الاثنين، سبتمبر 28، 2009

معركة وقف الاستيطان الرئيس يستغيث

محمد داود

يخوض الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" معركة سياسية دولية ضارية لوقف الاستيطان، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من أراضي عام 1967م. وإقامة الدولة الفلسطينية، إذ أن إخلاء المستوطنين من الضفة الغربية هو استحقاق فلسطيني تاريخي وباعتراف من المجتمع الدولي، لأن الاستيطان جريمة حرب ولأن نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي التي تحتلها هو بالأصل عمل غير مشروع أدانته كافة قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية والاستيطان واعتبرته غير شرعي وفي أكثر من مرة دعا مجلس الأمن إلى إزالة كافة المستوطنات باعتبارها ليست ذات مستند قانوني؛ كما أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية نص أن الاستيطان جريمة حرب كما وصفها ميثاق روما ومنظمة الصليب الأحمر والكثير من الدول والهيئات والمنظمات أن الاستيطان جريمة حرب، وهذا يساعد الرئيس "عباس" وبدعم عربي ودولي أن يخوض معركة دولية لوقف الاستيطان وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جميع مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد كان جدار الفصل العنصري الذي أقيم على أراضي المواطنين في الضفة الغربية هو جزءاً من هذه المعركة الظاهرة، وما يدور اليوم في القدس وفي باحات المسجد الأقصى المبارك على وجه التحديد وفي الخليل وفي كل مكان في فلسطين من اعتداءات يومية،... وجرائم طمس وتهويد وقضم وتقتيل ضد البشر والأرض وضد المقدسات الفلسطينية، استباح فيه الاحتلال الأرض والعرض ليكمل مشروعه الاستيطاني التدميري وجلب اليهود وغيرهم من شتى بقاع الأرض إلى ارض فلسطين في خطوة منه لقلب المعادلة الديمغرافية لاسيما في مدينة القدس وجعلها وطناً لليهود فقط.

كل هذه الجرائم تأكد نازية المحتل الذي ارتكب جرائم بحق الإنسانية منذ عام 1948م وماقبل ذلك، سعياً لاستكمال مشروعه الصهيوني الكولنيالي على أرض فلسطين التاريخية وهو يخوض ويرتكب المجازر ويرسم الخطط التي تأتي استكمالاً لمشروع هرتسل وما تبعه إلى شارون الذي نفذ خطته الانفصالية والتي أخذت سمة الطابع العسكري، والمتمثلة في الانسحاب التكتيكي من غزة من طرف واحد لخلق واقع جديد يكرس الاحتلال. فكانت سياسة شارون الاستيطانية وخطة فك الارتباط مع غزة مع تركيز الاستيطان في الضفة الفلسطينية وبموافقة أمريكية من خلال السماح للحكومة الإسرائيلية باستخدام خارطة الطريق استخداماً بيانياً فقط، ولأن خطة فك الارتباط والاستيطان تلقى تعارضاً صريحاً مع خارطة الطريق، التي هي عبارة عن تفكيك مستوطنات غزة وبالمقابل ضم المزيد من الأراضي في الضفة الغربية لترسيخ الاستيطان وتدعيمه أو الاحتفاظ بمواقع وقواعد عسكرية داخلية عبر نقل مواقع القطاع إلى مواقع أخرى. والإبقاء على قطاع غزة سجناً كبيراً يحيط به جيش الاحتلال من الخارج ويسيطر على منافذه المختلفة، ناهيك عن السيطرة على مجاله الجوي والبري والبحري ومواصلة العدوان، وتشريع بناء جدار الضم الذي تعتبره الخطة حاجزاً أمنياً وليس سياسياً مؤقتاً وتسويق أن الانسحاب هو خطة سلام ترتكز على الانسحاب من قطاع غزة. بينما تواصل فرض المزيد من التدهور على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية داخل الأراضي المحتلة وتعزيز السيطرة على كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. كذلك ساعدت الخطة على مواصلة تنصلها من التزاماتها القانونية والأخلاقية بموجب القانون الدولي، رغم ذلك لا يزال الاحتلال يتحكم بإصدار البطاقات ويرفض طلبات لم الشمل والتدخل في حركة تنقل المواطنين والبضائع لاسيما على معبر رفح الحدودي وغيره من المعابر التجارية.

لقد بات واضحاً أن فصل الضفة الغربية عن غزة كان هدفاً استراتيجياً عمل الاحتلال الإسرائيلي قديماً وحديثاً على الدفع باتجاهه وخلق الظروف الملائمة التي يمكن أن تؤدي إليه أو تعززه وتكرسه. فالاحتلال لم يوافق إطلاقاً خلال مفاوضات "أوسلو" على وجود ممر أرضي يربط بين شطري الوطن تجسيداً للقبول النظري أو الرمزي بأن الأرض الفلسطينية تشكل وحدة جغرافية واحدة؛ فكان أن تمخض اتفاق "أوسلو" من جملة ما تمخض عنه بالقبول بمرور آمن بديلاً عن الممر الأرضي وحتى هذا المرور الآمن لم تلتزم إسرائيل بتوفيره، وظل تحت رحمتها تتحكم به كيفما تشاء ومتى تشاء ولو امتلكت القيادات الفلسطينية حينها قدراً من البصيرة السياسية لشكل هذا السلوك الإسرائيلي تجاه الممر الأمن إنذاراً مبكراً بما تهدف إليه وتخطط له إسرائيل من سعي دءوب لفصل غزة عن الضفة. ثم كانت خطة شارون بالخروج من غزة جنوداً ومستوطنين وليس إنهاء لاحتلالها وهنا غابت البصيرة السياسية أيضاً عن رؤية السياق الذي تمت به خطوة شارون والتي لم تعد كونها إعادة انتشار تحول معها قطاع غزة إلى سجن كبير خاصة بعدما تعزز ذلك بالحصار الظالم والذي هو بمثابة أعلى أشكال العقاب الجماعي، وبهذا خطت إسرائيل خطوات متقدمة على طريق الفصل بين غزة والضفة والاستفراد بالضفة الغربية ومكن مطامع المشروع الصهيوني الاستيطاني.

لذلك قيام الدولة الفلسطينية لن يكون بمعزل عما تفكر به "إسرائيل" أي فرض أمر واقع على الشعب الفلسطيني وسلطته الفلسطينية وفصائله لمشروع بدأه حزب الليكود ثم كاديما بزعامة شارون - ليفني، وهو المطروح اليوم من جديد في الضفة الغربية من خلال حكومة اليمين التي يتزعمها نتنياهو وقطع أولمرت شوطاً به، ضمن تسوية انتقالية بعيدة المدى، بمعنى آخر إقامة دولة فلسطينية مؤقتة الحدود تتشكل من عدد من المعازل المطوقة بالجدار والمستوطنات من كل جانب، وتأجيل حل القضايا الجوهرية كالحدود الدائمة والقدس واللاجئين والمستوطنات والمياه، وهكذا تبدو الصيغة المطروحة للخروج من المأزق الراهن الذي وصلت إليه عملية التسوية بين العرب وإسرائيل، صيغة غامضة، ففي حين تتحدث عن الدولة الفلسطينية كإطار وهدف للتسوية والحل، إلا أنها تعود لتختزل هذه الدولة في هيئة كانتونات مقطعة الأوصال، وعلى الرغم من أن الإسرائيليين والأمريكيين يتحدثون عن دولة فلسطينية متواصلة المناطق جغرافياً، فالتواصل هنا لا يحدد شكله، فقد يكون على شكل أنفاق أو جسور تربط بين الجزر والمعازل الفلسطينية. لكن في كل الأحوال، هذه الصيغة تحمل في طياتها توافقًا إسرائيلياً أمريكياً على أن الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة غير وارد، وقد سجل الموقف الأمريكي تراجعاً في هذا الخصوص عما توعد به أوباما كما بوش سابقاً أثناء حملته الانتخابية، ويذهب نتنياهو وأيضاً وزير دفاعه باراك أكثر من ذلك في تحدي صريح إلى بناء وحدات استيطانية ومواصلة الضم والجرائم، وحسم الوقائع على الأرض في سباق مع الزمن، والذي سيؤثر بشكل لا يدع مجالاً للشك على الدولة الفلسطينية القادمة، وسيحدد طبيعة وشكل وحدود تلك الدولة، وسط مطالب إسرائيلية بأن يقبل الفلسطينيون والعالم بمبدأ يهودية الدولة. التي تحمل مخاطر ومرحلة مفتوحة من الصراع والأزمات، وليس سبيلا لاحتواء الصراع أو فتح الطريق نحو مسار التسوية.

إن متطلبات قيام الدولة الفلسطينية يحتاج إلى توفير :

1. الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة.

2. إزالة المستوطنات اليهودية من الأراضي الفلسطينية.

3. السيطرة الفلسطينية على المعابر الحدودية مع الأردن ومصر، وعلى موانئها البحرية والجوية.

فإذا كانت حكومة الاحتلال تعتبر القدس طابو مسجلة باسم الإسرائيليين وقضية اللاجئين خطاً أحمر والحدود النهائية ترسمها الجدران والانسحاب من الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية لا يراود ذهن نتنياهو حتى في أضغاث أحلامه فعلام ستجري المفاوضات في المستقبل المنظور. لذلك نحن لسنا أمام اتفاق سلام ولسنا بصدد مشروع إقامة دولة فلسطينية ولا حتى فرصة سلام كما يتحدث الإسرائيليون أو الأمريكيون، لكننا أمام خطة لا تحترم القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، خطة هدفها الحقيقي تعزيز مكانة الاحتلال وإلغاء إمكانية تواصل العملية السياسية التي يفترض أن تصل لحد الإعلان عن قيام دولة فلسطينية.

يفترض ولكن كيف ..؟ وقد أصبح واضحاً أن للانقسام الفلسطيني نتائج وانعكاسات خطيرة ليس فقط على مجمل أوضاع القضية الفلسطينية، بل وعلى مجمل الحياة السياسية الداخلية أيضاً، فقد أدت تداعيات هذا الانقسام عملياً وواقعياً إلى وجود كيانين سياسيين بسلطتين منفصلتين كلاً منهما منشغلاً في ترتيب وترسيخ سيطرته ونظامه. وبهذا الانزلاق الذي يصب في نهاية الأمر في طاحونة سيناريو الفصل الإسرائيلي. وأخطر ما في هذا الانزلاق أنه بدا وكأنه إرادة فلسطينية، فتحول من فصل إسرائيلي قسري إلى انقسام فلسطيني داخلي.

ومع استمرار هذا الانزلاق الفلسطيني الذاتي وتعزيز مظاهر الاستقطاب المحموم والحمالات الإعلانية الشرسة أخذت القضية الوطنية تتراجع وطنياً وعربياً ودولياً على النحو الذي شهدناه في ذات الوقت الذي أمعنت فيه إسرائيل في المضي قدماً في جرائمها وبمشاريع الاستيطان والضم وتهويد القدس وبناء الجدار وتقطيع أوصال الوطن بمئات الحواجز العسكرية ثم حصار غزة والعدوان الوحشي التدميري على غزة بمثابة محاولة إسرائيلية لاستغلال ظروف هذا الانقسام وضمن معطيات أخرى.

إن المقاومة الفلسطينية بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة رسم خططها وإستراتيجيتها العسكرية، خاصة في معاملتها مع الاستيطان والمستوطنين الذين يعيثون في الأرض فساداً بحراسة من جنود الاحتلال. بالتالي يد لوحدها لا تصفق، فالرئيس يشن حملة دولية لحمل إسرائيل على وقف الاستيطان والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالتالي الأمر يستدعي تكاتف فصائل المقاومة ومواجهة المستوطنين عسكرياً.وبهذه المناسبة نحيي مسيرة بلعين الأسبوعية.

كاتب وباحث

ليست هناك تعليقات: