السبت، نوفمبر 15، 2008

الرئيس سليمان قال نصف الحقيقة

سعيد علم الدين

علّق رئيس الجمهورية ميشال سليمان، على هامش مشاركته في حوار الاديان على الاعترافات التي بثها التلفزيون السوري، فقال في حديث إلى صحيفة "الحياة" 08.11.14، التالي: "عندما وقعت عملية "فتح الاسلام" وكنت قائداً للجيش، ساعدنا السوريون كثيراً بالمعلومات وبتأمين وقود للطائرات وبذخائر وكذلك مع الفصائل الفلسطينية التي لها ارتباط بسورية إذ التزمت ألا تتحرك ضد الجيش".
كنت أتمنى لو أن الرئيس سليمان قال بالضبط متى تم تزويد الجيش بالذخائر ومساعدته بالمعلومات. لأن التاريخ له دور رئيسي في كشف حقيقة نوايا النظام السوري السيئة. بالتأكيد ليس في الشهر الأول من المعارك. فبعد أن تأكد للنظام أن الجيش لن يتراجع عن سحق عصابة فتح الاسلام، وبعد أن استطاع الجيش تحقيق المزيد من الانتصارات باحتلال المخيم الجديد مثلا، عندها بدأ النظام السوري يحسب خط الرجعة ويمد الجيش بالمساعدة، وذلك ذرا للرماد في العيون وحفاظا على علاقاته الواهية مع الدولة الرسمية اللبنانية، ومناورة سياسية للملمة فضيحته المدوية في خلق زمرة "فتح الاسلام".
ولهذا فعندما يقرأ الإنسان العادي كلام الرئيس سليمان الصريح الواضح، فلا بد ان يتساءل:
هل من المعقول ان يكون النظام السوري وراء خلق "فتح الاسلام" وهو الذي ساعد الجيش ومده بالذخائر للقضاء عليها؟
سؤال محق ووجيه وفي محله. وهذا ما يريد ان يحققه النظام السوري من خلال هذا التصرف المزدوج بضرب الجيش واستقرار لبنان من خلال خلق فتح الاسلام من ناحية، ومساعدة الجيش للقضاء على هذه العصابة الخطيرة التي جندها لتخريب الشمال واحتلال طرابلس وإعلانها عاصمة لإمارة "فتح الاسلام" من ناحية اخرى.
على كل حال هذا التصرف ليس بغريب على نظام ذو وجهين ولسانين ومؤلف من طابقين علوي مرفَّهٌ مكيفٌ ومضاءٌ بالكهرباء يجلس فيه بشار الاسد ووليد المعلم وفاروق الشرع وناجي عطري، وسفلي مظلم نتن عفن يعيش على ضوء بطارية رجل المخابرات يجلس فيه آصف شوكت وماهر الاسد ورستم غزالي وجودت الحسن وغيرهم.
والنظام يريد من خلال طرح هكذا سؤال إقناع الإنسان العادي بحسن نواياه وجوهر مواقفه الأخوية تجاه الشقيق الأصغر لبنان، وبالمقابل تعرضه باطلا للاتهامات المغرضة من تيار المستقبل ومن قوى 14 اذار.
ويصرخ هنا احد اذناب سوريا في لبنان منددا بقوى 14 اذار مؤكدا براءة النظام السوري المظلوم، متهما الحريري بتمويل فتح الاسلام. ويصفق له بعض الصغار من العملاء.
يستطيع النظام السوري أن يقوم بهذه الحيل الماكرة والخدع المكشوفة والألاعيب الدموية، حيث يشعل النار في لبنان باليد اليمنى ويحاول اطفاء ما اشعله باليد اليسرى، إلا أن هذه الألاعيب لم تعد تنطلي على اللبنانيين والسوريين المجربين والكاشفين لجوهر وحقيقة نظام آل أسد المخابراتي.
وما اشرنا اليه هي الحقيقة المجردة لما مارسه ويمارسه النظام السوري في لبنان ومنذ عام 1975 عام اندلاع الحرب الفوضوية وليست الأهلية بواسطة عملائه من منظمات كالصاعقة والقيادة العامة وشراذم حزب البعث وغيرهم.
ولهذا فما قاله الرئيس سليمان هو نصف الحقيقة، ونحن لا نعتب عليه لذلك!
كيف لا والسياسية تفرض على رجل السياسة أحيانا قول نصف أو ربع أو نصف ربع أو حتى تلميحاً جزء يسير من الحقيقة، هذا إذا كان لا يريد أن يكذب. ولا غضاضة في ذلك اذا كان يخدم أهدافا وطنية سامية وليست انتهازية آنية: حفاظا على المصلحة العامة وصونا لوحدة الوطن وامنه واستقراره ومصلحته العليا. فكيف بلبنان الذي يمر هذه الأيام بظروف مصيرية وحساسة وخطرة جدا على مستقبله.
وبالمقابل فإن رجل الدين الذي يشتغل بالسياسة، لا بد وأن نعتب عليه عندما يتغاضى عمدا عن قول الحقيقة، لأنه يكون بذلك قد نافق على المؤمنين متاجرا بالدين، مخالفا مخالفة صريحة كل الشرائع السماوية والأرضية التي دعت إلى الصدق ونوهت بالصادقين وبشرتهم بجنات النعيم، وأنذرت الكاذبين وحذرتهم من عذاب عظيم.
وبما أن الكثير من المشتغلين بالسياسة على الصعيد العربي هم من رجال الدين المسلمين، فلا بد أن نذكِّرَ هنا بكثرة الآيات القرآنية الكريمة التي دعت إلى الصدق والصِّديقين. يكيفنا شواهد بارزة في التاريخ الإسلامي هذه الأسماء الكبيرة: اسم الخليفة الأول أبو بكر الصِّديق(ر) على الصعيد السني، والإمام المهدي الصَّادق(ع) على الصعيد الشيعي.
لا بد وأن نحترم هنا رجل الدين المخلص الصادق الصدوق الوفي لدينه ووطنه والذي تفرض عليه الظروف المصيرية التدخل بجرأة لقول كلمة الحق امام سلطان جائر او طاغية عاهر او رئيس حزب مسلحٍ ماكر.
هو هنا لا يشتغل بالسياسة بقدر ما يحاول اعادة الأمور الى نصابها وإصلاح ما يخربه رجال الدين الفاسدين الدنيويين المقنعين بالدين والمشتغلين بالسياسة، لمآرب مادية بحتة رخيصة وليست روحية سامية.
وهل احتلال بيروت في 7 أيار ممكن أن يرتكبه رجل دين صادق لدينه ووطنه وامته، سوى من أعمت قلوبهم الماديات "كالثلث المعطل" مثلا!
فلقد زرعوا بحماقتهم بذور فتنة لهدف دنيوي رخيص ستذروه رياح الشعب اللبناني الفذ في الانتخابات المصيرية القادمة.
نحن لا نعتب على الرئيس سليمان، كيف لا وهو قد فهم اللعبة الخطيرة التي يلعبها النظام المخابراتي السوري لخراب لبنان، وعليه بالتالي أن يتعامل معها بمهارة القبطان الشجاع المداري الحصيف الحكيم لتخليص المركب اللبناني بسلام:
- من الأمواج العاتية التي تلطمه يوميا محاوِلَةً تحطيمه وتحويله قطعا سائبة من الأخشاب، تعتليها التنظيمات والتيارات والحركات والاحزاب التي لا تريد للبنان الديمقراطي السيد المستقل الحر ان ينهض من كبوته، بهدف استتباعه ذليلا للمحور الإيراني السوري،
- ومن العواصف الهائجة التي تريد زعزعة استقراره، وضرب ازدهاره والعبث بأمنه وسيادته واستقلاله، لتهجير شبابه وتيئيسهم من المستقبل،
وأيضا من عسس الليل، ولصوص النهار، والعملاء الذين يقضمون به دون كلل لإغراقه لكي تغرق معه المحكمة الدولية.
ونحن لا نلوم الرئيس سليمان، الذي عليه أن يجذف بالمركب اللبناني في هذا الاعصار لكي يصل به بأمان إلى شاطئ الأمان والاستقرار!
كيف لا، وهو اذا قال الحقيقة كاملةً فسيقطع شعرة معاوية الأخيرة مع النظام الإرهابي السوري.
فالرئيس سليمان هو أول من يعلم الحقيقة ولكن السياسة تفرض عليه أن يقول نصفها ويترك النصف الآخر للمجتمع المدني والصحافة الحرة والإعلام، لينيروا الظلام ويكشفوا للرأي العام عن الحقيقة بالتمام.
تصرف الرئيس سليمان هو عين الحكمة والدهاء والتبصرُ بالأمور وهذه من صفات رجل الدولة المميز.
والدهاء لرجل السياسة محمود لأنه عكس الحماقة والتهور، أما لرجل الدين فهو مذموم لأنه يعكسه فورا على الدين.
لقد قال الرئيس سليمان نصف الحقيقة والحقيقة الكاملة عن تخريب النظام السوري للبنان والعراق موجودة في الاف الوثائق والاعترافات.
ولمزيد من المعلومات لكم هذا الرابط المدعوم بالوثائق والتواريخ والأسماء عن حقيقة عصابة "فتح المخابرات السورية" الكاملة:
http://www.almustaqbal.com/Stories.aspx?issueid%3d2059&CategoryID=3


ليست هناك تعليقات: