الثلاثاء، فبراير 02، 2010

وزارة الصحة الفلسطينية والتحويلات الخارجية

سامي الأخرس
قبل البدء بكتابة المقال وطرح الفكرة، فإنني من أشد المؤيدين لإغلاق كافة مستشفياتنا الداخلية وتسريح العاملين فيها وطواقهما الطبية، وإلغاء وزارة الصحة والاستعانة بمديرية داخلية بأحدي الوزارات تعنى بالشؤون الصحية فقط، وإقامة مراكز إسعافات أولية في المدن والقري توفيراً في الموازنة العامة المعتمدة لوزارة الصحة وعلى وجه الخصوص مستشفيات قطاع غزة، وهذا ليس تجنياً أو تشاؤماً بل هو الحقيقة التي لا يراد الاعتراف بها، فمستشفياتنا ولله الحمد من مدرائها حتى غفرائها تفتقد لأهم سمة وهي السمة الإنسانية في التعامل مع المريض، وهي الركيزة الأساسية في مهنة الطب، فإن لم تتوفر هذه السمة الإنسانية في التعامل مع المريض، افتقدت مهنة الطب لأساسيتها ودورها، ونحن لا نمتلك سوى حفنة من الموظفين الملتزمين بالولاء للراتب لا أكثر ولا أقل، حيث يعم النزق والتكبر في تعامل طواقم المستشفيات، فالمريض وما أن يدخل المستشفي تزداد حالته سوءاً من المعاملة الوقحة والرذيلة التي يجدها من تلك الوجوه العابسه، أضف لذلك الفساد الإداري والصحي المستشري في مستشفياتنا، والمتوج بجهل طبي وعلمي فاحش من قبل أطباء لا يعنيهم ولا يضجر ضمائرهم شيئاً سوى لقب طبيب والتفكير في فتح حصالته الشخصية ( عيادته الخاصة) التي تعتبر ضمانه للمريض لابد وأن يزورها قبل التفكير بالذهاب للمستشفي ليجد اهتمام الطبيب المعالج.
وعليه فإن الحالة يرثى لها في مستشفياتنا سواء من فساد وجهل، أو من طواقم إدارية وطبية لا ترتقي لطواقم مستوصف في أحدي الدول المتقدمة، وليس من باب الجهل العلمي فقط بل من باب اللامبالاة واللانسانية في التعامل، والفساد المغروس بالنفس، فتخيل طبيب يقضي وقت دوامه الليلي نائماً ويحظر من يحاول الاقتراب منه وهو على حق فهو يقضي اغلب الوقت في حصالته (عيادته) فكيف سيقوى على الدوام طوال النهار يجني الأموال بعيادته الخاصة، والليل يتابع المرضي في المشفى، مع غياب كلي للضمير طبعاً، وإتقانه لصرف المضاد الحيوي فقط فما سيكون الحال ؟!
ولذلك فإن هذا يشكل إرهاقاً للمواطن دافع الضرائب، واستهتاراً بحياته إن دخل أحدي هذه المستشفيات لأنه حتماً سيتعرض لانتكاسات طبية حسب الرأفة من الله فقط، وكله تحت الإيمان بالقضاء والقدر، أما الإهمال والجهل فلا دور لهما في تحديد حياة البشر حسب أعراف مستشفياتنا وأطبائنا، واسألوا عن ذلك ضمائر أطبائنا إن كان لا زال هناك ضمير لديهم.
فكل هذه الأعباء المادية الضخمة التي تخصص لمسالخنا أسف لمستشفياتنا، هناك قسم أخر يستنزف جزء ضخم من الأموال ألاَ وهو قسم التحويلات الخارجية الذي يكلف الوزارة موازنات ضخمة جداً، وذلك للافتقار للإمكانيات المادية والبشرية، والتجهيزات الطبية الحديثة، مما يضطر وزارة الصحة لتحويل معظم المرضى إلى العلاج بالخارج، وما أكثر من يتم تحويلهم يومياً، وربما في القريب العاجل يتم تحويل كل من يعاني من صداع أو كآبة في ظل المذابح التي تتم في مستشفياتنا المحلية، والوزارة هنا محقة في التحويل للخارج رحمة بالبشر " ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه" ولكن لمتى؟!
ماذا لو قامت وزارة الصحة بإنجاز مشروعاً صحياً متطوراً حسب المواصفات العالمية الصحية، والاستعانة بطاقم طبي ذو خبرات وإمكانيات طبية حقيقية أولها السمة الإنسانية كالتي يتحدث وينقلها لنا مرضانا الذين يتم تحويلهم للخارج، حيث لا يحدثونك منذ عودتهم سوى عن المعاملة الإنسانية الراقية من الطاقم الطبي، والطاقم المعاون والاهتمام الإداري، حتى أولئك القادمون من مستشفيات إسرائيل، والمعاملة التي يجدونها وهو ما ذكرني بحكايتين بالأمس كنت بزيارة لصديق كان يعاني من سرطان بالمخ وعاد من رحلة علاج طويلة يحدثني فيها عن المعاملة قبل العلاج، والحكاية الأخرى كنت مرافقاً لصديق لي مصاب بحادث كسر بالجمجمة ومن شدة الألم كان يصرخ فإذا بطاقم التمريض يرفع شكوى لإدارة المستشفي يطالب بها نقل المريض من القسم لأنه مزعج ويزعجهم بصراخه...... شتان بين إنسان ذو علم وبصيرة ومعرفة ينتمي ويحترم مهنته ويدرك ماهيتها، وبين إنسان يريد النوم مسترخياً على تآوهات المرضى بضمير تافه ميت لينهي دوامه الوظيفي، ويذهب لبيته مسجلاً يوم عمل.
إذن فما هو المطلوب من وزارة الصحة الفلسطينية؟
الإجابة هنا أخطر ما يكون لأن عملية الإصلاح إن لم تبدأ من رأس الهرم يستحيل أن تتم بأي حال من الأحوال، فكيف تتم إذن والواسطة والمحسوبية أساس في عملية التوظيف بالمستشفيات، والمراكز الطبية فكيف سيتم الإصلاح؟
وبما أن الحلول الداخلية في الوقت الراهن صعبة ومعقدة في ظل منظومة الفساد الشاملة، فالحل الأنجع هو ما ذكرناه في بداية هذا المقال ألا وهو الاعتماد على مراكز صحية أولية، ومن ثم الاعتماد على التحويلات الخارجية في استكمال مراحل العلاج، وتحويل مستشفياتنا لإسطبلات وحظائر أو لمزارع تساهم في تنمية الثروة الحيوانية، ربما تحقق فوائد وعائد أكثر ما تحققه بصورتها الحالية التي لا تقدم سوى الموت من الإهمال والجهل، وغياب الضمير وعدم الكفاءة.

ليست هناك تعليقات: