الخميس، فبراير 18، 2010

التعبير عن الرأي والحد الأخلاقي

كفاح محمود كريم

في مجتمعات ما زالت تحبو باتجاه النموذج المدني والديمقراطي للحياة تواجه عملية التحول الاجتماعي تحديات كبيرة في التعاطي مع مفاهيم النظام الجديد، وأولها مفهوم الحرية الشخصية وإطارها والفضاء الذي تدور فيه وحدودها مع الآخر ومع الحريات العامة، والمحطات التي تلتقي أو تتوقف فيها من خلال التعبير الحر عن الآراء والأفكار ووجهات النظر، سواء في مجال السياسة أو الدين أو المجتمع بما لا يصنع جوا عدائيا متشنجا، ويدعو إلى القبول الطوعي بالآخر بصرف النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف، ونقل ذلك الاستحقاق القانوني والدستوري إلى ممارسة فعلية في العلاقات الاجتماعية والأوساط السياسية والإعلامية، بما يؤمن وضعا طبيعيا مع الآخر دون مساس أدبي أو أخلاقي من خلال ممارسة حرية التعبير، ويكرس علاقة خلاقة وبناءة في الحياة السياسية والاجتماعية بعيدا عن التشنجات والمواقف السلبية المسبقة.

لقد خلفت سنوات طويلة من الحكم الدكتاتوري المستبد في معظم بلدان الشرق الأوسط منذ قيام دولها اثر توقيع اتفاقية سايكس بيكو، مجتمعات اعتادت الهروب والسلبية والانكفاء إلى الدهاليز ووراء الأسوار خوفا من بطش تلك الأنظمة الدكتاتورية، وتوجيه النقد همسا أو ايماءً واستخدام اسلوب الدعايات وتناقلها، أو ربما كتابة ذلك النقد وتلك الهواجس على جدران دورات المياه أو على الجدران الخلفية في الزوايا المظلمة ضد رأس النظام أو حزبه، كما كان يحصل هنا في العراق لعشرات السنين أو ربما أكثر في التعبير عن حالات الرفض والشعور بالظلم والإحباط في ظل نظام إرهابي لا يعرف إلا الموت عقابا لمن يخالفه الرأي، وقد استمرت هذه الانماط من النقد والمقاومة السلبية لعقود كثيرة وربما ما زالت هي الوحيدة المستخدمة في بلدان مخنوقة بنظمها الشمولية وحكوماتها البوليسية الجاثمة على انفاس تلك الشعوب.

وخلال عشرات السنين من تلك الثقافة المغلقة والإقصاء الكلي للآخر أو تصنيع بدائل هزيلة للزينة، تولدت انماط من النقد ظهرت مع فتح اولى بوابات التعبير عن الرأي سواء هنا في العراق بعد سقوط النظام السابق أو مع تأسيس المنابر الثلاثة أيام الرئيس السادات وسياسة الانفتاح، وظهور مئات الصحف والمجلات ووسائل الاعلام الاخرى التي انطلقت بعد سنوات مريرة وعجاف من الكبت والاستبداد، في واحدة من فورات الحرية أن صحت التسمية، ورغم إن البعض ينظر الى هذه الظاهرة كونها تميل اكثر الى الفوضى الاعلامية والعشوائية، إلا ان الآخرين يرونها ظاهرة صحية تأتي بعد مرض مزمن لعشرات السنين أو أكثر وهي الآن في طور النقاهة، وقد تأخذ وقتها حتى تنضج كوسائل اعلامية حرة تحترم الحرية وتقدر حدودها الحضارية.

إن حرية التعبير لا تعني تجاوز الحدود الاخلاقية المتعارف عليها في أي بلد من البلدان، ولا هي عملية انتقامية من جهة ما أو فرد بذاته وذلك باستخدام صيغ التشهير والتشويه وتضبيب الحقائق او تحريفها لمجرد الاختلاف مع طرف آخر تحت تسمية حرية التعبير أو حرية النقد كما يفعل البعض ظنا منه بممارسة حريته وحقه الشرعي، فالآخر ايضا يمثل وجها آخر للحقيقة التي لا يمكن امتلاكها بشكل مطلق من طرف واحد، ولذلك فنحن أحوج ما نكون الى إدراك إن الحقائق لا يمكن تكثيفها في طرف واحد من المعادلة الاجتماعية او السياسية او الفكرية، وليس هناك إجماع مطلق على أي حقيقة من الحقائق إلا بشكل نسبي يمثل طبيعة تكوين البشر ومجتمعاتهم، وبالتالي فأن حرية التعبير تكون في غاية الرفعة حينما تحكمها معايير أخلاقية نبيلة تحترم الآخر وتعمل من اجل أن تكون الحقيقة ملك الجميع.

إن هذه المرحلة من مراحل التحول الاجتماعي والسياسي التي تعيشها بلادنا نحو الديمقراطية تحتاج بشكل مُلح الى مجموعة من القوانين والتشريعات والآليات التي تضع حدودا وتعاريفا لكثير من المفاهيم والمصطلحات السياسية والفكرية والاجتماعية والإعلامية وتنقيتها من الهلامية والضبابية والتشويه الذي لحق بها خلال سنوات الدكتاتورية المقيتة، وتأتي في مقدمة ذلك قوانين الاحزاب والمنظمات واجهزة الاعلام بأشكالها المختلفة والصحافة وأخلاقياتها بما يضمن حقوق الطرفين وواجباتهما تجاه الفرد والأسرة والمجتمع.

kmkinfo@gmail.com

ليست هناك تعليقات: