الخميس، سبتمبر 17، 2009

على عكس ما يظن البعض الظروف موائمة للخطة والوسيط الدولي هو المؤتمر

د. أفنان القاسم / باريس
نحو مؤتمر بال فلسطيني (6)

يا سادتي، يا جماعة، يا إخوان، بلاش كل هادا بعدين ينعتنا الناس بالسذاجة! نعم هناك صعوبات كما يقول خيري حمدان، ولا بد من النفي الكلي لعباس وسياسة عباس وزبانية عباس كما يقول نافز علوان، ولا بد أيضا من وسيط للخطة يفرضها على المحافل الدولية ومؤسسات حكومية عربية أو فلسطينية تتبناها كما يقول الكاتبان، ولكن كل هذا ليس مهماً الآن، كل الجهود الآن يجب أن يجري تركيزها على الخطة: هل فينا أحد يرفض قيام الدولة الفلسطينية، بالطبع لا أحد، هل فينا أحد يرفض الازدهار، بالطبع لا أحد، هل فينا أحد لا يسعى إلى الاستقرار والنوم في الليل دون أحلام مزعجة، بالطبع لا أحد، الخطة هي تحقيق كل هذا، فلنتفق على الخطة أولا دون ربطها بظرفها، ثم لنعمل على تحقيقها بخلق ظرفها. أنا لست نابليون، نابليون الثالث في أواسط القرن التاسع عشر والثورة الصناعية في أوجها عزم على تطبيق خطة هدم باريس القديمة وبناء مدينة جديدة، كانت كل الظروف ضد الخطة، وقضية باريس للفرنسيين كانت في ذلك الوقت بأهمية قضية القدس اليوم للفلسطينيين، ومع ذلك كان لا أحد ضد منطق الخطة التي ستجعل من باريس مدينة للنور وأجمل عواصم الدنيا، وكان نابليون يقول لشعب باريس المناهض لمشروعه ستشكرني المتاحف والشوارع والمنتزهات والتماثيل، وأنا سأقول للمتشائمين ستشكرني أول ما تشكرني مخيمات اللاجئين التي خلصتها من قاطنيها وعبث الوجود! ربما قال قائل نابليون ليحقق خطته كانت له الأداة: الدولة، ونحن أيضا لنحقق خطتنا لنا الأداة: المؤتمر. المؤتمر هو أول خطوة نخطوها، وبدافع من دينامية أكيدة سنقوم بالخطوات التالية إلى أن نصل إلى غايتنا. والمؤتمر هو الوسيط إلينا وإلى العرب وإسرائيل والعالم، أعضاؤه الأكاديميون والمثقفون ورجال الأعمال من كل البلدان هم الحكومات غير الرسمية إلى شعوب هذه البلدان وحكامها، نحن لا نتبع لجهة ما تروضنا كما يقول خيري حمدان، نقيم مؤتمرنا في بلد حيادي سويسرا، ولا نرمي فقط إلى أن يثأر في بال التاريخ لنفسه، هدفنا أيضا ألا يضغط علينا أحد لا غربي ولا شرقي بل نحن من يضغط بلجاننا الكوسموبوليتية.

الخطة هي الوصول. القارئ المستعجل كالعادة والسياسي المتشائم كالعادة وصاحب رؤية النظام، لا يعني هذا أنه مع النظام، ولكنه جوه النظام، سيقول عنها خطة مجنونة بينما هي خطة عاقلة موجهة للعقل والعقلاء، هي مجنونة بمعنى خلاقة فلا خطة مثلها من خطط لحل القضية الفلسطينية، وهي رؤيوية وبراغماتية وتاريخانية. في ظروف طبيعية هذه الخطة من الغد تنفذ، ولكن الظروف غير طبيعية، لهذا يجب أن نرى المسافة بين الخطة وتنفيذها بعين فيثاغورس، بشكل رياضي، وليس بعين الجزيرة. يجب أن نبعدها عن الطريقة التي تنظر فيها إلى الحدث أطنان المقالات التي تصدر كل يوم والتي هي في النهاية مقالة واحدة يجيرها النظام القائم لصالحه، إنه خدر الإيديولوجيا اللذيذ الناتج عن حقنة للإعلام يومية تشغل الناس وتسليهم عن مصائبهم، وهذا يتجدد كل يوم وحياة النظام تتجدد معه إلى الأبد. لهذا السبب هو هنا على أدمغتنا منذ قرون!

هل قرأ أحدكم كتاب دولة هرتزل؟ قدم هرتزل مشروعا مجنونا من المستحيل إنجازه في ظروف زمنه، لكن كل اليهود على تعدد انتماءاتهم اتفقوا عليه ليمهدوا له الطريق إلى النور. ولماذا هرتزل؟ أنظروا إلى أوباما اليوم ومشروع الصحة الذي كل الظروف تعمل ضده، ولكنه ماض بمشروعه، وهو يمهد له الطريق إلى الحياة خطوة خطوة. وعلى عكس البعض، على عكس الكل، أرى أن الظروف اليوم كل الظروف تعمل في صالح خطتي للسلام: أزمة النظام العالمي تدفعه إلى البحث عن ضبط قوانين الرأسمالية كما يقول ساركوزي وإصلاح قوانين النظام المالي العالمي كما يقول أوباما والإتحاد المشرقي سيكون الشعاع الموجه والقوة الفاعلة على المدى العاجل والطويل. أزمة النظام العربي ستدفعه إلى الانخراط في الإتحاد كسوق اقتصادي وسياسي عصري، وعن هذه الطريق ستكون سيرورة سياسية واقتصادية واجتماعية، نحن لن نطرد النظام العربي (إحنا مش انقلاب) هو سيطرد نفسه بنفسه، وعلى مدى سيطول ربما بعدما يدخل في عملية الدَّمَقْرَطَة التي هي الحل الوحيد لأزمته. أزمة النظام الإسرائيلي على علاقة طبعا بأزمة النظام العالمي لأنه متوقف عليه وتابع له، عضلات نتنياهو وإجراءاته على الأرض زائلة، فنتنياهو يستغل الانهيار الرأسمالي لصالحه: تهويد، تعجيز، تهديد، لأنه انتهازي ومتسلق ومخادع وعكس كل الأوصاف الصالحة التي جاءت في وصايا موسى، لكن ما يفعله فوق أساس كل شيء له صورة المشروع المتماسك بينما الواقع واقع المشروع هو واقع الانهيار العالمي الشامل. لهذا ما أن يهز مؤتمر بال البنى سيكون نتنياهو الأول الداعي إلى التفاوض لأجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

د. أفنان القاسم
أستاذ سابق في جامعة السوربون والجامعات المغربية والأردنية
أديب ومفكر

www.parisjerusalem.net

ليست هناك تعليقات: