الأحد، سبتمبر 27، 2009

ماهي الآفاق التي تنفتح أمام الفلسفة عندما تتساءل عن الكلي؟

زهير الخويلدي

" الكائن الكلي هو واحد في كل الأماكن وهو كل كامل في كل مكان."[1]

استهلال:

منذ أن سطع نجم الكلي في سماء الفلسفة فانه تراءى لنا كمفهوم بالغ الالتباس والتعقيد وذلك لتعدد دلالاته وللمشاكل المتفرقة التي يسببها في مجال المعرفة والوجود والقيم ويقف أمامها الإنسان مرتابا ومترددا فاقدا القدرة على إمكانية التغلب عليها. إن الصعوبات التي يصطدم بها العقل عندما يبحث في مسألة الكلي ترتبط بالميتافيزيقا والأنطولوجيا واللاهوت وكذلك المنطق والابستيمولوجيا بل وحتى الأنثربولوجيا والأكسيولوجيا. من هذا المنطلق كان "الكلي اسما بالغ الالتباس: لأنه يعني تارة صنفا وتارة عضوا في صنف، بوصفه عضوا فردا، وتارة يعني خصيصة ، أي عموما كيفية، لكنه يعني أيضا علاقة أو نسبة في بعض الأحيان."[2]

على هذا النحو" يبدو أن لفظ الكلي قد كتب له أن يولد أخطاء في الفهم من شأنها أن تعتم معناه وتشوشه، ذلك أننا محمولين دون هوادة على تفسيره بالعموم المطلق، غير أن... البعد المميز للكلي هو العمق وليس الاتساع والامتداد"[3]، كما قال جبرائيل مارسيل.

فماذا نقصد إذن بالكلي؟ ماهو المصدر الذي اشتق منه هذا المفهوم؟ما وجه القرابة والغرابة بينه وبين الكل والكلية؟هل هناك تاريخية معينة تخص مسألة الكلي؟ كيف دخل إلى رواق الفلسفة؟ هل كان هذا الدخول منذ البواكير الأولى أم في الفترة الوسيطة؟ هل أن الفلسفة الحديثة قد حسمت صراع الكليات لمصلحة طرف على آخر ولم يستأنف النقاش حولها إلا مع الفلسفة المعاصرة؟ ماهي الوظيفة التي يؤديها الكلي في دنيا الفكر؟ هل يمكن الاستغناء عنه أم أن حضوره هو أمر أكيد من أجل تنشيط الفكر وتحصيل المعرفة والتمييز بين الحقيقة والخطأ؟ ماهو نقيض الكلي؟ هل هو الجزئي أم الفردي؟ وما الفرق بين الكلي المجرد والكلي المتعين وبين الكلي الزائف والكلي العمومي؟ ما السبيل إلى بلوغ الكلي الحقيقي؟ هل الكلي واحد أم متعدد؟ أليس هو نموذج بالنسبة للنماذج والعناصر الأخرى؟ وكيف يكون التفلسف الأصيل هو انتقال من الجزئي أو الفردي إلى الكلي؟ ثم هل الكلي هو الكوني أم أنه العالمي؟ وما الفرق بين العالمي والعولمي وبين العام والشامل؟ هل الكلي نسبي أم مطلق؟ وهل هو هدف يمكن بلوغه أم غاية في حد ذاته ومجرد فكرة ناظمة للمعرفة وخيط هادي للفكر؟

لعل أهم إشكال يمكن طرحه في هذا المجال هو: ماهي الآفاق التي تنفتح أمام الفلسفة عندما تتساءل عن الكلي؟، وتفترض معالجة هذا الإشكال المرور بلحظات منطقية أربعة تتمثل الأولى في رصد تاريخية تشكل المفهوم وتموضعه داخل العمارة الفلسفية ويعد ذلك الاشتغال على تحديد مفهومه وضبط معانيه، ثم أبراز الأطروحات والمواقف الفلسفية التي حامت حوله وحاولت تدعيم وجوده، وفي الأخير حري بنا أن نبرز مدى الحاجة إليه والدور الإجرائي الكبير الذي يؤديه والآفاق التي يفتحها.

إن ماهو في ميزان الفكر في هذا المقام هو تفادي الانخراط في تقليد صراع الكليات الذي ورثناها عن الحقبة الوسيطة والبحث عن شروط جديدة تفعل أسئلة مبتكرة تعبر عن اهتمامات الإنسان في وجوده.

1- تاريخية الكلي:

" لا علم الا بماهو كلي" أرسطو

الكلي هو العالمي الذي يمتد الى الكون كله ، والذي يشمل جميع الكائنات والأشياء، وهو كذلك العام الذي يتصل بجميع الحالات أو الأفراد. يتناقض الكلي مع الجزئي الذي ينتمي إلى ماهو خاص بطريقة حصرية (شخص ما ، شيء ما )، وكذلك مع المفرد المستقل الذي يوجد وحده ولا يشاركه في وجوده أحد.
لا يشير المعنى الفلسفي للكلي بالضرورة إلى الكون (بالمعنى المادي) وانما يدل على مجموعة معينة من الأشياء أو الأفكار (حتى عندما نتكلم على سبيل المثال عن كل الخطاب).

في هذا المعنى يكون الكلي هو العالمي الذي يغطي ويشمل غالبية العناصر ضمن مجموعة معينة.
والحق أن الكلي في الأصل كان ترجمة لعبارة أرسطو Tò χάθόλού التي كانت تقال فقط على المحمولات المنطقية : ومثال ذلك عندما تستعمل هذه الكلمة في الحديث عن أفكار ومثل أفلاطون، فإنها تعني وتتضمن نقد أرسطو لهذه المثل. إن الكليات الخمس عند فرفوريوس هي النوع والجنس والفرق والذات والعرض.

من هذا المنطلق يفرق بور– رويال بين القضايا الكلية ميتافيزيقيا أي الكلية بدقة والقضايا التي لا تكون كليا ألا أخلاقيا أي التي تقبل بعض الاستثناءات مثال أن تحب كل النساء الكلام، وأن يكون كل الشبان متغيرين. كما أثيرت مشكلة الكليات بصورة حادة واضحة منذ العصور الوسطى وانقسم المفكرون حيالها الى ثلاثة مذاهب هم المذهب الواقعي والمذهب الاسمي والمذهب التصوري. فاذا كانت النزعة الواقعية عند جان سكوت أريجان ترى أن للكليات وجودا خارج العقل واذاكانت النزعة التصورية عند أبيلار تقول أنها موجودة في العقل فإن النزعة الاسمية عند أوكام تعتبرها مجرد أسماء. لكن قبل كل ماذا كان يعني الكلي عند المناطقة والفلاسفة؟

2- مفهوم الكلي:

" الكلي هو الفكر عينه" آلان

ينسب الكلي إلى الكل ويرادفه العام ولذلك ظهر العلم الكلي أي المعرفة التي تشمل كل شيء وظهرت أيضا الضرورة الكلية أي القانون العام والشامل لكل ظواهر الطبيعة وعناصر الوجود. و الكلية هي صفة ماهو كلي. عندئذ كان الكلي هو الذي يصدق على كثيرين وكانت الكليات هي الأجناس والأنواع. وقد قال ابن سينا في كتاب النجاة:" الكلي هو اللفظ الذي لا يمنع مفهومه أن يشترك في معناه كثيرون."

إن أول المعاني التي تلبس بها الكلي هو المعنى المنطقي ولذلك ظهر الكلي المنطقي ونعني به الشامل لكل الأفراد الداخلين في صنف معين. وظهرت القضية الكلية وهي التي تستغرق موضوعها لأن الحكم فيها واقع على الجميع إيجابا ( كل من عليها فان) وسلبا ( لاشيء في الله من النقصان). وفي المنطق هناك الكليات الخمس وهي الجنس والنوع والفصل النوعي والخاصة والعرض العام. فإذا كان الجنس والنوع والفصل النوعي كليات جوهرية ومقومة للماهية فإن الخاصة والعرض العام هي كليات ثانوية عرضية لا تصلح إلا للتعريف والحد عندما ينحصر البحث عن الصفات الجوهرية ويقع إسقاط الأعراض العامة.وقد عبر فرفريوس عن معضلة الكليات بقوله: " وفيما يتعلق بالأجناس والأنواع، فالسؤال هو: هل أنها حقائق قائمة في ذاتها أم أنها مجرد تصورات ذهنية، وعلى افتراض أنها حقائق جوهرية، فهل هي جسمانية أم لاجسمانية، وأخيرا هل هي مفارقة أم أنها تقوم في الأشياء المحسوسة وتوجد بوجودها؟"

يمكن صياغة هذه المعضلة في الأسئلة الثلاثة التالية:

- هل الأجناس والأنواع موجودة في الطبيعة أم أنها لا توجد الا في العقل؟

- إذا كانت توجد خارج العقل وفي الطبيعة، فهل أن هذه الظواهر الكلية مادية متعينة أم أنها روحانية غير متعينة؟

- هل هذه الجواهر الكلية منفصلة عن الأشياء ومفارقة لها أم أنها محايثة لها؟[4]

لقد أثارت الكليات منذ أفلاطون وأرسطو مشكلة وجودها: هل هو في الأذهان فقط أم في الأعيان أيضا. وهي مشكلة ميتافيزيقية تثير عدة مسائل أخرى أهما ما يلي:

- مسألة التصور: طبيعة التصور ووظيفته وطبيعة العلاقة بين الجزئي والكلي.

- مسألة الحقيقة: معايير الحقيقة والتناظر بين القول والشيء. في هذا السياق يقول كلود برنار:" لا توجد الحقيقة في النموذج المثالي (الكليات) ولا في الفرد (الاسميات) ...وإنما هي التي تجمع بين هذين العنصرين وتدركهما كوحدة".

- مسألة اللغة: طبيعة العلاقة بين الكلمات والأشياء هل هي ضرورية أم اتفاقية.

حول هذا الموضوع يقول دي تنكديك:" ليس الكلي غير صيغة يكثف بها الفكر حاصل حدوساته التجريدية ويختزلها ولا تكون هذه الصيغة خاطئة بشرط أن نحسن تقديرها لما تتضمنه من انجاز عقلي، وبشرط ألا ننقل سوى ما تعبر عنه إلى الواقع وألا نحوله إلى معطى خارجي."[5]

لكن ماهي مختلف المواقف والنظريات إزاء مسألة الكلي؟

3- نظريات حول الكلي:

"إن العام والكلي ضروريان لبناء العلم" ألكسيس كاريل

من المعلوم أن مقولة الكلي هاجرت علم المنطق الذي ترعرعت فيه والمدار النظري والصوري إلى عالم المعرفة والوجود والأخلاق وظهرت تقريبا ثلاثة مدارس كبرى تتصارع فيما بينها أولها المدرسة الواقعية ثم الاسمية وبعد ذلك ظهرت المدرسة التصورية.

في البدء يفيد المذهب الواقعي réalisme أن الكليات لها وجود في الواقع، ووجودها أسبق من وجود الأشياء، إذ لا تفهم الجزئيات إلا بالكلي الذي تندرج ضمنه. لكن ليس المقصود من هذا أنها مثل الأشياء الجسمانية أو الكائنات الموجودة في الزمان والمكان لأنها لو كانت كذلك لكانت عرضية وفانية بينما هي جوهرية وباقية. وقد قرر جان سكوت أريجان أن الكلي نتاج العقل نفسه أساسه في الأشياء.

ما يلفت انتباهنا هنا أن المذهب الواقعي ليس في ذاته كليا خالصا ولا جزئيا محضا بل هو مزاج بين الاثنين. وآيتنا في ذلك أنه يمكن أن نستنتج منه أفكارا عامة وتصورات كلية. علاوة على أن النوع يوفر ضربا من الوحدة تسمح لتصوراتنا أن تنطبق على كل شيء بالرغم من أن الكلي النوعي الموجود متفرقا في مختلف الأفراد يتبدى دائما وعليه طابع الفردية.

علاوة على ذلك لم يقتصر التيار الواقعي على الفترة الوسيطة بل وقع إحيائه في القرن العشرين على يد برترند رسل في مقاله المعنون:العلاقات بين الكليات والجزئيات" وقد ذهب إلى أن صنف الكليات هو مجموع صنف المحمولات وصنف الإضافات. ولما كانت المحمولات والإضافات واقعية فإن الكليات واقعية لأن "الكلي هو أي شيء أن تشارك فيه جزئيات كثيرة".

وستنتج رسل أن تقسيم الموجودات إلى كليات وجزئيات هو تقسيم نهائي ويميز بينها كما يلي: الجزئيات لا تدخل في مركبات إلا بوصفها موضوعات لمحمولات أو حدودا لإضافات وتنتسب إلى العالم الذي لدينا تجربة عنه وتوجد في زامن ولا يمكن أن تشغل أكثر من مكان في وقت واحد.

أما الكليات فيمكن أن تتخذ صفة المحمولات أو الإضافات في مركبات وهي لا توجد في الزمان وليس لها علاقة بمكان واحد يمكن أن تشغله. ينتهي رسل إلى النتيجة التالية:" ما دامت الإضافات حقيقية فان الكليات حقيقة واقعية"[6]، ويقدم مثال على ذلك:" عندما أقول أنا في القسم فإن هذه الإضافة المعبر عنها باللفظ "في" موجودة، لأنني أفكر فيها وبدونها لا أفهم معنى هذه الجملة وان كان وجودها ليس بنفس المعنى الذي لوجودي أنا ولوجود القسم".

أما المذهب الاسميnominalisme فإنه يقول إن الكليات ليست موجودات واقعية وأنها توجد بعد الأشياء ، بل إنها مجرد تجريدات تستخلص من استقراء الجزئيات وليس لها مقابل واقعي. ويعتبر روسلان رائد هذا المذهب عندما من التعريف الأرسطي للكلي على انه المقول على كثيرين واستخلص منه أن الأفراد هم وحدهم الموجودون في الواقع ، أما الكليات ( الأجناس والأنواع) فهي مجرد أسماء وألفاظ تقوم مقام التصورات التي تحمل على كثيرين. وقد أعطى مثالا على ذلك وهو لفظ إنسان الذي لا يدل على حقيقة غير النوع الانساني أي أفراد الإنسان.

وتبين له أنه يدل على حقيقتين: الأولى حقيقة فيزيائية للفظ نفسه بوصفه صوتا منبعثا، والثانية حقيقة عينية هي أفراد بني الإنسان. وقد واصل أوكام هذا الاتجاه بتأكيده على أن الأفراد هم وحدهم الموجودون أما الحدود الكلية فهي مجرد أسماء وعلامات للدلالة على التصورات التي تولدها الجزئيات في عقل الإنسان، وهذا العقل لا يعرف إلا الأفراد وصفاتهم وان كان قادرا على استعمال الحدود الكلية.

نخلص إلى ألكلي حسب هذا التأويل لا يوجد إلا في ذهن الإنسان فحسب وليس له وجود في الخارج. ما يلفت الانتباه أن التيار الاسمي تواصل في الفترة الحديثة مع كل من هيوم وبركلي عندما أنكرا حقيقة الكليات وقالا إنها مستمدة من المدركات الحسية وأنها ليست سوى نسخ باهتة من هذه الانفعالات.

المذهب الثالث هو الذي قال به التصوريون conceptualisme مع أبيلارد الذي عدل مذهب روسلان وخلصه من الاسمية عندما فند قول أرسطو أن الكلي هو المقول على كثيرين وقرر أن لا تصور يحمل على كثيرين وإنما كل تصور يحمل على نفسه وأن الألفاظ هي التي يمكن أن تحمل على كثيرين، وقد برهن على دعواه بأن فرق بين الكلي وحال الشيء: فمثلا الإنسان كلي وهو ليس بشيء واقعي لكن حال الإنسان شيء واقعي. ولما كان يوجد عدة أفراد يشاركون في كونهم أناسا فإن هذا الاشتراك يعبر عنه بعلامة صوتية هي اللفظ. وهذا اللفظ هو الذي يشترك فيه كثيرون. النتيجة التي يستخلصها أبيلارد هي أن الكلي ليس إلا لفظا دالا على الصورة المختلطة المستخلصة بواسطة الفكر بين كثرة من الأفراد المتشابهين في الطبيعة والذين هم نتيجة لذلك في نفس الحال.[7]

هذا الاتجاه تواصل في الفلسفة الحديثة مع الأفكار الفطرية عند ديكارت ومع فكرة الكليات عند كانط التي هي المقولات القبلية المستنبطة من المقولات. بيد أن هيجل يقدم ثلاثة معان مغايرة لمفهوم الكلي:

- الكلي العيني يطلق على المعقول المفارق الذي لا يحصل للعقل بالتجريد، مثل المثل الأفلاطونية التي هي كليات عينية موجودة بنفسها بمعزل عن العقول القادرة على تجريدها.

- الموجود الحقيقي الذي ينطوي على ما لا يحصى من الممكنات الخاصéة بالكائنات الفردية.

- المثال الكلي من جهة ماهو متحقق في شخص معين مثل نابليون بونابرت الذي يرمز إلى العقل.

إن الفكرة الهيجلية عن الكلي العيني هي تطوير لهذه الفكرة الكانطية التي تقول إن الكلية الحقيقية هي كلية عينية وليست مضمونا كليا.

من هنا يمكن أن تنشأ أربعة معان لهذا المفهوم المضطرب:

- 1- المفهوم الحقيقي أو الفكرة ، في مقابل المفهوم الزائف بوصفه كليا وشموليا وموجود في كل مكان.و للمفهوم الزائف صورتان : إحداهما كلية لكن دون تحقق عيني دقيق والأخرى عينية لكن دون كلية حقيقية، أما المفهوم المحض فيجمع بين الصورتين ليكون كلينا عينيا.

- 2- الوحدة الكلية أو التنظيمية في مقابل الوحدة التماثلية التي تطلق عليها عادة كلمة كلية عالمية.

- 3- كائن يتسم على نحو رفيع بالنموذج الذي تجسده الكائنات الأخرى تجسيدا ناقصا بحيث يكون بمثابة المثال التي تسعى إلى بلوغه.

- 4- المحسوس العيني بوصفه مترادفا ، إن الكلي المفهوم بهذا النحو هو في جوهره إذن صيرورة وحركة وفي نفس الوقت كائن حقيقي نظرا لكونه كائن حي أيضا.

على هذا النحو إن الكلي هو ما له صفة منطقية كلية في مقابل ما يكون مختصا أو ما لا يؤخذ إلا أخذا خاصا. وهو أيضا ما يعبر عنه بحد عام بحيث يمكنه أن يكون محمولا لموضوعات شتى. وتستعمل الكلمة بصيغة المفرد وتستعمل أيضا بصيغة الجمع وفي عبارة "مبادئ كلية وضرورية" يستعمل الكلي بوصفه الذي يشمل العالم بأسره وفي الآن نفسه بوصفه المشترك بين كل العقول.

عندئذ يظهر أن هناك التباس عند الخلط بين الكلي والعام وبين المعنى الكلي والكلي العيني ولذلك يجب التفريق بين المثال والمفهوم كما فعل شوبنهاور وبين الأفكار العامة التي هي نسخ والأفكار العامة التي هي نماذج كما فعل تين. كما إن التفريق بين الكلي العيني والكلي المجرد هو أمر ممكن ومطلوب، لأن الكلي العيني هو النموذج المثالي الذي تستمد منه الأشياء وجودها منه، بينما يتكون الكلي المجرد من عملية للفكر يستخلص الذي يستخلص العناصر المشتركة من عدة أشياء ويعبر عنها بالمفهوم. لكن ما معنى قول القديس توما الاكويني:" إن الكلي ليس له وجود وحسب في عقلنا ووجود في الأشياء الجزئية بل له وجود أيضا في الروح الإلهي؟ وأليس حب الحقيقة هو المعنى الكلي الذي يبحث عنه دون أن يجده كل إنسان في حياته؟

4- آفاق مطلب الكلي:

"إن الخير الكلي قائم فينا وهو ذاتنا وليس نحن" باسكال[8]

إن اعتبار الكلي المجرد والعام هو المعنى الكلي والكلي الحقيقي هو نتاج هذا الابتسار الشائع جدا بين الفلاسفة والذي يسند لكل كلمة معنى واحد. ومن النافل التذكير بأن الفلسفة المعاصرة تعترض بشدة على مثل هذه الأوهام التي تتغذى من الخلط بين المسائل الدلالية والمسائل القيمية وتستشكل مبحث الكلي في علاقة بالتاريخي كما فعل بول ريكور على سبيل المثال. ومن جهة أخرى كما قدم ألان باديو ثمانية أطروحات حول الكلي هي على النحو التالي:

- "العنصر الخاص بالكلي هو الفكر.

- كل كلي هو فريد أو تكون له فرادة ما.

- كل كلي يصدر عن حدث وهذا الحدث هو غير متعد إلى جزئيات الوضعية.

- إن كلي ما يظهر بالأساس كقرار لا يمكن إقراره.

- الكلي يمتلك بنية تضمينية.

- الكلي متواطئ

- كل فرادة كلية هي غير مكتملة أو مفتوحة.

- الكلية هي ليست شيء آخر سوى بناء وفي لكثرة من الأنواع اللامتناهية." [9]

ننتهي إلى التأكيد على أن "الكوني هو الذي يمكن أن ينطبق على الجميع ، وهو أيضا الذي يمكن أن يعترف به في جميع أنحاء العالم ويقبل الاستخدام على صعيد المعمورة بأسرها". لكن كيف يمكن صناعة الكلي بالنسبة للفرد دون التضحية بمستقبل المجتمع وتعريض حياة الآخرين للخطر ؟ ما السبيل إلى اختبار فعالية الكلي وصلاحيته الترتيبية؟ هل نضحي بالخصوصي من أجل بناء الكلي؟ كيف ننقذ الخصوصي دون إهمال مطلب الكلي؟ وماهي قيمة الكلي؟ وما علاقته بالوجود الانساني؟ وأية منحة يقدمها للإنسانية في زمن العولمة؟

المراجع:

- موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت- باريس، الطبعة الثانية 2001.

- جلال الدين سعيد ، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر،تونس، طبعة1998 .

- عبد الرحمان بدوي، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،الجزء الثاني

- برترند رسل، مشاكل الفلسفة، طبعة لندن، سنة 1946،

Alain Badiou, HUIT THÈSES SUR L'UNIVERSEL, L'AVEU DU PHILOSPHE, Centre d'Étude de la Philosophie Française Contemporaine - 11 novembre 2004

Pascal, Pensées, édition Brunschvicg.

[1] Pascal, Pensées, édition Brunschvicg, fragment 231.

[2] موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت- باريس، الطبعة الثانية 2001، ص.1506.

[3] ذكره جلال الدين سعيد ،في معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس ، طبعة1998 ،ص.378.

[4] عبد الرحمان بدوي، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،الجزء الثاني، ص.ص.266.267,268

ذكره جلال الدين سعيد ،في معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس ، طبعة1998 ،ص.378[5]

[6] برترند رسل، مشاكل الفلسفة، طبعة لندن، سنة 1946، ص.93.

[7] عبد الرحمان بدوي، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،الجزء الثاني، ص.ص.266.267,268

[8] Pascal, Pensées, édition Brunschvicg, fragment 485.

[9] Alain Badiou, HUIT THÈSES SUR L'UNIVERSEL, L'AVEU DU PHILOSPHE, Centre d'Étude de la Philosophie Française Contemporaine - 11 novembre 2004


ليست هناك تعليقات: