الأحد، نوفمبر 23، 2008

هذا الطريق العربي للمصالحة الفلسطينية مسدود

نقولا ناصر

حدد الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى موعدا لاجتماع وزراء الخارجية العرب بمقر الجامعة في القاهرة في السادس والعشرين من الشهر الجاري ، قبل يوم واحد من الذكرى السنوية الاولى لانعقاد مؤتمر انابوليس ، وربما كان هذا التزامن مصادفة وربما لم يكن ، لكن الموضوعين الرئيسيين على جدول اعمال عمداء الدبلوماسية العربية اللذين اعلنهما موسى ، وهما عملية السلام العربية – الاسرائيلية والمصالحة الفلسطينية ، لم يتركا مجالا للشك في العلاقة الوثيقة بين الموضوعين ، فمؤتمر انابوليس قد بنى العملية الدبلوماسية التي اطلقها باسم السلام على اساس الانقسام الفلسطيني واستمراره والمنطق يقضي بان يقود فشل هذا المؤتمر الى تمهيد الطريق امام انهاء حالة الانقسام في الحركة الوطنية الفلسطينية ، غير ان الاستعدادات المعلنة للاجتماع الوزاري العربي يوم الاربعاء المقبل تشير الى ان الموقف العربي في اتجاهه الرئيسي ما زال مرتهنا لعملية انابوليس بقدر ارتهان الشريك الفلسطيني لها .

ان استمرار الاجماع العربي على البناء على مؤتمر انابوليس الذي قرر تعويم قيادة فلسطينية وتمويلها وتمكينها امنيا ضد قيادة فلسطينية منتخبة قرر ايضا بانها جزء من "الارهاب" العالمي وبالتالي ينبغي محاصرتها تمهيدا لاستئصالها سياسيا ومقاومة وتنظيما وحتى في تعبيرات العمل الخيري الاجتماعي لها ، انما يحكم بالفشل المؤكد مسبقا على اي وساطة عربية ، مصرية كانت ام غير مصرية ، عربية جماعية ام منفردة ، لانهاء الانقسام الفلسطيني .

وهذا الموقف العربي ، بالاضافة الى موقف الرئاسة الفلسطينية وقطب الانقسام الوطني الذي تقوده ، في اعلانهما التزامها المستمر ب"عملية انابوليس" يؤكد ان الهدف من الحوار الفلسطيني الذي يسعى الموقفان اليه لا يزيد على كونه مجرد مسعى لانهاء الانقسام الفلسطيني باعتباره مجرد "عقبة" في طريق عملية انابوليس يتذرع بها الراعي الاميركي لهذه العملية للتنصل من وعوده ل"الشريك" الفلسطيني باقامة دولة له قبل نهاية العام الحالي ويحتج المستفيد الوحيد الاسرائيلي منها للتنصل من التزاماته بموجبها .

وعند التدقيق في اين تكمن هذه "العقبة" المطلوب اميركيا واسرائيليا ازالتها من طريق انابوليس لا يمكن لاحد مهما كان ساذجا سياسيا ان يخطئ في الاستنتاج بان هذه العقبة تتمثل في النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات التشريعية الفلسطينية الاخيرة وفي حركة حماس التي افرزتها تلك الانتخابات كقيادة شرعية ينبغي ان تكون نتيجة لذلك شريكة في صنع القرار الوطني الفلسطيني ، وهو ما جرى عليه انقلاب سياسي تجسد في الحصار الذي فرض على حكومة حماس الاولى ثم على حكومة الوحدة الوطنية التي قادتها بعد اتفاق مكة عام 2007 مما قاد الى تحويل ازمة ازدواجية الشرعية الفلسطينية الى وضع الانقسام المستعصي الراهن ، ولا يمكن هنا اغفال الحقيقة الساطعة كالشمس في ظهيرة يوم صحراوي صيفي بوجود دور عربي وفلسطيني ساهم بوعي ونشاط وفعالية في ايصال الامور الى الوضع الفلسطيني الراهن .

ان اي مسعى عربي لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية يتجاهل هذه الحقائق المستمرة للتاريخ القريب جدا انما يسعى في الواقع الى محاولة يائسة محكوم عليها بالفشل مسبقا نحو وحدة للصف الوطني الفلسطيني مبنية على هرم مقلوب راسه مؤتمر انابوليس بينما قاعدته الوطنية ، كما عبر عنها الاجماع الوطني الفلسطيني في اتفاق القاهرة عام 2005 ووثيقة الوفاق الوطني في العام التالي ، معلقة في الهواء .

ويبدو ان مخضرمي الدبلوماسية العربية الذين سيجتمعون في العاصمة المصرية بحاجة الى مساهمة استشارية من بعض مؤرخي منظمة التحرير الفلسطينية لتذكرهم بان الدرس الذي تعلمته الدبلوماسية العربية من تجربة العرب مع الانقسام في المنظمة الذي قاد الى قيادة حركة فتح لها قبل حوالي اربعين عاما يتلخص في شروط ثلاثة لنجاح اي وساطة عربية بين الاشقاء الفلسطينيين اولاها البناء على التوافق الوطني بينهم والثانية الحفاظ على مسافة واحدة من فرقائهم لا تنحاز الى اي فريق منهم ضد الاخر والثالثة تحاشي ان يفرض العرب عليهم اي اجندة حد ادنى عربية يتم التوافق عربيا عليها كبديل لاي اجندة وطنية يتوافقون هم عليها .

ومن الواضح تماما ان اجندة انابوليس التي يوجد شبه اجماع عربي على التوافق عليها تفتقر الى الحد الادنى من اي توافق وطني فلسطيني عليها ، لا بل يكاد يوجد شبه اجماع فلسطيني على معارضة مؤتمر انابوليس انعقادا ونتائجا وشكلا ومضمونا وتواجه الرئاسة الفلسطينية المعارضة لانفرادها كشريك فيه من فصائل ائتلاف منظمة التحرير الذي تقوده ومن خصومها السياسيين في ائتلاف المعارضة الذي تقوده حماس على حد سواء ، ومن الواضح ايضا ان الوسيط العربي بسبب عجزه عن الانفكاك من انابوليس واجندتها يعجز ايضا عن الاستمرار في محاولة فرض هذه الاجندة على اشقائه الفلسطينيين مما يجعله كذلك عاجزا عن التوازن بين فرقاء الانقسام الفلسطيني ليجنح الى الانحياز بينهم صراحة احيانا وبصورة غير صريحة لكنها لا تخفى على لبيب في معظم الاحيان ، كما يتضح من مقدمات الاعداد لمؤتمر وزراء الخارجية العرب هذا الاسبوع .

ان السر في نجاح وزراء الخارجية العرب في انهاء الانقسام الفلسطيني يكمن اولا واخيرا في الفصل بين الوحدة الوطنية الفلسطينية ، كهدف مستحق بسرعة في حد ذاته وكشرط لنجاح اي مشروع وطني فلسطيني مقاوما كان ام مسالما ، وبين مؤتمر انابوليس واستحقاقاته عربية كانت ام فلسطينية ، فمثل هذا الفصل وحده سيجعل مسائل تبدو الان شائكة اسلس على الحل ، مثل مسالة التذرع بميثاق جامعة الدول العربية ونظامها لاجازة حضور احد طرفي الانقسام الفلسطيني الاجتماع المقبل لوزراء الخارجية واستبعاد الطرف الاخر في مؤتمر يحتل الانقسام الفلسطيني بين الطرفين بندا رئيسيا على جدول اعماله ، فمثل هذه الذريعة تبدو مفتعلة تماما عندما تستقبل عواصم المؤتمرين كلا على حدة قادة طرفي الانقسام كليهما وعلى ارفع المستويات .

لا بل ان هذه الذريعة تبدو مفروضة على العرب تحت التهديد من الشريكين الاميركي والاسرائيلي في عملية انابوليس ، فعلى سبيل المثال يمكن التذكير هنا بالتهديد الذي نقلته صحيفة يديعوت احرونوت العبرية في الخامس من الشهر الجاري عن وزيرة خارجية دولة الاحتلال تسيبي ليفني بان حكومتها ستوقف المفاوضات مع الرئاسة الفلسطينية اذا تمخض الحوار الفلسطيني الذي كان مقررا انطلاقه في القاهرة يوم العاشر من الشهر الحالي عن اتفاق لا يتضمن اذعان حركة حماس للشروط الاسرائيلية الثلاثة المعروفة التي تبنتها لجنة الوسطاء الرباعية الدولية ، وهذا الطريق ان سار فيه وزراء الخارجية العربية في اجتماعهم المقبل هو طريق عربي مسدود بالتاكيد للمصالحة الفلسطينية ، لا بل انه طريق سيحول الوساطة العربية الى عقبة جديدة امام الوحدة الوطنية الفلسطينية والى عامل عربي يضاف الى العوامل غير العربية لاطالة امد الانقسام الفلسطيني .

*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: