الجمعة، فبراير 12، 2010

فخ المفاوضات يحاصر الفلسطينيين

نقولا ناصر

لقد كان خيار "المفاوضات فقط" الذي اختارته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لاسترجاع الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف في الأرض والعودة إليها وتقرير المصير فوقها خطيئة مميتة منذ البداية، أولا لأنها اختارتها وهي في أضعف حالاتها، وثانيا لأنها اختارتها مقابل التخلي عن كل أشكال المقاومة الأخرى، وثالثا لأنها اختارتها وعدو شعبها منتصر عليها وعلى ظهيرها العربي عسكريا، ورابعا لأنها اختارت أن تفاوض بعد موافقتها على الانتقال إلى حضن الاحتلال المباشر يتحكم في تفاصيل حركاتها وسكناتها، وخامسا لأنها باختيارها للتفاوض قد اختارت أن تلعب لعبة اختارها العدو نفسه وحدد توقيتها وقوانينها ومرجعياتها، وسادسا لأنها باختيارها خالفت ما هو متعارف عليه دوليا من أن التفاوض يصبح ممكنا عندما تتعادل موازين القوى فيستحيل حسم الصراع عسكريا لكنها اختارت أن تفاوض بعد أن اختل ميزان الصراع تماما لصالح عدوها، مما حول المفاوضات عمليا إلى تفاوض على شروط العدو للاستسلام، بشروط العدو نفسه، كما تثبت شروط اللجنة الرباعية الدولية الحالية.

ولأن الشعب العربي الفلسطيني يرفض الاستسلام، وبالتالي فإنه رفض هذه المفاوضات منذ بدايتها، لم يكن أمام قيادة المنظمة ليتسنى لها الاستمرار في التفاوض سوى تغييب الشعب ومؤسساته التمثيلية منذ بدأت المفاوضات قبل حوالي عقدين من الزمن. وإذا استطاعت قيادة المنظمة أن تحاصر الرفض الشعبي للمفاوضات لبعض الوقت كي يظل رفضا سلبيا، فإن الاقتتال الفلسطيني ثم الانقسام الحالي الذي تمخض عنه أكدا بما لا يدع مجالا للشك في أن هذا الرفض ما كان له أن يستمر سلبيا إلى ما لانهاية، وأن انفجاره اقتتالا كان مسألة وقت فقط كنتيجة حتمية لإصرار قيادة المنظمة على استمرار المفاوضات العقيمة.

والقيادة المفاوضة تحاول التغطية على هذه الحقيقة التاريخية للرفض الشعبي الواسع للمفاوضات بخلط أوراقها إعلاميا مع أوراق الانقسام الفلسطيني الراهن، لتوحي بأن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" – قطب الانقسام الآخر -- هي فقط الرافضة لمفاوضاتها، يساعدها في ذلك الموقف المتناقض بين القول وبين الفعل لائتلاف الفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير. لكن المطالبة بوقف المفاوضات أوسع كثيرا من رفض حماس لها ولاستئنافها، لا بل إن هذه المطالبة وصلت إلى الحاشية المباشرة للقيادة المفاوضة وإلى منظرين لخيار التفاوض بل ومشاركين في المفاوضات.

ويكفي لإثبات ذلك استعراض أسماء الموقعين على البيان الأخير المعنون "لنقف أمام استئناف المفاوضات بلا مرجعية ملزمة"، مثل د. غسان الخطيب (مدير مكتب إعلام حكومة سلطة الحكم الذاتي في رام الله) الذي عليه أن يفسر التناقض بين منصبه الرسمي كمدير لمكتب إعلام حكومة سلطة الحكم الذاتي في رام الله وبين توقيعه على البيان الذي ينسجم مضمونه مع موقف حزب الشعب الذي يشغل الخطيب موقعا قياديا فيه، مع أن الحزب لم يترك مجالا للتناقض بين موقف الحزب الرافض لاستئناف المفاوضات وبين منصب الخطيب عندما جمد دوره القيادي في الحزب بسبب قبوله للمنصب المذكور، ومثل د.نبيل قسيس (المفاوض السابق) وإبراهيم أبراش (الوزير السابق في السلطة) وجميل هلال (أحد منظري "حل الدولتين" الذي يميل اليوم إل "حل الدولة الواحدة")، وغيرهم من الموقعين على البيان الذي اعتبر "ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وتوحيد شطري الوطن" هو "الأولوية الوطنية القصوى في الوقت الراهن"، واعتبر استئناف المفاوضات "خطراً على القضية الفلسطينية"، و"خطرا على فرص نجاح المصالحة الوطنية"، واعتبر استئنافها "بشكل مباشر أو غير مباشر و على أي مستوى سيشكل غطاء لسياسة الاحتلال ... بينما يستمر الحصار الخانق على قطاع غزة". أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -- الحليف اللدود للقيادة المفاوضة – فإنها اعتبرت في تصريح مكتوب الاثنين الماضي "المفاوضات غير المباشرة تغطية على نهب الأرض الفلسطينية وتهويد مدينة القدس وفرض سياسة الاحتلال على الأرض". وقس على ذلك من بيانات وتصريحات المؤتلفين مع القيادة المفاوضة التي تتناقض مع استمرار اصطفافهم إلى جانب هذه القيادة.

وما زالت القيادة المفاوضة تستثمر هذا التناقض بين بيانات المؤتلفين معها وبين اصطفافهم السياسي احتياطيا جاهزا دائما للادعاء بديموقراطية وتعددية تستخدمهما للتغطية على الرفض الشعبي الواسع للمفاوضات، المباشر وغير المباشر منها وسواء علنية كانت أم سرية، وللتغطية على حقيقة أن المفاوضات والاتصالات مع دولة الاحتلال لم تنقطع لحظة واحدة بالرغم من الصخب الإعلامي الحالي حول الضغوط الدولية والعربية على القيادة المفاوضة لاستئناف المفاوضات والاتصالات "علنا" وبصفة رسمية، ف"الاتصالات غير المباشرة قائمة حاليا مع اسرائيل" وواشنطن تسعى إلى "تكثيفها" فقط (أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه)، والمبعوث الرئاسي الأميركي جورج "ميتشل جاء للمنطقة ثلاثة عشر مرة لإجراء محادثات معنا ونحن ذهبنا إلى واشنطن إحدى عشرة مرة في مباحثات مباشرة مع اسرائيل" حسب كبير المفاوضين صائب عريقات الذي قال رئيس دولة الاحتلال شمعون بيريس مؤخرا إنه يلتقيه كل بضعة أسابيع، بينما تفاوض مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز أثناء زيارته الأخيرة -- مصحوبا بالمفاوض الأميركي المخضرم دنيس روس الذي يعمل حاليا مستشارا للرئيس باراك أوباما -- مع الجانبين حول ترتيبات الضمانات الأمنية لدولة الاحتلال على الحدود التي تعلن الإدارة الأميركية أنها تريد للمفاوضات المستأنفة علنا أن تتركز عليها، في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات السرية غير المباشرة عبر القناة المصرية بزيارات عوزي أراد، نظير جيمس، وإيهود باراك وزير الحرب الإسرائيلي وبنيامين نتنياهو نفسه رئيس وزراء دولة الاحتلال، بينما كان الرفض العلني القاطع بلسان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأي دور للأردن في الضفة الفلسطينية المحتلة لنهر الأردن دليلا على أن المفاوضات السرية غير المباشرة قد شملت المملكة أيضا.

تقول القيادة الفلسطينية المفاوضة إن لديها خطة: فهي أولا لا ترفض من حيث المبدأ الخطة الأميركية لإجراء مباحثات غير مباشرة حول إجراء مفاوضات مباشرة لاحقة حول الوضع النهائي، وأنها "تبقي الباب مفتوحا أمام المقترح الأميركي" لكن لديها ثلاث استيضاحات من واشنطن تنتظر أن يعود ميتشل بأجوبة أميركية عليها "بعد أسبوع"، وأنها بعد ذلك سوف "تتشاور مع قادة عرب آخرين" ثم تطرحها "على أشقائنا في جامعة الدول العربية ونطلب رأيهم في موضوع السير في المفاوضات" و"تتخذ قرارا" بعد ذلك، كما قال عباس في طوكيو مؤخرا، وعلى الأرجح أنها ستحمل هذا القرار إلى مؤتمر القمة العربي في ليبيا للمصادقة عليه. و" في حال أغلقت الأبواب"، كما أضاف عباس، سيتم الذهاب إلى مجلس الأمن لتحديد حدود دولة فلسطين، موضحا أن "الذهاب إلى مجلس الأمن ليس عملية أحادية الطرف وقد اتفقنا مع إخوتنا في الجامعة العربية على أن نذهب بالتشاور مع كل دول العالم إلى مجلس الأمن عندما نشعر بأن الطريق أصبح مقفلا".

وهذه خطة إلى طريق مجرب يعرف عباس قبل غيره أن نهايته مسدودة، لسببين رئيسيين، فمجلس الأمن الدولي، أولا، أبوابه مغلقة إذا انغلقت أبواب البيت الأبيض الأميركي -- كما أثبتت تجربة "تقرير لجنة غولدستون" الشهير مؤخرا وكما أثبت "الفيتو" الأميركي طوال أكثر من ستين عاما منذ النكبة الفلسطينية عام 1948. أما السبب الثاني فأوضحه وزير خارجية سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية د. رياض المالكي الذي يرافق عباس في جولته الدولية الحالية عندما أعلن في طوكيو بأن أحد الاستيضاحات الثلاث من واشنطن هو ما إذا كانت "خريطة الطريق" هي أساس "المحددات" للمباحثات غير المباشرة المقترحة. ومن المعروف أن هذه الخريطة تنص على ثلاثة مراحل، يفخر المفاوض الفلسطيني بتكرار الإشارة إلى وفائه بالالتزامات الفلسطينية بموجب المرحلة الأولى منها المتمثلة بتفكيك "البنية التحتية للإرهاب" ويسجل تكرارا كذلك على خصمه التفاوضي عدم وفائه بالتزاماته بموجبها المتمثلة بوقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات (التي توصف بال"عشوائية")التي أقيمت دون موافقة الحكومة الإسرائيلية على إقامتها كما تدعي هذه الحكومة. لكن المرحلة الثانية من هذه الخريطة تنص على إقامة دولة فلسطينية مؤقتة على مساحة (42%) من الضفة الغربية مع قطاع غزة يقود تنفيذها إلى الاتفاق على الوضع النهائي للأراضي المحتلة عام 1967 في المرحلة الثالثة. ورفض المفاوض الفلسطيني وما زال يرفض الدولة المؤقتة ويسعى حاليا إلى الانتقال مباشرة إلى التفاوض على الوضع النهائي طبقا للمرحلة الثالثة من الخريطة، مما يناقض دعوته المتكررة إلى اعتماد "خريطة الطريق" مرجعية لأي مفاوضات مستأنفة، وبالتالي فإن طريق خريطة الطريق يبدو مسدودا بدوره.

فلماذا يصر عباس على أن يلدغ من الجحر نفسه مرات وليس مرتين فقط ! لقد كانت المفاوضات فخا إسرائيليا – أميركيا منذ البداية، والجولة الدولية الحالية لل"رئيس" محمود عباس التي ستقوده إلى قصر الأليزيه بباريس في الثاني والعشرين من الشهر الجاري تستهدف حشد الدعم لاستئناف "محادثات غير مباشرة" مع دولة الاحتلال من أجل إنجاح الجهود "لبدء مفاوضات حقيقية وجادة"، مما يثير سؤالا مشروعا عن طبيعة المفاوضات طوال السنوات الماضية، وتؤكد إصرار القيادة المفاوضة على عدم الخروج من هذا الفخ.

يقول عباس ومفاوضوه إنهم لا يضعون شروطا لاستئناف المفاوضات غير المباشرة علنا. لكن الرفض الشعبي الواسع لاستئنافها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو يجد نفسه محاصرا بالفخ التاريخي الذي نصب له، قد بلور شروطا يكاد يوجد إجماع وطني عليه لاستئنافها إذا كان لا مناص من استئنافها:

أولها وقف المفاوضات إلى ما بعد تفعيل منظمة التحرير.

وثانيها إجراء مراجعة وطنية نقدية شاملة لمسيرة التفاوض ومرجعياتها ومفاوضيها ونتائجها.

وثالثها التوافق الوطني على مرجعيات أي استراتيجية جديدة للتفاوض تعتمد رفع الحصار، وإنهاء عزل القدس عن بقية الأراضي المحتلة عام 1967 وفتحها أمام المواطنين الفلسطينيين، والوقف الكامل للاستيطان الاستعماري، وإطلاق سراح الأسرى، ووقف التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال، والوقف الكامل لكل عمليات الاجتياح العسكري والمداهمات والاعتقالات التي تقوم بها قوات الاحتلال كشروط مسبقة للتفاوض.

ورابعها اعتماد القانون الدولي والشرعية الدولية ممثلة في قرارات الأمم المتحدة كاملة دون أي انتقائية – كما هو الحال في المفاوضات الجارية -- كمرجعية حد أدنى لها.

وخامسها أن تكون المفاوضات علنية لا سرية وخاضعة لمراقبة مؤسسات منظمة التحرير بعد تفعيلها ومساءلة مفاوضيها والمصادقة على كل مرحلة منها.

وسادسها حصر أي تفاوض في المستقبل في قيادات المنظمة المقيمة خارج الوطن المحتل، كي تكون متحررة تماما من قيود الاحتلال.

وسابعها عزل سلطة الحكم الذاتي ومسؤوليها عن أي عملية للتفاوض، واختيار المفاوضين من غير العاملين فيها حاليا أو سابقا.

وثامنها ألا يكون رأس المقاومة هو ثمن موافقة الطرف الآخر على التفاوض، فانتهاء المقاومة يجب ن يكون مرتبطا بانتهاء الاحتلال فقط.

وتاسعها إلغاء "خريطة الطريق" كمرجعية للمفاوضات.

وعاشرها وأهمها هو إلغاء الاتفاقيات الموقعة كمرجعية للتفاوض وإعلان هذه الاتفاقيات لاغية وباطلة، ليس فقط لإجحافها بالحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف، ونتائجها المدمرة على حركة التحرر الوطني الفلسطيني، واستخدامها غطاء لتهويد القدس وبقية الأراضي المحتلة عام 1967، بل أيضا بسبب عدم احترام دولة الاحتلال لتوقيعها عليها.


* كاتب عربي من فلسطين

nicolanasser@yahoo.com*

ليست هناك تعليقات: