السبت، يوليو 18، 2009

أوروبا والعالم الإسلامي


صالح خريسات

وضع تقدم العلوم والتكنولوجيا، بين أيدي الأوروبيين، طاقة مادية، بلغ من شأنها ما أدخل في روعهم، تسامي حضارتهم،وأفضليتها على سواها من الحضارات الأخرى. فإذا كانت نتيجة الحوار بين الثقافات،هي تأكيد الرفض والتمايز العنيف، مع أحكام صادقة، تقول بأن الثقافة الإسلامية، ثقافة ركود، وتقليد، وبرودة،بينما الثقافة الأوروبية،هي ثقافة اختراع مستمر، وان هناك اختلافاً، نوعياً،جنسياً،بين الحضارتين، فإننا ننساق إلى الاستنتاج، بأنه لا فائدة في الحوار.
فقد أخطأ الأوروبيون،عندما نظروا إلى حضارتهم، على أنها الحضارة البشرية الفضلى، وراحوا يعتقدون أن من حقهم، فرض هذه النظرية، على العالم كله بالقوة، حتى تبناها، وعمل بها، ونهج عليها. وبالمقابل أخطأ المسلمون،عندما أغلقوا باب الاجتهاد،ووقفوا عند حدود التراث العربي الإسلامي،حتى أصابه الركود،والجمود، وتخلوا عن دورهم الحضاري، بحجة انه ليس بالإمكان، أفضل مما كان.
إننا لا ننسى عصور الانحطاط والتردي، التي عاشها المسلمون بعد زوال دولة بني العباس. فلما كان منتصف القرن السابع للهجرة، تدفقت على الممالك الإسلامية، عصابات المغول، سلالة جنكيز خان، واحتلت بغداد جيوش هولاكو، وتوالت المصائب والنكبات على العراق والشام، وأوغل الغزاة في البلاد قتل وإحراقا وتخريباً، ونشروا الذعر والخوف في النفوس. فما هو أن تقلص ظل هولاكو، حتى زحف تيمورلنك بجيوشه على حلب، وحمص، ودمشق، وبعلبك، فاجتاحها، دائساً في طريقه كل شيء، وقد أحرق الجوامع، وسبى النساء، وداس الأولاد بسنابك خيله، وأعمل النار في المكاتب والمدارس وخزائن الأدب والعلماء، وألقى الرعب والهول في جميع القلوب، ولا سيما الكتاب والفلاسفة والشعراء.
ولكننا يجب أن لا ننسى أيضاً، بأن البعث الحضاري، قد تم على يد أوروبا، وكان مسرحه الجغرافي، مصر وسوريا ولبنان. ويخيل إلي أن مؤرخي السياسة لم ينصفوا حتى اليوم نابليون، الإمبراطور الشاب، فيما كتبوه عن حياته، وذلك أن نابليون، كان إذا دخل بلداً، استصحب في حاشيته وبطانته، رجال العلم والأدب والتاريخ وعلماء الآثار. وكذلك فعل في مصر فأنشئت بفضل حملته، أول مطبعة فيها. وتم ذلك في مطلع القرن التاسع عشر، وما هي إلا سنوات، حتى بدت تباشير النهضة الفكرية والمعرفية تلوح في بلاد العرب والمسلمون، وبخاصة في مصر. فقد أرسل محمد علي، البعوث إلى أوروبا، وأنشأ المدارس، وشجع العلم والعلماء، والأدب والأدباء، على نحو لم يعرفه المسلمون منذ زمن طويل.
وبينما كان هذا يجري في مصر، كانت أوروبا وأمريكا تعدان الحملة العلمية، التي كان لها الأثر البعيد في النهضة العلمية والفكرية، التي يفاخر المسلمون بها، إذ أنه ما كان يتناصف القرن التاسع عشر، حتى أوفد الغرب إلينا رسلاً جدداً، اخذوا بأيدي أبناء الأقطار العربية والإسلامية في يقظتهم من سباتهم العميق، وذلك حين أنشئت في بيروت، الجامعتان الأمريكية واليسوعية، وكان أعجب ما في أمرهما، أنهما كانتا تكملان بعضهما بعضا، فالجامعة الأمريكية، كانت تحمل إلى البلدان العربية والإسلامية الثقافة الأنكلوسكسونية، والجامعة اليسوعية، كانت رسول الثقافة اللاتينية. وكانتا في تزاحمهما تبعثان حركة في الأوساط الفكرية، ساعدت كثيرا على بعث النشاط العقلي، وتحرير الفكر العربي الإسلامي، من قيود الجهل وتراكمات الماضي بكل ما فيه من عيوب حالت بين العرب وبين النهضة.
وإذا كان الضمير الأوروبي، قد استعاد صحوته، وعاد من جديد، ليفسح المجال للمشاركة الإنسانية،لكل الجماعات البشرية، فإننا أيضا، لا نسلم بهذا المنطق، الذي يتهم ثقافتنا الإسلامية، وتحولات العالم الإسلامي،في أسيا، وإفريقيا، بالركود والجمود، وان هذه الإمكانات، ستفيد وتستفيد من الإنسانية الجديدة، وستسعى إلى استكمال الوحدة الإنسانية، بالتعاون مع كل الثقافات الإنسانية الأخرى، وهذا لا يتنافى في عصر التقارب والتعاطف، مع ضرورة إلغاء كل ظواهر عصر الترافض، والتمايز الجنسي.
إن تاريخ الحضارة،ومفهومه القومي الرحب، الذي يتناول بالدرس سجل الجماعات البشرية،والمدنيات، ويبرز في هذا التراث المتأتي إلينا، مراحل التطور الذي عرفته الإنسانية، في رقيها الصاعد، ويحصى على كل جماعة، ما أسرته من خير التراث المشترك، يصعب تجريده من غاية، تجعل الحضارة وقفاً على الأوروبيين، أبناء القرن الحادي والعشرين فحسب، أو على المسلمين،في مرحلة من مراحل تاريخهم الحضاري المجيد، لهذه الأسباب، فمن الواجب الآن، تجاوز الخصومات التاريخية، وبناء صرح عالمي جديد،وذلك بالرجوع إلى التاريخ، وقراءته قراءة موضوعية.
إذ يجب أن يكون كل مكان، ملتقى حضارياً مندمجاً، بعد أن انهارت الديكتاتوريات، وانتهى النظام الشيوعي، كمنهاج حاول السيطرة على العالم،وبعد انتظام أوروبا في مجموعة متكاملة، عليها أن تنخرط في المجموعة المتوسطية.
صحيح أننا شهدنا في غضون العصور الأخيرة، تحت تأثير أوروبا الحاسم نفسها، تواري أو زوال معالم حضارات كثيرة، وأصيلة، وذلك أقلة تحت ستار الدعوة الملحة، لتوحيد نظم الحياة، ولهذا أخذ يتبدى لنا، أن هنالك حضارة موحدة، آخذة بالتكون، مستوحاة على الأخص من الغرب، في مدلوله الأوسع. إلا أن ذلك في حقيقته،لا يعني إلغاء مجهودات الجماعات البشرية الأخرى، إلا إذا كانت هي قد رغبت طوعاً،أو كرهاً، في الانسحاب من ميدان الحضارة،والتخلي عن دورها التاريخي.
إننا الآن أحوج ما نكون، إلى بناء جسر حضاري، ثقافي، وسياسي أيضاً، بين أوروبا والعالم الإسلامي، قائم على العدالة،والمساواة، والتعاون. وأكثر من ذلك، على الاعتراف بدور الآخر، في بناء المستقبل الحضاري. ولقد آن الأوان لتصحيح هذا التوجه، وللتوقف الهادئ أمام بعض التطورات الفكرية، والمواقف السلوكية، التي تميز حركات التوجه الإسلامي المعاصرة، ومناقشة ذلك كله في موضوعية وصراحة، وبروح نقدية، تستهدف الإصلاح، والتصويب،عن طريق الحوار، وتبادل الرأي، والرأي الآخر.

ليست هناك تعليقات: