الأربعاء، سبتمبر 30، 2009

عِلَلُ الأَنْسَنة وضمائر الأَتمَتة

أحمد زكارنة

لأنّ الغُربةَ عكسُ الكينونةِ والصّيرورةِ، كمَا يُؤكّدُ الفيلسوفُ الفِرَنسيُّ "ريجيس جُولِيفيه" صاحبُ المذاهبِ الوُجُوديةِ، فمِنَ الأهميّةِ أن نرتقيَ إلى الوقوفِ على جبلِ عِلَلِ الأنْسَنَةِ في ظلِّ صَدَى صوتِ ضمائرِ الأتْمَتَةِ، التي راحت إفرازاتُها تُغَطِّي مَسْرَحَنَا الكَونيَّ، ونحنُ مازلنا نعيشُ حالةَ الاغترابِ بين هذين المفهومين الضِّدّين "الأنسنة والأتمتة" رغم أهميّتُهُما في الحياة البشريّةِ، فلا عَجَبَ إنْ وقفنا على تعريفِ الأوّلِ "الأنسنة" كمُصْطَلَحٍ مَنْحُوتٍ منَ النّزعةِ الإنسانية أو فلسفةِ الإنسانية، المُغيَّبةِ عَمْداً شئنا أم أبَيْنَا عن رأس المُنتِج للمفهوم الثاني "الأتمتة" الذي يُطْلَقُ على كلِّ شيء يعمل ذاتيا، دون تَدَخُّلٍ بشري، ويُعْرَفُ بالصناعة الأوتوماتيكية التي ظَهَرَتْ مع ظهور الثورة التكنولوجية، التي راحت بِدَوْرِها تَسْتَلِبُ ما استطاعت من عقولِ إنسانِ العالَمِ الثالثِ، للزّجِّ به خَلْفَ أسوارِ التّبعيّةِ، دون أدنى مُحاوَلَةٍ منه لتفكيكِ المشهد الذي لا سبيل إلى تجاوُزِهِ ونحن نَلُوكُ حظّنا العاثرَ، الذي وَضَعَنَا نحنُ العربَ وسطَ مداراتِ الاغترابِ عن المشهدِ الإنساني بِرُمّتِهِ، والذي ما فَتِئَ بعضُنا يُناقشه حتى راح يُفاخِر بِمَنْح بندول الأتمتة صكَّ السلطة المُطلقَةِ للحديث باسم ضمير المُتكلِّم، والمُخاطَب، وحتى الغائب إن جاز التعبير، عِوَضًا عن مُعالَجة عِلَلِ الأَنْسَنة، التي لا تتوقف فقط على حافة الألف المكسورة أو الواو ولا حتى الياء، وإنما دفعناها لتتخطى بأمراضها المزمنة عتبة مُجافاةِ كل ما هو طبيعي نابع من الذات، لصالح كل ما هو صناعي قادم من الآخر.

إنّ الإيقاعَ المُنفرِدَ الذي يَعْزِفُه الإنسانُ العربيُّ، إنّما هو نَتَاجُ الاستسلام لـ " الأنا الأنانية " في ظل تحشيد الآخَرِ إعلاءً لِقِيَمِ الـ " نحن الجماعية "، فَضْلا عن مُثولِ عقدة الضعف شاخصة في اللاوعي العابث بالوعي، لنجد أنفسنا حاضرين بملء الإرادة في الغياب نتداول لغة الإنشاء لا الحضور.
المُفارَقَةُ أنّ الغيابَ الأهمَّ هو غيابُ الإدراكِ بأهميّةِ اعتلاءِ صهوةِ الإرادة لمُلامَسَة أطرافِ الأنسنةِ، كسلاحٍ فاعلٍ يُمْكِنُ رَفْعُهُ في وَجْهِ تَحَالُفِ قِوَى الاستعمارِ والظُّلاميّةِ معا، دون إغفالِ أنّ الأولى هي المُنْتِجُ الفاعلُ لثورةِ الأتمتةِ، والثانية هي المُسْتَهْلِكُ المُبَاشِرُ لذاتِ الثورةِ كأداةِ إجهاضٍ لأيِّ اجتهاداتٍ فكريةٍ قد ترتقي إلى مفهومِ الأنسنةِ باعتبارِها شيطاناً رجيماً.

خِتامًا وبعيداً عن أيِّ ربطٍ أو إسقاطٍ قد يُحْدِثُهُ بعضُنَا لِحَصْرِ ما نَطْرَحُ داخِلَ عباءةِ ما طَرَحَهُ الباحثُ والمُفَكِّرُ الجزائريُّ "محمد أركون" في كتابِه "معاركُ من أجلِ الأنسنةِ في السّياقاتِ الإسلاميّةِ".
جديرٌ بنا لَفْتُ الانتباهِ إلى أنّه يَجِبُ علينا بدايةً التّمْيِيزُ الدّقيقُ بين حاجتِنا إلى النُّزُوعِ نحوَ ضمائرِ الأنسنةِ، دون تَنَصُّلٍ أو إنكارٍ لحاجتِنا إلى الأتمتةِ رغم ما تَحْمِلُ مِنْ عِلَلٍ.

ليست هناك تعليقات: