان موحد للصف الثاني عشر؟؟ أليس هذا يفقدنا الثقة بكل الجهاز التعليمي برمته؟؟ نعتقد أننا بحاجة لتغيير نظرتنا عن مركزية القرار وإعطاء الفرصة لمدارسنا ويمكن اعتمادنا لمعايير الجودة لهذه المدارس فيما بعد ولجامعاتنا كذلك مادام أن جميع مؤسساتنا تقوم بعمل امتحان لخريجي الجامعات في حال توظيفهم أو تشغيلهم في تلك المؤسسات.. وفي الختام لا يسعني إلا أن أقدم التهنئة للناجحين، والوقوف بجانب الذين تخلفوا عن الانتقال من هذه المرحلة ليقوموا من جديد كدافع للتقدم والنجاح...

ليست هناك تعليقات: