الأحد، سبتمبر 13، 2009

المسألة الثقافية وضرورة التثقيف

زهير الخويلدي

" كل حركة ثقافية تريد أن تستبدل الرأي والتصورات القديمة المتعلقة بالعالم عامة... يجب أن تدأب في رفع المستوى الفكري للطبقات الشعبية أكثر فأكثر وذلك كي تعطي شخصية للعنصر الشعبي الذي لا شكل له."[1]

توطئة:

السياسي والثقافي هما توأمان يسيران جنبا إلى جنب ولا يمكن تصور أحدهما بمعزل عن الآخر، فالسياسة الصالحة هي التي تنتج ثقافة مبدعة والثقافة المتفتحة هي التي تساهم في إسناد وترشيد سياسة ديمقراطية. والآن يعاد تشكيل السياسة على الصعيد الكوكبي أخذا بعين الاعتبار الموروثات الثقافية بحيث تندمج الدول التي لها ثقافات متشابهة في كيان واحد على غرار الاتحاد الأوروبي وتتصادم الدول التي لها ثقافات مختلفة وغريبة عن بعضها البعض على غرار الشرق والغرب. وهكذا أعادت العولمة تقسيم المعمورة بعد زوال الحرب الباردة ونهاية الاستقطاب الثنائي إلى شرق اشتراكي وغرب رأسمالي، وأعادت كذلك رسم الحدود السياسية لكي تتوافق مع التنوع الثقافي وتحترم الخصوصيات الحضارية.

من المعلوم أن حضارة اقرأ كانت ولا تزال واحة تترعرع فيها الثقافة المبهرة وينشأ فوق مسطحها الفكر الأصيل وتتفاعل على أرضها الخصوصيات وتترجم إليها ومنها العديد من المعارف والعلوم،بل إنها الأرض التي أنجبت العديد من النظريات والبدائل وكذلك الكثير من الرموز والقادة في مجالات عديدة وتخصصات دقيقة. لكن هذه المكانة اللائقة التي تتبوأها أمتنا وهذه الدرجة الرفيعة التي وصلت إليها ثقافتنا تعاني في الآونة الأخيرة من العديد من النقائص وتكافح ضد جملة من العاهات التي أبعدت عنها رونق الإبداع وجمالية الذوق وتدفق الإنتاج.

يبدو استشكال واقع الثقافة واستشراف آفاقها في المستقبل أمرا ضروريا ويبدو كذلك أن الوقت قد حان لدق جرس الخطر حول وجهة الفكر لدينا لشدة الفجوة الرقمية التي تفصلنا عن الغرب وتعثر لحاقنا بالركب بالدرجة المأمولة. وعندما نتحدث عن المسألة الثقافية وضرورة التثقيف فإن ذلك لا يعني المسألة الفنية ولا المسألة الفكرية فقط بل هي كل هذا وبعض ذاك في الآن نفسه وحديثنا عن دولة دون أخرى لا يعني الوقوع في القطرية وفصلها عن محيطها العربي والمتوسطي والإفريقي وكذلك العالمي بل هو ننشد من وراء ذلك التواصل مع الثقافة الوطنية ومد الجسور التي تربطها بتاريخها تذكرا واستعادة لتراثها وفتحا لنوافذ التتخاصب مع الثقافات المجاورة لها، ولكن الحديث عن الثقافة في ثوب المسألة لا يدل على الوقوع في حرج أو معضلة أو كشف عن أزمة بقدر ما يعني توجيه الأسئلة إلى المهتمين بالشأن الثقافي عن الواقع والآفاق من أجل البحث عن سبل الترقي وتفعيل الخزائن الرمزية نحو خير الناس وازدهار المجتمع. فما وجه البداهة ووجه الإشكال في مشهدنا الثقافي؟ وماهي السباب هذا الركود وحالة العطالة التي نحن عليها؟ ألا ينبغي أن نفعل مقولة الثقافة الوطنية والمثقف الملتزم بقضايا مجتمعه والمنخرط في مشاكل عصره؟ ألا ينبغي للسياسة نفسها أن ترتكز على منظومة ثقافية متكاملة ومتوازنة تساعد على تربية النشء تربية حضارية غير متنصلة من ماضيها وغير لامبالية بحاضرها وغير عازفة عن صناعة مستقبلها؟

إن ما نراهن عليه هو تفادي تصنيع الثقافة والتبشير بالثقافة الاستهلاكية الاستعراضية والعمل بجد على الربط بين الثقافة والحضارة وتشجيع التثقيف الملتزم المرتبط بالقيم الأصيلة والوعي النقدي.

2- مفهوم الثقافة والتثقيف:

إذا بحثنا في المعنى الايتيمولوجي لكلمة ثقافة نجد في لسان العرب ما يلي:" ثقف الرمح" أي قومه وسواه وهنا تتخذ معنى التقويم والتهذيب وإصلاح الاعوجاج، ونجد كذلك رجل ثقف أي حاذق وفاهم وبالتالي فهي تحيل إلى الحذق والفطنة والذكاء، وتدل الثقافة في اللغة العربية على الفلاحة والتربية والتهذيب.

إذا انتقلنا إلى اللغات الأعجمية وفكرنا مليا في مفهوم الثقافة يحالفنا الحظ ونجد ثلاثة ألفاظ تترجم كلمة الثقافة : الأولى بالفرنسيةCulture وهي قريبة من Kultur بالانجليزية وهي مناقضة للطبيعة nature وليس علي دلالتها خلاف لأنها "تعين في المقام الأول الطريقة الإنسانية لتطوير مواهب المرء الطبيعية ومداركه."[2] بعبارة أخرى إنها تشير إلى تثقيف المدارك المرء وتطوير مواهبه الطبيعية وذلك بتعليمه وتأهيله للوجود في العالم من أجل أن يكون جديرا بوظيفة السكن والتعمير.

"إن التثقيف هو بحد ذاته فعل من أفعال الحرية يقوم به شخص فاعل. وهكذا فمن الواجبات الملقاة على عاتق المرء( يذكر كانط) واجب ألا تترك مواهب المرء عرضة للصدأ."[3] لكن مفهوم الثقافة هو أكبر من مجرد الأشكال التي تخلقها الطبيعة للإشارة إلى مظاهر خارجية ، عندئذ تأتي هنا الكلمة الألمانية Bildung التي تدل على التغير العميق الناتج عن تجريب الزمن المعاصر لنا وذلك عن طريق الكفاح من أجل فهم ذاتي تاريخي معقول.

لعل الغنم الذي نحصل عليه من هذا الطريق هو "ارتقاء الإنسانية من خلال الثقافة". وفي الإطار نفسه يفرق فون همبولدت بين Kultur و Bildung بقوله:" عندما نقول في لغتنا Bildung فإننا نعني شيئا ساميا وعقليا إلى بعيد، أي تنظيم العقل الذي يجري بانسجام داخل الحساسية والشخصية انطلاقا من المعرفة والشعور بالمسعى الثقافي والأخلاقي الكلي"[4] . اللافت للنظر أنه يعاد هنا تعريف الإنسان على نحو مختلف ليصبح " طبقا له حاملا في روحه صورة الله التي تشكله ويجب عليه أن يزرعها في نفسه." وبلغة فيورباخ ينبغي أن يكون إنسانا كاملا.

المعنى الثالث لكلمة الثقافة هو اللفظ اللاتيني Formatio والذي تحول إلى Formation في الفرنسية حيث ارتبطت الثقافة بالبناء التقني والإنتاج الصناعي وقد وقع تأويل عملية التشكيل على نحو ديناميكي وطبيعي. وهنا تشبه الثقافةُ الطبيعةْ وتخلو من أن تكون لها غايات خارج ذاتها وتسقط في الأداتية.

عندئذ "لا يمكن للثقافة أن تكون غاية في ذاتها ولا يمكن أن تكون مطلوبة لذاتها"[5]. هنا تتحول الثقافة إلى مجرد أدوات وليست الأهداف وتتحرك ضمن نظام الوسائل وليس نظام الغايات. إن "الممارسة والتثقيف هما مجرد وسائل لغاية ما"[6].

عندئذ هناك ثلاثة معان للثقافة: المعنى الأول تقني حيث تكون ملازمة للإنسان وتتمثل في كل عناصر الحياة البشرية التي ينقلها المجتمع. المعنى الثاني أكاديمي فردي وهو الأكثر انتشارا ويكمن في التخصص في المعرفة والتدقيق التجربة. والمعنى الثالث هو أداتي وسهل وعمومي حيث يركز على الممتلكات والخيرات الروحية للجماعة ويقترب من الروح والعبقرية الخاصة بشعب من الشعوب.

من البين أن أية ثقافة خاصة بمجموعة معينة تمتلك جملة من المقومات أهمها: التعدد والتنوع، ثم الانفتاح والاستفادة من الآخر، بعد ذلك العراقة والتراكم والتجذر في ماهو أصلي وأصيل، لكن أهم من كل ذلك هو الرباط الجامع وتأسيس المشترك والتقريب بين وجهات النظر المتباينة، وأيضا تحقيق التواصل ومد الجسور بين الأجيال وبين المرجعيات والشعوب والمجتمعات والارتفاع والتجاوز والتسامي عن الخلافات والأمور الجانبية والاهتمام بماهو جوهري وأولي وحيوي بالنسبة إلى الإنسان. فما شأن ثقافتنا من منظار هذه المقومات؟

3- واقع الثقافة الآن وهنا:

مشكلة الثقافة العربية أن البعض يتعامل معها وكأنها استنفذت أغراضها ووقعت بين حبال السياسوية الذرائعية والتدين الزائف والاقتصاد الطفيلي وان النخبة أهملت المعاني الأخرى لمفهوم الثقافة Kultur وBildung واختزلوا النشاط الثقافي في لفظ Formation أي التكوين الصناعي والإنتاج التقني وتعاملوا مع الفعالية الثقافية على أنها وسيلة لتحقيق غايات أخرى وبالتالي وقع السقوط في السلعنة أوالتسليع والارتهان إلى كوجيتو البضاعة ومبدأ المردود.

إن الثقافة عندنا محاصرة من طرف أنانية الاقتصاد وتوظيف السياسة ووثوقية الدين وميتافيزيقا التقنية وشعوبية الاجتماع وماضوية التاريخ ومحلية الجغرافيا. فما العمل للنهوض بالقطاع الثقافة؟ وكيف يتم ترشيد الثقافة الوطنية؟ ما معنى قول فون هردر:" إن ثقافة شعب معين هي دم وجوده"؟ هل يؤدي تضييع الشعب لثقافته إلى تيهه في العالم وخسارته لقيمه؟ ألا ينبغي أن ننتقل من إنسان الطبيعة إلى إنسان الثقافة ومن الوضع الأصلي حيث التوحش إلى الوضع المدني حيث التحضر؟

من الصعب أن نقدم تعريفا دقيقا لمفهوم الثقافة وكل ما يقال هو مجرد تقريب للفهم وتصور نسبي للمجال وهنا نجد الثقافة تدل على "أساليب السلوك المكتسبة عن طريق التعلم". ولكن علماء الأنثربولوجيا يذهبون إلى أن الثقافة هي "كل مخططات الحياة التي تكونت عبر التاريخ والتي تحولت إلى موجهات للسلوك عند الناس". إن الثقافة أمر واقع ولا يمكن تجاهله أو تعمد طمسه ونسيانه لاسيما وأن الإنسان كائن بيوثقافي وكل فعل بشري هو فعل مكيف ثقافيا. على هذا النحو إن" ما يشكل ماهية الثقافة ليس الاغتراب بحد ذاته بل العودة إلى الذات...ولا يجب أن تفهم الثقافة على أنها فقط عملية ارتقاء العقل تاريخيا نحو الكلي ، فهي في الوقت نفسه العنصر الذي يتحرك ضمنه الإنسان المتعلم".[7]

ما ينبغي التوقف عنده هو التمييز بين الثقافة والحضارة ، الثقافة هي إرادة الحضارة عبر استعادة الوعي واستزادة التنمية والتحديث لتجاوز الحالة القائمة نحو ماهو غير معهود، بينما تتحدد الحضارة على أنها أفق الكون الانساني. إن الثقافة هي نمط عيش وأسلوب حياة ونظرة إلى الكون ينتجها شعب معين في محيطها الفكري وتكون نتيجة تفاعل مكوناته والظروف التي يمر بها والتحولات التي تعصف به والرغبات التي يتطلع إليها. علاوة على ذلك إنها العلاقات التي تربط الناس بذواتهم وبالطبيعة وببعضهم البعض، وهي هذا المجموع الذي يشمل المأثورات الشعبية والتقاليد الموروثة وتضم اللغة والدين والفنون والمعمار وطرق الطهي واللباس والمهن والصناعات والعلوم والمعارف وكل ما يمارسه الناس بطرق شتى. فإذا كانت تعيش الاحتباس المعرفي والعملي عندنا فما السبيل إلى جعلها تستعيد مكانتها المعهودة؟

4- شروط النهوض بالثقافة:

"الثقافة هي مقياس كل الأشياء، بما أن كل حقيقة واقعية يتم إدراكها عبر نظام ثقافي معين" هرسكوفيتش.

إن الثقافة هي الحاجة إلى الكمال التي يشعر بها كل كائن، وهي كذلك التجسيد الفعلي لميل النوع البشري نحو التميز عن الحيوانية وذلك باتجاهه نحو ترويض الطبيعة وتحويلها من تهديد وعنف وقسوة تمارس على الإنسان إلى مستودع المنافع والخيرات ووسائل مسخرة وموظفة من أجل حمايته وضمان أمنه وذلك بهدف الاستفادة منها وتسخيرها لأغراضه وإشباع حاجياته المتعددة. لكن الثقافة هي أيضا نظام القيم الأساسي للمجتمع تهيكل الشخصية الإنسانية وتجعل من كل نظام اجتماعي يتميز بشخصية أساسية خاصة وأنها دم الشعب وروحه وأن كل أنا هو ترسب ثقافي.

ترتبط الثقافة بالعلوم الإنسانية والفلسفة والتدين الطبيعي والأخلاق الاجتماعية والفن الملتزم وتسهم في تشكيل الناس لذواتهم على نحو أرقى مما هو معتاد. خصوصا وأن الجانب العقلاني والثقافي الإنسان يساعد على تجاوز الجزئي والعرضي والمبتذل والارتقاء نحو الكلي والجوهري. ويستدعي فعل التثقيف خوض الصراع مع الحاضر والمألوف والانخراط في تجربة تجديدية في كل نطاقات المعرفة والمجتمع. بهذا تكون الثقافة في تضحيتها بالجزئي وارتقائها نحو الكلي مهمة إنسانية نبيلة تكبح الرغبة وتقيد الحرية من أجل بلورتها ولا تتحقق هذا الملكة الشريفة إلا بالوعي والعمل واكتساب المهارة والقدرة، " وبين أن جوهر العمل إنما هو تكوين الشيء أكثر من استهلاكه"[8].

إن الثقافة التجارية الاستهلاكية ليست ثقافة حقيقية لأن الثقافة التقدمية المنشودة هي ثقافة مناضلة تلتزم بالنقد وفضح كل أشكال تشويه والاغتراب التي يتعرض لها الإنسان. والغريب أن الاهتمام بالثقافة هو الأمر الذي يشترك فيه كل من المجتمع السياسي والمجتمع المدني، من ذاك أن المجتمع السياسي مطالب بوضع سياسة ثقافية ونسق فكري رسمي لاسيما وأن كل سلطة تفترض معرفة ما تبررها ، أما المجتمع المدني فهو مطالب بأن ينشىء هيئات مدنية وجمعيات غير حكومية تدافع على حرية التعبير وحرية التفكير وتعمل على النهوض بثقافة مستقبلية مناهضة لثقافة السلطة التبريرية والمحافظة. حري بنا أن نبين أن الثقافة ليست فقط مرتبطة بالتقنية والإنتاج والاستهلاك أي الثقافة التطبيقية بل وأيضا كل ما يتعلق بالتأمل والمعرفة والحرية أي الثقافة النظرية. على هذا النحو"إن اكتساب الثقافة يتضمن دائما تطويرا للاهتمامات النظرية."[9]

إن الثقافة ليست شيئا جاهزا ولا أقنوما محنطا رغم أن ماهو فطري منها يمكن أن تكون مسجلا في جيناتنا الوراثية ومخزنا في خلايانا بل هي شيء قيد النشوء والنمو، إذ يتغذى من انفتاح الذات على الآخر. لكن ألا تنطوي إذن" على مسافة تقيمها من ذاتها ولذلك فهي تتمثل في الارتفاع على ذاتها صوب الكلية"[10]؟

من الأمور الحاسمة التي ينبغي أن نفكر بها بجدية هي التمييز بين الدولة والشأن الثقافي وذلك بتخير هذا المجال وفك الوصاية والرقابة والهيمنة التي تمارسها على حرية التفكير وعلى دور الثقافة وإعطاء الفرصة لنمو حراك ثقافي قوامه الجدل المنتج والحوار المتمدن وتشجيع الاختلاف والتنوع والتعدد.

الأمر الثاني هو إعادة الاعتبار إلى مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات غير الحكومية والتدريب على الاستقلالية والنقد والمساءلة وإعطائها الفرصة من أجل تنمية مشروع ثقافي مستقبلي.

الأمر الثالث هو تشريك المجموعة الوطنية في تسيير الشأن الثقافي وفتح المؤسسات الإعلامية الرسمية في وجه المبدعين من أجل التعريف بمنتوجهم وتوسيع دائرة المشاركة في صنع الرأي العام.

الأمر الرابع هو التركيز على اللامركزية في تنشيط الحياة الثقافية واحترام فئة المثقفين العضويين وإسنادهم في تناقضهم مع فئة المثقفين التقليديين وفي رغبتهم في تخطي السائد وتصور ما ينبغي أن يكون وخلق ثقافة جديدة تنهل من العروبة السردية والإسلام المستنير والتراث الانساني والحداثة الكونية ومناهضة للعولمة المتوحشة.

الأمر الخامس هو الرفع في نسبة التمويل العمومي لقطاع الثقافة ومساهمة المؤسسات الخاصة في ذلك والعناية بالوضعية المادية للمبدعين من كتاب وشعراء وفنانين وتمكينهم من التغطية الاجتماعية وتحسين قدراتهم الشرائية ووضعيتهم المهنية والترغيب في المطالعة وتهذيب الذوق العام والتخفيض في أسعار المنتوج الثقافي وتشجيع الناس على الإقبال عليه والتعريف به في الخارج.

الأمر السادس إعادة تعريف مفهوم الثقافة نفسه وتحريره من دلالة التكوين والتكنلجة وتقريبه من لفظي Kultur و Bildungلتعبيرهما عن روح السمو والتفتح العقلاني والتعالي التي تميز الطبيعة الإنسية وإعدادها من أجل مقاومة موجة التصحر الوجودي ومد التدين الزائف والتقنوية الجافة والاقتصادوية الأداتية والإبقاء على مساهمتها في إرضاء حاجة الإنسان الطبيعية إلى التدين المدني وطموحه لتعمير الكون وتنمية مواهبه الطبيعية بشكل يطور به نفسه ويهذب به نوعه.

في النهاية إن الثقافة الكاملة هي المثال الكامل الذي تتحرك ضمنه العلوم الإنسانية وهي كذلك تملك الوعي لذوق حقيقي لا يمكن تعليمه للآخرين. إن الذوق بماهو طراز من الثقافة الجمالية والتاريخية هو في الوقت نفسه نمط معرفة ونمط وجود يساعد الإنسان على أن يحتفظ بمسافة نقدية بينه وبين الواقع التافه والمبتذل. من هذا المنطلق"إن الشخص الذي يمتلك حسا جماليا يعرف كيف يميز بين الجميل والقبيح والسامي والمنحط ومن يملك حسا تاريخيا يعرف ماهو ممكن في عصر ما وماهو غير ممكن فيه، كما أنه يمتلك حسا بآخرية الماضي من جهة علاقته بالحاضر"[11].

إن دور الثقافة الآن وهنا هو دور جوهري خاصة في مستوى صياغة شخصية الفرد وطبعه، فهي تدخل في تشكيل كل ردود أفعال الإنسان إلى درجة أن التنفس ذاته يمكن أن يكون ظاهرة ثقافية. هكذا يبدو من الضروري بالنسبة لكل حركة ثقافية تطمح نحو التجديد أن" أن تعمل على تنشئة نخبة من أهل الفكر تنبثق مباشرة من الجمهور وتظل على اتصال به، حتى يصيروا له كجبائر المشد... وأن تغير بالحقيقة اللوحة العقائدية في عصر ما. "[12]

محاربة الخرافة والجهل والدفاع عن نور العقل ومقتضى العلم تلك هي المهمة الحاسمة التي ينبغي أن تنصب حولها عملية تنوير الجمهور وتحرير الحشود من نير العبودية ومساعدتهم على تخطي حالة القصور والوصاية التي هم عليها، لكن "هل يستوي الأعمى مع البصير"؟


المرجع:

جاك تكسيه ،غرامشي: دراسة ومختارات ، ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972

هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح ، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، طرابلس، ليبيا ، الطبعة الأولى، 2007.

[1] جاك تكسيه، غرامشي دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972 ص.153

[2] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح ، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، طرابلس، ليبيا، الطبعة الأولى 2007 ص. 58.

[3] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص. 58.

[4] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص.59.

[5] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص.60.

[6] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص.60.

[7] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص..63.

[8] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص.61.

[9] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص.63.

[10] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص..67.

[11] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ص.66.

[12] جاك تكسيه، غرامشي دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972 ص153

ليست هناك تعليقات: