الثلاثاء، يونيو 23، 2009

موضة الخطابات الجامعية

راسم عبيدات

......في أقل من شهر ألقى الرئيس الأمريكي"اوباما" خطابه من جامعة القاهرة،والذي تحدث فيه عن رؤيته للسلام وكيفية حل الصراع العربي - الإسرائيلي وفي القلب منه القضية الفلسطينية،ومن ثم جاء خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي"بنيامين نتنياهو" من جامعة "بار ايلان" والذي تحدث فيه عن رؤيته وتصوراته للسلام في المنطقة،وأعقب ذلك خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض حول رؤيته للسلام وتسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

وفي قراءة متأنية لما ورد في تلك الخطابات،نرى أن "أوباما" في خطابه غير المتوازن والمنحاز لإسرائيل،استخدم لغة ومفردات جديدة لنص قديم،وركز على لغة العواطف والمشاعر،وحاول بقدراته الأكاديمية وأصوله العرقية أن يصور للعرب والمسلمين أن هناك تغير استراتيجي في السياسة الأمريكية فيما يخص رؤيتها للسلام،وكذلك ما يخص العلاقات الأمريكية مع العرب والمسلمين،وفي الجوهر أكد على الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل والدفاع عنها ،وشدد على العلاقات الإستراتيجية بين الطرفين،وذرف الدموع على الأطفال اليهود الذين تتساقط عليهم "أحدث أجيال الصواريخ الفلسطينية" في مستعمرة "سديروت"،وأبدى حزنه الشديد على النساء الإسرائيليات الحوامل اللواتي يتفجرن في الباصات،جراء العمليات"الإرهابية" الفلسطينية،وتطرق إلى المحرقة وما عاناه اليهود من اضطهاد وتنكيل في الحقبة النازية،وفي المقابل رفض حق الضحية في المقاومة والنضال،ودعاها إلى وقف"العنف" النضال المشروع قولاً وفعلاً،وكذلك ضرورة الاعتراف بإسرائيل وشروط الرباعية والاتفاقيات السابقة التي وقعت عليها منظمة التحرير،ولم يدين أي من الممارسات القمعية والإذلالية التي تقوم بها وتمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني بشكل يومي،ولم يتعرض او يتطرق إلى النكبة الفلسطينية وما ارتكبته إسرائيل من مجازر في عدوانها في أواخر العام الماضي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والتي طالت البشر والشجر والحجر وكذلك استخدامها للأسلحة المحرمة دولياً،ولم يتحدث عن انسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة عام 67 وإنهاء الاحتلال،بل رأى أن إقامة دولة فلسطينية هو مصلحة إسرائيلية دون الحديث عن حدودها وما هيتها ،ودعا الإسرائيليين إلى وقف الاستيطان رابطاً ذلك بتقدم التطبيع مع العالم العربي،وبخطوات عربية جريئة تقنع الإسرائيليين برغبة العرب في السلام من طراز شطب حق العودة وغيرها.

أما رئيس الوزراء"بنيامين نتنياهو" والذي كان خطابه اقصائياً من الدرجة الأولى وإنكارا لوجود الآخر،فقد أكد فيه على رؤيته وقناعاته التي جرى انتخابه هو وحكومته اليمينية على أساسها،وهي الحق الكامل لليهود في الاستيطان في كل فلسطين التاريخية،ودعا العرب والفلسطينيين إلى الاعتراف بالطابع اليهودي للدولة،ودعا إلى تحسين الشروط والظروف الاقتصادية للفلسطينيين تحت الاحتلال عبر صندوق تساهم به الدول العربية والأوروبية،ورفض بالمطلق حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى مناطق 48 أو أي اعتراف أخلاقي أو سياسي عن هذه المشكلة ،وتطرق إلى أن رغبة إسرائيل بالسلام والعيش بأمان تتطلب التنازل عن جزء من أرضها لصالح الأغراب،ولم يتطرق لمبادرة السلام العربية بالمطلق.

باختصار جاء خطاب"نتنياهو" مخيباً لفريق الاعتدال العربي،بعد النشوة التي شعر بها بعد خطاب"أوباما"والذي طبل وهلل له الكثيرون من الساسة والمفكرين والأكاديميين والإعلاميين العرب،والذي وصل حد قول البعض منهم،أن هذا الخطاب يشكل تحول تاريخي في السياسة الأمريكية،وكانوا يراهنون على أن خطاب"نتنياهو" إن لم يشكل انقلاباً وتحولاً تاريخاً على حد زعمهم كخطاب"اوباما" فإنه سيعلن قبوله لقيام دولة فلسطينية وتعهد بتجميد الاستيطان وقبول المبادرة العربية،ولكن نتنياهو" يقيس الأمور ليس بمصلحة العرب والفلسطينيين،بل بمصلحة إسرائيل وحزبه أولاً وبمستقبله السياسي أيضاً،فهو غير مستعد أن ينتحر سياسياً في سبيل تنازلات لا يقبل بها المجتمع الإسرائيلي.

أما خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض،والذي يمثل خطاب الطرف الأضعف،فهو لم يحتوي على أية عناصر جديدة،بل هو ترديد لنفس "الكليشهات" التي تعودنا على سماعها،والتي تفتقر إلى عدم وجود رؤيا وإستراتيجية فلسطينية موحدة واليات للتنفيذ والتطبيق،والخطط والبرامج لمواجهة الرفض والتعنت الإسرائيلي غير سياسة المفاوضات العبثية التي أثبتت عقمها وعبثيتها،وكلام الإنشاء والعواطف ودغدغة المشاعر،لن يصمد في أرض الواقع،فعلى سبيل المثال لا الحصر القدس التي يقول عنها فياض بأنها لن تكون إلا عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة،تتعرض لأوسع عمليات تهويد وأسرلة،والسلطة الفلسطينية ما تقدمه للمقدسيين من أجل تعزيز وجودهم وصمودهم في وعلى أرضهم،لا يتعدى الخطب العصماء والبيانات والتصريحات الإعلامية في الفضائيات وعلى صفحات الجرائد،وهذه ليست وجهة نظر شخصية،بل هي تعبير عن نبض الشارع المقدسي،وأيضاً المساهمة في بناء مؤسسات الدولة والذي يقدم فياض وعداً آخر يضاف لوعود بوش و"أوباما" بإقامتها خلال عامين،لا ندري كيف ستقام وعلى أي ارض تقام،وهناك تغول استيطاني إسرائيلي ينهب الأرض يشكل متواصل ومستمر،أما أذا كان فياض يسمي المعازل والباتستونات دولة،وهي مقطعة الأوصال ولا تتواصل جغرافياً ولا ديمغرافياً ولا حتى اقتصادياً فهذه مصيبة بل وطامة كبرى،وأيضاً عندما يتحدث عن مخاطر الانقسام السياسي، فهذا الموضوع بات يعرفه الصغير قبل الكبير،والجميع يعرف أيضاً الأسس التي تنهي هذا الانقسام،ولكن الأجندات والأولويات غير الفلسطينية والصراع على سلطة وهمية والشروط المسبقة،هي من يعطل إنهاء هذا الانقسام،وفياض وغيره يدركون جديداً أن مخاطر الانقسام توازي النكبة،وبالتالي المسائل الأخرى كالحديث عن انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة مع بداية العام القادم،هي رهن بإنهاء حالة الانقسام والتوافق الفلسطيني.

وكما هو حال"نتنياهو" الذي حدد خطوط سياسته ورؤيته وإستراتيجيته،والتي لم يقدم التنازلات بشأنها،سوى في القضايا التفصيلية والجزئية،فالطرف الفلسطيني والعربي عليه أن يحدد رؤية وإستراتيجية لا يحيد ولا يتنازل عنها،ويضع الخطط والبرامج التي تكفل تنفيذها ويمتلك القدرة على طرح البدائل .

أما استمرا ر التمسك بخيار المفاوضات العبثية وما يسمى بمبادرة السلام العربية،والتي يجري ترحيلها من سنة لأخرى وتعديلها وتحويرها من عام لآخر،ورفض إسرائيل لقبولها،فقط سيحولنا إلى شهاد زوراً على ما تقوم به إسرائيل من ممارسات وإجراءات.

القدس- فلسطين
Quds.45@gmail.com

ليست هناك تعليقات: