الأربعاء، يوليو 22، 2009

القدسُ أولاً وثانياً، وغزةُ عاشراً

د. فايز أبو شمالة
في كل صباح يبتلع اليهود قطعة من لحم القدس، وفي كل صباح تصير المدينة المقدسة يهودية أكثر، ليودع العرب بالدمع ذاكرتهم، وأماكنهم التي تهودت، وكأن تلك الأراضي ترتد عن دين الإسلام لتعتنق اليهودية تحت بصر ولي الأمر الفلسطيني، الذي اقتصر دوره على المراقبة، والتوثيق، والبكاء بين يدي أمريكا، ومن ثم الاتصال برؤساء وملوك العرب الذين أغلقوا الأذنين عن صرخات المدينة المستغيثة، وسط إغضاء طرف الأمة العربية والإسلامية عن أولى القبلتين، وثالث الحرمين.
ولمن يفهم لغة الأرقام أقول: لقد بلغ عدد اليهود الذين يسكنون القدس العربية منذ هزيمة 1967 أكثر من مائتي ألف يهودي، إضافة إلى أكثر من نصف مليون يهودي يسكنون القدس الغربية التي اغتصبتها اليهود سنة 1948. أي أن هنالك مليون إلا ربع يهودي يسكن أورشليم القدس، يحاصرون بمزاميرهم الأماكن الإسلامية حتى صارت: "الله أكبر" تختنق بأبواق اليهود، والملياردير اليهودي الأمريكي "آرفين مسكوفيتش" يواصل تمويل بناء فندق "شيفارد" وعشرات الوحدات السكنية لليهود في ضاحية الشيخ الجراح الإسلامية، وبالذات في المنطقة التي كانت قبل قيام إسرائيل معروفة باسم "كرم المفتي" المكان الذي احتضن رجال المقاومة الفلسطينية بقيادة الحاج "أمين الحسيني". ليأتي مشروع بناء الفندق اليهودي ليقول للعرب والمسلمين: سنمسح عن وجه الأرض كلَّ مكانٍ تحدى قيام الدولة العبرية، وسيرفرف العلم الإسرائيلي الأزرق على كل مقدساتكم.
على ضوء هذا التهويد المنظم، والمتواصل لكل القدس، ما دواعي تكرار: أن القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، والقدس رمز الوجود الفلسطيني، ومنطلق السلام والحرب، ما دام العمل لا يرقى إلى هذا القول؟ وهل يتجرأ أي مسئول فلسطيني أو عربي على القول: أن القدس الموحدة مدينة إسلامية إلى الأبد، وعاصمة دولة فلسطين؟! أتحدى أي مسئول فلسطيني أو عربي أن يهمس بهذا الكلام، ولو همساً؟
إن كل الكلام العربي، والصراخ الفلسطيني لن يوقف تهويد القدس، ولن يحول دون إقامة فندق "شيفارد"، والوحدات السكنية اليهودية في ضاحية الشيخ جراح رغم الاعتراض الأمريكي على البناء، ومثلما نجح اليهود في الاستيطان على "جبل أبو غنيم" الذي يسمونه "هار حوماه" قبل عشر سنوات تحت سمع العرب، وبصر الفلسطينيين، ستواصل الدولة العبرية مشروع التهويد العقائدي لأورشليم الكبرى، وستعرف كيف تتفاهم مع أمريكا، وكيف تمتص اعتراضها دون ارتعاب منها، ودون ارتداع، ولاسيما أن الإجماع اليهودي على أورشليم إلى الأبد، يعزز من التطرف العلني لرئيس الوزراء "نتانياهو" ليقول: القدس الموحدة عاصمة الشعب اليهودي، وعاصمة إسرائيل، وسيادتنا عليها غير قابلة للطعن.
ألا يفرض مصير المدينة المقدسة على السلطة الفلسطينية أن تنسى غزة قليلاً، وأن تترك خلافاتها مع حماس جانباً، وتنتبه إلى الوطن الذي يضيع؟ ألا تستحق المقدسات الإسلامية من الجميع التداعي للقاء في القاهرة أو عمان، أو دمشق أو الرياض بهدف حماية القدس من التهويد؟ ألا يستوجب مصير القدس احتضان العواصم العربية للقاء ينسق آلية مواجهة التهويد، مع تجاهل ملهاة المصالحة الفلسطينية إلى حين يتم التوافق على برنامج عمل جدي، يوقف تهويد كل فلسطين، ويكون المقدمة الصحيحة لبداية عمل ميداني مشترك بين فتح وحماس، وباقي التنظيمات ضد المحتلين، ويمهد لتحقيق المصالحة؟
إلى أن يتحقق برنامج العمل المشترك بين التنظيمات الفلسطينية في الميدان، سيظل الانقسام الفلسطيني قائماً، وستظل القدس تتسرب من بين أصابع العرب والمسلمين الرخوة، لتتجمع في طاقية اليهودي!.

ليست هناك تعليقات: