الأحد، نوفمبر 16، 2008

ما أفسدته السياسة، قد يصلحه الاقتصاد

د. عبدالله المدني

منذ تقسيم الهند البريطانية في عام 1947 إلى كيانين متناقضين في كل شيء، وبروز قضية كشمير كبؤرة توتر في شبه القارة الهندية وكحائل دون تعاون قطبيها الكبيرين، والهند تلح وتردد أن المدخل الصحيح لمعالجة القضية الكشميرية هو تعزيز الثقة عن طريق الاقتصاد، بمعنى فتح الحدود للتبادل التجاري والانتقال الحر لمواطني شطري الإقليم المتنازع عليه، وذلك من منطلق فكرة بسيطة مفادها أنه حينما يجد احد الطرفين أن له مصالح لدى الطرف الآخر فانه سيتمسك بالسلام ويدافع عنه ويحرص على إدامته بكل الوسائل.

الفكرة لم يقتصر تداولها على الهنود

وبطبيعة الحال، فان هذه ليست فكرة اقتصرت الدعوة إليها على الهنود وحدهم، بل استخدمها التايوانيون منذ الخمسينات كمدخل لحل مشكلة التحاقهم بالوطن الأم. وفي فترة لاحقة طرح الإسرائيليون هذا المبدأ كعنوان عريض لحل مشكلة الشرق الأوسط برمتها.

الباكستانيون عارضوا الفكرة جملة وتفصيلا

أما الجانب الباكستاني فقد دأب على معارضة الفكرة جملة وتفصيلا، مركزا جهوده على مبدأ أن الحل يجب أن يكون سياسيا بمعنى أن تكون له السيادة الكاملة على كل كشمير، و مفترضا أن هكذا نتيجة يمكن أن تسفر عنها أية عملية استفتاء شعبية حول الالتحاق بأي من القطرين بموجب قرارات الأمم المتحدة في عامي 1947 و 1948. وكان رأي الهنود دائما أنهم لم يرفضوا قرارات الأمم المتحدة بشأن كشمير ( خاصة وأنهم هم من أخذها إلى المحفل الدولي وليس الباكستانيون) وإنما طالبوا فقط بأن ينفذ الباكستانيون أولا البند الرئيسي في القرارات وهو سحب قواتهم من الأرض الكشميرية وإعادة الأحوال إلى ما كانت عليه عشية 15 أغسطس 1947 (تاريخ التقسيم).
اعتراف باكستاني متأخر بصواب رأي الهنود

في مطلع أكتوبر الفائت، أي بعد أكثر من ستة عقود من هذه الأحداث، يبدو أن إسلام آباد اقتنعت بفكرة أن الحل يمكن أن يتأتى من خلال تنشيط حركة التجارة وانتقال الأفراد والأموال والبضائع ما بين شطري كشمير، أي الفكرة التي نافح عنها الهنود طويلا دون أن يلقوا آذانا صاغية في إسلام آباد.
ففي هذا التاريخ، ووسط إطلاق الحمائم البيضاء وتوزيع الحلويات التقليدية وشراب الورد والزعفران، أعيد افتتاح طريق طوله 170 كيلومترا يربط ما بين عاصمة كشمير الهندية ( سريناغار) و عاصمة كشمير الباكستانية (مظفر آباد) ويسمى تاريخيا باسم " طريق وادي جهيلوم، الأمر الذي عد بمثابة تدشين لحقبة جديدة نحو مستقبل أفضل في علاقات الجارتين اللدودتين، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أنه حتى الاتصالات الهاتفية عبر الهواتف النقالة لم تكن ممكنة ما بين شطري الولاية.

حدث تاريخي هام

وكان هذا الحدث الهام والتاريخي، الذي اشتمل على عبور 16 شاحنة هندية محملة بالتفاح وجوز الهند والعسل والملابس من كشمير الهندية إلى كشمير الباكستانية في الصباح و عبور 21 شاحنة باكستانية محملة بالأرز والزبيب في الاتجاه المعاكس بعد الظهر، قد سبقته ترتيبات قادها 19 من كبار رجال الأعمال الباكستانيين من كشمير بقيادة ذوالفقار عباسي الذين ذهبوا إلى سريناغار للإعداد لاستئناف عمليات التبادل التجاري، والتي بحسب احد المصادر يستبعد أن تشهد زخما قويا على الفور، وإنما يمكنها أن تتصاعد في الكم والنوع تدريجيا.

احتمال حدوث ما يعيد الأمور إلى المربع الأول

وعلى حين أن طريق وادي جهيلوم و تفرعاته التي تربط سريناغار بنيودلهي يشكل إغراء لكشمير الباكستانية بعهد جديد من الانفتاح وقدوم رؤوس الأموال الاجنبية وتوفر السلع والبضائع الهندية المتنوعة بأسعار معقولة، فانه من ناحية أخرى يمكن لهذا الطريق أن يتعرض لاعتداءات إرهابية بفعل التشنجات القومية و الغلو الديني المتفشي فتغلقه أو تعيق الحركة فيه مما سيعيد الأمور إلى المربع الأول، خاصة مع وجود تجربة سابقة في هذا المجال. ففي عام 2005 ، وعلى اثر تحسن العلاقات الهندية – الباكستانية، قرر الطرفان تسيير حافلات ما بين شطري كشمير، غير أن استجابة العائلات الكشميرية المقسمة لتبادل الزيارات كانت محدودة بسبب خوفهم من تعرضهم للأعمال الإرهابية.

فوائد كل جانب من فتح الحدود أمام التبادل التجاري

ويمكن القول أن الفوائد المتحققة للجانب الباكستاني من فتح الحدود أمام التجارة بين شطري كشمير يتأتى من صناعة التحف والمشغولات اليدوية والسجاد والأصواف والفواكه المجففة التي هي عماد الاقتصاد الكشميري ( قيمة ما تصدره كشمير الباكستانية سنويا من الفواكه المجففة فقط يصل إلى 600 مليون دولار).

أما الفوائد المتحققة للجانب الهندي فهي ، بحسب أحد كبار تجار الهند المستثمرين في كشمير الهندية، تتعلق بالوقت. حيث يمكن لشاحنة محملة بالخضروات والفواكه أن تصل من نيودلهي إلى مظفر آباد في خلال أربع ساعات في حالات عدم وجود اختناقات مرورية، وتصل إلى إسلام آباد في ست ساعات أو ثمان ساعات كحد أقصى بينما يتطلب الأمر 36 ساعة لتسيير شاحنة ما بين سريناغار ونيودلهي، وعدد اكبر من الساعات للوصول إلى مدن هندية أخرى.

الخليج والمنتجات الكشميرية

ويقول مبين شاه رئيس اتحاد غرفة تجارة وصناعة كشمير في تصريح صحفي: أن إعادة فتح الحدود ما بين شطري كشمير أمام التبادل التجاري لن ينعكس إيجابا على البلدين المعنيين فقط وإنما أيضا على منطقة الخليج، وذلك استنادا إلى مسح تجاري اظهر تصاعد الطلب في الأسواق الخليجية على منتجات كشميرية معينة.

ومما قاله مبين شاه أيضا: أن الانعكاسات الايجابية الأخرى تشمل خلق الآلاف من فرص العمل الجديدة على جانبي طريق وادي جهيلوم في صورة وظائف تحتضنها الفنادق والمقاهي والموتيلات والمطاعم والمؤسسات الخدمية الأخرى.

رأي رجل عاصر حقبة ما قبل التقسيم

إحدى الصحف الباكستانية أجرت مقابلة مع رجل سبعيني يدعى غلام رسول، باعتباره من الجيل الذي عاصر حقبة ما قبل التقسيم وعرف دروب الاتجار مع كشمير. في هذه المقابلة: اخبر الرجل القراء بأن تجارة كشمير مع الهند وباكستان كانت تتم حصريا من خلال طريق وادي جهيلوم، إذ لم تكن هناك طرق مباشرة تربط الولاية مع الهند الحالية أو حتى مع باكستان. ومما أضافه غلام رسول: أنه بتقسيم الهند البريطانية وانقسام كشمير إلى شطرين في عام 1947 اندثرت كل روابط وقنوات الاتصال ما بين هذين الشطرين، بل لجأ الجيشان الهندي والباكستاني إلى زرع الحدود الفاصلة بالألغام إيغالا في فرض التقسيم.

مقارنة ما بين اقتصادي شطري كشمير

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن كشمير الهندية بسكانها البالغ عددهم12 مليون نسمة وناتجها القومي الإجمالي الذي يتجاوز 8.5 بليون دولار والمغذى باقتصاديات الولايات الهندية القوية والمدعوم بالاستثمارات الاجنبية – خاصة في ظل حاجة الولاية إلى كل شيء ابتداء من الإبرة إلى الشاحنة – هي في وضع أفضل بكثير قياسا بوضع كشمير الباكستانية التي تركت مهملة لفترة طويلة في ظل اللااستقرار السياسي في الباكستان والخلافات القبلية والجهوية والحروب المتكررة مع الهند والإنفاق الكبير على التسلح، هذا على رغم أن عدد سكانها هو ربع عدد سكان كشمير الهندية ومساحتها هي نصف مساحة الأخيرة. وليس أدل على صحة ما نقول أنه في آخر ميزانية باكستانية عامة، لم تحظ كشمير إلا بخطط تنموية تقل قيمتها عن 500 مليون دولار.

هواجس وشكوك

رغم كل هذه التطورات، لا تزال ضمائر وعقول صناع القرار في البلدين التوأمين تكتنفها الهواجس والشكوك. فهناك هواجس في نيودلهي وإسلام آباد معا مصدرها أن التوسع في التبادل التجاري ما بين الهنود و الكشميريين الباكستانيين قد يشجع الأخيرين على المطالبة بالانفصال في دولة طالما أن هذه الدولة قوية اقتصاديا وقابلة للعيش. إلى ذلك هناك هواجس في إسلام آباد من المضي قدما في هذه الخطوة خوفا من إغراق الهنود للأسواق الباكستانية بالسلع الهندية الرخيصة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار العجز في الميزان التجاري الباكستاني والذي وصل هذا العام إلى 20 بليون دولار – من ضمنه عجزا بقيمة بليون دولار مع الهند - مع توقعات بصعود الرقم إلى 3 بلايين بعد فتح الحدود عبر كشمير، وما قد يغرى البلدين بفتح الحدود عبر ولايات أخرى مثل البنجاب والسند الباكستانين وراجستان وكوجرات الهنديتين.

تحديد السلع المسموح لها بالعبور

وفي سياق الهواجس الباكستانية المنوه عنها في السطور السابقة مباشرة قال بعض المحللين بأنه من الممكن تداركها عبر تحديد السلع المتداولة أو العابرة بين شطري كشمير. وهذا ما تم فعلا، رغم كل المحاولات المستميتة من قبل الهنود لعدم وضع أي نوع من أنواع القيود على التبادل التجاري رغبة منهم في تحقيق مكاسب جمة من وراء تصدير منتجات الألبان والدواجن واللحوم والسكر النقي والشاي عالي النكهة والتوابل، إضافة إلى المكائن وقطع الغيار والساعات والمنتوجات الكهربائية والهواتف. فالاتفاقية التي بموجبها تم افتتاح الحدود و البدء بتسيير شاحنات البضائع تنص على تبادل 21 سلعة فقط أهمها: الفواكه والتحف والمشغولات اليدوية والملح والزعفران والأدوية والأعشاب.




الموقف الأمريكي

وربما السؤال الذي يطرح نفسه في ختام المقال هو عن موقف واشنطون من هذا التطور بين دولة كانت ولا تزال تدور في فلكها ودولة كانت إلى ما قبل 17 عاما حليفة استراتيجية مخلصة لغريمتها السوفياتية.

والجواب هو أن واشنطون ومن منطلق مصالحها الاستراتيجية الخاصة في منطقة جنوب آسيا والمحيط الهندي شجعت البلدين على التحاور حول كشمير، وغالبا – وتحديدا منذ انتهاء الحرب الباردة - ما تبنت الموقف الهندي الداعي إلى حل هذه المشكلة السياسية المزمنة عن طريق بناء الثقة أولا من خلال الاقتصاد والتجارة. ومما تسرب مؤخرا هو عزم الأمريكيين على إقناع الهنود والباكستانيين معا على إقامة منطقة تجارة بينية حرة في كشمير، مع استعداد الولايات المتحدة الأمريكية للمساعدة في صورة استثمارات مجزية تغير وجه المنطقة الحدودية البائس ومستويات معيشة سكانها المتدني، وذلك بهدف أن تجمع نيودلهي وإسلام آباد في هذه المنطقة الجمركية منتجاتهما من السلع المرغوب فيها عند المستهلك الأمريكي.

وإذا ما صحت هذه الأخبار وتحققت بالتالي المنطقة الجمركية الحرة، فان الهنود سيكونون – بما لديهم من تفوق في الأموال والخبرات والطموحات والعلاقات – في مقدمة المستثمرين في المنطقة الجديدة ولاسيما في مجالات إقامة الصناعات التي تجد هوسا لدى المستهلك الأمريكي مثل التحف اليدوية الخشبية والمجوهرات والسجاد والأصواف.

د. عبدالله المدني
*باحث وأكايمي متخصص في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة :16 نوفمبر 2008
البريد الالكتروني: elmadani@batelco.com.bh


ليست هناك تعليقات: