الأحد، فبراير 15، 2009

الوحدة أم الهدنة أيهما أهم ؟

سامي الأخرس
تسابقت القيادات الفلسطينية بجميع مواقفها وألوانها لتسابق الزمن وتهرول إلى القاهرة لوضع اللمسات النهائية على الهدنة المجانية مع المجرم الصهيوني الذي استباح كل شيء في فلسطين عامة ، وغزة خاصة ، ولم تتوان هذه القيادات عن تطويع مواقفها ومواهبها العقلية لتذليل أي عقبات تعترض إبرام هذه الهدنة وصياغتها في صورتها النهائية والتي توحى بمبدأ عام إلتزام المقاومة الفلسطينية بعدم إطلاق النار من غزة مقابل وعود إسرائيلية بفتح المعابر للبضائع ، وفتح معبر رفح بغض النظر عن الصيغة التي سيتم التعامل فيها وفق هذا الملف الذي عليه جدلاً واسعاً من الأطراف المعنية .
ومن المتوقع الإعلان عن هذه الهدنة خلال الأيام القادمة والتي تأتي ضمن اللاسلم واللاحرب بالمنظور الإسرائيلي الذي إتبعته مع سوريا في هضبة الجولان المحتلة ، وهو ما يحقق الرؤية والرغبة الإسرائيلية التي تعبر من خلالها عن التحول في العقيدة الإسرائيلية التي نحت في العقدين الأخيرين لتأمين ورسم حدودها وهو ما نجحت فيه من خلال تأمين كل الجبهات الأخري ، وآخرها الجبهة البنانية بعد حرب تموز 2006م ، وهو ما يؤكد أن العقلية الإسرائيلية التي كانت في السابق تعتمد في حروبها على التوسع الجغرافي باتت اليوم أمام عقيدة وسياسة ومتغيرات فكرية تؤمن بأن بقاء إسرائيل مرهون بمحاربة الانفجار الديموغرافي التي كانت تعيش به من هذا التوسع وهي تدرك إنها جسد غير قابل للذوبان في بيئة تلفظها وعقلية تحاربها وتريد إلقائها في البحر ، مما حدا بها لتحديد أهدافها وأهداف حروبها التي اصبحت ذات أهداف أمنية محضة لا تسعى من خلالها للتوسع الجغرافي وإنما التقوقع داخل حدود رسمتها في الحروب السابقة وثبتتها من خلال قرارات دولية وشرعية دولية منحة لها ، وهذا ما بدأ تنفيذه ضمن مشروع رئيس الوزراء السابق آرئيل شارون والتي بدأها بالانسحاب من الجنوب اللبناني دون أي اتفاقيات أو إلتزامات تقيد حرية التصرف الإسرائيلية وقت الأزمات وهو ما حدث في حرب تموز 2006 والتي من خلالها استطاع تامين حدوده الشمالية مع لبنان ، وهو ايضا ما حدث في غزة عندما تم الانسحاب الآحادي الطرف دون أي إلتزامات ومن ثم شن حربها على غزة لنفس الغاية السابقة كون غزة كانت أخر مناطق التوتر وهي في طريقها لمعالجته بشكل تهدئة طويلة الأمد مع غزة وترك الضفة تحت المطرقة الصهيونية .
لا يحدث هذا بفعل العقلية الإسرائيلية فحسب وإنما هناك أدوات تساهم في إنجاح هذه العقلية ومخططاتها منها أدوات فلسطينية وعربية تلهث خلف السلطة وكرسي الحكم فقط ولا يهمها سوى ذلك كسبيل للبقاء وفرض سطوتها . هذا لا يعنى بأي الأحوال أن الهدنة ليست مطلب مؤقت أو حاجة مؤقته ، ولكنها هدنة منقادة ومفروضة علينا ، لم تحقق لشعبنا الفلسطيني أي منجزات بل هدنة دفعنا ثمنها شلال من الدماء ، وتضحيات لا يمكن التنازل عنها بتلك الاشتراطات وببضع بضائع تتدفق وهنا الحديث يطول ويطول .
وبعودة على قراءة الهدنة وتجلياتها وتلك السرعة في التجاوب معها وتذليل كل العقبات التي تقف أمام إنجازها يطرح سؤال هام وحيوي أين هذا الاتزان السياسي الذي أتضح في مفاوضات الهدنه من إنهاء الإنقسام الفلسطيني الذي قارب على العامين ، والذي اهدر كل المقومات الفلسطينية في حرب ضحيتها الشعب الفلسطيني أولاً وأخيراً ؟ وهل الهدنة مع المحتل بهذه الأريحية بعد مذبحتة الكبرى أهم من الوحدة الوطنية ؟ وهل التفاوض الفلسطيني – الفلسطيني أخطر وأكبر من التفاوض مع إسرائيل والاحتلال ؟
الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني برز كخلاف برنامجي على سلطة أوسلو ، وقاعدته الصلاحيات التي سلبت من حكومة السيد إسماعيل هنية ، والمعوقات التي كانت تضع أمامها فتح ( حسب الإدعاءات ) والتي حاولت العديد من الدول العربية حل هذا الاختلاف الذي لم يصل حد التناقض لأن التناقض الطبيعي مع الاحتلال ووجوده وليس مع قوى فلسطينية مهما كانت برامجها ومشروعها الذي تحمله ، ومع اتفاق مكة ومساعي الوفد المصري الأمني إلا أن كل طرف سعى جاهداً لإفشال أي فرص يمكن من خلالها الإلتقاء أو التقارب ، لأن ما بني على باطل فهو باطل وهذا الاتفاق وهذه المساعي بنيت على اساس المحاصصة الوطنية ، مما زاد من طمع كل طرف في حصة الآخر من خلال استعراض عضلاته وتثوير ماكنته الإعلامية ، والعسكرية ، ولاسياسية ولا زالت تمارس هذه الثورة حتى راهن اللحظة دون أدنى مسؤولية وحس وطني ، بل وسعى كل منهما لإفشال أي محاولات للمصالحة الوطنية تحت العديد من الذارئع والمبررات التي تخفي خلفها أهداف أخرى أكثر خطورة من المعلن واشد ألماً من مؤامرات المحتل الإسرائيلي.
وما بعد حرب غزة بدأت تُطرح قضية المصالحة الوطنية مرة أخرى على بساط البحث لإدارك كل طرف وفريق فلسطيني أنه لن يستطيع كسر إرادة الأخر ولن يستطيع التغريد خارج السرب لوحده مهما تعاظمت قوته ومهما غُرر به غروره ، ورغم ذلك فإن الخطأ يكرر والنوايا ليست صادقة بعد ، وهو الخطأ الذي دفعنا ثمنه وحذرنا منه في اتفاق المحاصصة (مكة ) واتضحت تجلياته ما بعد مكة ألا وهو المحاصصة الوظنية بين ( فتح وحماس ) فهذه المحاصصة ستدفعنا لمعركة قادمة في المستقبل اشرس وأعنف من سابقتها التي لا زالت تطحن فلسطين بآتونها ، ومن هنا فإن اجتماعات القاهرة ليلة أمس بين (فتح وحماس ) ورغم أهميتها كخطوة على الطريق الصحيح إلا أنها لا تبشر بالخير الوطني من خلال الاستفراد بالقضية الفلسطينية والوطنية واخضاعها لحسابات وأهداف الحزبيات ، فالمصالحة الوطنية إن لم تكن شاملة ومتكاملة وعادلة فإنها لن تحقق شيئاً .
وعليه لابد وأن تترك الفصائل الفلسطينية الأخرى عقلية التابع كالذيل ودور الكمومبرس الذي أتقنته جيدا وكأن الأمر لا يتعلق بوجودها ، والقيام بدورها لافعلي والوطني فإن كانت لا تستطيع فعل ذلك فتعلن لجماهيرها ولجماهير شعبنا أنها عاجزة وتحل نفسها وتذوب في شعبها فلا مبرر لوجودها ، وعليها الاختيار بين فرض قرارها ودورها الوطني على الخارطة الوطنية أو مسح هذا الوجود الضي يستنزف من مقومات شعبنا الكثير وهذا موجه بالذات إلا حركة الجهاد الإسلامي ، والجبهتين الشعبية والديمقراطية .
أما إذ اريد أن يكون لهذا الحوار نتائج إيجابية وإعادة توحيد الوطن وابناء شعبنا فلا بد وأن يكون الكل مشارك من قوى وفصائل ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات وطنية مستقلة ومؤسسات أكاديمية وفئات اجتماعية وطلائعية ، وعلى القيادات التي ابدعت في تذليل عقبات الهدنة مع الاحتلال أن تبدع في تذليل العقبات مع الأخوة وإنهاء الانقسام بمظاهرة المشينة والذليلة . والاتفاق بأدق التفاصيل للعودة إلى فلسطين الموحدة ، القوية المتماسكة المستعدة لمعركة البناء والإعمار التي تحتاج جهوداً كبيرة تعجز عن مواجهتها دول وكيانات قائمة.
فشعبنا الفلسطيني بكل أطيافه والوانه يترك أمامكم اليوم سؤال مركزي يحمل في طياته الاستهجان والاستغراب معاً ... لماذا تمت الهدنة مع اسرائيل بكل هذه الليونة والشفافية ، في الوقت الذي يتم فيه تعقيد المصالحة الوطنية ؟ وهنا المحك الفعلي والمنطقي لقدرة القرار الفلسطيني المستقل عن الرد والتفكير بعقلية المواطن الذي لا زال يبحث عن مآوي يستره ، ورغيف خبز يشبعه ، وقطرة ماء ترويه .

ليست هناك تعليقات: