الأربعاء، سبتمبر 16، 2009

الشباب الفلسطيني ينتحر لماذا ومن المسؤول؟

محمد داود

سجلت منظمات حقوق الإنسان العاملة في الأراضي الفلسطينية عدداً من حالات "الانتحار أو الشروع فيه"؛ أقدم عليها شباب وفتيات فلسطينيات، وهي سابقة ومؤشر خطير وجديد من نوعه تجاه مجتمع مسلم ومحافظ، لديه عاداته وتقاليده الدينية والنضالية والأخلاقية التي تحكمه .

فمنذ أن أخذت حالة الأمن الإنساني داخل المجتمع الفلسطيني لاسيما في قطاع غزة بالتدهور بدأت تظهر مؤشرات واضحة تدل على تغير حقيقي في سلوك وعادات الأفراد داخل المجتمع وهي تغيرات سلبية لا علاقة لها بالفكر والدين، أي أن الآفة حديثة وهي بمثابة صراع أخر مع الحياة والذات وضد سيرة الإنسان الفلسطيني الأخذة في الانحدار، بالتالي القضية طارئة وتستدعي الانتباه والبحث من قبل الجهات المعنية. وذلك لما طالعتنا به وسائل الإعلام على مر الأيام والأشهر الأخيرة من ارتفاع مؤشرات الانتحار وبوسائل متعددة، وعلى سبيل لا الحصر ندرج بعض المقدمات لمثل هذه الظاهرة: إذ عرضت بعض الأسر في غزة أبنائهم للبيع في المزاد العلني، وقالت أنها لا تستطيع تربيتهم وتحمل مصاريفهم، وفي ثانية انتشار ظاهرة المتسولين في الطرقات، خاصة الأطفال والشباب والنسوة من مناطق مختلفة وانتشار ظاهرة البطالة والفقر وتدني مستوى المعيشة، والشروع في القتل من أجل الحصول على المال أو غيره، ولا يكاد يخلوا موقع الكتروني من مناشدة إنسانية أو جريمة جنائية.

إن هذه القضية هي قضية رأي عام ونحن لا نريد أن نعلق أخطأنا على شماعة الاحتلال أو الظروف كعادتنا، ولكن حسب وصف هذه الآفة وإرجاعها فإن الحصار والإغلاق الذي يفرض على الشعب الغزي منذ عامين، والحرب الشرسة التي يتعرض لها شعبنا في القطاع بفعل آلة الحرب الإسرائيلية المدمرة التي تعيث في الأرض فساداً، وترتكب المجازر وأخرها الحرب على قطاع غزة التي أوقعت أكثر من 1500 شهيد ومئات الجرحى والمعاقين وتدمير مساحات واسعة من منازل المواطنين في قطاع غزة، كانت لها الأثر النفسي والإنساني المأساوي، و تكريس للحالة.

هذه الحرب وما نتج عنها من وضع إنساني وفقر وتدني الدخل وانعدام الاقتصاد الغزي، أدت لانتشار ظواهر جديدة، من أجل البحث عن مصدر رزق، وقد ألقت الأجهزة الأمنية العاملة في قطاع غزة القبض على عشرات المنحرفين والمتهمين، بتهمة الاتجار بالمخدرات والممنوعات والتهريب، وقامت بمصادرة وإتلاف كميات كبيرة من المخدرات والعملة المزورة إضافة إلى انتشار أعمال الغش والنصب والخداع والفساد وانتشار ظاهرة السرقة "كسرقة السيارات والدرجات النارية وغيرها، والتسول والبطالة المقننة، والانضمام لمنظمات إرهابية، هدفها ربحي، الاتجار بالقضية الفلسطينية باسم المقاومة، وهنا أسجل تحذيري وخشيتي من الانكباب على ظاهرة قد تكون أكثر خطورة، مثل التعاون مع الاحتلال في ظل سعي الاستخبارات الإسرائيلية إلى تجنيد عملاء لها في قطاع غزة.

إن ألآف الأسر اليوم تعيش تحت خط الفقر والقادم ربما يكون أخطر قد لايتصوره العقل والضمير، وفي أقرب صورة فإنني لمست المعاناة عن قرب وسجلت ملاحظتي كيف تتدبر بعض العائلات أحوالها، إذ تقوم هذه الأسر ببيع نصف الكابونة للحصول على عدة شواقل من أجل قضاء حاجاتها الحياتية وشراء مستلزماتها، وقال أحدهم أنه يلجأ إلى بيع كابونته بمائة شيكل حتى يشتري الخضار والملابس وما شابه. وحاله كحال المئات بل الآلاف من الأسر، وعندما نتحدث عن الآلاف فهذا يعني أن شعب قطاع غزة كله تحول إلى شعب يعتمد على الكابونة التي أصبحت تشكل هاجساً بالنسبة له، بعد أن أخذت أشكالاً ومسارات متنوعة.

هكذا الواقع ظالماً لشبابنا وأطفالنا، إذ ذهب عدد الشباب والفتيات بأن يختاروا أن ينهوا حياتهم بتلك الصورة (المؤلمة)، وفي أقل وصف فإن لحالة الضيق النفسي والاقتصادي المعيشي، التي تعتبر كافية لإشراك الأطفال والأبناء وتحملهم المسؤولية وعناء الحياة القاسية والمصاريف مبكراً أو حتى جزءً منها، وسط انتشار للبطالة بين أبناء الشريحة الشبابية، وبأس قاعدة عريضة من الشباب من الحصول على أية فرصة للعمل الوظيفي أو حتى من إمكانية العودة للعمل بعد انعدام المواد الخام والصناعات والحرف وفقدان العمل داخل إسرائيل، واستمرار الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المزري نتيجة الاحتقان في الشارع الفلسطيني وتعذر المصالحة الفلسطينية.وحالة الجمود السياسي وغياب أي أفق سياسي من عملية التسوية، في ظل تصعيد صهيونية شرسة ضد الإنسان والأرض الفلسطينية.

فبعد الحرب على غزة أقدمت بعض المؤسسات مشكورة على إعداد خطة وطنية إستراتيجية لإعادة بناء الإنسان الفلسطيني كبرامج التأهيل والترفيه والصحة النفسية للتخفيف عن أهلنا وإعادة الثقة للنفس؛ نتيجة لما شاهده من تقتيل وتجريح وفقدان للأحبة من ناحية وتدمير للمتلكات والذكريات المحفوفة بالخوف والجوع وإغلاق للمعابر والتزاحم السكاني فكان المواطن أكثر عرضة للكبت والقهر والارتباك، وتفاقم الحالة النفسية والتي تسببت بصدمة نفسية للعديد من الشباب والأطفال، وقد وقفت عن كثب على حالة طفل في الصف السادس يعاني من أزمة نفسية نتيجة الحرب على غزة، لدرجة أنه أفقد صواب أهله، ندعو له الشفاء العاجل في هذا الشهر المبارك.

إن المحللون والاختصاصيون أيضاً أجمعوا على أن ظاهرة الفلتان والفوضى الأمنية وغياب سيادة القانون تلحق بالمجتمع آثاراً سلبية وهذه الآثار لا تقف عند حدود السياسة والأمن بل تتخطاها لتطال جوانب حياة المجتمع كافة كالأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي والنفسي مما يعني مزيداًً من تدهور حالة حقوق الإنسان والمساس المباشر بجملة حقوقه الأساسية كالحق في الحياة والصحة والتعليم والعمل والحق في العيش بكرامة ونحظى بمستوى معيشي ملائم أسوة بشعوب العالم الحر.

وحتى لا نخرج عن الموضوع فإن مخاطر هذه الظاهرة "الانتحار" أخذةٌ في التزايد، بسبب ضعف الوازع الديني، لأنها توقع المرء في شر الفتن وتدخل الأسرة والمجتمع برمته في حالة من الخوف والقنوط من المستقبل المجهول والغامض على أبنائها، لاسيما وأن العديد من الأسر أصبحت تشجع أبنائها على الهجرة و السفر للخارج كحل لتخفيف العناء عنها، والبحث عن حياة ومستقبل أفضل لأبنائها، يساعد في تخفيف حدة الاحتكاك حتى داخل البيت الواحد، الذي أصبح يشكوا هو الأخر من تصاعد حالات الاحتقان العائلي أو المناطقي نتيجة انتشار المحسوبية القبلية والحزبية و المناطقية والتي أدت إلى تزايد حالات الخوف داخل الأسرة الواحدة بين الأخوة والشجار العائلي مع تراجع دور تدخل المؤسسات الأمنية لفض النزاعات الاجتماعية والعائلية وسط توفر المعدات والأدوات القتالية والسموم بين أيدي صغار السن، في عالم أصبح أكثر انفتاحاً يتأثر بالعولمة وبمتابعة المسلسلات والأفلام التي تشجع الجريمة والعبث بالنفس.

إذاً السؤال يطرح نفسه من جديد من دفع بشاب أو بفتاة للتفكير بالانتحار وماهى المؤثرات التي تحيط بهم حتى يفكروا بهكذا صورة وسلوك مأساوي لم نشاهده من قبل في مجتمع يقال عنه مجتمع (إسلامي مقاوم) !!إن العوامل التي ذكرناها بلا شك عامل ضغط على المواطن الفلسطيني، التي تستدعي دوراً بارزاً للأب في عملية التنشئة بجانب دور المربي المدرسي ولذلك دعونا نسأل:

-في ظل منع مواد الخام، والتأخير في مسألة الأعمار، والغلاء للشقق السكنية، ماذا ننتظر من أزواج شابة يئست من الرهان على مستقبلٍ مجهولٍ محفوفٍ بالخلاف السياسي؟.

- في ظل انعدام الأمن بكافة جوانبه لاسيما الاقتصادي الطاحن وعزوف الأسر عن تعليم الإناث بسبب انعدام قدرتهم المادية التي تصب نحو تعليم أبنائهم الذكور من أفراد العائلة، ماذا تنتظرون من هؤلاء الضحايا، هل هي مسؤوليتهم؟ .

- مع تراجع العلاقات الاجتماعية والأسرية نتيجة ظاهرة العنف والفلتان الأمني والسياسي الذي أدى إلى مزيد من الاضطهاد الاجتماعي بفعل الخلاف السياسي والحزبي، وحالة التيه، كل هذا ماذا تنتظرون من الشباب الذين هم ضحايا جهلكم الإداري والقيادي ؟.

إن المسؤولية كبيرة تقع على كاهلنا؛ سياسيون وإعلاميون ونفسيون وتربويون ورجال دين من أجل تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي وكما هو معلوم فإن التغيرات الثقافية تحتاج إلى سنوات طويلة عكس نظيرتها في الجوانب الأخرى كي تشطب الظاهرة، فاحرصوا على مستقبل أبنائكم وكثفوا من جرعات التوعية والموعظة الحسنة لآباء (جهلة) وأسر (ضائعة)؟!!..

وأخيراً حتى لانطيل لأن المقام لا يحتمل الإسهاب، لذلك يجب علينا الإشارة إلى دور الإسلام الذي حرم علينا أذى النفس والآخرين، وحتى لا نكون ألعوبة في يد الشيطان، لأن الإسلام ينص على حرمة القتل وحرمة الدم وكل السبل المؤدية إليه، وأن مرتكبها سيلقى عذابا أبديا في النار، فما بالنا أن تقتل اليد نفس صاحبها، وهذا يستدعي منا التمسك بمخافة الله رب العالمين، فلا الدين ولا الأخلاق ترضى بأذى النفس، ولايمكن لعاقل أياً كان مشربه الاجتماعي والسياسي أو العقائدي أن يقبل بوجود هذه الظاهرة التي تسئ لمجتمع عرف بأنه من أكثر المجتمعات تعلماً ووعياً وصبراً.

كاتب وباحث

ليست هناك تعليقات: