السبت، فبراير 27، 2010

إستمرار الفساد في أندونيسيا يقوض شعبية يودويونو

د. عبدالله المدني

بعد أشهر من إعادة إنتخابه للمرة الثانية كرئيس لكبرى الديمقراطيات الإسلامية في يوليو من العام المنصرم، تواجه أحلام الرئيس الإندونيسي “سوسيلو بامبانغ يودويونو” في إقامة إئتلاف وطني جامع مآزق وصعوبات كثيرة مصحوبة بأسئلة عديدة حول مدى كفاءة حكومته وجديتها في مكافحة الفساد المستشري في اوصال البلاد.

أحد مصادر تلك الصعوبات جاءت من محاولة يودويونو التوفيق ما بين قوى ورموز سياسية متضادة في أهدافها وأيديولوجياتها وطموحاتها وطرق تفكيرها ، وذلك على نحو ما فعله غداة فوزه في الانتخابات الرئاسية، أي حينما عمد إلى تقوية نفوذه في البرلمان عبر عقد تحالفات سياسية، تلتها تشكيل حكومة وزعت حقائبها على مختلف الأحزاب السياسية التي دعمت ترشحه للرئاسة، ناهيك عن الشخصيات الانتهازية التي غيرت مواقفها بمجرد شعورها بأن النصر سيكون حليف الرجل لا محالة.

وهكذا رأينا تايكونا للمال والأعمال مثيرا للجدل مثل "أبورضا البكري" الذي تولى في أكتوبر الماضي قيادة حزب "غولكار" الذي حكم البلاد زمن الديكتاتورالراحل سوهارتو، بل الذي نافس يودويونو على الرئاسة في الانتخابات الأخيرة، يكافيء مع أربعة من زملائه بحقائب وزارية. علاوة على ذلك منح يودويونو حقيبة وزارية هامة مثل وزارة تنسيق الشئون الإقتصادية إلى "حتا راجاسا"، وهي شخصية إسلامية معتدلة من رموز حزب " بارتي أمانت ناسيونال" الإسلامي أو حزب الأمانة الوطني الذي كان قد أسسه زعيم جماعة "المحمدية" والرئيس الأسبق للبرلمان "أمين ريس"، وذلك على الرغم من الأداء السيء لهذه الشخصية في كل ما أوكل إليه من مناصب رسمية سابقة ما بين عامي 2001 و2004 مثل وزارة النقل ووزارة الأبحاث والتكنولوجيا. وتعليقا على هذا، كتبت الصحافة الإندونيسية واصفة حكومة يودويونو الحالية بأنها خليط من الإصلاحيين والمحافظين، ومن الساسة والتكنوقراط، ومن العلمانيين والإسلاميين.

غير أن يودويونو، الذي كان وقتها في ذروة مجده المتحقق من حصوله على تخويل جماهيري كاسح، رد قائلا بأنه عمد إلى ذلك من أجل تمرير أجندته وسياساته في البرلمان والتي تتمحور حول الإصلاحات الإقتصادية والمالية ووسائل جذب رؤوس الأموال الأجنبية، ومكافحة البيروقراطية المستفحلة والفساد المستشري، وتطوير الأجهزة الرقابية والأمنية. وبعبارة أخرى كان الرئيس الفائز يمد يديه وقتذاك إلى الجميع من موقع قوة، قبل أن تضعف مكانته وشعبيته بفعل الفضائح الناجمة من تدخل بعض أركان إدارته في مهام المفوضية العامة لإجتثاث الفساد، والتي كان من معالمها التزوير وإنفاق ما يقارب 7 بلايين روبية (750 مليون دولار) من المال العام من أجل إخراج أحد المصارف المحلية من عثراته المالية في العام الماضي.

الأمر الغريب الذي توقف عنده المراقبون طويلا هو أن حزبي "غولكار" و "بارتي أمانت ناسيونال"، بدلا من أن يسندوا ظهر يودويونو بإعتباره حليفا لهما في البرلمان وشريكا لهما في الحكومة، إنتهزا هذه الواقعة للتشويش على صورته وشعبيته، وذلك بإنضمامهما إلى المعارضة وترديدهما لما رددته الأخيرة.

الأغرب من ذلك أن حزب "غولكار" المتمرس منذ حقبة سوهارتو البائدة على الفساد والنهب زعم بأن ما أنفق من المال العام لإخراج المصرف المذكور من عثراته تجاوز كثيرا ما أعلن عنه، وأن الفارق تم نهبه لصالح حزب الرئيس(حزب إندونيسيا الديمقراطي)، وهو ما أنكره يودويونو بشدة مع مطالبته بإجراء تحقيق شفاف لتبرئته وحزبه من هذه التهمة الشنعاء التي لطخت بالفعل سمعته.

وإذا كان ما قالته رئيسة الجمهورية السابقة وزعيمة المعارضة الحالية "ميغاواتي سوكارنو بوتري" من أن تلك الأموال المنهوبة قد أنفقت على حملة الرئيس يوديونو الإنتخابية ولعبت دورا حاسما في فوزه بأصوات أكثر من 60 بالمئة من الناخبين، يبدو مفهوما بإعتباره تهويشا وتبريرا منها لخسارتها في المعترك الإنتخابي، فإن ما لا يمكن ايجاد مبرر له – سوى توجيه ضربة ليودويونو على أمل العودة لحكم أندونيسيا مرة أخرى وبالتالي إستعادة الإمتيازات الذهبية المفقودة – هو قيام حزب متحالف مع رئيس البلاد وشريك له في الحكم كحزب "غولكار" بقيادة حملة لتشويه صورته وسمعة حزبه الحاكم.

على أن مطالبة الرئيس يودويونو بإجراء تحقيق شفاف لئن أدت إلى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية مكونة من 30 مشرعا، للنظر في القضية، فإن الإشكالات والخلافات السياسية الموجودة على الساحة ما بين الداعمين لللبرلة الإقتصادية بقيادة وزيرة المالية الإقتصادية الموهوبة "موليان إندرواتي" (حاصلة على درجة الدكتوراه في الإقتصاد من جامعة إلينوي الأمريكية) و نائب الرئيس وحاكم المصرف المركزي السابق "بوإيديونو"، و بين خصوم الإنفتاح الإقتصادي الواسع بقيادة "ابورضا البكري" الذي حقق ثروات طائلة من الأنشطة الإحتكارية وبنى لعائلته إمبراطورية أعمال ضخمة أثناء الحقبة السوهارتية شملت الإشتغال في التجارة والزراعة والصناعة والسياحة والشحن والتعدين والانشاءات والإعلام والصيرفة والتأمين، قبل أن يتعرض لخسائر بسبب الأزمة المالية العالمية، قد سيست القضية و أرخت بظلالها عليها بصورة جعلت أحلام يودويونو في تحقيق إجماع وطني حول أجندته تتبخر أو تتضعضع. الأمر الآخر الذي أثر في نفس الإتجاه سلبا هو تنازع السلطات والخلافات والإحتقانات الموجودة ما بين الشرطة والسلطات القضائية و قضاة المحكمة الدستورية ورجال الأعمال المتنفذين.

وربما هذه النتيجة المحبطة هي وراء ما يتردد في الإعلام الإندونيسي المتمتع بهامش واسع من الحرية منذ سقوط سوهارتو من أن يودويونو لم يعد كما كان يوم فوزه الكاسح، بمعنى أنه فقد الآن الأمل وبالتالي صار يعبر عن ذلك بالمواقف العصبية والغضب السريع من أي نقد لإدارته، وكأن الجميع يتقصده شخصيا ويحاول النيل منه، متناسيا أن ما يجري هو ضريبة الديمقراطية، وأن بلاده قد خطت خطوات راسخة على هذا الصعيد خلال سنوات العقد الماضي، وأن شعبه قد بلغ الرشد وصار بفعل حركة المجتمع المدني وتنظيماته الكثيرة قادرا على تكوين رؤيته الخاصة للأحداث وبالتالي التأثير في مجريات الأمور بإستقلالية.

نعم ! لقد نجح الجنرال المتقاعد يودويونو في وضع بلاده على الطريق الصحيح من بعد سنوات عجاف من الأزمات والإحتقانات في أرخبيل مترامي الأطراف، مقطع الأوصال جغرافيا، متنوع الأعراق والثقافات، مختل إختصاديا، مسكون بنزعات إنفصالية وجهوية حادة.

غير أنه إلى الآن لم يجد علاجا مناسبا لداء بلاده المزمن وهو الفساد المستشري في مفاصل أجهزة الشرطة والخدمة المدنية، على الرغم من محاولاته ووعوده الكثيرة، وتقديمه للعشرات من مسئولي الدولة للمحاكمة بتهم إستغلال الوظيفة العامة من أجل الكسب الحرام، بل وتسميته يوما في ديسمبر من كل عام كيوم وطني لإجتثاث الفساد، وهو المناسبة التي إستغلها خصومه مؤخرا للتظاهر بأعداد غفيرة في شوارع جاكرتا للتنديد بما قيل أنه فضائح وإستغلال للنفوذ من قبل مسئولين في إدارة الرئيس نفسه مثل والد زوجته "أوليا فوهان" المسئول القيادي في المصرف المركزي، بل وأيضا مسئولين في لجنة إجتثاث الفساد نفسها، وذلك في إشارة إلى نائبي رئيس تلك اللجنة "بابيت ريانتو" و "تشاندرا حمزة" الذين أعتقلا بتهمة الإرتشاء وإستغلال السلطة، قبل أن يفرج عنهما لعدم كفاية الأدلة.

لقد اعادت التظاهرة المذكورة إلى الإذهان ما حدث أثناء إنتفاضة الشعب ضد ديكتاتورية سوهارتو في عام 1998 ، بل كان يمكن أن تتطور إلى شيء مشابه، لولا هطول الأمطار الغزيرة التي فرقت الجموع المتظاهرة، ولولا خطاب التهدئة الذي ألقاه يودويونو إلى شعبه مساء ذلك اليوم الماطر من التلفزيون الرسمي.

في ذلك الخطاب بدا الرئيس مصمما على المضي قدما في تنفيذ سياساته، بدليل إعلانه "الجهاد" دون هوادة ضد الفساد والإرهاب معا وبنفس القوة، خصوصا وأن تلك التطورات جاءت متزامنة مع إكتشاف خلية تابعة للميليشيات الإسلامية كانت تتدرب في أحد المعسكرات النائية على إغتياله عبر إجادة التصويب باستخدام صورة لرأسه وصدره.

وكان من الطبيعي أن تشكل هذه الهموم والمنغصات الكثيرة إحباطا لدى يودويونو، خصوصا مع وصف الصحافة الأجنبية له بأبي الفساد منذ تسرب أخبار قضية المصرف المتعثر المشار اليها آنفا، ناهيك عن تراجع موقع أندونيسيا في قائمة الشفافية العالمية من المركز 137 إلى 111، وعدم تضمين الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" لأندونيسيا في جولته الآسيوية الأخيرة التي شملت اليابان وسنغافورة والصين وكوريا الجنوبية. ليس هذا فقط ، بل أدت تلك الهموم إلى فقدان الرئيس لثقته بأقرب المقربين منه بمن فيهم وزيرته المفضلة "أندرواتي" بدليل أنه لم يصطحبها معه في زيارته الرسمية إلى أربع من دول الإتحاد الأوروبي في ديسمبر المنصرم.

إلى ذلك و ربما بسبب التطورات نفسها، ألغى يودويونو زيارة كانت مقررة له إلى أستراليا،الشريك التجاري الإقليمي الأهم لبلاده، حيث قيل أنه خاف ألا تنجم الزيارة عن نتائج إيجابية لجهة الملفات الحيوية التي تهم الجارتين، وعلى رأسها ضخ الإستثمارات الأسترالية في الإقتصاد الإندونيسي، ومكافحة الإرهاب، ومعالجة مسألة التسلل إلى الأراضي الأسترالية من البوابة الإندونيسية والتي يقوم بها لاجئون متجمعون على الأرض الإندونيسية من أفغانستان وسريلانكا وبنغلاديش و بورما وغيرها.

جملة القول أن يودويونو رغم كل ما لحق بعهده الرئاسي الثاني من إنتكاسات، لا يزال زعيما صلبا وقادرا على تمرير سياساته في البرلمان بفعل التحالفات التي عقدها. أما صور الفساد التي ألقت بظلالها على عهده فلا يد له فيها، كونها ناجمة عن مشكلة قديمة يساعد على إستمرارها فساد الجهتين المعنيتين بمكافحتها وهما جهازي القضاء والشرطة.



د. عبدالله المدني
باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : فبراير 2010
البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh


ليست هناك تعليقات: